← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني يمكن القول أن كتابات ثلاثة من العلماء على وجه الخصوص, تعد المقدمة العلمية لدراسة النمو الإنساني, وهم كيتيليه وداروين وجالتون، وفيما يلي نعرض إسهاماتهم في هذا الصدد. ١- كيتيليه والبحث الإحصائي للنمو: يعد عالم الفلك والرياضيات البلجيكي أدولف كيتيليه Quetelet ١٨٧٤-١٧٩٦ أول من أحيا دراسة النمو الإنساني على أسس علمية, وتناولها على نطاق مدى الحياة؛ فقد أجرى ما يمكن أن يعد أول بحث مستعرض في التاريخ, تناول فيه النمو من الطفولة إلى الشيخوخة مستخدمًا الإجراءات المنهجية والإحصائية التي كانت وليدة حينئذ, وشملت دراسته موضوعات مثل: الانتحار والجريمة والجناح والمرض العقلي والابتكار, إلى جانب بعض الخصائص الجسمية مثل: ضربات القلب والقوة العضلية والطول والوزن, ولعل إسهاماته أنه نبه إلى بعض مشكلات هذا النوع من البحوث, وأشار إلى الحاجة إلى البحوث الطولية التتبعية "وسوف نناقش في هذا الفصل الرابع طبيعة كلّ من نوعي البحوث المستعرضة والطولية"، واقترح ضرورة مراعاة الاختلافات في الجنس والثقافة والبيئة الجغرافية، وهذه جميعًا تشغل اهتمامات الباحثين في علم نفس النمو منذ نشأته, وحتى الوقت الحاضر. ٢- تشارلز داروين: النمو الإنساني في الإطار البيولوجي, ومنهج كتابة سير الأطفال: جاءت المقدمة الثانية لدراسة النمو الإنساني دراسة علمية من مجال علم الأحياء, وكان هذا العلم قد شهد تطورًا هامًّا عندما أصدر دارون darwin ١٨٨٢-١٨٠٩ كتابه الشهير أصل الأنواع ١٨٥٩, والذي صاغ فيه نظريته في التطور التي أثرت تاثيرًا كبيرًا في الفكر الغربي الحديث. ولا يتسع المقام لعرض معالم النظرية، وحسبنا أن نشير إلى أنها أثرت في

стр. 37

مفهوم النمو الإنساني, وخاصة حين اعتبر الإنسان فيها جزءًا من الطبيعة الحيوانية, وأنه الصورة الأرقى من صور الحياة, ابتداء من الكائنات أحادية الخلية، وعلى الرغم من أن داروين اعتبر الإنسان أكثر الكائنات الحية تعقيدًا في سلم التطور, إلّا أن أفكاره الأساسية تعارضت جوهريًّا مع التعاليم الدينية، ومع المفاهيم الراسخة في الفكر الإنساني -منذ عهد أرسطو- التي تميز تمييزًا كيفيًّا بين الإنسان والحيوان١. وقد أدت هذه الأفكار بداروين إلى إجراء المقارنات بين الإنسان والأنواع الحيوانية, وكان يعتقد أن الأطفال الصغار يشتركون مع الحيوانات الأدنى في خصائص كثيرة، بالإضافة إلى أنهم "أي الأطفال" يلخصون التاريخ التطوري. بالإضافة إلى أن فكرتيه عن الانتقاء الطبيعي، والبقاء للأصلح, أثرتا تأثيرًا كبيرًا في فهمه لطبيعة عملية النمو الإنساني منه والحيواني، حيث لا يستمر في البقاء عن طريق التناسل إلّا تلك الأنواع "والأفراد داخل النوع الواحد" التي يتوافر لها أفضل وسائل التكيف للبيئة المتغيرة, وقد أثرت هذه الأفكار من ناحية أخرى في شيوع مفاهيم التكيف والتوافق في العلوم الإنسانية الناشئة حينئذ، ومنها علم النفس، وفي ظهور الاهتمام بالفروق الفردية والسلالية بين البشر. وتوجد فكرة أخرى لداروين أثرت تأثيرًا كبيرًا في بحوث النمو التالية, وهي وجود علاقة بين تطور النوع ونمو الطفل داخل النوع، وظهر أثرها في الاهتمام بالبحث عن أصول سلوك الراشد وخصائصه في خبرات الطفولة المبكرة، وهي فكرة شاعت على وجه الخصوص في مدرسة التحليل النفسي "عند فرويد". وقد لجأ داروين في دراسته للنمو الإنساني إلى المنهج الذي ظهرت بدايته في القرن الثامن عشر، وشاع في القرن التاسع عشر, وهو كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم, ويتلخص هذا الأسلوب في قيام الآباء بتسجيل يوميات عن نمو أبنائهم, وبعض هذه التسجيلات صدر عن أدباء وفلاسفة, كما صدر بعضه عن علماء. وهذا الأسلوب كان من الشيوع في القرن التاسع عشر حتى أن بعض المؤرخين يذكرون أنه كان من الممارسات العادية للآباء من الطبقات المتوسطة والعليا.

стр. 38

ولهذا نجد داروين في عام ١٨٧٧ ينشر مقالًا عن النمو المبكر لطفله الرضيع Darwin, ١٨٧٧, ووجهت كتابة المقال فكرته العامة حول أهمية النمو الفردي في فهم التطور الإنساني, والواقع أن أسلوب كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم فيه شكٌّ كبيرٌ, وخاصة فيما يتصل بموضوعية البيانات التي سجلها الآباء عن أبنائهم, وذلك للأسباب الآتية: ١- الملاحظات التي أجريت وسجلت في معظم الكتابات كانت تتم على فترات زمنية غير منتظمة، كما ركَّزت على جوانب متفاوتة من سلوك الأطفال، ولهذا كانت البيانات التي هيأتها لنا هذه الطريقة غير قابلة للمقارنة. ٢- الملاحظون الذين قاموا بجمع هذه البيانات وتسجيلها, كانوا في الأغلب هم آباء الأطفال موضع الملاحظة, ولهذا غلب على تسجيلاتهم الأسلوب الانتقائي والتحيز الذاتي؛ حيث كانوا ينتبهون في معظم الأحيان إلى الأحداث السارَّة والشواهد الإيجابية، ولا ينتبهون إلى الأحداث غير السارة والشواهد السلبية. ٣- الباحثون الذين قاموا بجمع هذه الشواهد والأدلة لديهم أفكار قبلية وافتراضات مسبقة حول طبيعة النمو الإنساني، وعلى الرغم من أنها أقرب إلى الفروض التي تتطلب الاختبار منها إلى البديهيات التي يتم التسليم بصحتها, ولهذا كان من الواجب وضعها موضع الاختبار للتحقق من صحتها، إلّا أن ما حدث أن هذه الأفكار والافتراضات القبلية وجهت ملاحظات وتسجيلات هؤلاء الباحثين, ولهذا يلاحظ القارئ لمعظم هذه السير والتراجم للأطفال أنها لم تجمع إلّا الملاحظات التي تتفق مع وجهة نظر الباحث، ويتضح ذلك على وجه الخصوص في السيرة التي كتبها داروين عن طفله، ولهذا لا تعد في الوقت الحاضر دليلًا عمليًّا يعتد به. ٤- جميع هذه السير والتراجم أجريت على طفل واحد فقط، وبالطبع فإن المنهج العلمي يحذرنا من التعميم من حالة واحدة على حالات أخرى, ويحتاج هذا التعميم إلى أن نجري الدراسات على "عينات" ممثلة للأطفال الذين نسعى إلى وصفهم ودراستهم, وهذا المنهج لم يتقدم إلّا في القرن العشرين. وعلى الرغم من أن أسلوب سير الأطفال وتراجم حياتهم لم يكن مفيدًا

стр. 39

كمصدر للمعرفة حول النمو الإنساني، إلّا أن هذه السير تضمنت إلى جانب ما فيها من أخطاء فادحة بعض الاستبصارات الهامة, ولعل أهم ما فيها أنها كانت خطوة في اتجاه الاهتمام بالطفل, فمجرد أن يكتب كبار الفلاسفة والمفكرين والعلم عن الطفل وجَّه الانتباه إلى نمو الإنسان ليصبح موضوعًا يستحق البحث العلمي المنتظم. ٣- فرنسيس جالتون وبحوث وراثة السلوك الإنساني: قدَّم العالم البريطاني فرنسيس جالتون Galton ١٩٩١-١٨٢٢, إسهامًا هامًّا آخر في ميدان الدراسة الناشئة حينئذ للنمو الإنساني؛ فقد كان من بين اهتمامات جالتون العديدة التعرف على مصادر الفروق الفردية، وتطلَّب منه ذلك إجراء دراسات مسحية منظمة على مئات الأشخاص من مختلف الأعمار، وأدَّى ذلك إلى اقتناعه بأن الانتقال الوراثي للسمات من جيلٍ إلى آخر هو المسئول الأكبر عن تنوع السلوك الإنساني, واستخدم في سبيل البرهان على صحة أفكاره طرقًا شتَّى؛ منها المقارنة بين التوائم المتطابقة, والتوائم الأخوية، ودراسة شجرة الأنساب, وخاصَّةً لعدد كبير من العباقرة في مختلف جوانب الحياة, وبهذه الدراسات هيأ جالتون المسرح العلمي لإعادة بحث المسألة الخلافية الأساسية في تاريخ الفكر الإنساني, والتي تدور حول الفطرة والخبرة. ولعل أهم إسهامات جالتون أنه تجاوز مرحلة التأمل النظري حول هذه المسألة وغيرها، ولجأ إلى الأسلوب العلمي الذي يعتمد في جوهره على الملاحظة المنظمة، وابتكر الوسائل التي تعين على هذه الملاحظة، ومن ذلك بناء الاختبارات العقلية Tests، والاستخبارت أو الاستبيانات النفسية Questonnaires, وابتكر الكثير من الأساليب الإحصائية, وطوَّرَ معظمها بحيث تصبح ملائمة للاستخدام في دراسة السلوك الإنساني، وهكذا كان الجو مهيأ لظهور علم نفس النمو الحديث.

стр. 40

سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته, بدأ في التشكيل مجال للدراسة العلمية جوهر اهتمامه هو النمو الإنساني, ولأول مرة نجد أشخاصًا ليسوا في الأصل من الفلاسفة أو الفسيولوجيين أو البيولوجيين يكرسون جهودهم لملاحظة الإنسان وجمع البيانات لبناء هذا العلم الجديد, وعلى الرغم من أنه من الصعب أن نختار تاريخًا بذاته يحدد نشأة النمو الإنساني كعلم, فإننا نرى أن فترة نصف القرن التي تمتد بين ثمانينات القرن التاسع عشر "١٨٨٠ وما بعدها" وعشرينات القرن العشرين "١٩٢٠-١٩٥٢", هي الفترة التكوينية لهذا العلم، وهي في نفس الوقت فترة الخصوبة العلمية للعالِمِ الأمريكي العظيم ج. ستانلي هول "١٨٤٤-١٩٢٤" الذي يعد المؤسس الشرعي لهذا العلم. لقد تنبيه ستانلي هول إلى نقائص سير الأطفال المعتمدة على دراسة طفل واحد، فاتجه إلى جمع بيانات أكثر موضوعية من عينات كبيرة من الأطفال, وتركز اهتمامه خاصة على طبيعة تفكير الطفل، واستعان على دراستها بالطريقة التي ابتكرها جالتون وهي الاستخبار "أو الاستبيان", وحاول توظيفها في مجال اكتشاف محتوى عقول الأطفال، على حد تعبيره, ونشر أول دراسة له حول الموضوع عام ١٨٩١ S. Hall, ولعل أهم ما لفت نظره أن فهم الأطفال للعالم المحيط بهم يتزايد بسرعة فائقة خلال مرحلة الطفولة المبكرة, كما اكتشف أيضًا أن طريقة الطفل في الاستدلال تبتعد كثيرًا عن القواعد التي يحددها المنطق الصوري, وكانت هذه الدراسة أول بحث علمي في التاريخ يلتزم بأصول وقواعد منهج البحث, يجري على نطاق واسع ويشمل عينة كبيرة من الأطفال النامين, وربما لهذه الزيادة العلمية يستحق ج. ستانلي هول, فضل أن يكون مؤسس علم نفس النمو الحديث. وفي عام ١٩٠٤ ثم في عام ١٩٠٥ نشر له كتابه الشهير عن المراهقة في مجلدين "S. Hall, ١٩٠٤, ١٩٠٥", ويعود الفضل إلى ستانلي هول في ابتكار مصطلح المراهقة Adolscence للعبير عن هذه المرحلة الهامة في النمو الإنساني. وكانت لستانلي هول إنجازاته الأخرى التي تدعم له مكانته في الريادة, لقد كان أول أمريكي يحصل على درجة الدكتوراه في علم النفس عام ١٨٧٨ بعد دراسته في جامعة هارفارد على يد الفيلسوف والمربي العظيم وليم جيمس "لاحظ أنها قبل إنشاء معمل فوندت في ليبزج عام ١٨٧٩", وله شهرته في إنشاء الجمعية الأمريكية لعلم النفس "أشهر الجمعيات السيكولوجية في العالم"، وفي إصدار وتحرير عدد من المجلات العلمية السيكولوجية, لعل أهمها مجلة علم النفس النشوئي journal of Genetic Psychology التي لا تزال تصدر حتى الآن, والتي اهتمت على مدى القرن العشرين ببحوث النمو الإنساني, بالإضافة إلى تدريب عدد كبير من علماء نفس النمو, ونشر الكثير حول جوانب النمو الإنساني خلال مراحل الطفولة والمراهقة والشيخوخة. وعلى الرغم من هذه الإنجازات الكبيرة فإن أثر ستانلي هول هبط بسرعة بعد وفاته, ولعل من أسباب ذلك اتساع نطاق اهتماماته, والتي لم تسمح له بتناول أيّ موضوع على نحو أكثر عمقًا من التحليل العام السطيح. ولهذا لم يقدم

стр. 41

نموذجًا نظريًّا واضحًا للنمو الإنساني, كما يلاحظ على كتاباته أنها لم تتسم بدرجة كافية من الدقة بحيث تسمح بالتعرف على فروض قابلة للاختبار, وعلى الرغم من أنه ركَّزَ على قيمة الملاحظة غير المتحيزة والبحث التطبيقي والأسس البيولوجية للسلوك, إلّا أنه تحيز في بعض كتاباته عند تناول المسائل الخلافية, ومن ذلك: المبالغة في تأكيد دور الفطرة على حساب الخبرة؛ فالنضج عنده -وهو نتاج الوراثة- هو الأكثر مسئولية في التأثير على مسار النمو الإنساني, وربط في سبيل ذلك بين البيولوجيا التطورية عند داروين، والفلسفة الطبيعية عند روسو. وشاعت في كتاباته العبارة الشهيرة "النمو الفردي هو تكرار ملخص للتطور البشري" وهي فكرة دحضتها البحوث الحديثة في النمو, ومن أفكاره الأخرى التي لم تعد مقبولة في علم النفس الحديث افتراضه أن المراهقة هي سلسلة حتمية في كل الأحوال من الصراعات الانفعالية, تصل إلى حدِّ وصفها بأنها مرحلة "العواصف والشداد" storm and stress، وهو افتراض أكدت الدراسات الثقافية المقارنة أنه حالة خاصة للمراهق في المجتمع الغربي الصناعي الحديث. ومع ذلك, فإن فضل ستانلي هول أنه ارتاد الميدان، ولعله في ذلك لا يختلف عن ولهلهم فلوندت, منشيء علم النفس التجريبي الحديث, لقد كان الإنجاز العملي التطبيقي لكلٍّ منهما يفوق كثيرًا إبداعه السيكولوجي.

стр. 42

الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو مدخل ... الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو من حقائق تاريخ علم النفس, أن الدين هو أحد المصادر العظمى التي انبثق منها هذا العلم "فؤاد أبو حطب، تحت الطبع", وربما لهذا السبب لعب الدين دورًا أساسيًّا في البدايات المبكرة لعلم النفس في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, وتتوافر إسهامات كبرى لعدد من الرواد الأوائل, نذكر منهم على وجه الخصوص فوندت، ستانلي هول، وليم جيمس، كارل يونج, وغيرهم. إلّا أن هذا الاهتمام سرعان ما تناقص أو تلاشى لأسباب عديدة, لعل أهمها سيطرة السلوكية على التيار الرئيسي لعلم النفس. وحينما شهد علم النفس بعثًا جديدًا منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين, عادت المفاهيم التي أهملت لزمن طويل, وعلى رأسها مفهوما "العقل" و"الروح" إلى بؤرة الاهتمام العلمي, وقاد هذا التحول الأساسي في الوجهة العلمية Paradigm في الثقافة الغربية كل من علماء النفس المعروفيين وأصحاب الاتجاه الإنساني، ونتج عن ذلك كله تغير كامل في مفهوم العلم وطبيعته. لقد أقيم المفهوم الكلاسيكي للعلم والذي عاش طويلًا في ثقافة الغرب على النزعة "الوضعية", والتي تطورت في القرن العشرين إلى صورتها الأحديث وهي "الوضعية المنطقية", وكانت السلوكية في كل مراحل تطورها مرآة عاكسة للوضعية في كل أحوالها وتجلياتها "١٩٩٧Abou - Hatab, ١٩٧٢, ١٩٧٨, ١٩٩٢", وهو تصور يتسم في جوهره بالمادية والفيزيائية والميكانيكية والموضوعية. ولهذا كان التضاد صريحًا بين العلم بهذا المعنى، والدين الذي افترض فيه أنه يتسم بالذتية والقيمية والخصوصية "Abou - Hatab, ١٩٩٧". وشهد عقد الخمسينات من القرن العشرين صعود تيار "ما بعد الوضعية" Post Positivistic وفيه يتأسس العلم على أربعة مسلمات أساسية هي: ١- معطيات العلم وخصائصه ونظرياته ذت طابع تفسيري وليست محايدة تمامًا كما افترضت الوضعية "والسلوكية".

стр. 43

٢- العلم مشروع ثقافي لا يمكن اختزاله إلى مجموعة من الخطوات الإجرائية كما ادعت الوضعية. ٣- التطور العلمي ليس نتاج التراكم التدريجي للمعرفة كما زعمت الوضعية, وإنما هو نتاج تطور في النظريات العلمية وفلسفات العلم وفي وجهاته Paradigms. في هذ الإطار العام للعلم المعاصر, نعرض في هذا الفصل المنظور الإسلامي للنمو الإنساني, ونبدأ بعرض آيات القرآن الكريم المتصلة بالنمو، والتي تتضمن الكثير من جوانب الإعجاز العلمي لكتاب الإسلام الخالد، وهي الجوانب التي أشار إليها في السنوات الأخيرة علماء الأجنة وعلماء النفس "فؤاد أبو حطب، ١٩٨٥". وبعد ذلك نننتقل إلى تناول النمو في السنة النبوية الشريعة، ثم عند فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم، وننتهي بعرض لنموذج للنمو الإنساني في هذا الإطار الإسلامي الشامل, ونربطه بالسياق المعاصر للعلم عامة ولعلم النفس خاصة.

стр. 44

أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم: يتناول القرآن الكريم في مواضع كثيرة خلق الإنسان ونموّه، ويمكن أن تنقسم آيات خلق الإنسان إلى قسمين: ما يتصل منها بخلق آدم ﵇، وهو من باب الغيب الذي على المسلم أن يؤمن به، ثم ما يتصل منها بخلق الإنسان من سلالة آدم، والذي حدّدَ القرآن الكريم معالمه، وهو ما نتناوله هنا لاتصاله المباشر بموضوع علم نفس النمو. ١- آيات الله في تكوين الإنسان: يحدد القرآن الكريم الطريق العادي لوجود الإنسان كنتاجٍ لاتصال الذكر بالأنثى١ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] ٢. وفي هذا إشارة صريحة إلى أن خلق الإنسان من جزء من الذكر "وهو الحيوان المنوي" وجزء آخر من الأنثى "وهو البويضة الأنثوية", ويفسر لنا ذلك

стр. 45

قول مريم حين بُشِّرَتْ بعيسى ﵇: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾ [آل عمران: ٤٧] . ويحدد القرآن الكريم المادة التي يُخْلَقُ منها الإنسان نتيجةً لهذا الاتصال الجنسي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِين﴾ [السجدة: ٧-٨] . فإذا كان خلق آدم ﵇ -أبو البشرية- من طين، فإن خلق نسله -وهم البشر جميعًا- من ماء مهين. والماء المهين -بإجماع المفسرين- هو المني الذكري. والمقصود بالسلالة هنا "الخلاصة"، ومعنى ذلك أن خلق نسل آدم من خلاصة المني الذكري الذي يفرزه الرجل عند الاتصال الجنسي بالمرأة, وهذه الخلاصة هي التي يشير إليها علماء الأجنة والوراثة في الوقت الحاضر بالحيوان المنوي, وفي هذا القول القرآني إعجاز علمي رائع, فلم يتوصل هؤلاء العلماء إلّا في القرن العشرين إلى الحقيقة العلمية القائلة بأن الحيوانات المنوية تؤلف فقط ما بين ٠.٠٥%، ١% من مجموع المني الذكري "الماء المهين"، وأن من بين هذه الحيوانات المنوية التي يبلغ عددها في المرة الواحدة بضع مئات الملايين لا ينجح إلّا حيوان منوي واحد -بتقدير الله تعالى- في تقليح البويضة الأنثوية، وهو بذا يصبح "خلاصة"الماء المهين على حد معنى التعبير القرآني المعجز "محمد علي البار، ١٩٨٦". ويحدد القرآن الكريم خصائص المني الذكري بأنه سائل سهل التدفق، ويصفه بأنه ﴿مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] . ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥-٦] . ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . كما يحدد أيضًا الموضع الذي يخرج منه، فيقول تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦-٧] . ويذكر العلماء المحدثون "عبد الخالق همت شبانه، ١٩٨٥" أن المفسرين القدامى ذهبوا إلى أن الصلب هو العمود الفقري للرجل، والترائب هي عظام صدر المرأة، وأن ماء الرجل الدافق يلتقي بماء المرأة الدافق الذين يشتركان في تكوين

стр. 46

الجنين، وهو كلام غير صحيح من منظور العلم الحديث, إلّا أن العلم الحديث ينسب كلًّا من الصلب والترائب إلى الرجل, وهو تفسير يتفق أيضًا مع السياق القرآني، كما يتفق مع العلم الحديث الذي يؤكد أن الحيوان المنوي للذكر يلعب الدور الحاسم في تكوين الجنين كما سنبين فيما بعد. إلّا أن المني وحده لا يكفي لتكوين الإنسان جنينًا في رحم الأم, وقد أشار القرآن الكريم إلى النطفة باعتبارها المادة التي يتم منها هذا التكوين, وقد وردت كلمة "نطفة" في القرآن الكريم في اثني عشر موضعًا, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] . ويرى عدنان الشريف "١٩٨٧-١٩٨٨" أن معنى "النطفة" هنا يجب ألّا يقتصر على المني الذكري "أي ماء الرجل" -وهو المتعارف عليه في بعض التفاسر- وإنما يجب أن يمتد ليشمل ماء المرأة. وهذا ما يراه أيضًا محمد علي البار "١٩٨٥"؛ حيث يذكر أن النطفة قد تكون مذكرة أو مؤنثة، والنطفة المذكرة هي جميط الذكر، والنطفة المؤنثة هي جميط الأنثى, ويدعم هذا الرأي أن الخطاب في هذه الآية الكريمة للرجل والمرأة وليس للرجل فقط, كما يدعمه أيضًا الحديث النبوي الشريف الذي يشير إلى نطفة الرجل ونطفة المرأة كما سنبين فيما بعد. هذه النطفة المذكرة "الحيوان المنوي", وتلك النطفة المؤنثة "البويضة الأنثوية", يندمدجان معًا ليتكون من بعض كلٍّ منهما نطقة جديدة مخصبة من كلٍّ منهما, هي التي يسميها علم الأجنة "اللاقحة" أو "الزيجوت", وهي تمثل الطور الأول من تكوين الجنين كما سنوضح في الباب الثاني فيم بعد, ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية تعبيرًا معجزًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] . والأمشاج هي الأخلاط الناتجةعن امتزاج ماء الرجل بماء المرأة, وفي هذا تفسير لقةوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] . الذي سبق الإشارة إليه, ويذكر محمد علي البار "١٩٨٦" أن الإعجاز العلمي الباهر لهذه الآية الكريمة يتمثل في أن الباحثين لم يعلموا شيئًا عن النطفة الأمشاج المكونة من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلّا عام ١٨٧٥ على يد هيرتفج

стр. 47

Hertwig, وفي عام ١٨٨٣ استطاع فان بندن Van Benden أن يثبت الإسهام المتساوي لكلٍّ من الحيوان المنوي والبويضة الأنثوية في تكوين النطفة الأمشاج "اللاقحة أو الزيجوت كما تسمى في علم الأجنة". ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن في هذ الموضوع إذا علمنا أن أرسطو الذي ظلت آراؤه مسيطرة على الفكر الإنساني لأكثر من ألفي عام, كان يعتقد أن الجنين يتكون من دم حيض المرأة النشط, ولم يقابل هذا الاعتقاد بأي معارضة علمية إلّا من علماء القرآن والحديث المسلمين في العصر الإسلامي على أساس الآيات القرآنية. كما فند القرآن الكريم أيضًا الاعتقاد اليهودي القائل بأن إتيان المرأة في فرجها من جهة ظهرها ينتج عنه طفل أحول, أضف إلى ذلك رفض الاعتقاد الذي ظلَّ سائدًا -حتى قرب نهاية القرن التاسع عشر- وخلاصته أن الجنين كامل التكوين يكون موجودًا بصورة مصغرة في المشيج الذين ينشط عن طريق الحيوان المنوي, وكان هذا كله ضد ما أثبته العلم الحديث الذي وافقت حقائقه آيات القرآن الكريم المعجزة، ابتداء من عام ١٨٥٨ على يد ردي، ثم عام ١٨٦٤ على يد باستير، ثم ما أثبته علم الوراثة بعد ذلك حول وجود الجينات "محمد طاهر وآخرون، ١٩٨٥". ويحدد القرآن الكريم موضع النطفة الأمشاج أو اللاقحة في رحم الأم، وهذا ما أجمع المفسرون على معنى قوله "القرار المكين" ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] . ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠-٢١] . ويرى عدنان الشريف "١٩٨٧-١٩٨٨" أن للقرار المكين ثلاث معانٍ قرآنية تبعًا للمعاني الثلاث للنطفة. أ- رحم المرأة: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة في الآيات القرآنية السابقة بمعنى البويضة المخصبة، والتي تمثل الطور الأول في تكوين الجنين؛ ففي الرحم لا يستقر إلّا هذه البويضة الملقحة, وكل من الحيوانات المنوية والبويضة سرعان ما تموت إذا لم تتلاقح في أنبوب الرحم. ب- مبيضا المرأة: بشرط أن يفهم الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء المرأة في الآيات الكريمة "فمن الوجهة العلمية يستقر ماء المرأة, أي: نطفها, في المبيضين عندها منذ الشهر الرابع من حياتها, حتى تخرج النطف دوريًّا من المبيضين مرةً كل شهر بعد بلوغها سن النضج الجنسي الذي يمتد

стр. 48

عادة بين سن التاسعة وسن السادسة عشرة كحد أدنى وحد أقصى "عدنان الشريف، ١٩٨٧"١. ج- الحويصلة المنوية عند الرجل: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء الرجل, فمن الوجهة العلمية يستقر ماء الرجل الذي تفرزه خصيتاه بصورة دائمة منذ بلوغه سن النضج الجنسي في الحويصلة المنوية٢ ويخرج منها وقت الاستمناء. ويؤكد علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء أن الرحم والمبيضين والحويصلة المنوية هي كلها قرار مكين "أو مكان آمنٍ" لاستقرار النطفة التي تبقى في هذه الأعضاء لوقت معلوم في كل حالة٣, والرحم والمبيضان والحويصلة المنوية هي أماكن آمنة لنطف من خلال موضعها في الجسم. فالرحم والمبيضان عند المرأة والحويصلة المنوية عند الرجل تقع في الحوض, وهو عبارة عن جسم عظمى يحيط بها من جميع الجهات، كما أنها معلقة بأحزمة وأربطة متينة ومرنة في نفس الوقت, وهي تتصل بمختلف العضلات والأعضاء الموجودة في الحوض. ويزداد فهمنا للمعنى المعجز للوصف القرآني "القرار المكين" إذا علمنا التفاصيل الدقيقة التشريحية والفسيولوجية للرحم والمبيضين والحويصلة المنوية, وهو ما لا يتسع له نطاق هذا الكتاب، ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى الكتب الطبية المتخصصة. ٢- آيات الله في نمو الإنسان قبل الولادة: تشير الآيات القرآنية الكريمة بشكل صريح إلى أن نمو الإنسان بعد تكوينه من المادة الأساسية التي يخلق منها، إنما يمر بمراحل يتطور بعضها من بعض ويتلو بعضها بعضًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٣-١٤] .

стр. 49

ويقول تعالى أيضًا: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] . ويفصِّلُ القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان في مرحلة الجنين, يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الحج: ٦] . ونعرض في هذه المراحل كما وردت في القرآن الكريم، أما خصائصها العلمية كما كشف عنها العلم الحديث فسوف نتناولها بالتفصيل في الباب الثاني من هذا الكتاب. أ- مرحلة النطفة: ورد ذكر النطفة في القرآن الكريم في اثنى عشر موضعًا على ثلاث معانٍ -كما ذكرنا- وهي: النطفة المذكرة والنطفة المؤنثة والنطفة الأمشاج, وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي والبويضة عندما يتم الإخصاب, والمعنى الثالث هو الذي يمثل المرحلة الأولى من تكوين الجنين ونموه وتطوره. وتشير الآيات القرآنية الكريمة إلى الدور الحاسم للوراثة مع التكوين الأولي للنطفة, ويعبر القرآن الكريم عن الوراثة بتعبيره البليغ "التقدير", يقول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٧-١٩] . وهذه الحقيقة لم يكتشفها إلّا علم الأجنة والوراثة الحديثين, فلم يتأكد دور الجينات -وهي أجزاء صغيرة من الخلية الحية- إلّا عام ١٩١٢, حين أثبت مورجان أن هذه الجينتات تنتقل عبر الحيوان المنوي الذكر والبويضة الأنثوية. ومن حقائق الوراثة أيضًا التي أشار إليها القرآن الكريم, أن الذكورة والأنوثة في الجنين إنما تكون تابعة لماء الرجل, قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٥-٤٦] . والنطفة التي تمنى هي نطفة الرجل لا ريب؛ إذ ليس للمرأة مني ولا هو من خصائصها١.

стр. 50

وتوجد إشارة قرآنية أخرى إلى ذلك, يقول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٦-٣٩] . والضمير في كلمة "من" يرجع إلى المني, وهو للرجل وليس للمرأة, وهذا حقيقة علمية مؤكدة في علم الوراثة الحديثة, سنوضحها بالتفصيل فيما بعد "في الباب الثاني". ب- مرحلة العلقة: ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم في خمسة مواضع, ويحدد علماء الأجنة المحدثون هذه المرحلة بالفترة التي تعلق فيها الكرة الجرثومية بجدار الرحم وتنتهي بظهور الكتل البدنية, والتعبير القرآني عن هذه الرحلة بكلمة "علقة" هو أفضل وأدق وصف لها, وهذا ما سنفصله فيما بعد عند تناولنا لهذه المرحلة في نمو الجنين. ج- مرحلة المضغة: ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم في موضعين؛ أحدهما في سورة "الحج", والآخر في سورة "المؤمنون" والمضغة في علم الأجنة الحديث هي مرحلة يشبه فيها الجنين في مظهره لقمة ممضوغة, وتظهر فيها بالفعل ما يشبه آثر أسنان مغروزة, ومرة أخرى فإن التعبير القرآني عن هذه المرحلة بكلمة "مضغة" لا يطابق فقط الوصف العلمي لها في علم الأجنة بل يتفوق عليه, وسوف نفصل ذلك عند عرضنا لهذه المرحلة في الباب الثاني من هذا الكتاب. ويذكر القرآن الكريم أن هذه المضغة قد تكون مخلقة أو غير مخلقة. ويفسر بعض العلماء المعاصرين ذلك "عدنان الشريف، ١٩٨٧-١٩٨٨" بثلاثة معانٍ هي: ١- خلال مرحلة المضغة يكتمل تكوين الأغشية والحبل السري وجزء من المشيمة, وهي أجزاء من المضغة تحيط بالجنين وتحميه وتغذيه, إلّا أنها تسقط وتموت بعد الولادة، وهي بهذا المعنى تؤلف المضغة غير المخلقة، أما الجزيء الرئيس من المضغة الذي يكون الجنين نفسه, فهو المضغفة المخلقة.

стр. 51

٢- خلال مرحلة المضغة تبدأ مختلف أعضاء الجنين في التكوين إلّا أنها لا تكتمل إلّا في المراحل التالية, ومعنى ذلك أن الجنين في هذه المرحلة هو مضغة مخلقة وغير مخلقة في وقت واحد. ٣- خلال مرحلة المضغلة تصنف الخلايا إلى قسمين؛ أحدهما خلايا متخصصة تشكل مختلف أعضاء الجنين، وثانيهما خلايا غير متخصصة, أو خلايا الاحتياط التي تتحول إلى خلايا متخصصة تحل محل خلايا القسم الأول عندما تموت, والنوع الأول يؤلف القسم المخلق من المضغة، أما النوع الثاني فهو القسم غير المخلق, إلّا أن المعنى الذي يشير إليه معظم المفسرين للمضغة المخلقة أنها المضغة التي يكتمل تكوينها, وتبدأ فيها أجهزة الجسم في التكوين, أم المضغة غير المخلقة فهي التي لا يكتمل لها التكوين، ويقصد بها السقط كما جاء في تفسير القرطبي, وهو المعنى الذي نفضله هنا بدليل قوله تعالى بعد ذلك مباشرة. ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الحج: ٥] . د- مرحلة تكوين العظام والعضلات: يصف القرآن الكريم عمليات التكوين النهائي للإنسان في قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] . وفي هذه المرحلة تبدأ الخلايا العظمية في التكوين, وتحل محل الخلايا الغضروفية التي كانت موجودة من قبل, كما يتم تكوين العضلات "اللحم" التي تحيط بعظام الجسم, وتساعد على حركتها. هـ- مرحلة تكوين الطفل السوي "التسوية": يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الخلق نفخ الروح في الجنين؛ بحيث يتحرك ويصير له "سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب" "محمد علي البار: ١٨٩٦". فقبل هذه المرحلة يكون الجنين أقرب إلى النبات, ليس له حس أو حركة إرادية، وكل ما فيه فقط حركة النمو والاغتذاء, أما في هذه المرحلة فإن قوى الحس والإدراك والإرادة تتكون فيه، وتتضح هذه الصلة الوثيقة بين نفخ الروح وتكوين الحس والإدراك في قوله تعالى:

стр. 52

﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] . وتحديد بدء هذه المرحلة له أهمية خاصة، فمتى نفخت الروح حرم الإجهاض حرمة تامة كما أجمع الفقهاء, وتمتد هذه المرحلة حتى الولادة. ويمكن أن تسمى مرحلة التسوية، أي: إعطاء الشكل الإنساني للجنين، بعد أن كانت الأطوار السابقة من طور النفطة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى الرحم في أطوار "خلق" و"تجميع" و"تعديل في أعضاء الجنين" "عدنان الشريف، ١٩٨٧-١٩٨٨". وهذه المرحلة هي التي يتميز بها المخلوق البشري عن غيره من المخلوقات؛ فقبلها لا يستطيع علم الأجنة أن يميز بين الجنين وغيره من أجنة الفقاريت الأخرى، كما وجد علم الأجنة المقارن؛ أما عندها فيأخذ الجنين عند الإنسان شكله الإنساني الذي يتميز به عن غيره من الأجنة, ولعل هذا التشابه في الشكل الخارجي بين جنين الإنسان وجنين غيره من الثدييات في مراحل ما قبل التسوية, هو الذي أوقع تشارلز دارووين في خطأه العلمي الفادح في افتراض أن الإنسان "تطور" عن الفقاريات الأخرى, وهو الفرض الذي دحضته العلوم البيولوجية والإنسانية الحديثة, ولعل أكثر هذه الأدلة أهمية ما يطرأ على الجنين الإنسان من تحول كيفي جوهري في مرحلة التسوية، وفي هذا كله إعجاز علمي جديد لكتاب الله الخالد, وصدق الله العظيم في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . والتي تعني أيضًا -والله أعلم: أنه خلق مختلف عن جميع المخلوقات الأخرى. ٣- آيات الله في نمو الإنسان بعد الولادة: يذكر القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان بعد الولادة, والملاحظة التي تدهش الباحث العلمي بإعجازها البديع, أن القرآن الكريم لا يفصل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها، وإنما يربط بين المرحلتين برباط وثيق، يوضحه قوله : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] .

стр. 53

ثم يحدد القرآن الكريم الحد الأقصى لفترة الرضاعة حتى الفصال "الفطام" بعامين، يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] . ومعنى ذلك أننا لو طرحنا فترة الرضعة هذه ومقدارها ٢٤ شهرًا من الفترة الكلية للحمل والرضاعة "٣٠ شهرًا", يمكن أن نستنتج أن الطفل يحتاج للبقاء داخل رحم الأم أثناء فترة الحمل إلى فترة زمنية لا تقل عن ستة أشهر حتى يولد ويبقى حيًّا بعد ولادته، وبالطبع, فإن فترة الحمل قد تمتد إلى مدة تمام الحمل "٢٨٠ يومًا في المتوسط, أو حوالي ٤٠ أسبوعًا"، وهذه المدة من تقدير الله , يقول القرآن الكريم في ذلك: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الحج: ٥] . ثم يحدد القرآن الكريم المراحل الثلاث الكبرى للنمو بعد الولادة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] . وهذه هي المراحل الكبرى الثلاث لنمو الإنسان. أ- المرحلة الأولى: الضعف الأول للإنسان: وهي مرحلة طفولة وصبا طويلة, يصفها القرآن الكريم بأنها مرحلة ضعف، وهو ضعف يشمل أيضًا مرحلة ما قبل الولادة, كما هو واضح من التداخل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها, والذي أوضحناه فيما سبق، ويصفها القرآن الكريم وصفًا مطلقًا بأنها مرحلة "طفولة" في قوله تعالى: ﴿ ... ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ... ﴾ [الحج: ٥] ﴿ ... ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طفْلًا ... ﴾ [غافر: ٦٧] . وهذا ما تنبهت إليه التشريعات الحديثة للطفولة؛ حيث وسَّعَتْ نطاق المفهوم ليمتد إلى نهاية المراهقة. ويميز القرآن الكريم في هذه الرحلة الكبرى بين أربعة أطوار فرعية هي: ١- الرضاعة: ومدتها القصوى عامان, كما أوضحت الآيات الكريمة التي عرضناها فيما سبق.

стр. 54

٢- الطفل غير المستأذن "غير المميز للعورة": وتمتد من الفصال "الفطام" وحتى سن الاستئذان "التمييز المبكر للعورة", يقول الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] . يقول القرطبي في تفسير ذلك: "أي الأطفال الذين لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع لصغرهم". ٣- الاستئذان المقيد "التميز": وهي المرحلة التي يعقل فيها الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها, يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] . ٤- الاستئذان المطلق "بلوغ الحلم": وهي مرحلة هامة تتحدد فيها مستويات قريبة من مستويات الكبار؛ حيث الاستئذان على وجه الإطلاق وليس لفترات محددة كما هو واضح من الآية السابقة، والتي يتبعها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] . ثم يطلق القرآن الكريم "الاستئذان" باعتباره محكًّا للسلوك الإنساني الناضج، فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] . ب- المرحلة الثانية: قوة الإنسان: وهي مرحلة التحول إلى الرشد، ويصفها القرآن الكريم بالقوة, وقسَّمَها إلى ثلاثة أطوار فرعية هي:

стр. 55

١- بلوغ السعي: يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . ويذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في تفسير ذلك، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمر دنياه معينًا له على أعماله. قال مجاهد: أي شبَّ وأدرك سعيه سعي إبراهيم, ويضيف الحسن ومقاتل أن السعي هذا هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ٢- بلوغ الرشد: يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الرشد يعني: الاهتداء إلى ضبط الأموال "باعتباره المؤشر الأساسي للنضج الاجتماعي" وحسن التصرف فيها, والصلاح وسداد الرأي، وففيه جمع بين القوتين، قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وقوة المعرفة وهو إيناس الرشد، فلو مُكِّنَ اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول قوة البدن لأذهبه في شهواه وبقي صعلوكًَا, ومن الإشارات القرآنية اللطيفة هنا طلب "إيناس" الرشد والتعرف على علاماته ومؤشراته، وهذا يعني أن الرشد ليست له حدود زمنية محددة يصل إليها الجميع في زمن واحد. ٣- بلوغ الأشد١ "اكتمال الرشد": يقول الله تعالى: ﴿ ... ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ... ﴾ [الحج: ٥] ﴿ ... ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ... ﴾ [غافر: ٦٧] . ويذكر القرطبي في هذا الصدد أن بلوغ الأشد هو بلوغ القوة، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولابد من حصول الوجهين, فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وتعني -والله أعلم- البلوغ على إطلاقه, وهو هنا البلوغ الجنسي والجسمي والعقلي وهو معنى الرشد.

стр. 56

وقد أشار القرآن الكريم إلى الأشد بمعنى الرشد في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . إلّا أن القرآن الكريم يحدد تحديدًا صريحًا في موضعٍ واحدٍ معنى الأشد بمعنى اكتمال الرشد؛ حيث يصبح في هذه الحالة طور المسئوليات الكبرى، بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . ولعل هذا هو ما يشير إليه القرآن الكريم -والله أعلم- بمرحلة الكهولة, يقول الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] . ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠] . ويذكر القرطبي أن الكهولة فيها مجتمع الأشد، وهي سن التكليف بالمسئوليات الكبرى، فقد كُلِّفَ الرسل بحمل الرسالة في هذا السن. ج- المرحلة الثالثة: الضعف والشيبة: على الرغم من أن هذه المرحلة هي مرحلة ضعف، إلّا أنه ضعف مختلف عن الضعف الأول السابق على الرشد، فالقرآن الكريم يضيف إلى هذه المرحلة وصف "الشيبة", والتي تحمل معنى الخبرة والحكمة إلى جانب التقدم في السن. ويقسِّم القرآن الكريم هذه المرحلة الكبرى إلى طورين هما: ١- مرحلة الشيخوخة: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] . ٢- مرحلة أرذل العمر "الهرم" يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] . ويذكر القرآن الكريم شواهد كثيرة على خصائص مرحلة "الضعف والشيبة".

стр. 57

ومن ذلك قوله تعالى في تحديد المعالم الجسمية الرئيسية للمرحلة, وهي وهن العظام وشيبة الرأس: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . وكذلك خاصية انقطاع خصوبة المرأة والرجل، يقول تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] . ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] . وانتكاس الخصائص النفسية والجسمية المختلفة إلى مراحل سابقة، وخاصة عند أولئك الذين يبلغون من العمر أرذله، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] . وفقدان القدرة على العلم "أو نقص القدرة على التعلم" وخاصة عند المعمرين الذين يبلغون مرحلة الهرم أو أرذل العمر, يقول تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] . [النحل: ٧٠] . وقد نَبَّه القرآن الكريم إلى أن هذه المرحلة فيها اعتماد جديد، كما كان الحال في مرحلة الطفولة والصبا، إلّا أن الاعتماد في مرحلة الضعف الأولى كان على الوالدين، أما الاعتماد في مرحلة الضعف الثاني فلا مناص من أن يكون على الأبناء، ومعنى ذلك أن هذه المرحلة هي أقرب إلى رد دين الأبناء إلى الوالدين، وكما تحددت حقوق الأبناء على والديهم في المرحلة الأولى، يحدد القرآن الكريم حقوق الوالدين على أبنائهم في المرحلة الثانية, يقول تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . وقد قرن القرآن الكريم الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله , فقد ورد القول القرآني:"لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا" في المواضع الآتية [البقرة: ٨٣، ٢٣٣] ، [النساء: ٣٦] ، [الأنعام: ١٥١] ، [الإسراء: ٢٣] ، [مريم: ٢١٤] ، [العنكبوت: ٨] ، [لقمان: ١٤] ، [الأحقاف: ١٥، ١٧] ، [إبراهيم: ٤١] ، [نوح: ٢٨] .

стр. 58

ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة السنة النبوية المطهرة, وهي ما روي عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال وتقارير, هي تفصيل لما أجملته آيات الله في كتابه العزيز، وهي السلوك العملي والممارسة الفعلية لمبادئ الإسلام كما حددها القرآن الكريم, وقد ورد في الحديث الصحيح إشارات إلى تفصيل بعض ما أجمله القرآن الكريم في مجال النمو الإنساني, نتناولها فيما يلي: ١- في مرحلة ما قبل الولادة: "أ" يوضح الحديث الشريف طبيعة النطفة الذكرية بقوله ﵊ في الحديث الذي أخرجه مسلم: "ما من كل الماء يكون الولد" , ومعنى ذلك أن الجنين يتكون من جزء يسير من المني, وفي هذا تفصيل لمعنى الآية القرآنية ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ والسلاسلة كما أشرنا في القسم الأول من هذا الفصل تعني الخلاصة، والماء المهين هو المني. ب- كما يحدد الحديث النبوي طبيعة المضغة المخلقة وغير المخلقة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره, وذكره ابن رجب في "جامع العلوم والحكم", وابن القيم في "طريق الهجرتين" أن رسول الله ﷺ قال: "النُّطفة إذا استقرَّتْ في الرَّحم جاءها مَلَكٌ فأخذها بكفه، فقال: أي ربِّ، مخلَّقة أم غير مخلَّقة؟ فإن قيل: غير مخلَّقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإنْ قيل: مخلَّقة، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟ " وفي هذا الحديث الشريف تفصيل صريح لمعنى المضغة غير المخلقة بأنها تعني السقط. ج- وإذا كانت النطفة المؤنثة لم ترد صريحة في القرآن الكريم, فقد أوردتها السنة المطهرة تفصيلًا لآيات الله في كتابه العزيز, فقد أخرج مسلم في مسنده أن رسول الله ﷺ قال لليهودي الذي سأله من أيّ شيء يخلق الإنسان؟ "يا يهودي: من كلٍّ يخلق، من نطفة الرجل ونطفة المرأة" وفي هذا توضيح صريح لطبيعة النطفة الأمشاج, والتي أجمع المفسرون على أنها تعني نطفة الرجل ونطقة المرأة إذا اجتمعا. ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا السياق إذا درسنا معتقدات الأطباء حتى زمن متأخر جدًّا بعد عصر البعثة النبوية الشريفة, والتي يرويها ابن حجر العسقلاني الذي عاش بين عامي ٧٧٣

стр. 59

هـ ,٥٢٠هـ "أي: بعد تسعة قرون من الرسالة المحمدية" يقول: "زعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلّا في عقدة, وأنه إنما يتكون من دم الحيض" وقد كانت هذه هي نظرية أرسطو الأساسية في تكوين الجنين, وقد فند ابن حجر هذه المزاعم في ضوء الأحاديث النبوية الشريفة؛ لأنها صريحة في الإشارة إلى أن الولد إنما يخلق من نطفة المرأة ونطفة الرجل "محمد على البار، ١٩٨٦". د- جاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ؟ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ؟ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ؟ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ". وأشار رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن مسعود إلى الفترة الزمنية التي يقضيها الجنين في مراحل نموه المختلفة في قوله: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ, وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" ومعنى الحديث الشريف أن الجنين ينمو في مراحل ثلاث هي: تجميع الخلق وتستمر٤٠ يومًا، وتكون العلقة والمضغة وتستمر ما قبل ١٢٠يومًا، والجنين المكتمل التكوين يبدأ من بعد ذلك, وتستمر حتى لحظة الوضع والولادة. كما قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: "إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا". ومن جوانب الإعجاز العلمي في السنة النبوية المطهرة -فيما يتصل بهذين الحديثين الشرفين- ما أكده علم الأجنة من أن انقضاء أربعين يومًا يعد شرطًا جوهريا حتى تتمايز النطفة "اللاقحة" أو"الزيجوت" من خلية واحدة إلى جنين طوله سنتيمتر واحد تجتمع فيه جميع الإمكانات اللازمة للتمايز العادي وظهور جميع الأعضاء الأساسية، ومع بلوغ الجنين يومه الثاني والأربعين تبدأ العظام في التكوين، ويبدأ الجنين في النمو السريع Simpsan, et al, ١٩٨٥ & Persaud, أي أن الحدود الزمنية لبداية التخليق التي جاءت في الحديثين الشريفين "٤٠ يوما" و"٤٢ ليلة" لم يكتشفها العلم الحديث إلّا بعد انقضاء أربعة عشر قرنًا.

стр. 60

٢- مراحل النمو بعد الولادة: أ-٠ يحدد الحديث النبوي مراحل ما بعد الولادة, فقد ورد في الحديث الصحيح, عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الغلام يعق عنه -أي: تذبح عنه العقيقة- يوم السابع، ويسمى، ويماط عنه الأذى، فإذا بلغ ست سنين أدب، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة، فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه، ثم أخذ بيده وقال: "قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، أعوذ الله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة، ويذكر الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" أن هذا الحديث أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتاب "الضحايا والعقيقة" إلّا أنه قال: "وأدبوه لسبع، وزوجوه لسبع عشرة". وفي هذا الحديث الشريف تمييز واضح بين المراحل الآتية: ١- مرحلة الوليد "الأسبوع الأول من حياته". ٢- مرحلة ما قبل التمييز: ما قبل سن السادسة "وفي أحاديث صحيحة أخرى ما قبل سن السابعة". ٣- مرحلة التمييز: وهي التي يبدأ فيها تأديب الطفل "أو تعليمه المنظم". ٤- مرحلة البلوغ الجنسي: وعندها يبدأ التكليف بالعبادات. ٥- مرحلة الرشد: ومؤشرها الأساسي الزواج. ب- وتحدد أحاديث نبوية أخرى مؤشرًا هامًّا لسن التمييز وهو الأمر بالصلاة، ومنها الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود أن الرسول ﵇ قال: "مروهم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع" ومعنى ذلك: أن حقوق الله تعالى تصحّ عن الصبي المميز؛ كالأيمان والصلاة والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزمًا بأداء العبادات إلّا على مهمة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها" "وهبة الزحيلي، ١٩٨٤". ج- وتحدد أفعال الرسول ﵇ وأقواله الشريفة طرق معاملة الوالدين للأبناء ومنها:

стр. 61

١- حسن أدب الطفل وحسن اختيار اسمه, يقول ﵊: "من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه"، أخرجه البيهقي. ٢- المساواة في المعاملة: يقول ﷺ : "ساووا بين أولادكم في العطية". ٣- الرحمة والرأفة بالصغير: فعن عائشة ﵂ قالت: "قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ, فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ" متفق عليه في البخاري ومسلم. وكذلك رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ وهو يقبل ولده الحسين بن علي ﵄ فقال: "إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا, فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ" أخرجه البخاري ومسلم عن حديث لأبي هريرة. وقال عبد الله بن شداد: بينما رسول الله ﷺ يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد،, فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر, فلما قضى صلاته قالوا: قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال: "إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" رواه النسائي والحاكم. د- تحدد الأحاديث النبوية الشريفة حقوق الوالدين على الولد, فقد قال ﵇: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" أخرجه مسلم. وقال أيضًا: "بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله". وقال أيضًا: "بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك". أخرجه النسائي وأحمد والحاكم. ٣- في الوراثة والبيئة: أ- يشير الحديث الصحيح إلى أن الوراثة تتحدد مع تكوين الجنين, يقول ﷺ : إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله

стр. 62

تعالى كل نسب بينها وبين أدم؟. أخرجه ابن جرير, وقد أشرنا في القسم السابق إلى أن التقدير الوراثي على مستوى الجينات لم يكتشف إلّا في مطلع القرن العشرين. ب- من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد أهمية الوراثة في تكوين الجنين ونموه قوله ﷺ : $"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" أخرجه ابن ماجه والديلمي, كما أكدت أحاديث صحيحة أخرى دور البيئة, ومنها قوله ﵊: "إياكم وخضراء الدمن" قالوا وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" أخرجه الدارقطني, وقد كشفت البحوث الحديثة في ميدان وراثة السلوك الأثر التفاعلي لكل الوراثة والبيئة. ج- سبقت الأحاديث النبوية الشريفة العلم الحديث في الإشارة إلى ظاهرة الصفات المتنحية التي لم يكشف عنها العلم الحديث أيضًا إلّا في القرن العشرين, فقد أُثِرَ عن رسول الله ﷺ أن رجلًا من الأنصار أقبل عليه فقال له: يا رسول الله هذه بنت عمي, وأنا فلان حتى عدَّ عشرة من آبائه, وهي ابنة فلان حتى عدَّ عشرة من آباء ها, وليس في حسبي ولا في حسبها حبشي، وإنها وضعت هذا الحبشي, فأطرق النبي ﵇ ثم رفع رأسه وقال له: "إن بك تسعة وتسعين عرقًا، ولها تسعة وتسعين عرقًا, فإذا اشتملت اضطربت العروق, وسألت الله كل عرق منها أن يذهب الشبه إليه, قم فإنه ولدك، ولم يأتك إلّا من عرق منك أو عرق منها". وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: "جاء رجل من بني فزاره إلى رسول الله ﷺ فقال: ولدت امرأتي غلامًا أسود, وهو يعرض بأن ينفيه, فقال رسول الله ﵇: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم, قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر, قال: "هل فيها من أروق -أسمر أو ما كان لونه كلون الرماد؟ " قال: إن فيها لورقًا, قال: "فأنى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق, قال: "فهذا عسى أن يكون نزعه عرق", ولم يخرص له في الانتفاء منه" متفق عليه عند البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة والدارقطني. د- الفطرة -ومن شواهدها الوراثة- لا تعمل في فراغ بيئي، وأهم البيئات التي تؤثر في نمو الطفل الأسرة, لقول الرسول ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ... ". وفي هذا كشف نبوي شريف آخر لحقائق التفاعل بين البيئة والوراثة. هـ- وجهت السنة الشريفة نظام الأسرة بحيث تصبح بيئة صالحة لنمو الأطفال, وهناك ثروة هائلة من الأحاديث النبوية الصحيحة حول نظام الأسرة الإسلامي, تفيض بها كتب الفقه الإسلامي، ويمكن للمهتم الرجوع إليها في مصادرها الأصلية.

стр. 63

ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة: من المأثور عن صحابة رسول الله ﷺ , وهم مدرس النبوة- أقوال في مجال النمو الإنساني نذكر منها ما يلي: ١- مراحل ما قبل الولادة: يذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم أن قومًا كانوا عند عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: إن قومًا زعموا أن العزل هو الموؤدة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه: "لا تكون موؤدة حتى تمر على التارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر, فلقال عمر: صدقت, أطال الله بقاءك". ٢- دور الوراثة: رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة, فإن الولد يخلق ضاويًا", وقال أيضًا: "اغتربوا لا تضووا" ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ , وفي هذا تنبيه لخطر زواج الأقارب لأسباب وراثية لم يكشف عنها العلم الحديث إلّا في القرن العشرين أيضًا. ٣- مراحل النمو بعد الولادة: ورد في الأثر "لاعب ابنك سبعًا, وأدبه سبعًا, وصادقه سبعًا, ثم أطلق له الحبل على الغارب" ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ، وإنما صحَّ عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه. وقال الإمام علي بن أبي طالب أيضًا: "علموا أولادكم على غير شاكلتكم, فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم". وفي هذا سبق تربوي رائع لم يتنبه إليه المربون إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين, حين أكدوا مفاهيم المرونة والتعليم المستمر مدى الحياة.

стр. 64

رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي يطلق مصطلح "الفقه" على مجموعة الأحكام الشرعية العملية في الإسلام, وتطلق كلمة "الفقيه" على الشخص العارف بهذه الأحكام التي تتصل في جوهرها بسلوك الناس وأفعالهم, وقد ظهرت الحاجة إليه مع إقامة الدولة الإسلامية على يد الرسول ﷺ في المدينة المنورة, وكان الفقه في العهد النبوي مأخوذًا من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ . وفي عهد الخلفاء الراشدين كانت مصادر الفقه كتاب الله وسنة رسول الله ﵇, وكانوا إذا سُئِلُوا عن مسألة بحثوا فيها, فإن وجدوا حكمها أفتوا به، وإن لم يجدوه اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم, واجتهدوا في إعطاء الحكم، فإن وجدوا لها نظيرًا في كتاب الله أو سنة رسوله ألحقوا حكم المسألة السابقة، وهذا هو القياس الذي مارسه بعض القضاة والولاة في عهد الرسول ﵇, وإن لم يجدوا سعوا إلى الاتفاق على هذا الحكم, ويُسَمَّى ذلك إجماعًا، وإلّا ظل اجتهادًا, ولم يظهر الإجماع إلّا بعد وفاة الرسول ﷺ . وفي عهد التابعين كانت مصادر الفقه الإسلامي هي: القرآن الكريم والسنة والنبوية وإجماع المجتهدين وقياسهم، وهذه هي الأدلة الأصلية التي تستفاد منها الأحكام الشرعية العملية كما يسميها علماء أصول الفقه، وهي الأدلة التي اتفق عليها جماهير علماء المسلمين, وقد ظهرت في العصور المختلفة أدلة أخرى, يسميها علماء أصول الفقه الأدلة الفرعية للتشريع الإسلامي، وقد اختلف حولها الفقهاء، وهي ستة: العرف والاستصحاب والمصالح المرسلة "الاستصلاح" وسد الذرائع والاسحسان وقول الصحابيّ وشرع من قبلنا. وهذه الأدلة اختلف العلماء فيها، فهناك من يقصر مصادر التشريع الإسلامي على الأدلة الأصلية فقط, ولا يرى مصدرًا غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس, ومن العلماء مَنْ رأى أن المصادر الفرعية يمكن استخدامها, وهناك خلاف حول حجية كلٍّ منها. وقد أنجز فقهاء المسلمين طوال تاريخ الحضارة الإسلامية ثروة هائلة من المعرفة, وابتكروا وسائل للبحث والتقصي والاستدلال, وخاصة في عصور الاجتهاد الزاهرة, والسؤال الذي نطرحه هنا، لماذا أُغْلِقَ باب الاجتهاد في بعض العصور المتأخرة؟ ويجيب على السؤال محمد الخضري في كتابه الكلاسيكي "أصول الفقه" بأنه حين دخل ميدان الاجتهاد مَنْ ليس أهلًا له, خاف العلماء من أن تأتي الأحكام الشرعية نتيجة للأهواء والأغراض الشخصية, فاختاروا أهون الضررين وهو سد هذا الباب أمام هؤلاء الأدعياء, إلّا أن ما يجب التنبيه عليه أن ذلك لم يكن

стр. 65

ليعني أن الاجتهاد كان له زمن معين انتهى بانتهائه, وإنما معناه وقف التدهور مؤقتًا، لما لحق الهمم من القصور عن تحصيل ما يجب على المجتهد تحصيله. ويجيب على هذا السؤال أيضًا بعض المحدثين "محمد عبد القادر أبو فارس وآخرون، ١٩٨٥" بأن باب الاجتهاد مفتوح لكل من يملك آلته, ولا يملك إنسان أن يسده، ذلك لأنه يجد للناس من الحوادث والنوازل ما لم يفت به الفقهاء المجتهدون، وهي بحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيه ليلتزم الناس به, ولا يكون هذا إلّا إذا كان باب الاجتهاد مفتوحًا". وقد قدَّم فقهاء المسلمين الكثير في ميدان النمو الإنساني، ولا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه الإسلامي من الإشارة إلى نمو الإنسان على نحوٍ أو آخر. وسوف يتناول هذا القسم بعض ما توافر لنا في هذا الصدد. ١- في مرحلة ما قبل الولادة: أجمع الفقهاء على تحريم الإجهاض حرمة تامة متى نفخت الروح, حتى ولو كان الجنين مشوهًا أو غير ذلك، ولم يسمحوا بذلك إلّا إذا كانت الأم في خطر، فقدَّموا حياتها على حياته, أما ما عدا ذلك فلا يجوز الإجهاض على وجه الإطلاق بعد نفخ الروح, وقد أجمعوا أيضًا على أن وقت نفخ الروح يتم عند إكمال الجنين ١٢٠يومًا من حياته داخل الرحم, لحديث ابن مسعود الذي أخرجه الشيخان. ويذكر وهبة الزحيلي "١٩٨٤" أن للعلماء كلام طويل في التوفيق بين هذا الحديث وحديث حذيفة بن أسيد الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر "حديث الاثنتين والأربعين ليلة"، وخلاصة رأيهم أن التخليق يحصل في العلقة، ويتم بعد ذلك في المضغة، وأما نفخ الروح والتسوية فلا يكون إلّا بعد اكتمال المضغة. ويتصل بهذه المرحلة أيضًا تناول الفقهاء لموضوع عدة المرأة المطلقة والأرملة, والمقصود بها مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها منعًا لاختلاط الأنساب، أو للتعبد, أو لتفجعها على زوجها الميت، أو إعطاء الفرصة الكافية للزوج بعد الطلاق ليعود إلى زوجته المطلقة, وهي مدة حددها الشارع بحيث تبقى المرأة فيها بدون زواج, ويميز الفقهاء في هذا الصدد بين ثلاثة أنواع: أ- عدة الطلاق: يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ومعنى القروء "وهي جمع قرء" ما يشترك بين الطهر والحيض، والمقصود بذلك عند الحنفية والحنابلة الحيض،

стр. 66

ويرى المالكية والشافعية أنه الطهر, ويشترط في الزوجة هنا أن تكون ممن يحضن. ب- عدة الوفاة: يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . وفي ذلك يرى الفقهاء أن المقصود الأعظم من العدة هنا حفظ حق الزوج والوفاء له, إلى جانب معرفة براءة الرحم, ولهذا اعتبرت عدة الوفاة بالأشهر, وتجب حتى على المتوفى عنها زوجها حتى ولو لم يدخل بها. ج- عدة الصغيرة واليائس والحامل: لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وهنا يحدد القرآن الكريم عدة الحامل المؤكد حملها أن تضع حملها، أما عدة الصغيرة واليائس فهو ثلاثة أشهر. ويحدد الفقهاء لمرحلة الجنين من بدء الحمل وحتى الولادة ما يسمى "أهلية الوجوب الناقصة" وتعني: الصلاحية لثبوت الحقوق فقط, أي: أن هذه الأهلية تجعله موضوعًا لإلزام الآخرين نحوه، وليس موضعًا للالتزام من جانبه بشيء, وفي هذا تتحدد له أربعة حقوق ضرورية هي: أ- النسب من والديه. ب- الميراث من قريبه المورث؛ فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكرًا أو أنثى. ج- استحقاقه الوصية الموصى له بها. د- استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوف عليه. ويرى الفقهاء "وهبة الزحيلي، ١٩٨٤" أن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيه ملكية نافذة في الحال، بل تتوقف على ولادته حيًّا, فإن وُلِدَ حيًّا تثبت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها، أي: بأثر رجعي, وإن ولد ميتًا رُدَّ نصيبه إلى أصحابه المستحقين له. وهناك سببان لنقص الأهلية للجنين؛ أولهما: أن الجنين جزء من أمه، وثانيهما: أنه متهيأ للانفصال والاستقلال عنها بعد اكتمال تكوينه, ولهذا أثبت له الفقه الإسلامي بعض الحقوق الضرورية النافعة له، وهي التي لا تحتاج إلى قبول, أما تلك التي تحتاج إلى قبول "كالشراء والهبة" فلا تثبت له ولو مارسها عنه وليه

стр. 67

أو الوصي عليه "كالأب أو الجد" لأنها تلزمه وهو ليس أهلًا للالتزام, وخلاصة رأي الفقهاء في مرحلة الجنين أن له "ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط، وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات" "وهبة الزحيلي، ١٩٨٤". ٢- في مراحل ما بعد الولادة: منذ ولادة الشخص حيًّا تثبت له -كما يقول الفقهاء- أهلية الوجوب الكاملة، أي: تصبح لديه الصلاحية لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات، أي: أهلية إلزام والتزام جميعًا, وأهلية الوجوب الكاملة هذه لا تفارق الإنسان مطلقًا في جميع أدوار حياته, ولا يوجد إنسان حيّ فاقد لهذه الأهلية. إلّا أن الفقهاء يميزون بين التصرفات الواجبة قبل سن التمييز وتلك الواجبة بعده, ومن ذلك أن أهلية الوجوب ولو كانت كاملة إلّا أنها ليس لها أثر في بعض التصرفات قبل هذا السن "مثل إنشاء العقود", كما لا يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية, أما الحقوق الثابت له بعد الولادة فهي التي تنشأ له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه نيابة عنه، وأما الالتزامات الواجبة عليه فهي كل ما يستطيع أداؤه عنه من ماله؛ سواء من حقوق الله؛ كالزكاة, أو حقوق العباد؛ كالنفقات, ويطلق الفقهاء على المرحلة منذ الولادة وحتى سن التمييز اسم "الحضانة". ومع التمييز تنشأ ما يسميه الفقهاء أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات عنه أو لمباشرتها على وجه يُعْتَدُّ به شرعًا, وهي ترادف ما يسمى في المصطلح الحديث "المسئولية", وتشمل حقوق الله من صلاة وصوم وحج وسواها، والتصرفات القولية والفعلية الصادرة عن الشخص. وعلى هذا فمن تثبت له أهلية الأداء، بهذا المعنى، صحت عباداته الدينية؛ كالصلاة وتصرفاته الدينية؛ كالعقود, وبالطبع لا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلًا، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز، كما قلنا. ويفرق الفقهاء بين نوعين من أهلية الأداء: ١- أهلية أداء ناقصة: وهي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات عنه دون البعض الآخر, وتثبت للشخص مع بدء التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويفرق بالنسبة للصبي في هذا السن بين حقوق الله وحقوق العباد. أما حقوق الله "العبادات" فتصح من الصبي المميز ولا يكون ملزمًا

стр. 68

بأدائها إلا على مهمة التأديب والتهذيب "التعليم المنظم", أما حقوق العباد فقد اختلف حولها الفقهاء على نحوٍ لا يتسع له المقام, ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى كتب المتخصصين في الفقه الإسلامي على مختلف المذاهب. ب- أهلية أداء كاملة: وهي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجهٍ يُعْتَدُّ به شرعًا دون توقف على رأي غيره، وتثبت عند بلوغ الحلم عاقلًا، أي: للبالغ الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل الأفعال والأقوال من غير توقف على إجازة أحد غيره؛ كالولي أو الوصي, كما يكون مسئولًا مسئولية كاملة عن كل ما يقترفه من مخالفات شرعية أو اعتداءات مادية أو معنوية على الآخرين. إلّا أن الفقهاء ينبهون إلى وجود مرحلة تقع بين البلوغ الجنسي والبلوغ عاقلًا "الرشد"، وهي ما تسمى مرحلة البلوغ "أو المراهقة بالمصطلح الحديث"، وفيهما يكون الشخص مكلفًا بجميع التكاليف الشرعية, وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فتنفذ تصرفته المالية وتسلم إليه أمواله, فإذا لم يؤنس منه الرشد، فيظل تحت وصاية الولي في هذه الأمور. وهكذا يصبح الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند الفقهاء: "حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية"، وشرطه الأساسي البلوغ، ويضيف بعض الفقهاء الصلاح في أمور الدين والدنيا، ويتوافر بتحقق الخبرة بتدبير الأمور الدنيوية, وحتى استثمارها، وهو أمر يختلف بالطبع باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة، فقد يرافق البلوغ, وقد يتأخر عنه قليلًا أو كثيرًا، وقد يتقدمه, ولكن لا اعتبار له قبل البلوغ, ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملًا بالآية القرآنية الكريمة ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى.....﴾ الآية. "وهبة الزحيلي، ١٩٨٤". وهكذا لا يكون للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما الأمر متروك لاستعداد الشخص وتربيته وتنشئته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحديد صريح له, ويرى بعض علماء الفقه الإسلامي المحدثون أن رفع سن الرشد إلى ٢١ سنة، كما هو الحال في معظم القونين الحديثة، يتفق مع ظروف الحياة التي نعيشها اليوم وما طرأ عليها من تعقد في المعاملات تحتاج إلى مزيد من الخبرة، ولا مانع في الشريعة الإسلامية من ذلك عملًا بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة, وصيانة تصرفاتهم.

стр. 69

ولعل ما يهمنا أيضًا في هذا الصدد -ونحن نتناول مراحل النمو الإنساني- أن نشير إلى ما يشير إليها الفقهاء بحالة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا, وفيها قال جمهور الفقهاء "باستثناء أبي حنفية" والصاحبان "أبو يوسف ومحمد, وبرأيهما يُفْتَى في المذهب الحنفي" أنه يجوز الحجر على السفيه "أي يمنع نفاذ تصرفاته التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل؛ كالبيع والإجارة والرهن"١ رعايةً لمصلحته ومحافظةً على ماله, حتى لا يكون عالة على غيره, ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] . وقوله أيضًا: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . مما يدل على ثبوت الولاية على السفيه ولو كان قد بلغ الرشد, إلّا أن الحَجْرَ على السفيه في هذه الحالة لا يكون إلّا بحكم قضائي يتثبت فيه القاضي من السفيه أو التبذير، منعًا من إلحاق الضرر بالسفيه أو بمن يتعامل معه من غير بينة وفهم لطبيعة حاله, وهذا هو رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك. وهكذا يمكن أن نلخص مراحل النمو الإنساني كما تناولها الفقهاء على النحو الآتي: أ- مرحل الجنين القابل للإجهاض: من بدء الحمل وحتى سن ١٢٠ يومًا. ب- مرحلة الجنين ذي أهلية الوجوب الناقصة: من بدء الحمل وحتى الولادة. ج- مرحلة الحضانة: وتبدأ من وقت الولادة حتى سن التمييز. د- مرحلة الطفولة: وتبدأ من سن التمييز وحتى البلوغ الجنسي. هـ- مرحلة البلوغ "أو المراهقة بالتعبير الحديث": وتبدأ من البلوغ الجنسي إلى وقت الرشد. و مرحلة الرشد: وتبدأ بالتحقق من قدرة الشخص على التصرف في أموره الدنيوية، وسن الرشد بهذا المعنى يختلف حسب الأشخاص والبيئات والثقافات. ز- مرحلة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا: وتتطلب الحجر بحكم قضائي، وهي حالة غير عادية عند الراشدين، وقد تكون عادية عند من يبلغون مرحلة أرذل العمر "الهرم".

стр. 70

خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم لم يكتب للأفكار اليونانية أن تبقى طويلًا في صورتها الأصلية، ولكنها أثرت تأثيرًا كبيرًا في الفلسفة الإسلامية وفي فلسفة العصور الوسطى في أوربا, وفي كل الأحوال اعتبر العقل أو الذهن الخاصية المشتركة في الإنسان, والتي تميزه عن الحيوان, ومن المعروف أن آراء أرسطو في النفس لم تنتقل إلى أوروبا إلّا عن طريق فلاسفة العرب والمسلمين؛ كالفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وموسى بن ميمون. إلّا أننا لا نكاد نجد إلّا إشارات متفرقة إلى موضوع النمو الإنساني, ومن ذلك مثلًا ما نلاحظه في تنظيم جماعة إخوان الصفا التي ظهرت في القرن العاشر الميلادي "الرابع من الهجرة" والذي يتكون من أربع طبقات "دي جور، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، ١٩٨٣": ١- شبان يتراوح عمرهم بين ١٥-٣٠ عامًا, تنشأ نفوسهم على الفطرة، وهم في دور التلمذة وعليهم الانقياد لأساتذتهم. ٢- رجال بين ٣٠-٤٠ سنة, تفتح لهم أبواب الحكمة الدنيوية, ويتلقون معرفة بالأشياء بطريق الرمز. ٣- أفراد بين ٤٠-٥٠ سنة, وهم يعرفو الناموس الإلهيّ معرفةً كاملة مطابقة لدرجتهم. ٤- أفراد تتجاوز أعمارهم الخمسين عامًا وهم أرقى الطبقات، ويشهدون حقائق الأشياء على ما هي عليه. ومن الواضح من التقسيم السابق أنه لم يشر إلى مرحلة الطفولة، إلّا أنهم في بعض رسائلهم أشاروا إليها، ووصفوا نفس الطفل في أول أمرها "كصحيفة بيضاء" لم ينقش عليها شيء، وكل ما تحمله إليها الحواس الخمس تتناوله القوة المتخيلة وتحميه.. ثم تدفعه إلى القوة المفكرة.. فتميز بعضه من بعض، وتعرف الحق من الباطل، ثم تؤديه إلى الحافظة.." "دي جور، ترجمة عبد الهادي أبو ريده، ١٩٣٨: ١٨٠". ويبدو لنا في هذا القرن آثار الأمبريقية التي وضع أصولها أرسطو.

стр. 71

وقد شاعت عند فلاسفة المسلمين ابتداءً من الكندي فكرة أخرى تعود بأصولها إلى أرسطو أيضًا، وهي التمييز بين العقل الذي هو في نفس الإنسان بالقوة والعقل كعادة, وهو الذي في النفس بالفعل, وتستطيع استعماله, وهو التمييز الذي طوَّره فيما بعد ابن سينا, وشاع في علم النفس والحديث بين ما يمكن أن يسمى "الاستعداد" و"التحصيل" والذي يتصل اتصالًا وثيقًا بتنمية السلوك الإنساني. "فؤاد أبو حطب، ١٩٩٦". ويشير مؤرخ علم النفس الشهير برت brett, voi. ٢, ١٩٢١: ٥٧-٥٨. إلى إسهام ابن سينا خاصة في هذا المجال بقوله: إن الطفل يولد مثلًا مزودًا بالقدرة على الكتابة, ومع ذلك فهو لا يستطيع الكتابة، وبعد أن يتلقى نوعًا من التعلم يصبح قادرًا على الكتابة في صورة محاكاة أو تقليد، وأخيرًا يصل إلى المرحلة العليا حين يصبح قادرًا على الكتابة عن طريق الحثّ الداخلي الذي يحدثه عقله هو. وفي هذا التطور تتمثل عملية النمو الإنساني والانتقال من محض الاستعداد إلى محض الفعل, والمرحلة الأخيرة هي مرحلة المعرفة الحدسية المباشرة، وهي أرقى صور المعرفة, وهو بهذا يضع الحدس في موضعه الصحيح كما عَبَّرَ عنه بعد ذلك عدد كبير من الفلاسفة المحدثين. ويوجد مبدأ هام آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو، وعَبَّر عنه بدقة الفارابي، وخلاصته أن النفس تترقى من المحسوس إلى المعقول بواسطة القوة المتخيلة، ويمثّل هذا المبدأ الوجهة الأساسية للنمو العقلي من الطفولة إلى المراهقة, كما سيتضح في الفصول التالية من هذا الكتاب. وتتضح معالم اهتمام خاص بالنمو عند حجة الإسلام الغزالي, ويركز الغزالي خاصةً على دور التعلم الذي يسميه "الاعتياد" في النمو الإنساني, يقول في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين": وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصةً قابلةً للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم" عن خلف الجراد، ١٩٨٦: ٩٣" وتفيدنا كتابات الغزالي على وجه الخصوص في مجال النمو الخلقي والاجتماعي, وهو في كل كتاباته "التربوية" يركز على مفهوم "الصفحة البيضاء" للعقل، وهي الفكرة التي أشار إليها غيره من فلاسفة المسلمين، وسيطرت على الفكر الأوروبي فلسفيًّا وسيكولوجيًّا بعد ذلك, إلّا أنه لا ينكر أثر الاستعدادات الفطرية، ومهمة التربية تعديل هذه الاستعدادات وتنميتها, وهو يشبه الأمر هنا بالنواة التي ليست بتفاح ولا نخل، إلا أنها خلقت على نحوٍ يجعلها يمكن أن تتحول إلى نخلة إذا تعرضت للرعاية، ولكنها لا تحول أبدًا إلى تفاح مهما

стр. 72

أعطيناها من الرعاية, وفي جميع الأحوال لا تتم هذه التنمية بطريقة واحدة, وإنما هناك دائمًا الفروق الفردية. كما ينبه إلى استخدام أساليب الثواب والعقاب على نحوٍ يتفق مع المستوى النمائي للطفل، مع تفضيلٍ واضح لأسلوب الثواب على العقاب "خلف الجراد، ١٩٦٨". ولعل أوضح ما كتبه علماء المسلمين عن النمو الإنساني بشكلٍ صريح قصة حي بن يقظان لابن طفيل، والتي يعرض فيها نمو طفل في جزيرة متوحشة, أرضعته ظبيةٌ حتى وصل إلى إشباع حاجاته المادية اعتمادًا على وسائله الخاصة، ثم استطاع بالملاحظة والتفكير أن يتوصل إلى أن معرفة الطبيعة والسماء ومعرفة الله ومعرفة نفسه, وقد بدأ حياته أشبه بحيوان، ثم غلب عليه في مراحل تالية من نموه التفكير الحسي أو العياني، ثم انتقل إلى الاهتمام بالمسائل العقلية، وبعدها يتحول إلى نمط من السلوك لا ينطبق على السلوك الإنساني المعتاد، وهو الذي يصفه ابن طفيل بأنه "عقل صرف". مراحل النمو من المنظور الإسلامي: من العرض الذي تناولناه في هذا الفصل حول توجيه علم نفس النمو وجهةً إسلاميةً يمكن أن نخلص إلى تخطيطٍ لمراحل النمو الإنساني في هذا الإطار، وهو المخطط الذي سيزاد تفصيلًا في فصول الكتاب التالية. ونعرض هذ المخطط بإيجاز على النحو الآتي: أولًا: يمكن تصنيف مراحل النمو الإنساني من المنظور الإسلامي إلى ثلاث مراحل كبرى, والمرحلة الأولى في هذا التصنيف تشمل ما يصفه القرآن الكريم بالضعف السابق على القوة، وهو ضعف التحول إلى الرشد، وتشمل هذه المرحلة طور الجنين وأطوار الطفولة والبلوغ المختلفة، وهي المرحلة التي تشهد أعظم التحولات في حياة الإنسان, والتي تبدأ منذ تكوين الجنين في الرحم من خلية واحدة مخصبة, إلى كائنٍ إنسانيٍّ بالغٍ عاقلٍ راشد، وهي فترة تستغرق من حياة الإنسان ما يقرب من عشرين عامًا. والمرحلة الثانية في تصنيفنا تشمل ما يصفه القرآن الكريم بمرحلة "القوة", وهي مرحلة الرشد، وهي تكاد تكون أطول المراحل الثلاثة, وتبدأ من بلوغ الإنسان عاقلًا راشدًا وحتى بداية مرحلة الشيخوخة, والطول الزمني لهذه الفترة يكاد يمتد بها إلى ما يقرب من أربعين عامًا. أما المرحلة الثالثة للإنسان في تصنييف هذا الكتاب للنمو الإنساني فهي التي

стр. 73

يصفها القرآن الكريم مرةً أخرى بالضعف، ولكنه ليس؛ كالضعف الأول -أي: ضعف التحول إلى القوة أو الرشد، وإنما هو ضعف التحول عن هذه القوة وذلك الرشد, ويضيف إليه القرآن الكريم وصفًا هامًّا وهو وصف "الشبيه", ويمثل ذلك مرحلتي الشيخوخة والهرم "أرذل العمر". ثانيًا: تنقسم كل مرحلة من المراحل الثلاث إلى أطوارها الفرعية الكبرى والصغرى على النحو الآتي: ١- المرحلة الأولى في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية: أ- طور الجنين, وتعني مرحلة ما قبل الولادة, والتي تنقسم بدورها إلى الفترات الأساسية التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة واجتهادات المسلمين إلى ما يلي: ١- فترة النطفة. ٢- فترة العلقة. ٣- فترة المضغة. ٤- فترة العظام والعضلات "اللحم" أو طور التكوين. ٥- فترة التسوية. ب- طور الطفولة: وتمتد من ولادة الطفل حيًّا وحتى وصوله إلى البلوغ الجنسي، وتنقسم في المنظور الإسلامي إلى الفترات الآتية: ١- فترة الوليد: وتشمل الأسبوع اللأول والثاني من حياته بعد الولادة. ٢- فترة الرضاعة: ويحدد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حدودها الزمنية القصوى بعامين لتمام الرضاعة، ويمكن أن تقلَّ عن ذلك في حالات الفصال "الفطام" المبكر. ٣- فترة الاستئذان المقيد, والذي يعقل فيه الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها، وهو طور التمييز الجنسي، وقد حدَّدَ الأوزاعي بدايته بالسنة الرابعة من العمر, كما يذكر القرطبي في تفسيره. ٤- فترة الطفولة غير المميزة "الحضانة": ويمتد هذا الطور من الولادة "شاملًا فترتي الرضاعة والاستئذان" وحتى سن التمييز, وتتسم هذه المرحلة بأن ما يسودها هو جوّ اللعب والملاعبة من الوالدين والمربين. ٥- طور التميز "الطفولة المميزة": ويمتد من سن التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويوصف هذا التطور بخاصتين؛ هما: بدء التأديب والتهذيب

стр. 74

والتعليم المنظم، والفصل في المضاجع بين الأخوة من الجنسين في حوالي سن ٩-١٠ سنوات. ج- طور البلوغ "المراهقة" وتبدأ بالبلوغ الجنسي, أو بلوغ الحلم, مرورًا ببلوغ السعي, وتنتهي ببلوغ الرشد, على أن يتم التحقق من حدوثه "بالإيناس، والاختبار والتعرف على علاماته ومؤشراته". ٢- المرحلة الثانية في نمو الإنسان: وتنقسم إلى التطورات الآتية: أ- طور الرشد, ويبدأ بظهور العلامات الأساسية الدالة عليه, والتي يجب أن يأنسها الآخرون في الشخص. ب- طور بلوغ الأشد "اكتمال الرشد أو الكهولة" ويبدأ من سن الأربعين وينتهي بظهور بوادر الشيخوخة. ٣- المرحلة الثالثة في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية: أ- طور الشيخوخة. ب- طور أرذل العمر "الهرم". ويوضح الشكل رقم "١" النموذج الكامل للنمو الإنساني من الوجهة الإسلامية كما عرضناه.

стр. 75

الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث: البحث في علم نفس النمو هو عمل علمي ينتمي إلى فئة العلم التجربي١ "الأمبريقي", والباحثون في هذا النوع من المعارف يلتزمون بنظام قيمي يسمى: الطريقة العلمية, يوجه محاولاتهم للوصف "الفهم", والتفسير "التعليل", والتحكم "التوجيه والتطبيق", وهي أهداف العلم التقليدية، والتي تناولناها بالتفصيل في الفصل الأول. الطريقة العلمية في البحث إذن: هي لون من الاتجاه أو القيمة, وهذا الاتجاه العلميّ أو القيمة العلمية يتطلب من الباحث الاقتناع والالتزام بمجموعة من القضايا هي "فؤاد أبو حطب، آمال صادق ١٩٩٥": ١- الملاحظة هي جوهر العلم التجربي "الأمبريقي"، وعلم النفس ينتمي بالطبع إلى فئة هذه العلوم، والمقصود هنا الملاحظة المنظمة لا الملاحظة العارضة أو العابرة. ٢- تتمثل أهمية الملاحظة في العلم في أنها تنتج أهم عناصره, وهي مادته الخام, أي: المعطيات Data والمعلومات أو البيانات Information. ٣- لا بد للمعطيات والمعلومات, أو البيانات التي يجمعها الباحث العلمي بالملاحظة أن تتسم بالموضوعية Objectivity, والموضوعية في جوهرها هي اتفاق الملاحظين في تسجيلاتهم لبياناتهم وتقديراتهم وأحكامهم اتفاقًا مستقلًّا.
следующие страницы →