← Медицина

Медицина · id 11738

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

آمال صادق

Полный текст (770 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد شاعت عند فلاسفة المسلمين ابتداءً من الكندي فكرة أخرى تعود بأصولها إلى أرسطو أيضًا، وهي التمييز بين العقل الذي هو في نفس الإنسان بالقوة والعقل كعادة, وهو الذي في النفس بالفعل, وتستطيع استعماله, وهو التمييز الذي طوَّره فيما بعد ابن سينا, وشاع في علم النفس والحديث بين ما يمكن أن يسمى "الاستعداد" و"التحصيل" والذي يتصل اتصالًا وثيقًا بتنمية السلوك الإنساني. "فؤاد أبو حطب، ١٩٩٦". ويشير مؤرخ علم النفس الشهير برت brett, voi. ٢, ١٩٢١: ٥٧-٥٨. إلى إسهام ابن سينا خاصة في هذا المجال بقوله: إن الطفل يولد مثلًا مزودًا بالقدرة على الكتابة, ومع ذلك فهو لا يستطيع الكتابة، وبعد أن يتلقى نوعًا من التعلم يصبح قادرًا على الكتابة في صورة محاكاة أو تقليد، وأخيرًا يصل إلى المرحلة العليا حين يصبح قادرًا على الكتابة عن طريق الحثّ الداخلي الذي يحدثه عقله هو. وفي هذا التطور تتمثل عملية النمو الإنساني والانتقال من محض الاستعداد إلى محض الفعل, والمرحلة الأخيرة هي مرحلة المعرفة الحدسية المباشرة، وهي أرقى صور المعرفة, وهو بهذا يضع الحدس في موضعه الصحيح كما عَبَّرَ عنه بعد ذلك عدد كبير من الفلاسفة المحدثين. ويوجد مبدأ هام آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو، وعَبَّر عنه بدقة الفارابي، وخلاصته أن النفس تترقى من المحسوس إلى المعقول بواسطة القوة المتخيلة، ويمثّل هذا المبدأ الوجهة الأساسية للنمو العقلي من الطفولة إلى المراهقة, كما سيتضح في الفصول التالية من هذا الكتاب. وتتضح معالم اهتمام خاص بالنمو عند حجة الإسلام الغزالي, ويركز الغزالي خاصةً على دور التعلم الذي يسميه "الاعتياد" في النمو الإنساني, يقول في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين": وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصةً قابلةً للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم" عن خلف الجراد، ١٩٨٦: ٩٣" وتفيدنا كتابات الغزالي على وجه الخصوص في مجال النمو الخلقي والاجتماعي, وهو في كل كتاباته "التربوية" يركز على مفهوم "الصفحة البيضاء" للعقل، وهي الفكرة التي أشار إليها غيره من فلاسفة المسلمين، وسيطرت على الفكر الأوروبي فلسفيًّا وسيكولوجيًّا بعد ذلك, إلّا أنه لا ينكر أثر الاستعدادات الفطرية، ومهمة التربية تعديل هذه الاستعدادات وتنميتها, وهو يشبه الأمر هنا بالنواة التي ليست بتفاح ولا نخل، إلا أنها خلقت على نحوٍ يجعلها يمكن أن تتحول إلى نخلة إذا تعرضت للرعاية، ولكنها لا تحول أبدًا إلى تفاح مهما

стр. 72

أعطيناها من الرعاية, وفي جميع الأحوال لا تتم هذه التنمية بطريقة واحدة, وإنما هناك دائمًا الفروق الفردية. كما ينبه إلى استخدام أساليب الثواب والعقاب على نحوٍ يتفق مع المستوى النمائي للطفل، مع تفضيلٍ واضح لأسلوب الثواب على العقاب "خلف الجراد، ١٩٦٨". ولعل أوضح ما كتبه علماء المسلمين عن النمو الإنساني بشكلٍ صريح قصة حي بن يقظان لابن طفيل، والتي يعرض فيها نمو طفل في جزيرة متوحشة, أرضعته ظبيةٌ حتى وصل إلى إشباع حاجاته المادية اعتمادًا على وسائله الخاصة، ثم استطاع بالملاحظة والتفكير أن يتوصل إلى أن معرفة الطبيعة والسماء ومعرفة الله ومعرفة نفسه, وقد بدأ حياته أشبه بحيوان، ثم غلب عليه في مراحل تالية من نموه التفكير الحسي أو العياني، ثم انتقل إلى الاهتمام بالمسائل العقلية، وبعدها يتحول إلى نمط من السلوك لا ينطبق على السلوك الإنساني المعتاد، وهو الذي يصفه ابن طفيل بأنه "عقل صرف". مراحل النمو من المنظور الإسلامي: من العرض الذي تناولناه في هذا الفصل حول توجيه علم نفس النمو وجهةً إسلاميةً يمكن أن نخلص إلى تخطيطٍ لمراحل النمو الإنساني في هذا الإطار، وهو المخطط الذي سيزاد تفصيلًا في فصول الكتاب التالية. ونعرض هذ المخطط بإيجاز على النحو الآتي: أولًا: يمكن تصنيف مراحل النمو الإنساني من المنظور الإسلامي إلى ثلاث مراحل كبرى, والمرحلة الأولى في هذا التصنيف تشمل ما يصفه القرآن الكريم بالضعف السابق على القوة، وهو ضعف التحول إلى الرشد، وتشمل هذه المرحلة طور الجنين وأطوار الطفولة والبلوغ المختلفة، وهي المرحلة التي تشهد أعظم التحولات في حياة الإنسان, والتي تبدأ منذ تكوين الجنين في الرحم من خلية واحدة مخصبة, إلى كائنٍ إنسانيٍّ بالغٍ عاقلٍ راشد، وهي فترة تستغرق من حياة الإنسان ما يقرب من عشرين عامًا. والمرحلة الثانية في تصنيفنا تشمل ما يصفه القرآن الكريم بمرحلة "القوة", وهي مرحلة الرشد، وهي تكاد تكون أطول المراحل الثلاثة, وتبدأ من بلوغ الإنسان عاقلًا راشدًا وحتى بداية مرحلة الشيخوخة, والطول الزمني لهذه الفترة يكاد يمتد بها إلى ما يقرب من أربعين عامًا. أما المرحلة الثالثة للإنسان في تصنييف هذا الكتاب للنمو الإنساني فهي التي

стр. 73

يصفها القرآن الكريم مرةً أخرى بالضعف، ولكنه ليس؛ كالضعف الأول -أي: ضعف التحول إلى القوة أو الرشد، وإنما هو ضعف التحول عن هذه القوة وذلك الرشد, ويضيف إليه القرآن الكريم وصفًا هامًّا وهو وصف "الشبيه", ويمثل ذلك مرحلتي الشيخوخة والهرم "أرذل العمر". ثانيًا: تنقسم كل مرحلة من المراحل الثلاث إلى أطوارها الفرعية الكبرى والصغرى على النحو الآتي: ١- المرحلة الأولى في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية: أ- طور الجنين, وتعني مرحلة ما قبل الولادة, والتي تنقسم بدورها إلى الفترات الأساسية التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة واجتهادات المسلمين إلى ما يلي: ١- فترة النطفة. ٢- فترة العلقة. ٣- فترة المضغة. ٤- فترة العظام والعضلات "اللحم" أو طور التكوين. ٥- فترة التسوية. ب- طور الطفولة: وتمتد من ولادة الطفل حيًّا وحتى وصوله إلى البلوغ الجنسي، وتنقسم في المنظور الإسلامي إلى الفترات الآتية: ١- فترة الوليد: وتشمل الأسبوع اللأول والثاني من حياته بعد الولادة. ٢- فترة الرضاعة: ويحدد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حدودها الزمنية القصوى بعامين لتمام الرضاعة، ويمكن أن تقلَّ عن ذلك في حالات الفصال "الفطام" المبكر. ٣- فترة الاستئذان المقيد, والذي يعقل فيه الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها، وهو طور التمييز الجنسي، وقد حدَّدَ الأوزاعي بدايته بالسنة الرابعة من العمر, كما يذكر القرطبي في تفسيره. ٤- فترة الطفولة غير المميزة "الحضانة": ويمتد هذا الطور من الولادة "شاملًا فترتي الرضاعة والاستئذان" وحتى سن التمييز, وتتسم هذه المرحلة بأن ما يسودها هو جوّ اللعب والملاعبة من الوالدين والمربين. ٥- طور التميز "الطفولة المميزة": ويمتد من سن التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويوصف هذا التطور بخاصتين؛ هما: بدء التأديب والتهذيب

стр. 74

والتعليم المنظم، والفصل في المضاجع بين الأخوة من الجنسين في حوالي سن ٩-١٠ سنوات. ج- طور البلوغ "المراهقة" وتبدأ بالبلوغ الجنسي, أو بلوغ الحلم, مرورًا ببلوغ السعي, وتنتهي ببلوغ الرشد, على أن يتم التحقق من حدوثه "بالإيناس، والاختبار والتعرف على علاماته ومؤشراته". ٢- المرحلة الثانية في نمو الإنسان: وتنقسم إلى التطورات الآتية: أ- طور الرشد, ويبدأ بظهور العلامات الأساسية الدالة عليه, والتي يجب أن يأنسها الآخرون في الشخص. ب- طور بلوغ الأشد "اكتمال الرشد أو الكهولة" ويبدأ من سن الأربعين وينتهي بظهور بوادر الشيخوخة. ٣- المرحلة الثالثة في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية: أ- طور الشيخوخة. ب- طور أرذل العمر "الهرم". ويوضح الشكل رقم "١" النموذج الكامل للنمو الإنساني من الوجهة الإسلامية كما عرضناه.

стр. 75

الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث: البحث في علم نفس النمو هو عمل علمي ينتمي إلى فئة العلم التجربي١ "الأمبريقي", والباحثون في هذا النوع من المعارف يلتزمون بنظام قيمي يسمى: الطريقة العلمية, يوجه محاولاتهم للوصف "الفهم", والتفسير "التعليل", والتحكم "التوجيه والتطبيق", وهي أهداف العلم التقليدية، والتي تناولناها بالتفصيل في الفصل الأول. الطريقة العلمية في البحث إذن: هي لون من الاتجاه أو القيمة, وهذا الاتجاه العلميّ أو القيمة العلمية يتطلب من الباحث الاقتناع والالتزام بمجموعة من القضايا هي "فؤاد أبو حطب، آمال صادق ١٩٩٥": ١- الملاحظة هي جوهر العلم التجربي "الأمبريقي"، وعلم النفس ينتمي بالطبع إلى فئة هذه العلوم، والمقصود هنا الملاحظة المنظمة لا الملاحظة العارضة أو العابرة. ٢- تتمثل أهمية الملاحظة في العلم في أنها تنتج أهم عناصره, وهي مادته الخام, أي: المعطيات Data والمعلومات أو البيانات Information. ٣- لا بد للمعطيات والمعلومات, أو البيانات التي يجمعها الباحث العلمي بالملاحظة أن تتسم بالموضوعية Objectivity, والموضوعية في جوهرها هي اتفاق الملاحظين في تسجيلاتهم لبياناتهم وتقديراتهم وأحكامهم اتفاقًا مستقلًّا.

стр. 76

٤- تتطلب الموضوعية أن يقوم بعمليات التسجيل والتقدير والحكم "وهي المكونات الجوهرية للملاحظة العلمية" أكثر من ملاحظ واحد، على أن يكونوا مستقلين بعضهم عن بعض، وهذا يتضمن قابلية البحث العلمي للاستعادة والتكرار Replicability. ٥- المعطيات والبيانات والمعلومات التي يجمعها الباحثون بالملاحظة العلمية هي وحدها الشواهد والأدلة التي تقرر صحة الفرض أو النظرية, وعلى الباحث أن يتخلى عن فرضه العلمي أو نظريته إذا لم تتوافر أدلة وشواهد كافية على صحتها. وهكذا يصبح البحث العلمي في النمو مختلفًا عن الآراء ووجهات النظر التي عرضها الفلاسفة والمفكرون حول طبيعة الطفل وتنشئته. لقد عوملت هذه الآراء في الماضي على أنها حقائق, وكان الافتراض الأساسي وراء ذلك أن العقول الكبرى تصدر آراؤها عن استبصارات كبرى, إلّا أن من بديهيات الطريقة العلمية في عصرنا أن نميِّزَ دائمًا بين الرأي والحقيقة. فإذا كانت الحقيقة هي ما يمكن أن نتفق حوله اتفاقًا مستقلًّا, وبالتالي ما يمكن أن يكون من نوع المعطيات والبيانات والمعلومات الموضوعية، بالمعنى الذي عرضناه, فإن الرأي هو ما يمكن أن نختلف فيه, وهو عادة نوع من التفسير والتأويل وإعطاء المعنى والمغزى للحقائق, ويظل الرأي له هذه الطبيعة الخلافية حتى تتوافر عليه شواهد وأدلة إيجابية كافية، وبهذا يتحول الرأي الذي يكون في بدايته نوعًا من "الفرض العلمي" إلى مستوى "القانون العلمي"، وحينئذ يقترب القانون العلمي من طبيعة الحقيقة. ومن المعروف في فلسفة العلم أن القانون العلمي ليس ثابتًا مطلقًا, فإن شاهدًا مضادًا أو دليلًا سلبيًّا واحدًا ضد الفرض أو القانون العلمي, يرجح مئات الشواهد والأدلة الإيجابية التي تؤيده، وحينئذ لا بدَّ أن يوضع هذا القانون العلمي موضع الاختبار من جديد, وتصاغ آراء وفروض جديدة, وبهذا يتطور العلم ويتقدم.

стр. 77

المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة: لعل من الواجب أن نشير هنا إلى أن هذا المنهج العلمي في البحث يتفق مع التصور الإسلامي للمعرفة؛ ففي القرآن الكريم دعوة صريحة لتأمل الكون والنفس جميعًا، والجمع بين المجالين في الآيات القرآنية الكريمة دليل -والله أعلم- على أن طبيعة المنهج في تأملها ودراستهما واحدة. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الروم: ٨] . ويقول أيضًا: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] . والهدف الأعظم من هذه الدراسة هو التعرف على أيات الله في خلق الكون والحيوان والإنسان, وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . وهذا التعرف على آيات الله التي هي علامات قدرته في خلقه يكون بالكشف عن سنن الله في مخلوقاته, وسنة الله هي ما جرى به نظامه في خلقه, وفي سعي الإنسان للكشف عن سنن الله بالأسلوب العلمي يستخدم ما زوده الله به من نعمٍ, وخاصة الحواس والعقل, مع التنبيه الكامل إلى حدودها كإمكانات بشرية معرضة للوقوع في أخطاء الضعف والقصور والخداع, وهذا السعي البشري للكشف عن سنن الله في مخلوقاته هو ما يسمى قوانين العلم, والتي لا تكون في أحسن حالاتها إلّا تقريبًا تتابعيًّا لسنن الله دون أن تتطابق معها. ولعل هذا يفسر لنا التغير المستمر والتحسن التدريجي الذي يطرأ على القوانين العلمية على مَرِّ العصور في مقابل الثبات البديهي المطلق لسنن الله. وقد عرضنا في الفصل الثالث آيات الله في تكوين الإنسان ونموه قبل الولادة أو بعدها, كما وردت في القرآن الكريم, ومهمة علم نفس النمو أن يكشف عن سنن الله في نمو مخلوقاته ومنها الإنسان, وهذا هو المنظور الحقيقي الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى نتائج العلم, سواء أجريت بحوثه في الشرق أو الغرب, وبهذا التصور الصحيح لمغزى المنهج العلمي في بحوث النمو وغيره من مجالات المعرفة, يمكن أن تتوقف تلك الصيحات العاتية التي تطالب بالتوقف عن الاهتمام بالعلم الحديث؛ لأنه من نتاج معامل الغرب وجامعاته. وهي دعوة في رأينا إلى الجهل والتخلف, ناهيك عن أنها ضد روح الإسلام العظيم الذي دعا رسوله الكريم إلى طلب العلم وحث عليه.

стр. 78

أما التصور الذي عرضناه لطبيعة المنهج العلمي فلم يكن معروفًا في العلوم الإنسانية -ومنها علم النفس- قبل القرن التاسع عشر, ولهذا وجدنا اتجاهًا يوحِّد بين آراء الفلاسفة والمفكرين، الذين أوردنا عينة من أفكارهم في الفصلين الثاني والثالث، وبيَّنَ حقائق السلوك الإنساني، وبالطبع لم يكن متوافرًا في ذلك الوقت أسلوب يضع هذه الآراء موضع الاختيار، وكانت المواقف إزاءها إما "القبول" أو"الرفض" على أساس الجدل العقلي المحض, أو الاندماج الانفعالي الوجداني الكامل دون مراعاة لحقائق السلوك الإنساني بالفعل, كما يلاحظ عندما يصدر عن البشر؛ كأطفال ومراهقين وشباب وكهول وشيوخ ومسنين. وعلى الرغم من هذه المبادئ الواضحة بذاتها, والتي أصبحت من بديهيات الفكر العلمي الحديث الذي لا يتضاد كما بينا مع الأصالة الإسلامية، فإننا نجد بعض من يركبون "الموجة" في كل العصور -ومنهم للأسف من ينتسبون إلى علم النفس- ينتقون نماذج من تراث علماء المسلمين، والتي كتبها أصحابها بالطبع قبل رسوخ قواعد المنهج العلمي في البحث، ويبالغون في تقديرها على نحوٍ لو أدركه أصحابها أنفسهم لأنكروه، ويصل بعضهم في عبثه بالعقل المسلم الحديث إلى حَدِّ الادعاء بأن بعض ما قرأوه قراءةً متعجلة من كتب تراث علماء المسلمين سبق نتائج البحوث الحديثة، وهو قول أقرب إلى الجهل, إذا توافر في أصحابه حسن النية، أو إلى العبث العلمي, إذا توافر لديهم سوء المقصد, وفيه من سوء الفهم للتراث الذي يشيرون إليه والعجز عن فهم طبيعة العلم الذي يدعون الانتساب إليه١. وهذا القول لا يقلل من شأن عبقرية المفكرين المسلمين وغيرهم من مفكري الحضارة الإنسانية في مختلف العصور؛ فعلماء نفس النمو المعاصرون يدينون لهم -كما يدين أطفال اليوم ومراهقوه وشبابه وكهوله وشيوخه- بفضل النظرة التي ينظر بها المجتمع إليهم وكيف يعاملهم, وتظل أفكارهم في أحسن حالاتها "تخمينات جيدة" أو "فروضًا" تنتظر الاختبار، وبهذا وحده يمكن فرز "الجيد" من "الرديء" فيها، حتى نحمي المجتمع وأفراده من التضمينات النظرية والتطبيقات العلمية للأفكار "السيئة" -أي: التي لا يوجد دليل موضوعي يؤكد صحتها- وبهذا يصبح العلم قيمة في ذاته يحمي المجتمع العلمي -والمجتمع بصفة عامة- من الاستدلال المعيب والتفكير الملتوي, وعلينا أن نتذكر دائمًا أنه

стр. 79

لا توجد سلطة بشرية تفوق الدليل الموضوعي، وعلينا دائمًا أن نقبل الأفكار أو نرفضها في ضوء هذه الأدلة والشواهد وحدها, وليس على أساس المكانة السياسية أو الاجتماعية لصاحب الفكرة, وعلى الباحث العلمي أن يكون مستعدًّا هو نفسه للتخلي عن فكرته إذا لم يتوافر لديه دليل يؤكد صحتها. تنوع طرق البحث العلمي في دراسة النمو الإنساني: تتوافر للباحثين في الوقت الحاضر طرق عديدة يمكن استخدامها في اختبار فروضهم حول النمو الإنساني, وهذا التنوع في مناهج البحث أحد مظاهر قوة العلم؛ لأن معنى ذلك أن النتائج التي نتوصل إليها بأحد هذه المناهج يمكن التحقق منها باستخدام مناهج أخرى, ويوفر هذا للباحثين ما يسمى: الدليل التقاربي Converg ing evidence, وهذا الدليل إذا حصلنا عليه يؤكد أن نتائج البحث اكتشافات حقيقية وليست محض اصطناع يرجع إلى طبيعة المنهج المستخدم, وعلى القارئ لهذا الكتاب أن يفكر دائمًا بهذه الطريقة، وعليه حين يقرأ بعض نتائج البحوث أن يبحث دائمًا عن طرق أخرى يمكن أن تستخدم في دراسة نفس الموضوع؛ بحيث تتوافر لدينا أدلة تقاربية تحقق لنا أهداف العلم: الوصف والتفسير والتحكم, التي تناولناها بالتفصيل في الفصل الأول, ولعلنا بهذا نفتح للباحثين وطلاب الدراسات العليا في علم نفس النمو آفاقًا جديدة للبحث في هذا الميدان.

стр. 80

الملاحظة الطبيعية: من طرق البحث التي يفضلها علماء النفس ما يسمى الملاحظة الطبيعية Nautralistic Observation أي: ملاحظة الإنسان في محيطه الطبيعي اليومي المعتاد, ويعني هذا بالنسبة للأطفال مثلًا ملاحظاتهم في المنزل أو المدرسة أو الحديقة العامة أو فناء الملعب، ثم تسجيل ما يحدث, ويصنف رايت wright ١٩٦٠ طرق الملاحظة الطبيعية إلى نوعين: أحدهما يسميه الملاحظة المفتوحة, وهي التي يجريها الباحث دون أن يكون لديه فرض معين يسعى لاختباره، وكل ما يهدف إليه هو الحصول على فهمٍ أفضل لمجموعة من الظواهر النفسية التي تستحق مزيدًا من البحث اللاحق, أما النوع الثاني فيسميه رايت الملاحظة المقيدة, وهي تلك التي يسعى فيها الباحث إلى اختبار فرض معين، وبالتالي يقرر مقدمًا ماذا يلاحظ ومتى؟ ونعرض فيما يلي طرق الملاحظة التي تصنف إلى كلٍّ من الفئتين:

стр. 81

أولًا- طرق الملاحظة المفتوحة: تشمل طرق الملاحظة المفتوحة Open Observation طريقتين أساسيتين؛ هما دراسة الحالة وتسجيل اليوميات من ناحية, ووصف العينة من ناحية أخرى. أ- دراسة الفرد: وتشمل مجموعة من الطرق؛ منها المقابلة الشخصية, ودراسة الحالة, وتسجيل اليوميات, والطريقة الكلينيكية, وفي هذه الطرق يسجل الباحث المعلومات عن كل فرد من الأفراد موضوع الدراسة, بهدف إعداد وصف مفصل له دون أن تكون لديه خطة ثابتة تبين أيّ هذه المعلومات له أهمية أكثر من غيره. وقد يلجأ الفاحص إلى تسجيل هذه المعلومات في يومياته في صورة "سجلات قصصية"، وقد يطلب من المفحوص أن يروي عن فترة معينة من حياته في موقف تفاعل مباشر بينه وبين الفاحص "المقابلة الشخصية". وقد تمتد هذه الطريقة لتصبح سجلًّا للفرد أو الحالة, يستخدم فيه الباحث مصادر عديدة للمعلومات, مثل: ظروف المفحوص الأسرية, والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ودرجة التعليم, ونوع المهنة, وسجله الصحيّ, وبعض التقارير الذاتية عن الأحداث الهامة في حياة الفرد، وأدائه في الاختبارات النفسية, وكثير من المعلومات التي تتطلبها دراسة الحالة؛ تتطلب إجراء مقابلات شخصية مع الفرد، وعادةً ما تتسم هذه المقابلات بأنها "غير مقننة", أي: تختلف الأسئلة التي تطرح فيها من فرد لآخر. وتعد من قبيل دراسة الحالة وتسجيل اليوميات سِيَرُ الأطفال التي كتبها الآباء من الفلاسفة والأدباء والعلماء عن أبنائهم، والتراجم التي كُتِبَتْ عن بعض العباقرة والمبدعين، والسير الذاتية التي كتبوها عن أنفسهم، وكذلك أدب الاعترافات, كما يعد من قبيل الطريقة الكلينيكية أسلوب الاستجواب Questioning الذي استخدمه جان بياجيه وتلاميذه في بحوثهم الشهيرة في النمو, وعلى الرغم من أن هذه الطريقة، باعتبارها من نوع الملاحظة المفتوحة، فيها ثراء المعرفة وخصوبة المعلومات وحيوية الوصف, إلا أن فيها مجموعة من النقائص نذكر منها: ١- تعتبر هذه الطريقة من جانب الفاحص مصدرًا ذاتيًّا وغير منظم للمعلومات، أما من جانب المفحوص فإنه إلى جانب الطابع الذاتي لتقاريره, قد تعوز المعلومات التي يسجلها الدقة اللازمة، وخاصة حين يكون عليه استدعاء أحداث هامة وقعت له منذ سنوات طويلة. ٢- المعلومات -أو البروتوكولات كما تسمى أحيانًا- التي نحصل عليها بهذه الطريقة من فردين أو أكثر, قد لا تكون قابلة للمقارنة مباشرة،

стр. 82

وخاصة إذا كانت الأسئلة التي توجه إلى كلٍّ منهما مختلفة. صحيح أنه في بعض الطرق الكلينيكية قد تكون الأسئلة مقننة في المراحل الأولى من المقابلة, إلا أن إجابات المفحوصين على كل سؤال قد تحدد نوع الأسئلة التي تطرح على المفحوص فيما بعد، يصدق هذا على طريقة الاستجواب عند بياجيه, وعلى بعض المقابلات المقننة. ولهذا نجد في النهاية أن البروتوكولات التي نحصل عليها تختلف من فرد إلى آخر، وتهيئ لنا صورةً للمفحوص ككائن فريد متميز. ٣- النتائج التي نستخلصها من خبرات أفراد بذواتهم تمَّت دراستهم بهذه الطريقة قد تستعصي على التعميم، أي: قد لا تصدق على معظم الناس. ٤- التحيزات النظرية القبلية للباحث قد تؤثر في الأسئلة التي يطرحها والتفسيرات التي يستخلصها، ولعل هذا هو أشهر الانتقادات التي وجهت إلى فرويد. وباختصار, فإن طريقة دراسة الحالة قد تفيد كمصدر خصب للأفكار حول النمو الإنساني، وهي بهذا قد توحي للباحثين بفروضٍ هامَّة تستحق الدراسة, والتي يجب التحقق منها باستخدام أساليب أخرى للبحث ومن الصعب -إن لم يكن من المستحيل- استخدام هذه الطريقة في اختبار الفروض. ب- الوصف على سبيل المثال: في هذه الطريقة التي تسمى الوصف على سبيل المثال Specimen Description, يحاول الملاحظ أن يسجِّل بإسهابٍ وتفصيل كل ما يحدث في وقت معين, على نحوٍ يجعله أقرب إلى آلة التسجيل، ولعل هذا ما دفع الباحثين الذين يستخدمون هذه الطريقة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة في هذا الصدد؛ فباستخدام آلات التصوير وكاميرات الفيديو، وأجهزة التسجيل السمعي, يمكن للباحث أن يصل إلى التسجيل الدقيق الكامل لما يحدث, وهذه الطريقة في الملاحظة المفتوحة أكثر دقة وموضوعية ونظامًا من الطريقة السابقة، إلّا أن المشكلة الجوهرية هنا, هي أننا بطريقة وصف العينة نحصل على معلومات كثيرة للغاية إذا استمر التسجيل لفترة طويلة, ويوضح لنا هذه الصعوبة مثال البحث الذي قام به باركب ورايت "Barker & Wright, ١٩٥١", لقد تطلَّب تسجيل كل ما يفعله ويقوله طفل عمره ٨ سنوات في يومٍ واحدٍ أن يصدر في كتاب ضخم مؤلَّف في ٤٣٥ صحفة. ثانيًا- طرق الملاحظة المقيدة: تعتمد طرق الملاحظة المقيدة Closed Ovservation على استراتيجية

стр. 83

اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها, وبالطبع فإن هذا التقييد يفقد الملاحظة خصوبة التفاصيل التي تتوافر بالطرق السابقة، إلّا أن ما تفقده في جانب الخصوبة تكسبه في جانب الدقة والضبط, ولعل أعظم جوانب الكسب أن الباحث يستطيع أن يختبر بسهولةٍ بعض فروضه العلمية باستخدام البيانات التي يحصل عليها بهذه الطرقة، وهو ما يعجز عنه تمامًا إذا استخدم الأوصاف القصصية التي يحصل عليها بالطرق الحرة السابقة, وتوجد ثلاث طرق من نوع الملاحظة المقيدة هي: أ- عينة السلوك: وفي هذه الطريقة يكون على الباحث أن يسجل أنماطًا معينة من السلوك في كل مرة يصدر فيها عن المفحوص؛ كأن يسجل مرات الصراخ التي تصدر عن مجموعة أطفال سن ما قبل المدرسة، أو مرات العدوان بين أطفال المرحلة الابتدائية, وقد يسجل الباحث معلومات وصفية إضافية أيضًا؛ ففي تسجيل السلوك العدواني قد يلاحظ الباحث أيضًا عدد الأطفال المشاركين في العدوان وجنس الطفل، ومن يبدأ العدوان، ومن يستمر فيه إلى النهاية، وما إذا كانت نهاية العدوانية تلقائية أم تطلبت تدخل الكبار، وهكذا. ويحتاج هذا إلى وقت طويل بالطبع, وتزداد مشكلة الوقت حدة إذا كان على الباحث أن يلاحظ عدة مفحوصين في وقت واحد؛ فمثلًا إذا كان الباحث مهتمًّا بالسلوك العدواني الذي يصدر عن ستة أطفال خلال فترة لعب طولها ٦٠ دقيقة, فإن عليه أن يلاحظ كل طفل منهم بكل دقة لخمس فترات طول كل منها دقيقتان طوال الزمن المخصص للملاحظة، ويسجل كل ما يصدر عن الطفل مما يكن أن ينتمي إلى السلوك العدواني, وبالطبع ييسر عليه الأمر استخدام وسائل التسجيل الكنولوجية الحديثة التي أشرنا إليها فيما سبق. وقد يسهل عليه الأمر -إذا لجأ لى التسجيل الشخصي المباشر- أن يستخدم نوعًا من الحكم والتقدير للسلوك الذي يلاحظه، وتفيده في هذا الصدد مقاييس التقدير التي تتضمن نوعًا من الحكم على مقدار حدوث السلوك موضع البحث, ومن ذلك أن يحكم على السلوك العدواني للطفل بأنه: يحدث دائمًا - يحدث كثيرًا - يحدث قليلًا - نادرًا ما يحدث - لا يحدث على الإطلاق. وعليه أن يحدد بدقة معنى "دائمًا - كثيرًا - قليلًا - نادرًا - لا يحدث" حتى لا ينشأ غموض في فهم معانيها، وخاصةً إذا كان من الضروري وجود ملاحظ آخر لنفس السلوك يسجل تقديراته مستقلًّا تحقيقًا لموضوعية الملاحظة "وهو شرط واجب الحدوث كما سنبين فيما بعد".

стр. 84

ب- عينة الوقت: في هذه الطريق يتركز اهتمام الباحث بمدى حدوث أنماط معينة من السلوك في فترات معينة يخصصها للملاحظة, ويتم تحديد أوقاتها مقدمًا, والمنطق الرئيسي وراء هذه الطريقة أن الإنسان يستمر في إصدار نفس السلوك لفترات طويلة نسبيًّا من الزمن, وعلى هذا يمكننا الحصول على وصف صحيح لهذا السلوك, وحكم صحيح عليه إذا لاحظناه بشكل متقطع في بعد الزمن. وتختلف الفترات الزمنية التي يختارها الباحثون لهذا الغرض ابتداءً من ثوانٍ قليلةٍ لملاحظة بعض أنواع السلوك، إلى دقائق أو ساعات عديدة لبعض الأنواع الأخرى, وفي جميع الأحوال يجب أن يكون المدى الزمني للملاحظة واحدًا تبعًا لخطة معدة مقدمًا. وخلال هذه الفترات يسجل الباحث عدد مرات السلوك موضع الاهتمام, ومن أمثلة ذلك: أن يختار الباحث حصة في أول النهار, وحصة في آخره, مرتين في الأسبوع على مدار العام الدراسي لبحث بعض جوانب سلوك تلميذ المدرسة الابتدائية. وإذا عدنا لمثال السلوك العدواني قد يقرر الباحث ملاحظة سلوك العدوان عند الأطفال خلال الدقائق العشر الأولى من كل ساعة, من أربع ساعات متصلة خلال مرحلة. ومن مزايا هذه الطريقة أنها تسمح بالمقارنة المباشرة بين المفحوصين ما دام الوقت الذي تجري فيه الملاحظة والزمن الذي تستغرقه واحدًا. ج- وحدات السلوك: في هذه الطريقة يلاحظ الباحث خلال فترة زمنية معينة وحدات معينة من السلوك behaviour units, وليس عينة سلوك أو عينة وقت, ومعنى ذلك: أن تتم ملاحظة إحدى جزئيات السلوك بدلًا من ملاحظته ككتلة مركبة غير متجانسة, وتبدأ وحدة السلوك في الحدوث في أيّ وقت يطرأ فيه أي تغير على استجابات المفحوص وما قد يصاحبه من تغير في بيئته؛ فمثلًا إذا لاحظنا أن الطفل وهو يلعب برمال الشاطيء تحول فجأة إلى وضع كمية من الرمل في شعر طفل آخر, فإننا نسجل في هذه الحالة حدوث ذلك، باعتباره وحدة سلوك تختلف عما كان يحدث من قبل حين كان الطفلان يتبادلان الابتسام مثلًا, فأصبحا يتبادلان الهجوم, ويسجل الباحث ما طرأ على بيئة الطفلين من تغير في هاتين الحالتين حين كان الطفل الأول يمسك في المرة الأولى كرة يلعب بها وحده، فجاء أبوه وأخذها منه ليعطيها للطفل الثاني الذي كان يلح في طلبها, وهكذا يكون على الباحث في كل مرة أن يسجل حدوث وحدة السلوك على أنها تَغَيُّر في استجابات الطفل وفي بيئته, وحين تنتهي فترة الملاحظة يقوم الباحث بفحص وحدات السلوك التي تَمَّ تجميعها ثم تحليلها, ويتطلب ذلك بالطبع تصنيفها في فئات.

стр. 85

تعليق عام على طريق الملاحظة الطبيعية: إن الباحث الذي يستخدم طريقة الملاحظة الطبيعية عليه أن يكون متنبهًا إلى سلوكه هو أثناء الملاحظة حتى لا يقع في أخطاء التحيز, والذي يتمثل في ميله إلى تدعيم فكرته المسبقة عن السلوك الإنساني, وقد يؤدي به هذا إلى المبالغة في جمع بعض الملاحظات عن طريق الاهتمام الزائد، أو التهوين من بعضها عن طريق الإهمال, وهو بهذا يتجاوز مهمته كمسجل للأحداث كما تقع بالفعل, وكما تسجلها الكاميرا العادية إلى آلة تضخم بعض الأحداث عن طريق التكبير, أو تقلل من شأنها عن طريق التصغير. ومن مشكلات طرق الملاحظة الطبيعية أن الملاحظ قد يتجاوز حدد مهمته أيضًا إذا تدخل في عملية التسجيل التي يقوم عليها الوصف الدقيق للظواهر وحوَّلها إلى مستوى التفسير، ولذلك فإن كثيرًا من تقارير الملاحظة لا يعتد بها إذا تضمنت الكثير من آراء الباحث وطرقه في فهم الأحداث بدلًا من أن يتضمن وصفًا دقيقًا للأحداث ذاتها, وإحدى طرق زيادة الدقة في هذا الصدد تحديد أنواع الأنشطة التي تعد أمثلة للسلوك موضوع الملاحظة، وتكون هذه الأنشطة تعريفًا إجرائيًّا لهذا السلوك. وتتضمن المشكلة السابقة قضية الموضوعية في الملاحظة, فإذا لم تكن ملاحظتنا إلّا محض تفسيراتنا وتأويلاتنا وفهمنا للأحداث؛ فبالطبع لن يحدث بيننا "الاتفاق المستقلّ" في الوصف؛ لأنها سمحت بأن تلعب جوانبنا الذاتية دورًا في ملاحظاتنا, ومن الشروط التي يجب أن نتحقق منها في طريق الملاحظة شرط الثبات, وهو هنا ثبات الملاحظين, ويتطلب ذلك أن يقوم بملاحظة نفس الأفراد في نفس السلوك موضع البحث أكثر من ملاحظ واحد, على أن يكونوا مستقلين تمامًا بعضهم عن بعض، ثم تتم المقارنة بين الملاحظين, فإذا كان بينهم قدر من "الاتفاق المستقل" فيما يسجلون, أمكننا الحكم على الملاحظة بالدقة والثبات، وإلّا كانت نتائج الملاحظة موضع شك. وبالطبع فإن هذا الثبات يزداد في طرق الملاحظة المقيدة عنه في طرق الملاحظة المفتوحة. وتحتاج طرق الملاحظة الطبيعية إلى التدريب على رؤية أو سماع ما يجب رؤيته أو سماعه وتسجيله, وتدلنا خبرة رجال القضاء أن شهادة شهود العيان في كثير من الحالات تكون غير دقيقة؛ لأنهم بالطبع غير مدربين على الملاحظة, وما لم يتدرب الملاحظ تدريبًا جيدًا على الملاحظة, فإن تقاريره لن تتجاوز حدود الوصف الذاتي المحض، وهي بهذا تكون عديمة الجدوى في أغراض البحث

стр. 86

العلمي, وفي كثير من مشروعات البحوث يتمّ تدريب الملاحظين قبل البدء في الدراسة الميدانية حتى يصلوا في دقة الملاحظة إلى درجة الاتفاق شبه الكامل بينهم "بنسة اتفاق لا تقل عن ٩٠%". ومن المشكلات الأخرى في طرق الملاحظة الطبيعية, أن محض وجود ملاحظ غير مألوف بين المفحوصين يؤثر في سلوكهم, ويؤدي إلى انتفاء التلقائية والطبيعة في اللعب أو العمل أو غير ذلك من المواقف موضع الملاحظة, وقد بُذِلَت جهود كثيرة للتغلب على هذه المشكلة، ومن ذلك تزويد معامل علم النفس بالغرف التي تسمح حيطانها الزجاجية بالرؤية من جانب واحد "هو في العادة الجانب الذي يوجد فيه الفاحص", وفي هذه الحالة يمكن لفاحص أن يكون خارج الموقف ويلاحظ سلوك الشخص وهو يتم بتلقائية, ومنها أيضًا استخدام آلات التصوير بالفيديو أو السينما، وآلات التسجيل السمعي, بشرط أن توضع في أماكن خفية لا ينتبه إليها المفحوصون، أو توضح في أماكن مرئية لهم على أن تظل في مكانها لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن قبل استخدامها حتى يتعود على وجودها المفحوصون, وقد يلجأ بعض الباحثين للتغلب على هذه المشكلة إلى الاندماج مع المفحوصين في محيطهم الطبيعي قبل الإجراء الفعلي؛ بحيث يصبح وجودهم جزءًا من البيئة الاجتماعية للبحث، وهذه الطريقة تسمى الملاحظة بالمشاركة. وبالطبع كلما أجريت الملاحظة في ظروف مقننة ومضبوطة زودتنا بمعلومات أكثر قابلية للتعميم، فمثلًا عند داسة نمو القدرة على القبض على الأشياء ومعالجتها, قد يتطلب الأمر ملاحظات دقيقة وتفصيلية للأطفال من مختلف الأعمار، كل منهم يقوم بمعالجة نفس الشيء في موقف مقنن أو موحد, وحتى نوضح ذلك فقد نختبر اختبارًا "فرديًّا" ٤٠طفلًا, كل عشرة منهم في مجموعة عمرية معينة, ولتكن ٢٠ أسبوعًا، ٣٠ أسبوعًا، ٤٠ أسبوعًا، ٥٠ أسبوعًا, بينما هم جالسون جلسة معتدلة في مقعد مرتفع، ثم نضع مكعبًا على لوح خشبي أمام كل طفل، وفي هذه الحالة يمكننا أن نلاحظ ونسجل بالتفصيل جهود الطفل للقبض على المكعب الخشبي ومعالجته. وبالطبع فإن التصوير السنيمائي لاستجابات الأطفال يعطي تسجيلًا موضوعيًّا وكاملًا, ويمكننا أن نحلله بدقة, ونعود إليه إذا اختلفنا في ملاحظة أساليب الطفل في القبض على الأشياء "مثلًا استخدام الذراع أو الرسغ أو اليد أو الأصابع", وتعطينا المقارنة بين سجلات الأطفال من مختلف الأعمار أساسًا لوصف اتجاهات النمو في القدرة على معالجة الأشياء. والملاحِظ لا يستطيع أن يلاحظ كل شيء في سلوك الطفل، وإنما يحدد

стр. 87

ملاحظاته بنمطٍ معين من أنماط السلوك؛ فمثلًا عند دراسة النمو الاجتماعي قد يقتصر اهتمام الباحث على العدوان بين أطفال دار الحضانة, وفي هذه الحالة يسجل بدقة جميع الأفعال التي تصدر عنهم في هذا الصدد؛ مثل الخبط والضرب والعراك والسباب وتحطيم لعب الطفل الآخر, وحيث إنه أيضًا لا يستطيع أن يلاحظ الطفل -أو الأطفال- طول الوقت, فلا مناص من لجوئه إلى منهج عينة الوقت, كما يجب على الباحث أن يصوغ بياناتٍ عن العدوان في صورة كَمٍّ أو مقدار أو درجة قدر الإمكان. وبالطبع فإن سلوكًا مثل معالجة الأشياء أو العدوان, يمكن ملاحظته مباشرةً، إلّا أن كثيرًا من التغيرات التي يهتم بها المتخصص في سيكولوجية النمو ليست كذلك؛ فالذكاء وسمات الشخصية والدوافع الأساسية جميعًا لا يمكن ملاحظتها مباشرة, ويجب الاستدلال عليها واستنتاجها من الأداء للظاهر؛ فالبنسبة للذكاء مثلًا, نجد أن المتخصص في علم النفس يلاحظ أداء الطفل لمهامٍّ معينة, وحلوله لمشكلات من نوع خاصٍّ يشتمل عليها اختبار جيد الصنع, يسمى اختبار الذكاء، ومن ملاحظاته هذه يستنتج مستوى القدرة العقلية العامة للطفل, ومثل هذه الاستنتاجات لا يمكن أن تكون صادقة ولها معنًى إلّا إذا كانت ملاحظات السلوك تتم في ظروف مقننة أو مضبوطة، وإلّا إذا كانت الإجراءات امستخدمة موحدة ومتطابقة بالنسبة لجميع المفحوصين, وإذا كان علينا أن نقارن بين أداء المفحوصين المختلفين, فإن الظروف التي نلاحظهم فيها يجب أن تكون موحدة للجميع قدر الإمكان, وبذلك يمكننا أن نتأكد من أن الاختلافات في أداء المفحوصين ترجع إلى الفروق في مستويات الذكاء وليس إلى غير ذلك من المتغيرات الدخيلة. لنفرض مثلًا أن طفلًا في حجرة مليئة بالضوضاء, أو ضعيفة الإضاءة, أو أن الفاحص الذي يقوم بتطبيق الاختبار كان شخصًا غير خبير، وأن طفلًا آخر يتم اختباره بفاحص خبير, وفي مكان هادئ جيد الإضاءة، إن اداء السيء الذي يظهره الطفل الأول قد يرجع إلى هذه الظروف المحيطة به, أو إلى إجراءات الاختبار نفسها وليس إلى انخفاض مستوى الذكاء, أما إذا كانت ظروف الاختبار متطابقة للطفلين قدر الإمكان, يمكننا أن نستنتج استنتاجًا معقولًا أن الطفل الذي يؤدي في الاختبار أداء أسوأ من الآخر يكون أقل ذكاء منه. وبالمثل يمكننا أن نستنتج مدى القوة النسبية لانفعال العدوان لدى الأطفال من ملاحظاتنا لسلوك العراك والسباب اللفظي والتحطيم, ومرة أخرى, فإن هذه الملاحظات إذا لم تتم في ظروف مضبوطة ومقننة فإن استنتاجاتنا قد لا تكون

стр. 88

صحيحة, فمقدار العدوان الذي يظهره الطفل يختلف تبعًا لطبيعة الموقف الذي يكون فيه، وبالتالي فإذا اختلفت المواقف يصعب علينا أن نعرف القوة النسبية لهذا الانفعال لدى طفلين مختلفين. وأخيرًا فإن الملاحظة الطبيعية فيها كل خصائص التعقد والتركيب لمواقف الحياة الطبيعية التي تتحرر منها قدر الإمكان المواقف المعملية, إلّا أن هذا ليس عيبًا في الطريقة وإنما هو أحد حدودها، فالواقع أننا في حاجة إلى البحوث التي تعتمد على وصف دراسة السلوك الإنساني في سياقه الطبيعي والمعتاد, والتي قد تقودنا إلى بحوث أخرى تعتمد على طرق أخرى, تستند في جوهرها على منطق "العلية" توجهًا إلى التفسير والتنبؤ والتوجيه والتحكم في هذا السلوك.

стр. 89

المنهج التجريبي: التجربة هي نوع من الملاحظة المقننة أو المضبوطة، إلّا أنها تتميز عن محض الملاحظة في أنها تتطلب معالجة يقوم بها الباحث أو المجرب. فالجرب هو الذي يصطنع أحد العوامل أو المتغيرات ويتحكم فيه ويعالجه, ولهذا يسمى المتغير المستقل، ثم يلاحظ ما إذا كان عاملًا أو متغيرًا آخر "أو مجموعة أخرى من العوامل والمتغيرات" تختلف تبعًا لاختلاف المتغير المستقل, وكيف يحدث هذا الاختلاف، ويسمى هذا العامل الآخر المتغير التابع، أما باقي العوامل والمتغيرات فيجب أن تظل ثابتة, أي: لا يسمح لها بالتغير، وفي هذه الحالة توصف هذه المتغيرات الدخيلة بأنها تَمَّ التحكم فيها حتى لا تتداخل في تفسير النتائج, وقلَّ أن يقوم الباحث بتجربته عادةً ما يصوغ "فرضًا" يتطلب الاختبار، ولكي نوضح ذلك نضرب المثال التالي: نفرض أن باحثًا تجريبيًّا أراد أن يدرس آثار الدرجات المختلفة من الإحباط في سلوك العدوان لدى الأطفال, في هذه الحالة يكون الفرض هو أنه كلما زادت درجة الإحباط يؤدي ذلك إلى زيادة مقدار السلوك العدواني لدى الطفل، ويمكن للباحث أن يختبر هذا الفرض تجريبيًّا باستخدام ثلاث مجموعات من الأطفال, يتعرض كلٍّ منها لظرفٍ خاصٍّ أو معالجة خاصة؛ مجموعتان تجريبيتان ومجموعة ضابطة، بحيث تتساوى المجموعات الثلاث تقريبًا في الخصائص التي لا تهم الباحث في هذه التجربة, ولكنها قد تؤثر في التعبير عن العدوان؛ مثل: العمر الزمني, ومستوى التعليم, والجنس, والصحة, والذكاء, والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وبعبارة أخرى: فإن الباحث يثبت هذه العوامل، وعندئذ يمكنه أن يعالج على النحو الذي يشاء المتغير المستقل الذي يهتم به وهو مقدار الإحباط، وبعد ذلك يمكنه أن يعرض المجموعات الثلاث لدرجات

стр. 90

مختلفة من الإحباط، فمثلًا قد يعرض على المجموعة الأولى من الأطفال عددًا من المشكلات التي تستعصي على الحل, ويعطيهم تعليمات تتضمن وصف هذه المشكلات بالسهولة وقابليتها للحل, ويطلب منهم أن يعملوا على حلِّها خلال فترة زمنية محددة، وبها تتعرض هذه المجموعة لأكبر قدر من الإحباط, والمجموعة الثانية قد تعرض عليهم مشكلات صعبة, ولكنها تقبل الحل, ويطلب منهم حلها في نفس الفترة الزمنية، وبالطبع فإن هذه المجموعة تتعرض أيضًا للإحباط ولكن بمقدار أقل, أما المجموعة الثالثة الضابطة فيطلب منها أداء أعمال سهلة لا تؤدي إلى إحباط, ويضع الباحث المجموعات الثلاث في موقف اجتماعي أثناء حل المشكلات حتى يمكن ملاحظة وتسجيل سلوكهم العدواني. في هذه الحالة يمكن للباحث أن يحدد ما إذا كانت زيادة درجة الإحباط تؤدي إلى زيادة مقدار العدوان, وهو ما يتوقعه فرض البحث, وتتحقق صحة هذا الفرض إذا وجد الباحث أن المجموعة التي تعرضت لأكبر قدر من الإحباط سلكت سلوكًا عدوانيًّا أكبر من غيرها, وأن المجموعة الضابطة سلكت سلوكًا عدوانيًّا أقل من غيرها. والميزة الفريدة والهامة في التجربة هي أنه حين يتم التحكم في العوامل الدخيلة, فإن المتغير المستقل يؤثر تأثيرات واضحة؛ لأن التغيرات فيه تنعكس بآثارها في المتغير التابع, وهو ما يمكن البرهنة عليه مباشرة من نتائج البحث التجريبي. وبدون الإجراءات التجريبية يكون من الصعب الحكم على مدى إسهام جميع العوامل التي تؤدي إلى نتيجة معينة أو تحدث أثرًا خاصًّا حكمًا دقيقًا؛ فمثلًا نجد أن شدة الاستجابات العدوانية لدى الأطفال تتأثر بعوامل كثيرة, مثل: الجنس والمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وخبرات الإحباط السابقة, ووجود سلطة الكبار أو عدم وجودها, ثم الخوف من العقاب على السلوك العدواني, وبالطبع يمكن للدراسات التي تعتمد على الملاحظة المباشرة أن تعطي بيانات هامة عن أثر هذه المتغيرات, إلّا أن إجراء التجارب المضبوطة يعطينا بيانات أكثر دقة ووضوحًا, كما أن التفسير السببي لا يزودنا به بوضوح إلّا المنهج التجريبي. وتوجد تصميمات تجريبية كثيرة لا يتسع المقام لتناولها في هذا الكتاب، إلّا أن ما يهمنا أن نشير إليه هو مسألة الضبط والتحكم التجريبي التي ترددت كثيرًا فيما سبق, وأشهر الطرق لتحقيق ذلك ما يسمى التوزيع العشوائي للمفحوصين على المعالجات التجريبية المختلفة, وهي طريقة تهيئ لكل مفحوص فرصة متساوية لأن يتعرض لأيّ معالجة أو شرط في الموقف لتجريبي دون أيّ قصد متعمد من الباحث, وبهذا يمكن للعوامل المختلفة التي قد تؤثر في المتغيرات التابع أن تتوزع

стр. 91

عشوائيًّا داخل كل شرط "أو معالجة" من الشروط أو المعالجيات التجريبية, وبين هذه الشروط والمعالجات. وعلى الرغم من أن المنهج التجريبي هو أقوى المناهج في اختبار العلاقات السببية, والتي تقود إلى تفسيرات مقنعة, فإن فيه بعض المشكلات التي نلخصها فيما يلي: ١- مجرد وجود المفحوص ضمن إجراء تجريببي قد يؤثر في سلوكه ويجعله يفتقد التلقائية والطبيعية التي تميز طرق الملاحظة المباشرة, وإذا حدث ذلك فإن نتائج التجربة لن تصدق على أحداث الحياة الواقعية. ٢- البيئة "المعملية" المضبوطة المقننة التي عادة ما تجرى فيها البحوث التجريبية هي أيضًا بيئة اصطناعية للغاية, ومن المتوقع للمفوحصين أن يسلكوا على نحوٍ مختلف في مواقف الحياة الفعلية, ولهذا يجب ألَّا تنتقل نتائج بحوث المعمل إلى الميدان انتقالًا مباشرًا، وإنما على الباحث أن يمر بخطوات عديدة في سبيل ذلك, وقد عرفنا هذه الخطوات في موضعٍ سابقٍ "فؤاد أبو حطب، آمال صادق، ١٩٩٥". وإحدى طرق التغلب على هذه المشكلة تصميم تجارب تبدو طبيعية للمفحوصين, ويمكن جعل الموقف التجريبي أكثر طبيعية للأطفال, مثلًا بأن تجرى التجربة في موقفٍ معتادٍ؛ كالبيت أو المدرسة, كما أن الأطفال قد يسلكون على نحوٍ أكثر طبيعية إذا قام والدوهم أو معلموهم بدور المجريين بدلًا من وجود شخص غريب لا يعرفونه, بشرط تدريب هؤلاء على شروط التجربة وإجراءاتها, كما يمكن عرض الموقف التجريبي على نحوٍ يتفق مع ميول الأطفال؛ كأن تعرض أسئلة اختبار الذكاء أو الابتكار عليهم على أنها نوع من الألعاب أو الألغاز بدلًا من القول بأنها أسئلة في اختبار، كما يمكن للباحث إجراء تجربة ميدانية في البيئة الطبيعية بالفعل على نحوٍ يجعل المفحوصين لا يشعرون بأنهم موضع "تجربة", وهذا الأسلوب يجمع بين مزايا الملاحظة الطبيعية والضبط الأكثر إحكامًا في الموقف التجريبي. ٣- التوزيع العشوائي للمفحوصين على مجموعات المعالجة يحدث في بعضهم استجابات سلبية إزاء الموقف التجريبي، وخاصة إذا كان على المفحوص أن يعمل مع مجموعة لا يحب الانتساب إليها, ومعنى ذلك أن الباحث التجريبي عليه أن يتعامل مع مفحوصيه على أنها بشر، وإذا نشأت مثل هذه المشكلات عليه أن يواجهها ويحلها في الحال لا أن يتجاهلها؛ لأن مثل هذه الاتجاهات السلبية

стр. 92

لدى بعض المفحوصين قد يهدد صدق نتائج البحث. ٤- الأجهزة والأدوات والمواد التي تستخدم في الموقف التجريبي وخاصة داخل المعمل, قد تؤدي بالمفحوص إلى الاعتقاد بأن عليهم أن يسلكوا على نحوٍ غير عادي, ومن ذلك مثلًا: أن يطلب منه حفظ مقاطع عديمة المعنى, وهو ما لا يفعله عادةً في حياته اليومية. ٥- توقعات المجرب قد تؤثر في نتائج التجربة؛ فالباحث الذي يعتقد بشدة في صحة فرضه فإنه قد يلجأ -ولو عن غير قصد- إلى تهيئة الشروط التي تدعم هذا الفرض, ولعل هذا يفسر لنا كثرة الفروض التي "تتحقق" في بحوثنا العربية، بينما نسبة كبيرة منها لم يتحقق في البحوث التي أجريت في بيئات مختلفة, بل لعل هذا يفسر لنا ما نلاحظه على بعض الباحثين الذين يشعرون بالضيق والقلق حين لا تتحقق فروضهم, وهذا لونٌ من الخطأ الفاحش في فهم طبيعة البحث العلمي. لقد صارت الفروض عند بعض الباحثين جزءًا من نظامهم "العقيدي" لا قضايا تقبل الصحة والخطأ على أساس الأدلة والشواهد الموضوعية. وللتغلب على هذه المشكلة يقترح علماء مناهج البحث المعاصرون استخدام أسلوب إجراء التجارب بطريقة "معماة" على الفاحصين، وفي هذه الحالة لا يعلم الفاحصون ولا المفحوصون أيّ معالجة يشاركون فيها إلّا بعد انتهاء التجربة. وبالرغم من هذه المشكلات تبقى للمنهج التجريبي قيمته العظمى في تزويدنا بأدق فهم لعلاقات السبب -النتيجة في دراسة السلوك الإنساني.

стр. 93

المنهج شب التجريبي: حينما يستعصي على الباحث تطبيق المنهج التجريبي بمعناه الكامل الذي تناولناه آنفًا, نجده يحاول فرض قدر من التحكم على العوامل الدخيلة التي لها بعض الآثار المحتملة في السلوك موضوع الاهتمام, وتوجد في الوقت الحاضر عدة تصميمات من هذا القبيل, تجمعها تسمية عامة هي " المنهج شبه التجريبي " Quasi -Experimenta. لنفرض أن أحد الباحثين أراد أن يدرس أثر الحرمان من الأسرة في النمو الاجتماعي للطفل, إن تطبيق المنهج التجريبي الكامل في هذه الحالة يتطلب تقسيم المفحوصين عشوائيًّا إلى نصفين، أحدهما يظل يعيش مع أسرته, بينما يودع الآخر في إحدى دور الرعاية وذلك طوال فترة التجربة, ثم تقارن المجموعتان في النمو الاجتماعي, وبالطبع فإن معظم الأسر ترفض أن تسمح لأطفالها بالمشاركة

стр. 94

في تجربة من هذا النوع, كما أن النظام الاجتماعي لا يوافق على أن ينفصل الطفل عن والديه وأن يُودَعَ طواعيةً أو قسرًا في مؤسسة من أي نوعٍ, إلّا في بعض الاستثناءات القليلة الشاذة في التاريخ "معسكرات إسبرطة في التاريخ القديم والكيوبتزات الإسرائيلية في التاريخ الحديث"، بل إن مثل هذا الإجراء يستحيل حدوثه في المجتمع الإسلامي الذي تضع شريعته الأسرة في مكانة رفيعة من البناء الاجتماعي, ولهذا فلا مناص من أن يلجأ الباحث في هذه الحالة إلى تصميم شبه تجريبي, وفي هذه الحالة يقارن بين مجموعتين من الأطفال إحداهما تعيش مع أسرها الطبيعية, والأخرى تعيش في إحدى دور الرعاية "ملجأ أو مؤسسة اجتماعية أو مدرسة داخلية أو دار حضانة" نتيجةً لظروفها الاجتماعية. ومعنى ذلك أن شبه التجربة: هي دراسةٌ يلاحظ فيها الباحث نتائج حدث طبيعي, أو قرار متصل بالظروف الاجتماعية للإنسان يُفْتَرَضُ فيه أن له أثر على حياته، ويشمل ذلك على سبيل المثال الالتحاق بدور الرعاية الاجتماعية أو مؤسسات الإيواء أو برامج ما قبل المدرسة؛ في دور الحضانة ورياض الأطفال, أو التعليم في المدارس الخاصة وغيرها. ويكون المتغير المستقل في هذه الحالة هو الحدث أو الظرف الذي يُفْتَرَضُ فيه أن تؤثر نواتجه على الذين يتعرضون له, والباحث هنا لا يستطيع أن يتحكم في المتغير المستقل -كما يفعل الباحث التجريبي- كما لا يستطيع أن يوزع المفحوصين على مختلف المعالجات، فالتوزيع أحدثته بالفعل ظروف الإنسان في حياته اليومية, وعلى الباحث أن يدرس آثار ذلك حينما وأينما وكيفما يحدث بالفعل. وتتفاوت البحوث شبه التجريبية في الكيف, ولعل أفضل تصميمات هذا النوع من البحوث أن يختار الباحث لمجموعته الضابطة أفرادًا من الذين يوضعون في قوائم الانتظار للالتحاق بالبرنامج أو المعالجة موضع الاهتمام، مثل قوائم الانتظار للالتحاق بالمدارس الخاصة أو دور الحضانة، ولعل هذا يوفر قدرًا من القابلية للمقارنة بين المجموعة الضابطة والمجموعة التجريبية, على الأقل في متغير الرغبة في المشاركة في البرنامج أو المالجة إن كانت لها جاذبية، أو عدم الرغبة في ذلك إن لم تكن لها هذه الجاذبية, وهذا أفضل بالطبع من اختيار المجموعة الضابة من "غير الملتحقين بالمدارس الخاصة" أو "غير الملتحقين بدور الحضانة" مثلًا، وهم أولئك الذين لم يسع آباؤهم لالتحاقهم بالبرنامج, وفي هذه الحالة قد تكون هناك اختلافات جوهرية بين الآباء في المجموعتين، وقد تكون لمتغيرات أخرى مثل حجم الأسرة والدخل والمستوى التعليمي للوالدين, أهمية أكبر من برنامج دار الحضانة أو المدرس الخاصة في إحداث الفروق بين مجموعتي الأطفال, وهكذا تظل نتائج شبه التجربة مفتوحة لتفسيرات متعددة، ولا تؤدي إلى تحديد قوي لعلاقة السبب والأثر, كما هو الحال في المنهج التجريبي الكامل، ومع ذلك فهو المنهج الأفضل في هذه الظروف الخاصة.

стр. 95

المنهج الارتباطي: توجد مشكلات هامة في سيكولوجية النمو لا يمكن تناولها بالبحوث التجريبية أو شبه التجريبية, ومن ذلك مثلًا إذا أراد الباحث أن يحدد العلاقة بين الاتجاهات الوالدية "كاتجاه الرفض" ونمو شخصية الطفل, فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يطلب من بعض الأمهات أن يرفضن أبناءهن حتى يجري الباحث تجربة كاملة عليهن وعلى الأبناء, كما قد يصعب عليه أن يجد في الحياة الاجتماعية العامة آباء يرفضون أطفالهم بحيث يصنفهم في مجموعة في مقابل مجموعة أخرى تقبل الأبناء, حتى يجرى عليهم بحثًا شبه تجريبي, ولهذا فإن إجراء بحوث على مثل هذه المشكلات يكون من نوع مختلف تمامًا. إن الباحث قد يستخدم بعض الاستخبارات أو الاستفتاءات, أو يجري بعض المقابلات مع الأمهات ليتقصى الاتجاهات الوالدية لديهن, وحينئذ قد يجد أن بعض الأمهات ترفضن أبناءهن سيكولوجيًّا, كما يجد مجموعة أخرى مقارنة من الأمهات تقبلن أبناءهن؛ فإذا كان أطفال مجموعتي الأمهات متكافئين تقريبًا في العمر الزمني والذكاء والمستوى الاجتماعي والاقتصادي, وغير ذلك من العوامل الدخيلة، يمكن للباحث أن يقارن بين سمات الشخصية لدى مجموعتي الأطفال, مما يعطي معلومات عن العلاقة بين الاتجاه الوالدي الرافض وشخصية الطفل, ويعد هذا البحث ارتباطيًّا؛ لأن علاقة السبب والأثر فيه غير واضحة, كما هو الحال في البحث التجريبي وشبه التجريبي. إن نتائج هذا البحث التي قد تتمثل في أنه مثلًا كلما زاد رفض الأم للطفل تزداد عدوانية الطفل، وتقل عدوانيته مع نقص رفض الأم له, لا تتضمن علاقة سببية مباشرة, فهل يؤدي رفض الأم للطفل إلى زيادة عدوانيته؟ أم أن عدوانية الطفل تؤدي بالأم إلى رفضه؟ أم أن كلًّا من رفض الأم وعدونية الطفل يتأثران بعامل ثالث غير معلوم؟ إن كل ما نحصل عليه من معنى هو وجود علاقة بين المتغيرين١.

стр. 96

وقد يتطلب المنهج الارتباطي قياس متغيرين على الأقل, ثم تحديد درجة العلاقة بينهما, وفي هذه الحالة يمكن أن يجري البحث الارتباطي على مجموعة واحدة, ومن ذلك مثلًا: أن يقيس الباحث عدد الساعات التي يخصصها الطالب ليلًا للاستذكار المنزلي, والدرجة التي يحصل عليها في الاختبارات التحصيلية، ثم يحسب العلاقة بين المتغيرين بالنسبة لمجموعة من الأطفال, والأسلوب الإحصائي الذي يستخدم في هذه الحالة يسمى معامل الارتباط، وبه يتحدد التغير الاقتراني بين المتغيرين, وهذا التغير الاقترني يمتد بين العلاقات الموجبة الكاملة والعلاقات الموجبة السالبة الكاملة، وفي منزلةٍ بينهما توجد العلاقات الجزئية موجبة أو سالبة، والعلاقات الصفرية "التي تدل على عدم وجود علاقة بين المتغيرين". وبعبارة أخرى: فإن معامل الارتباط يتراوح بين +١، -١, وعادة ما يكون في صورة كسر عشريٍّ أعلى من الصفر "عدم العلاقة", وأقل من الواحد الصحيح "العلاقة الكاملة", وتوجد معادلات إحصائية لحساب مقدار معامل الارتباط. وتدل العلاقة الموجبة "+١ وما هو أقل منها" على أن العلاقة طردية, بمعنى أن الزيادة في المتغير الأول تقترن معها زيادة في المتغير الثاني، والنقص في المتغير الأول تقترن معها زيادة في المتغير الثاني، ومن ذلك العلاقة بين الذكاء والتحصيل المدرسي التي تكون عادة في صورة معامل ارتباط مقداره "٠.٨٥", ومعناه أن الطفل الأعلى ذكاءً يزداد تحصيله, والطفل الأقل ذكاءً يقل تحصيله. أما العلاقة السالبة "-١ وما هو أكبر منها" فقد تدل على العلاقة العكسية, ومن ذلك العلاقة بين القلق والتحصيل المدرسي التي قد يصل معامل ارتباطهما إلى "-٠.٦٥", ومعنى ذلك أن الزيادة في القلق ترتبط بالنقص في التحصيل المدرسي، والنقص في القلق بالزيادة في التحصيل المدرسي, وقد تكون العلاقة صفرًا "أو مقدار إحصائي ليس له دلالة إحصائية"، ومن ذلك العلاقة بين الذكاء وطول القامة اللذين يبلغ معالم ارتباطهما ٠.٢٥ "وهو معامل غير دالٍّ إحصائيًّا, ويعتبر صفرًا بهذ المعنى". ومعنى ذلك أن الطفل الذكي قد يكون قصير القامة أو طويلها، وكذلك الطفل الأقل ذكاءً قد يكون أيضًا طويلًا أو قصيرًا، أي: لا توجد وجهة محددة لاتجاه العلاقة بين المتغيرين.

стр. 97

ولمعامل الارتباط جانب آخر هامّ وهو مقداره؛ فمعامل الارتباط البالغ ٠.٩ لا يساوي معاملًا آخر يبلغ ٠.٥ أو ٠.٢, حتى ولو كانت جميعها دالة إحصائيًّا. فمقدار معامل الارتباط الذي يقترب من الواحد الصحيح يدل على قوة العلاقة بين المتغيرين، وكلما اقترب معامل الارتباط من الصفر دلَّ ذلك على ضعف هذه العلاقة, وفي جميع الحالات علينا أن نضع البحث الارتباطي في سياقه الصحيح، أي: أنه لا يتضمن علاقة سببية, وإنما هو محض تغير اقتراني بين متغيرين. صحيح أنه توجد في الوقت الحاضر محاولات لتوسيع أفق معامل الارتباط؛ ليتضمن بعض المعاني السببية فيما يسمى تحليل المسار path analysis، إلّا أن المنهج الارتباطي يظل على وجه الإجمال منهج غير سببي.

стр. 98

المنهج المقارن: يلاحظ على جميع المناهج السابقة أنها تقصر اهتماها على النظر إلى سلوك الإنسان في وقت معين, إلّا أن البحث في النمو يحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى تحديد كيف يتطور السلوك الإنساني عبر الزمن, ولهذا كان لابد من ابتكار منهجٍ يتفق مع هذه الضرورة، ومن هنا كان ظهور المنهج المقارن في هذا الميدان، وهذا المنهج يعد في جوهره منهجًا تطوريًّا نمائيًّا ارتقائيًّا. والمنهج المقارن يتضمن في جوهره دراسة الأفراد من مختلف الأعمار، على افتراض أنه توجد أدلة على التغير في سلوك الإنسان خلال مدى الحياة, كما بينا في الفصل الأول، وفي هذا يعتبر العمر المتغير التقليدي الذي يتحدد من خلاله مسار النمو، ولابد من الاعتراف بضرورته لأي معالجة لنمو الإنسان. فالتحسن والتدهور في الخصائص الفسيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية يرتبطان بالعمر إلى الحد الذي يدفعنا إلى القول بأنه -أي العمر- يتداخل في كل العلاقات الوظيفية المرتبطة بالسلوك, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه ضررة التمييز بين المظهر والجوهر، فالعمر نفسه لا يزودنا بأي معلومات عن أسباب التغيرات التي تحدث مع الزمن، على الرغم من أننا يجب أن نعترف بأن هذا الأمر لم يشغل بال معظم الباحين في ميدان علم نفس النمو. ويمكن أن نميِّزَ في هذا الصدد بين مشكلتين جوهريتين, يمثل كل منهما مرتكزًا لبحوث سيكولوجية النمو من حيث علاقتها بالعمر، وهي: ١- تحديد درجة التحسن والاستقرار والتدهور في مختلف جوانب السلوك الإنساني مع التقدم في العمر. ٢- تحديد العوامل المسئولة عن التحسن أو التدهور حين يلاحظ على سلوك

стр. 99

الإنسان، وإلى أيِّ حَدٍّ ترجع هذه العوامل إلى التغيرات التي تطرأ على البناء البيولوجي للإنسان, أو إلى الظروف البيئية والثقافية والاجتماعية التي تحيط به. وهاتان المشكلتان تستثيران الاهتمام بطبيعة الصعوبات المنهجية في ميدان بحوث النمو, وتتناول فيما يلي هذه الصعوبات مصنفةً تبعًا لطرق البحث المقارن المستخدمة في هذا المجال. أولًا: الطريقة المستعرضة الطريقة المستعرضة وقرينتها الطريقة الطولية -التي سنشير إليها فيما بعد- هما أكثر طرق البحث في ميدان النمو استخدامًا، بالرغم من مشكلاتهما المنهجية، وسوف نتناول هاتين الطريقتين أولًا, ثم نعرض لطريقة ثالثة أكثر ملاءمة ودقة, وهي طريقة التحليل التتابعي. والطريقة المستعرضة Cross- Sectional تعتمد في جوهرها على انتقاء عينات مختلفة من الأفراد من مختلف الأعمار، ثم نلاحظ فيهم بعض جوانب السلوك موضع الاهتمام, أو تطبق عليهم مقاييس لهذه الجوانب من السلوك، على أن تتم الملاحظة أو القياس في نفس الوقت تقريبًا، ويفترض في هذه المقاييس التي تطبق على العينات أنها على درجة كافية من التكافؤ، ويقارن أداء العينات المختلفة في كل مقياس على حدة، وتتم هذه المقارنات في ضوء متوسطات العينات, أي: أن المقارنة بين مختلف الأعمار تتم في ضوء الفروق بين المجموعات, وتفترض هذه الطريقة أن هذه المتوسطات توضح مسار النمو العادي, وتقترب بنا إلى حَدٍّ كبير من الدرجات التي نحصل عليها لو أجرينا البحث على أفرادٍ من عمر معين, ثم أعيد اختبارهم تتبعيًّا عدة مرات حتى يصلوا إلى الحد الأقصى من العمر موضع البحث, ومن أمثلة ذلك إذا أراد الباحث دراسة النمو العقلي باستخدام هذه الطريقة, فإنه يختار عينات من الأطفال والمراهقين والشباب والكهول والمسننين يطبق عليهم خلال فترة زمنية معينة قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد اختبارات تقيس الذكاء, يفترض فيها أنها تقيس نفس الخاصية السلوكية، ثم يقارن بين متوسطات أدائهم في هذه الاختبارات، إلّا أن لهذه الطريقة مشكلاتها المنهجية التي تتلخص فيما يلي: ١- العوامل الانتقائية في العينات المختلفة: فجماعات العمر المختلفة قد لا يكون بينها وجه للمقارنة نظرًا لآثار العوامل الانتقائية والمتتابعة، ويظهر أثر هذه العوالم خاصَّةً حين تجرى البحوث على التلاميذ والطلاب؛ فطلبة الجامعات الذين نختارهم لفئة الشباب أكثر انتقائية من طلبة المدراس الثانوية الذين نختارهم

стр. 100

لفئة المراهقين، وأولئك أكثر انتقائية من تلاميذ المدارس الابتدائية الذين نختارهم لفئة الأطفال، وذلك لأن الطلاب الأقل قدرةً يتم استبعادهم خلال مسار العمل التعليمي, وهكذا فإن المتوسط المرتفع لطلاب الجامعات قد ينتج عن عمليات التصفية هذه, ولذلك لكي تستخدم هذه الطريقة بفعالية أكثر في بحوث النمو, لابد أن تكون ممثلة للأصول الإحصائية العامة للسكان من مختلف الأعمار وأن تشتق منها. لا أن يتم اختيار مجموعة الأفراد من مؤسسات تعليمية أو مهنية, وتمثل هذه المسألة إحدى عوائق البحث الكبرى في دراسات الراشدين خاصة؛ فجميع جماعات الراشدين باستثناء الجيش, منتقاة على نحو ما: الجماعات الدينية، وجماعات أندية، وأعضاء النقابات والاتحادات، وبيوت المسنين. ٢- اللاتاريخية: تفتقد هذ الطريقة المعنى التاريخي الذي هو جوهر البحث في النمو، فالطريقة كما هو ملاحظ تقتصر على دراسة الفرد الواحد في لحظة زمنية معينة, وبالتالي لا توفر لنا معلومات عن السوابق التاريخية للسلوك، أي: ما هي الخبرات المبكرة التي تؤثر في السلوك موضع البحث، كما لا تقدم لنا شيئًا من المعرفة عن مدى استقرار السلوك أو عدم استقراره في الفرد الواحد، أي: إلى أيِّ حَدٍّ يظل السلوك الملاحظ في وقت معين هو نفسه حين يلاحظ في وقت آخر. ويرجع ذلك في جوهره إلى أن التصميم المستعرض يوفر لنا معلومات عن الفروق الجماعية, أكثر مما يقدم أية معلومات عن النمو داخل الفرد. ٣- اختلاف رصيد الخبرة: قد لا يكون هناك درجة للمقارنة بين أرصدة الخبرة المختلفة عند جمعات الأعمار المختلفة التي تُدْرَس في لحظة زمنية معينة, فمن المستحيل الحصول على عينات مختلفة الأعمار في وقتٍ معين, ونفترض أنها عاشت في ظروف ثقافية موحدة عندما كانت متساوية في العمر, وواقع الأمر أن المقارنة في هذا النوع من البحوث تكون بين جماعات عمرية تفصل بينها فوارق زمنية مختلفة, قد تصل إلى حَدِّ الفروق بين الأجيال، كما هو الحال عند المقارنة في لحظة معينة بين سلوك عينات من الأطفال والمراهقين والراشدين. فمثلًا لا يستطيع أحد أن يعزي الفروق بين من هم اليوم في سن الأربعين, ومن هم الآن في سن ١٥ سنة أو ٨ سنوات, إلى عوامل تتعلق بالعمر وحده, فعندما كان الأفراد الذين هم الآن في سن الأربعين في سن الخامسة عشرة أو الثامنة, كان التعليم أكثر تواضعًا, والفرص المتاحة للأطفال والشباب أقل تنوعًا، والاتجاهات الاجتماعية أكثر اختلافًا، ومعنى هذا أن الاختلافات بين مجموعات العمر قد ترجع في جوهرها إلى ظروف متباينة نتيجة للتغيرات الثقافية والحضارية, وبالتالي لا يمكن الجزم بأن التغير المشاهد يرجع إلى العمر وحده, ولعل هذا يدفعنا إلى أن ننبه

стр. 101

دائمًا إلى ضرورة حساسية الباحث لعينة المفحوصين في هذا النوع من البحوث, والتي تختلف في جوهرها من عمر لآخر، ومن جيل لآخر؛ فالمفحوصين في الدراسات المستعرضة لا ترجع الفروق بينهم إلى العمر الزمني وحده, ولكن أيضًا إلى الفترة الزمنية التي ولدوا ونشأوا فيها, ومعنى ذلك: أن الجماعات العمرية في هذه البحوث تؤلف أجيالًَا مختلفة, ومفهوم الجيل يعني مجموعة الأفراد الذين وُلِدُوا وعاشوا خلال نفس الفترة الزمنية, ولهذا يُفْتَرَضُ منهم أن يشتركوا في كثير من الخبرات الثقافية والاجتماعية التي قد تؤثر في جوانب من نموهم. تأمل مثلًا أثر التنشئة في عصر الكمبيوتر والفيديو ومن قبلهما التليفزيون؛ فالإنسان المعاصر يجني ثمار هذا الانفجار الاتصالي بتعرضه لمدى أكثر اتساعًا من المعلومات لم يسبق إلى مثله في الماضي, فإذا قورن أطفال اليوم بالأشخاص الذين يبلغون الآن من العمر ٥٠ أو٦٠ عامًا حين كانوا في طفولتهم, فإننا نتوقع أن نجد لدى شباب اليوم اتجاهًا مختلفًا نحو التكنولوجيا, ومن الصعب حينئذ أن نحدد بحسمٍ ما إذا كان هذا الاختلاف هو نتاج التغيرات التي ترجع إلى النمو, أم أنها ببساطة ترجع إلى اختلاف فرص التعرض للتكنولوجيا الحديثة. ٤- المقارنة الجماعية: لا تسمح الطريقة المسعرضة -كما أشرنا- إلّا برسم منحنيات المتوسطات موضوع البحث, والسبب في هذا أن الأشخاص مختلفون في كل مستوى عمري من مستويات البحث، ويستحيل في هذه الحالة رسم المنحنيات الفردية, إلّا أنّ مثل هذا الإجراء قد يخفي اختلافات هامة بين الأفراد من ناحية, وداخل الأفراد من ناحية أخرى, وقد ينشأ عن رسم المنحنيات الجماعية "على صورة متوسطات" أن تتلاشى هذه الاختلافات أو تزول، ولهذا قد يكون منحنى المتوسطات الناجم مختلفًا اختلافًا بيّنًا عن منحنى النمو لكل فرد على حدة, ومن أشهر النتائج التي توضح لنا خطورة هذه المسألة, حالة التقدم الفجائي في النمو الذي يسبق المراهقة؛ فمنحنيات النمو الفردية بالنسبة لكثير من السمات الجسمية تكشف عن زيادة فجائية تطرأ على معدل النمو الجسمي قبيل البلوغ، ولمَّا كان الأفراد يختلفون في سن البلوغ, فإن هذه الوثبة تحدث في فترات مختلفة لكل فرد على حدة, وبالتالي يمكن أن تظهر في المنحنيات الفردية للأفراد المختلفين، فإذا رسمت المنحنيات الجماعية نجد أن هذه الاختلافات الفردية يلغي بعضها بعضًا, ونجد المنحنى الناجم عن الفروق الجماعية لا يكشف عن الزيادة الفجائية إلّا إذا اشتملت عينة الدراسة على أفراد يصلون إلى البلوغ في نفس السن، وهو احتمال صعب الحدوث. وبالرغم من مشكلات الطريقة المستعرضة إلّا أنها الأكثر شيوعًا في بحوث

стр. 102

المقارنات بين الأعمار ربما لسهولتها النسبية, وسرعتها الظاهرة، واقتصادها الواضح في الوقت والجهد. أضف إلى ذلك أنها تهيئ للباحث في مجال النمو الإنساني نظرةً مجملة للظاهرة النمائية موضع البحث. ثانيًا: الطريقة الطولية الطريقة الثانية من طرق البحث المقارن هي الطريقة الطولية longitudinal, وفيها تتمُّ ملاحظة نفس العينة من الأفراد التي تكون من نفس العمر لحظة البدء في البحث, وإعادة ملاحظتهم أو اختبارهم عدة مرات على فترات زمنية مختلفة, وهذه الفترات تختلف حسب طبيعة البحث, أي أن هذه الطريقة تتطلب تكرار الملاحظة والقياس لنفس المجموعة من الأفراد لفترة زمنية معينة, وبالطبع فإن مدى الزمن المستغرق, والفواصل الزمنية بين الملاحظات والاختبارات, تختلف من بحثٍ لآخر وذلك حسب طبيعة موضوعه؛ ففي بحثٍ حول نموّ تفضيل إحدى اليدين في العمل اليدوي, يُخْتَبَرُ الأطفال ابتداءً من سن ١٠ شهور مرةً كل شهر, حتى يصلوا إلى العمر الذي يظهر فيه تفضيل لإحدى اليدين على الأخرى، وهو عادةً ما يكون سن ١٨ شهرًا. وفي بحث النمو العقلي قد نحتاج لفترات زمنية أطول؛ فالأطفال يختبرون كل شهر عندما يكون عمرهم بين شهر واحد و ١٥ شهرًا، ثم كل ٣ شهور بعد ذلك, حتى يصلوا إلى سن ٢.٥ سنة، ثم كل ٦ شهور حتى يصلوا إلى سن الخامسة، ثم كل سنة حتى سن المراهقة. وبعض البحوث تتطلب نظامًا مختلفًا وفترات زمنية أطول, وخاصة حين يكون اهتمامها بالنمو عبر مدى الحياة. والطريقة الطولية بهذا تتغلب على بعض مشكلات الطريقة المستعرضة, وتوفر للباحثين إمكانات بحث أفضل. إنها تقدم صورة جيدة عن النمو داخل الأفراد, وليس صورة مجملة عن الفروق بين الجماعات العمرية, ثم إنها تحدد لنا أيّ الظروف السابقة أو الخبرات السابقة يؤثر في النمو السلوكي موضع البحث؛ ففيها لا تتداخل الفروق بين الأجيال, والفروق داخل الجماعات من فروق العمر، كما هو الحال في الدراسات المستعرضة, ولعل من أهم مميزات التحكم في أثر اختلاف الأجيال أن الآثار فيها ترجع إلى زمن ولادة المفحوص أو الجيل الذي ينتسب إليه, ولا ترجع في الواقع إلى محض عمره؛ فالأجيال كما بينا قد تختلف في سنوات التعلم, وممارسات تنشئة الأطفال والصحة والاتجاهات نحو الموضوعات الحساسة؛ كالجنس أو الدين, وهذه الآثار التي ترجع إلى الأجيال لها أهميتها؛ لأنها تؤثِّر بقوة في المتغيرات التابعة في الدراسات التي تبدو ظاهريًّا مهتمَّة بالعمر. وآثار اختلاف الأجيال قد تبدو كما لو كانت آثار أعمار, مع أنها ليست كذلك

стр. 103

بالفعل, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن هذه الطريقة تسمح للباحثين بتحليل الاستقرار أو الاختلاف الذي يحدث داخل الفرد بمرور الزمن "willerman, ١٩٧٩". أضف إلى ذلك أن هذه الطريقة تستغرق وقتًا طويلًا في دراسة كل الفروق بين أفراد العينة حتى يكتمل البحث, ومعنى ذلك أنها أقلّ جاذبية من الطريقة المستعرضة في ضوء معيار الزمن, ومع ذلك فإننا بها وحدها نستطيع أن نحدد أيّ الشروط أو الخبرات السابقة تؤثر في نمو السلوك موضع البحث. ومع هذه المزايا الظاهرة للطريقة الطولية, إلّا أنَّ لها مشكلاتها أيضًا تلخصها أنستازي "Anstasi, ١٩٥٨" فيما يلي: ١- العوامل الانتقائية في العينة الأصلية؛ فالأفراد الذين يشاركون في بحثٍ من طبيعته أن يستمر لعدة سنوات يتم انتقاؤهم في الأغلب تبعًا لعوامل تحكمية وليست عشوائية, ومن هذه العوامل استقرار محل الإقامة، والتعاون المستمر مع الباحث, وبالطبع فإن المفحوصين الذين يتم انتقاؤهم بهذه الطريقة قد تتوافر فيهم خصائص أخرى بالمستوى الثقافي والميول والاتجاهات, بل والظروف الطبيعية والصحية تختلف عن الأصل السكاني العام على نحوٍ يجعلها منذ البداية عينة متحيزة وليست عشوائية، فقد تكون العينة أعلى نسبيًّا من المستوى العام للأصل الإحصائي السكاني. وقد يكون العكس صحيحًا أيضًا في بعض عينات هذه البحوث, ومن ذلك الأفراد الذين يقيمون في المؤسسات "كالأطفال والمراهقين الذين يعيشون في الملاجئ, والشيوخ الذين يقيمون في بيوت المسنين". فأطفال ومراهقو الملاجئ والإصلاحيات يمثلون مستوى أدنى من الأصل الإحصائي العام, بينما شيوخ دور المسنين قد يكونون من مستويات اقتصادية واجتماعية عالية نسبيًّا إذا كانت هذه البيوت بمصروفات تديرها جمعيات خاصة، وقد يكونون من مستويات دنيا إذا كانت هذه البيوت من النوع المجاني الذي تديره هيئات حكومية للإيواء العام، وفي الحالتين يصعب تعميم نتائج مثل هذه البحوث الطولية على المجتمع الأصلي, ومع ذلك, فإن لهذه البحوث فائدتها إذا تَمَّ توصيف الأصل المشتقة منه العينات توصيفًا دقيقًا، أو تَمَّ توصيف العينة موضوع البحث توصيفًا مفصّلًا؛ بحيث يمكن تعميم النتائج التي تتوصل إليه البحوث على أيِّ أصلٍ إحصائيٍّ مشابه لها. ٢- النقصان التتابعي للعينة: فلا شك في أن البحث الطولي يستغرق فترةً طويلةً نسبيًّا من الزمن، ولهذا نتوقع أن يتناقص عدد المفحوصين تدريجيًّا, ولذلك فإن المتابعات المتأخرة لنفس العينة نجدها تتمّ على أعداد قليلة إلى حَدٍّ كبير

стр. 104

لو قورنت بالحجم الأصلي لهذه العينة عند بدء البحث منذ سنوات بعيدة, وهذا التسرب في العينة لا يتم بطريقة عشوائية؛ فالمفحوصون الذين يستمرون في المشروع التتبعي حتى نهايته هم في العادة من الذين يتسمون بأنهم أكثرتعاونًا وأكثر دافعية وأكثر مثابرة وأكثر كفاءة من أولئك الذين يتسربون طوال الطريق. وعلى هذا, فإنه عند نهاية أيّ دراسة طولية نجد أن المتبقي من عينة المفحوصين قد يكون متحيزًا على نحوٍ يجعل من الصعب مرةً أخرى الوصول إلى استنتاجات وتعميمات إلى الأصل الإحصائي العام "المجتمع الأصلي". ٣- أثر إعادة الملاحظات: توجد مشكلة منهجية ثالثة في البحوث الطولية تتمثل في الأثر المحتمل الذي تحدثه المشاركة المستمرة في سلوك المفحوص. فالممارسة المتكررة للاختبارات, وزيادة الألفة بفريق البحث، والتوحد بإحدى الجماعات لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن، هي جماعة البحث، وغير ذلك من ظروف البحث الطولي التتبعي ذته، قد تؤثر جميعًا في أداء المفحوص في الاختبارات, وفي اتجاهاته ودوافعه، وفي توافقه الانفعالي، وغير ذلك من جوانب السلوك, ومن ذلك مثلًا أن المفحوص حين يُعْطَى نفس الاختبارات أو ما يشبهها عدة مرات, فإنه يصبح على درجة كبيرة من الخبرة بها, وفي مثل هذه الحالات سوف يؤدي المفحوصون جيدًا على الاختبارات اللاحقة لا بسبب النمو, وإنما بسبب آثار تكرار الممارسة. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تستغرق وقتًا طويلًا, وتتطلب تكلفة هائلة, فإنها لها قيمتها في أنها تهيئ لنا تتبع مسار التغيرات في المفحوصين؛ كأفراد عبر الزمن. تخيل باحثًا يجري دراسة على النمو العقلي خلال مدى الحياة, إنه يواجه المهمة المستحيلة إذا صمَّمَ بحثه لجمع البيانات بنفسه؛ لأنه إذا بدأ بحثه على مفحوصين من الأطفال وعمره مثلًا ٢٥ سنة، فإنه حين يبلغ مفحوصوه سن ٦٥سنة مثلًا, ويدخلون في مرحلة الشيخوخة, ربما يكون قد مات هو نفسه "من أمثلة ذلك بحث ترمان الشهير حول نمو الأطفال من ذوي الذكاء الرفيع" بل إنه حتى في الحدود الزمنية الأقل تطرفًا توجد عوائق كثيرة من الوجهة العملية, ولهذا السبب نجد أن القاعدة هي وحود بحوث طولية قصيرة المدى, لا تجاوز في العادة خمس سنوات. ٤- أثر وقت القياس: يمكن لبعض الآثار التي تحدث في المفحوصين من عينة البحث الطولي أن ترجع إلى وقت القياس وليس إلى النمو في ذاته, لنتأمل مثلًا دراسة فرضية فحصت التغيرت المرتبطة بالعمر في الاتجاه نحو العمل اليدوي أثناء الرشد, إن هؤلاء المفحوصين إذا كانوا قد اختبروا أو تمت ملاحظتهم

стр. 105

ومقابلتهم في أوائل الخمسينات, حين كانوا في بداية المراهقة, قد يظهرون اتجاهات محافظة نسبيًّا حول هذا الموضوع، ولكنهم عندما يختبرون اليوم بعد أكثر من ثلاثين عامًا, فإن هؤلاء المفحوصين أنفسهم قد يكونوا أكثر تحررًا وتسامحًا في اتجاهاتهم, وقد تُفَسَّر هذه النتيجة بأنها تعني أن الاتجاه نحو العمل اليدوي يصير أقل محافظة عند التحول من المراهقة إلى الرشد الأوسط, إلّا أن السبب الحقيقي أن الزمن قد تغير طوال هذه الفترة مع تغير المجتمع ككل؛ حيث أصبح أكثر تقبلًًا للعمل اليدوي؛ فالتغيرات الملاحظة في هذه الدراسة الفرضية قد تعكس بنفس القدر التغير التاريخي في المجتمع, وليس التغير الارتقائي العادي الذي يحدث خلال الرشد فحسب, ومعنى ذلك أن التصميم الطفولي في ذاته لا يساعدنا بالضرورة على الوصول إلى تعميمات جيدة حول آثار النمو, وكما هو الحال بالنسبة للبحوث المستعرضة, لابد أن تكون حذر شديد في تفسير النتائج. ثالثًا: طريقة التحليل التتابعي يبدو من مناقشتنا السابقة أنه حتى لم توافر لنا الوقت والإمكانات لاستخدام الطريقة الطولية في بحوث المقارنة بين الأعمار, فإن هذه الطريقة لا توفر لنا حلًّا كافيًا لمشكلات البحث في هذا الميدان، وخاصة ما يتصل منها بتفسير معنى نتائج البحث, كما أن لكلٍّ من المنهج الطولي والمستعرض نواحي الضعف والقوة التي يكمل بعضها بعضًا, ولهذا السبب اقترح بعض الباحثين نموذجًا يجمع بين مزايا المنهج الطولي والمنهج المستعرض, يمكن أن نسميه نموذج التحليل التتابعي Sequential analysis model. والفكرة الجوهرية في هذا التصميم هي الجمع في وقت واحد بين دراسة الأفراد من مختلف الأعمار "كما هو الحال في الدراسة المستعرضة" مع تتبعهم وإعادة ملاحظتهم واختبارهم بعد انقضاء فترات مختلفة من الزمن "كما هو الحال في الدراسة الطولية", والميزة الرئيسية في هذا النظام أنه يزودنا بمعلومات مباشرة عن وجود الفروق بين الأجيال، كما يسمح لنا بإجراء الدراسة بطريقة أكثر اختصارًا واقتصادًا. ومن التصميمات المبكرة في هذا الميدان ما استخدم في بحث bell, ١٩٥٣, وفيه استخدام المنهج المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة, مع متابعات قصيرة الأمد؛ فمثلًا قد نلاحظ مجموعتين من الأفراد أولاهما في سن ١٨ سنة, والأخرى في سن ٢٠ سنة, ونعيد اختبارهم مرتين خلال فترة زمنية طولها عامان, كما هو موضح في الجدول رقم "٤-١".

стр. 106

جدول "٤-١": تصميم تتابعي على نسق "بل" ان مراجعة امكانية المقارنة والاستمرار لمجموعتي العمر تتم في ضوء أداء المجموعتين في سن العشرين، وكذلك في ضوء اتجاه التغيرات عند اعادة الملاحظة والقياس في كل مرة داخل المجموعتين، فإذا أمكن أن تتم المقارنة فإن البيانات التي يحصل عليها الباحثون من المجموعتين خلال العامين يمكن معالجتها معًا للكشف عن التغيرات الحادثة بين عمري ١٨، ٢٢ عامًا. ويوجد تصميم تجريبي آخر اقتراحه "١٩٥٧، Pressey & Kuhlen" وفيه يتم الربط أيضًا بين الدراسة الطولية والمسح المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة للتمييز بين التغيرات التي ترجع إلى العمر والتغيرات التي ترجع إلى الثقافة، فمثلًا يمكن اختبار أفراد من سن ٢٠ عامًا وسن ٤٠ عامًا في عام ١٩٤٠، ثم اختبار عينات مشابهة من نفس الأعمار عام ١٩٦٠. ويوضح الجدول رقم "٤-٢" هذا التصميم. جدول رقم "٤-٢" تصميم تتابعي على نسق "بريسي وكولن" ومن هذا الجدول يتضح أن أي فروق بين الأفراد من سن ٢٠ عامًا في عام ١٩٤٠، ٢٠ عامًا في عام ١٩٦٠ يمكن ارجاعها إلى التغيير الثقافي "ونفس النتيجة يمكن الحصول عليها من الأفراد من عمر ٤٠ عامًا في المرتين". أما الفروق بين الأفراد من سن ٢٠ عامًا، ٤٠ عامًا الذين لوحظوا معًا "في عام ١٩٤٠ أو عام ١٩٦٠" فقد تعكس فروقًا في الأعمار بالإضافة إلى الاختلافات الثقافية وخاصة الظروف التي تمت فيها تنشئة المجموعتين. وأخيرًا فإن المقارنة بين الأفراد من

стр. 107

سن ٢٠ عامًا في عام ١٩٤٠، والأفراد من سن ٤٠ عامًا في عام ١٩٦٠, تدل على الاثار المتداخلة للعمر والتغيرات الثقافية التي حدثت في الفترة الوسيطة التي ربما قد تكون قد عدَّلت في سلوك المفحوصين بعد سن العشرين, أما المقارنة بين سن٤٠ عامًا سنة ١٩٤٠، ٢٠ عامًا سنة١٩٦٠, فقد تعكس الآثار الثقافية وحدها إذ كانت لصالح المجموعة الأصغر سنًّا في هذه الحالة. وقد استطاع "Schaie, ١٩٦٥" أن يصل بهذا التصميم التجريبي إلى مستوى التصميم, وأطلق عليه التصميم التتابعي Sequential design, والذي طوَّرَه بعد ذلك عام ١٩٧٧, وأطلق عليه اسم "التصميم الأكثر فعالية", وفي هذه الطريقة تتم ملاحظة أو قياس جيلين أو أكثر, مرتين أو أكثر، بالإضافة إلى عينة مستقلة من مختلف الأجيال في المرة الثانية وما بعدها, وفي هذا التصميم يوجد كلٌّ من المنهج الطولي والمستعرض, فعند كل وقت للملاحظة أو القياس تختار وتلاحظ موجة جديدة من المفحوصين في كل مجموعة عمرية، كما أن المفحوصين الذين سبقت ملاحظتهم وقياسهم من قبل تتم ملاحظتهم وقياسهم مرة أخرى. وبتحليل النتائج الخاصة بالموجة الجديدة من المفحوصين, ومقارنتها بنتائج من سبق اختبارهم من قبل في سنوات سابقة نحصل على معلومات عن آثار الاختبار والملاحظة من نوعٍ ما إذا كانت الممارسة والتدريب على الاختبارات تحسن الأداء. وعلى الرغم من أن التصميم التتابعي يقدم لنا ثروة من البيانات عن التغيرات العمرية والفروق بين الأجيال والآثار التاريخية, إلّا أننا يجب علينا أن نكون واعين بالصعوبات الفائقة في جمع هذه البيانات على مدى سنوات عديدة باستخدام جماعات كثيرة مختلفة من البشر. والخلاصة: أننا في هذا المنهج نستخدم أفرادًا من مختلف الأعمار, تتم ملاحظتهم أو قياسهم في وقت واحد معًا, وعلى نحوٍ متكررٍ في عدد من المرات المختلفة, وفي هذه الحالة يمكن أن تعتبر فروق العمر في أي مناسبة من مناسبات الملاحظة والقياس, تنتمي في جوهرها إلى البيانات التي نحصل عليها بالطريقة المستعرضة، والتغيرات أو أنماط الدرجات التي نحصل عليها من مجموعة عمرية معينة في المناسبات المختلفة للقياس والملاحظة من نوع البيانات التي نحصل عليها بالطريقة الطولية, ويضاف إلى هذا نوع جديد من البيانات تمثله المجموعات ذات الأعمار المتساوية في المناسبات المختلفة للقياس، وذلك لمعرفة ما إذا كان لميلاد الفرد في وقت معين أو انتمائه لجيلٍ بذاته, له آثار فارقة "مثلًا أن يكون طفلًا أثناء حرب فلسطين عام ١٩٤٨، في مقابل أن يكون طفلًا في خلال حرب ١٩٦٧، أو خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣".

стр. 108

ولكي نوضح هذا التصميم نفرض أن لدينا ثلاث مجموعات عمرية من الأفراد, تنتمي إلى أربعة أجيال هم الذين كانوا أطفالًا عند قيام ثورة يوليو ١٩٥٢؛ حيث وُلِدُوا عام ١٩٤٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة المراهقة ومطلع الشباب؛ حيث وُلِدُوا عام ١٩٣٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد المبكر حين وُلِدُوا عام ١٩٢٥ أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد حين وُلِدُوا عام ١٩١٥ أو قبله بقليل. ولنفرض أيضًا أنه تمت ملاحظتهم واختبارهم لأول مرة عام ١٩٥٥, ثم أعدنا ملاحظتهم وقياسهم في ثلاث مناسبات ومواقيت أخرى "كل ١٠ سنوات" فإن الجدول رقم "٤-٣" يوضح التصميم الكامل لهذا البحث. جدول رقم "٤-٣" تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية "لسكاي" لأربعة مجموعات عمرية تمثل أربعة أجيال كما يوضح الشكل رقم "٤-١" هذا التصميم

стр. 109

الشكل رقم "٤-١" تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية لسكاي, ومن هذا التصميم يتضح أنه توجد أربع مجموعات عمرية من سن ٤٠ عامًا؛ لأن الاختبار تكرر كل ١٠ سنوات، وتمثل هذه المجموعات الأربع قطر الجدول، ولكن مجموعةً منها عام ميلاد مختلف, كما توجد مجموعات عمرية أخرى متساوية في العمر مع اختلاف عام ميلادها، ومن ذلك وجود ثلاث مجموعات عمر كلٍّ منها ٣٠ عامًا، وثلاث مجموعات أخرى عمر كلٍّ منها ٥٠ عامًا، ومجموعتان عمر كلٍّ منهما إمَّا ٢٠ عامًا أو ٦٠ عامًا، ولا توجد إلّا مجموعة واحدة عمرها ١٠ سنوات, ومجموعة واحدة أخرى عمرها ٧٠ عامًا. ومن هذا الجدول يمكن أن يقارن الأفراد من نفس العمر في أيِّ وقت, بصرف النظر عن عام الميلاد، وفي هذه الحالة يمكن الحصول على بعض المعلومات عن آثار العمر مستقلة عن الفترة الزمنية التي يولد فيها الإنسان, ثم إذا تربع نفس الأفراد في السنوات المتتابعة, يكون من السهل الحصول على معلومات عن التغيرت طويلة الأمد داخل الأفراد, وخلال سنوات البحث المختلفة, وباستخدام أسلوب إحصائي ملائم من نوع تحليل التباين, يمكن الحصول على الإسهام النسبي لفروق بين الأجيال, كما يمكن تقدير معدّل التغير عبر الزمن بطريقة أفضل.

стр. 110

٤- بعض المشكلات العامة في المنهج المقارن: نتناول في هذا القسم بعض المشكلات العامة في بحوث الفروق بين الأعمار, بصرف النظر عن طبيعة المنهج المستخدم. أ- منحنيات النمو: تمثل منحنيات النمو بالنسبة إلى الخصائص السلوكية المختلفة أفضل صورة عامة وبسيطة للتعبير عن التغير في هذه الخصائص مع العمر, ومع ذلك فإن هذه المنحنيات تتضمن خطأين أساسين أشار إليهما "Guilford, ١٩٦٧", أولهما: أننا حين نستخدم الدرجات المركبة "كنسب الذكاء" نفتقد الحقيقة التي تؤكد أن السمات السلوكية المختلفة التي تتألف منها هذه الدرجات تنمو بمعدلات مختلفة في الفرد الواحد, وثانيهما: أننا حين نستخدم متوسطات درجات الأفراد المختلفين نفتقد معالم الفروق بين الأفراد في معدلات النمو في مستويات الأعمار المختلفة, سواء استخدمت درجة بسيطة أو مركبة. ب- تكافؤ المجموعات: قد يضطر الباحث في ميدان النمو إلى استخدام تصميمات تجريبية تتطلب المجموعات التجريبية والضابطة، وفي هذه الحالة نجد أن الوضع المثالي هو أن يقوم الباحث بالحصول على المجموعات المتكافئة من أصل إحصائي سكاني واحد, إلّا أن الضرورات العملية تجبر الباحثين على القيام بهذا التكافؤ بعديًّا؛ فعند المقارنة بين المسنين الذين يقيمون في دور الرعاية, وأولئك الذين يستمرون في الإقامة مع أسرهم, يجد الباحث نفسه في موقفٍ خلاصته أن يختار عينة الراشدين المقيمين في دور الرعاية أولًا, ثم بعد ذلك يحاول انتقاء مجموعة ضابطة تتكافأ معها في الخصائص التي يجدها الباحث ضرورية, وفي هذه قد نجد مجموعتين متميزتين إذا قورنتا بالمجتمع الأصلي، فلا شك أن أولئك الذين يلتحقون بهذه الدور نتيجة لظروف اقتصادية - اجتماعية ميسرة في بعض الحالات، أو نتيجة للعجز الكامل في البعض الآخر، إنما يعكسون خصائص تميزهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا عن الأصل الإحصائي السكاني العام, والأخطر من هذا، أن الباحث في محاولته جعل المجموعتين متكافئتين قد يغفل خاصية أو أكثر، ويؤدي هذا إلى وجود فروق بين المجموعتين لا يمكن ردَّها مباشرة إلى المتغير المستقل. ج- وحدات القياس: حتى يمكن المقارنة بين الأعمار المختلفة لابد أن تتوافر في القياس المستخدم خاصية تساوي الوحدات، وهذا يعني أن أيّ زيادة في السمة في أحد الأعمار, يجب أن تساوي نفس الزيادة فيها في المستويات العمرية الأخرى, إلّا أن ما حدث أن معظم المقاييس المستخدمة لم تتوافر فيها هذه الخاصية، وأشهرها معيار العمر العقلي، ففي هذا المعيار نجد أن الكسب الذي يبلغ مقداره عامًا واحدًا في سن الخامسة عشرة, ليس مساويًا لنفس الكسب "البالغ عام
следующие страницы →