← Акыда

Акыда · id 11740

طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (521 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بين يدي الكتاب. إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] . أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد ... فإن توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة هو غاية خلق العالمين، وهو أصل دعوة المرسلين، وهو ما يخاطب به الناس من أصول الدين، وهو سبب العصمة والأمن في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة، وهو الشرط لصحة وقبول سائر الطاعات. أما أنه غاية خلق العالمين، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وأما إنه دعوة الرسل أجمعين فلقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وقوله

стр. 2

سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، فالتوحيد حق الله على العبيد. وأما إنه أول ما يخاطب به الناس من أمور الدين فلقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، ولقوله ﷺ لمعاذ ﵁ حين أرسله إلى اليمن: "يا معاذ: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ... " ١. وأما إنه سبب العصمة والأمن في الدنيا؛ فلأن الإقرار بالتوحيد يعصم الدم والمال، ويثبت عقد الإسلام، كما قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله" ٢. والتوحيد يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] . وأما إنه سبب النجاة والفوز في الآخرة فلقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] . ولقوله ﷺ حين سئل: وما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" ٣، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى: "يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة" ٤.

стр. 3

وأما إنه الشرط لصحة وقبول سائر العبادات، فلقوله تعالى في حق المؤمنين العاملين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] ، ولقوله جل وعلا عن أعمال الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ، فالشرط محبط لجميع الطاعات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، فكما لا تقبل صلاة بغير وضوء، لا تقبل عبادة بغير توحيد. فالتوحيد أول ما يتعلمه المسلم، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، وأوجب ما يدعو الناس إليه، قال تعالى على لسان أنبيائه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ، فهو عمدة الأصول التي ينطلق منها الداعية في دعوته إلى الله، وخلافته لرسول الله ﷺ ، ولرسل الله عامة. والتوحيد أصل كل صلاح في هذه الحياة، كما أن الشرك أصل كل فساد، يقول ابن تيمية ﵀: فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك والكفر١. ولأجل ذلك كله كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يعتنون بالتوحيد علما وتعليمًا، كما يعتنون به عملا وتطبيقا ودعوة، وكان عمدتهم في التعليم والتلقين آيات الكتاب الكريم، وأحاديث النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فلم تقم لديهم حاجة إلى التدوين لتعويلهم على الوحيين، فلما نبتت البدع وظهرت الفرق، اضطر السلف إلى كتابة الردود على أهل الأهواء، بجمع الآثار والأحاديث المروية في الأبواب التي وقعت فيها المخالفة، ثم كتبت كتب تجمع الآثار مرتبة على مسائل الاعتقاد نصرة للحق، وبيانا لصحيح المعتقد.

стр. 4

ثم دونت مسائل العقيدة عند أهل السنة مستدلا عليها مع مناقشة مذاهب أهل البدع والرد عليها، وكان هذا في مقابل ما ألفه أهل الأهواء في تقرير انحرافاتهم. ثم إن المتأخرين عنوا بتدوين مقدمات ومفاتيح للعلوم، تتضمن عشرة مبادئ للتعريف بالعلم، لتنشط الطالب في تحصيله، وتعينه في طريقه. فقال قائلهم: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة فضله ونسبة والواضع ... الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا وكان علم التوحيد من العلوم التي كتبت فيها تلك المقدمات، والمبادئ الممهدات، فكان العجب لا ينقضي حين قدم المتكلمون لعلم التوحيد فسموه بغير اسمه! وعرفه بما يزيده إبهاما! وقربوه للطالب فصعبوا مناله، وأقاموا أدلته بما يملؤه التباسًا، وموهوا بأن واضعه بعدما جاءت به المرسلون، بعض المتأخرين عن عصر التابعين وتابعي التابعين، وألبسوا حلل فضله -زورا وبهتانا- لما أسموه بعلم الكلام، المقتبس من منطق وفلسفة اليونان. فأردت أن أصل مؤلفات أهل السنة العظيمة في علم التوحيد، بمقدمة في التعريف به، تعيد الحق إلى نصابه، وتدفع عن مبادئ علم التوحيد شبهاته، فاستعنت بالله تعالى وهو خير مستعان، فكتبت معرفا بأهل السنة والجماعة، وبينت حقيقة منهجهم، وبم تتم النسبة إليهم، ونسجت على تلك المبادئ العشرة لعلم التوحيد على طريقتهم، فليس بين ما كتبه المتكلمون، وبين ما في هذا الكتاب من مبادئ علم التوحيد إلا الأسماء.

стр. 5

ثم أردفت ببيان خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم أردفت ببيان قواعد وضوابط الاستدلال على مسائل الاعتقاد. وأخيرًا ختمت الكتاب بملحقين، تضمن أولهما فهرسة تفصيلية لموضوعات ومسائل الاعتقاد، وتضمن الثاني تعريفا بمائة كتاب من كتب الاعتقاد الصحيح من لدن الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان، وإلى وقت الناس هذا. ولسان الحال والمقال ينطق بأن السلف أهل السنة والجماعة، هم أهل الإسلام السالم عن كل شوب، الصافي عن كل كدر، وهم من لدن النبي ﷺ وإلى يوم الناس هذا على نمط واحد في الاعتقاد، لا يخرجون على الحق، ولا يخرج الحق عنهم. وهذا الكتاب وإن خلا عن سرد عقائدهم، وبيان تفاصيل أصولهم ومناهجهم إلا أنه يمثل مدخلا مهما لطالب هذا العلم، ويمهد لمدخل ثان -يلحقه قريبا بعون الله تعالى- يميز به السالك على طريق التوحيد أهل البدع، ويتعرف على أنواعهم، وأحكامهم، ومناهج النظر والتلقي لديهم، ومنهج أهل السنة في معاملتهم. ثم يأتي الكتاب الثالث يحمل عقائد أهل السنة مسندة ومسددة، تبيانا وبرهانا على معتقدات الأئمة، وفرقانا بين السنة والبدعة. وهو واسطة عقد هذه المداخل، وحجر الزاوية منها، وبخروج هذا المدخل الأول يكون الثاني في إثره، ويتلوهما الثالث بإذن الله تعالى ومشيئته. ولا يفوتني في هذا المقام أن أزجي الشكر عاطرا، والدعاء خالصا إلى كل من أعان على إكمال هذه المداخل بقلم أو رأي أو نصح، أو جمع أو مراجعة.

стр. 6

والله أسأل أن يتقبل منا جميعا بقبول حسن، وأن يحسن نياتنا في جميع أقوالنا وأعمالنا، إن ربي قريب مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه أبو عبد الله محمد يسري القاهرة. غرة ربيع الأول ١٤٢٥هـ.

стр. 7

الباب الأول: أهل السنة والجماعة . الفصل الأول: مصطلح أهل السنة والجماعة . أولًا: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته: ١- تعريف السنة لغة واصطلاحًا: السنة لغة ١: السيرة والطريقة: حسنة كانت أو قبيحة، وهي مأخوذة من السنن وهي الطريق. قال ابن فارس: "سن -السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنه سنا، إذا أرسلته إرسالا". "ومما اشتق منه السنة، وهي السيرة، وسنة رسول الله ﷺ سيرته. قال الهذيلي: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ سنة من يسيرها٢ وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، أي: يهديكم سنن الذين من قبلكم، يعني طرائقهم الحميدة٣.

стр. 8

وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت﴾ [الانفطار: ٥] ، قال: "أخرت من سنة يعمل بها من بعده"١. ومن ذلك الحديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة ... ومن سن في الإسلام سنة سيئة" ٢. قال ابن الأثير: "وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيه: الطريقة والسيرة"٣. وهذا المعنى هو المراد هنا من معاني "السنة" اللغوية، وقد تطلق السنة ويراد بها: - البيان: كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨، ٦٢] . نصب "سنة" على إرادة الفعل، أي: سنن الله ذلك بمعنى بينه٤. العادة الثابتة المستقرة: كما في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] . فالسنة هنا تعني: العادة الثابتة التي تحكم الله بها وقضاها٥. وهذا المعنى قريب من سابقه، وكلاهما يتفق مع التفسير السابق للسنة بالسيرة والطريقة. وقيل: هي الصقل والتزيين٦، وقيل: التقوية٧، والذي يعنينا هنا هو المعنى

стр. 9

الأول، وهو موافق لبعض المعاني الاصطلاحية للسنة. السنة اصطلاحًا: ثم إن السنة -بعد ذلك- لها معان اصطلاحية متعددة بحسب الفن الذي ترد فيه، فالسنة عند الفقهاء غيرها عند المحدثين، غيرها عند الأصوليين. لكن يعنينا هنا معناها عند علماء الاعتقاد، وهي عندهم على معنيين: الثاني منهما متفرع عن الأول، ومتأخر عنه. فالأول هو الأصل في إطلاق السنة في اصطلاح السلف، وهو: "ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي وكل ما جاء به مطلقا". وهذا اصطلاح عام، فيشمل التوحيد وغيره، فالسنة بهذا الاعتبار تطلق على طريقة النبي ﷺ وأصحابه علما وعملا، اعتقادا وسلوكا، خلقا وأدبا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها. فهي على هذا المعنى مرادفة للدين والشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السنة هي الشريعة، وهي ما شرعه الله ورسوله من الدين"١. وقال أيضا: "إن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه، في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان السابقون والتابعون لهم بإحسان"٢.

стр. 10

فالسنة هي: ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، من الشرع والدين، والهدي الظاهر والباطن، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم، ثم أئمة الهدى العلماء العدول، المقتدون بهم، ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة١. ومن ذلك: قول الإمام مالك رحمه الله تعالى في وصف المدينة: "وهي دار الهجرة والسنة"٢. وقال ابن رجب: "وعن سفيان الثوري، قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء٣، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات"٤. ويشهد لهذا المعنى حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٥. فالإطلاق الأول للسنة هو ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي في أصول الدين وفروعه. أما الإطلاق الثاني، فيقصد به "العقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة". حيث أطلق السلف مصطلح "السنة" على أصول الدين، وفرائض الإسلام، وأمور الاعتقاد، والأحكام القطعية في الدين، وعلى هذا جرى الإمام أحمد وغيره من الأئمة في تصنيفهم كتب الاعتقاد باسم السنة.

стр. 11

وعليه فالسنة تطلق عندهم على: "ما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة"١. وقال ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم"٢. ويلاحظ في سبب هذا الإطلاق والاصطلاح الاعتقادي للفظ السنة، أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة، وبها تثبت أحكام الاعتقاد. فإذا قيل مذهب أهل السنة، فالمراد: معتقداتهم وأقوالهم في أصول الدين. ومما يشهد لهذا المعنى قول سفيان بن عيينة: "السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم"٣. وقول الشافعي: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان الثوري ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء ... "٤. وعلى هذا فالسنة تقابلها البدعة، وعليه يحمل قول ابن مسعود ﵁: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٥.

стр. 12

وقول ابن عباس: "النظر إلى الرج من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"١. وقال أبو المليح: "وكان كتب عمر بن عبد العزيز راجيا السنة وإماتة البدعة"٢. وقال ابن يونس: "امتحن أهل الموصل بالمعافى بن عمران فإن أحبوه فهم أهل سنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة، كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى"٣. وقال الأوزاعي: "كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله"٤. وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء أهل السنة"٥. ومن هذا الباب ما يأتي بعد قليل عن ابن سيرين وغيره أثناء الكلام عن مصطلح أهل السنة باعتبار تركيبه الإضافي. والسنة في هذا كله بمعنى الاعتقاد الصحيح المقابل لاعتقاد أهل البدع الباطل. وكان السلف يفرقون في هذا المقام بين السنة والحديث، قال ابن مهدي: "الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري"٦.

стр. 13

ولما سئل ابن الصلاح عن الفرق بين قولهم عن مالك إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ أجاب ﵀: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵀ جمع بين السنتين، فكان عالما بالسنة أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١. فلما ظهرت البدع، وانتشرت الفتن، ميز أهل السنة أنفسهم، ببقائهم على أصل الإسلام والشريعة، وخرجت عنهم الخوارج، واعتزلتهم المعتزلة، ورفضت الروافض، فتشتت أهل البدع وتفرقوا، ومكث أهل السنة على أصلهم الباقي على مر الزمان، وهو ما شرعه النبي ﷺ ، وسنه لهم من السنة والجماعة. ولما كان أكثر الاختلاف بينهم وبين غيرهم في أمور الاعتقاد صار مفهوم السنة يعني السير على طريقة الصحابة والتابعين بإحسان في أمور الاعتقاد خاصة، وأمور الدين عامة، ومن هنا نشأ المعنى الثاني للسنة.

стр. 14

٢- تعريف الجماعة لغة واصطلاحا: الجماعة لغة: الجماعة: اسم مصدر اجتمع يجتمع اجتماعا وجماعة، وصارت لفظة الجماعة تطلق على القوم المجتمعين بالنقل، حتى صارت حقيقة عرفية في القوم المجتمعين١. وقال ابن تيمية: "الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين"٢. والجمع: اسم لجماعة الناس، والإجماع: الاتفاق والإحكام، يقال: أجمع الأمر أي أحكمه، ومنه إجماع أهل العلم، أي: اتفاقهم على حكم مسألة. الجماعة اصطلاحًا: ذكر الإمام الطبري الأقوال في معنى الجماعة، ونقلها عنه ابن حجر٣، ورد الأقوال إلى أربعة أقوال هي: - السواد الأعظم من أهل الإسلام. - أئمة العلماء المجتهدين المتبعين لمنهج الفرقة الناجية. - الصحابة على وجه الخصوص. - المجتمعون على أمير شرعي. وكذا قال الشاطبي، وزاد قولا خامسا وهو جماعة أهل الإسلام٤. وبمحاولة الجمع والتوفيق بين هذه الأقوال المتعددة، يلاحظ أن جملة هذه المعاني تؤول إلى معنيين اثنين: ١- ما عليه أهل الحق من الاتباع وترك الابتداع، وهو المذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو الإجماع، أو السواد الأعظم، فهي كلها ترجع إلى معنى واحد هو: ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فيجب الاجتماع على الاتباع حينئذ، ولو كان المتمسك بهذا قليلا، وهذا معنى علمي، ويشهد له قول ابن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك"٥.

стр. 15

٢- المجتمعون على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها، وهذا معنى سياسي تشهد له كثير من النصوص الشرعية. وهذا ما رجحه جمع من أهل العلم كالقاضي ابن العربي وغيره١. وهو ما انتهى إليه د. عبد الرحمن المحمود في رسالته عن "موقف ابن تيمية من الأشاعرة"٢، والشيخ رضا بن نعسان معطي في تحقيقه، ودراسته لكتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية"٣ لابن بطة، ود. محمد باكريم في رسالته "وسطية أهل السنة بين الفرق"٤، ود. جمال بادي في رسالته عن "وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق"٥، ود. ناصر العقل في رسالته "مفهوم أهل السنة والجماعة"٦.

стр. 16

ثانيا: تعريف المصطلح باعتبار تركيبه الإضافي: وعلى هذا، فإن مصطلح أهل السنة والجماعة يعنى به: المستمسكون بسنة رسول الله ﷺ ، الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين١. "وهم أهل السنة والجماعة: المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"٢. "فهم الذين اجتمعوا على السنة وأجمعوا عليها، واجتمعوا على الحق وعلى أئمتهم فجاء اسمهم ووصفهم مركبا من أهل السنة والجماعة"٣. "وهم المتبعون للعقيدة الإسلامية الصحيحة، الملتزمون منهج الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين"٤. وهم المجتمعون على أئمتهم أبي بكر، وعمر ومن بعدهما، الصابرون على ولاتهم برهم وفاجرهم. كما سئل الإمام سفيان بن عيينة ﵀ عن قول الناس: السنة والجماعة. وقولهم: فلان سني جماعي، وما تفسير السنة والجماعة؟ فقال: "الجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب محمد ﷺ من بيعة أبي بكر وعمر، والسنة: الصبر على الولاة وإن جاروا وإن ظلموا"٥. فهم بالجملة كل من اجتمع على التمسك بالسنة ونبذ الفرقة، وجمع الدين قولا وعلما وعملا، مع الاجتماع على أئمة الحق والحرص على وحدة الصف، جمعا بين واجبي الاتباع والاجتماع، واجتماعا على الاتباع للمنهج الحق. ومما سبق.. فإن من الوجوه التي يمكن التعرف منها على أهل السنة ما يلي: أولا: أنهم هم صحابة رسول الله ﷺ الذين تعلموا سنته وعلموها، وعملوا بها

стр. 17

ونقلوها وحملوها رواية ودراية ومنهجا، فهم أجدر، من يستحق التسمي بأهل السنة، لسبقهم إلى السنة علمًا وعملًا وزمنًا. ثانيا: يليهم أتباعهم الذين أخذوا عنهم هذا الدين ونقوله، وعلموه وعملوا به من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهم أهل سنة رسول الله ﷺ الذين تمسكوا بها، ولم يبتدعوا ولم يتبعوا غير سبيل المؤمنين. قال الإمام أحمد ﵀: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المستمسكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"١. وكل من اقتدى -من العوام- بأهل العلم والاتباع فهو من أهل السنة، قال ابن حزم ﵀: "وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة ﵁، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم"٢.

стр. 18

الفصل الثاني: سبب التسمية وذيوعها: نسب أهل الحق إلى المصطلح، لأجل حرصهم على السنة والجماعة. فهم "أهل السنة"؛ لأنهم متبعون لحديث النبي ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ١. "فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة"٢. وهم "أهل الجماعة"؛ لأنهم يعتبرون الكتاب والسنة والإجماع مصادر معصومة من الضلال، فبها يأخذون، وعليها يعتمدون، ثم هم بعد ذلك مع أئمتهم مجتمعون، وبواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمون، وبالجهاد مع أئمتهم -فجارًا أو أبرارا- آمرون ومجاهدون، يجتمعون على السنة والاتباع، والبعد عن الفرقة والابتداع، فهم أحق بالجماعة التي من تعلق بها نجا، كما ورد في حديث افتراق الأمة، حيث أخبر النبي ﷺ "عن افتراق أمته إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي "الجماعة" ٣، وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" ٤.

стр. 19

وسبب ذيوع هذه التسمية يرجع إلى أول بدعة وقعت في الإسلام، بعد موته ﷺ ، وهي بدعة الخروج على الأئمة، وتشقيق الصف، وثلم الجماعة، ونكث الصفقة والبيعة، حين اتخذ الخوارج منهج فكريا عقائديا خالفوا به جماهير المسلمين، فكفروا بالذنوب واستحلوا الدماء والأموال، فقاتلهم علي ﵁، وأجمع الصحابة على ذلك، ووقعت في أثناء ذلك الفتنة بين علي ﵄، وأريقت فيها الدماء، وتفرقت فيها الكلمة، ثم اجتمعت الأمة بعد ذلك على معاوية ﵁، بعد أن حقن الله دماء المسلمين بتنازل الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة، وسمي ذلك العام -عام إحدى وأربعين- بعام الجماعة. وفي إثر بدعة الخوارج ظهرت بدعة الروافض، الذين اشتهروا بالكذب، بخلاف الخوارج الذين اشتهر معظمهم بالصدق، فكان من شأن أهل السنة مع الروافض أن سألوا عن الإسناد وعنوا به، روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى البدعة فلا يؤخذ حديثهم"١. ثم ظهر قول القدرية٢ بإنكار العلم السابق، وانتشر قول الجهمية والجبرية بأن العبد مجبور، فعقبت طائفة من أهل العلم بالرد على أهل البدع بتصنيف كتب في العقيدة أسموها "كتب السنة"، ومن اشتهرت هذه الطائفة من أهل العلم بالحرص على

стр. 20

السنة، وتمييز المقبول من المردود من الرواة والروايات، فتبلور منذ ذلك الحين هذا المصطلح، الذي أصبح لقبا على كل من انتمى إلى أهل الحق المتبعين للسنة والآثار، الحريصين على جمع شمل المسلمين واتفاق كلمتهم في آن واحد. حتى كان عصر الإمام أحمد بن حنبل، ﵀ فأظهر الله تعالى إمامته وفضله، وحرصه على صفاء وجه السنة أن تخدشه بدعة القول بخلق القرآن -والتي جاء بها المعتزلة، مع حرصه على وحدة الجماعة أن تنثلم بالخروج على المأمون، فأقام واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجهه الصحيح، فنصر الله به الملة، وأعز به السنة، وثبت به قلب الأمة، ثم إنه قد اجتمعت لديه من أسباب الخروج على المأمون ما لم يجتمع لغيره، فقد أصغى الناس إلى الإمام سمعا، وألقوا إليه بأزمة القلوب انقيادًا وحبا، وقد أتى المأمون ببدعته -متأولًا- كفرًا، فلما قيل للإمام: لم لا تخرج على المأمون؟! قال: كرهت أن أفرق جماعة المسلمين، فلم تمنعه سطوة السلطان أن يقول بالحق إذ علمه، ولم يحمله بطش السلطان وتنكيله به على أن يخرج عليه فيكون سببا في إعمال السيف في رقاب المسلمين. وبهذا استقر مذهب أهل السنة على ترك الخروج على المبتدع والظالم من الأئمة، ما لم يأت كفرا صريحا لا تأويل فيه ولا شبهة، وخرج الإمام من هذه المحنة إماما للعامة، وعندها دعي الإمام أحمد بإمام أهل السنة والجماعة، وكان أول من لقب بهذا اللقب ﵀. وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فصار إماما من أئمة السنة، وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، وإطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا؛ لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد، يعني: أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال"١.

стр. 21

الفصل الثالث: مشروعية هذه التسمية: إن سند مشروعية هذه التسمية، وتلك النسبة الشريفة ثابت بدلالة الكتاب وصحيح السنة وصريح آثار الصحابة والسلف، وبيان ذلك فيما يلي: أولًا: دلالة الكتاب: وتتمثل في الآيات الآمرة باتباع النبي ﷺ وطاعته فيما أتى به، وأن طاعته من طاعة الله ، والتحذير من مخالفته وعصيانه، فصار اتباع النبي ﷺ وطاعته اتباعا للكتاب، وطاعة للآيات القرآنية المشار إليها. وقد ورد هذا المصطلح في سنة النبي ﷺ ، فصار اتباعه اتباعًا للقرآن على الوصف المذكور. وقد ورد تفسير بعض آي الذكر الحكيم بالسنة والجماعة، كما سيأتي هنا. ومن ذلك أيضا تفسير الصراط المستقيم بالسنة والجماعة١. ثانيا: دلالة السنة: إن هذا المصطلح والوصف مستمد في الحقيقة من سنة النبي ﷺ ؛ لأنه الآمر بالعناية بالسنة، فقال: "عليكم بسنتي" ٢، وهو الآمر بالجماعة، فقال: "وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة,.." ٣، وهو الذي نهى عن الفرقة، فقال: "من

стр. 22

فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية" ١. "فأهل السنة والجماعة إنما سماهم الرسول ووصفهم بذلك"٢. وليس لأهل السنة والجماعة رسم ولا سم يتسمون به خصوصا غير هذا الاسم، الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي ﷺ ، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"٣. سئل مالك ﵀ عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] "٤. ولما سئل مالك ﵁ عن أهل السنة، قال: "أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"٥. ثالثا: آثار الصحابة والسلف: ومن ذلك قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة"٦. وقال أيضا: "النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"٧.

стр. 23

وقال سعيد بن جبير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٢٨": "لزم السنة والجماعة"١. "وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك وغير واحد من السلف"٢. وقال أيوب السختياني ﵀: "إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة، فلا تسأل عن أي حال كان فيه"٣. وقال عمرو بن قيس الملائي ﵀: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة، فارجه"٤. وقال سفيان الثوري ﵀: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة"٥. وقال قتيبة بن سعيد: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"٦. وورد نحو هذا في المعافى بن عمران٧، وجماعة من الأئمة والرواة٨.

стр. 24

رابعًا: نصوص العلماء واستعمال الأئمة: وقد نص العلماء على أن أهل السنة هم الصحابة، ومن اقتفى آثارهم. قال شارح الطحاوية ﵀: "هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"١. وقال ابن تيمية ﵀: "ومذهب أهل السنة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ ، ومن خالف في ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة ... وأحمد بن حنبل، وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة فليس ذلك؛ لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل إن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة"٢. وسبق قول ابن حزم ﵀: "أهل السنة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم -أي أهل السنة- الصحابة ﵃، ومن سلك منهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم"٣. وقال أيضا: " ... وأن من اتبع أحدًا دون رسول الله ﷺ ، فلم يتبع السنة ولا الجماعة، وأنه كاذب في دعواه السنة والجماعة، فنحن معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك"٤.

стр. 25

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "صار المتمسكون بالإسلام المحض هم أهل السنة والجماعة"١. وهذا يشمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذا بدأ علماء الاعتقاد عند ذكر أئمة أهل السنة والجماعة بالصحابة، ثم من بعدهم من التابعين. ومن ذلك: قول اللالكائي في صدر كتابه: "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأمة: فمن الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، فعد جماعة من الصحابة ﵃، ثم جماعة من التابعين من أهل المدينة ومكة، ومصر وبغداد وواسط وغيرهم٢. وذكر موقف المعتزلة من أهل السنة والجماعة، ثم قال: " ... ما قذفوا به المسلمين من التقليد" إلخ، فسوى بين "أهل السنة والجماعة"، وبين "المسلمين"٣، وهذا صريح في أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الصحيح المتلقى عن النبي ﷺ من لدن الصحابة، وأتباعهم حتى آخر الزمان، فمن خالف هؤلاء في أصولهم لم يكن من أهل السنة والجماعة. هذا، وقد استعمل الأئمة هذا الاسم والمصطلح المبارك في النص على أمور الاعتقاد الصحيحة تمييزا لها عن غيرها، كما فعل ذلك قتيبة بن سعيد الثقفي ﵀، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء٤، بل جعل بعض الأئمة هذا الاسم ضمن

стр. 26

عناوين كتبهم في العقيدة كما فعل اللالكائي ﵀ في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكما فعل قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني ﵀ في كتابه "الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة". خامسا: ترادفه مع مصطلحات شرعية. ثم إن هذا المصطلح يرادف عند الإطلاق مصطلحات شرعية أخرى مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والسلف الصالح، كما سيتبين في المبحث التالي. ومن جملة ما تقدم يتضح جليا أن مذهب أهل السنة قديم، وأن التسمية قديمة، تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام، وعلى هذا سار أئمة أهل السنة والجماعة، وكلام اللالكائي السابق قريبا صريح في ذلك، ويظهر هذا جليا بالنظر إلى صفاتهم وخصائصهم، كما أن أول من دعي "بإمام أهل السنة"، هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وفي هذا رد على من زعم أن مذهب أهل السنة والجماعة، إنما عرف وظهر في زمن أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية!! كما تبناه بعض العلماء قديما وحديثًا! ١. وفي نفي هذا الاسم عن الأشاعرة -مع قربهم في أصول ومسائل عقدية من أهل السنة- ما يقطع بانتفائه عن بقية أهل البدع والأهواء كالرافضة والمعتزلة، وإن تنازعوا هذه التسمية الشريفة. وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا وكما قيل: والدعاوى إن لم تقم عليها ... بينات أصحابها أدعياء

стр. 27

الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى أولاً: الفرقة الناجية ... الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى تقرر فيما سبق أن مصطلح أهل السنة والجماعة مما نطق بمعناه الكتاب والسنة، وتداول لفظه الصحابة والتابعون، وأهل الحق من الأسلاف الصالحين، ومن المفيد أن نتناول مصطلحات أخرى تداولها علماء التوحيد والعقيدة في الدلالة على المذهب الحق في أمور الاعتقاد. أولا: الفرقة الناجية: أما مصطلح الفرقة الناجية، فقد دلت عليه ظاهر الأحاديث الكثيرة التي رواها بضعة عشر صحابيا، ويكفي في ثبوت وجود هذه الفرقة الناجية أن تكون هذه الروايات قد ذكرتها بعد ذكر افتراق الأمة. ومن هذه الروايات: ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة وخلصت واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة"، قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ ". قال: "الجماعة، الجماعة" ١. وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" ٢. ووصفها علي ﵁ بأنها المستحقة لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ

стр. 28

وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] . وورد في وصف غيرها من الفرق المناقضة لها أن في قلوبها زيغ، وأن الأهواء تتجارى بها كما يتجارى الكلب بصاحبه١. وهذا يقتضي بمفهوم المخالفة سلامة الفرقة الناجية من الهوى والزيغ. وجملة هذه الأوصاف تقضي بأن هذه الفرقة الناجية هي عين أهل السنة والجماعة، إذ هي الجماعة، وهم المستمسكون بما عليه الصحابة٢، وهي أولى الناس بالسنة وأبعد الناس عن البدعة، فحيث أطلقت الفرقة الناجية فالمقصود بها أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أولى الناس بالنجاة في الدنيا من الافتراق، وفي الآخرة من النار. قال عبد القادر الجيلاني ﵀: "وأما الفرقة الناجية: فهي أهل السنة والجماعة"٣. وقال شيخ الإسلام في أول عقيدته الواسطية: "أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة ... "٤.

стр. 29

ثانيا: الطائفة المنصورة: وأما مصطلح الطائفة المنصورة، فقد ورد ذكره في أحاديث عدة عن تسعة عشر صحابيا، إضافة إلى بعض المراسيل، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية١، والسيوطي٢، والزبيدي٣، والكتاني٤، وغيرهم.. ومن هذه المرويات ما رواه ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٥. وما رواه جابر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ٦. ومن جملة المرويات، يتضح أن هذه الطائفة المنصورة طائفة من الأمة مجتمعة على الحق، إظهارا وبيانا بالحجة والبرهان، وظهورا وغلبة بالسيف والسنان، وهي ظاهرة، بينة طرائقها وسبلها، واضحة مناهجها، في كل زمان ومكان. وهي طائفة قائمة بأمر الله، وواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يخلو الزمان عنها، ولا تتخلى عن واجب الجهاد، فهي إما في جهاد بالفعل أو في سبيلها إلى الجهاد إعدادًا وتهيؤًا، صابرة على هذا العمل الجليل وهي طائفة منصورة في جملة أحوالها وأماكنها، وعلى مر الأزمان.

стр. 30

ثالثا: أهل الحديث: وأما فيما يتعلق بمصطلح أهل الحديث، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام أحمد: أنه ذكر حديث النبي ﷺ : "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة"، فقال: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"١. وقال القاضي عياض عقب قول أحمد السابق: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٢. وقال الجيلاني: "أهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو: أصحاب الحديث". وفي هذه الآثار دلالة على الترادف بين معنى مصطلح الفرقة الناجية وأهل الحديث، وأنهم المقصودون بهذا المصطلح عند إطلاقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم، المتبعون لها، هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول، مما يجهله غيرهم أو يكذب به"٣. ووصفهم الخطيب البغدادي ﵀ بقوله: "حفظة الدين، وأوعية العلم وحملته.. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر"٤.

стр. 31

ويتضح مما سبق أن الفرقة الناجية هم أهل الحديث، كما اتضح أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أيضًا. سئل ابن المبارك عن الطائفة المنصورة: من هذه الطائفة؟ فقال: "هم عندي أصحاب الحديث"١. وقال يزيد بن هارون: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"٢. وقال البخاري في قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ... ": "يعني: أصحاب الحديث"٣، وقال: "وهم أهل العلم"٤. وقال أحمد بن سنان: "هم أهل العلم، وأصحاب الآثار"٥. وقال شيخ الإسلام في وصف أهل الحديث: "وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا"٦. وإذا كانت الفرقة الناجية هي أهل الحديث، وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة، وأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة، فإن هذا يدل على ترادف هذه الاصطلاحات بإطلاق. بمعنى أنه إذا أطلق واحد منهم دخل فيه الباقي، وأصبح اللفظ دالا بمفرده على جميع أهل الحق.

стр. 32

وأما إذا اجتمع اثنان كأهل الحديث وأهل السنة فبينهما تغاير، حيث يطلق الأول على المعتنين بعلم الحديث، ويطلق الثاني على باقي أهل الخير من الفرقة الناجية، فإذا اجتمعا افترقا، ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة، وإمام في الحديث فسفيان الثوري"١. - وهنا يثور سؤال حول تحديد أهل الحديث، وهل كل هذا الفضل خاص بدارسي هذا العلم، وحفظة متونه دون باقي أصناف أهل العلم؟ وإذا كانت الإجابة بدخول أصناف أخرى من أهل العلم، فإن ثمة سؤال آخر حول هذا ملعنى، وهو: هل يدخل في معنى أهل الحديث أناس آخرون لا علاقة لهم بعلم الحديث، ولا دراية لهم بالفقه وسائر العلوم: كالمجاهدين، والأجناد المرابطين على الثغور، ونحوهم؟ فأما السؤال الأول، فإن الإجابة تتقرر في دخول طوائف أهل العلم بالتفسير، والفقه، والتوحيد، وسائر العلوم الشرعية، في مصطلح أهل الحديث بعد دخول المشتغلين بعلم الحديث دخولا أوليا في هذا المصطلح. ويدل على ذل عبارة الإمام البخاري في وصفهم بأنهم: "هم أهل العلم"، وكذا عبارة الإمام أحمد بن سنان: "هم أهل العلم وأصحاب الآثار". فإذا وجد ما يدل على أنهم أهل العلم بالحديث، فهو من باب تفسير الشيء بذكر بعض أجزائه وأفراده، والقاعدة أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه. ولذلك كانت عبارة الإمام أحمد دقيقة حين رأى قوما يشتغلون بمدراسة

стр. 33

الحديث، فأطلق عليم أنهم "ممن" قال فيهم الرسول ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي.." الحديث١. وقد نقل النووي -كما سبق- قول أحمد والبخاري في الطائفة المنصورة، ثم قال: "قال القاضي عياض: إنما اراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٢. وقال شيخ الإسلام: "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبها. ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم"٣. فهذا وأمثاله من النقول عن الأئمة العدول يبين لنا دخول أهل العلم -المتبعين الناجين من الابتداع- في زمرة الحديث بالاصطلاح الأعم الأوسع. ومما تنبغي الإشارة إليه: أن "مصطلح أهل الحديث"، قد أطلق في مقابلة "أهل الكلام" تارة، و"أهل الرأي "تارة أخرى، فالإطلاق الأول يتعلق بالعقائد، والثاني بالفقه. وأما السؤال الثاني، وهو: هي يدخل في الطائفة المنصورة أهل الحديث أصناف أخرى من الناس، ليست من المشهورة بالعلم؟

стр. 34

فإجابته قد ذكرها جملة من أهل العلم، نذكر منهم الإمام النووي حين سئل عن الطائفة المنصورة: من هم؟ فقال: "ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أنواع أخرى من الخير"١، فأدخل فيهم أهل الجهاد وأنواعا أخرى من الخير: كالزهاد، والعباد، وغيرهم. وقد صاغ ابن حجر كلام النووي بلفظ مقارب، فقال: "يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد"٢. ويخلص من ذلك كله إلى أن المصطلحات "الفرقة الناجية -الطائفة المنصورة- أهل السنة والجماعة- أهل الحديث"، هي مصطلحات شرعية مترادفة في معناها، وعند إطلاقها يدخل بعضها في بعض، وأن أهلها متفاوتون في العلم بالسنة والعمل بها، والجهاد والقيام به، ولا يتخلون عنه جميعا، وأن أهل هذه المصطلحات غير معصومين، والخير فيهم أكثر من الشر، كما أن الشر في غيرهم أكثر من الخير، ومع أنه ليس لهم تخصص علمي أو عملي يجمعهم، فقد وصلوا بمجموعهم إلى درجة الكمال البشري، مع التكامل في الواجبات والتخصصات، فهم قائمون بمجموعهم مقام النبوة في الأمة بحفظ الدين وإقامة الملة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا"٣. ثم إنه بقي مصطلح أخير عرفه أهل السنة والجماعة وتداولوه، ألا وهو مصطلح السلف.

стр. 35

رابعا: السلف: معنى "السلف" لغة: قال ابن فارس: "سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون"١. وقد استعملت كلمة "سلف" في القرآن للدلالة على نفس المعنى، وهو التقدم والسبق في التقدم. قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ، أي: قدمتم في الدنيا. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ، أي: قوما سابقين من جاء بعدهم، وقيل: عظة وعبرة لم يأتي بعدهم٢. وقال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، أي: سبق وتقدم. وقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وقال جل ذكره: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . كما استعملت كلمة "سلف" في السنة للدلالة على نفس المعنى السابق.

стр. 36

ومن ذلك: قول النبي ﷺ لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: "ونعم السلف أنا لك" ١. وقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما سلف من خير" ٢. معنى "السلف" اصطلاحا: في اصطلاح علماء العقيدة يطلق "السلف" على الصحابة ﵁ والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، وأئمة الإسلام العدول، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظم شأنهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفا عن سلف بالقبول، دون من رمي ببدعة، أو لقب غير مرضي، كالخوارج، والرافضة، والناصبة، والقدرية، والمرجئة، والأشعرية، والمعتزلة، والجهمية ونحوهم.. ومذهب السلف هو طريقهم في الاعتقاد المنسوب إليهم٣. وقال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: "وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظيم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، كالأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية والجهمية، والمعتزلة"٤. فالسلف إذن مصطلح يطلق على المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم المذكورون في حديثه ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٥.

стр. 37

ومذهب السلف هو مذهب الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم من الأئمة المذكورين المشهورين. ثم إن كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوبا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم، وجمعه بهم نفس المكان والزمان. ويشهد لذلك قول الأوزاعي: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١. ويقول الدكتور محمود خفاجى: "وليس التحديد الزمني كافيا في ذلك، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة وروحهما، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفي، وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين"٢. ويشهد لهذا: قول أبي عبد الله النباجي الزاهد: "أصل العلم خمس خصال: أولها: الإيمان بالله، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل، والرابعة: أن يكون مطعم الرجل من حلال، والخامسة: أن يكون على السنة والجماعة، فلو أن عبدًا آمن بالله وأخلص نيته لله وعرف الحق على نفسه، وكان مطعمه من حلال ولم يكن على السنة والجماعة لم ينتفع من ذلك بشيء"٣. فالعبرة بالتزام السنة والجماعة بغض النظر عن المكان والزمان.

стр. 38

"ولقد بدأت الحاجة إلى الانتساب للسلف حين تفرقت الأمة الإسلامية، وتعددت الاتجاهات الفكرية فيها حول أصول الدين، مما دعا علماء الأمة الأثبات وأساطينها الأعلام، لتجريد أنفسهم لتلخيص وترتيب الأصول العظمى والقواعد الكبرى للاتجاه السلفي، والمعتقد القرآني النبوي، ومن ثم نسبته إلى السلف الصالح، لقطع الباب على كل من ابتدع بدعة اعتقادية، وأراد نسبتها إليهم، حتى كانت النسبة إلى السلف رمزًا للافتخار، وعلامة على العدالة في الاعتقاد، مما يدل على أن النسبة إلى السلف لم تكن بدعة لفظية، ولا مجرد اصطلاحي كلامي، لكنه حقيقة شرعية ذات مدلول محدد، ولذلك لم تؤصل قواعده، ولم تحر موارده، إلا بقيام الحاجة في الأمة لبيان متكامل الصورة عما كان عليه أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالعدالة من طريقة عقدية وسيرة توحيدية"١. ويبدو جليا من هذه الدراسة الاصطلاحية الشرعية لمدلول كلمة السلف، أن هذا المصطلح يلتقي مع مصطلح أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة. فالسلف هم أهل الحديث كما سماهم بذلك كثير من الأئمة، وصدروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام إسماعيل الصابوني. والسلف هم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؛ لأنهم الصحابة ومن تابعهم من التابعين وتابعيهم. والسلف هم أهل الأثر، وهم أهل الاتباع؛ لأن من طريقتهم "اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ ، حيث قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،

стр. 39

تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١ ٢. وما زال أهل السنة وما برحوا يستدلون على عقائدهم بالكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فبما ثبت عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وبهذا كانوا يتواصون ويوصون. قال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس"٣. وقال: " ... واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك"٤. والإمام ابن كثير ينهج هذا النهج عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤] ، يقول: "فللناس في هذا مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ... "٥. والإمام الذهبي يقول في مقدمة كتابه "العلو للعلي الغفار": "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكموه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تسكلت بعلم"٦. وعلى هذا فإن الدعوة إلى اتباع السلف إنما هي دعوة إلى الإسلام والسنة، ولا غضاضة في ذلك.

стр. 40

قال شيخ الإسلام: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا"١. وأخيرًا فإن مصطلحين كـ"أهل الأثر"، أو"أهل الجماعة" يطلقان أيضا -بقلة- ويراد بهما أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقد وقعا في كلام السلف أيضًا. فمن الأول قول أبي حاتم الرازي: "مذهبنا واختيارنا اتباع رسول ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل"٢. ومن الثاني قول ابن المبارك حين سئل عن الجماعة؟ فقال: "أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة"٣.
следующие страницы →