← Акыда

Акыда · id 11740

طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (521 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن ذلك: قول النبي ﷺ لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: "ونعم السلف أنا لك" ١. وقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما سلف من خير" ٢. معنى "السلف" اصطلاحا: في اصطلاح علماء العقيدة يطلق "السلف" على الصحابة ﵁ والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، وأئمة الإسلام العدول، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظم شأنهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفا عن سلف بالقبول، دون من رمي ببدعة، أو لقب غير مرضي، كالخوارج، والرافضة، والناصبة، والقدرية، والمرجئة، والأشعرية، والمعتزلة، والجهمية ونحوهم.. ومذهب السلف هو طريقهم في الاعتقاد المنسوب إليهم٣. وقال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: "وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظيم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، كالأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية والجهمية، والمعتزلة"٤. فالسلف إذن مصطلح يطلق على المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم المذكورون في حديثه ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٥.

стр. 37

ومذهب السلف هو مذهب الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم من الأئمة المذكورين المشهورين. ثم إن كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوبا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم، وجمعه بهم نفس المكان والزمان. ويشهد لذلك قول الأوزاعي: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١. ويقول الدكتور محمود خفاجى: "وليس التحديد الزمني كافيا في ذلك، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة وروحهما، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفي، وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين"٢. ويشهد لهذا: قول أبي عبد الله النباجي الزاهد: "أصل العلم خمس خصال: أولها: الإيمان بالله، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل، والرابعة: أن يكون مطعم الرجل من حلال، والخامسة: أن يكون على السنة والجماعة، فلو أن عبدًا آمن بالله وأخلص نيته لله وعرف الحق على نفسه، وكان مطعمه من حلال ولم يكن على السنة والجماعة لم ينتفع من ذلك بشيء"٣. فالعبرة بالتزام السنة والجماعة بغض النظر عن المكان والزمان.

стр. 38

"ولقد بدأت الحاجة إلى الانتساب للسلف حين تفرقت الأمة الإسلامية، وتعددت الاتجاهات الفكرية فيها حول أصول الدين، مما دعا علماء الأمة الأثبات وأساطينها الأعلام، لتجريد أنفسهم لتلخيص وترتيب الأصول العظمى والقواعد الكبرى للاتجاه السلفي، والمعتقد القرآني النبوي، ومن ثم نسبته إلى السلف الصالح، لقطع الباب على كل من ابتدع بدعة اعتقادية، وأراد نسبتها إليهم، حتى كانت النسبة إلى السلف رمزًا للافتخار، وعلامة على العدالة في الاعتقاد، مما يدل على أن النسبة إلى السلف لم تكن بدعة لفظية، ولا مجرد اصطلاحي كلامي، لكنه حقيقة شرعية ذات مدلول محدد، ولذلك لم تؤصل قواعده، ولم تحر موارده، إلا بقيام الحاجة في الأمة لبيان متكامل الصورة عما كان عليه أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالعدالة من طريقة عقدية وسيرة توحيدية"١. ويبدو جليا من هذه الدراسة الاصطلاحية الشرعية لمدلول كلمة السلف، أن هذا المصطلح يلتقي مع مصطلح أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة. فالسلف هم أهل الحديث كما سماهم بذلك كثير من الأئمة، وصدروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام إسماعيل الصابوني. والسلف هم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؛ لأنهم الصحابة ومن تابعهم من التابعين وتابعيهم. والسلف هم أهل الأثر، وهم أهل الاتباع؛ لأن من طريقتهم "اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ ، حيث قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،

стр. 39

تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١ ٢. وما زال أهل السنة وما برحوا يستدلون على عقائدهم بالكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فبما ثبت عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وبهذا كانوا يتواصون ويوصون. قال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس"٣. وقال: " ... واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك"٤. والإمام ابن كثير ينهج هذا النهج عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤] ، يقول: "فللناس في هذا مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ... "٥. والإمام الذهبي يقول في مقدمة كتابه "العلو للعلي الغفار": "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكموه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تسكلت بعلم"٦. وعلى هذا فإن الدعوة إلى اتباع السلف إنما هي دعوة إلى الإسلام والسنة، ولا غضاضة في ذلك.

стр. 40

قال شيخ الإسلام: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا"١. وأخيرًا فإن مصطلحين كـ"أهل الأثر"، أو"أهل الجماعة" يطلقان أيضا -بقلة- ويراد بهما أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقد وقعا في كلام السلف أيضًا. فمن الأول قول أبي حاتم الرازي: "مذهبنا واختيارنا اتباع رسول ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل"٢. ومن الثاني قول ابن المبارك حين سئل عن الجماعة؟ فقال: "أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة"٣.

стр. 41

الفصل الخامس: الخصائص والصفات العامة لأهل السنة والجماعة أولا: أهل السنة ليس لهم اسم يجمعهم سوى هذا الاسم: أهل السنة والجماعة ليس لهم اسم يعرفون به، ولا لقب ولا رمز يميزهم عن غيرهم، إلا الإسلام وما دل عليه من المصطلحات والأسماء الشرعية. قال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام"١. فكل من خالف السنة والجماعة فقد تسمى بغير الإسلام والسنة، كأصحاب الأهواء والفرق الضالة، وإن ادعى أنه من أهل السنة. وأما أهل السنة فليس لهم اسم إلا هذا الاسم، وإن كان غيرهم قد يسميهم بأسماء باطلة، فإنه ما من فرقة إلا وابتدعت لأهل السنة اسمًا يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ومع ذلك بقي أهل السنة لم يلزمهم اسم من هذه الأسماء الباطلة. روى ابن البر قال: "جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله . قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل: قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"٢. وهكذا يحدد الإمام مالك ﵀، ويعرف أهل السنة بأنهم ليس لهم لقب يعرفون به إلا اللقب المسئول عنه "أهل السنة". وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم

стр. 42

له سوى السنة، يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبو إليه سواها"١. ويقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله تعالى-: "وليس لهم -أي أهل السنة والجماعة- رسم ومنهاج سوى منهاج النبوة "الكتاب والسنة"، إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، إنما الذي يحتاج إلى اسم معين هو الخارج من هذا الأصل"٢. فأهل السنة لا يتعصبون للأحزاب، ولا الشعارات، ولا القوميات، ولا يتعصبون للأوطان ولا الشعوب، ولا الأجناس، ولا القبائل، إنما يجمعهم شعار السنة والإسلام، في أي مكان وأي زمان. عن ابن عباس ﵄ قال: "من أقر باسم من هذا الأسماء المحدثة، فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه"٣. وقال مالك بن مِغْوَل: "إذا تسمى الرجل بغير الإسلام والسنة، فألحقه بأي دين شئت"٤. وهذا لا يعني عدم مشروعية مطلق الانتماء إلى إمام، أو التسمي بأسماء المذاهب، أو الانتساب إلى القبائل، أو المشايخ، ونحو ذلك ... ، بل الممنوع منه هو اتخاذ هذه الأسماء معقدا للولاء والبراء، وشعارا يمتحن الناس به، ويفرق به بين الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها، مثل انتساب الناس إلى إمام: كالحنفي والمالكي والشافعي، والحنبلي، أو إلى شيخ:

стр. 43

كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار: كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي وظيفة كان"١. ومما هو جدير بالتنبيه عليه في هذا المقام، أنه سبقت لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى وردت بها النصوص، وهو من باب إطلاق الأسماء المختلفة على مسمى واحد. فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة أو السلف، أو الفرقة الناجية كل ذلك سواء وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب السلفية في بعض مصنفاته٢، وكذا الشيخ المعلمي اليماني٣ والشيخ الألباني٤، والشيخ ابن باز٥ وغيرهم من أهل العلم والاتباع سلفا وخلفا.

стр. 44

ثانيا: أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان: إن أهل السنة هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي مكان وجد، وفي أي زمان كان. ويشهد لذلك ما سبق عن الأوزاعي، قال: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ولا يلزم أن يكونوا -أي: الطائفة المنصورة-

стр. 45

مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض"١. وقد كان صحابة رسول الله ﷺ ، والتابعون وأئمة الدين من بعدهم، مفرقين في الأمصار، لا يجمعهم مكان واحد، ومع ذلك كانوا جميعا من أهل السنة، بل أئمة أهل السنة وأعلامهم. وأما الأحاديث التي حددت وجودهم بالشام٢ فقد يجاب عليها بما يلي: ١- قد يراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معينة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحداث المتعلقة بالمهدي وعيسى بن مريم، ونحو ذلك من أشراط الساعة، إنما يتكون بالشام. ٢- كما يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث، ثم للدجال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله ﷺ : "وهم بالشام"، أي: حال إتيان أمر الله. ٣- وهذا كله على فرض صحة هذه الأحاديث، فكيف وأسانيدها لا تصح، والأصح والأشهر من الأحاديث بدون تقييد، وأعلى ما ورد في الشام قول معاذ: "وهم بالشام"، وفي رواية له: "وهم أهل الشام" ونحو هذا، وأكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة في الحديث، ورواية الجماعة أولى بالصواب، وقد سبق هنا استغراب أي نعيم لهذه الزيادة.

стр. 46

وأهل السنة كما أنه لا يجمعهم مكان واحد، فإنهم لا يخلو عنهم زمان حتى قيام الساعة. فقد صحت البشارة عن رسول الله ﷺ باستمرار وجود الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- من هذه الأمة إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل. وجاء ذلك في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والسيوطي، والزبيدي، والكتاني، وغيرهم١. ومن هذه الأحاديث. ما جاء عن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرين" ٢. وعن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٣. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة" ٤. فهذه الأحاديث وما ماثلها توضح أن أهل السنة -الطائفة المنصورة- سيستمر بقاؤهم إلى يوم القيامة، فلن يخلو عنهم زمان حتى يأتيهم أمر الله .

стр. 47

والمقصود أن بقاءهم يكون حتى يرسل الله ريحا طيبة -وهي أمر الله-، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون التعبير بقوله: "إلى قيام الساعة". معناه: إلى قرب قيامها. قال الإمام النووي ﵀: "فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب"١. وقال رحمه الله تعالى: "وذكرنا هناك -أي في كتاب الإيمان- الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى، وأن المراد بقوله ﷺ : "حتى يأتي أمر الله" من الريح التي تأتي فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وأن المراد رواية من روى: "حتى تقوم الساعة"، أي: تقرب الساعة، وهو خروج الريح"٢.

стр. 48

ثالثا: أهل السنة مشتغلون بأبواب الخير كافة: أهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه، بل منهم المشتغلون بألوان العلوم النافعة، بقصد حماية الدين وحفظ العلم -أصولا، وفروعا، ووسائل-، ومنهم المشتغلون برد البدع وقمع أهلها، وبيان طريق المحجة، ودفع الالتباس عنها. ومنهم المرابطون في الثغور، المصابرون للأعداء، الساهرون على حماية الحوزة وحفظ البيضة. ومنهم المناهضون للمنكر، الناهون عنه، الآمرون بالمعروف، الداعون إليه. ولا شك أن المشتغلين بعلوم الإسلام -عقيدة، وفقها، وحديثا، وتفسيرا، وتعلما وتعليما، ودعوة، وتطبيقا- هم أولى الناس بهذا الوصف، وأولاهم بالدعوة،

стр. 49

والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على أهل البدع، إذ إن ذلك كله لا بد أن يقترن بالعلم الصحيح المأخوذ من الوحي. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ويحتمل أن هذه الطائفة -يعني: الطائفة المنصورة- مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ... "١. وقد فسر بعض أئمة السلف الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بأنهم: أصحاب الحديث. ومقصود هؤلاء الأئمة -كما سبق أيضا- بأهل الحديث، أنهم أهل السنة، المتبعون لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، المجانبون لطريقة أهل البدعة، الملتزمون بالدليل في الاعتقاد والفقه، المستقيمون على الجادة في الخلق والعبادة، والسلوك. وهم -بهذا- الفئة المقابةل لأهل الكلام -أيا كانت بدعتهم-، والفئة المقابلة لأهل الرأي الذين يقدمون آراءهم أو أقوال شيوخهم على الدليل الصحيح، بحجة أن الدليل ظني الثبوت، أو أن شيوخهم أعلم بالدليل ... أو بغير ذلك من الحجج الواهية. ولذلك عبر الإمام البخاري رحمه الله تعالى عنهم بقوله: "وهم أهل العلم"٢. ومدلول العلم أوسع من مدلول الحديث، وإن كان الحديث قد يطلق عليه العلم٣. فقد يكون الرجل من أهل السنة، ومن أهل العلم الذين يرابطون على ثغور

стр. 50

الإسلام، ويدافعون عنه، ولكنه ليس من أهل الحديث، بمعنى: المشتغلين به رواية ودراية، حتى عرفوا به، وأمثلة هذا كثيرة من المشتغلين بالتفسير، أو القراءات، أو اللغة، أو الأدب، أو التاريخ، أو غيرها. وأما عبارة علي بن المديني في تعريفه أصحاب الحديث، والتي يقول فيها: "هم أصحاب الحديث الذين يتعاهدون مذاهب الرسول ﷺ ، ويذبون عن العلم، لولاهم لم نجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية, وأهل الرأي شيئا من سنن المرسلين"١. ففي عبارة علي بن المديني نوع من التخصيص، إذ يفسر أهل الحديث بأنهم الذين يتعاهدون مذاهب الرسول ﷺ ، ويذبون عن العلم، ويبلغون للناس سنن المرسلين. وهذا تفسير للشيء ببعض أجزائه، وأهل السنة الطائفة المنصورة أعم من ذلك، ولا شك أن قوما كهؤلاء الذين ذكرهم ابن المديني هم أولى الناس بالدخول في هذه الطائفة، وإلى ما عندهم يرجع كل متبع في أي تخصص كان، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا -وحدهم- الطائفة المنصورة أو أهل السنة والجماعة، كما سبق تقريره. إذن، فأهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه، بل هم مفرقون في أبواب الخير كافة، يقولون بالحق، ويرحمون الخلق، ويجتمعون على منهج الاتباع.

стр. 51

رابعا: أهل السنة نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين: لا منازعة بين المسلمين على خطورة أمر الاعتقاد، وعظم شأنه، وعلو قدره، إذ المخالف فيه على شفا هلكة. ولهذا نجد أهل السنة جميعا على قول واحد في أصول هذا الباب وكليات، لم ينقل عنهم اختلاف في أمهات مسائل الاعتقاد وأصول الدين، بل المحفوظ عنهم اتفاقهم في هذه المسائل، وعدم اختلافهم عليها. قال الشافعي ﵀: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليه الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء.."١. وقال الإمام أحمد ﵀: "هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المستمسكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"٢. قال ابن كثير في وصف وبيان من هم أهل السنة: "وهم أهل السنة والجماعة: المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"٣. وهذا لا يعني أن كل مسائل الاعتقاد متفق عليها عند أهل السنة والجماعة، إذ قد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب. ومن الأمثلة على ذلك: - اختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا؟

стр. 52

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدا هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج: وكانت عائشة ﵂ وطائفة معها تنكر ذلك"١. - ومن ذلك أيضا: اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا؟ فقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن عذاب القبر: هل هو على النفس والبدن، أو على النفس دون البدن؟ فأجاب ﵀: "بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام"٢. وقال: "ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة، وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أثبت ذلك طائفة منهم، وأنكره أكثرهم"٣. - ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟ ٤. وليس مقصودنا في هذا المقام استقصاء مثل هذه المسائل، وإنما المقصود بيان أن بعض مسائل الاعتقاد قد وقع الخلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإن كانت هذه المسائل -كما سبق- ليست من أصول العقيدة وكلياتها.

стр. 53

خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاتباع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف ... خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاجتماع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف. إن اعتصام أهل السنة بالجماعة من أهم أركان منهجهم المبارك. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] . قال ابن جرير الطبري: "يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة، والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله"١. وروى ابن جرير بأسانيده إلى ابن مسعود ﵁ أنه قال في تفسير "حبل الله" في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] : "الجماعة"٢، ومثل هذا نقله القرطبي عنه في التفسير٣. وذكر ابن جرير أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى حبل الله، منها: القرآن والإخلاص لله وحده والإسلام٤. وقال الشوكاني في نفس الآية: "أمرهم الله أن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام

стр. 54

أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين"١. "وهذه الأقوال مؤداها واحد ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم، وتماسك مجتمعهم"٢. قال ابن القيم ﵀ في حقيقة هذا الاعتصام: "وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك، فهو منسل من الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علما وعملا، وإخلاصا واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة"٣. قال ابن المبارك٤: إن الجماعة حبل فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا فأهل السنة على الحقيقة هم أهل الجماعة والاجتماع، مع الحرص على ذلك والتواصي به ظاهرا وباطنا. ولكنهم حين يجتمعون يدعون إلى الاجتماع يضبطون دعوتهم بضابطين هما: ١- الاجتماع على كلمة الحق: فبدون هذا القيد الضابط لا يكون اجتماع أصلا، فضلا عن أن يكون صحيحا،

стр. 55

ذلك أن الباطل وأهله في أمر مريج، لا يقرون على قرار، ولا يهتدون لأمر سواء. فسبب الاجتماع جمع الدين كله علما وعملا، ونتيجته سعادة الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا وظاهرا ... ونتيجة الجماعة: ﵀ ورضوانه، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه"١. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . وقال شيخ الإسلام: "فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب"٢. وقال: "فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته"٣. فأهل السنة مستمسكون بالجماعة، معرضون عن مواضع التفرق والاختلاف، ملتزمون بجمل الكتاب والسنة والإجماع، بعيدون عن مواطن المتشابهات التي تفرق الجمع وتشتت الشمل؛ لأن الجماعة عندهم هي مناط النجاة في الدنيا والآخرة. وهذا يشهد لصدقه واقع أهل البدع والأهواء المجتمعين على الأصول البدعية، فإن فرقهم الكبرى انشعبت إلى ما لا يحصى عدا من الفرق المتشاكسة المتعاكسة، وهذا

стр. 56

ظاهر في الخوارج والروافض -مثلا-، فكل من هاتين الطائفتين، افترقت إلى فرق كثيرة، بعد أن فارقوا الحق وتركوا الاجتماع عليه. قال شيخ الإسلام: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السنة والجماعة، كما يقال أهل البدعة والفرقة"١. وقال الشاطبي ﵀: "وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة"٢. "وقد ذكر بعض المصنفين أن الروافض انقسموا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأوصلهم بعضهم إلى ثلاثمائة"٣. ٢- مراعاة ضوابط الخلاف: كما أمر الله تعالى بالاجتماع والاعتصام فقد حذر ونهى عن الافتراق والابتداع، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . فحين يقع الخلاف العلمي بين أهل السنة يقع منضبطا بضوابطه التي من أهمها الحرص على الوحدة والائتلاف، وصلاح ذات البين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين، ومن

стр. 57

بعدهم إذا تنازعوا في الأمر أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين"١. وهذا الأمر مشاهد ملموس في الخلاف الذي ينشأ بين أهل السنة أنفسهم، وبين أهل السنة وأهل البدع، فأما ما يكون بينهم وبين بعضهم فكثير جدًّا، فقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب. وقد سبق من الأمثلة على ذلك: - اختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا٢؟ - ومن ذلك أيضا: اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا٣؟ - ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟ ٤. - ومن ذلك: اختلافهم في الفروع والأأحكام الفقيهة العملية وهو كثير مشهور. وأما مواقفهم مع غيرهم ممن خالف في الأصول دون الفروع، فيجسده موقف

стр. 58

ابن عباس مع الخوارج ورحمته بهم ونقاشه معهم، الذي كان سببا في رجوع ألفين منهم إلى ساحة السنة، وإلى طريق الجماعة. وكذا إمام أهل السنة الإمام أحمد في موقفه من مخالفيه، وعبد العزيز الكناني، ولقد حذا حذوهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵏ جميعًا. وهم مع هذا كانوا أحرص الناس على جمع الكلمة، ووحدة الصف وإصلاح ذات البين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] "١. ثم إنه من لوازم الاجتماع والدعوة إليه النهي عن الفرقة وأسبابها، قال الإمام القرطبي: "وقال ابن عباس ﵁ لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم السابقة لتفرقها، أما سمعت الله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] "٢. وقد مر قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه﴾ [آل عمران: ١٠٦] : "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"٣. وقال ابن وهب: "سمعت مالكا يقول: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ

стр. 59

اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء، ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة"١.

стр. 60

سادسًا: أهل السنة أعلم الناس بسنة رسول الله ﷺ وأتبعهم: أهل السنة هم أعلم الناس بأحوال صاحبها ﷺ وأقواله وأفعاله، وأعظمهم حبة وموالاة لها ولأهلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباع لها، تصديقا وعملا، وحبا وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة"١. وقال الإمام أبو نصر السجزي: "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"٢. "فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث زائغ"٣. ولا عجب في ذلك، فأهل السنة هم أصحاب الحديث، رواية ودراية، علما وعملا، ولذلك فإننا نجد -كما سبق- أن بعض أئمة السلف فسر الطائفة المنصورة

стр. 61

والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة بأنهم أصحاب الحديث. ويقول الإمام أحمد في بيان منهج الاتباع: "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى"١. وقال شيخ الإسلام في هذا المعنى: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام اللخ على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة"٣. فمعيار الانتساب كما يقرره العلماء هو اتباع المنهج أصولا وفروعا، وكلما تحقق العبد بهذه الأصول والفروع علما وعملًا، ودعوة وتطبيقا، كان أولى بهذا الاسم وتلك النسبة الشريفة. قال شيخ الإسلام: "قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة ... فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير

стр. 62

الناس بعد الأنبياء، فإن أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وأولئك خير أمة محمد ﷺ .. ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم، خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله ... فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين، خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فلا يخرج الحق عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقاويلهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه ... "١. وقال في وصف أهل السنة والجماعة: "وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة -أي: الكتاب والسنة وإجماع السلف- جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين"٢. وهذا كلام جامع مانع في شأن المنهاج، حيث تتجلى فيه وبوضوح مصادر التلقي المعصومة عند أهل السنة، كما تبرز شمولية هذا المنهج لما عليه الناس في شأن الاعتقاد وشأن العبادات، وشأن العلم والعمل جميعا، لا فرق في ذلك بين عمل القلب وعمل الجوارح ما دام ذلك كله له تعلق بالدين. وكما أنهم ﵃ أتبع الناس لرسول الله ﷺ ، فإن من سنتهم الاقتداء بالصحابة المرضيين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد تقدم قوله ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ٣.

стр. 63

وهذا معلم أصيل من معالم أصحاب الصراط السوي، ألا وهو اقتداء الآخر بالأول، واللاحق بالسابق، من أهل النجاة والسلامة والإحسان. ولذا عبر بعض العلماء عن معنى الجماعة في الأحاديث، فقال: "هم الصحابة ومن تبعهم بإحسان"، كما قرر ذلك الشاطبي في أول كتابه الاعتصام، حيث قال: "الجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان"١. ومعنى القدوة في الصحابة أكده ابن مسعود ﵁ حين قال: "من كان منكم مستنا فيستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"٢. وعلى هذا درج الصالحون من أسلافنا المباركين، يوصون بهذه الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة. فهذا ابن المبارك ﵀ يسأل عن الجماعة: من هم؟ فيقول: "أبو بكر وعمر" إشارة منه بأنهم القدوة لغيرهم من الأمة علما وعملا، وأنهم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ باتفاق، فيقال له: "قد مات أبو بكر وعمر"، فيقول: "فلان وفلان"، فيقال له: "قد مات فلان وفلان"، فقال ابن المبارك: "أبو حمزة السكري جماعة"، فوصف رجلا دينا عالما تتمثل فيه القدوة لأهل زمانه، وهذا المسلك في البيان عن الجماعة من ابن المبارك من قبيل إفراد فرد من العام بالذكر،

стр. 64

وهذا لا يخصص العام بهذا الفرد كما تقرر ذلك قواعد الأصول، فليس معناه أنه لا يوجد أحد يدخل في معنى الجماعة زمن ابن المبارك إلا أبو حمزة السكري، وإنما أراد ﵀ التنبيه بالمثال ليتضح المقال، ويسهل الفهم على السائل. فأراد ابن المبارك أن يفسر الجماعة بمن اجتمعت فيه صفات الاتباع للكتاب والسنة، وهذا تعريف بالمثال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق"١. وعلى هذا المنهج في بيان القدوة في أهل السنة، اقتفى أبو يعقوب -إسحاق بن راهويه- أثر ابن المبارك حين سئل عن السواد الأعظم: من هم؟ قال: "محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم"٢. فذكر رجلا من أصحاب الحديث وعلماء السنة، قال عنه ابن القيم ﵀: "الإمام المتفق على إمامته، مع رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال ﵀: ما بلغني سنة عن رسول الله إلا عملت بها"٣. "فمن كان من العلماء مستمسكا بالأثر، وسالكا طريق الأولين من الصحابة والتابعين، اعتبره بعض العلماء هو الجماعة، وأوجبوا على الأمة متابعته، وأنه الجماعة التي يجب لزومها؛ لأن العلماء يمثلون المنهج، وهم القدوة للأمة"٤. ومن تأمل مقولات السلف السابقة، علم أن العبرة والاعتداد في حصول القدوة،

стр. 65

هو الاستمساك بالحق المدلول عليه بالكتاب والسنة، ومنهج الصحابة وسلف الأمة، وأن الكثرة والقلة لا تأثير لها. فإن الله تعالى قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] . وقال سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ، فسماه الحق تعالى أمة، مع أنه كان على الحق وحده. وقال أبو شامة رحمه الله تعالى: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به: لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"١. واستدل أبو شامة لما قاله بما أورده عن ابن مسعود قال: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"٢. وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ"٣. ويؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: "وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرا يسيرا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة"٤. قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب

стр. 66

الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض.. الشاذ وما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه، إلا واحدا منهم فهم الشاذون". وأخيرا فإن أعظم دلالة على واقعية هذا المنهج وقابليته للتطبيق، وإن أيسر وسيلة للحمل على الاتباع والسلوك هو ظهور القدوة التي تمثل هذا المنهج، واستشعار الأجيال على ما بينها من تباعد زماني ومكاني صلة متينة ووشيجة من وشائج القربى بين السالف واللاحق، وتأسيا واقتداء بعمل وعمل وخلق من سبق بالفضل علمه، وبالكمال عمله، وبالتمام خلقه. أولئكم هم السلف الصالح رضوان الله عليهم جميعا.

стр. 67

سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة ... سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاتباع، وواجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة: لا يخفى أن التمسك بالسنة والمحافظة على الجماعة كلاهما مقصود للشارع، ولهذا كانت الفرقة الناجية من بين زحام الفرق الهالكة هم أهل السنة والجماعة، أهل السنة بتمسكهم بالحق واستقامتهم عليه ودعوة الناس إليه، وأهل الجماعة بلزومهم لجماعة المسلمين، والتزام الطاعة لأولي الأمر في غير معصية. ولهذا أيضا أمرت الشريعة بالإنكار على أئمة الجور، وعدم تصديقهم على كذبهم، أو إعانتهم على ظلمهم، محافظة على السنة، وأمرت بعدم الخروج عليهم، والتزام الطاعة في غير معصية، محافظة على الجماعة. لذا كان منهج أهل السنة والجماعة هو الموازنة بين هذين الأمرين: المحافظة على السنة، والمحافظة على الجماعة، فلا يؤدي التزامهم بالطاعة لأهل الحل والعقد إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل بيان الحق، وبذل النصيحة، والإنكار على المخالف بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم.

стр. 68

ولا يعني التزامهم بالسنة وإنكارهم على المخالف الخروج عن الطاعة أو مفارقة الجماعة، بل الأمر بالمعروف والنهي مع لزوم الجماعة، والانقياد لها بالطاعة هو منهج أهل الحق، أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجها -كهؤلاء القوم المسئول عنهم١- مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إ ذا لم يكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة في لمخلوق في معصية الخالق. وهذه طريقة خيار الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة، وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارًا"٢. وقد ضرب إمام أهل السنة -الإمام أحمد ﵀ أروع الأمثلة في تطبيق هذا المنهج العظيم، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن. فلم يؤد التزامه بالطاعة لأولي الأمر إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل أعلن الحق، وأظهر السنة، ونصح لله ولرسوله ﷺ ، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وبذل نفسه رخيصة في سبيل ذلك. ومن ناحية أخرى، لم يدفعه التزامه بالسنة والمحافظة عليها، والإنكار على المخالف إلى الخروج عن الجماعة أو الطاعة، بل رفض كل المحاولات التي قام بها

стр. 69

أصحابها ليحملوه على الخروج على السلطان، بل وأكثر من هذا أنه كان يدعو للإمام -الذي يذيقه ألوان العذاب- لينصره الله على أعدائه من الكفار.

стр. 70

ثامنا: أهل السنة يوالون بالحق ويعادون بالحق ويحكمون بالحق: أهل السنة والجماعة ولاؤهم للحق وحده، ومن هذا المنطلق فإنهم ينظرون إلى كل فرد أو طائفة أو تجمع على هذا الأساس وحده، وليس على أساس من التعصب الجاهلي للقبيلة، أو المدينة أو المذهب، أو الطريقة، أو التجمع، أو الزعامة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك، مثل: أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف ... فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان ... ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره"١. وأهل السنة والجماعة لا يمتحنون الناس بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يتعصبون لأسماء أو شعارات، أو تجمعات، أو زعامات، بل يوالون ويعادون على أساس الدين والتقوى، ولا يتعصبون إلا لجماعة المسلمين بمعناها الشرعي، وهي الجماعة التي ترفع راية القرآن والسنة، وهدي السلف الصالح ﵃. قال شيخ الإسلام ﵀: "فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة، وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله، مثل: أن يقال للرجل:

стр. 71

أنت شكيلي أو قرفندي؟ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان"١. وقال ﵀: "فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه! ... وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ؟ "٢.

стр. 72

تاسعًا: أهل السنة أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أهل السنة والجماعة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هو من أعظم أصول الدين، ولكنهم يقومون به على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في نفس الوقت أصلًا آخر، وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف القلوب واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة"١. وقال ﵀: "من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة"٢.

стр. 73

فأهل السنة قد حملوا على عاتقهم مهمة مقاومة المنكر، وجهاد الدعاة إليه من المنافقين ومن آزرهم من الفاسقين، والعمل على إضعاف شأن أهل الريب والفساد، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . فهم -من بين سائر الناس- قد نذروا أنفسهم لمحاربة المنكرات وأهلها، وإنكارها، وبيان حرمتها وخطرها، وأمر الناس بضدها من الخير والبر والمعروف. وإذا كان الله قد علق خيرية هذه الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به ، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، كما أنه سبحانه قد امتدح المؤمنين بقيامهم بهذا الواجب العظيم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، إذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن أهل السنة والجماعة هم أصحاب القدح المعلى، والنصيب الأوفر في هذا الباب، إذ هم خير هذه الأمة وأفضلها. ومن اطلع على سيرة أئمة أهل السنة وتاريخهم ظهر له هذا الأمر واضحا جليا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك. ومن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر، وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونالهم في ذلك الأذى من السلطان١. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يخرج بتلاميذه، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدورون على الخمارات والحانات، فيكسرون أواني الخمور،

стр. 74

ويشققون الظروف، ويعزرون أهل الفواحش١. وقد قاموا بتأديب أهل الجبل المعروفين بالنصيرية، وألزموهم بأحكام الإسلام الظاهرة. كما كان له ﵀ ولأتباعه دور عظيم في دفع التتار عن الشام، وهزيمتهم في وقعة "شقحب" وغيرها٢، وله موقفه العظيم المعروف مع السلطان حين تأخر عن المجيء إلى دمشق مع اقتراب التتر منها٣. ولا يزال أعلام وأئمة أهل السنة على هذا الدرب سائرين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهو جهاد الدعوة الدائم، ودورها الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه.

стр. 75

عاشرًا: أهل السنة لا يتخلون عن واجب، ولا تزال طائفة منهم قائمة به إلى قيام الساعة: الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومن أعظم أصول الدين، وهو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تزال الطائفة المنصورة قائمة به، تقالت في سبيل نصرة اهذا الدين، لا تتخلى عن هذا الأمر، حتى يقاتل آخرها المسيح الدجال. وقد وردت هذه المعاني كلها عن رسول الله ﷺ . فمما ورد في استمرار الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ما رواه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ١، ورواه عروة بن أبي الجعد البارقي عن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم" ٢.
следующие страницы →