← Акыда

Акыда · id 11740

طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (521 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار"١. والناس بحسب بلوغ الدعوة، وقيام الحجة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: أهل القبلة: وهم الذين بلغتهم دعوة الرسول فآمنوا وشهدوا بالتوحيد، وماتوا على ذلك. قال النووي ﵀: "اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازما خاليا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا"٢. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣. وقال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار" ٤.

стр. 142

وأهل القبلة فيما جهلوه من أحكام التوحيد، ومقتضياته معذورون لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان قبل البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى"١. وقال الحافظ الذهبي ﵀: "فلا يأثم أحد إلا بعد العلم، وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبي ﷺ ، فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص، والله أعلم"٢. أهل الفترة: وهم كل من لم تبلغهم دعوة الرسل، ولم تقم عليهم الحجة، أو عاشوا بين موت رسول وبعثة رسول آخر، ولم تبلغهم دعوة الأول٣. فمن لم تبلغهم دعوة الرسول مطلقا، وماتوا على الشرك فهم معذورون في الدنيا بمعنى أن الله تعالى لا يعاجلهم بعذاب الاستئصال، ولا يتسلط عليهم المؤمنون

стр. 143

بالقتال، حتى تبلغهم الدعوة، فإن ماتوا على ما عاشوا عليه من عدم الإيمان فهم ممتحنون في الآخرة -على الراجح- بنار يؤمرون باقتحامها، فمن أطاع في الآخرة، فإنه من أهل الطاعة في الدنيا لو جاءته الرسالة، ومن عصى في الآخرة، فإنه من أهل الكفر في الدنيا لو جاءته الرسالة، وهذا الامتحان يكشف علم الله تعالى في كل بسبق السعادة أو الشقاوة، وهذا مذهب السلف وعامة أهل السنة، كما نقله ابن القيم ﵀ في كتابه طريق الهجرتين١، وأبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين. ولا يرد على هذا المذهب أن الآخرة دار جزاء لا عمل؛ لأن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار، وأما في البرزخ، وعرصات القيامة فلا ينقطع. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ، والتكليف باقتحام النار مع مشقته ممكن لا يمتنع، وقبل هذا وبعده فقد صح بهذا الخبر عن سيد البشر ﷺ ، فيما رواه الأسود بن سريع ﵁ -وقد تقدم قريبا- وفيه: "وأما الذي مات على فترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلاما" ٢. الكفار: وهم كل من سمع بدين الإسلام ونبيه ﷺ ، فلم يؤمن ظاهرا وباطنا، فكل من سمع بهذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يؤمن فهو كافر من أهل النار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا

стр. 144

يسمع بي أحد من هذه الآمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار" ١. قال ابن حزم ﵀: "فإنما أوجب النبي ﷺ الإيمان به على من سمع بأمره ﵇، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق والمغرب، وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره ﵇، ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به ... وأما من بلغه ذكر النبي ﷺ ، وما جاء به ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق"٢. ولو وجد من هؤلاء الكفار جهلة مقلدون لم يصلهم نور الإسلام، ولم يسمعوا به، فهؤلاء قد يعذرون في الآخرة، ولا يعذرون في الدنيا. قال ابن القيم ﵀: "اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرءوسهم وأئمتهم"٣.

стр. 145

المبحث الخامس: فضل علم التوحيد يقصد بفضل علم التوحيد مزيته وقدره الزائد على غيره من العلوم، وما ثبت في منزلته من فضيلة، وإذا كانت العلوم الشرعية كلها فاضلة لتعلقها بالوحي المطهر، فإن علم التوحيد في الذروة من هذ الفضل العميم، حيث حاز الشرف الكامل دون غيره من العلوم، وذلك يظهر بالنظر إلى جهات ثلاث: موضوعه، ومعلومه، والحاجة إليه. فضله من جهة موضوعه: - من المتقرر أن المتعلق يشرف بشرف المتعلق، فالتوحيد يتعلق بأشرف ذات، وأكمل موصوف، بالله الحي القيوم، المتفرد بصفات الجلال والجمال والكمال، ونعوت الكبرياء والعزة، لذا كان علم التوحيد أشرف العلوم موضوعا ومعلوما، وكيف لا يكون كذلك وموضوعه رب العالمين، وصفوة خلق الله أجمعين، ومآل العباد إما إلى جحيم أو إلى نعيم، ولأجل هذا سماه بعض السلف الفقه الأكبر. - وتحيق التوحيد هو أشرف الأعمال مطلقا، ففي الصحيح من حديثه ﷺ : "أفضل الأعمال عند الله: إيمان لا شك فيه" ١، أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" ٢. وهو موضوع دعوة رسل الله أجمعين، قال الإمام ابن القيم ﵀: "وجميع الرسل إنما دعوا إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا

стр. 146

لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ١. والله إنما أرسل، وأنزل الكتب لأجل إقامة التوحيد بين العبيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، وله خلق الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، أي: يوحدون ... ، فأهم ما على العبد معرفته هو التوحيد، وذلك قبل معرفة العبادات كلها حتى الصلاة". فضله من جهة معلومه: إن معلوم علم التوحيد هو مراد الله الشرعي، الدال عليه وحيه وكلامه، الجامع للعقائد الحقة، كالأحكام الاعتقادية المتعلقة بالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والبعث بعد الموت. ومراد الله تعالى يجمع أمورًا ثلاثة، وتترتب عليه أمور ثلاثة، فهو يجمع أن الله تعلا أراده وأحبه فأمر به، ويترتب على كونه أمر به أن يثيب فاعله، ويعاقب تاركه، وأن ينهى عن مخالفته؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالتوحيد نهي عن الشرك ولا بد. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، قال عمر: "قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة"٢.

стр. 147

فاجتمع لدى نزولها ثلاثة مناسبات لا تجتمع بعد ذلك أبدًا: عيد وعيد صرن مجتمعة ... وجه الحبيب ويوم العيد والجمعة فنزلت في عيد المسلمين الأسبوعي، وهو يوم الجمعة، الذي وافق عيد الحجاج، وهو يوم عرفة، وهو اليوم الذي حضره النبي ﷺ مع أمته حاجا، واجتمع بهم اجتماعه الأكبر والأخير. ومعلوم علم التوحيد هو الأحكام الاعتقادية المكتسبة من الأدلة المرضية، من كتاب ناطق وسنة ماضية. وقطب رحى القرآن العظيم من فاتحته إلى خاتمته في تقرير معلوم التوحيد، يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: "اعلم أن فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مسلم في كل صلاة مرات، ويفتتح به التالي لكتاب الله والمتعلم له، فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعا"١. "والتوحيد هو فاتحة القرآن العظيم وهو خاتمته، فهو فاتحة القرآن كما في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينً﴾ [الفاتحة: ٢] ، وهو في خاتمة القرآن العظيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] "٢. فالقرآن من فاتحته إلى خاتمته في تقرير التوحيد بأنواعه، أو في بيان حقوق التوحيد ومقتضياته ومكملاته، أو في البشارة بعاقبة الموحدين في الدنيا والآخرة، أو في النذارة بعقوبة المشركين والمعاندين في الدارين، ثم إن حياة النبي ﷺ ودعوته في بيان القرآن بيانا عمليا تحققت فيها معاني التوحيد، وحسمت فيه مواد الشرك على الوجه الأتم الأكمل.

стр. 148

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف"١. فضله من جهة الحاجة إليه: وأما فضل علم التوحيد باعتبار الحاجة إليه، فيظهر ذلك بالنظر إلى جملة أمور، منها: - أن الله تعالى طلبه، وأمر به كل مكلف، وأثنى على أهله، ومدح من توسل به إليه، ووعدهم أجرا عظيما. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . وقال : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] . وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] . وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ، وقال تقدست أسماؤه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم﴾ [آل عمران: ١٩٣-١٩٥] . وقال : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] . - ومنها أن عقيدة التوحيد هي الحق الذي أرسلت من أجله جميع الرسل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .

стр. 149

وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وهي حق الله على عباده كما في حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ١. وهي ملة أبينا إبراهيم ﵇ التي أمرنا الله باتباعها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣"، وهي أيضا دعوته ﵇، قال تعالى على لسانه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام﴾ [إبراهيم: ٣٥] . - ومنها أن الله تعالى جعل الإيمان شرطا لقبول العمل الصالح، وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] . وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فإذا جاء العبد بغير الإيمان فقد خسر جميع عمله الصالح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمرة: ٦٥] . - ومنها أن سعادة البشرية في الدنيا متوقفة على علم التوحيد، فحاجة العبد إليه فوق كل حاجة، وضرورته إليه فوق كل ضرورة، فلا راحة ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأفعاله من جهة صحيحة، صادقة ناصحة، وهي جهة الوحي.

стр. 150

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "حاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدًا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا"١. ولهذا سمي الله تعالى غير الموحد ميتًا حقيقة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢-٥٣] . فمقابلة الموتى بالسامعين تدل على أن الموتى هم المشركون والكافرون، وهذا تفسير جمهور السلف٢، وقيل المراد بالموتى: موتى الأبدان، فنفي السماع يعني نفي الاهتداء، فكما قيل: إن الميت يسمع ولا يمتثل، فهؤلاء الأحياء من الكفار حين يسمعون القرآن كالموتى حقيقة حين يسمعون، فلا يمتثلون ولا ينتفون. ومما يشهد لهذين المعنيين أن الله تعالى سمي ما أنزله على رسوله ﷺ روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا لتوقف الهداية عليه، وسماه شفاء؛ لأنه دواء للنفوس من عللها. قال شيخ الإسلام ﵀: "والرسالة روح العالم ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، فكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها، وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] ، فهذا وصف المؤمن كان ميتا في

стр. 151

ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات. وسمي الله تعالى الرسالة روحا، والروح إذا عدمت فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] "١، وما ذلك إلا؛ لأن أكبر معضلة في حياة البشرية على ظهر الأرض هي الإجابة على ما يسمى بأسئلة التصور: من خلقني؟ ولم خلقت؟ وإلى أي شيء أصير؟ ومن خلق الكون من حولي؟ وما علاقتي به؟ وإلى أي شيء سيصير؟ ولا بد من الإجابة على هذه الأسئلة بإجابة ما، صحيحة أو فاسدة، والصحيحة هي ما قدمه الوحي من إجابة متسقة مع الفطرة والعقل الصحيح، والفاسدة من مثل ما قاله إيليا أبو ماضي في ديوانه الجداول: أتيت ولا أدري من أين أتيت؟!! ووجدت قدامي طريقا فمشيت!!! من أين جئت وإلى أين أمضي لست أدري؟!! ولم لست أدري لست أدري!!! وما قاله عمر الخيام: لبست ثوب العمر لم أستشر ... وحرت فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ولم ... أدر لماذا جئت أين المفر؟

стр. 152

قال الله تعالى عن هؤلاء المحرومين: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] . يقول الشيخ عمر الأشقر حفظه الله: "إن معرفة الله والعلم به والتوجه إليه، هي نقطة البداية والصحيحة في المسيرة الإنسانية، والضلال عن الله والجهل به هو نقطة الضياع في الحياة الإنسانية، إن الإيمان بالله قاعدة يبنى عليها بناء هائل، وأصل لا يغني عنه غيره، فإذا قام البناء على غير هذه القاعدة كان بناء ضعيفا مختلًّا، وفي كثير من الأحيان يقتل من بناه، ويدمر من سكنه"١. فحياة الكافر والملحد في الدنيا حياة ضلال، واضطراب وتخبط، فهو في أمر مريج، ما يثبته اليوم ينقضه غدا، وما يطمئن إليه اليوم يتشكك فيه غدًا، وأما حياة المؤمن في الدنيا فطيبة صالحة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . قال بعض السلف: "ما طابت الدنيا إلا بتوحيده، وما طابت الآخرة إلا بجنته، والنظر إليه تعالى"٢. فالمؤمن في الدنيا ينعم باطمئنان نفسه، واستراحة عقله، وطهارة قلبه، وصلاح عمله، فإذا مات وصار إلى قبره كان في حياة طيبة في روضة من رياض الجنة، فإذا قامت القيامة وصار إلى الجنة دار الطيبين فقد كملت النعمة وتمت المنة.

стр. 153

المبحث السادس: استمداد علم التوحيد كل علم من العلوم يتوقف في وضع قواعده، والحكم في مسائله، وفهم حقيقة تلك المسائل على ما يستمده من غيره من العلوم والفنون، فهي بمثابة طرق ووسائل وأسباب ومصادر، وروافد تفيد في تقعيد قواعد ذلك العلم، وتعين على طلبه ودرسه، وتلزم له، ويتوقف عليها. وإذا كان علم التوحيد باعتباره لقبا على فن معين يعبر عنه بأنه "العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية". فإن علم التوحيد يستمد من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وذلك بمعرفة مناهج الاستنباط، وطرائق الاستدلال، واستخراج الأحكام عند أهل السنة، وهذا يلزم له إلمام بالعربية التي هي لسان الوحي، قرآنا وسنة، وبها نطق أهل العلم في الأمة من السلف الصالح، كما يلزم له إدامة نظر في كتب الشروح والتفسير المأثور للقرآن والحديث، مع بلوغ غاية من علم الأصول، إذ هو سبيل الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، العقدية والعملية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية. أنواع أدلة علم التوحيد: وأما أنواع أدلة علم التوحيد المرضية، فهذا ما سنفصل فيه القول لعظيم أهميتها، وذلك؛ لأن علم التوحيد أوثق العلوم الشرعية دليلا، وأصرحها برهانا، وأظهرها بيانا، تقوم دعائم دلائله على صحائح المنقول، والإجماع الصحيح المتلقى بالقبول، ثم صرائح وبراهين المعقول، والطفرة المستقيمة السالمة من الانحراف، وهذه إشارة إلى أنواع هذه الأدلة التي يؤيد بعضها بعضا.

стр. 154

أولا: صحائح المنقول: إن صحائح المنقول تشمل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، والعقيدة في الله تعالى من أهم ما بين الله في كتابه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ، وأهم ذلك العقيدة في الله وفي أنبيائه ورسالاته، والغيب وما يحويه. وعن السنة قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] ، وفي الحديث عنه ﷺ : "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ١. وبيان مسائل الاعتقاد من أول وأولى ما علمه النبي ﷺ للأمة في نصوص السنة، وهو ﷺ أنصح الأمة وأفصحها، وأحرصها على الأمانة البلاغ والرسالة، لهذا كانت نصوص السنة مع الكتاب هي معول السلف، ومعتمدهم في الاستدلال على مسائل الاعتقاد. قال شيخ الإسلام عن أهل السنة: "هم أهل الكتاب والسنة؛ لأنهم يؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ويتبعون آثاره ﷺ باطنًا وظاهرًا"٢. يقول الإمام البربهاري: "واعلم أنه من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم

стр. 155

فهو من المتكلفين، والحق ما جاء من عند الله ، والسنة ما سنه رسول الله ﷺ ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ستفترق أمتي"، وبين لنا رسول الله ﷺ الفرقة الناجية منها فقال: "ما أنا عليه وأصحابي" ١، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستقيم"٢. وأهل السنة لا يستدلون بالقرآن دون السنة، بل بالسنة والقرآن، ولا يكمل دين العبد إلا بالإيمان بما فيهما؛ لأنهما مما أوتيه الرسول ﷺ ، قال ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ٣، فهما في الاحتجاج والاستدلال سواء، لا يعزل أحدهما من أجل التحاكم إلى الآخر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] . يقول البربهاري: "وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم عنه ودعه"٤. ولا يعارض صحيح النقل -من أدلة علم العقيدة- بوهم الرأي وخطل القياس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكان من الأصول المتفق عليها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه

стр. 156

ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده ... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل، ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل، والنقل إما أن يفوض وإما يؤول! ... ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية تفسرها أو تنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه"١. وسنة النبي ﷺ يحتج بها مطلقا -بشرط الصحة-، لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام من حيث حجيتها ومجالها، ولا بين المتواتر والآحاد من حيث ثبوتها وقبولها. ثانيًا: الإجماع المتلقى بالقبول. والإجماع مصدر من مصادر الأدلة الاعتقادية؛ لأنه يستند في حقيقته إلى الوحي المعصوم من كتاب وسنة، وأكثر مسائل الاعتقاد محل إجماع بين الصحابة والسلف الصالح، ولا تجتمع الأمة في أمور العقيدة ولا غيرها على ضلالة وباطل. "فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة"٢، وعلى هذا فإجماع السلف الصالح في أمور الاعتقاد حجة شرعية ملزمة لمن جاء بعدهم، وهو إجماع معصوم، ولا تجوز مخالفته، "فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة"٣.

стр. 157

ثم يأتي في المرتبة الثانية بعد هذه الأصول الثلاثة المعصومة، مصدران آخران وهما: العقل السالم الصحيح، والفطرة المستقيمة السوية. ثالثا: صرائح المعقول: "العقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية، إلا أنه ليس مصدرًا مستقلا، بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد عل محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع"١، فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي، والوحي لا يلغي العقل. وقد رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] . والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وقال سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٥٣] . وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال، يقول ابن رشد الفيلسوف -وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته-: "لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من

стр. 158

الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء"١، والمقارنة بين طريقة الوحي وطرق الفلاسفة والمتكلمين في بحث أمور العقيدة هي مقارنة بين الصواب والخطأ، والصحيح والفاسد، والنافع والضار. يقول الرازي -بعد طول بحث: "ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن"، وقال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ... ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"٢. فميز الصحة المعقولات هي الموافقة للكتاب والسنة. قال؟؟؟ "وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما؟؟؟ لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوا على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم"٣. والعقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال، كإثبات وجود الله مع ثبوت ذلك في الفطرة أولًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مما يعلم بالعقل"٤.

стр. 159

أما مسائل العقيدة التفصيلية مما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ورسوله وأنبيائه، وما يجب لهم وما يستحيل، فما كانت العقول لتدركها لولا مجيء الوحي. قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني: "ولأن العقل لا مجال له في إدراك الدين بكماله، وبالعلم يدرك بكماله"١، ويقصد بالعلم الوحي. قال شيخ الإسلام ﵀: "لا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر، عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين"٢. وقال اللالكائي ﵀: "سياق ما يدل من كتاب الله ، وما روي عن رسول الله ﷺ ، على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل، قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ ، بلفظ خاص والمراد به العام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، وقال ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، فأخبر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد. وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة"٣.

стр. 160

ثم إن كثيرًا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها، والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها. "ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب، تنبيها للعقول على إمكان وجودها، فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض، وهي أعظم وأبلغ في القدرة، وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها"١. قال السفاريني ﵀: "لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، فكذا الملزوم"٢. وأخيرًا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، فالأول خلق الله تعالى والثاني أمره، ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] . قال شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"٣.

стр. 161

ولذا قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: "من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"١، وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا"٢. رابعا: الفطرة السوية: أما الفطرة فهي خلق الخليقة على قبول الإسلام والتهيؤ للتوحيد، أو هي الإسلام والدين القيم. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] . قال ابن كثير ﵀: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"٣. قال شيخ الإسلام: "فالحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية"٤. وقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ معناه: أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة. وفي الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هلى ترى فيها جدعاء؟ " ٥، فمعنى خلق

стр. 162

المولود على الفطرة هو: "أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه"١، والفطرة قبول الإسلام، فهي كالأرض الخصبة القابلة، والوحي كالغيث النازل من السماء، ما إن ينزل عليها حتى تهتز وتربو وتنتب من كل زوج بهيج. والفطرة السوية تقبل الإسلام، وتهتدي إلى وجود الخالق بما أودع الله الخلائق من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لا بد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره، وقلوب بني آدم مفطورة على قبول الإسلام، وإدراك الحق ولولا هذا الاستعداد ما أفاد النظر ولا البرهان، شأنها في ذلك شأن الأبدان، فطرها الله تعالى قابلة للانتفاع، والاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا هذا الاستعداد لما حصل انتفاع. والفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلا عن أن يشك ويخرج من ثوب اليقين والإذعان، "والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغير من الموجودات، كما قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] "٢. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى

стр. 163

يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة"١. ويقول: "إن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وإنه أشد رسوخا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة"٢. والفطرة تدل على اتصاف الخالق بالصفات العلي والكمال المطلق، فهي تدرك أن من يخلق لا يكون كمن لا يخلق قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . فالخالق لهذا الكون لا يستوي مع غيره، في صفاته وأفعاله وذاته، فهي تدرك علو الصفات، كما تدرك علو الذات، فإنه عارف مؤمن قط: يا الله، إلا وجد في نفسه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، لا يجادل في ذلك مجادل. والفطرة وإن غشيتها غاشية الإلحاد، تهتدي إلى تفرده تعالى بالألوهية يظهر ذلك في أوقات الشدة والمحنة، فإن القلب يفزع إلى خالقه، ويلجأ إلى بارئه، عند حلول الحوادث العظام والخطوب الجسام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] . "والإسلام بعقائده وأحكامه موافق للفطرة لا يعارضها، بل كلما كانت العقائد والأحكام بعيدة عن الإسلام، كانت معارضة للفطرة الصحيحة مضادة لها، ففي الفطرة محبة العدل وإيثاره، وبغض الظلم والنفار منه، واستقباح إرادة الشر لذاته، لكن تفاصيل ذلك إنما تعلم من جهة الرسل، فالطفل عند أول تمييزه إذا ضرب من خلفه

стр. 164

التفت لعلمه أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب، فإذا شعر به بكى، حتى يقتص له منه، فيسكن ويهدأ، فهذا إقرار في الفطرة بالخالق، وهو التوحيد، وبالعدل الذي هو شرعة الرب تعالى"١. والعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، فلا عذاب إلا بعد إرسال الرسل، وقطع العذر، وإقامة الحجة، وقالت المعتزلة في الآية: ﴿رَسُولًا﴾ أي: العقل، وهو تحريف للكلم عن مواضعه، بدلالة قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] . وهو سبحانه ما أهلك من قبلنا من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] . فإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟ فيقال: إن إثبات كون الفطرة هي الإسلام، لا يقتضي خلق علم ضروري في نفس الإنسان، يجعله عالما بالعقيدة وأصولها، ونواقضها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . كما أن الله تعالى تكرما منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] ، بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة

стр. 165

ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطر والعقول إجمالي لا تفصيلي، فالعقل لا يهتدي لكل كمالات الله تعالى، ولا يهتدي إلى كل ما يرضيه من الأقوال والأفعال، فلا بد له من وحي يهديه ويرشده، ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين، كما أن العقل والفطرة لا يدلان على عقوبة الآخرة لمن قصر في ذلك، فجاء الرسول ببيان ثواب التوحيد، وعقوبة الشرك في الدنيا والآخرة. قال ابن القيم ﵀: وكان الناس في لبس عظيم ... فجاءوا بالبيان فأظهروه وكان الناس في جهل عظيم ... فجاءوا باليقين فأذهبوه وكان الناس في كفر عظيم ... فجاءوا بالرشاد فأبطلوه وأخيرًا فإنه لا تعارض ولا تناقض -بحمد الله- بين فطر الخلائق على الإسلام وبين عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن الله تعالى: "وإن خلقه مولودا سليما، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك"١.

стр. 166

المبحث السابع: نسبة علم التوحيد نسبة العلم هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها، ونسبة أي علم إلى غيره من العلوم تتردى بين أربع نسب، هي: ١- الترادف: فتطلق الأسماء المختلفة على مسمى واحد وعلم محدد، فتختلف الأسماء وتتفق المسميات. ٢- التخالف: فتتباين الأسماء والمسميات، بحيث لو نسب أحد العلمين إلى الآخر، لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر. ٣- التداخل: كأن يكون أحد العلمين أعم من الآخر فأحدهما داخل بتمامه في الآخر، وهو العموم والخصوص المطلق. ٤- التقاطع: وهو العموم والخصوص الوجهي أو النسبي، بأن يكون كل من العلمين أعم من جهة، وأخص من جهة أخرى. وعلى ما سبق يمكن القول بأن علم التوحيد نسبته إلى سائر العلوم الشرعية هي التخالف والتباين، فهو فن مستقل بذاته، قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام، وهو منها بمنزلة الرأس من الجسد، ولذا مال بعض العلماء إلى التعبير عن نسبته إلى غيره من العلوم بأنه أصلها وما سواه فرع عنه، باعتبار أن علوم الإسلام تقوم أولا على معرفة الله تعالى وتوحيده، والتصديق ببعثة نبينا ﷺ وأمور الغيب، وهذا موضوع علم التوحيد. ولذا قال الإمام السفاريني في منظومته: وبعد فاعلم أن كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي

стр. 167

ولأجل هذا المعنى سماه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر، سبب هذه التسمية أن النصوص من كتاب وسنة تدور حول التوحيد في خمسة محاور لا سادس لها، فإما أن تكون في تقرير التوحيد في نوعه العلمي الخبري، أو في تقريره في نوعه الطلبي الإرادي، ودعوة الخلق لعبادته تعالى وحده، أو في مستلزمات التوحيد ومقتضياته، وحقوقه من الأحكام الفقهية العملية، أو في الجزاء على التوحيد من إكرام الله لعباده الموحدين، أو في بيان العقوبات والوعيد على مضادة التوحيد بالشرك والإلحاد، فصار التوحيد أصلا لغيره من العلوم حيث ارتبطت به واعتمدت عليه١.

стр. 168

المبحث الثامن: واضع علم التوحيد لا شك أن التوحيد جاءت به الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما علم التوحيد، فقد مر في وضعه وتدوينه بطورين: أولهما: طور الرواية "ما قبل التدوين"، والثاني: طور التدوين والاستقرار. وهذه لمحة عن كلتا المرحلتين. أولا: طور الرواية: لم يكن الرعيل الأول من الصحابة ﵃ بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله ﷺ الوحيين،" ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه من الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان"١، وكل ذلك رواه الصحابة عن النبي ﷺ لمن بعدهم، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلا عليها بكتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ ، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة، بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، سالمة نقية خالية من كل شوب، فكانوا" أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب، فالعربية طريقتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم.... علموا التنزيل وأسبابه، والتأويل وآدابه، وعاينوا الأنوار القرآنية، والأشعة المصطفوية، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب"٢.

стр. 169

لأجل هذا لم يكن الصحابة ﵃ بحاجة إلى تدوين علم التوحيد، أو تصنيف كتب فيه. ثانيا: طور التدوين: وبدأ هذا في حياة التابعين، وإن وقعت في زمنه ﷺ صور من الكتابة والتدوين، حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، إلخ ... ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث. ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع، واختلاف في العقدية، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني "ت: ٨٠هـ"، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء "ت: ١٣١هـ"، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرن في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لا بد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀ "ت: ١٥٠هـ"، وهو ثابت النسبة إليه، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة. حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات،

стр. 170

والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة. فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة، لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، "وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا أنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها"١. كما ثبت أن الإمام ابن وهب ﵀ "ت: ١٩٧هـ"، وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث، وإن كان دون تبويب. ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله٢ "ت: ٢٠٤هـ"، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، قال حاجي خليفة في كشف الظنون" ... لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء"٣. ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد، ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت: ٢٢٤هـ"، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسمل من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام ﵀، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة ﵀ "ت: ٢٣٥هـ"، والسنة للإمام أحمد ﵀ "ت: ٢٤٠هـ"، وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج

стр. 171

البغدادي ﵀ "ت: ٣٠٦هـ"، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀ "ت: ٣١١هـ"، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص. وأخيرًا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم -من الأشاعرة والماتريدية- أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري "ت: ٣٢٤هـ"، وأبو منصور الماتريدي "ت: ٣٣٣هـ"، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.

стр. 172

المبحث التاسع: غاية علم التوحيد ... المحثب التاسع: غاية علم التوحيد "الغرض والغاية والفائدة والثمرة من العلم بمعنى واحد، فكل ذلك اسم للمصلحة المترتبة على تعلم العلم، وإنما اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات، فكل منفعة ترتبت على فعل ما تسمى فائدة وثمرة، من حيث ترتبها عليه، وتسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته، وغرضا من حيث إن الفاعل فعل ذلك الفعل لأجل حصوله"١. وتظهر ثمرة دراسة علم التوحيد -على منهج أهل السنة والجماعة- من جهات وحيثيات كثيرة، إلا أنها تعود إلى أمرين أساسيين، الأول: باعتبار المكلف، والثاني باعتبار العلم نفسه وعلوم الإسلام الأخرى، وما يتعلق بالمكلف يعود إلى منفعة دنيوية وأخروية، والدنيوية ترجع إلى منفعة علمية وعملية، وتفصيل هذه المنافع على النحو التالي: أولًا: ثمرته بالنسبة للمكلف: ١- في حياته الدنيا: إن قيام المدنية، وازدهار الحضارة، وانتظام أمر الحياة، وطيب العيش، لمن ثمرات التوحيد المباركة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .

стр. 173

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . "إن الإيمان يثمر طمأنينة القلب وراحته، وقناعته بما رزق الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة، فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح"١. وفي الصحيح: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" ٢. وقال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: "وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قبلا وأسرهم، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت من الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"٣. وفصل الرازي القول في بيان حياة المؤمن الطيبة في الدنيا من خمسة وجوه، فقال: - إن المؤمن يعلم أن رزقه من تدبير ربه، وربه محسن له فيه، فهذا يدعوه إلى الرضا عن الله ورزقه.

стр. 174

- وإن المؤمن يعلم حقيقة الدنيا وسرعة تقلبها، فلا يخرج عند حلول كدرها؛ لأنه يعلم أن العيش عيش الآخرة. -والمؤمن مع رضاه وعدم جزعه مغمور بالسعادة في حياته؛ لأن غايته إرضاء ربه، فهو يلهج بهذه الكلمة: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي". - ثم إن لذات الدنيا زائلة خسيسة، وأعظم لذاتها الوقاع والطعام، وقد يحتقرهما الإنسان إذا تفكر فيهما. - فالمؤمن عندما تقبل عليه الدنيا لا يعانقها معانقة العاشق؛ لأنه يعلم زوالها، فيأخذ منها بقدر ما يتزود إلى الآخرة١. والمؤمن يتلذذ بلذات معنوية هي أعظم من كل اللذات الحسية، ولذا قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف"٢، وقال غيره: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"٣. قال شيخ الإسلام ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] : "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة"٤.

стр. 175

ومظاهر الحياة الطيبة التي خص الله بها عباده المؤمنين في الدنيا كثيرة نذكر منها: - ولاية الله : قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقال سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] . -محبة الله للمؤمنين ومحبة الخلق لهم: قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] . قال ابن كثير ﵀: "يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه"١. - مدافعة الله عن المؤمنين وإنجائه لهم ونصرهم على أعدائهم: قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] ، ولم يذكرها ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم وأتم.

стр. 176

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] . وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨] . -حصول نور البصيرة التي تفرق بين الحق والباطل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] . وهذا الفرقان فسره أهل العلم بالنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، فيفرق به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . - حصول العزة وتمام الكرامة والشرف: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . فالعزة في الإيمان، والذلة في الكفر والعصيان، فاللهم أعزنا بطاعتك والإيمان، ولا تذلنا بمعصيتك والكفران، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت. ٢- في قوته العلمية: وهي القوة التي يدرك الإنسان بها، ويفرق بين الحق والباطل، وتظهر ثمرة علم التوحيد العلمية من خلال الأمور التالية: - معرفة الله تعالى معرفة يقينية:

стр. 177

إن سلوك منهج أهل السنة في تعلم علم التوحيد يوصل العبد -ولا بد- إلى غاية المطالب، وأشرف المقاصد، وأول الواجبات، وهو معرفة الله تعالى بالتوحيد، وإفراده تعالى بالعبادة، والبراءة من الشرك، وكلما ازداد العبد علما بالتوحيد، ازداد رقيا في مدارج الإيمان ومعارج اليقين، وارتقى من الإيمان المجمل إلى الإيمان المفصل، ومن حال التقليد إلى حال اليقين والإذعان، والتصديق عن حجة وبرهان، بحيث يكون اعتقاد الإنسان في ربه ذاتا وصفات، وأفعالًا مطابقا للواقع عن دليل صحيح، وهذا أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال ﷺ : "إيمان بالله ورسوله" ١. والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته سبيل لرفع الدرجات وحصول البركات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، وهذا العلم الصحيح هو الذي يحل عقدة الأسئلة الكبرى التي ضلت البشرية في الاهتداء إلى جوابها، فتاهت في دروب الإلحاد، وعبادة الشجر، والحجر، والتثليث، وعبادة الهوى من دون الله تعالى، ففي القلب خلة لا يسدها إلا الاعتقاد الحق، وحاجة لا تنقضي إلا بمعرفة الرب. كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت بك مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي - انشراح الصدر وطمأنينة القلب: وهذا الأمر ثمرة حصول المعرفة الصحيحة بالله تعالى، والإجابة على أسئلة الفطرة حول الكون والحياة، فنفس لا إيمان فيها مضطربة، قلقة، تائهة خائفة، فأما

стр. 178

اضطرابها؛ فلأنها كالسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية، تتلقى عن كثيرين -غير الله تعالى- مناهجها عقائدها فتضطرب مرجعيتها، ويختلف سبيلها، وتتناقض مسيرتها، وأما النفس المؤمنة الموحدة، فقد اتحد مصر ورودها، وصدورها في كل أمر، فهي تتلقى من الله وعن الله، وهي تسير إلى الله. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] . فإذا تعددت الأسياد على المملوك، فقد شقي حاله، واضطرب أمره. وفي النفس قلق على المستقبل وطلب لاستجلاء الغيوب، ولا يزيل هذ القلق كالإيمان بخيرية الذات، وخيرية العمل، وخيرية المآل والمصير، فالمؤمن الموحد ينظر إلى الغيب بعين التفاؤل والرضا عن الله تعالى في قضائه وقدره، فيسكب في النفس برد اليقين، ومشاعر الأمن والاطمئنان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] ، فمن أراد الله له الهداية وانشراح الصدر هداه إلى الإسلام أولا، ثم إلى سلامة العقيدة من شوائب البدع ثانيا. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . - حصول برد اليقين واستقرار الفكر. قال شيخ الإسلام: "والمقصود أن ما عند عوام المؤمنين، وعلمائهم أهل السنة والجماعة، من المعرفة واليقين، والطمأنينة، والجزم الحق، والقول الثابت، والقطع بما هم عليه، أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل الدين"١.

стр. 179

"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين ... أما أهل السنة والحديث، فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح من عامتهم، رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذل، وإن امتحنوا بانناع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقديم كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة ... وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة"١. وقال أيضًا ﵀: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي٢ أنه قال: أبيت بالليل وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي، وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح ما ترجع عند شيء"٣. وقال ابن أبي الحديد المعتزلي -يصف حاله وحال إخوانه من المتكلمين-: فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر فلحي الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر أين هذه الحيرة والاضطراب في الظلمات، ممن التزم المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فهو على نور من ربه، وما أروع ما سطره يراع ابن القيم في شرح قوله تعالى:

стр. 180

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] ، حيث قال: "النور على النور: نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع، والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل ألبتة، بل يتصادقان ويتوافقان"١. - النجاة من الانحراف عن الصراط المستقيم: وذلك؛ لأن الاعتقاد الصحيح هو سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، والانحراف عن سبي الله هو اتباع السبل والطرق المخالفة لما أمر الله به في الأصول والفروع. قال أبو العالية الرياحي: "تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين أهلها العداوة والبغضاء، فرددها مرارًا"٢. وقال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى"٣.
следующие страницы →