← Акыда

Акыда · id 11740

طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (521 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣- الإيمان: معناه في اللغة: قال ابن فارس: "للهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق، والمعنيان متدانيان ... وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] ، أي مصدق لنا"١. وقال الأزهري: "وأما الإيمان: فهو مصدر آمن إيمانا فهو مؤمن، واتفق أهل العلم من اللغويين أن الإيمان معناه التصديق.."٢. معناه شرعًا: وأما الإيمان في خطاب الوحي فيطلق على الاعتقاد القلبي، والإقرار اللفظي، والعمل الحسي، امتثالًا للأوامر، واجتنابا للمناهي٣. وهذا التعريف الاصطلاحي للإيمان مأخوذ من تعريف النبي ﷺ للإيمان في حديث جبريل عليه السلام٤، وفيه: "فأخبرني عن الأيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وحديث وفد بني عبد القيس٥، وفيه: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"، حيث عرف الإيمان في الحديث الأول بالاعتقادات الباطنة، وفي الحديث الثاني بالأعمال الظاهرة، ثم صار الإيمان يطلق

стр. 107

ويراد به مسائل الاعتقاد كلها. وصنف السلف كتبا باسم الإيمان بحثت قضايا التوحيد ومسائل الاعتقاد جميعا، ومن أولها: - "كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته"، للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي ﵀. - "كتاب الإيمان" للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي ﵀. - "كتاب الإيمان" للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀. ٤- السنة: معناها في اللغة: سبق أن السنة في اللغة تطلق على الطريقة المسلوكة، محمودة كانت أو مذمومة، كما تطلق على العادة الثابتة المستقرة، وعلى غير ذلك. معناه في الاصطلاح: والسنة اصطلاحا لها معان كثيرة بحسب العلم الذي نذكر فيه، ويعنينا هنا معناها عند علماء العقيدة والتوحيد، وفي معناها عندهم قال ابن رجب ﵀: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم"١. وهذا الإطلاق للسنة على العقيدة من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، فإن الاعتصام بالسنة من أهم أصول أهل السنة، على أن وصف العقيدة بالسنة كان معروفا زمن الصحابة ﵃، ويدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق

стр. 108

وإن ضربت فيه عنقه"١، وهذا لا يكون إلا فيمن خالف في الاعتقاد مخالفة عظيمة. وبناء على ذلك، فقد أطلق اسم السنة على عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا بالإضافة إلى أن السنة لغة هي الطريقة، فأطلقت على عقيدة السلف لاتباعهم طريقة النبي ﷺ والصحابة في الاعتقاد خاصة، واستفاض ذلك المصطلح في الناس حتى إذا قيل: فلان صاحب سنة، كان معناه أنه على معتقد سلفي. وقد عرفت كتب الاعتقاد باسم كتب السنة، وساد ذلك في القرن الثالث الهجري، في عصر الإمام أحمد ﵀، حيث أظهر أهل البدع بدعهم وجاهروا بها تصنيفا ومناظرة، فألف أهل السنة في الرد عليهم كتبا أسموها كتب السنة، وذلك؛ لأنهم لم يكن لهم اسم يتسمون به خصوصا بخلاف أهل الابتداع، فاعتصموا بالسنة والآثار، وجعلوا ذلك حرزًا من الضلال. ومن تلك الكتب: - "السنة" للإمام أحمد ﵀. - "السنة" لأبي بكر بن الأثرم ﵀. - "السنة" لابن أبي عاصم ﵀. ٥- أصول الدين: وهذا المصطلح مركب من مضاف ومضاف إليه، ويعرف باعتبار مفرديه أولا. فالأصل في اللغة: "ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرغ عنه غيره"٢. وفي الاصطلاح يطلق على معان متعددة، والمختار منها مما يناسب هذا الموضوع

стр. 109

أن الأصول بمعنى "القواعد والأسس العامة"١. والدين يطلق في اللغة على الذل والخضوع، كما يطلق على الحساب والجزاء٢، واصطلاحًا: هو "جملة الأحكام الاعتقادية التي تحدد ما ينبغي أن يتصف به الله من صفات، وجملة الأحكام العملية التي ترسم طريق عبوديته سبحانه"٣. والمعنى المستفاد من هذا التركيب، أن أصول الدين هي المبادئ العامة، والقواعد الكلية الكبرى، التي بها تتحقق طاعة الله والرسول. فأصول الدين بهذا الاعتبار تشمل أركان الإسلام من الأعمال الظاهرة، وأركان الإيمان من الاعتقادات الباطنة، ثم غلب على العلماء المصنفين في الاعتقاد استعمال هذا الاصطلاح في قضايا التوحيد والعقيدة، وعللت هذه التسمية بأن بحوث علم الاعتقاد أصل لما يتلوها من علوم الدين الأخرى كالفقه والحديث، ومن جهة أخرى، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا. قال الشهرستاني: "قال بعض المتكلمين: الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول، ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه"٤.

стр. 110

وقد اعترض شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن يكون مصطلح أصول الدين قاصرا على العقائد دون مسائل العمل الكبار، كالصالة والصيام والزكاة والحج، أو أن يدخل فيه مسائل العقائد المختلف فيها داخل دائرة أهل السنة، نحو: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج أم لا؟ وهل يسمع الميت كلام الحي أم لا؟ ونحو هذا١. وقد يعترض أيضًا على هذه التسمية لعلم التوحيد بأنها لا تكشف عن طبيعة هذا العلم الذاتية، وخصائصه التي يمتاز بها، حيث لوحظ فيها ما يقابله من فروع الدين فحسب. ومهما يكن من أمر، فإن عمل العلماء سلفا وخلفا جرى على اعتماد هذه التسمية حين ألفوا، وصنفوا في هذا العلم المبارك، ومن أمثلة ذلك: ١- "الشرح والإبانة عن أصولالسنة والديانة" لأبي عبد الله بن بطة العكبري الحنبلي ﵀. ٢- "الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري ﵀. ٦- الشريعة: معناها في اللغة: قال ابن منظور: "وهي لغة: من الشرع وهو السن والبيان والمورد والطريق"٢، وقال ابن فارس: "والشريعة: مورد الشاربة من الماء"٣. معناها في الاصطلاح: قد تطلق الشريعة على ما شرعه الله تعالى لجميع رسله من أصول الاعتقاد والبر

стр. 111

والطاعة مما لا يختلف من دعوة لأخرى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وقال التهانوي في معناها الاصطلاحي: "الشريعة: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، سواء أكانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم الكلام١ ... ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة، فإن تلك الأحكام من حيث إنها تطاع دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعة شرع، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات"٢. ثم أطلقت الشريعة أخيرًا وبإطلاق أخص -كما قال ابن تيمية ﵀ على: "العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ... إلخ"٣. والشريعة هنا كالسنة، فقد يراد بها ما سنه الله وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما. وقد ألف بعض العلماء كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم الشريعة، ومن أولها: - "الشريعة" لأبي بكر الآجري ﵀. - "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" لابن بطة الحنبلي ﵀.

стр. 112

٧- الفقه الأكبر: أطلق الفقه في الاصطلاح الأقدم على ما هو أعم من علم الفروع، بحيث يشمل الأصول والفروع، وعن هذا المعنى عبر الإمام أبو حنيفة ﵀ حين قال: "الفقه: معرفة النفس مالها وما عليها"، وذلك من كل ما تنتفع به وتتضرر في الآخرة، من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ونحو ذلك، ثم لما أراد أبو حنيفة ﵀ تمييز الاعتقادات عن غيرها، جاء بهذا الاصطلاح الذي لم يسبق إليه في التعبير عن التوحيد فسماه الفقه الأكبر، تمييزا له عن الأصغر وهو فقه الفروع. وفي تعليل هذه التسمية يقول عبد العزيز الحنفي: "سمي بالفقه الأكبر؛ لأنه أكبر بالنسبة للأحكام العملية الفرعية التي تسمى الفقه الأصغر؛ ولأن شرف العلم وعظمته بحسب المعلوم، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته الذي يبحث فيه هذا العلم، لذلك سمي الفقه الأكبر"١. وقال أبو حنيفة: "الفقه الأكبر في الدين أفضل من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه، خير له من أن يجمع العلم الكثير"٢. التطور التاريخي لتدوين علم التوحيد: لعله من المناسب قبل مغادرة هذه النقطة تلخيص ما سبق، وإلقاء أضواء على التطور التاريخي لظهور هذه المصطلحات. فلا ريب أن مصطلحي الإيمان والفقه الأكبر قد ظهرا في القرن الثاني وبرزا، واستمر مصطلح الإيمان في الذيوع خلال القرن الثالث حيث برز مصطلح السنة،

стр. 113

وظهرت الكتب الاعتقادية التي حملت اسم السنة، وتوالي التصنيف في القرن الرابع بهذه الأسماء الاصطلاحية، ثم ظهر في القرن الرابع أربعة مصطلحات شاعت وذاعت، وهي: التوحيد، الشريعة، أصول الدين، العقيدة، وإن كان مصطلح العقيدة قد ظهر أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الهجري، كما يبدو هذا من كتاب الإمام اللالكائي ﵀ "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكذا فعل الإمام أبو عثمان الصابوني ﵀ في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، وتتابع بعد ذلك المصنفون على استعمال هذا المصطلح. ثانيا: أسماء علم التوحيد عند الفرق الإسلامية ١- علم الكلام: وهذا هو أشهر الإطلاقات عند سائر الفرق الإسلامية من أشاعرة، ومعتزلة وغيرهم في القديم والحديث. ففي القديم يقول الغزالي ﵀: "إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي"١. وحديثا يقول الشيخ محمد عبده: "علم الكلام: هو علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن تثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم"٢.

стр. 114

أسباب تسمية علم التوحيد بعلم الكلام: يعلّل المتكلمون تسميتهم للتوحيد بعلم الكلام بعلل شتى نذكر منها ما يلي: ١- يقول الشهرستاني: "سمي باسم الكلام، إما؛ لأن أظهر مسألة تكلموا فيها، وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها ... "١. ٢- "أطلق علم الكلام على التوحيد؛ لأن أصحابه كانوا يترجمون لمسائله بقولهم: "الكلام في القدرة، الكلام في العلم، الكلام في الوحدانية، فشاع الكلام على هذا العلم وغلب عليه، فالتسمية من باب الشيوع والذيوع والغلبة"٢، كما فعل الأشعري في كتابه "الإبانة"، والقاضي عبد الجبار في كتابه "المغني في أبواب التوحيد والعدل". ٣- "وقد يكون سبب التسمية أنه أكثر من غيره خلافا، ونزاعا بين الخائضين فيه بعقولهم، فهو مفتقر إلى الكلام أكثر من غيره لتحقيقه، وللرد على المخالف فيه"٣. ٤- ويرى التفتازاني أنه سمي بذلك، لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيدة في كثير من الأحيان بالأدلة النقلية، "فكان أشد العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلا فيه، فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح"٤. ٥- ويرى آخرون أنه سمي بذلك؛ لأنه يكسب المتكلم قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصوم٥. هذا هو حاصل ما قالوه تعليلا لهذه التسمية، ويرى أهل السنة هذه التسمية لهذا

стр. 115

العلم المبارك تسمية مبتدعة، وهي تنطبق على غير علم التوحيد الذي جاء به المرسلون، فإنه ليس من الكلام في شيء لا اسما ولا معنى، ولا مقصدا ولا غاية ولا استمدادًا. وأهل السنة -المتبعون لمنهج الصحابة في الاعتقاد- لا يعتبرون الكلام وتعلمه علما، بل يعدونه جهلا، فإن أبا يوسف تليمذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال لبشر المريسي: "العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسا في الكلام، قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة"١، ذلك أن الجدال في الأمور الإلهية بمجرد العقل المحض بعيدا عن الوحي هو جهل يؤدي إلى الضلال وقد قال شيخ الإسلام: "إن الجدال في علم العقائد يسمى كلاما"٢. وأهل السنة يذكرون أسبابا أخرى لهذه التسمية المحدثة لعلم التوحيد منها: ١- "أنه سمي كذلك؛ لأن المشتغلين به تكلموا فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، مثل الكلام في ذاته تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتأويل المتشابه، والبحث في القدر، ونحو ذلك مما وردت الآثار بالنهي عنه والتحذير منه، لأجل هذا سمي البحث في المسائل التي سكت عنها المتقدمون كلاما، وسمي أهله بالمتكلمين، حيث تكلموا فيما كان ينبغي فيه الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين ﵃"٣. ٢- وقد لاحظ بعض العلماء ما بين علماء الكلام، وعلماء الفلسفة من نسبة وشبه، فقالوا: لما أنشأ الفلاسفة المنطق ليكون لهم طريقا في تبيين طرق الاستدلال في العلوم النظرية، فقد شابههم أهل الكلام في إنشاء هذا العلم ليبين لهم طريق الاستدلال مسائل أصول الدين.

стр. 116

قال الشهرستاني الأشعري في سبب التسمية: "إنه سمي بهذا الاسم لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان"١. ٣- وقال شارح الطحاوية: "إنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لا يفيدوا علما لم يكن معروفا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد"٢. ومع أنهم كانوا كما قال شارح الطحاوية، بل وقد جاءوا بما يضر من الكلام، فإنهم يفخرون بعد ذلك بالكلام وصنعته، يقول يحيى بن عدي مشيرا إلى طائفة من المتكلمين: "إني لأعجب كثيرا من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس، قولهم: نحن المتكلمون، نحن أرباب الكلام، والكلام بنا صح وانتشر، كأن سائر الناس لا يتكلمون، أو ليسوا أهل كلام، لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت"٣. ٤- وأخيرًا لعله من أهم أسباب التسمية بعلم الكلام أنه ليس تحته، أو من ورائه عمل نافع، قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "الكلام في الدين أكرهه، لم يزل أهل بلدنا يكرهونه، وينهون عنه..، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما تحته عمل"٤. ثم إن علماء الإسلام الثقات، وأحبار العلم الكبار، من مثل: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، قد زجروا عن علم الكلام وبالغوا في النهي عنه، فقال الشافعي ﵀: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام"٥.

стр. 117

وقال أحمد بن حنبل ﵀: "لا يفلح صاحب كلام، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دخل"، وقال أيضا: "علماء الكلام زنادقة"١. وقال الإمام مالك لرجل جعل يسأله عن القرآن: "لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد؟ لعن الله عمرا، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل"٢. وقال الإمام البربهاري: "واعلم أنه لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين إلا في الكلام، وأهل الكلام، والجدل، والخصومة، والمراء، والعجب"٣. ولعله قد يرد هنا اعتراض حاصله: إذا كانت تسمية علم التوحيد بعلم الكلام ممنوعة مذمومة، فكيف عبر بعض أهل السنة عن علم التوحيد بعلم الكلام، كما فعل ذلك الإمام السفاريني ﵀ في شرح عقيدته الأثرية، الموسومة بلوامع الأنوار البهية، وسواطع الأسرار الأثرية في شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية؟! والجواب عن ذلك هو: إذا كان علم الكلام هو: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية أو المرضية، أو كان علما بأمور يقتدر معها على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها، ودفع الشبه عنها، فإن هذا المعنى الاصطلاحي -دون التسمية- يمكن قبوله عند أهل السنة والجماعة، والاعتداد به بشروط، منها: - أن تكون الأدلة التي وصفت بكونها يقينية، ومرضية هي صحائح المنقول من كل كتاب ناطق، وسنة ماضية، وإجماع منعقد مقبول، وصرائح المعقول، وفطرة سوية.

стр. 118

- وأن يكون منهج تقرير المسائل الاعتقادية، ورد قوادح الأدلة الخلافية، متفقا وقواعد النظر والاستدلال عند أهل السنة، من مثل: الإيمان بجميع النصوص الصحيحة مع التعظيم والتوقير، ودرء كل ما ظاهره التعارض بين أدلة المنقول وأدلة المعقول، ورد النزاع إلى الكتاب والسنة عمومًا، واعتماد فهم الصحابة والسلف الصالح، ونحو ذلك. ثم يبقى -بعد تصحيح المنهج- أن استعمال هذه التسمية فيها نوع مسامحة ممن قالها أو كتبها من أهل السنة، وهي خلاف الصحيح والمعتمد عند أهل الحق من أسماء هذا العلم الشريف: ومن ذلك قول القائل: أيها المغتدي ليطلب علمًا ... كل علم عبد لعلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكما ... ثم أغفلت منزل الأحكام١ فهذا على اعتبار المسامحة في هذا الاصطلاح، وإلا فقد عارضه الآخر مصححا فقال: أيها المغتدي ليطلب علمًا ... كل علم عبد لعلم الرسول تطلب الفرع كي تصحح أصلا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول٢ وقد أزال الإمام السفاريني هذ اللبس بنفسه فقال: "فإن قلت: إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت، والمكانة التي عنها برهنت، فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه، والتنقيب عما يحتويه؟ ثم إنك أتيت ما عنه نهيت، وحررت ما عنه نفرت، وهل هذا في

стр. 119

بادي الرأي إلا مدافعة، وجمع للشيئين اللذين بينهما تمام الممانعة؟ قلت: إن ما ذهب إليه وهلك من التمانع لممتنع، وما سنح في خلدك من التدافع لمندفع، بل العلم الذي نهينا عنه، غير الذي ألفنا فيه، والكلام الذي حذرنا منه، غير الذي صنف فيه كل إمام حافظ وفقيه، فعلم الكلام الذي نهى عنه أئمة الإسلام هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل، والألحاد والأباطيل، وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظارهة، والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة دون علم السلف ومذهب الأثر، وما جاء في الذكر الحيكم وصحيح الخبر"١. وخلاصة الموقف من هذه التسمية ما قاله شيخ الإسلام: "إن السلف لم يذموا جنس الكلام أو الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، ولا ذموا كلاما هو حق، كما أنهم لم يذموا الكلام لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة والعقل"٢، فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه"٣. ٢- الفلسفة: جاء في المعجم الفلسفي: "الفلسفة الأولى: مصطلح قال به أرسطو، وأطلقه على دراسة الموجودات الأزلية المفارقة، وهي ما سمي فيما بعد بالميتاقيزيقا، وتسمى أيضا الإلهيات.. وأطلق أخيرا على دراسة ما يتصل بمشكلة المعرفة والوجود والألوهية"٤.

стр. 120

فالفلسفة إعمال العقل في أي مجال وكل مجال بلا أي منطلقات ابقة من دين أو وحي، للوصول إلى الحقائق الأزلية -بزعمهم-، فهي محولة إدراك الفاني القاصر للأول والآخر -سبحانه-، وبالتالي فهي محاولة محكومة بالفشل، مقضي عليها بالخسار والبوار قبل أن تبدأ، إذ الفلسفة تنتهي حتما إلى التعقيد والتخليط والجفاف كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة. ولقد دخل من سمي بفلاسفة المسلمين في جحيم الفلسفة، فما خرجوا منها إلا إلى نار الجحيم -عياذًا بالله-، فأنكروا البعث والمعاد، وقالوا بقدم العالم، وجاءوا بالكفريات. قال الغزالي ﵀: "وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم، ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلًا يجب إكفارهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر، وقد أبطالناها جميعا في كتابنا المسمى تهافت الفلاسفة، فأما الثلاثة: فقولهم بأن الأجسام لا تحشر، وأن الله لا يعلم الجزئيات، بل الكليات فقط، وأن العالم قديم ... ثم قال: وجب الحكم بكفر أرستطاليس ومن قبله من الفلاسفة كأفلاطون وسقراط وغيرهم، وكفر متبعيهم من متفلسفة الإسلاميين كابن سينا، والفارابي، وأمثالهم"١. بين الفلسفة وعلم الكلام: إن الكلام يتعلق بدين بعينه، ولكن الفلسفة تبحث عنالحقائق والأصول بتجرد من كل دين ومذهب، ومن حيث المنهج فإن علم الكلام يبدأ من مسلمات عقدية يفترض صحتها، أي أن المتكلم يبدأ من قاعدة يعترف بها، ثم يبدأ في التماس الطريق العقلية المؤدية لإثباتها، وهذا بخلاف الفيلسوف الذي يتشكك في البدهيات، ويماري

стр. 121

في الأوليات، حتى يثبتها عقله أولا، ثم يتدرج منها إلى النتائج، مستخدما منهجا عقليا صرفا، فالمتكلم يبدأ بذكر الأدلة على وجود الله، والفيلسوف يبدأ بإنكار وجود الله، والعياذ بالله. والحاصل أن تسمية علم التوحيد بالفلسفة هو تسمية للإيمان بضده، وللنور والهدى واليقين بالظلمة والضلال والشك، والعلماء متفقون على حرمة تعلم الفلسفة، متفقون على ذمها وذم من دخل فيها من علماء الكلام سواء في ذلك أهل السنة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية. قال التفتازاني الماتريدي: "ولا يصدنك عن آيات الله ودين الإسلام، ولا يصرفنك عن اتباع هؤلاء الأنبياء خوض بعض المتفلسفين في زي الفقهاء في هذه الزنادقة الهادمة لدين الإسلام، وملة الأنبياء، فإنه انسلخ من الدين فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وصار من أئمة الكفرة في صورة علماء المسلمين"١. وقال السنوسي الأشعري: "فليحذر المبتدئ جهده أن يأخذ أصول دينه من الكبت التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل ما هو كفر صريح من عقائدهم، التي ستروا نجاساتها باصطلاحاتهم، وعبارات مبهمة على كثير من الناس، ككتب الرازي في فن الكلام، وطوالع البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبة كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه"٢. قال الذهبي ﵀ في ترجمة ابن حزم ﵀: "وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك"٣.

стр. 122

وأخيرا فإن طائفة من علماء الكلام الفحول الذين دخلوا في علم الكلام المشحون بالفلسفة قد رجعوا عن الكلام ومسالكه، وتابوا إلى الله من الفلسفة وأوضارها في ملحات العمر الأخيرة، كما فعل أبو الحسن الأشعري، حيث قال ﵀: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما قال به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مجانبون"١. وهذا الإمام الجويني ﵀ يقول في آخر عمره: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به"٢، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل للجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز أهل نيسابور"٣. وقال الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم٤

стр. 123

وقال الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ... ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"١. ثم اعتذر عما دخل فيه بكلام طويل قال في آخره: "وأقول: ديني متابعة الرسول ﷺ ، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما، ... وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات، فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف السيئ، فإني ما أردت إلا تكثير البحث وشحذ الخاطر ... "٢. وقال الغزالي: "الدليل على أن مذهب السلف هو الحق، أن نقيضه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة"٣. وقال أيضا: "إن الصحابة ﵃ كانوا محتاجين لمحاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد ﷺ ، فما زادوا على أدلة القرآن شيئا، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات، كل ذلك لعلمهم، بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقمعه إلا السيف والسنان، فما بعد بيان الله بيان"٤، وصدق الله تعالى وغفر له. وقال الآمدي: "أمعنت النظر في الكلام، وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام"٥.

стр. 124

وهذا الشوكاني يذكر انكبابه في عنفوان شبابه على مؤلفات طوائف المتكلمين، ثم قال: "ورمت الرجوع بفائدة، والعودة بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة"١. وقال المرعشي: "وأقول كما هجر الغزالي الكلام، كذلك هجرته وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وأسأل الله ألا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغال بالكلام وتأليفي فيه "نشر الطوالع"٢، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار، ولئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك"٣. ونقل المرعشي قول أحد المتكلمين في حاشيته لشرح العقائد: "الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة، ومرتكبي الكبائر، ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم"، ثم علق عليه فقال: يقول الفقير: "أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال به، فنسأل الله يقيلنا عثراتنا"٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان، لكان شيئا كثيرًا، وما لم يبلغني عن حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر، وذلك؛ لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله، فمن أعرض عنه لم يكن مهتديا فكيف بمن عارضه بما يناقضه، وقدم مناقضه عليه"٥.

стр. 125

وأخيرًا أقول: إن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وذكر هذه الأخبار عن علماء أهل الإسلام يدل على كمالهم وحسن مقصدهم، غفر الله لهم جميعا، قال الذهبي ﵀ بعد أن ذكر الغلاة في الطوائف الإسلامية من أهل القبلة: " ... قد ماجت به الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع، والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن"١. وقال أيضا في حق الإمام أبي حامد الغزالي ﵀: "ولوا أن أبا حامد من كبار الأذكياء وخيار المخلصين، لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتهم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له، وينجو إن شاء الله"٢.

стр. 126

المبحث الثالث: موضوع علم التوحيد إن موضوع أي علم هو ذلك المعنى العام الذي يشتمل على مسائله التي يتخذها دائرة لبحثه دون غيره من العلوم، وذكر موضوع العلم بعد تعريفه مما يزيده تحديدًا وتمييزًا عن غيره، كما يشير إلى طبيعة منهج البحث فيه؛ لأن مناهج العلوم، وإنما توضع ملائمة لطبيعة موضوعاتها. وفي تعريف موضوع العلم اصطلاحًا، قال ابن النجار الحنبلي ﵀: "هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية"١، أي الأحوال التي منشؤها ذات الشيء محل البحث، فالمقصود الأحوال التي منشؤها ذات العلم. فإذا قيل: إن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، فإن موضوعه يبحث عما يعرض لهذا البدن من أحوال الصحة والمرض، وإذا قيل: إن موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين، فإنه يبحث عما يعرض لهذه الأفعال من الأحكام، كالوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة، والصحة، والفساد. وموضوع علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة يدور على أمور منها: بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال، "مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك"، والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار، وما يتعلق باليوم الآخر" والقضاء والقدر، كما يدور على بيان ضد التوحيد وهو الشرك والكفر، وبيان حقيقتيهما وأنواعهما.

стр. 127

وقد يقال: إن موضوع علم التوحيد يدور على محاور ثلاثة، وذلك على النحو التالي: ١- ذات الله تعالى أو "الإلهيات": والبحث في ذات الله تعالى من حيثيات ثلاث، هي: ١- ما يتصف به تعالى من العلم والحياة والقدرة والصفات، وسائر صفاته وكمالاته تعالى. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ٢- ما يتنزه عنه من الظلم والنقص والعجز والمثالب، وسائر ما لا يليق بجلاله وكماله. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ٣- حقه على عباده، وهو أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا، وأن يطيعوه فلا يعصوه أبدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . وقد أغفل كثير من المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد هذه الحيثية الثالثة عند البحث في موضوع علم التوحيد، حيث قصروه على ما يشمل إثبات وجوده تعالى وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأغفلوا ما يشمل ألوهيته وعبادته، وسبب ذلك أنهم قصروا الإيمان على التصديق، وأخرجوا عنه العمل بالطاعات، واجتناب الشركيات، وجعلوا الكفر مجرد التكذيب والجحود بالقلب، ولا دخل لعمل الجوارح في الكفر، إلا إذا دل على انتقاض عمل القلب فحسب، ولذا قال قائلهم في جوهرة التوحيد: ومن بمعلوم ضرورة جحد ... من ديننا يقتل كفرا ليس حد ومثل هذا من نفي لمجمع ... أو استباح كالزنا فلتسمع

стр. 128

يقول فضيلة الشيخ الدكتور محمد خليل هراس ﵀: "قال الشيخ محمد عبده في موضوع علم التوحيد: هو علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفي عنه وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم، فلم يذكر شئون الغيب وأحوال المعاد، ثم قال بعد ذلك: وأصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهي كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ ، كما تشهد به آيات الكتاب العزيز ... وقد غلط الشيخ عبده في اعتبار توحيد الربوبية والانفراد بالخلق هو الغاية من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن هذا النوع من التوحيد كانت تقربه الأمم التي بعثت إليه الرسل إجمالا، ولم يقع نزاع فيه بينهم وبين الرسل، وإنما كان النزاع في توحيد الإلهية والعبادة، ولهذا لم يجئ على لسان الرسل ﵈ الدعوة إلى اعتقاد أن الله هو وحده الخالق -وإن وردت أدلة ذلك في ثنايا الرسالات-، وإنما كان مدار دعوتهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، فكل منهم كان مفتتح دعوته لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] . ولعل فضيلة الشيخ عبده في هذا كان متأثرا بالأشعرية، الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد، دون أن يشيروا إلى توحيد الإلهية الذي هو أقصى الغايات ونهاية النهايات. وقد أحسن العلامة السيد رشيد رضا، حيث قال مستدركا على أستاذه: "فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة، وهو أن يعبد الله وحده غيره بدعاء، ولا

стр. 129

بغير ذلك ... هذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ "١. فإن اقتصر الباحث في علم التوحيد على هذه الحيثيات الثلاث، وبفهم السلف فهو داخل حظيرة الإسلام والسنة، وإن خاض في البحث عن حقيقة الذات، وكنه الصفات وأمور الإلهيات على قواعد أهل الكلام، فقد خرج عن السنة إلى البدعة، وعن الهدى إلى الضلالة، وإن زاد في المخالفة، فبحث على قواعد أهل الفلسفة، فقد خرج عن دائرة البدعة إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى. ورحم الله من قال: العجز عن درك الإدراك إدراك ... والبحث في كنه ذات الله إشراك ٢- ذوات الرسل الكرام أو "النبوات": والبحث في ذوات الرسل الكرام من الحيثيات التالية: - ما يلزمهم ويجب عليهم من صدق وأمانة وبلاغ ونصح لأممهم، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وقال : ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] . - ما يجوز في حقهم من أكل ونكاح وأمراض غير منفرة وموت، ونحو ذلك مما يعرض للبشر. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] .

стр. 130

- ما يستحيل في حقهم من الكذب والخيانة والكفر والكبائر والموبقات. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . - ما يجب لهم على أتباعهم من الحب والطاعة والاتباع والتعظيم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ، وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . ٣- السمعيات أو "الغيبيات": وهي ما يتوقف الإيمان به على مجرد ورود السمع أو الوحي به، وليس للعقل في إثباتها أو نفيها مدخل، كأشراط القيامة، وتفاصيل البعث والجزاء دون أصلهما، والصراط والحوض، وأخبار الجنة والنار، ونحو ذلك. والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها، وهو يقوم على دعامتين اثنتين هما: ١- الإقرار بها مع التصديق، ويقابله الجحود والإنكار لها. ٢- الإمرار لها مع إثبات معناها، ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل. وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها أو يحيلها، ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك. فمتى ما صح النقل عن الله أو رسوله ﷺ ، فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي، وبين خلقه وهو العقل، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وكما أنه لا تفاوت في خلقه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [تبارك: ٣] ، فلا تفاوت أيضًا في شرعه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ

стр. 131

اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، والقاعدة الذهبية أنه لا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح عند التحقيق. - وأخيرا فإنه قد يصح أن يقال: إن موضوع علم التوحيد هو ذات الله تعالى وحده، وذلك من حيث ما يجب له ويجوز ويمتنع١، ومن حيث رسالته الواردة عن طريق الرسول، ومن حيث ما ورد في هذه الرسالة من خبر ووحي، فالكل متعلق بالله تعالى الواحد الأحد، وعلى هذا فكل ما له تعلق بالله أو الرسول أو الوحي من الحيثيات السابقة فهو من علم التوحيد، وما خرج عن ذلك فهو خارج عن علم التوحيد ولا بد.

стр. 132

المبحث الرابع: حكم علم التوحيد الحكم في اللغة: القضاء مطلقا أو القضاء بالعدل خاصة، وأصله من المنع١. واصطلاحًا: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع٢. "وينبغي أن يعلم أن حكم العلم كحكم معلومه، فإن كان المعلوم فرضا أو سنة فعلمه كذلك، إذا توقف حصول المعلوم على تعلم ذلك العلم"٣. وفي الحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، وهذا شأن العلوم الشرعية عامة. قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع العلماء أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع"٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان"٥.

стр. 133

وإن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وفي حديث معاذ ﵁، قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: "حق اله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ١، وفي حديث معاذ الآخر قال ﷺ : "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ٢. فكان أول الواجبات وأوجب التكليفات، هو إفراد الله تعالى بالتوحيد والبراءة من الشرك باتفاق أهل السنة، وفي الحديث: "إن العبد أول ما يسئل في قبره من ربك، وما دينك، ومن الرجل الذي بعث فيكم" ٣. قال الإمام ابن أبي العز ﵀: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله .. ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إلا الله، لا النظر٤، ولا القصد إلى النظر٥، ولا الشك٦.. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب"٧.

стр. 134

قال الشيخ حافظ حكمي ﵀ في منظومته: أول واجب على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد إذ هو من كل الأوامر أعظم ... وهو نوعان أيا من يفهم ومما يدل على أنه آخر واجب، حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ١، وفي الصحيح من حديث عثمان ﵁: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة" ٢. فتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها، وأفرضها على المكلفين أجمعين. وفرض العين منه، هو: ما تصح به عقيدة المسلم في ربه، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى، ذاتا وأسماء وأفعالا وصفات، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي. وهو ما يسأل عنه جميع الخلق، لما روي عن أنس بن مالك، وابن عمر ومجاهد في قوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ، قالوا: عن لا إله إلا الله٣. وأما فرض الكفاية من علم التوحيد، فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات وقوادح الأدلة، وإلزام المعاندين وإفحام المخالفين، وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو المقدور على إثباته بالأدلة وحل ودفع الشبه الواردة عليه، وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام؛ لأنه ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين، فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم،

стр. 135

إذا لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم، وأموالهم وأعراضهم. واختصارًا فإن حكم الشارع في تعلم علم التوحيد أنه فرض عين على كل مكلف، من ذكر وأنثى، وذلك بالأدلة الإجمالية، وأما بالأدلة التفصيلية ففرض على الكفاية. ويشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط، وهي: العقل، والبلوغ، وسلامة حاستي السمع أو البصر، وبلوغ الدعوة، وفيما يلي لمحة عنها: ١- العقل: ويقصد به الوصف الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، فبه يتحصل على العلوم النظرية، ويدبر الصناعات الخفية، وينشأ هذا العقل في بطن الأم ويكتمل لدى البلوغ، وهو بهذا الاعتبار محض منحة الله وفضله. وسمي هذ العقل عقلا؛ لأنه يعقل الإنسان عما يقبح، كما يعقل العقال الدابة، ويسمى هذا العقل بالعقل الغريزي أو الطبعي، وهو المشترط للتكليف، فإذا غاب تماما أو زال بالكلية، فقد أصبح الإنسان غير مكلف، وإذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" ١.

стр. 136

فالعقل الطبعي الموهوب هو شرط التكليف، ولكن لما كان التكليف لا يناط بكل مقدار من العقل، وإنما هناك درجة من العقل إذا بلغها الصبي كان مكلفًا، ولما كان من الصعب معرفة بلوغ الصبي تلك المرتبة التي هي مناط التكليف، فقد أقام الشارع البلوغ -كوصف ظاهر منضبط- دليلًا على اكتمال القدر المطلوب من العقل للتكليف. ٢- البلوغ: ويقصد به انتهاء حد الصغر، وانتقال الصبي من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة، وعنده يتم التكليف ويجري القلم، ويدرك الصغير قضاياه المصيرية، ويفكر بجدية في إجابات الأسئلة الضرورية، فإذا مات الصبي قبل البلوغ، فقد مات مرفوعا عنه القلم وناجيا عند الله تعالى، سواء في ذلك أبناء المسلمين والكفار على الراجح. كما نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، فقال: "وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل"١. وللبلوغ علامات وأمارات، اثنتان يشترك فيها الذكر والأنثى، وهما الإنزال أو الاحتلام والإنبات، واثنتان تخص الأنثى وهما الحيض والحبل، فإن لم يوجد شيء من ذلك فبالسن، وبيان الأمارات كما يلي: الإنزال: وهو خروج المني دفقا بشهوة، يقظة أو مناما، بجماع أو بغيره. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] ، وأمر

стр. 137

الأطفال بالاستئذان بعد الاحتلام، دليل على أن الاحتلام يحصل به التكليف، وما ذلك إلا؛ لأن الشرع أثبت به البلوغ، وقد أمر النبي ﷺ بقتل المحتلم من بني قريظة، ففي الحديث الذي رواه عطية القرظي قال: "عرضنا على رسول الله ﷺ -زمن قريظة- فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل" ١. الإنبات: وهو نبات الشعر الخشن -الذي استحق أخذه بالموسى- على العانة، ولا عبرة بالزغب الضعيف. والإنبات علامة على البلوغ عند الحنابلة٢ والظاهرية٣، والراجح لدى المالكية٤ مطلقا، لحديث عطية القرظي المتقدم، وعند الشافعية في حق الكافر دون المسلم -في الأصح٥، وذهب الحنفية إلى عدم اعتباره مطلقا٦. والراجح مذهب الجمهور، ويشهد له حديث عطية القرظي، وفي بعض رواياته: "فإذا أنبت جعلوه في الرجال وحكمه القتل، وإن لم ينبت جعلوه في السبي، قال: فشكوا في فكشفوا عن مئزري، ونظروا إلى عورتي، فوجدوني لم أنبت"٧.

стр. 138

الحيض: وهو خروج دم أحمر، داكن بالسواد، منتن الريح، من فرج المرأة عادة، وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ، قال القرطبي ﵀: "فأما الحيض والحبل، فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما"١، ونقل الإجماع غير واحد من العلماء"٢. الحبل: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الحبل دليل على البلوغ، وذلك؛ لأن الحمل لا يكون إلا مع الإنزال، والإنزال بلوغ، فكان الحبل دليلا على البلوغ. السن: فمتى بلغ الصغير خمس عشرة سنة ذكرًا كان أو أنثى عد بالغا -ما لم يبلغ بأمارة أخرى قبل ذلك-، وهذا قول الجمهور من الشافعية٣ والحنابلة٤ وأبي يوسف ومحمد بن الحنفية، ورواية عن أبي حنيفة٥، وقول عند المالكية٦. واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄، قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال -وأنا ابن أربع عشرة سنة- فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق -وأنا ابن خمس عشرة سنة- فأجازني"٧. وعند أبي حنيفة في الرواية الثانية إذا أتم الغلام ثماني عشرة سنة عد بالغا، وإذا أتمت الأنثى سبع عشرة سنة عدت بالغة٨.

стр. 139

ومشهور المالكية أن الصبي -ذكرا كان أو أنثى- يعد بالغا إذا أتم ثماني عشرة سنة١. والراجح القول الأول، قال أبو بكر بن العربي: "والسن التي اعتبرها النبي ﷺ هي خمس عشرة سنة أولى من سن لم يعتبرها، وكذا اعتبر الإنبات علامة على البلوغ"٢. ٣- سلامة حاسة السمع أو البصر: الحواس جمع حاسة بمعنى القوة الحاسة المدركة، ومنها الحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وهي تنقل إلى الأذهان ما تستطيع الإحساس به، فلا يدرك بواحدة ما يدرك بالحاسة الأخرى، والمدرك بشيء منها يقال له محسوس، وقد تكون تلك الحواس سليمة فتنقل نقلا صحيحا، وقد تكون عليلة أو مختلة فتنقل نقلا خاطئا أو مشوها. "وهذه الحواس لا تستقل بإدراك المعاني والحقائق دون مساعدة العقل أو الدماغ، فالعقل أو الدماغ هو الذي يترجم هذه المحسوسات إلى معان، ودليل ذلك قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] ، حيث شبه الله الكافرين بالبهائم التي يناديها الراعي، وربما تكلم بعبارات لكنها لا تفهم منها إلا صوتا لا تميزه، فالبهائهم تسمع السوت، لكن لعدم المقدرة العقلية التي تمكنها من التمييز بين الأصوات ومعرفتها، فإن الأصوات عندها سواء، لا تحمل إليها شيئا من المعاني المعينة"٣. وأهم الحواس للتكليف حاسة السمع، فإن فقدت قبل حصول العلم فقد انسدت منافذ المعرف الصحيحة، وامتنع بلوغ الدعوة، وقيام الحجة على وجهها التام-

стр. 140

وإن أمكن نوع معرفة بالإشارة والكتابة ونحو ذلك-. فعن الأسود بن سريع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة يحتجون يوم القيامة أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات على فترة، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام ولا أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات على فترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلاما"، وفي رواية أبي هريرة: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها" ١. فإذا أصيبت حاسة السمع دون البصر أمكن العلم بالإشارة والكتابة، ولا سيما بعد استحداث لغة للتخاطب مع الصم والبكم، وإن فقد البصر حصل العلم، بالسمع، فإن فقدنا معا فقد قام العذر المانع من بلوغ الحجة، ولم تنقطع المعذرة في الآخرة. ٤- بلوغ الدعوة وقيام الحجة: فلا حساب ولا عذاب إلا بعد قيام الحجة الرسالية بإرسال الرسل، وإنزال الكتب وقطع العذر على أكمل وجه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله لا يعذب أحدًا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.

стр. 141

وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار"١. والناس بحسب بلوغ الدعوة، وقيام الحجة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: أهل القبلة: وهم الذين بلغتهم دعوة الرسول فآمنوا وشهدوا بالتوحيد، وماتوا على ذلك. قال النووي ﵀: "اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازما خاليا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا"٢. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣. وقال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار" ٤.

стр. 142

وأهل القبلة فيما جهلوه من أحكام التوحيد، ومقتضياته معذورون لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان قبل البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى"١. وقال الحافظ الذهبي ﵀: "فلا يأثم أحد إلا بعد العلم، وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبي ﷺ ، فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص، والله أعلم"٢. أهل الفترة: وهم كل من لم تبلغهم دعوة الرسل، ولم تقم عليهم الحجة، أو عاشوا بين موت رسول وبعثة رسول آخر، ولم تبلغهم دعوة الأول٣. فمن لم تبلغهم دعوة الرسول مطلقا، وماتوا على الشرك فهم معذورون في الدنيا بمعنى أن الله تعالى لا يعاجلهم بعذاب الاستئصال، ولا يتسلط عليهم المؤمنون

стр. 143

بالقتال، حتى تبلغهم الدعوة، فإن ماتوا على ما عاشوا عليه من عدم الإيمان فهم ممتحنون في الآخرة -على الراجح- بنار يؤمرون باقتحامها، فمن أطاع في الآخرة، فإنه من أهل الطاعة في الدنيا لو جاءته الرسالة، ومن عصى في الآخرة، فإنه من أهل الكفر في الدنيا لو جاءته الرسالة، وهذا الامتحان يكشف علم الله تعالى في كل بسبق السعادة أو الشقاوة، وهذا مذهب السلف وعامة أهل السنة، كما نقله ابن القيم ﵀ في كتابه طريق الهجرتين١، وأبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين. ولا يرد على هذا المذهب أن الآخرة دار جزاء لا عمل؛ لأن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار، وأما في البرزخ، وعرصات القيامة فلا ينقطع. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ، والتكليف باقتحام النار مع مشقته ممكن لا يمتنع، وقبل هذا وبعده فقد صح بهذا الخبر عن سيد البشر ﷺ ، فيما رواه الأسود بن سريع ﵁ -وقد تقدم قريبا- وفيه: "وأما الذي مات على فترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلاما" ٢. الكفار: وهم كل من سمع بدين الإسلام ونبيه ﷺ ، فلم يؤمن ظاهرا وباطنا، فكل من سمع بهذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يؤمن فهو كافر من أهل النار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا

стр. 144

يسمع بي أحد من هذه الآمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار" ١. قال ابن حزم ﵀: "فإنما أوجب النبي ﷺ الإيمان به على من سمع بأمره ﵇، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق والمغرب، وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره ﵇، ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به ... وأما من بلغه ذكر النبي ﷺ ، وما جاء به ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق"٢. ولو وجد من هؤلاء الكفار جهلة مقلدون لم يصلهم نور الإسلام، ولم يسمعوا به، فهؤلاء قد يعذرون في الآخرة، ولا يعذرون في الدنيا. قال ابن القيم ﵀: "اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرءوسهم وأئمتهم"٣.

стр. 145

المبحث الخامس: فضل علم التوحيد يقصد بفضل علم التوحيد مزيته وقدره الزائد على غيره من العلوم، وما ثبت في منزلته من فضيلة، وإذا كانت العلوم الشرعية كلها فاضلة لتعلقها بالوحي المطهر، فإن علم التوحيد في الذروة من هذ الفضل العميم، حيث حاز الشرف الكامل دون غيره من العلوم، وذلك يظهر بالنظر إلى جهات ثلاث: موضوعه، ومعلومه، والحاجة إليه. فضله من جهة موضوعه: - من المتقرر أن المتعلق يشرف بشرف المتعلق، فالتوحيد يتعلق بأشرف ذات، وأكمل موصوف، بالله الحي القيوم، المتفرد بصفات الجلال والجمال والكمال، ونعوت الكبرياء والعزة، لذا كان علم التوحيد أشرف العلوم موضوعا ومعلوما، وكيف لا يكون كذلك وموضوعه رب العالمين، وصفوة خلق الله أجمعين، ومآل العباد إما إلى جحيم أو إلى نعيم، ولأجل هذا سماه بعض السلف الفقه الأكبر. - وتحيق التوحيد هو أشرف الأعمال مطلقا، ففي الصحيح من حديثه ﷺ : "أفضل الأعمال عند الله: إيمان لا شك فيه" ١، أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" ٢. وهو موضوع دعوة رسل الله أجمعين، قال الإمام ابن القيم ﵀: "وجميع الرسل إنما دعوا إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
следующие страницы →