وقال كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكر، ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له.
وقال بعض المعتزلة: إن الله سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا: وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب، وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسًا، مثل ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل وهو قول المريسي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلال"١.
٢- رؤية الله تعالى:
وكذا أنكروا رؤية الله تعالى في الآخرة، فذهبت المعتزلة والجهمية وغيرهم إلى وجوب نفي رؤية الله تعالى؛ بل كفروا من لم يعتقد ذلك.
قال القاضي عبد الجبار: "الرؤية بالأبصار على الله مستحيل"، "ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية"٢.
قال ابن النحاس ﵀: "وخالفوا في ذلك المعتزلة والجهمية، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وطوائف من المرجئة، وطوائف من الزيدية، الذين ذهبوا إلى القول بأن الله تعالى لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يجوز عليه ذلك"٣.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والجهمية والمعتزلة يقولون: من أثبت لله الصفات وقال: إن الله يرى في الآخرة، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فإنه مجسم مشبه والتجسيم باطل"٤.
стр. 212
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله متقطعون"١.
٣- حوض النبي ﷺ :
وأنكر المعتزلة حوض النبي ﷺ الثابت بالقرآن والسنة.
قال الإمام السفاريني ﵀: "خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة؛ بل وبظاهر القرآن"٢.
٤- الشفاعة:
وأنكر المعتزلة والخوارج الشفاعة لأهل الكبائر:
قال القاضي البيضاوي: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية٣ على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم"٤.
ومن أمثلة ما أثبته أصحاب العقول التائهة ما يلي:
أدخل الصوفية في أمور الغيب الخرافات، والأوهام مما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ونذكر بعض أقوالهم في الإلهام والإسراءات والمعاريج الصوفية، وهي من مصادر التلقي عندهم، وهذه الأقوال غيض من فيض، ونقطة في بحر الخرافات والأوهام الذي غرقوا فيه، وجعلوا يغرفون منه معتقداتهم وتصوراتهم وآراءهم.
стр. 213
قال ابن عربي: " ... فإن الملك قد ينزل على الولي التابع بالاتباع، وبإفهام ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وإن كان متأخرًا عنه بالزمان، أعني متأخرًا عن زمان وجوده، فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبي وسقمه، مما قد وضع عليه، أو توهم أنه صحيح عنه، أو ترك لضعف الراوي وهو صحيح في نفس الأمر، وقد ينزل عليه الملك بالبشرى من الله بأنه من أهل السعادة والفوز، وبالأمان ... "١.
ويقول إبراهيم الدسوقي: "عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون، فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون، فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ... فما للعاقل إلا التسليم، وإلا فاتوه وفاتهم، وحرم فوائدهم، وخسر الدارين"٢.
وقام الشعراني: "قد صرح المحققون بأن للأولياء الإسراء الروحاني إلى السماء، بمثابة المنام يراه الإنسان، ولكل منهم مقام معلوم لا يتعداه، وذلك حين يكشف له حجاب المعرفة، فكل مكان كشف له فيه الحجاب حصل المقصود به، فمنهم من يحصل له ذلك بين السماء والأرض، ومنهم من يحصل له ذلك في سماء الدنيا، ومنهم من ترقى روحه إلى سدرة المنتهى، إلى الكرسي، إلى العرش"٣.
وقال أبو يزيد البسطامي: "عرج بروحي، فخرقت الملكوت، فما مررت بروح نبي إلا سلمت عليه، وأقرأتها السلام، غير روح محمد ﷺ فإنه كان حول روحه ألف حجاب من نور ... "٤.
стр. 214
وقال إبراهيم الدسوقي: "أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي كلمته ... "١.
ولا حول ولا قوة إلا بالله ...
стр. 215
المبحث الثالث: الوسطية
"الوسط اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه، وأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه، وكوسط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب، ومنه الحديث: "خيار الأمور أوساطها" ١؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] ، أي على شك، فهو على طرف من دينه غير متوسط فيه ولا متمكن، فلما كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى وتقدس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أي عدلًا فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه"٢.
وعليه فإن الوسطة تعني التوازن بين الأمور المتقابلة، والتوسط بين الأطراف المتباعدة على ما تقتضيه النصوص الشرعية، والوسطية من أظهر خصائص العقيدة الإسلامية، "والصور التي تأت شاهدًا على ذلك تعز على الحصر، فإن كل ما في العقيدة الإسلامية ناطق بهذا التوازن الدقيق، ... ومن ذلك:
التوازن بين ما يتلقاه الإنسان عن طريق الوحي، وبين ما يتلقاه عن طريق وسائل الإدراك البشري، والتوازن بين طلاقة المشيئة وثبات السنن الكونية، والتوازن بين المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، والتوازن في
стр. 216
مصادر المعرفة بين الوحي والعقل.. وبين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، وبين العمل للدنيا والعلم للآخرة، وبين القيم المادية والقيم المعنوية"١.
وسطية الأمة المحمدية بين الأمم:
وقد وصف الله هذه الأمة بأنها الأمة الوسط، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] ، أي عدولًا خيارًا، ومن لازم وسطيتهم عدالتهم؛ ولذا صح أن يكونوا شهداء على الناس يوم القيامة؛ لأن الشاهد لا بد أن يكون عدلًا حتى تقبل شهادته، ووسطية هذه الأمة هي كونها على الحق بين باطل من غلا وباطل من جفا، إذ الحق وسط بين باطلين؛ باطل الغلو وباطل الجفاء٢.
قال شيخ الإسلام: "إن الإسلام وسط الملل بين الأطراف المتجاذبة.. فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق، وهي صفات النقص فقالوا: إن الله فقير، وإن الله بخيل، وإن الله تعب لما خلق العالم فاستراح، وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فوصفوه بالصفات المختصة بالخالق فقالوا: هو الله، والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص، ونزهوه أن يكون شيء كفوًا له في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات.
وكذلك هم في الأنبياء وسط، فإن اليهود كما قال تعالى فيهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] . وكذلك كانوا يقتلون الأنبياء، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من
стр. 217
الناس، والنصارى غلوا فأشركوا بهم، ومن هو دونهم قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ، والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سب نبيا من الأنبياء، فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء، وفي استتابته نزاع، قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وكذلك المسلمون وسط في النسخ، فإن اليهود قالوا: ليس لرب العالمين أن يأمر ثانيًا بخلاف ما أمر به أولًا، والنصارى جوزوا لرءوسهم أن يغيروا شريعة المسيح، فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاءوا، والمسلمون قالوا: رب العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر، وليس لأحد من الخلق أن يغير دينه ولا يبدل شرعه، ولكن هو
يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء.
وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام، فإن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم، وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة طاهرة مع اجتناب النجاسة، والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله؛ بل يستحلون الخبائث ويباشرون النجاسات، وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات والخبائث كان أفضل عندهم، والمسلمون أباح الله لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، وهم وسط في سائر الأمور"١.
стр. 218
مظاهر وسطية أهل السنة:
أولى هذه الأمة بالاتصاف بالوسطية من كان مثلها في كمال عقيدتها، وصفاتها ونقائها وهم أهل السنة والجماعة، فهم أهل التوسط والاعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء، وهم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة وسط في الملل.
قال شيخ الإسلام ﵀: "الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة، والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل"١.
وقال ﵀: "هم -أي أهل السنة والجماعة- الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة في الوسط في الأمم"٢.
وباستقرار مواقف الفرق من أبواب العقيدة المختلفة تظهر الطرفية الشديدة لدى أهل الأهواء والبدع، ولا تجد فرقة من الفرق إلا وقد خالفت أهل السنة والجماعة في هذا الأصل العظيم، فإما أن تغلو في جانب، أو تفرط في جانب، وهذا الخلل في التوازن مطرد عند جميع أهل البدع في أبواب الاعتقاد، قل ذلك أو كثر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام -الذي هو دين الله- لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه؛ حتى أخرجه عن كثير من شرائعه؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه، حتى مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية"٣.
стр. 219
وقد تعددت مظاهر وسطية أهل السنة والجماعة الدالة على كثرة فضائلهم وعلو شأنهم في الدين، ومن أهم هذه المظاهر:
أولًا: وسطيتهم في أسماء الله وصفاته:
فهم وسط في باب الأسماء والصفات بين الجاحد والمعطل المنكر للأسماء والصفات، والمثبت لها على نحو ما عليه صفات المخلوقين وأسمائهم، حيث أثبوا لله ما أثبته لنفسه من أسمائه وصفاته، وأثبته له رسول ﷺ ، ونفوا عنه ما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ من النقص والعيب المنافي لكماله المقدس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهم وسط في باب صفات الله بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال، وتنزيها له عن أن يكون له فيها أندادًا وأمثالًا، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وهو رد على الممثلة: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] رد على المعطلة"١.
ثانيًا: وسطيتهم في أفعال الله :
فهم وسط بين القدرية الذين نفوا القدر وقالوا الأمر أنف، وأنكروا علم الله ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، وبين الجبرية الذين أنكرو للعبد فعل وإرادة، وقالوا: الإرادة إرادة الله والفعل فعل الله، فأثبت أهل السنة والجماعة إرادة الله التي هي صفته وإرادة العبد التي هي صفته، وليست إرادة الرب عين إرادة العبد، وأثبتوا فعل الرب الذي هو خلق العبد، وأثبتوا للعبد فعله الذي هو متعلق الثواب والعقاب، وليس فعل الرب هو عين فعل العبد.
стр. 220
يقول شيخ الإسلام ﵀: "وهم وسط في باب أفعال الله بين المعتزلة المكذبين بالقدرة، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه"١.
ثالثًا: وسطيتهم في الوعد والوعيد:
فهم وسط في هذا الباب بين الوعيدية من المعتزلة، والخوارج الذين خلدوا مرتكبي الكبائر في النار، والمرجئة الذين لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة، فقال أهل السنة: إنهم في الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر لهم وأدخلهم
الجنة، وإن شاء عذبهم في النار بقدر معاصيهم، ثم أدخلهم الجنة فضلًا منه تعالى ورحمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار..٢، وبين المرجئة الذي لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية"٣.
رابعًا وسطيتهم في أسماء الدين والإسلام والإيمان:
أسماء الدين هي الحدود الشرعية التي علق الشارع عليها أحكامه في الدنيا والآخرة، وهم وسط في هذا الباب بين الوعيدية من المعتزلة والخوارج، حيث أخرجوا مرتكبي الكبيرة من مسمى الإيمان، وقالوا: إن فساق الأمة المحمدية ليسوا مؤمنين على خلاف بينهم، وبين المرجئة الذي جعلوا مرتكب الكبيرة مؤمنًا كامل الإيمان، إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر؛ بل كإيمان الملائكة والأنبياء، فلا تضر معصية مع الإيمان، كما لا تنفع طاعة مع الكفر، وتوسط أهل السنة والجماعة فقالوا: مرتكب الكبيرة فاسق بكبيرته
стр. 221
مؤمن بإيمانه لكنه ناقص الإيمان، وأطقلوا لفظ الإيمان حيث ورد به النص، وأطلقوا ضده حيث ورد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية"١.
خامسًا: وسطيتهم في أصحاب رسول الله ﷺ :
فهم وسط بين من غلا في بعضهم حتى جعله إلهًا أو معصومًا أو نبيًا، وأضافوا إليه من الصفات ما لا يليق نظيره إلا بالله أو نبي من أنبيائه، ومن جفا فيهم فكفرهم واستحل سبهم ولعنهم ودماءهم، وأما أهل السنة فدانوا الله بحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، واعتذروا عما جرى بينهم من الخلاف بأنه حصل عن اجتهاد منهم في طلب الحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد وخطؤه معفو عنه، وسكتوا عما جرى بينهم،
وأحسنوا الظن بهم، ولم يجعلوا ولاية بعضهم مناقضة لولاية الأخر؛ بل تولوا جميعهم، ودانوا الله بالترضي عنهم.
قال شيخ الإسلام: "وهم أيضًا في أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ وسط بين الغالية الذي يغالون في علي ﵁، فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة فسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلهًا، وبين الجافية الذين يتعتقدون كفره وكفر عثمان -رضي
стр. 222
الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، وقدحوا في خلافة علي ﵁ وإمامته"١.
سادسًا: وسطيتهم في المنقول والمعقول:
فهو وسط بين المعتزلة ومن تبعهم من المتكلمين الذين غلوا في المعقول حيث قدموه على المنقول، وبين الأشعرية الذين جفوا عن المعقول فنفوا العلل والحكم التي جعلها الله مناطًا لأحكامه وشرائع دينه، وقالوا: إنما يأمر وينهى بمحض الإرادة فقط لا لعلة ولا لحكمة، وتوسط أهل السنة والجماعة، فلم يقبلوا من المنقول إلا ما صح سنده وصحت دلالته، ولا من المعقول إلا ما كان صحيح البناء، ولم يعارض كتاب الله وسنة رسول ﷺ وإجماع سلف الأئمة وأئمتها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات حتى جعلت ما ليس معقولًا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول ﷺ ، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان، فيجب أن يعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضًا بل يصدق بعضه بعضًا، وإن ما علم بمعقول صريح لا يخالفه قط خبر صحيح ولا حس صحيح، وكذلك ما علم بالسمع الصحيح لا يعارضه عقل وحس، وكذلك ما علم بالحس الصحيح لا يناقضه خبر ولا معقول"٢.
стр. 223
المبحث الرابع: العقلانية
ومع أن مدار العقيدة على الإيمان والتسليم للنصوص، فإن هذا لا يعني إلغاء العقل وإهداره، ومناقضته.
وعيه فإنه يقصد بالعقلانية موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة للعقل الصريح، واهتمامها به، وإعلاء منزلته ومكانته، وتوفير طاقته وتصريفها فيما يفيد.
قال شيخ الإسلام: "والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون لا يقولون على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق، فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذبًا، بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح، فما علم يقينا أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علم يقينا أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه، بل الأنبياء ﵈ قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول١"٢.
مظاهر العقلانية:
ومن مظاهر العقلانية في العقيدة الإسلامية بصفة عامة، وعقيدة أهل السنة بصفة خاصة ما يلي:
أولًا: احترام عقيدة أهل السنة للعقل، والحث على التعقل:
رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، فقال تعالى:
стр. 224
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] .
كما عنيت كثير من الآيات بالدعوة إلى التعقل، كما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد: ٢٤] .
ويخص الوحي العقلاء بالتذكر مثنيًا عليهم فيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] [الزمر: ٩] ، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١] .
عن أبي العلاء قال: "ما أعطي عبد بعد الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه"١.
وقال مطرف: "ما أوتي أحد من الناس أفضل من العقل"٢.
وعن يوسف بن أسباط قال: "العقل سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد، وزينة كل أحد، ولا تصلح الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه"٣.
ويخصهم الوحي بطلب التقوى منهم فيقول تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
ويخصهم بالخطاب عند التشريع، وبيان الأحكام تقديمًا لهم فيقول سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
стр. 225
وعن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ١.
قال النووي ﵀: "ولا يختص هذا التقديم بالصلاة؛ بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها.. ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك"٢.
كما يخصهم بالانتفاع عند النظر في ملكوت الله والتدبر في آياته، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، ويقول: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] .
وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" ٣.
قال ابن حجر ﵀: "قال النووي: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب، وقوة العقل"٤.
стр. 226
وقال عمر ﵁: "حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله"١.
كما أمر بالنظر في كتابه والتدبر في آياته واستخراج الأحكام منها؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
وذم إغلاق العقل وحجبه عن التدبر؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
وعني الخطاب القرآني والنبوي بسوق الأدلة العقلية النقلية على المسائل العقدية، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .
ثانيًا: ذم التقليد الأعمى الذي هو حجاب العقل وغطاء الفهم:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُو نَ﴾ [البقرة: ١٧٠] .
قال القرطبي ﵀ في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: "قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد، وذكر فيه غيره خلافًا كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الشافعي.
стр. 227
قال ابن درباس في كتاب الانتصار له: وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، فذمهم بتقليدهم آبائهم وتركهم اتباع الرسل، كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبرائهم وتركهم اتباع محمد ﷺ في دينه؛ ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة"١.
وقال ابن القيم ﵀: "وقد ذم الله سبحانه التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء"٢.
وروي عن أبي حنيفة أنه كان يقول: "لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي". وكان إذا أفتى يقول: "هذا رأي النعمان بن ثابت -يعني نفسه-، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب"٣.
وجاء في إيقاظ الهمم: "وروي عن عصام بن يوسف أنه قال: كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف، وعافية بن يزيد، وأخر، فكلهم أجمعوا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه. انتهى. قلت: ومعنى قوله: "من أين قلناه" أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته"٤.
стр. 228
وكان الإمام مالك يقول: "ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله ﷺ "١.
وعن الشافعي أنه كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وفي رواية: "إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي الحائط". وقال يومًا للمزني: "يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك؛ فإنه دين" وكان يقول: "لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ وإن كثروا، ولا في قياس ولا في شيء، وما ثم إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم"٢.
وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: "ما قلت وقد كان النبي ﷺ قد قال بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى، لا تقلدوني"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تحدث عن فتنة الإمام أحمد، وموقف الإمام فيها: "فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله -أي الإمام أحمد- أو بقول غيره من العلماء، فهذا لا يقوله إلا جاهل".
وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع، وقال: لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلدني، ولا مالكًا، ولا الثوري، ولا الشافعي، وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمة، فكلهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين!.
وأصحاب أحمد مثل أبي داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وبقي بن مخلد، وأبي
стр. 229
بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن مسلم بن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين، لا يقبلون كلام أحمد، ولا غيره إلا بحجة يبينهما لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه"١.
ثالثًا: توجيه العقل إلى مجالاته النافعة، وكفه عن الخوض فيما لا يطيقه:
والمنهج الذي سار عليه القرآن -وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وليس في هذا حجر على العقل أن يعمل، ولكن فيه توجيه لهذا العقل أن يعمل في حدوده، وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه.
فمن توجيهات القرآن الكريم للعقل: الأمر بالنظر والتدبر في آياته سبحانه، قال : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] ، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
ومن ثم نصب الله العلامات والبراهين لهداية العقل على ما ينفع، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
قال الإمام الشافعي ﵀: "فخلق لهم العلامات، ونصب لهم المسجد الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه، وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات، وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه"٢.
стр. 230
وأمر الله أهل العلم برد النظير إلى نظيره، والاجتهاد في استنباط الأحكام من القواعد العامة للشريعة، وترك الباب مفتوحًا أمام العقل لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ولو شاء لأنزل حكم كل شيء على الخصوص والأعيان، لكنه أنزل قواعد عامة تشتمل على أحكام طائفة من الأفراد؛ فكان هذا توجيهًا منه إلى الاستفادة بالعقل فيما ثمر وينتج.
وسارت السنة في ركاب الكتاب في هذا المجال، فوردت النصوص النبوية تحث العقل على العمل، وتحجبه عن الركود والكسل، وتعلي من شأن الاجتهاد والنظر في النصوص الشرعية لاستخراج الأحكام، وبيان فقه النوازل المستجدة في حياة الناس، وجعلت خير الناس من تعلم العلم وعلمه، فقد ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير" ١. وفي هذا توجيه العقل إلى مجاله النافع المثمر؛ بل جعلت السنة للمجتهد المخطئ أجرًا على اجتهاده، وللمصيب أجرين على الاجتهاد والإصابة، قال ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٢.
وحظر الشرع على العقل الخوض فيما يضره الخوض فيه، ليوفر طاقته فيما يطيق ويحسن.
وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك، وسبيل الضلال.
стр. 231
فثبت النهي في الكتاب والسنة عن الخوض في حقيقة الذات، وكنه الصفات، والقدر، وورد ذلك عن الصحابة والتابعين، وأئمة أهل السنة.
فمن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله" ١.
قال المناوي في فيض القدير: ""تفكروا في آلاء الله" أي أنعمه التي أنعم بها عليكم. قال القاضي: والتفكر فيها أفضل العبادات. "ولا تفكروا في الله"، فإن العقول تحير فيه.. والنظر إلى ذات الله يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل، فالصواب أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذاته وصفاته؛ لأن أكثر العقول لا يحتمله"٢.
ولعل من أشهر ما ورد في ذلك، ما أثر عن الإمام مالك ﵀ حين جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، "الرحمن على العرش استوى"، كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء -يعني العرق- قال: وأطرق القوم وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج"٣.
قال ابن حجر ﵀: "قال القرطبي: الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في
стр. 232
أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة،
واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء
سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز
عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا
أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذت أو غيرها، وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثًا، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو نفس الأمور لعمرو بالزكاة؟ ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم؛ بل نهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حد تقف عنده ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز"١.
ولذا رجع كثير من أئمة أهل البدع -كما ذكر ابن حجر ﵀ عن عقيدتهم الباطلة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في آخر حياتهم، حيث وجدوا فيه ضالتهم المنشودة، وأجابت لهم على ما يدور في أذهانهم من سؤالات، وما يختلج في صدورهم من حيرة واضطرابات، "كما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري "ت٣٢٤هـ" حيث رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في "الإبانة عن أصول الديانة"، بعد الاعتزال، ثم
стр. 233
التلفيق، والباقلاني "ت٤٠٣هـ" في "التمهيد"، ومثله أبو محمد الجويني "ت٤٣٨هـ"، والد إمام الحرمين في "رسالة في إثبات الاستواء والفوقية"، ومثله إمام الحرمين "ت٤٧٨هـ" في "الرسالة النظامية"، والشهرستاني "ت٥٤٨هـ" في "نهاية الإقدام"، وفخر الدين الرازي "ت٦٠٦هـ" في "أقسام اللذات"، وغيرهم كثيرون"١.
أما فيما يتعلق بالقدر فمما ورد في ذلك:
عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه" ٢.
وعن أبي بكر عبد الرحمن رفع الحديث إلى علي ﵁ أنه سأله فقال: "يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فقال: يا أبا الحسن ما تقول فيه القدر؟ فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه"٣.
وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه"٤.
стр. 234
وعن زياد بن عمر القرشي عن أبيه قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فسئل عن القدر، فقال: "شيء أراد الله أن لا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم"١.
ومما ورد النهي عن الخوض في أمره الروح والغيب الذي لا يدركه العقل، ولا يصل إلى حقيقته، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
رابعًا: أهل السنة والجماعة وسط بين المهملين للعقل، والمقدسين له.
فكثير من جهلة المتصوفة ألغوا عقولهم، وساروا وراء أذواقهم وأوهامهم، وزعموا أنه لا تحصل الأحوال الكاملة إلا مع غياب العقل بالجنون، والسكر والوله! وكثير من المتكلمة عظموا عقولهم وآراءهم، وزعموا أن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفوه، وعقيدة أهل السنة أن: "الأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة"٢.
ومن أبرز الفرق البدعية التي غلت في العقل ورفعته فوق قدره المعتزلة، القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي.
فالعقل عندهم يعلم العلم الكامل بحسن الفعل أو قبحه، ومن ثم فهو الحاكم عليه بالحسن والقبح، والفعل حسن أو قبيح في نفسه: إما لذاته، وإما لصفة حقيقية توجب ذلك، وإما لوجوه واعتبارات هو عليها -على خلاف بينهم في ذلك.
قال العزالي: "ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر النعم، ومعرفة حسن
стр. 235
الصدق، وكقبح الكفران، وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه، ومنها ما
يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر، وقبح الكذب الذي في نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها من غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه"١.
فجميع الأفعال عند المعتزلة -ما عدا العبادات المحضة- إما إنه ثبت قبحها والعقاب عليها عقلًا، أو ثبت حسنها والثواب عليها عقلًا.
وقالوا -بناء على ذلك: إن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع، حيث قالوا: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وأن يعلم أيضًا حسن الحسن وقبح القبيح، ويجب عليه الإقدام على الحسن، والإعراض عن القبيح كل ذلك يجب قبل ورود الشرع به، فإن قصر في ذلك استوجب العقوبة أبدًا٢.
وكان من آثار غلوهم -أيضًا- في الاعتماد على العقل أنهم أخذوا يؤولون صفات الله بما يوافق عقولهم القاصرة؛ حتى نفوا جميع الصفات.
ومن آثار ذلك أيضًا طعنهم في كبار الصحابة، حتى زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين فاسقة٣.
وبناء على ما أصلوه من أصول ومعتقدات فاسدة مبناها على عقول قاصرة وأهواء فاسدة، أخذوا يردون الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وقد أدى هذا المنهج العقلاني المنحرف إلى
стр. 236
جملة من البدع والمعتقدات الفاسدة: كإنكار عذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله في الآخرة.. وغير ذلك من البدع التي لا تدخل تحت حصر.
وخالفت الأشاعرة أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وكانوا فيه على طرف النقيض من المعتزلة حيث قالوا: إن العقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع، وموجب السمع، ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ذلك ممتنعًا.
واتفقوا مع أهل السنة في أنه لا يجب على الله شيء من جهة العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع١.
وعليه فمن انضبط بمنهج أهل السنة في دراسة العقيدة وعلم التوحيد، اهتدى عقله، واستنار رأيه، وسلم ذهنه من الانحراف، وأنجى نفسه من محارات الفلسفة، وخيالات المتصوفة، وجهالات المتكلمة، وشطحات الفرق جميعًا، ووقف على الحجج البينة، والأدلة القاطعة، والبراهين الظاهرة، في مسائل العقيدة، وكثر صوابه، وقل خطؤه، واجتمعت عنده محاسن الفرق خالصة من كل كدر، وأمن من شرور البدع.
خامسًا: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول:
وأخيرًا فإن أئمة أهل السنة والجماعة يرفعون شعار "العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح"، وبلغ من اهتمامهم ببيان هذه القضية وتجليتها، أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صنف كتابًا مستقلًا في بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وهو كتابه الجليل، الفريد في بابه: "درء تعارض العقل والنقل"، وبين فيه ﵀ بطلان دعوى التعارض بين العقل والنقل بيانًا شافيًا كافيًا، ورد مذهب القائلين بذلك ونقضه
стр. 237
من وجوه كثيرة، كما أوضح ضعف استدلالاتهم، ومخالفتها للعقل والنقل معًا.
وإن وقع تعارض ظاهر فإما الخلل في موازين العقل أو لضعف في دليل الشرع، فإن لم يظهر خلل في ميزان العقل أو ضعف في دليل الشرع، فإن الشرع مقدم على العقل لعصمة الشرع دون العقل.
وقد سبق قول شيخ الإسلام ﵀: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"١.
وأما أهل الأهواء فيدعون إمكانية حدوث التعارض بين العقل الصريح، والنقل الصحيح، ويضيفون إلى هذا الأصل الباطل أصلًا آخر أشد بطلانًا، وهو: وجوب تقديم العقل على النقل عند حدوث هذا التعارض المزعوم.
يقول الرازي في كتابه: "تأسيس التقديس": "الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع
стр. 238
وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ ، وظهور المعجزات على يد محمد ﷺ ، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا وأنه باطل.
ولما بطلت الأقسام الأربعة١ لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة٢ بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال: إنها غير صحيحة٣، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات"٤.
وقد اشتهر هذا القانون عند الأشاعرة، وأصبح عندهم من القضايا المسلمة، وأدى إلى كثير من البدع والانحرافات، مثل: نفي العلو عن الله تعالى، ونفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله : كالاستواء، والنزول، والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها..، وكذلك نفي الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، وغيرها..٥.
стр. 239
وقد أدى هذا المنهج المنحرف أيضًا إلى رد الكثير من الأحاديث الصحيحة، والطعن في رواتها وإن كانوا من الصحابة ﵃، أو التابعين ﵏، أو من اتفق أئمة المحدثين على عدالتهم.
стр. 240
المبحث الخامس: الفطرية
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
قال ابن كثير ﵀: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء" ٢.
وعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركو بي ما لم أنزل به سلطانًا" ٣.
قال النووي ﵀: "قوله تعالى: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم" أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية. وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] "٤.
стр. 241
وقال ابن القيم ﵀ في كلام له عن الفطرة: "بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض...."١.
وبناء على ما تقدم فإن الإيمان فطر عند أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل الأهواء، فالمقلدون من العوام الذين ليس لهم أهلية النظر والاستدلال، مسلمون وإن عجزوا عن إقامة الأدلة، وإيضاح البراهين.
قال السفاريني في منظومته:
فالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر
قال ابن حامد: "لا يشترط أن يجزم عن دليل، يعني: بل يكفي الجزم ولو عن تقليد"٢.
وقال النووي ﵀ في شرحه لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنون بي وبما جئت به ... " ٣: "وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل؛
стр. 242
ولأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي"١.
وقال ابن حجر: "وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا، ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يذعن، أو يستمر على عناده"٢
مظاهر الفطرية:
ومن مظاهر فطرية العقيدة عند أهل السنة خاصة أنها جاءت سهلة واضحة، لا عسر فيها ولا تعقيد، ووردت النصوص وأقوال السلف، وأهل السنة بالنهي عن الغلو والتشدد في أمر الدين أصولًا وفروعًا، وعن التكلف في طلب علم ما حجب علمه.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة وشيء من الدلجة" ٣.
وترجم البخاري ﵀: "باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ : "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"٤.
стр. 243
قال ابن حجر ﵀: قوله: باب الدين يسر، أي دين الإسلام ذو يسر، أو سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم. وتوبة هذهالأمة بالإقلاع والعزم والندم. قوله: "أحب الدين" أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة لكن ما كان منها سمحًا أي سهلًا فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "خير دينكم أيسره" ١، أو الدين جنس أي أحب الأديان إلى الله الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، والحنيفية ملة إبراهيم.. والسمحة السهلة، أي أنها مبنية على السهولة"٢.
وترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب: "باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين، والبدع لقوله لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] "٣.
قال ابن حجر ﵀: "صدر الآية يتعلق بفروع الدين، وهي المعبر عنه في الترجمة بالعلم وما بعده يتعلق بأصوله: فأما التعمق فمعناه التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه، وأما الغلو فهو المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد وفي معنى التعمق ... "٤.
وعن أبي العالية عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٥.
стр. 244
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا١.
قال النووي: "المتنطعون أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم"٢.
وقال الخطابي: "المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم"٣.
وقال ابن حجر: "ومما ذمه السلف وعليه ينطبق حديث بن مسعود رفعه: "هلك المتنطعون"، ورأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، الإكثار من التفريغ على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى ... وأشد من ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة"٤.
قال ابن مسعود ﵁: "من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] الحديث٥.
стр. 245
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "نهينا عن التكلف"١.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ " ٢.
قال ابن حجر: "قال ابن بطال: في حديث أنس الإشارة إلى ذم كثرة السؤال؛ لأنها تقضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط"٣.
وترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب الاعتصام من "صحيحه": "باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] "، و"باب: ما يذكر من ذم وتكلف القياس ﴿وَلا تَقْفُ﴾ لا تقل: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] "٤.
ومما وردت نصوص الشرع بالنهي عن الخوض فيه، التفكير في ذات الله تعالى وكنه صفاته، وقد سار أهل السنة على هذا النهج، فآمنوا بصفات الله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة، وكفوا عن الخوض في كنه هذه الصفات وكيفيتها، وكلامهم في هذا الباب كثير معروف.
قال حافظ المشرق أبو بكر الخطيب البغدادي: "أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة
стр. 246
المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنماهو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن البصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا تشبهها بالأيدي
والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] "١.
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون به بما ينطق كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٢.
وقال أيضًا: "لا خلاف بين فقهاء الأمصار، وسائر أهل السنة -وهم أهل الفقه والحديث- في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام"٣.
стр. 247
وكل من تعمق وخاض في حقيقة الذات، أو الصفات من أهل الأهواء، وتكلف الوقوف على كنهها، والوصول إلى حقيقتها لم يجد ما يشفي؛ بل زاده ذلك شكًا وحيرة واضطرابًا.
ومما وردت أقوال أهل السنة بالنهي عن الخوض فيه القدر، ومن ذلك:
ما جاء عن الإمام أحمد ﵀: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا أو فكرًا أو وسوسة، فإنه تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال عز من قائل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ، فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين"١.
وخالفت القدرية والجبرية ومن لف لفهم في هذا الباب، وأطالوا النزاع فيه، وخاضوا فيما ليس لهم الخوض فيه، فوقعوا في التخبط والتناقض، فقال بعضهم: إن الأمر أنف يعني أن الله لا يعلم به إلا بعد وقوعه، وهؤلاء تبرأ منهم ابن عمر٢، ومنهم من قال: إن أفعال العباد ليست مخلوقة، وأنكر بعضهم إرادة الإنسان ومشيئته، إلى آخر ما خالفوا فيه، مما يعلم بطلانه بيقين، ومخالفته للثابت في القرآن والسنة، والمجمع عليه عند أهل السنة والجماعة.
стр. 248
المبحث السادس: الشمولية
الشمولية هي الموسوعية في المعنى والتطبيق، والمراد بالموسوعية في المعنى: شمول العقيدة للتصور الكامل للقضايا الكبرى التي ضل في تصورها كثير من الناس، والمراد بالموسوعية في التطبيق: شمولية آثار هذه العقيدة لحياة المسلم من جهاتها المختلفة، بحيث تتكامل هذه الآثار، وتتفاعل في صياغة الحياة صياغة ربانية.
ولذلك؛ فإن العقيدة الإسلامية -كأثر لهذا الشمول العام في الإسلام- عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده، وما يتفرغ عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرف العبد على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة.
مظاهر وصور الشمولية:
إن أركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطًا وثيقًا، يكمل كل منها الآخر، وقد جاءت النصوص القرآنة لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرًا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا؛ بل كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعًا جاءوا برسالة واحدة من عند الله تعالى.
وإذا كانت الشمولية إحدى الخصائص الجلية في العقيدة الإسلامية بشكل عام، فإنها ظاهرة جلية عند أهل السنة بشكل خاص.
وهي تعني عدم الاقتصار على طلب علمها، وممارسة أعمالها والتحقق بمقتضياتها في باب دون باب، وفي أصل دون أصل، إذ ليس شيء من العقيدة مهجورًا، والجمع بين علمها ومقتضياتها، وآثارها في القلب والجوارح، هو تحقيق العبودية، ولهذه الشمولية
стр. 249
مظاهر وصور متعددة من أهمها ما يلي:
العناية بأنواع التوحيد كافة:
سواء في ذلك التوحيد العلمي الخبري "توحيد الربوبية"، أو التوحيد الطلبي الإرادي العملي "توحيد الألوهية"، وعدم إغفال عرض أحدهما لحساب الآخر، وبيان مدى الترابط بينهما، والتوجيه إلى التفكر والتدبر مع إفراده بالعبادة، وبيان كونها توقيفية.
يقول ابن القيم ﵀: "وتأمل حال العالم كله علوية وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العالم، وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على أحوال الصنع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس، فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله، وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه ... وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم يرد ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما"١.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الخليدي قوله: "ولسنا نقول: إن الله يعرف بالمخلوقات؛ بل المخلوقات كلها تعرف بالله، لكن معرفته تزيد بالنظر في مخلوقات الله".
стр. 250
وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن رجل يقول: عرفت الله بالعقل والإلهام فقال: من قال عرفت الله بالعقل والإلهام فهو مبتدع، عرفنا كل شيء بالله.
وسئل ذو النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي:
وقال عبد الله بن رواحة:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
وكان هذا بين يدي النبي ﷺ فلم ينكره عليه، فدل على صحة قول علمائنا: "إن الله يعرف بالله، والأشياء كلها تعرف بالله"١.
ولما كان توحيد الربوبية بهذه المثابة كان هو الأساس الذي ابتني عليه توحيد الله في الإلهية، فإن الخالق المالك المدبر هو المستحق وحده بأن يتوجه إليه بالعبادة والخشوع والخضوع، والذكر والدعاء والخوف والرجاء، والحمد والشكر.
فالعبادة لا يصح أن تكون لغير الرب تعالى؛ إذ كيف يعبد من لم يخلق، ولم يرزق ولم يدبر أمر الخلق؟.
قال ابن القيم: "فاسم" "الرب" له الجمع الجامع لجميع المخلوقات، فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا ينبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب، والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلا له"٢.