المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنماهو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن البصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا تشبهها بالأيدي
والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] "١.
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون به بما ينطق كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٢.
وقال أيضًا: "لا خلاف بين فقهاء الأمصار، وسائر أهل السنة -وهم أهل الفقه والحديث- في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام"٣.
стр. 247
وكل من تعمق وخاض في حقيقة الذات، أو الصفات من أهل الأهواء، وتكلف الوقوف على كنهها، والوصول إلى حقيقتها لم يجد ما يشفي؛ بل زاده ذلك شكًا وحيرة واضطرابًا.
ومما وردت أقوال أهل السنة بالنهي عن الخوض فيه القدر، ومن ذلك:
ما جاء عن الإمام أحمد ﵀: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا أو فكرًا أو وسوسة، فإنه تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال عز من قائل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ، فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين"١.
وخالفت القدرية والجبرية ومن لف لفهم في هذا الباب، وأطالوا النزاع فيه، وخاضوا فيما ليس لهم الخوض فيه، فوقعوا في التخبط والتناقض، فقال بعضهم: إن الأمر أنف يعني أن الله لا يعلم به إلا بعد وقوعه، وهؤلاء تبرأ منهم ابن عمر٢، ومنهم من قال: إن أفعال العباد ليست مخلوقة، وأنكر بعضهم إرادة الإنسان ومشيئته، إلى آخر ما خالفوا فيه، مما يعلم بطلانه بيقين، ومخالفته للثابت في القرآن والسنة، والمجمع عليه عند أهل السنة والجماعة.
стр. 248
المبحث السادس: الشمولية
الشمولية هي الموسوعية في المعنى والتطبيق، والمراد بالموسوعية في المعنى: شمول العقيدة للتصور الكامل للقضايا الكبرى التي ضل في تصورها كثير من الناس، والمراد بالموسوعية في التطبيق: شمولية آثار هذه العقيدة لحياة المسلم من جهاتها المختلفة، بحيث تتكامل هذه الآثار، وتتفاعل في صياغة الحياة صياغة ربانية.
ولذلك؛ فإن العقيدة الإسلامية -كأثر لهذا الشمول العام في الإسلام- عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده، وما يتفرغ عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرف العبد على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة.
مظاهر وصور الشمولية:
إن أركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطًا وثيقًا، يكمل كل منها الآخر، وقد جاءت النصوص القرآنة لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرًا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا؛ بل كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعًا جاءوا برسالة واحدة من عند الله تعالى.
وإذا كانت الشمولية إحدى الخصائص الجلية في العقيدة الإسلامية بشكل عام، فإنها ظاهرة جلية عند أهل السنة بشكل خاص.
وهي تعني عدم الاقتصار على طلب علمها، وممارسة أعمالها والتحقق بمقتضياتها في باب دون باب، وفي أصل دون أصل، إذ ليس شيء من العقيدة مهجورًا، والجمع بين علمها ومقتضياتها، وآثارها في القلب والجوارح، هو تحقيق العبودية، ولهذه الشمولية
стр. 249
مظاهر وصور متعددة من أهمها ما يلي:
العناية بأنواع التوحيد كافة:
سواء في ذلك التوحيد العلمي الخبري "توحيد الربوبية"، أو التوحيد الطلبي الإرادي العملي "توحيد الألوهية"، وعدم إغفال عرض أحدهما لحساب الآخر، وبيان مدى الترابط بينهما، والتوجيه إلى التفكر والتدبر مع إفراده بالعبادة، وبيان كونها توقيفية.
يقول ابن القيم ﵀: "وتأمل حال العالم كله علوية وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العالم، وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على أحوال الصنع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس، فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله، وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه ... وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم يرد ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما"١.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الخليدي قوله: "ولسنا نقول: إن الله يعرف بالمخلوقات؛ بل المخلوقات كلها تعرف بالله، لكن معرفته تزيد بالنظر في مخلوقات الله".
стр. 250
وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن رجل يقول: عرفت الله بالعقل والإلهام فقال: من قال عرفت الله بالعقل والإلهام فهو مبتدع، عرفنا كل شيء بالله.
وسئل ذو النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي:
وقال عبد الله بن رواحة:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
وكان هذا بين يدي النبي ﷺ فلم ينكره عليه، فدل على صحة قول علمائنا: "إن الله يعرف بالله، والأشياء كلها تعرف بالله"١.
ولما كان توحيد الربوبية بهذه المثابة كان هو الأساس الذي ابتني عليه توحيد الله في الإلهية، فإن الخالق المالك المدبر هو المستحق وحده بأن يتوجه إليه بالعبادة والخشوع والخضوع، والذكر والدعاء والخوف والرجاء، والحمد والشكر.
فالعبادة لا يصح أن تكون لغير الرب تعالى؛ إذ كيف يعبد من لم يخلق، ولم يرزق ولم يدبر أمر الخلق؟.
قال ابن القيم: "فاسم" "الرب" له الجمع الجامع لجميع المخلوقات، فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا ينبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب، والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلا له"٢.
стр. 251
ولكون توحيد الربوبية كالأساس لتوحيد الألوهية، فقد أولاه القرآن عناية بالغة، فلا تكاد سورة من سوره تخلو من ذكره أو الإشارة إليه، وكثيرًا ما يلزم السياق القرآني المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية، فيجعله برهانًا واضحًا على وجوب إفراده سبحانه بالإلهية، فإن الذي يستحق العبادة هو منكان ربًا خالقًا ومالكًا مدبرًا، وأما من لا شأن له في خلق ولا تدبير، فلا يصلح أن يكون إلهًا معبودًا؛ حيث لم يصلح أن يكون ربًّا مقصودًا.
ولهذا تسوق الآيات الدلائل الشاهدة على ربوبيته تعالى لكل شيء، ثم ينتقل منها إلى الدعوة لعبادته وحده.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
وقال جل شأنه في نفس السورة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] .
ويقول جل شأنه في سورة النحل بعد أن ذكر آيات ربوبيته في الخلق والتدبير: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ١٧، ٢٢] ، فنفى الإلهية عن كل ما يدعى من دونه؛ لأنه لا يخلق شيئًا بل هو
стр. 252
مخلوق؛ ولأنه ميت غير حي، ولا يدري متى يبعث.
"ويطول بنا المقام لو أردنا استقصاء ما جاء في الكتاب العزيز من آيات الربوبية التي سيقت برهانًا على توحيد الإلهية، وحسبنا أن نعلم أن معظم السور مليئة من هذه الآيات لمن تدبرها"١.
وأما من توقيفية العقيدة والعبادة، فقد جاء الشرع بذم البدع من وجوه كثيرة، منها:
القرآن الكريم:
مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] .
وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] .
السنة الشريفة:
ومن ذلك حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢.
стр. 253
وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" ٢.
وروى الترمذي وصححه، وأبو داود وغيرهما من حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم يسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣.
آثار السلف الصالح:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"٤، وقال: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٥، وعن أبي بكر الصديق ﵁: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ"٦.
стр. 254
وعن أبي إدريس الخولاني ﵀: "لأن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها".
وما نقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين في ذم البدع، والتحذير من أهلها كثير جدًّا.
الاهتمام بتوحيد الأسماء والصفات بجانبيه النظري والعملي:
إن لتوحيد الأسماء والصفات شأن عظيم وأثر كبير في القلوب، والعلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم؛ فإن شرف العلم بشرف المعلوم، ولما كان ربنا ﵎ أشرف معلوم كان العلم الذي يعرف بالله هو أشرف العلوم، وكانت النصوص المعرفة بالله وأسمائه وصفاته أفضل النصوص، ولذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وكانت آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله .
هذه القواعد صاغها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في ثلاثة نقاط، فقال: "إنا نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، وأن تلتزموا بثلاث جمل من كتاب الله:
الأولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فتنزهوا رب السماوات والأرض من مشابهة الخلق.
الثانية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فتؤمنوا بصفات الجلال والكمال الثابتة في الكتاب والسنة على أساس التنزيه كما جاء: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، بعد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
الثالثة: أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية؛ لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نص الله عليه في سورة طه حيث قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [طه: ١١٠] "١.
стр. 255
ومع هذا المنهج الصحيح لفهم الأسماء والصفات، فلا بد أن ينضم إليه العناية بآثارها القلبية، والتعبد لله ودعائه بها، حتى يتم الإيمان بالأسماء والصفات كما آمن با سلف الأمة الذين جمعوا بين الفهم والعمل، ونظروا إلى كل اسم من أسماء الله بأن فيه حقا من العبودية لله على العباد يتعبدون لله به.
وهذه الآثار التي يورثها الإيمان بأسماء الله وصفاته يبينها ابن القيم، فيقول: "والأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية، والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، عني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فعلم العبد يتفرد الرب تعالى بالضرر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق، والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا، وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأن يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره، وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة، والباطنة بحسب معرفته وعلمه، وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي من موجباتها، وكذلك علم بكماله وجماله، وصفاته العلى يوجب خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية، كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات"١.
стр. 256
ويقول ﵀: "وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلاهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه الأنس، والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته، واللهج بذكره والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه، ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه، والافتقار إليه والاستعانة به والذل، والخضوع، والانكسار له.
وكما ذلك أن يشهد ربوبيته في ألوهيته، وألوهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعز في عفوه وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته، وعدل في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه، وأنت إذا تدبرت القرآن، وأجرته من التحريف وأن يقضي عليه بآراء المتكلمين، وأفكار المتكلفين، أشهدك ملكًا قيومًا فوق سماواته على عرشه يدبر أمر عباده، يأمر وينهى، ويرسل الرسل، وينزل الكتب، ويرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية، فعال لما يريد، موصوف بكل كمال، منزه عن كل عيب، لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ليس لعباده من دونه ولي ولا شفيع"١.
فتبين مما سبق أن الإيمان بأسماء الله وصفاته ليس هو المعرفة النظرية والتسليم المجرد بها، ونفي التحريف الكلامي والشبهات البدعية التي اكتنفتها وفقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تدبر مدلولاتها، وآثارها ومقتضياتها، والتعبد لله بها.
стр. 257
الاهتمام ببيان حقيقة الكفر وشعبه، كالاهتمام ببيان الإيمان وشعبه:
يقول ابن رجب: "وهذه المسائل: أعني مسائل الإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة، وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، وقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة"١.
سد الطرق الموصلة إلى الشرك كافة:
ولقد عني أهل السنة في كتبهم ومؤلفاتهم، وفتاواهم بهذا الأمر أعظم عناية، وأولوه كل رعاية.
يقول الشيخ محمد خليل هراس: "ولما كان هذا النوع من التوحيد٢ هو أخطر أنواع التوحيد وأشرفها، فقد احتاط له الشرع أعظم الحيطة، ونفى عنه كل شائبة شرك، وحرم كل وسيلة مفضية إلى الإخلال بقواعده؛ حتى يبقى مصون الحمى بعيدًا عن عوامل الزيغ والانحراف، فنهى عن الألفاظ التي توهم الندية، والمساواة بين الله وبين أحد من خلقه كقولك مثلًا: أنا في حمى الله وفلان، أو: أنا متوكل على الله وعلى فلان، أو: ما شاء الله وفلان، وبين أن المخرج من ذلك هو أن يعطف بثم لا بالواو، وكذلك نهى عن الألفاظ التي فيها تعظيم لغير الله
أو نسبة تأثير إليه كقولك: وحياتك أو وحياة أبيك أو لولا فلان لكان كذا، ولولا صياح الديك لسرقنا اللصوص، ونهى أيضًا عن
стр. 258
اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى تعظيمها وعبادتها، وقد استفاض عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها لما في ذلك من التشبه بعبادها حيث يتحرون السجود لا في هذه الأوقات.
ونهى عن شد الرحال إلى مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله بالعبادة فيه إلا المساجد الثلاثة التي هي المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى.
ونهى أن يقوم الناس بعضهم لبعض على جهة التعظيم، فقال ﷺ لأصحابه لما رآهم قاموا له: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضم بعضًا" ٢.
ونهى ﷺ أصحابه عن الغلو فيه والمبالغة في مدحه، فقال ﷺ : "لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٣.
وقال للوفد -الذين قالوا: "أنت سيدنا وابن سيدنا": "إنما السيد الله" ٤.
وقال للرجل -الذي قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده" ٥.
وقال للرجل الذي دخل عليه فأخذته رعدة من هيبته: "هون عليك فإنما أنا بن مرأة كانت تأكل القديد بمكة" ٦.
стр. 259
ونهى عن إشراف القبور وتجصيصها، وبناء القباب عليها، وإيقادها بالسرج، والعكوف عليها؛ خشية الافتتان بها والوقوع في تعظيمها.
وأنكر ﷺ على معاذ بن جبل ﵁ حين دخل علي فسجد له.
ونهى عن الوفاء بالنذر في مكان يعبد في صنم، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية.
ولقد نهج الخلفاء الراشدون ﵃ سنة نبيهم ﷺ في الحيطة للتوحيد والمحافظة على حماه المقدس، حتى إن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أمر بقطع الشجرة التي بايع الصحابة رسول الله ﷺ تحتها على الموت عام الحديبية، لما علم أن بعض الناس يذهبون إليا، ويتعمدون الصلاة عندها.
وقال مرة وهو يستلم الحجر الأسود: "اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"١.
وعزل خالدًا ﵁ عن القيادة في وقت كانت الآمال كلها معلقة به ليتمم ما بدأه من الانتصارات على الروم؛ ولكنه خشي أن يفتتن به الناس فعزله، وولى مكانه أبا عبيدة بن الجراح ﵁.
وهذا علي ﵁ يقول لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني علي رسول الله ﷺ ، أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها"٢.
وعلى هذا النهج الواضح من المحافظة على التوحيد سار السلف الصالح، وأئمة الهدى من بعدهم، لم يسمحوا لأحد أن يخرق سياج التوحيد أو يستبيح بيضته"٣.
стр. 260
وقضية الحكم والتشريع وثيقة الصلة بقضية التوحيد؛ بل هي من صلب قضية التوحيد.
إنها تنشأ عن الرضا بالله تعالى ربا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالإسلام دينًا.
إن قضية التحاكم إلى دين الله عز ودجل، والالتزام بشرعه هي جزء من توحيد الله في ربوبيته وألوهيته؛ فتوحيد الله يقتضي إفراده بالأمر كما يفرد سبحانه بالخلق، لذا قرن الله بينهما فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فكما أنه سبحانه هو الذي خلق، فهو الحقيق سبحانه بأن يأمر شرعًا وقدرًا.
يقول الشيخ بكر أبو زيد: "إن تحكيم شرع الله من أعظم الواجبات، قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] "١.
ويقول الشيخ عمر الأشقر: "إن دعوة التوحيد تقتضي الالتزام بالمنهج الحق، وأما الاعتراف بالله ربا ومعبودًا والتوجه إليه في الصلاة والصوم والدعاء، والاستكبار عن الالتزام بشرعه في أمور السياسة، والاقتصاد والحكم والتربية، فهذا من جنس ضلال المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى"٢.
الاعتناء بعقيدة الولاء والبراء:
وذلك بالتوجيه إلى تحقيق الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتحقيق البراء من كل ما يخالف هذه العقيدة، وكل من يخالفها، كل بحسبه.
стр. 261
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢] .
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٣٨-١٤٤] .
يقول الشيخ صالح الفوزان: "من أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويوالهيم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم"١.
والمتأمل لكتاب الله يدرك دون عناء مقدار ما أولى القرآن هذه القضية من عناية واهتمام.
يقول الشيخ حمد بن عتيق: "فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله أوجب ذلك، وأكد إيجابه وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده"٢.
стр. 262
مواجهة الانحرافات العقدية المعاصرة:
ومن ذلك مواجهة صور الشرك الواقع، والبدع القائمة، والانحرافات الماثلة في واقع مجتمعات المسلمين.
وهذا الاهتمام بمواجهة الانحرافات العقدية المعاصرة كما هو نهج سلف هذه الأمة، فهو نهج أنبياء الله ، فهم يبدأون أولًا بترسيخ قاعدة العبودية لله والدعوة إلى توحيد الإلهية، ثم ينطلقون من قاعدة التوحيد إلى إبطال ومحاربة الانحرافات التي يواجهونها في أممهم، لذا تتنوع اتجاهات دعوتهم بعد تأصيل الأصل المشترك لكل النبوات، وهو توحيد الله .
كما ذكر الله عن شعيب ﵇ في قوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] .
وكذا في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦-١٨١] .
وذكر سبحانه عن لوط ﵇: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٠-١٦٦] .
стр. 263
فهذا هدي أنبياء الله ، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
فلا يصلح أن تنحصر المواجهة في بعض القضايا، وبعض القواعد التي واجه بها السلف الصالح الانحرافات التي عاصروها، وكانت فريضة الوقت حينئذ مع إغفال الانحرافات التي تواجهنا في هذا العصر، والحرب التي تستهدف أصل الإسلام، وتسعى لتنحيته من الوجود.
فليس من الشمولية الوقوف عند بعض المعارك التاريخية التي طويت صفحاتها واندثرت فتنتها، مع التخلي عن محاربة الانحرافات المعاصرة، والتي أجلب العدو فيها بخيله ورجله، وذلك لمجرد أن السلف الصالح بسطوا القول في هذه، ولم يبسطوه في الأخرى، وما ذاك إلا لعدم قيام الداعي إلى ذلك.
وليس المراد الإهمال المطلق لهذه القضايا، وإنما تناولها تناولًا مجملًا يكفل بيان الحق من ناحية، وتجنب إحياء الفتن القديمة وتجديد المعارك المندثرة من ناحية أخرى، ثم الانشغال بمواجهة فتن العصر المستجدة، ومشاكله الراهنة.
على أنه يلزم وجود طائفة من أهل الاختصاص الشرعي تتوسع في فهم ودراسة هذه الانحرافات وتفاصيلها، وأقوال الفرق فيها وشبهاتها، والردود على تلك الشبهات، فهذا يدخل في فروض الكفايات، والله أعلم.
стр. 264
الفصل الثالث: قواعد وضوابط الاستدلاال على مسائل الاعتقاد
تمهيد
...
الفصل الثالث: قواعد وضوابط الاستدلال على مسائل الاعتقاد
تمهيد:
لم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد؛ بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تعقيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل، يظهر ذلك في كتب أهل السنة والجماعة المتقدمين عامة، ويظهر بوضوح في مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، إلا أن الدراسات المعاصرة عنيت بتحرير تلك القواعد، وبيان الضوابط، والكشف عن مناهج السلف والأئمة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وفي الرد على أهل البدع والإلحاد١.
وفيما يلي تنبيه على أهم تلك القواعد، والضوابط المنهجية في تقرير مسائل الاعتقاد، كما أشارت إليها كتب المتقدمين، وجمعتها وتبتها كتب المتأخرين.
стр. 265
المبحث الأول: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين
لقد تقدم أن أدلة مسائل التوحيد من أقوى الأدلة ثبوتًا وأصرحها دلالة، وعامة مسائل الاعتقاد -لأجل هذا- متفق عليها بين سلف الأمة.
والله تعالى أمر بالدخول في شرائع الإيمان كافة، ونهى عن الإيمان ببعض والتكذيب ببعض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] ، وأمر المؤمنين أن يقولوا: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وفي الحديث: "إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا؛ بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" ١.
"فينبغي للمسلم أن يقدر كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس"٢.
فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه، أو دل عليه وأخبر به، فحقه، التصديق والتسليم مع الإجلال والتعظيم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] ، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
стр. 266
وما كان -من أمر الله- متعلقًا بعمل فحقه الامتثال بلا تردد، والاتباع بلا هوى.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] .
والسنة صنو الكتاب في وجوب التسليم والتعظيم، قال الأوزاعي١ للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود" ٢، و "ليس منا من لم يوقر كبيرنا" ٣، وما أشبه من الحديث ما معناه؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: "من الله -عز وحل- العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"٤.
وورد ذلك عن الزهري عقب روايته لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... "، والحديث رواه الأوزاعي عن الزهري، ثم قال: فقلت للزهري: ما هذا؟
стр. 267
فقال: "على رسول الله ﷺ البلاغ وعلينا التسليم"١. وفي رواية: "من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، أمروا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت"٢، زاد في لفظ: "من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حدث رسول الله ﷺ كما جاء بلا كيف"٣. وقال مرة: "وكانوا يجرون الأحاديث عن رسول الله ﷺ كما جاءت تعظيمًا لحرمات الله"٤.
وورد نحو ذلك عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك لما سئل عن الاستواء، فقال: "مجهول معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق"٥.
وقال ابن تيمية: "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك"٦.
ومثل هذا قول الإمام مالك ﵀ حين سئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ... "٧.
"والإنسان إذا علم أن الله تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبر الرسول، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، فإن
стр. 268
العامي يصدق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وجهه، وإذا اتضح ازداد نورًا على نور، فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصادقون المصدقون؛ بل لا يجوز أن يخبر الواحد منهم خلاف ما هو الحق في نفس الأمر"١.
قال الإمام الطحاوي ﵀: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكا زائغًا لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا"٢.
وبضدها تتميز الأشياء، فأين هذا المنهج السديد، والتعقيد الرشيد، الذي سار عليه أهل السنة، من مثل قول عمرو بن عبيد -إمام المعتزلة: "لو كانت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] في اللوح المحفوظ، لم يكن لله على العباد حجة! "٣.
أو قوله في حديث الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة. الحديث" ٤، قال -قبح الله قوله: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، لو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"٥.
وأخيرًا فإن في الإلتزام هذ القاعدة إثبات عصمة المرسلين، وتحقيق متابعة الرسول فيما أخبر وأمر، ومجابة مسالك المغضوب عليهم والضالين الذين ردوا على
стр. 269
أنبيائهم، وحصول رتبة الراسخين، والنجاة من مذاهب المبتدعين، ودفع توهم التعارض بين النقل والعقل.
стр. 270
المبحث الثاني: جمع النصوص في الباب الواحد وإعمالها
إن معقد السلامة من الانحراف عند بيان قضية عقدية، وتفصيل أحكامها هو جمع ما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كل، وتصحيح النقل عن النبي ﷺ ، واعتماد فهم الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح ﵃، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد -لا في الواقع ونفس الأمر، فينبغي الجمع بين هذه الأدلة برد ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامها بخاصها، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها -وذلك في الأحكام دون الأخبار فلا يدخلها نسخ، وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فبرده إلى عالمه ﵎.
قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وفي الحديث قوله ﵊: "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا وآمرًا، وحلالًا وحرامًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وأمثالًا، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا كل من عند ربنا" ١.
стр. 271
قال ابن عباس ﵄: "يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله"١.
وقال الربيع بن خثيم ﵀: "يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] "٢.
وإذا اتضح هذا؛ فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص، وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تعمل مجموعة من النصوص وتهمل الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم والغلط في التأويل٣، قال الإمام أحمد ﵀: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا"٤.
وقال الشاطبي ﵀: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها، وجزئياتها المرتبة عليها.."٥.
ومما يلتحق بهذا المعنى جمع روايات الحديث الواحد، والنظر في أسانيده وألفاظه معًا وقبول ما ثبت، وطرح ما لم يثبت، وكما قيل، والحديث إذا لم تجمع طرقه لم تتبين علله، ثم النظر في الحديث بطوله وفي الروايات مجتمعة.
стр. 272
وقد كانت لأهل البدع مواقف خالفوا بها إجماع أهل السنة بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم، فكانوا يجتزئون من النصوص بطرف، مع إغضاء الطرف عن بقية الأطراف، فصارت كل فرقة منهم من الدين بطرف، وبقى أهل السنة في كل قضية عقدية وسطًا بين طرفين، فهم -مثلًا- وسط في باب الوعيد بين غلاوة المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنبن، وبين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد عصاة الموحدين في النار، كما أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين المرجئة القائلين بأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وبين الوعيدية القائلين بتكفيره -كما هو عند الخوارج- أو بجعله بمنزلة بين المنزلتين -كما هو عند المعتزلة، وهو وسط في باب القدر بين القدرية النفاة لمشيئته تعالى وخلقه أفعال العباد، وبين الجبرية النفاة لقدرة العبد، واختياره ومشيئته ونسبة فعله إليه حقيقة، والقاعد الهادي عند اشتباه الأدلة: "أن من رد ما اشتبه إلى الواضح منها، وحكم محكمها على متشابهها عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس"١.
واتفق لأهل السنة والجماعة "موافقة طريقة السلف من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه في الدين، كالإمام أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وإسحاق، وغيرهم، وهي رد المتشابه إلى الحكم، وأنهم يأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله، فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره"٢.
стр. 273
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] .
وقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال: "يقول الباقلاني: وكل خبرين علم أن النبي ﷺ تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمرًا ونهيًا، وإباحة وحظرًا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا، والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة، وكل مثبت للنبوة"١.
ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفر بعضهم بعضًا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن -مثلًا- الوعيد: من الخوارج والمعتزلة بنصوص الوعيد٢، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة فآمنوا بنصوص الوعد٣ وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
стр. 274
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وكذا الجبرية آمنوا بما كفر به القدرية، وكفروا بما آمن به القدرية، والحق الإيمان بجميع النصوص، واعتقاد نفي التعارض بينهما، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩] ، فأثبت مشيئة للإنسان مقيدة بمشيئة الرحمن.
فأتلفت -بحمد الله- النصوص واجتمعت، وزالت الشبه وارتفعت الحجب وانقلعت.
"وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة، وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة ﵀ في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي ﵀ في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة"١.
стр. 275
المبحث الثالث: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها
إن المصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هي الوحي، فكل ما يلزم الناس اعتقاده أو العمل به، قد بينه الله تعالى بالوحي الصادق عن طريق كتابه العزيز، أو بالواسطة من كلام المصطفى ﷺ ، أو ما يرجع إليهما من إجماع صحيح، أو عقل صريح دل عليه النقل وأرشد إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وفي الحديث قوله ﵊: " ... وأيم الله، لقد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء"، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ ، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء"١، وفي رواية أخرى: "لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٢.
وفي صحيح مسلم لما قيل لسلمان الفارسي ﵁: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل ... "٣.
ودخول مسائل التوحيد وقضاياه في هذا العموم من باب الأولى؛ بل "من المحال أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب"٤.
стр. 276
والرسول ﷺ بين مسائل التوحيد تارة بأدلتها النقلية مباشرة كأحوال البرزخ، ومسائل اليوم اليوم الآخر، وتارة يجمع إلى الأدلة النقلية الأدلة العقلية ويرشد إليها، فإما أن تكون أدلة مسائل علم التوحيد أدلة نقلية، أو أدلة نقلية عقلية.
وبهذا الأصل المبارك اعتصم أهل السنة والجماعة، فصدروا عن الوحي في تعلم التوحيد في مسائله وأدلته، "ولم ينصبوا مقالة ويجعلوها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ يل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل يعتقدونه ويعتمدونه"١.
وردوا عند التنازع في مسألة ما إلى نصوص الوحي، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، ومعنى الرد إلى الله سبحانه: الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى الرسول ﷺ : الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين"٢.
وفي إعمال هذه القاعدة نظر إلى الوحي بعين الكمال، واستغناء به عن غيره، واعتماد عليه، وتجنب اللوازم الباطلة لمذهب من يعول على العقل أو الذوق دون الشرع، وتحقيق للإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ ، ونجاة من مسالك أهل الأهواء الذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله بعلومهم، وعقولهم وأذواقهم، وحسم لمادة التقليد الباطلة، مع تحقيق الاجتماع والألفة ونبذ الاختلاف والفرقة.
стр. 277
المبحث الرابع: حجية فهم الصحابة والسلف الصالح
إذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا الحق والنجاة الفلاح في الدنيا والآخرة، فإن أجدر الفرق بالصواب وأولاها بالحق، وأقربها إلى التوفيق من كان في جانب أصحاب محمد ﷺ ، وإذا كان الكتاب حمال أوجه في الفهم مختلفة؛ فإن بيان أصحاب نبينا -صلى الله عليه سلم- له حجة وأمارة على الفهم الصحيح. أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ : وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى -على علم- على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، "فكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة ﵃"١.
"فمن أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم ألبتة"٢.
قال قتادة -رحمه لله- في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] : "أصحاب محمد ﷺ "٣.
وقال سفيان ﵀ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] : "هم أصحاب محمد ﷺ "٤.
стр. 278
وفي منزلة علمهم واجتهادهم وفتاواهم قال الشافعي ﵀: " ... فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم: إن اجتمعوا، أو قول بعضهم: إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله"١.
وأفضل علم السلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة.
يقول ابن تيمية ﵀: "ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل الفضيل وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب"٢.
ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة، وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، "ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم كان أحق بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة، وأخصها بعلم الرسول ﷺ "٣.
стр. 279
والمسلمون في شأن العقيدة يحتاجون إلى "معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه، فإن المعاني العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام، ونحو ذلك ... فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين"١.
فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، لا كما يدعيه المخالفون، باختلاف نحلهم ومذاهبهم، فتارة يقول أهل السياسة والملك: إنهم لم يمهدوا قواعد الحكم والسياسة والتدبير لانشغالهم بالعلم والعبادة، وتارة يدعي أهل التصوف أنهم ما حققوا المقامات، والأحوال لانشغالهم بالجهاد والقتال وهكذا.
والحق أن "كل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكليف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا"٢.
وقال ابن رجب ﵀: "فمن عرف قدر السلف، عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدل والخصام، والزيادة في البيان على مقدار
стр. 280
الحاجة؛ لم يك عيا، ولا جهلًا ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع"١.
وفي تحديد مفهوم السلف، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، فالسلف اسم يجمع الصحابة فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي الصحيح: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... " ٢.
وهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل، ولقد حكى ابن تيمية ﵀ الإجماع على خيرية القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة٣.
ولقد اعتصم أهل السنة والجماعة بحجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فعصمهم هذا من التفرق والضلال، فقالوا بما قال به السلف، وسكتوا عما سكتوا عنه، ووسعهم ما وسع السلف.
أما أهل الضلال والابتداع، فمذهبهم الطعن في الصحابة، وتنكب طريق السلف، قال الإمام أحمد ﵀: "إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام"٤.
стр. 281
فالصحابة يكفرهم الرافضة تارة، والخوارج أخرى، والمعتزلة يقول قائلهم وهو عمرو بن عبيد -عليه من الله ما يستحق: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على شراك نعل ما أجزت شهاتهم! "١.
وصدق أبو حاتم الرازي ﵀ حين قال: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"٢.
ورضي الله عنه أبي زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة"٣.
стр. 282
المبحث الخامس: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل
ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، "فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين"١، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس، وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ .
ومراد المتكلم يعلم إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه، أو يبين مراد المتكلم- تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل٢، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدها: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
стр. 283
الثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد:
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه، قال ابن الوزير ﵀: "من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل.."١.
الرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيًّا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح٢.
ومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن -والعياذ بالله- معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ... " ٣.
ودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح، والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأ الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فهموها على وجهها الذي
стр. 284
يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: "يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم"١.
وقال ابن تيمية ﵀: "لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه -أي نصوص الوحي -على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت.."٢.
وفي إنكار التأويل الكلامي، ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرهًا. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف"٣.
ويقول ابن القيم ﵀ مبينًا خطورة التأويل، "فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد"٤.
стр. 285
ففي لزوم الإيمان بالنصوص على ظاهرها، ودفع التأويل المتعسف بغير دليل موافقة لنصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، مع بعد عن التكلف في الدين، والقول على الله بغير علم، والافتراء على رسوله الأمين، فضلًا عن ما في ذلك من مصلحة سد باب الخروج على العقيدة ببدعة محدثة، وسد باب الخروج على الشريعة، والاجتراء على الرحمات، والتهاون بالطاعات والوقوع في المنكرات، بصرف ألفاظ الوعد والوعيد عن حقيقتها وظاهرها، ودعوى أن كل ذلك غير مراد.
"وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها"١.
قال ابن تيمية ﵀: "إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله ﷺ ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه"٢.
بل كان قول أهل العلم، من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله، ومراد نبيه ﷺ ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها بما يظهر منها: قول ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله إلا غيره، ما أنزلت سورة من كتاب إله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا