← Акыда

Акыда · id 11740

طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (521 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أنت شكيلي أو قرفندي؟ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان"١. وقال ﵀: "فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه! ... وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ؟ "٢.

стр. 72

تاسعًا: أهل السنة أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أهل السنة والجماعة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هو من أعظم أصول الدين، ولكنهم يقومون به على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في نفس الوقت أصلًا آخر، وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف القلوب واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة"١. وقال ﵀: "من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة"٢.

стр. 73

فأهل السنة قد حملوا على عاتقهم مهمة مقاومة المنكر، وجهاد الدعاة إليه من المنافقين ومن آزرهم من الفاسقين، والعمل على إضعاف شأن أهل الريب والفساد، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . فهم -من بين سائر الناس- قد نذروا أنفسهم لمحاربة المنكرات وأهلها، وإنكارها، وبيان حرمتها وخطرها، وأمر الناس بضدها من الخير والبر والمعروف. وإذا كان الله قد علق خيرية هذه الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به ، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، كما أنه سبحانه قد امتدح المؤمنين بقيامهم بهذا الواجب العظيم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، إذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن أهل السنة والجماعة هم أصحاب القدح المعلى، والنصيب الأوفر في هذا الباب، إذ هم خير هذه الأمة وأفضلها. ومن اطلع على سيرة أئمة أهل السنة وتاريخهم ظهر له هذا الأمر واضحا جليا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك. ومن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر، وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونالهم في ذلك الأذى من السلطان١. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يخرج بتلاميذه، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدورون على الخمارات والحانات، فيكسرون أواني الخمور،

стр. 74

ويشققون الظروف، ويعزرون أهل الفواحش١. وقد قاموا بتأديب أهل الجبل المعروفين بالنصيرية، وألزموهم بأحكام الإسلام الظاهرة. كما كان له ﵀ ولأتباعه دور عظيم في دفع التتار عن الشام، وهزيمتهم في وقعة "شقحب" وغيرها٢، وله موقفه العظيم المعروف مع السلطان حين تأخر عن المجيء إلى دمشق مع اقتراب التتر منها٣. ولا يزال أعلام وأئمة أهل السنة على هذا الدرب سائرين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهو جهاد الدعوة الدائم، ودورها الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه.

стр. 75

عاشرًا: أهل السنة لا يتخلون عن واجب، ولا تزال طائفة منهم قائمة به إلى قيام الساعة: الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومن أعظم أصول الدين، وهو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تزال الطائفة المنصورة قائمة به، تقالت في سبيل نصرة اهذا الدين، لا تتخلى عن هذا الأمر، حتى يقاتل آخرها المسيح الدجال. وقد وردت هذه المعاني كلها عن رسول الله ﷺ . فمما ورد في استمرار الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ما رواه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ١، ورواه عروة بن أبي الجعد البارقي عن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم" ٢.

стр. 76

قال الإمام أحمد ﵀: "وفقه هذا الحديث أن الجهاد مع كل إمام إلى يوم القيامة"١. ومما ورد في حمل أهل السنة لراية الجهاد إلى يوم القيامة ما رواه جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٢. وعن جابر بن عبد الله ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ٣. وعن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال" ٤. فهذه الروايات -وغيرها- تبين أن الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لا تقف عند حد جهاد الكلمة، ببيان الحق، والدعوة إليه بالحسنى، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من خصائصها أيضا القيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وقتال أعداء الله من الكفار والمنافقين وغيرهم، وهم في جهاد مستمر مع أعداء الدين لا ينقطع بحال من الأحوال إلى يوم القيامة، حتى يقاتلوا المسيح الدجال. وإذا كان هذا حالها، فإنها تنتقل من معركة إلى معركة، ومن ميدان إلى ميدان، تدال على أعدائها فتشكر، ويدالون عليها فتصبر، ولا يخطر ببالها اعتزال الميدان أو ترك الجهاد.

стр. 77

وهذا لا يعارض ما وجد ويوجد في بعض الأمكنة والأزمنة من ترك الجهاد، مما أخبر به النبي ﷺ ، وحذر منه، فوقع في الأمة كما أخبر. فعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" ١. فإننا كما نجد مصداق قول النبي ﷺ في واقع الأمة في الأزمنة المتأخرة، من الإخلاد إلى الأرض، وترك الجهاد، والرضى بالزرع، والتبايع بالربا، وتسلط الأعداء، ونزع المهابة، وإصابتها بالوهن، نجد أيضا مصداق ما أخبر به ﷺ من دوام الجهاد واستمراره، وبقاء طائفة من أمته يقاتلون على الحق ظاهرين. فلا تكاد راية الجهاد تسقط من يد إلا وتتلقفها أيادي أخرى، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم﴾ [المائدة: ٥٤] . ومقتضى هذا الوعد ألا يزال في الأمة مؤمنون مجاهدون، باذلون، صابرون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، وهؤلا هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.

стр. 78

حادي عشر: أهل السنة أكرم الناس أخلاقا، موصوفون بالاستقامة في الهدي والسمت والسلوك الظاهر: قال الله مادحا نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وقال ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١، وقد ندبنا الله إلى الاقتداء برسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . إن أهل السنة والجماعة هم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولا شك أن أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة -من الرحمة، ومحبة الخير للناس، واحتمال أذاهم، والصبر على دعوتهم، هي المنبع الذي يستقي منه أهل السنة خصائصهم السلوكية والأخلاقية، والتي لا تقل أهمية في منظور الحق عن ميراث العلم والهدى الذي اختص به الله هذه الفرقة الناجية بفضله ورحمته. قال شيخ الإسلام: "الرسول ﷺ بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله، فبعثه بالعلم والكرم والحلم، عليم هاد، كريم محسن، حليم صفوح ... فهو يعلم، ويهدي، ويصلح القلوب، ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض. وهذا نعت الرسل كلهم ... وهذه سبيل من اتبعه ... وكذلك نعت أمته بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون ويبذلون أنفسهم وأموالهم، لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك

стр. 79

لجهلهم، كما قال أحمد في خطبته: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، إلى آخر كلامه ... وهو يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها، وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. وقد قيل أيضا: وقد يحب الشجاعة ولو على تقل الحيات، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات"١. وقال أيضا: "يأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٢، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة عى الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه، أو يفعلونه من هذا أو غيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة"٣. وقد تميز أهل السنة بهذه الخصلة الجميلة -كرم الخلق وحسن الهدي والسمت، وحرصوا عليها أشد الحرص. قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم"٤.

стр. 80

وقال حبيب بن الشهيد لابنه: "يا بني ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم، وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث"١. فاقتدى السلف الصالح ﵃ برسول الله ﷺ ، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . قال الإمام مالك ﵀: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"٢. وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين"٣. وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا فتنعم به، قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره٤. وذكر الذهبي أن مجلس الإمام أحمد ﵀ خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون، والباقون يستمدون من سمته وخلقه وأدبه٥.

стр. 81

الفصل السادس: الانتساب لأهل السنة والجماعة: إن تحقيق انتساب الفرد والطائفة إلى أهل السنة والجماعة هو أعظم المهمات، فهو طريق النجاة والعصمة في الدنيا من الفرقة والبدعة وذهاب الريح، وهو طريق النجاة في الآخرة من العذاب والتباب، قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . والتحقيق أنه طريق الإسلام المستقيم، وهو منهجه القويم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وقد فسر الصراط المستقيم بالسنة والجماعة١. فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح، يعني الانتساب إلى الإسلام الصافي عن شوائب البدع، ومخالفات الفرق. وإن كل من رضي الله بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، مقبلا على الألتزام بالإسلام جملة، وعلى تحكيم شريعته استسلاما وانقيادا، وبرئ من تبني مذهب بدعي، أو الانتساب إلى فرقة ضالة، أو اعتماد أصل كلي من أصول البدع، فهو من أهل السنة والجماعة إجمالًا، وهذا يشمل عوام المسلمين الذين لم ينضووا تحت راية بدعية، ولم يكثروا سواد فرقة غير مرضية. فهذا القدر يحقق انتسابا إجماليا تصح به النسبة إلى أهل السنة والجماعة.

стр. 82

وتتجلى أهمية هذا الانتساب وتظهر ثمراته في أمور منها: أن ضبط أصول أهل السنة والتمسك بها عصمة من الاضطراب والتخبط العلمي والعملي، وفي ذلك ما لا يخفى من حفظ الدين من أنواع التحريف كافة، ومواجهة التيارات البدعية المنحرفة، سواء القديمة منها أو المعاصرة. والانتماء الصادق إلى هذه الطائفة المباركة هو في حقيقته سبب وسبيل قاصد لوحدة العاملين في حقل الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان؛ لأن الاجتماع على هذا الانتماء أنجح وأنفع من الاجتماع على راية حزبية، أو دعوة إقليمية؛ لأنه اجتماع على منهج الحق والاتباع، وليس على حساب الحق والاتباع. ثم إن شرف تجديد الدين الذي أخبر به خاتم الأنبياء والمرسلين لا يتأتى على وجهه الأكمل، وصورته المثلى إلا من الفرقة لاناجية، والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، إذ فيهم الأئمة المتقون، ومنهم المجددون السلفيون المصلحون. وبناء على ما تقدم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: بم يتحقق صدق الانتساب وتمامه، إذا تحققه أصله وأساسه؟ هل يتحقق ذلك بإثارة قضية، أو قضايا ناقشها السلف وعالجوها في كتبهم ومقالاتهم في زمانهم وفقط! أم يتأكد بإظهار محبتهم، والترضي عنهم، وتعطير المجالس بذكرهم وحسب! أو لعل هذا الانتساب يكون بتبني كتبهم والتوافر على قراءتها وتدريسها، دون غيرها! أم أن الانتماء لهم يتحقق بمجرد التسمي باسم "أهل السنة والجماعة"، أو"أهل الحديث"، أو"السلف الصالح"، أو"الفرقة الناجية"!.

стр. 83

إلى غير ذلك من الإجابات المنقوصة لهذا السؤال المهم. والحق أن كمال الانتساب يكون بتبني جملة أصول ومعالم مجتمعة، وبقدر ما يقع من الضعف في الأخذ بها جميعا، بقدر ما يحصل من الوهن في هذه النسبة الشريفة، ويمكن إجمال هذه المعالم في النقاط التالية: أولا: تحقيق المنهجية الصحيحة: وتعني العودة بأصول الفهم والتلقي، والاستنباط إلى الكتاب والسنة، وقواعد الفهم المعتبر لدى خير القرون، كما تعني تكوين أسلوب للنظر في كليات الأمور ومهماتها، وإنشاء منهجية للتعامل مع الأحداث، والحكم على المواقف والأشياء والأشخاص، وضبط المناحي العلمية والعملية كافة بطريقة منهجية، تنبثق من مشكاة الصحابة والتابعين، وسلف الأمة الصالحين، وأهل الحديث المتبعين. وهذا يشمل العناية بمنهجية أصل أصول أهل السنة وهو العقيدة، ويشمل أيضا العناية بأصول العبادة ومنهج التنسك، والأمر والنهي، والسلوك والأخلاق ورياضة النفوس، مع التحقق بمحبتهم وموالاتهم ﵃ والتحلي بجميل شمائلهم. ولا يصح قصر حقيقة الانتساب إلى أهل السنة والسلف على الاشتغال بمسائل ومشاكل سادت فترة ثم غابت، فإن المنهجية التي واجهت فتنة القول بخلق القرآن فأثمرت مواقف مشرقة حفظت وجه الحق ناصعا مبينا، يجب أن تحيا لتواجه اليوم فتنة تحكيم الشرائع الوضعية، والولاء للقومية والوحدة الوطنية. قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .

стр. 84

كما أكدت السنة هذا المعنى في قوله ﷺ : "كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" ١. وعلى هذا فلا تتم النسبة الكاملة لأهل السنة بمجرد الوقوف عند قضايا واجهها السلف لملابسات زمانية أو مكانية، وإن لم تقم حاجة إلى إثارتها، أو مواجهتها في عالم اليوم. وعليه فإن المنهجية الصحيحة لا تقبل أن تستهدف الدعوة في بعض المواقع تحرير العقائد من شرك الأموات والأوثان، ثم نضرب الذكر صفحًا عن شرك الأحياء والأوضاع، والنظم المعاصرة. وإنما هي حرب على مظاهر الشرك كافة، وحياطة لجناب التوحيد عامة، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومستحقه في زمانه ومكانه. ومن تحقيق المنهجية الصحيحة: تعظيم أقدار السلف، واعتمادهم مرجعية عامة، بالأخذ عن علمائهم، والتتلمذ على كتبهم، والفيئة إلى أحكامهم وفتاواهم، مع مراعاة سياق وسباق كل في ظروفه وملابساته. ومن الانحراف عن المنهجية: احتكار الأسماء الشرعية الشريفة، أو المناهج الربانية المعصومة، وخلطها بالاجتهادات البشرية، وإلباسها لبوس الحزبية، وتشويهها بتحكمات مذهبية. ومن الانحراف عن المنهجية: التعلق بالأشخاص دون المنهج، واختزال الأمة في شخص أو مجموعة أشخاص، إذ المنهج يبقى والأشخاص تفنى.

стр. 85

و"من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت"١. وعليه فلا يصح اعتبار رجل عيارًا على المنهج وممثلا له دون النبي ﷺ ، ولو كان الصديق ﵁، ذلك أن المنهج معصوم والبشر ليسوا بمعصومين، كل بني آدم خطاء. ومن الانحراف عن المنهجية: اعتبار المسائل الاجتهادية -التي تختلف الفتوى بشأنها زمانا ومكانا وأشخاصا- من المنهج، ومن ذلك: تعميم اجتهادات آحاد السلف في المسائل العملية والفقهية، وإهدار الاجتهادات الأخرى، حيث إن المنهج بقواعده وضوابطه محل اتفاق، وليس محل اختلاف. ثانيا: ضبط وإحكام القواعد والأصول علما وعملًا: سواء في ذلك قواعد العلم، والتوحيد، والاتباع، والعبادة، والتزكية، والدعوة، والأمر والنهي، والجهاد، والتعامل مع الواقع، والاعتصام بالسنة، والحرص على الجماعة، ونحو ذلك.... وهذا لا يتأتى إلا بالإقبال على علومهم فهما واستيعابا، وجمعا وعرضا، وتطبيقا ودعوة. ففي جانب العلم: تجدر العناية بالقواعد الضرورية لطلب العلم والانتفاع به، كصحيح النية، والإخلاص تحقيقا للخشية، وتحصيلا لفضل الاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ ، وإقامة للدين، وحفظا للشريعة، وطلبا للتمكين. كما يتأكد تقديم العناية بالتوحيد والإيمان، والتثنية بالفقه والأحكام، مع الحرص

стр. 86

على الجوانب المثمرة من العلوم، والبعد عن الترف الفكري والجدل العقيم. واعتماد التلقي عن الأكابر في كل علم باللقيا والمشافهة، والعناية بكتب أهل السنة سواء في الاعتقاد أو الأصول والأحكام، مع التنبه إلى خطورة الآفات والمزالق في طريق طلب العلم، كالتصدر قبل التأهل، والتوقر قبل أوانه، والعزلة عن واقع الأمة، والولع بالغرائب، والتعصب للرأي والمذهب، وازدراء المخالف. وفي جانب التوحيد: الحرص على سلامة العقيدة بالاعتماد على الكتاب والسنة، وتلقيها بفهم الصحابة وسلف الأمة، والتسليم لله تعالى ولرسوله صلى عليه وسلم من غير تعرض لنصوص الوحيين بمعارضة ومناقضة، وترك التخليط في مصادر التلقي وتصفيتها من كل منهج كلامي مردود، أو شوب فلسفي مذموم. ومن ذلك: سد باب الابتداع والإحداث في الدين، ورد جميع ما خالف سنة سيد الأنبياء والمرسلين. مع الاحتياط التام في جانب التبديع والتكفير للمخالف من أهل القبلة وجهلة العوام من أهل الملة، لشبهة بدت أو سوء تأويل، والتفريق بين القول وقائله، والفعل وفاعله. ومن ذلك: تحقيق شمولية علم العقيدة لأبوابها كافة بالجمع بين توحيدي الربوبية والألوهية في العناية والعرض والتعليم، وكذا الجمع في التناول بين قضايا الإيمان وحقائقه، ومبطلاته ونواقضه، والعناية بتوحيد الأسماء والصفات بجانبيه العلمي النظري، والعملي التربوي. ومن ذلك: مواجهة الانحرافات المعاصرة بتحقيق عقيدة البراء من كل مخالف كل بحسبه، وتأصيل عقيدة الولاء لله ورسوله، وللمؤمنين كل بحسبه.

стр. 87

ومن ذلك: ربط العقيدة بآثارها العملية من استقامة الأخلاق، وانضباط السلوك، والتحرك بالدعوة إليها، فترى في أهداف صاحبها، وتسمع في أقواله، وتقرأ في كتاباته. ومن ذلك: الصدور عنها في تقويم الأشخاص والأحداث والمواقف، واتخاذها دون غيرها من الأسماء والشعارات معقدا للتفرقة وفيصلا بين الخلق، والتقيد بها في منهج الدعوة كله، ورفض الوسائل التي تنافيها، والأساليب التي تناقضها. ومن أهم ما يذكر فلا ينسى: اتقاد جذوة التضحية في سبيلها، واستعذاب المشاق في نصرتها، وبذل النفس والنفيس في رفعتها، وتكثير سواد أهلها١. وفي جانب الاتباع: يطلب تحقيقه وتقعيده علميا وعمليا، بالحذر من اتباع الهوى والتقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو رأي، واتباع الدليل من القرآن والسنة، والإجماع والقياس وما استند إلى هذه المصادر. ومن ذلك: فتح باب الاجتهاد في كل ما لم لم يرد فيه نص قاطع، أو إجماع صريح، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد في الجملة، كما لا يجب تقليد إمام بعينه. وزلة العالم لا يتابع عليها ولا يهدر بسببها، والأصل في الفتوى أن تناط بأهل الاجتهاد فإن عدموا اعتبر الأمثل فالأمثل، والقول الوسط في التمذهب جوازه بلا تعصب. ومن ذلك: التفريق بين مسائل الخلاف الاجتهادية التي لا ينكر على المخالف فيها ولا يضيق عليه، ومسائل الاختلاف التي لا يسوغ فيها خلاف، مع التأكيد على إحياء، وممارسة أدب الخلاف.

стр. 88

ومن أعظم أصول أهل السنة: التزام الطاعة للأئمة ما أقاموا كتاب الله في الأمة، وكما أن الاتباع واجب شرعي، فإن الاجتماع مطلب شرعي وضرورة عملية. ويتحقق الاتباع العلمي والعملي بالاجتماع على أهل العلم الموافقين للسنة المتبعين لها قولا وعملا، وبالاجتماع على الإمام الحق ولزوم بيعته، والانضواء تحت رايته. وفي جانب التزكية والتربية: يتعين التأكيد على أنها مهمة الأنبياء والمرسلين، وهي من سبيل إقامة الدين، وبدونها لا يتأتى تغيير وإصلاح، وليست لها غاية تنتهي عندها، كما لا يستغني عنها المنتهي فضلا عن المبتدي، أنواعها كثيرة متعددة، فتربية علمية وأخرى وجدانية وثالثة جهادية.. ووسائلها لا تنحصر. ومنهج التربية والتزكية يقوم على الوسطية: فكما أن أهل السنة وسط بين فرق الأمة في مسائل الاعتقاد فهم أيضا وسط في باب التربية، والسلوك بين طرفي الإفراط والتفريط، فهم وسط في باب الإخلاص بين المرائين والملامية١، وهم وسط بين المشتغلين بالعبادات القلبية دون العملية كالصوفية، والمشتغلين بإقامة رسوم العبادات الظاهرة فحسب، فكانوا أهل العبادة الظاهرة والباطنة. وهم وسط بين من يريد من الله ولا يريد الله، وبين من يريد الله ولا يريد من الله، فهم يريدون رضا الله وجنته، وأما غيرهم فمنهم من يريد رضا الله ولا يريد جنته، كحال كثير من الصوفية، ومنهم من يريد نعيم الجنة المخلوق، ولا يريد رضا الله، كحال كثير من المتكلمة.

стр. 89

وهم وسط بين أصحاب الفجور والفواحش والاستهتار، وأصحاب الرهبانية والتشديد على النفس وتعذيب البدن. ومنهج التربية والتزكية يقوم على السلفية: وموافقة نصوص الشارع في السلوك لفظا ومعنى، فليسوا كالذين وافقوا النصوص في اللفظ دون المعنى كالباطنية، وليسوا كالذين تكلموا في المعنى بألفاظ مبتدعة ككثير من الصوفية. ومنهج التربية والتزكية يقوم على الواقعية والعملية: لا على السلبية أو المثالية. فهو منهج التسديد والمقاربة، والقصد في الأمر كله، ومراعاة أحوال المكلفين، وتحقيق الملاءمة والمواءمة بين طبيعة هذا الدين وطبيعة المكلفين، فتكليف المندوبات والنوافل بحسب الوسع والطاقة، وأحب العمل أدومه وإن قل، والمؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرًا. ومن الواقعية إدراك أن تفاوت القدرات إنما هو بسبب تنوع المواهب، واختلاف الاستعدادات، ذلك أن الله قسم الأعمال والأخلاق كما قسم الأموال والأرزاق، وعلى كل أن يرضى بما فتح له فيه، وأفضل الأعمال بعد الفرائض يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، ومن الناس من فتح له في كل باب، وضرب له في كل خير بسهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء١. وفي جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يتعين التأكيد على أنه جهاد الدعوة الدائم، الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا هداه، وبإقامته على وجه الصواب استحقت هذه الأمة الخيرية، والنكول عنه والتهور فيه طرفان مذمومان، والقائمون به على وجهه يعلمون

стр. 90

الحق ويرحمون الخلق وهم خير الناس للناس. والوجوب فيه مرتبط بحصول القدرة وغلبة المصلحة، ويسقط بخوف الضرر المحقق، كما يسقط بالعجز، وينبغي الانكفاف عنه في حق الآحاد إذا أدى إلى ما هو أشد منه مفسدة وفتنة. وتقدير المصالح والمفاسد في هذا الباب موكول إلى العالم الذي يوثق به علمًا وفطانة، وورعًا وديانة. - والتدرج في الإنكار والنظر في المآلات، وتقديم الأهم على المهم، وزوال المنكر بالكلية، أو تخفيفه مطلوب شرعا. وأما زوال المنكر مع زوال مثله من المعروف، أو حصول مثله من المنكر فموضوع اجتهاد ونظر، وأما زوال المنكر وحصول ما هو أكبر منه، أو فوات ما هو أكبر من المعروف فممنوع شرعا. - ومع أن هذا الواجب من فرائض الوقت المضاعة ومن حرم الإسلام المهدرة، فإن حاجة الأمة اليوم إلى التألف والمداراة، وتصحيح المفاهيم، واستفاضة العلم والبلاغ، وبناء قاعدة الإيمان في القلوب، أمس من حاجتها إلى قصر الاحتساب على طائفة من المنكرات الجزئية في حين تنسى معالم الدين الكلية، وتلتبس معاقده وأصوله الكبرى، ومن حيث الوجوب، فليشمل الإنكار كل منكر، وأما من حيث الاشتغال بالتغيير فكل منكر بحسبه، وكل منكر بقدره. - ولا يخفى أن هذا الواجب يشمل التغيير بمراتبه الثلاث، باليد واللسان والقلب، والثالثة لا تسقط أبدًا، والثانية لكل أحد في مواضع الإجماع والمسائل الجليات، ويختص أهل العلم بما وراء ذلك من مواطن الخلاف ودقائق المنكرات، ولا

стр. 91

تسقط هذه الرتبة خول لوم أو أذى خفيف. وأما التغيير باليد فمشروط بحصول القدرة، وألا يؤدي إلى تحريك الفتنة، وأن يتقصر فيه على القدر المحتاج إليه من غير زيادة، وألا يترتب عليه من الضرر ما لا يحتمل في الدين، أو النفس، أو الغير١. - وفي جانب إدراك الواقع وفهمه: تكمن أهميته في أنه يعين على تحقيق البصيرة في النوازل فيسدد الفتاوى، ويحكم أمرها، وبه يتوصل إلى استبانة سبيل المجرمين، وتعرية مناهج المنحرفين، وتكميل التوازن في البنيان التربوي. - وفي مقابل ما ذكر من أهميته، فإن الاستغراق فيه، والمغالاة في تناوله يفضي إلى الافتتان بالبهرج والزيف، وضعف وإغفال التأصيل الشرعي باعتبار أن الواقع هو الأصل تار، وبإغفال المنهج الصحيح في تلقي الأخبار والحكم على الرجال تارة أخرى، وبفقدان الاعتدال والتوازن بين فقه النص والواقع تارة ثالثة. وكذا من سلبياته: الانعزال عن الأمة بحجة تخلف العامة عن الوعي المطلوب، فإذا عاد الوعي بعزلة ومفاصلة بين العالم وأمته، وبين الدعاة والعلماء، فقد أتى هذا الوعي بنقيض مقصوده، وكر الفرع على أصله بالإبطال، وهذا لا يجوز بحال. وفي جانب الجهاد: الجهاد من أعظم أصول الدين، وهو بيعة ماضية في أعناق المؤمنين، ومعنى الجهاد يشمل استفراغ كل وسع، وبذل كل جهد في نصرة الدين بالحجة والبيان، والدعوة والإرشاد، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

стр. 92

والجهاد ماض إلى يوم القيامة، وإنكار وجوبه إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وادعاء نسخه بجهاد الكلمة بدعة في الدين وضلالة، ونقص في العقل وسفاهة. وهدف الجهاد العام هداية الناس وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويدخل تبعا رد اعتداء المعتدين، وإزالة الفتنة عن المدعوين، وحماية وتقوية دولة المسلمين، وإرهاب أعداء الدين وترك الجهاد هو الهلكة والخسران المبين. ولا بد في الجهاد من استيفاء الشرعية، وعدم الإضرار بالأم، بحصر الصراع مع أعدائها لا غير، مع وضوح الراية وسلامتها من ولاءات جاهلية، وشعارات عمية، وقبل ذلك وبعده أن تتحقق المصلحة من القتال بإعزاز الدين، والدفع عن المستضعفين وكف بأس الكافرين. وينبغي التأكيد على الحذر من استعجال مواجهة من غير تهيؤ يرجح معه الظفر، ويتوقع معه قبول الأمة، وسلامة التوقيت زمانا ومكانا، واستفراغ الوسع في اتخاذ أسباب النصر المادية والمعنوية، وذلك لئلا ترجع هذه المواجهات بنقيض ما شرع الجهاد لتحقيقه من إعزاز الدين، وتقوية شوكة المسلمين. وباستيفاء جميع ما تقدم على وجه السداد والمقاربة تتم النسبة الشريفة، وتكمل الفضيلة المنيفة، وترتقي ذرى الكمال والدرجات العلا في الجنة، ومن صفى صفي له. قيل لسهل بن عبد الله: "متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ "، قال: "إذا عرف من نفسه عشر خصال: ١- لا يترك الجماعة. ٢- ولا يسب أصحاب النبي ﷺ . ٣- ولا يخرج على هذه الأمة بسيف.

стр. 93

٤- ولا يكذب بالقدر. ٥- ولا يشك في الإيمان. ٦- ولا يماري في الدين. ٧- ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب. ٨- ولا يترك المسح على الخفين. ٩- ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل١. ولم يذكر العاشرة، إلا أن يكون اعتبر الأخيرة قسمين: "وال جار"، أو"وال عدل"، فتتم المسائل العشرة. وهذه المسائل كلها تجمع بين الأمور العلمية والعملية، وإنما ذكر مخالفة أهل البدع لأهل السنة والجماعة، وليس المراد أن من فعلها بمفردها دون بقية أمور الإيمان يكون من أهل السنة والجماعة.

стр. 94

الباب الثاني: علم التوحيد مبادىء ومقدمات الفصل الأول: مبادىء علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة تمهيد ... الباب الثاني: علم التوحيد مبادئ ومقدمات الفصل الأول: مبادئ علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة. تمهيد: كان طلب العلم زمن الصحابة ﵃ اشتغالًا بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة حفظا وفهما، رطريقة موسوعية جامعة، فلا تتجاتوز الآية الواحدة حتى يتعلم ما فيها من أنواع العلم والعمل معًا، وذلك من غير تمييز بين أنواع المسائل الشرعية أو تفريق بين ألوانها. فلما تطاول الزمان، كثرت المسائل، وتنوعت النوازل، واتسعت البلدان، واختلط اللسان العربي بالأعجمي، وظهرت عجمة في الأفهام نتيجة لعجمة اللسان، واقتضى حسن التعليم، ويسر التلقين، العدول عن تلك الطريقة الموسوعية الجامعة إلى ما هو أيسر وأقصر، فعمد أهل العلم إلى جمل من المسائل العلمية التي تشترك في وحدة موضوعية جامعة، فأفردوها باسم يخصها، وبلقب يميزها عن غيرها من المسائل، فتمايزت بذلك العلوم، وتباينت الفنون في اسمها ورسمها، وعرفوا تلك العلوم بما يضبط مسائلها بطريقين غالبا، إما بذكر الموضوع والمسائل التي يحتويها العلم، وسموا ذلك حدا أو تعريفا، وإما بذكر الفائدة، والثمرة، والغاية من دراسة ذلك العلم، وسموا ذلك رسما، والذي دعا إلى هذا التنويع هو أن فائدة العلم غير موضوعه ومسائله، فكما أن الثمرة ناشئة عن الشجرة وليست عينها، فالفائدة مترتبة وناشئة عن العلم بتلك المسائل وليست عينها أيضا، فصار العلم المتميز بشخصيته عند علماء التدوين هو جملة المسائل المضبوطة بجهة واحدة، موضوعية كانت أو غائية. ثم إنه جرت عادة المصنفين من المتأخرين أن يدونوا مقدمة عن العلم وفضله وثمراته، وما يتعلق به في صدر مصنفاتهم، وذلك لفوائد منها: ١- أن يحصل طالب العلم بصيرة، وتصورا إجماليا للعلم قبل أن يدخل إلى تفاصيله،

стр. 95

فيعرف الوحدة الجامعة لمسائل هذا العلم، فيأمن عندئذ من اشتباه مسائل العلوم عليه، ومن دخوله في مسائل ليس من مسائل العلم الذي عول عليه, وقصد عليه. ٢- أن يتحقق من فائدة العلم ونفعه، لينشط في طلبه وتحصيله، وليستعذب المشاق في سبيله، وليكون عند طلبه هذا العلم النافع المفيد مجتنبا للعبث والجهالة. ثم إن كثيرا من المتأخرين وضعوا بعد ذلك كتبا في موضوعات العلوم، ومبادئ الفنون، لعل من أجمعها وأشهرها كتاب "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم"، للشيخ أحمد بن مصطفى المعروف بـ"طاش كبرى زاده"، وكذلك كتاب "ترتيب العلوم" للشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي المعروف بـ"ساجقلي زاده"، وغير ذلك من المصنفات. هذا وقد استقر عمل المصنفين على ذكر مبادئ عشرة لكل علم وفن، تمثل مدخلا تعريفيا لطالب كل علم، وجمع بعضهم هذه المبادئ العشرة في قوله: إن مبادئ أي علم كانا ... عشر تزيد من درى عرفانا الحد والواضع ثم الاسم ... والنسبة الموضوع ثم الحكم وغاية وفضله استمداد ... مسائل بها الهنا يزداد وقال غيره: مبادئ أي علم كان حد ... وموضوع وغاية مستمد وفضل واضع واسم ... مسائل نسبة عشر تعد وهذه المبادئ العشر اسم لمجموعة من المعاني، والمعارف يتوقف عليها شروع الطالب والباحث في طلب العلم وتحصيله، وبيانها كالتالي:

стр. 96

١- الحد: ويقصد به التعريف الجامع لمسائل العلم ومباحثه، المانع من دخول غيره فيه. ٢- الموضوع: وهو المجال المحدد الذي يبحث فيه العلم، والجهة التي تتوحد فيها مسائله. ٣- الغاية أو الثمرة: الفائدة التي يحصلها دارس العلم ومتعلمه في الدارين. ٤- الاستمداد: الروافد والمصادر والأسباب العلمية التي يستقي منها العلم مسائله ومطالبه. ٥- الفضل: ما للعلم من منزلة وشرف وأهمية بين العلوم. ٦- الواضع: أول من ابتدأ التدوين والتصنيف في العلم، ووضع أساسه وأرسى قواعده، كما يشمل تطور التأليف في العلم ومراحله. ٧- الاسم: الألقاب التي أطلقها أهل هذا العلم عليه لتمييزه عن غيره، حتى أصبحت أعلاما عليه. ٨- الحكم: ويقصد به الحكم الشرعي لتعلم هذا العلم من بين الأحكام التكليفية الخمسة. ٩- المسائل: وهي المطالب التي يبحثها، ويقررها العلم والتي تندرج تحت موضوعه. ١٠- النسبة: صلة العلم وعلاقته بغيره من العلوم. وجريا على سنن أهل العلم، فإن البحث سيسير في ضوء من هذه المبادئ العشرة للتعريف بعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة والتقديم له، مع ملحق يشتمل على فهارس لموضوعاته ومسائله، وآخر للتنويه بأهم مصادره ومراجعه.

стр. 97

المبحث الأول: حد علم التوحيد تعريف الحد: لغة: المنع، ومنه الحدود؛ لأنها تمنع من العودة إلى المعاصي، ومنه إحداد المرأة في عدتها؛ لأنها تمنع من الطيب والزينة، وسمي التعريف حدا، لمنعه الداخل من الخروج، والخارج من الدخول١. اصطلاحا: هو الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره٢. أو هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ويمنع٣. ويسمى عند بعضهم بـ"القول الشارح" أو"التعريف"، فإذا قيل: حد علم التوحيد، فإنه يراد به تعريف ذلك العلم الذي يحيط بمعناه ويجمع قضاياه، ويمنع من التباس غيرها بها، بعبارة ظاهرة بعيدة عن الإلغاز، من غير اشتراك لفظي أو مجاز. والأصل في الحد أن يورث التمييز بين المحدود وغيره، أما تصوير المحدود وتعريف حقيقته على وجه التمام، فهذا قد لا يتيسر في كل حد ولا يتحقق في كل محدود٤. وقد درج العلماء عند تعريف ما تركب من كلمتين في مركب إضافي كعلم التوحيد أن يبدأوا بتعريف مفرديه أولا، ثم تعريفه باعتباره لقبا وعلما على الفن المعين ثانيا.

стр. 98

أولًا: معنى التوحيد: لغة: باستنطاق معاجم اللغة، فإنها تفصح بأن مادة "وحد" تدور حول انفراد الشيء بذاته أو صفاته أو أفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه. والتوحيد مصدر وحده يوحده توحيدًا، ومعناه حينئذ كما يقول ابن فارس في مقاييسه "إما جعله واحدًا، أو اعتقده واحدًا"١. فللتوحيد لغة معنيان: - الأول: جعل المتعدد واحدًا، فمن جمع بين أقطار متفرقة يقال له وحدها. - الثاني: اعتقاد الشيء واحدًا، وهذا بمعنى النسبة إلى الوحدانية، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد وإثباته له. التوحيد اصطلاحًا: للتوحيد اصطلاحا إطلاق عام وذلك باعتباره فعلا من أفعال القلوب، وآخر خاص باعتباره علما على علم معين، وعلى هذا فالتوحيد بالمعنى المصدري العام هو: إفراد الله بالعبادة، مع الجزم بانفراده في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي ذاته، فلا نظير له، ولا مثيل له في ذلك كله٢. وقال شيخ الإسلام ﵀: "هو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه"٣. قال الشيخ علي بن محمد بن ناصر الدين الشافعي الشهير بالسويدي ﵀: "التوحيد فعل للموحد، وهو وصف الله تعالى بالوحدانية، وذلك نوعان: توحيد في ربوبيته، وهو الحاصل بعد توحيد الذات والصفات، وتوحيد في ألوهيته"٤.

стр. 99

وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: "هو اعتقاد تفرده سبحانه في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وتخصيصه بالعبادة"١. وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: "هو إفراده تعالى بالعبادة التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه، مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له"٢. وهذا المعنى الاصطلاحي العام للتوحيد متفق عليه بين أهل السنة سلفًا وخلفًا. وعلى هذا فالتوحيد في معناه الاصطلاحي العام يقترب من أحد معنييي اللغة، وهو نسبته تعالى إلى الوحدانية واعتقاد ذلك، ولا يصح أن يكون على معنى التصيير والجعل. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والتوحيد هنا ليس بمعنى التصيير والجعل، فالله واحد اعتقدت ذلك أم لم تعتقده"٣. ثانيا: معنى العلم: يطلق العلم ويراد به: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع، ويمكن تعريفه بتمثيل كأن يقال: العلم إدراك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة٤. قال ابن القيم ﵀: "العلم: نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس.. فإن كان الثابت في النفس مطابقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح"٥. ويطلق العلم على الظن الغالب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: غلب على ظنكم، قال النسفي: "العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو

стр. 100

الظن الغالب بظهور الأمارات"١، ثم قال معلقًا: "وفي تسمية الظن علما إشارة إلى أن الظن، وما يفضي إليه القياس جار مجرى العلم"٢، كما يطلق الظن على العلم كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] . وعليه فإن العلم اصطلاحًا يطلق على مجموعة من المعارف الظنية الراجحة ومنها ما هو قطعي، بشرط أن تكون منظمة حول موضوع ما، كعلم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم الطب ونحو ذلك. وبناء على ما تقدم، فإن المختار في تعريف العلم أنه: الإدراك الحاصل بالدليل، الشامل لليقين الجازم والظن الغالب، وما بينهما من درجات ومراتب. وأخيرًا فإن العلم -اصطلاحا- قد يطلق ويراد به قواعد ومسائل العلم تارة، وإدراك هذه المسائل تارة أخرى، وملكة إدراك المسائل تارة ثالثة٣. معنى المركب الإضافي: فإذا أضيفت كلمة العلم إلى كلمة التوحيد، فإن معنى هذا المركب الإضافي هو: الإرداك الجازم المطابق للواقع عن دليل بانفراد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، مع انفراده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 101

علم التوحيد باعتباره اللقبي: الطور الأخير لهذا الاصطلاح وهو طور الاستقلال وصيرورته لقبا على فن مخصوص، وهو "علم التوحيد"، ويعرف بهذا الاعتبار على أنه: "العلم الذي يبحث عما يجب لله من صفاته الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء والقدر والقضاء"١. وقد يقال اختصارًا هو: "العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة اليقينية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"٢. وهذا التعريف يرجع إلى اعتبار هذا العلم ملكة يتمكن معها صاحبها من إيراد الحجج على العقائد، ودفع الشبهه عنها. ويرد على هذا التعريف أن أحاديث الآحاد مما يحتج به في العقائد والأحكام سواء، فلو قيل "بالأدلة المرضية" لتشمل الأدلة اليقينية والظنية لكان أولى. كما يعرف أن يعرف باعتبار موضوعه، فيقال: "علم التوحيد: هو العلم الذي يبحث في الله وما يجب له وما يجوز وما يمتنع، وهذا يشمل الأنواع الثلاثة من التوحيد: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات"٣.

стр. 102

ويلاحظ من جملة التعاريف السابقة أن علم التوحيد بمعناه اللقبي يقوم على دعامتين. الأولى: التصديق بجملة من العقائد المتعلقة بالله تعالى، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، وبالقضاء وبالقدر. الثانية: القدرة التامة على إثبات تلك العقائد المنسوبة إلى دين نبينا محمد ﷺ ، يإيراد الحجج الباهرة، ودفع الشبه الباهتة.

стр. 103

المبحث الثاني: أسماء علم التوحيد الاسم هو ما دل على مسمى كزيد وعمرو، وهو مشتق من السمة وهي العلامة، فهو علامة على مسماه، أو مشتق من السمو وهو العلو والارتفاع، إذ أنه يعلو مسماه١. والمقصود بأسماء العلم ما يطلق عليه من الأسماء المعتبرة عند أهل هذا العلم، سواء أكانت مركبة أو مفردة، والمسمى إذا كثرت أسماؤه دل ذلك على شرفه وفضله وأهميته غالبا، وعلم التوحيد من أكثر العلوم أسماء، وله أسماء شرعية وأخرى محل نظر، وبيان كل فيما يلي: أولًا: الأسماء الشرعية لعلم التوحيد ١- علم التوحيد: ولعل السبب في إطلاق اسم التوحيد على هذا العلم، هو أن مبحث وحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته، وأفعاله هو أهم مباحث هذا العلم، فهو من باب تسمية الكل بأشراف أجزائه، أو تسمية العلم بأشهر بحوثه، ثم إن ما عدا مبحث الوحدانية قائم ومعتمد عليه، فهو الأصل الذي يتفرع عنه غيره. ولقد كثرت الكتب المصنفة في باب الاعتقاد التي تحمل اسم التوحيد قديما وحديثا، فمن ذلك: - "كتاب التوحيد" لأبي العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي. - "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب "للإمام أبي بكر بن خزيمة.

стр. 104

٢- العقيدة: معناها في اللغة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي معقودة، فهي مأخوذة من العقد، وهو الجمع بين أطراف الشيء على سبيل الربط والإبرام والإحكام والتوثيق، ويستعمل ذلك في الأجسام المادية، كعقد الحبل، ثم توسع في معنى العقد فاستعمل في الأمور المعنوية، كعقد البيع وعقد النكاح١. قال ابن فارس: "العين والقاف والدال، أصل واحد يدل على شد، وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها"٢. وكلمة العقيدة لم ترد في القرآن الكريم وإنما وردت مادتها فقط في مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . "وأما معاجم اللغة القديمة فلم ترد فيها كلمة العقيدة باستثناء المصباح المنير، فقد ذكر فيه الفيومي أن العقيدة ما يدين الإنسان به، فهي الإيمان بحقيقة معينة إيمانا لا يقبل الشك أو الجدل"٣. وقد ذكر المعجم الوسيط أن العقيدة: هي "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، ويرادفها الاعتقاد والمعتقد.. وجمعها عقائد"٤.

стр. 105

معناها في الاصطلاح: "العقيدة في اصطلاح علماء التوحيد: هي الإيمان الذي لا يحتمل النقيض"١، ويلاحظ اقتراب أو تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة العقيدة٢. العلاقة بين علمي العقيدة والتوحيد: "وعلم العقيدة وعلم التوحيد مترادفان عند أهل السنة، وإنما سمي علم التوحيد بعلم العقيدة بناء على الثمرة المرجوة منه، وهي انعقاد القلب انعقادا جازما لا يقبل الانفكاك"٣. وقد يفرق بينهما اصطلاحا باعتبار أن علم التوحيد هو العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة المرضية، وأن علم العقيدة يزيد عليه برد الشبهات، وقوادح الأدلة الخلافية، فيجتمعان في معرفة الحق بدليله، وتكون العقيدة أعم موضوعا من التوحيد؛ لأنها تقرر الحق بدليله، وترد الشبهات وقوادح الأدلة، وتناقش الديانات والفرق. وقد جرى السلف على تسمية كتبهم في التوحيد والإيمان بكتب العقيدة، كما فعل أبو عثمان الصابوني ﵀ في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، والإمام اللالكائي ﵀ في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة".

стр. 106

٣- الإيمان: معناه في اللغة: قال ابن فارس: "للهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق، والمعنيان متدانيان ... وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] ، أي مصدق لنا"١. وقال الأزهري: "وأما الإيمان: فهو مصدر آمن إيمانا فهو مؤمن، واتفق أهل العلم من اللغويين أن الإيمان معناه التصديق.."٢. معناه شرعًا: وأما الإيمان في خطاب الوحي فيطلق على الاعتقاد القلبي، والإقرار اللفظي، والعمل الحسي، امتثالًا للأوامر، واجتنابا للمناهي٣. وهذا التعريف الاصطلاحي للإيمان مأخوذ من تعريف النبي ﷺ للإيمان في حديث جبريل عليه السلام٤، وفيه: "فأخبرني عن الأيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وحديث وفد بني عبد القيس٥، وفيه: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"، حيث عرف الإيمان في الحديث الأول بالاعتقادات الباطنة، وفي الحديث الثاني بالأعمال الظاهرة، ثم صار الإيمان يطلق

стр. 107

ويراد به مسائل الاعتقاد كلها. وصنف السلف كتبا باسم الإيمان بحثت قضايا التوحيد ومسائل الاعتقاد جميعا، ومن أولها: - "كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته"، للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي ﵀. - "كتاب الإيمان" للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي ﵀. - "كتاب الإيمان" للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀. ٤- السنة: معناها في اللغة: سبق أن السنة في اللغة تطلق على الطريقة المسلوكة، محمودة كانت أو مذمومة، كما تطلق على العادة الثابتة المستقرة، وعلى غير ذلك. معناه في الاصطلاح: والسنة اصطلاحا لها معان كثيرة بحسب العلم الذي نذكر فيه، ويعنينا هنا معناها عند علماء العقيدة والتوحيد، وفي معناها عندهم قال ابن رجب ﵀: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم"١. وهذا الإطلاق للسنة على العقيدة من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، فإن الاعتصام بالسنة من أهم أصول أهل السنة، على أن وصف العقيدة بالسنة كان معروفا زمن الصحابة ﵃، ويدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق

стр. 108

وإن ضربت فيه عنقه"١، وهذا لا يكون إلا فيمن خالف في الاعتقاد مخالفة عظيمة. وبناء على ذلك، فقد أطلق اسم السنة على عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا بالإضافة إلى أن السنة لغة هي الطريقة، فأطلقت على عقيدة السلف لاتباعهم طريقة النبي ﷺ والصحابة في الاعتقاد خاصة، واستفاض ذلك المصطلح في الناس حتى إذا قيل: فلان صاحب سنة، كان معناه أنه على معتقد سلفي. وقد عرفت كتب الاعتقاد باسم كتب السنة، وساد ذلك في القرن الثالث الهجري، في عصر الإمام أحمد ﵀، حيث أظهر أهل البدع بدعهم وجاهروا بها تصنيفا ومناظرة، فألف أهل السنة في الرد عليهم كتبا أسموها كتب السنة، وذلك؛ لأنهم لم يكن لهم اسم يتسمون به خصوصا بخلاف أهل الابتداع، فاعتصموا بالسنة والآثار، وجعلوا ذلك حرزًا من الضلال. ومن تلك الكتب: - "السنة" للإمام أحمد ﵀. - "السنة" لأبي بكر بن الأثرم ﵀. - "السنة" لابن أبي عاصم ﵀. ٥- أصول الدين: وهذا المصطلح مركب من مضاف ومضاف إليه، ويعرف باعتبار مفرديه أولا. فالأصل في اللغة: "ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرغ عنه غيره"٢. وفي الاصطلاح يطلق على معان متعددة، والمختار منها مما يناسب هذا الموضوع

стр. 109

أن الأصول بمعنى "القواعد والأسس العامة"١. والدين يطلق في اللغة على الذل والخضوع، كما يطلق على الحساب والجزاء٢، واصطلاحًا: هو "جملة الأحكام الاعتقادية التي تحدد ما ينبغي أن يتصف به الله من صفات، وجملة الأحكام العملية التي ترسم طريق عبوديته سبحانه"٣. والمعنى المستفاد من هذا التركيب، أن أصول الدين هي المبادئ العامة، والقواعد الكلية الكبرى، التي بها تتحقق طاعة الله والرسول. فأصول الدين بهذا الاعتبار تشمل أركان الإسلام من الأعمال الظاهرة، وأركان الإيمان من الاعتقادات الباطنة، ثم غلب على العلماء المصنفين في الاعتقاد استعمال هذا الاصطلاح في قضايا التوحيد والعقيدة، وعللت هذه التسمية بأن بحوث علم الاعتقاد أصل لما يتلوها من علوم الدين الأخرى كالفقه والحديث، ومن جهة أخرى، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا. قال الشهرستاني: "قال بعض المتكلمين: الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول، ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه"٤.

стр. 110

وقد اعترض شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن يكون مصطلح أصول الدين قاصرا على العقائد دون مسائل العمل الكبار، كالصالة والصيام والزكاة والحج، أو أن يدخل فيه مسائل العقائد المختلف فيها داخل دائرة أهل السنة، نحو: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج أم لا؟ وهل يسمع الميت كلام الحي أم لا؟ ونحو هذا١. وقد يعترض أيضًا على هذه التسمية لعلم التوحيد بأنها لا تكشف عن طبيعة هذا العلم الذاتية، وخصائصه التي يمتاز بها، حيث لوحظ فيها ما يقابله من فروع الدين فحسب. ومهما يكن من أمر، فإن عمل العلماء سلفا وخلفا جرى على اعتماد هذه التسمية حين ألفوا، وصنفوا في هذا العلم المبارك، ومن أمثلة ذلك: ١- "الشرح والإبانة عن أصولالسنة والديانة" لأبي عبد الله بن بطة العكبري الحنبلي ﵀. ٢- "الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري ﵀. ٦- الشريعة: معناها في اللغة: قال ابن منظور: "وهي لغة: من الشرع وهو السن والبيان والمورد والطريق"٢، وقال ابن فارس: "والشريعة: مورد الشاربة من الماء"٣. معناها في الاصطلاح: قد تطلق الشريعة على ما شرعه الله تعالى لجميع رسله من أصول الاعتقاد والبر
следующие страницы →