المجلد الأول
القسم الأول: ترجمة ابن مالك وترجمة الأشموني
...
القسم الأول: ترجمة ابن مالك وترجمة الأشموني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ترجمة ابن مالك:
هو جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، الطائي نسبا، الشافعي مذهبا، الجياني منشأ.
ولد في جيان في الأندلس في سنة ٦٠٠هـ، وقيل: سنة٦٠١هـ، وقيل: سنة ٥٩٧هـ، وقيل: سنة ٥٩٨هـ. تلقى علومه الأولى في بلدته، ثم انتقل، وهو شاب، إلى دمشق، ثم ما لبث أن ترك المذهب المالكي الذي كان غالبا على الأندلسيين ليدخل المذهب الشافعي.
أخذ ابن مالك القراءات والنحو عن أبي رزين بن ثابت بن محمد بن يوسف الكلاعي، من أهل لبلة بالأندلس، وسمع من السخاوي، علي بن محمد النحوي المقرئ، وقرأ على أبي الفضل مكرم بن محمد بن أبي الصقر، ولازم في حلب حلقة ابن يعيش النحوي، كما جالس تلميذه ابن عمرون.
"وكان إماما في القراءات وعللها، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها، والاطلاع على وحشيها. وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحرا لا يجارى، وحبرا لا يبارى. وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو، فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه، ويتعجبون من أين يأتي بها. وكان نظم الشعر سهلا عليه: رجزه وطويله وبسيطه وغير ذلك، هذا مع ما هو عليه من الدين المتين، وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب، وكمال العقل، والوقار والتؤدة"١.
стр. 2
وقد أخذ عنه علماء كثيرون، منهم ابنه بدر الدين محمد شارح ألفيته، والإمام النووي، وشمس الدين بن جعوان، والعلاء بن العطار، والشيخ أبو الحسين اليونيني، وبها الدين بن النحاس شيخ الديار المصرية في علم اللسان، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وابن خلكان، وشهاب الدين بن نافع، وغيرهم.
أما مؤلفاته فقد قاربت الخمسين.
وقد أحصاها الدكتور رمزي بعلبكي مشيرا إلى المطبوع منها بالحرف "ط"، وإلى المخطوط بالحرف "خ"، مغفلا الإشارة إلى العناوين التي ذكرتها المصادر ولم تطبع أو يعثر لها على مخطوط، فجاءت على النحو التالي مرتبة ترتيبا ألفبائيا١:
١- الاعتداد في الفرق بين الزاي والضاد.
٢- أجوبة على أسئلة جمال الدين اليمني في النحو "خ".
٣- أرجوزة في الخط "خ".
٤- أرجوزة في المثلثات، طبعت ضمن كتابه "تحفة المودود".
٥- الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد.
٦- الاعتماد في نظائر الظاء والضاد، ولعله المؤلف السابق نفسه.
٧- إعراب مشكل القرآن.
٨- الإعلام بمثلث الكلام "ط".
٩- أفعال الأمر التي تبقى على حرف واحد "خ".
١٠- إكمال الإعلام في تثليث الكلام "خ".
١١- إكمال العمدة وشرحه.
١٢- الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة "خ".
١٣- الألفية أو الخلاصة.
١٤- إيجاز التعريف في علم التصريف "أو: بضروري التصريف"، وقد يسمى "تصريف ابن مالك" "خ".
١٥- بيان ما فيه لغات ثلاث أو أكثر "خ".
١٦- تحفة الإحظا في الفرق بين الضاد والظا "خ"، ولعله كتاب الاعتضاد السابق نفسه.
١٧- تحفة المودود في المقصور والممدود "ط".
١٨- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد "ط".
١٩- تنبيهات ابن مالك "خ".
٢٠- ثلاثيات الأفعال "خ".
стр. 3
٢١- حوز المعاني في اختصار حرز الأماني.
٢٢- ذكر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل للزمخشري "خ".
٢٣- سبك المنظوم وفك المختوم "خ".
٢٤- شرح ابن مالك على تصريفه المأخوذ من كافيته "خ".
٢٥- شرح الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد "خ".
٢٦- شرح إيجاز التعريف.
٢٧- شرح تحفة المودود في المقصور والممدود "ط".
٢٨- شرح التسهيل "خ".
٢٩- شرح الجزولية.
٣٠- شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ "ط".
٣١- شرح الكافية الشافية "ط".
٣٢- شرح لامية الأفعال "ط".
٣٣- شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح "ط".
٣٤- الضرب في معرفة لسان العرب.
٣٥- العروض "خ".
٣٦- عمدة الحافظ وعدة اللافظ "ط".
٣٧- فتاوى ابن مالك "جمعها بعض طلبته".
٣٨- الفوائد النحوية والمقاصد المحوية.
٣٩- القصيدة الدالية المالكية في القراءات السبع "خ".
٤٠- قصيدة في الأسماء المؤنثة "خ".
٤١- الكافية الشافية "ط".
٤٢- لامية الأفعال "ط".
٤٣- المقدمة الأسدية، وضعها باسم ابنه الثاني محمد المعروف بالأسد.
٤٤- منظومة فيما ورد من الأفعال بالواو والياء "خ".
٤٥- المؤصل في نظم المفصل.
٤٦- النظم الأوجز فيما يهمز.
٤٧- نظم الفوائد.
٤٨- نظم الكافية في اللغة "خ".
٤٩- وفاق الاستعمال في الإعجام والإهمال "خ".
стр. 4
توفي ابن مالك في ١٢ شعبان سنة ٦٧٢هـ، وصلي عليه بالجامع الأموي بدمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون.
٢- مصادر ترجمة ابن مالك ومراجعها:
كثيرة هي المصادر والمراجع التي ترجمت لابن مالك، ومنها١:
- الأعلام لخير الدين الزركلي ٦/ ٢٣٣.
- البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٢٦٧.
- بغية الوعاة للسيوطي ١/ ١٣٠-١٣٧.
- البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروزابادي ٢/ ١٨٠.
- تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان ٥/ ٢٧٥-٢٩٦.
- حاشية الخضري على ابن عقيل ١/ ٧.
- دائرة المعارف ٤/ ١٦-١٨.
- دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٢٧٢-٢٧٤.
- روضات الجنات للخوانساري ٨/ ٧٦.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ٥/ ٣٣٩.
- طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٤٥٤.
- طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٢٨.
- طبقات النحاة واللغويين لابن قاضي شهبة ص١٣٣.
- العبر في خبر من غبر للذهبي ٥/ ٣٠٠.
- غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ١٨٠.
- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ٣/ ٤٠٧.
- المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ٤/ ٨.
- مرآة الجنان لليافعي ٤/ ١٧٢.
- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١٠/ ٢٣٤.
- معجم المطبوعات العربية والمعربة ليوسف اليان سركيس، العمود ٢٣٢: العمود ٢٣٤.
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي ٧/ ٢٤٣.
- الوافي بالوفيات للصفدي ٣/ ٣٥٩-٣٦٤.
٣- ترجمة الأشموني:
هو علي بن محمد بن عيسى، أبو الحسن نور الدين الأشموني "٨٣٨هـ/ ١٤٣٥م-
стр. 5
نحو ٩٠٠هـ/ نحو ١٤٩٥م". نحوي، فقيه، متكلم، ناظم. أصله من أشمون بمصر. ولد في القاهرة، وولي القضاء في دمياط. كان شيخا بارعا مفننا أخذ من أجل مشايخ عصره.
من مؤلفاته:
- حاشية على "الأنوار لعمل الأبرار" للشيخ الإمام جمال الدين يوسف بن إبراهيم الشافعي "٧٩٩هـ"، وهو في فقه الشافعية.
- منهج المسالك إلى ألفيه ابن مالك، وهو المعروف باسم "شرح الأشموني".
- نظم "إيساغوجي" في المنطق.
- نظم "جمع الجوامع" في النحو لجلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي "٩١١هـ".
- نظم "منهاج الدين" للشيخ الإمام أبي عبد الله حسين بن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي "٤٠٣هـ" في شعب الإيمان.
- الينبوع في شرح المجموع، وهو شرح لكتاب "المجموع في فروع الشافعية" لأبي علي حسين بن شعيب المعروف بابن السنجي "٤٣٠هـ".
٤- مصادر ترجمة الأشموني ومراجعها١:
- الأعلام ٥/ ١٠.
- خطط مبارك ٨/ ٧٤.
- الضوء اللامع ٦/ ٥.
- كشف الظنون ١/ ١٥٣.
- معجم المؤلفين ٧/ ١٨٤.
- معجم المطبوعات العربية والمعربة ص٤٥١.
- المعجم المفصل في اللغويين العرب ١/ ٤٨٨.
- هدية العارفين ١/ ٧٣٩.
٥- ألفية ابن مالك:
وضع ابن مالك أرجوزة طويلة تقارب أبياتها الثلاثة آلاف بيت من مزدوج الرجز، تضم النحو والصرف معا، ثم شرحها نثرا بكتاب سماه "الوفية"، ثم لخصها بكتاب سماه "الخلاصة"، الذي عرف بـ"الألفية" نسبة إلى عدد أبياته التي بلغت الألف بيت. وقد نهج ابن مالك فيها نهج نحوي قبله كان له فضل السبق في هذا المضمار هو ابن معط "توفي سنة
стр. 6
٥٦٤"، وقد اعترف ابن مالك بهذا السبق ذاهبا إلى أن ألفيته أحسن من ألفية ابن معط، فقال:
وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معط
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره
ونشير هنا إلى أن السيوطي بعده وضع ألفية وقال في أولها: "فائقة ألفية ابن مالك"، كذلك جاء بعد السيوطي الأجهوري المالكي فوضع ألفية أخرى زاد فيها على السيوطي، وقال في مقدمتها: "فائقة ألفية السيوطي".
وأبيات الألفية كلها من كامل الرجز، وتمتاز عباراتها بالرقة والدقة والإيجاز في صياغة الأحكام، ولذلك يسهل حفظها. ويظهر أن ابن مالك قد حرص على هذا الأمر لأن غايته من ألفيته غاية تعليمية، وقد جعل أبواب النحو في القسم الأول منها، وأبواب الصرف في قسمها الأخير.
وقد نالت ألفية ابن مالك من الشهرة ما لم تنله أي ألفية أخرى، أو أي كتاب نحوي آخر، فقد بلغت شروحها وشروح شروحها والذيول والحواشي عليها العشرات، كما ترجمت إلى الفرنسية والإيطالية وطبعت طبعات يصعب إحصاؤها.
٦- منهج المسالك إلى ألفية ابن مالك:
هذا الكتاب واحد من الكتب الكثيرة التي وضعت شرحا لألفية ابن مالك، وهو، كما يقول مؤلفه في مقدمته "شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك، مهذب المقاصد واضح المسالك يمتزج بها امتزاج الروح بالجسد، ويحل منها محل الشجاعة من الأسد، تجد نشر التحقيق من أدراج عباراته يعبق، وبدر التدقيق من أبراج إشاراته يشرق، خلا من الإفراط الممل، وعلا عن التفريط المخل، وكان بين ذلك قواما، وقد لقبته بـ "منهج المسالك إلى ألفية ابن مالك" ولم آل جهدا في تنقيحه وتهذيبه، وتوضيحه وتقريبه".
وقد تلقى العلماء هذا الكتاب بكثير من العناية، فوضعوا الحواشي عليه، ومن هؤلاء أبو عبد الله محمد بن علي بن سعيد التونسي المتوفى سنة ١١٩٩هـ، وقد سمى حاشيته "زهر الكواكب لبواهر المواكب"، وأبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي الحنفي "توفي سنة ١٢٠٦هـ"، وقد عرفت حاشيته باسم "حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك".
٧- طبعات الكتاب:
طبع كتاب الأشموني لأول مرة في بولاق سنة ١٢٨٠هـ مع حاشية الصبان عليه، ثم
стр. 7
طبع سنة ١٢٩٣هـ وسنة ١٢٩٨ في تونس مع حاشية ابن سعيد التونسي عليه التي سماها "زهر الكواكب لبواهر المواكب" كما سبق القول. وفي السنة ١٢٠٥هـ أعيد طبعه مع حاشية الصبان عليه في المطبعة الأزهرية بمصر وفي المطبعة الخيرية فيها أيضا.
وأول طبعة للكتاب دون الحواشي عليه هي طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد في مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٥م، وقد جاءت هذه الطبعة خالية من أي حاشية أو استدراك، إذ اكتفى المحقق بتحقيق المتن، لكنه عاد فأصدر أربعة أجزاء منه مثقلة بالحواشي والتعليقات والاستدراكات على عادته في تحقيق الكتب النحوية، ووصل في نهاية الجزء الرابع إلى نهاية باب العطف.
ولندرة الكتاب في سوق الكتب، بل لفقدانه، ولأن عمل السيد محمد محيي الدين عبد الحميد، على جودته، لم يكتمل جئت بعملي هذا علني أسد ثغرة في سلسلة تحقيقاتنا للكتب النحوية.
وقد حرصت في هذه الطبعة على:
- تخريج الآيات القرآنية، والشواهد الشعرية، والأمثال العربية مع اعتناء خاص بالشواهد الشعرية من حيث تعيين بحورها، وشعرائها، ومصادرها، ومعانيها، وإعراباتها، ومواطن الاستشهاد فيها.
- إثبات بعض التعليقات مع الحرص على عدم إثقال المتن بالحواشي.
- وضع الفهارس المختلفة في نهاية الكتاب.
وفي الختام، لا بد أن أشكر الدكتور إميل بديع يعقوب على إشرافه على هذا العمل، إذ سدد خطاي، وأعانني كثيرا كي أتمه وفق المنهج الذي ارتضاه في السلسلة النحوية الصادرة عن دار الكتب العلمية في بيروت، والتي صدر منها حتى الآن الكتب التالية.
- شرح شذور الذهب.
- شرح قطر الندى وبل الصدى.
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك.
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
- الإنصاف في مسائل الخلاف.
وبعد، آمل أن أكون قد وفقت في عملي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
حسن حمد
стр. 8
القسم الثاني: شرح الأشموني على ألفية بن مالك المسمى" منهج المسالك إلى ألفية بن مالك "
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد حمد الله على ما منح من أسباب البيان، وفتح من أبواب التبيان، والصلاة والسلام على من رفع بماضي العزم قواعد الإيمان، وخفض بعامل الجزم كلمة البهتان، مُحَمَّدٍ المنتخب من خلاصة معد ولباب عدنان، وعلى آله وأصحابه الذين أحرزوا قصبات السبق في مضمار الإحسان، وأبرزوا ضمير القصة والشان، بسنان اللسان ولسان السنان، فهذا شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك، مهذب المقاصد واضح المسالك، يمتزج بها امتزاج الروح بالجسد، ويحل منها محل الشجاعة من الأسد، تجد نشر التحقيق من أدراج عباراته يعبق، وبدر التدقيق من أبراج إشاراته يشرق، خلا من الإفراط الممل، وعلا عن التفريط المخل، وكان بين ذلك قوامًا, وقد لقبته بـ"منهج المسالك، إلى ألفية ابن مالك", ولم آل جهدا في تنقيحه وتهذيبه، وتوضيحه وتقريبه. والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به من تلقاه بقلب سليم، إنه قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 9
"شرح مقدمة الألفية":
"بسم الله الرحمن الرحيم"
١- قالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك
هو الإمام، العلامة أبو عبد الله، جمال الدين بن عبد الله "ابْنُ مالِك" الطائي نسبا، الشافعي مذهبا، الجياني منشأ، الأندلسي إقليما، الدمشقي دارا ووفاة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان عام اثنين وسبعين وستمائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة "أَحْمَدُ رَبي اللَّهَ خَيْرَ مَالِك" أي: أثني عليه الثناء الجميل، اللائق بجلال عظمته، وجزيل نعمته التي هذا النظم من آثارها، واختار صيغة المضارع المثبت لما فيها من الإشعار بالاستمرار التجددي وقصد بذلك الموافقة بين الحمد والمحمود عليه، أي: كما أن آلاءه تعالى لا تزال تتجدد في حقنا دائما كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد، وأيضا فهو رجوع إلى الأصل؛ إذ أصل "الحمد لله": أحمد أو حمدت حمد الله؛ فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه، ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، ثم أدخلت عليه "أل" لقصد الاستغراق.
و"الرب" المالك. و"الله" علم على الذات الواجب الوجود -أي: لذاته- المستحق لجميع المحامد، ولم يسم به سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ١ أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله، وهو عربي عند الأكثر، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن، في ألفين وثلثمائة وستين موضعا، واختار الإمام النووي تبعا لجماعة أنه الحي القيوم، قال: ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: في البقرة، وآل عمران، وطه. والله أعلم.
تنبيه: أوقع الماضي موقع المستقبل تنزيلا لمقوله منزلة ما حصل: إما اكتفاء
стр. 10
بالحصول الذهني، أو نظرًا إلى ما قوي عنده من تحقق الحصول وقربه، نحو: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ١.
وجملة "هو ابن مالك" معترضة بين "قال" ومقوله، لا محل لها من الإعراب، ولفظ "رب" نصب تقديرًا على المفعولية، والياء في موضع الجر بالإضافة، والله نصب بدل من "رب" أو بيان، و"خير" نصب أيضًا بدل أو حال على حد: "دعوت الله سميعًا" وموضع الجملة نصب مفعول لقال، ولفظها خبر، ومعناها الإنشاء، أي: أُنشئ الحمد.
٢- مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا
"مُصَلِّيًا" أي: طالبًا من الله صلاته، أي: رحمته "عَلَى النَّبيِّ" -بتشديد الياء- من النبوة-أي: لأنه مخبر عن الله تعالى، فعلى الأول هو فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني بمعنى فاعل. و"مصليًا" حال من فاعل "أحمد" منوية لاشتغال مورد الصلاة بالحمد، أي: ناويًا الصلاة على النبي "الْمُصْطَفَى" مفتعل من الصفوة، وهو: الخلوص من الكدر، قلبت تاؤه طاء لمجاورة الصاد، ولامه ألفًا لانفتاح ما قبلها؛ ومعناه المختار "وَآلِهِ" أي: أقاربه من بني هاشم والمطلب "الْمُسْتَكْمِلِينَ" باتباعه "الشَّرَفَا" أي: العلو.
"لفظة آل":
تنبيه: أصل "آل": أهل: قلبت الهاء همزة، كما قلبت الهمزة هاء في "هراق" الأصل "أراق" ثم قلبت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، كما في "آدم"، و"آمن" هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله "أول" كجمل، من آل يؤول: تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا. وقد صغروه على "أهيل" وهو يشهد للأول، وعلى "أويل" وهو يشهد للثاني: ولا يضاف إلا إلى ذي شرف، بخلاف "أهل"، فلا يقال "آل الإسكاف" ولا ينتقض بـ"آل فرعون" فإن له شرفًا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر: فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي، أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه. قال عبد المطلب "من مجزوء الكامل":
١- وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
стр. 11
وفي الحديث: "اللهم صل على محمد وآله".
٣- وأستعين الله في ألفيه ... مقاصد النحو بها محويه
"وَأَسْتَعِينُ اللَّهَ فِي" نظم قصيدة "أَلْفِيَّه" أي: عدة أبياتها ألف أو ألفان، بناء على أنها من كامل الرجز أو مشطوره، ومحل هذه الجملة أيضًا نصب عطفًا على جملة "أحمد". والظاهر أن "في" بمعنى على، لأن الاستعانة وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بـ"على", قال تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ ١، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٢ أو أنه ضمن "أستعين" معنى "أستخير" ونحوه مما يتعدى بـ"في"، أي: وأستخير الله في ألفية "مَقَاصِدُ النَّحْوِ" أي: أغراضه وجل مهماته "بهَا" أي: فيها "مَحْويَّهْ" أي: محوزة.
"تعريف علم النحو":
تنبيه: النحو في الاصطلاح هو: العلم لمستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها، قاله صاحب المقرب. فعلم أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا: "علم العربية" لا قسيم الصرف. وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي: المنحو، كالخلق بمعنى المخلوق. وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم، وإن كان كل علم منحوًا، أي: مقصودًا، كما خصت الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية وإن كان كل علم فقهًا، أي: مفقوهًا، أي: مفهومًا. وجاء في اللغة لمعان خمسة: القصد، يقال: نحوت نحوك، أي: قصدت قصدك، والمثل، نحو: مررت برجل نحوك، أي:
стр. 12
مثلك، والجهة، نحو: توجهت نحو البيت، أي: جهة البيت، والمقدار، نحو: له عندي نحو ألف، أي: مقدار ألف، والقسم، نحو: هذا على أربعة أنحاء أي: أقسام، وسبب تسمية هذا العلم بذلك ما روي أن عليًا رضي الله تعالى عنه لما أشار على أبي الأسود الدؤلي أن يضعه وعلمه الاسم والفعل والحرف وشيئًا من الإعراب قال: "انح هذا النحو يا أبا الأسود".
٤- تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز
"تُقَرِّبُ" هذه الألفية للأفهام "الأَقْصَى" أي: الأبعد من المعاني "بِلَفْظٍ مُوجَزِ" الباء بمعنى مع، أي: تفعل ذلك مع وجازة اللفظ، أي: اختصاره "وَتَبْسُطُ" أي: توسع "الْبَذْلَ" -بالمعجمة- أي: العطاء، وهو إشارة إلى ما تمنحه لقارئها من كثرة الفوائد "بِوَعْدٍ مُنْجِزِ" أي: موفى سريعًا.
"الفرق بين "وعد" و"أوعد"":
تنبيه: قال الجوهري: أوعد -عند الإطلاق- يكون للشر، ووعد للخير، وأنشد "من الطويل":
٢- وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
стр. 13
٥- وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معط
"وَتَقْتَضِي" أي: تطلب، لما اشتملت عليه من المحاسن "رِضا" محضًا "بِغَيْرِ سُخْط" يشوبه "فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ" الإمام العلامة أبي الحسن يحيى "ابْنِ مُعْط" بن عبد النور الزواوي الحنفي، الملقب زين الدين، سكن دمشق طويلًا، واشتغل عليه خلق كثير، ثم سافر إلى مصر وتصدر بالجامع العتيق لإقراء الأدب، إلى أن توفي بالقاهرة في سلخ ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن من الغد على شفير الخندق، وبقرب تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة.
تنبيه: يجوز في "فائقة" النصب على الحال من فاعل "تقتضي"، والرفع خبرًا لمبتدأ محذوف، والجر نعتًا لألفية، على حد ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ١ في النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة، والغالب العكس، وأوجبه بعضهم.
٦- وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا
٧- والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره
"وَهْوَ" أي: ابن معط "بِسَبْق" الباء للسببية، أي: بسبب سبقه إياي "حَائِزٌ تَفْضِيلا" علي "مُسْتَوْجِبٌ" علي "ثَنَائِيَ الجَمِيلا" عليه؛ لما يستحقه السلف من ثناء الخلف. و"ثنائي" مصدر مضاف إلى فاعله، وهو الياء، والجميل: إما صفة للمصدر، أو معمول له "وَاللَّهُ يَقْضِي" أي: يحكم "بهبَاتٍ" جمع هبة، وهي: العطية، أي: عطيات "وَافِرَهْ" أي: تامة "لِي
стр. 14
وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الآخِرَهْ" الدرجات: قال في الصحاح: هي الطبقات من المراتب، وقال أبو عبيدة: الدرج إلى أعلى، والدرك إلى أسفل، والمراد مراتب السعادة في الدار الآخرة، ولفظ الجملة خبر ومعناها الطلب.
تنبيه: وصف "هبات" وهو جمع بـ"وافرة" وهو مفرد لتأوله بجماعة، وإن كان الأفصح وافرات؛ لأن هبات جمع قلة، والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل وفي جمع العاقل مطلقا المطابقة، نحو: "الأجذاع انكسرن، ومنكسرات، والهندات والهنود انطلقن، ومنطلقات" والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الإفراد نحو: "الجذوع انكسرت، ومنكسرة".
خاتمة: بدأ بنفسه لحديث "كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه"، رواه أبو داود، وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ١ وعن موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ ٢، وكان الأحسن أن يقول رحمه الله تعالى:
والله يقضي بالرضا والرحمه ... لي وله ولجميع الأمه
لما عرفت، ولأن التعميم مطلوب.
стр. 15
الْكَلاَمُ وَمَا يَتَأَلَّفُ مِنْهُ:
الأصل "هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه" اختصر للوضوح.
٨- كلامنا لفظ مفيد كـ"استقم" ... واسم وفعل ثم حرف الكلم
٩- واحده كَلِمَة والقول عم ... وكَلْمَة بها كلام قد يؤم٢
"كَلاَمُنَا" أيها النحاة "لَفْظٌ" أي: صوت مشتمل على بعض الحروف: تحقيقا كزيد، أو تقديرا كالضمير المستتر "مُفِيدٌ" فائدة يحسن السكوت عليها "كَاسْتَقِمْ" فإنه لفظ مفيد بالوضع. فخرج باللفظ غيره من الدوال مما ينطلق عليه في اللغة كلام: كالخط، والرمز، والإشارة، وبالمفيد المفرد، نحو: زيد، والمركب الإضافي، نحو: غلام زيد، والمركب الإسنادي المعلوم مدلوله ضرورة: كالنار حارة، وغير المستقل كجملة الشرط، نحو: "إن قام زيد"، وغير المقصود، كالصادر من الساهي والنائم.
تنبيهات: الأول: اللفظ مصدر أريد به اسم المفعول، أي: الملفوظ به، كالخلق بمعنى المخلوق.
الثاني: يجوز في قوله "كاستقم" أن يكون تمثيلا وهو الظاهر، فإنه اقتصر في شرح الكافية على ذلك في حد الكلام، ولم يذكر التركيب والقصد نظرا إلى أن الإفادة تستلزمهما، لكنه في التسهيل صرح بهما وزاد فقال: الكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته، فزاد "لذاته" قال: لإخراج نحو: "قام أبوه" من قولك: "جاءني الذي قام أبوه" وهذا الصنيع أولى، لأن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام، ومن ثم جعل الشارح قوله "كاستقم" تتميما للحد.
الثالث: إنما بدأ بتعريف الكلام لأنه المقصود بالذات، إذ به يقع التفاهم.
стр. 16
الرابع: إنما قال: "وما يتألف منه" ولم يقل "وما يتركب" لأن التأليف كما قيل أخص؛ إذ هو تركيب وزيادة، وهي وقوع الألفة بين الجزأين.
"وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ" الكلم: مبتدأ خبره ما قبله، أي: الكلم الذي يتألف منه الكلام ينقسم باعتبار واحده إلى ثلاثة أنواع: نوع الاسم، ونوع الفعل، ونوع الحرف، فهو من تقسيم الكلي إلى جزئياته، لأن المقسم -وهو الكلمة- صادق على كل واحد من الأقسام الثلاثة، أعني الاسم والفعل والحرف، وليس الكلم منقسما إليها باعتبار ذاته، لأنه لا جائز حينئذٍ أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه، لأن الكلم ليس مخصوصا بهذه الثلاثة، بل هو مقول على كل ثلاث كلمات فصاعدا، ولا من تقسيم الكلي إلى جزئياته، وهو ظاهر.
ودليل انحصار الكلمة في الثلاثة: أن الكلمة إما أن تصلح ركنا للإسناد أو لا، الثاني الحرف، والأول إما أن يقبل الإسناد بطرفيه أو بطرف، الأول الاسم، والثاني الفعل، والنحويون مجمعون على هذا، إلا من لا يعتد بخلافه. وقد أرشد بتعريفه إلى كيفية تألف الكلام من الكلم بأنه ضم كلمة إلى كلمة فأكثر على وجه تحصل معه الفائدة المذكورة، لا مطلق الضم، وأقل ما يكون منه ذلك اسمان، نحو: "ذا زيد"، و"هيهات نجد" أو فعل واسم، نحو: "استقم"، و"قام زيد" بشهادة الاستقراء، ولا نقض بالنداء؛ فإنه من الثاني.
تنبيه: ثم في قوله "ثم حرف" بمعنى الواو، إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام، ويكفي في الإشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسيميه ترتيب الناظم لها في الذكر على حسب ترتيبها في الشرف ووقوعه طرفا.
واعلم أن الكلم اسم جنس على المختار، وقيل: جمع، وقيل: اسم جمع، وعلى الأول فالمختار أنه اسم جنس جمعي؛ لأنه لا يقال إلا على ثلاث كلمات فأكثر، سواء اتحد نوعها أو لم يتحد، أفادت أم لم تفد، وقيل: لا يقال إلا على ما فوق العشرة، وقيل: إفرادي، أي: يقال على الكثير والقليل كماء وتراب، وعلى الثاني فقيل: جمع كثرة، وقيل: جمع قلة، ويجري هذا الخلاف في كل ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وعلى المختار يجوز في ضميره التأنيث ملاحظة للجمعية، والتذكير على الأصل، وهو الأكثر، نحو: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ١، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٢ وقد أنثه ابن معط في ألفيته فقال: واحدها كلمة، وذكره الناظم فقال: "وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ" ونظير كلم وكلمة من المصنوعات: لبن ولبنة، ومن المخلوقات: نبق ونبقة، فاسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء غالبا، بأن يكون واحده بالتاء غالبا، والاحتراز بـ"غالبا" عما جاء منه على العكس من
стр. 17
ذلك، أي: يكون بالتاء دالًا على الجمعية وإذا تجرد منها يكون للواحد، نحو: كمء وكمأة، وقد يفرق بينه وبين واحده بالياء، نحو: روم ورومي، وزنج وزنجي.
وحد الكلمة: قول مفرد، وتطلق في الاصطلاح مجازًا على أحد جزأي العلم المركب، نحو: "امرئ القيس" فمجموعهما كلمة حقيقة، وكل منهما كلمة مجازًا، وفيها ثلاث لغات: كَلِمة على وزن نَبِقة١، وتجمع على كَلِم كنَبِق، وكِلْمة على وزن سِدْرة٢، وتجمع على كِلْم كسِدْر، وكَلْمَة على وزن تَمْرَة، وتجمع على كَلْم كتَمْر، وهذه اللغات في كل ما كان على وزن فعل ككَبِد وكَتِف، فإن كان وسطه حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع فائه لعينه في الكسر، اسمًا كان، نحو: فِخِذ، أو فعلًا، نحو: شِهِد.
"وَالْقَوْلُ" وهو -على الصحيح- لفظ دال على معنى "عَم" الكلام والكلم والكلمة، عمومًا مطلقًا؛ فكل كلام أو كلم أو كلمة قول، ولا عكس: أما كونه أعم من الكلام فلانطلاقه على المفيد وغيره، والكلام مختص بالمفيد، وأما كونه أعم من الكلم فلانطلاقه على المفرد، وعلى المركب من كلمتين، وعلى المركب من أكثر، والكلام مختص بهذا الثالث، وأما كونه أعم من الكلمة فلانطلاقه على المركب والمفرد، وهي مختصة بالمفرد؛ وقيل: القول عبارة عن اللفظ المركب المفيد، فيكون مرادفًا للكلام، وقيل: هو عبارة عن المركب خاصة: مفيدًا كان أو غير مفيد، فيكون أعم مطلقًا من الكلام والكلم، ومباينًا للكلمة. وقد بان لك أن الكلام والكلم بينهما عموم وخصوص من وجه: فالكلام أعم من جهة التركيب وأخص من جهة الإفادة، والكلم بالعكس، فيجتمعان في الصدق في نحو: "زيد أبوه قائم" وينفرد الكلام في نحو: "قام زيد"، وينفرد الكلم في نحو: "إن قام زيد".
تنبيه: قد عرفت أن القول على الصحيح أخص من اللفظ مطلقًا، فكان من حقه أن يأخذه جنسًا في تعريف الكلام كما فعل في الكافية، لأنه أقرب من اللفظ، ولعله إنما عدل عنه لما شاع من استعماله في الرأي والاعتقاد حتى صار كأنه حقيقة عرفية، واللفظ ليس كذلك.
"وَكِلْمَة بهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ" أي: يقصد. كلمة: مبتدأ خبره الجملة بعده، قال المكودي: "وجاز الابتداء بكلمة للتنويع لأنه نوَّعها إلى كونها إحدى الكلم، وإلى كونها يقصد بها الكلام" انتهى. ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن المقصود اللفظ وهو معرفة، أي: هذا
стр. 18
اللفظ -وهو لفظ كلمة- يطلق لغة على الجمل المفيدة. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ١ إشارة إلى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٢، وقال ﵊: $"أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد "من الطويل":
٣- أَلاَ كُلُّ شَيْء مَا خَلاَ الله بَاطِلُ ... "وكل نعيم لا محالة زائل"
وهو من باب تسمية الشيء باسم بعضه، كتسميتهم ربيئة القوم عينا، والبيت من الشعر قافية، وقد يسمون القصيدة قافية لاشتمالها عليها، وهو مجاز مهمل في عرف النحاة.
стр. 19
تنبيه: "قد" في قوله "قد يؤم" للتقليل، ومراده التقليل النسبي، أي: استعمال الكلمة في الجمل قليل بالنسبة إلى استعمالها في المفرد، لا قليل في نفسه؛ فإنه كثير.
"علامات الاسم":
وهذا شروع في العلامات التي يمتاز بها كل من الاسم والفعل والحرف عن أخويه، وبدأ بالاسم لشرفه فقال:
١٠- بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل
"بِالْجَرِّ" ويرادفه الخفض، قال في شرح الكافية: وهو أولى من التعبير بحرف الجر، لتناوله الجر بالحرف والإضافة "وَالتَّنْوينِ" وهو في الأصل: مصدر نونت، أي: أدخلت نونا، ثم غلب حتى صار اسما لنون تلحق الآخر لفظا لا خطا لغير توكيد، فقيد "لا خطا" فصل مخرج للنون في نحو "ضيفن" اسم للطفيلي، وهو الذي يجيء مع الضيف متطفلا، وللنون اللاحقة للقوافي المطلقة -أي: التي آخرها حرف مد- عوضا عن مدة الإطلاق في لغة تميم وقيس، كقوله "من الوافر":
٤- أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابَنْ ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَنْ
فإن هاتين النونين زيدتا في الوقف، كما زيدت نون "ضيفن" في الوصل والوقف، وليستا من أنواع التنوين حقيقة؛ لثبوتهما مع "أل"، وفي الفعل والحرف، وفي الخط والوقف، وحذفهما في الوصل، ويسمى "التنوين الغالي"، زاده الأخفش وسماه بذلك؛ لأن الغلو الزيادة، وهو زيادة على الوزن، وزعم ابن الحاجب أنه إنما سمي غاليا لقلته، وقد عرفت أن إطلاق اسم التنوين على هذين مجاز، فلا يردان على الناظم. وقيد "لغير توكيد" فصل آخر مخرج لنون التوكيد الثابتة في اللفظ دون الخط، نحو: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ١.
"أنواع التنوين":
وهذا التعريف منطبق على أنواع التنوين، وهي أربعة:
الأول: تنوين الأمكنية، ويقال تنوين التمكن، وتنوين التمكين: كرجلٍ وقاضٍ، سمي بذلك لأنه لحق الاسم ليدل على شدة تمكنه في باب الاسمية، أي: أنه لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع من الصرف.
والثاني: تنوين التنكير، وهو اللاحق لبعض المبنيات في حالة تنكيره ليدل على التنكير، تقول: سيبويه -بغير تنوين- إذا أردت معينا، وإيه -بغير تنوين- إذا استزدت مخاطبك من حديث معين، فإذا أردت غير معين قلت: سيبويهٍ وإيهٍ، بالتنوين.
والثالث: تنوين التعويض، ويقال له "تنوين العوض" بإضافة بيانية، وبه عبر في المغني، وهو أولى، وهو إما عوض عن حرف، وذلك تنوين نحو: جوار وغواش، عوضا عن الياء المحذوفة في الرفع والجر. هذا مذهب سيبويه والجمهور، وسيأتي الكلام على ذلك في باب ما لا ينصرف مبسوطا، إن شاء الله تعالى، وإما عوض عن جملة، وهو التنوين اللاحق لـ "إذ" في نحو: "يومئذٍ" و"حينئذٍ" فإنه عوض عن الجملة التي تضاف "إذ" إليها، فإن الأصل يوم إذ كان كذا، فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين وكسرت "إذ" لالتقاء الساكنين، كما كسرت "صه" و"مه" عند تنوينهما. وزعم الأخفش أن "إذ" مجرورة بالإضافة، وأن كسرتها كسرة إعراب، ورد بملازمتها للبناء؛ لشبهها بالحرف في الوضع وفي
стр. 24
الافتقار دائما إلى الجملة، وبأنها كسرت حيث لا شيء يقتضي الجر في قوله "من الوافر":
٩- نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمِّ عَمْرٍو ... بِعَافِيَةٍ وَأَنْتَ إذٍ صَحِيحُ
قيل: ومن تنوين العوض ما هو عوض عن كلمة، وهو تنوين "كل" و"بعض" عوضا عما يضافان إليه، ذكره الناظم.
والرابع: تنوين المقابلة، وهو اللاحق لنحو "مسلمات" مما جمع بألف وتاء، سمي بذلك لأنه في مقابلة النون في جمع المذكر السالم في نحو "مسلمين"، وليس بتنوين الأمكنية، خلافا للربعي؛ لثبوته فيما لا ينصرف منه، وهو ما سمي به مؤنث: كأذرعات لقرية، ولا تنوين تنكير لثبوته مع المعربات، ولا تنوين عوض وهو ظاهر، وما قيل إنه عوض عن الفتحة نصبا مردود بأن الكسرة قد عوضت عنها.
"من علامات الاسم النداء":
"وَالنِّدَا" وهو الدعاء بيا أو إحدى أخواتها، فلا يرد نحو: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي
стр. 25
يَعْلَمُونَ﴾ ١، و"من الرجز":
١٠- يا رب سار بات ما توسدا ... "إلا ذراع العنس أو كف اليدا"
"ألا يا اسجدوا" ٢ في قراءة الكسائي، لتخلف الدعاء عن "يا"؛ فإنها لمجرد التنبيه، وقيل: إنها للنداء والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، وهو مقيس في الأمر كالآية، وفي الدعاء، كقوله "من الطويل":
١١- ألاَ يا اسْلَمِي يا دَارَ مَيِّ عَلَى البِلى ... "ولا زال منهلا بجرعائك القطر"
стр. 26
"من علامات الاسم دخول "أل" عليه":
"وَأَلْ" معرفة كانت: كالفرس، والغلام، أو زائدة: كالحارث، و"طبت النفس".
ويقال فيها "أم" في لغة طيئ، ومنه "ليس من امبر امصيام في امسفر" ١ وسيأتي الكلام على الموصولة، وتستثنى الاستفهامية فإنها تدخل على الفعل، نحو "أل فعلت" بمعنى: هل فعلت؟ حكاه قطرب، وإنما لم يستثنها لندرتها "وَمُسْنَدٍ" أي: محكوم به من اسم أو فعل أو جملة، نحو: "أنت قائم"، و"قمت" و ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ .
تنبيه: حمل الشارح لفظ "مسند" في النظم على إسناد؛ فقال: ومسند أي إسناد إليه، فأقام اسم المفعول مقام المصدر وحذف صلته اعتمادا على التوقيف؛ ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ فإن تركه على ظاهره كاف، أي: من علامات اسمية الكلمة أن يوجد معها مسند فتكون هي مسندا إليها، ولا يسند إلا إلى الاسم. وأما "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"٢ فـ"تسمع" منسبك مع "أن" المحذوفة بمصدر، والأصل: "أن تسمع" أي: سماعك،
стр. 27
فحذفت "أن"، وحسن حذفها وجودها في "أن تراه"، وقد روي "أن تسمع" على الأصل.
وأما قولهم: "زعموا مطية الكذب"١ فعلى إرادة اللفظ، مثل "من حرف جر"، و"ضرب فعل ماض" فكل من "زعموا" و"من"، و"ضرب" اسم للفظ مبتدأ وما بعده خبر.
"لِلاسْمِ تَمْييزٌ" عن قسيميه "حَصَلْ" تمييز: مبتدأ، والجملة بعده صفة له، وللاسم: خبر، وبالجر: متعلق بحصل. وقدم معمول الصفة على الموصوف الممنوع اختيارا للضرورة، وسهلها كونه جارا ومجرورا، وإنما ميزت هذه الخمسة الاسم لأنها خواص له: أما الجر فلأن المجرور مخبر عنه في المعنى، ولا يخبر إلا عن الاسم؛ وأما التنوين فلأن معانيه الأربعة لا تتأتى في غير الاسم؛ وأما النداء فلأن المنادى مفعول به والمفعول به لا يكون إلا اسما؛ وأما "أل" فلأن أصل معناه التعريف، وهو لا يكون إلا للاسم؛ وأما المسند فلأن المسند إليه لا يكون إلا اسما.
تنبيه: لا يشترط لتمييز هذه العلامات وجودها بالفعل. بل يكفي أن يكون في الكلمة صلاحية لقبولها.
"علامات الفعل":
١١- بتا فعلت وأنت ويا افعلي ... ونون أقبلن فعل ينجلي
"بِتَا" الفاعل: متكلما كان نحو: "فَعَلْت" بضم التاء، أو مخاطبا، نحو: "تباركت يا الله" بفتحها، أو مخاطبة، نحو: "قمت يا هند" بكسرها "وَ" تاء التأنيث الساكنة أصالة، نحو: "أَتَتْ" هند. والاحتراز بالأصالة عن الحركة العارضة، نحو: ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ ٢ بنقل ضمة الهمزة إلى التاء، و ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ ٣ بكسر التاء لالتقاء الساكنين، و"قالتا" بفتحها لذلك، أما تاء التأنيث المتحركة أصالة فلا تختص بالفعل، بل إن كانت حركتها إعرابا اختصت بالاسم، نحو: "فاطمة" و"قائمة"، وإن كانت غير إعراب فلا تختص بالفعل، بل تكون في الاسم نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وفي الفعل، نحو: "هند تقوم"، وفي الحرف، نحو: "ربت" و"ثمت"، وبهاتين العلامتين -وهما تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة- رد على من زعم من البصريين كالفارسي حرفية "ليس" وعلى من زعم من
стр. 28
الكوفيين حرفية "عسى"، وبالثانية رد على من زعم من الكوفيين كالفراء اسمية "نعم" و"بئس".
تنبيه: اشترك التاءان في لحاق "ليس" و"عسى"، وانفردت الساكنة بـ"نعم" و"بئس"، وانفردت تاء الفاعل بـ"تبارك"، هكذا مشى عليه الناظم، فإنه قال في شرح الكافية: وقد انفردت -يعني تاء التأنيث- بلحاقها "نعم" و"بئس" كما انفردت تاء الفاعل بلحاقها "تبارك" وفي شرح الآجرومية للشهاب البجائي أن "تبارك" تقبل التاءين، تقول: "تباركت يا الله"، و"تباركت أسماء الله".
"وَيَا افْعَلِي" يعني ياء المخاطبة، ويشترك في لحاقها الأمر والمضارع، نحو: "قومي يا هند"، و"أنت يا هند تقومين" "ونُون" التوكيد: ثقيلة كانت أو خفيفة، نحو "أَقْبِلَنَّ" ونحو: ﴿لَنَسْفَعًَا﴾ ١ وقد اجتمعتا حكاية في قوله: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ ٢، وأما لحاقها اسم الفاعل في قوله "من الرجز":
١٢- أَشَاهِرُنَّ بَعْدَنَا السُّيُوفَا
وقوله "من الرجز":
١٣- أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُوْدَا
стр. 29
فشاذ. "فِعْلٌ يَنْجَلِي" مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء بفعل قصد الجنس، مثل قولهم: "تمرة خير من جرادة"، وبتا: متعلق بينجلي، أي: يتضح الفعل ويمتاز عن قسيميه بهذه العلامات لاختصاصها به، فلا توجد مع غيره إلا في شذوذ كما تقدم.
تنبيه: قولهم في علامات الاسم والفعل: "يعرف بكذا أو بكذا" هو من باب الحكم بالجميع لا بالمجموع، أي: كل واحد علامة بمفرده، لا جزء علامة.
"الحرف وأنواعه":
١٢- سواهما الحرف كـ"هل" و"في" و"لم" ... فعل مضارع يلي لم كـ"يشم"
١٣- وماضي الأفعال بـ"التاء" مز وسم ... بالنون فعل الأمر إن أمر فهم
"سوَاهُمَا" أي: سوى قابلي العلامات التسع المذكورة "الْحَرْفُ"؛ لما علم من انحصار أنواع الكلمة في الثلاثة، أي: علامة الحرفية أن لا تقبل الكلمة شيئا من علامات الأسماء ولا شيئا من علامات الأفعال.
ثم الحرف على ثلاثة أنواع: مشترك "كَهَلْ" فإنك تقول: "هل زيد قائم"؛ و"هل يقعد"؟ ومختص بالأسماء، نحو: "فِي" ومختص بالأفعال، نحو: "لم".
стр. 30
تنبيهان: الأول: إنما عدت "هل" من المشترك نظرا إلى ما عرض لها في الاستعمال من دخولها على الجملتين، نحو: "فهل أنتم شاكرون" و "هل يستطيع ربك" لا نظرا إلى أصلها من الاختصاص بالفعل، ألا ترى كيف وجب النصب وامتنع الرفع بالابتداء في نحو: "هل زيد أكرمته" كما سيجيء في بابه، ووجب كون زيد فاعلا لا مبتدأ في "هل زيد قام" التقدير: هل قام زيد قام؛ وذلك لأنها إذا لم تر الفعل في حيزها تسلَّت عنها ذاهلة، وإن رأته في حيزها حنت إليه لسابق الألفة فلم ترض حينئذٍ إلا بمعانقته١.
الثاني: حق الحرف المشترك الإهمال، وحق المختص بقبيل أن يعمل العمل الخاص بذلك القبيل، وإنما عملت "ما" و"لا" و"إن" النافيات مع عدم الاختصاص، لعارض الحمل على "ليس"، على أن من العرب من يهملهن على الأصل كما سيأتي، وإنما لم تعمل "ها" التنبيه و"أل" المعرفة مع اختصاصهما بالأسماء ولا "قد" والسين وسوف وأحرف المضارعة مع اختصاصهن بالأفعال لتنزيلهن منزلة الجزء من مدخولهن، وجزء الشيء لا يعمل فيه، وإنما لم تعمل "إن" وأخواتها وأحرف النداء الجر لما يذكر في موضعه، وإنما عملت "لن" النصب دون الجزم حملاً على "لا" النافية للجنس لأنها بمعناها؛ على أن بعضهم جزم بها كما سيأتي.
"علامات الأفعال التي تميز كل نوع منها عن أخويه":
ولما كانت أنواع الفعل ثلاثة: مضارع، وماض، وأمر؛ أخذ في تمييز كل منها عن أخويه مبتدئا بالمضارع لشرفه بمضارعته الاسم -أي: بمشابهته- كما سيأتي بيانه، فقال: "فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي" أي: يتبع "لَمْ" النافية، أي: ينفى بها "كَيَشَمْ" بفتح الشين مضارع شممت الطيب ونحوه بالكسر، من باب "علم يعلم"، هذه اللغة الفصحى، وجاء أيضا من باب "نصر ينصر"، حكى هذه اللغة الفراء وابن الأعرابي ويعقوب وغيرهم، ولا عبرة بتخطئة ابن درستويه العامة في النطق بها. "وَمَاضِي الأَفْعَالِ بِالتَّا" المذكورة، أي: تاء فعلت وأتت "مِزْ" لاختصاص كل منهما به، ومز: أمر من مازه يميزه، يقال: مزته فامتاز، وميزته فتميز "وَسِمْ" أي: علم "بِالنُّونِ" المذكورة، أي: نون التوكيد "فِعْلَ الأَمْرِ إِنْ أَمْرٌ" أي: طلب "فُهِمْ" من اللفظ، أي: علامة فعل الأمر مجموع شيئين: إفهام الكلمة الأمر اللغوي وهو الطلب، وقبولها نون التوكيد؛ فالدور منتف، فإن قبلت الكلمة النون ولم تفهم الأمر فهي مضارع،
стр. 31
نحو: "هل تفعلن" أو فعل تعجب، نحو: "أحسنن بزيد" فإن "أحسن" لفظه لفظ الأمر، وليس بأمر على الصحيح كما ستعرفه.
١٤- والأمر إن لم يك للنون محل ... فيه هو اسم نحو صه وحيهل
"وَالأَمْرُ" أي: اللفظ الدال على الطلب "إِنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ فِيهِ" فليس بفعل أمر: بل "هُوَ اسْمٌ": إِما مصدر، نحو "من الطويل":
١٤- "يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويرجعن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم" ... فندلا زريق المال "ندل الثعالب"
стр. 32
أي: اندل، وإما اسم فعل أمر "نَحْوُ: صَهْ" فإن معناه: اسكت "وَحَيهَلْ" معناه: أقبل، أو قدم، أو عجل، ولا محل للنون فيهما.
تنبيهات: الأول: كما ينتفي كون الكلمة الدالة على الطلب فعل أمر عند انتفاء قبول النون، كذلك ينتفي كون الكلمة الدالة على معنى المضارع فعلا مضارعا عند انتفاء قبول "لم"، كأوّه بمعنى: أتوجع، وأف بمعنى: أتضجر، وينتفي كون الكلمة الدالة على معنى الماضي فعلا ماضيا عند انتفاء قبول التاء: كهيهات بمعنى: بعد، وشتان بمعنى: افترق، فهذه أيضا أسماء أفعال فكان الأولى أن يقول "من الرجز":
وما يرى كالفعل معنى وانخزل ... عن شرطه اسم نحو صه وحيهل
ليشمل أسماء الأفعال الثلاثة، ولعله إنما اقتصر في ذلك على فعل الأمر لكثرة مجيء اسم الفعل بمعنى الأمر، وقلة مجيئه بمعنى الماضي والمضارع كما ستعرفه.
الثاني: إنما يكون انتفاء قبول التاء دالا على انتفاء الفعلية إذا كان للذات، فإن كان لعارض فلا، وذلك كما في أفعل في التعجب، و"ما عدا" و"ما خلا" و"حاشا" في الاستثناء، و"حبذا" في المدح، فإنها لا تقبل إحدى التاءين مع أنها أفعال ماضية، لأن عدم قبولها التاء عارض، نشأ من استعمالها في التعجب والاستثناء والمدح، بخلاف أسماء الأفعال؛ فإنها غير قابلة للتاء لذاتها.
الثالث: إنما دل انتفاء قبول "لم" والتاء والنون على انتفاء الفعلية مع كون هذه الأحرف علامات والعلامة ملزومة لا لازمة فهي مطردة ولا يلزم انعكاسها، أي: يلزم من وجودها الوجود، ولا يلزم من عدمها العدم؛ لكونها مساوية للازم، فهي كالإنسان وقابل الكتابة يستلزم نفي كل منهما نفي الآخر، بخلاف الاسم وقبول النداء، فإن قبول النداء علامة للاسم ملزومة له، وهي أخص منه؛ إذ يقال كل قابل للنداء اسم، ولا عكس، وهذا هو الأصل في العلامة.
стр. 33
الْمُعْرَبُ وَالْمَبْنِي:
"تعريفهما":
المعرب والمبني: اسما مفعول مشتقان من الإعراب والبناء، فوجب أن يقدم بيان الإعراب والبناء، فالإعراب في اللغة: مصدر أعرب، أي: أبان، أي: أظهر، أو أجال، أو حسن أو غير، أو أزال عَرَبَ الشيء وهو فساده، أو تكلم بالعربية، أو أعطى العربون، أو ولد له ولد عربي اللون، أو تكلم بالفحش، أو لم يلحن في الكلام، أو صار له خيل عراب، أو تحبب إلى غيره، ومنه العَروبة المتحببة إلى زوجها.
وأما في الاصطلاح ففيه مذهبان: أحدهما أنه لفظي، واختاره الناظم ونسبه إلى المحققين، وعرفه في التسهيل بقوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف. والثاني: أنه معنوي والحركات دلائل عليه، واختاره الأعلم وكثيرون. وهو ظاهر مذهب سيبويه، وعرَّفوه بأنه: تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا، والمذهب الأول أقرب إلى الصواب، لأن المذهب الثاني يقتضي أن التغيير الأول ليس إعرابا؛ لأن العوامل لم تختلف بعد، وليس كذلك.
والبناء في اللغة: وضع شيء على شيء على صفة يراد بها الثبوت، وأما في الاصطلاح فقال في التسهيل: ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية أو اتباعا أو نقلا أو تخلصا من سكونين، فعلى هذا هو لفظي. وقيل: هو لزوم آخر الكلمة حركة أو سكونا لغير عامل أو اعتلال، وعلى هذا هو معنوي، والمناسبة في التسمية على المذهبين فيهما ظاهرة.
стр. 34
"المعرب والمبني من الأسماء":
١٥- والاسم منه معرب ومبني ... لشبه من الحروف مدني
"وَالاسْمُ مِنْهُ" أي: بعضه "مُعْرَبٌ" على الأصل فيه، ويسمى متمكنا، ومنه أي: وبعضه الآخر "مَبْنِي" على خلاف الأصل فيه، ويسمى غير متمكن، ولا واسطة بينهما على الأصح الذي ذهب إليه الناظم، ويعلم ذلك من قوله: "ومعرب الأسماء ما قد سلما من شبه الحرف". وبناؤه "لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي" أي: مقرب لقوته، يعني أن علة بناء الاسم منحصرة في مشابهته الحرف شبها قويا يقربه منه، والاحتراز بذلك من الشبه الضعيف وهو الذي عارضه شيء من خواص الاسم.
١٦- كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا ... والمعنوي في متى وفي هنا
١٧- وكنيابة عن الفعل بلا ... تأثر وكافتقار أصلا
"كَالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ" وهو: أن يكون الاسم موضوعا على صورة وضع الحروف، بأن يكون قد وضع على حرف أو حرفي هجاء كما "في اسْمَي" قولك: "جِئْتَنَا" وهما التاء، ونا، إذ الأول على حرف والثاني على حرفين، فشابه الأول الحرف الأحادي كباء الجر، وشابه الثاني الحرف الثنائي كـ"عن". والأصل في وضع الحروف أن تكون على حرف أو حرفي هجاء، وما وضع على أكثر فعلى خلاف الأصل، وأصل الاسم أن يوضع على ثلاثة فصاعدا، فما وضع على أقل منها فقد شابه الحرف في وضعه واستحق البناء؛ وأعرب نحو "يد" و"دم" لأنهما ثلاثيان وضعا.
تنبيه: قال الشاطبي: "نا" في قوله: "جئتنا" موضوعة على حرفين ثانيهما حرف لين وضعا أوليا كـ"ما" و"لا"؛ فإن شيئا من الأسماء على هذا الوضع غير موجود، نص عليه سيبويه والنحويون، بخلاف ما هو على حرفين وليس ثانيهما حرف لين فليس ذلك من وضع الحرف المختص به، ثم قال: وبهذا بعينه اعترض ابن جني على من اعتل لبناء "كم"، و"من" بأنهما موضوعان على حرفين فأشبها "هل" و"بل"، ثم قال: فعلى الجملة وضع الحرف المختص به إنما هو إذا كان ثاني الحرفين حرف لين على حد ما مثل به الناظم، فما أشار إليه هو التحقيق، ومن أطلق الوضع على حرفين وأثبت به شبه الحرف ليس إطلاقه بسديد، انتهى.
"وَ" كالشبه "الْمَعْنَويِّ" وهو: أن يكون الاسم قد تضمن معنى من معاني الحروف، لا بمعنى أنه حل محلا هو للحرف؛ كتضمن الظرف معنى في، والتمييز معنى "من"، بل بمعنى
стр. 35
أنه خلف حرفًا في معناه، أي: أدى به معنى حقه أن يؤدى بالحرف لا بالاسم، سواء تضمن معنى حرف موجود كما فِي "مَتَى" فإنها تستعمل للاستفهام، نحو: متى تقوم؟ وللشرط، نحو: "متى تقم أقم"، فهي مبنية لتضمنها معنى الهمزة في الأول ومعنى إن في الثاني، وكلاهما موجود. أو غير موجود "وَ" ذلك كما فِي "هُنَا" أي: أسماء الإشارة، فإنها مبنية لأنها تضمنت معنى حرف كان من حقهم أن يضعوه فما فعلوا، لأن الإشارة معنى حقه أن يؤدى بالحرف كالخطاب والتنبيه. "وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الْفِعْلِ" في العمل "بَلا تَأَثُّرٍ" بالعوامل، ويسمى الشبه الاستعمالي، وذلك موجود في أسماء الأفعال، فإنها تعمل نيابة عن الأفعال ولا يعمل غيرها فيها، بناء على الصحيح من أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب كما سيأتي، فأشبهت "ليت" و"لعل" مثلًا، ألا ترى أنهما نائبتان عن "أتمنى" و"أترجى"، ولا يدخل عليهما عامل؟ والاحتراز بانتفاء التأثر عما ناب عن الفعل في العمل، ولكنه يتأثر بالعوامل: كالمصدر النائب عن فعله فإنه معرب لعدم كمال مشابهته للحرف "وَكَافْتِقَارٍ أُصِّلا" ويسمى الشبه الافتقاري، وهو: أن يفتقر الاسم إلى الجملة افتقارًا مؤصلًا -أي: لازمًا- كالحرف، كما في "إذ" و"إذا" و"حيث" والموصولات الاسمية. أما ما افتقر إلى مفرد كـ"سبحان"، أو إلى جملة لكن افتقارًا غير مؤصل -أي: غير لازم- كافتقار المضاف في نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ١ إلى الجملة بعده؛ فلا يبنى؛ لأن افتقار "يوم" إلى الجملة بعده ليس لذاته، وإنما هو لعارض كونه مضافًا إليها، والمضاف من حيث هو مضاف مفتقر إلى المضاف إليه، ألا ترى أن "يومًا" في غير هذا التركيب لا يفتقر إليها؟ نحو: هذا يوم مبارك، ومثله النكرة الموصوفة بالجملة، فإنها مفتقرة إليها لكن افتقارًا غير مؤصل، لأنه ليس لذات النكرة، وإنما هو لعارض كونها موصوفة بها، والموصوف من حيث هو موصوف مفتقر إلى صفته، وعند زوال عارض الموصوفية يزول الافتقار.
تنبيهان: الأول: إنما أعربت أي: الشرطية والاستفهامية والموصولة و"ذان" و"تان" و"اللذان" و"اللتان" لضعف الشبه بما عارضه في "أي" من لزوم الإضافة، وفي البواقي من وجود التثنية، وهما من خواص الأسماء، وإنما بنيت "أي" الموصولة وهي مضافة لفظًا إذا كان مصدر صلتها ضميرًا محذوفًا نحو: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٢ قرئ بضم "أي" بناء وبنصبها؛ لأنها لما حذفت صدر صلتها نزل ما هي مضافة إليه منزلته، فصارت كأنها منقطعة عن الإضافة لفظًا ونية مع قيام موجب البناء؛ فمن لاحظ ذلك بنى، ومن لاحظ الحقيقة أعرب، فلو حذف ما تضاف إليه أعربت أيضًا؛ لقيام التنوين مقامه كما في "كل"، وزعم ابن الطراوة أن "أيهم" مقطوعة عن الإضافة، فلذلك بنيت، وأن "هم أشد"
стр. 36
مبتدأ وخبر، ورد برسم المصحف الضمير متصلا، والإجماع على أنها إذا لم تضف كانت معربة، وإنما بنى "الذين" وإن كان الجمع من خواص الأسماء لأنه لم يجر على سنن الجموع؛ لأنه أخص من "الذي"، وشأن الجمع أن يكون أعم من مفرده، ومن أعربه نظر إلى مجرد الصورة، وقيل هو على هذه اللغة مبني جيء به على صورة المعرب، ومن أعرب "ذو" و"ذات" الطائيتين حملهما على "ذي" و"ذات" بمعنى: صاحب وصاحبة.
الثاني: عد في شرح الكافية من أنواع الشبه الشبه الإهمالي، ومثل له بفواتح السور، والمراد الأسماء مطلقا قبل التركيب، فإنها مبنية لشبهها بالحروف المهملة في كونها لا عاملة ولا معمولة، وذهب بعضهم إلى أنها موقوفة أي: لا معربة ولا مبنية، وبعضهم إلى أنها معربة حكما، ولأجل سكوته عن هذا النوع أشار إلى عدم الحصر فيما ذكره بكاف التشبيه:
١٨- ومعرب الأسماء ما قد سلما ... من شبه الحرف كأرض وسما
"وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ" الشبه المذكور، وهذا على قسمين: صحيح يظهر إعرابه "كَأَرْض"، ومعتل يقدر إعرابه نحو: "سُمَا" بالقصر لغة في الاسم، وفيه عشر لغات منقولة عن العرب: اسم، وسم، وسما، مثلثة١، والعاشرة سماة، وقد جمعتها في قولي "من الرجز":
لغات الاسم قد حواها الحصر ... في بيت شعر وهو هذا الشعر
اسم وحذف همزة والقصر ... مثلثات مع سماة عشر
تنبيه: بدأ في الذكر بالمعرب لشرفه، وفي التعليل بالمبني لكون علته وجودية, وعلة المعرب عدمية، والاهتمام بالوجودي أولى من الاهتمام بالعدمي، وأيضا فلأن أفراد معلول علة البناء محصورة، بخلاف علة الإعراب، فقدم علة البناء ليبين أفراد معلولها.
"المعرب والمبني من الأفعال":
١٩- وفعل أمر ومضي بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عريا
٢٠- من نون توكيد مباشر ومن ... نون إناث كيرعن من فتن
стр. 37
"وَفِعْلُ أَمْرٍ" وَفعل "مُضِي بُنِيَا" على الأصل في الأفعال: الأول على ما يجزم به مضارعه من سكون أو حذف، والثاني على الفتح: لفظا كضرب، أو تقديرا كرمي، وبني على الحركة لمشابهته المضارع في وقوعه صفة وصلة وخبرا وحالا وشرطا، وبني على الفتح لخفته. وأما نحو: "ضربت" و"انطلقنا" و"استبقن" فالسكون فيه عارض أوجبه كراهتهم توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، لأن الفاعل كالجزء من فعله، وكذلك ضمة "ضربوا" عارضة أوجبها مناسبة الواو.
تنبيه: بناء الماضي مجمع عليه، وأما الأمر فذهب الكوفيون إلى أنه معرب مجزوم بلام الأمر مقدرة١، وهو عندهم مقتطع من المضارع، فأصل قم: لتقم؛ فحذفت اللام للتخفيف، وتبعها حرف المضارعة، قال في المغني: وبقولهم: أقول، لأن الأمر معنى فحقه أن يؤدى بالحرف، ولأنه أخو النهي، وقد دل عليه بالحرف، انتهى.
"وَأَعْرَبُوا مُضَارِعا" بطريق الحمل على الاسم؛ لمشابهته إياه: في الإبهام والتخصيص، وقبول لام الابتداء، والجريان على لفظ اسم الفاعل: في الحركات والسكنات، وعدد الحروف، وتعيين الحروف الأصول والزوائد. وقال الناظم في التسهيل: بجواز شبه ما وجب له، يعني من قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة لولا الإعراب لالتبست. وأشار بقوله: "بجواز" إلى أن سبب الإعراب واجب للاسم وجائز للمضارع؛ لأن الاسم ليس له ما يغنيه عن الإعراب، لأن معانيه مقصورة عليه، والمضارع يغنيه عن الإعراب وضع اسم مكانه، كما في نحو: "لا تعن بالجفاء وتمدح عمرا" فإنه يحتمل المعاني الثلاثة في: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"٢، ويغني عن الإعراب في ذلك وضع الاسم مكان كل من المجزوم والمنصوب والمرفوع، فيقال: "لا تعن بالجفاء ومدح عمرو"، و"لا تعن بالجفاء مادحا عمرا"، و"لا تعن بالجفاء ولك مدح عمرو" ومن ثم كان الاسم أصلا والمضارع فرعا، خلافا للكوفيين؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الإعراب أصل في الأفعال كما هو أصل في الأسماء، قالوا: لأن اللبس الذي أوجب الإعراب في نحو الأسماء موجود في الأفعال في بعض المواضع، كما في نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" كما تقدم. وأجيب بأن اللبس في المضارع كان يمكن إزالته بغير الإعراب كما تقدم.
وإنما يعرب المضارع "إِنْ عَرِيَ مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ" له، نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ
стр. 38
وَلَيَكُونَنْ﴾ ١ "وَمِنْ نُونِ إِنَاثٍ كَيَرُعْنَ" من قولك: "النسوة يرعن" أي: يخفن "مَنْ فُتنْ" فإن لم يعر منهما لم يعرب؛ لمعارضة شبه الاسم بما هو من خصائص الأفعال، فرجع إلى أصله من البناء، فيبنى مع الأولى على الفتح لتركيبه معها تركيب خمسة عشر، ومع الثانية على السكون حملا على الماضي المتصل بها، لأنهما مستويان في أصالة السكون وعروض الحركة، كما قاله في شرح الكافية، والاحتراز بـ"المباشر" عن غير المباشر، وهو الذي فصل بين الفعل وبينه فاصل: ملفوظ به كألف الاثنين، أو مقدر كواو الجماعة وياء المخاطبة، نحو: "هل تضربان يا زيدان"، و"هل تضربن يا زيدون"، و"هل تضربن يا هند"، الأصل: تضربانن، وتضربونن، وتضربينن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد لفوات المقصود منها بحذفها، ثم حذفت الواو والياء لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة والكسرة دليلا على المحذوف، ولم تحذف الألف لئلا يلتبس بفعل الواحد، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه مستوفى، فهذا ونحوه معرب، والضابط أن ما كان رفعه بالضمة إذا أكد بالنون بني لتركبه معها، وما كان رفعه بالنون إذا أكد بالنون لم يبن لعدم تركبه معها، لأن العرب لم تركب ثلاثة أشياء.
تنبيه: ما ذكرناه من التفرقة بين المباشرة وغيرها هو المشهور والمنصور، وذهب الأخفش وطائفة إلى البناء مطلقا، وطائفة إلى الإعراب مطلقا، وأما نون الإناث فقال في شرح التسهيل: أن المتصل بها مبني بلا خلاف، وليس كما قال، فقد ذهب قوم -منهم ابن درستويه، وابن طلحة، والسهيلي- إلى أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالماضي.
"بناء الحروف وسبب بنائها":
٢١- وكل حرف مستحق للبنا ... والأصل في المبني أن يسكنا
٢٢- ومنه ذو فتح وذو كسر وضم ... كـ"أين" "أمس" "حيث" والساكن "كم"
"وَكُلُّ حَرفٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْبِنَا" الذي به الإجماع، إذ ليس فيه مقتضى الإعراب، لأنه لا يعتوره من المعاني ما يحتاج إلى الإعراب "وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنَيِّ" اسما كان أو فعلا أو حرفا "أَنْ يُسَكَّنَا" أي: السكون، لخفته وثقل الحركة، والمبني ثقيل، فلو حرك اجتمع ثقيلان "وَمِنْهُ" أي: من المبني ما حرك لعارض اقتضى تحريكه، والمحرك "ذُو فَتْحٍ وَذُو كَسْرٍ وَ" ذو
стр. 39
"ضَمْ" فذو الفتح "كَأَيْنَ" و"ضرب" و"رب"، وذو الكسر، نحو: "أَمْسِ" و"جير"، وذو الضم نحو: "حَيْثُ" و"منذ" "وَالْسَّاكِنُ"، نحو: "كَمْ" و"اضرب" و"هل"، فالبناء على السكون يكون في الاسم والفعل والحرف لكونه الأصل، وكذلك الفتح لكونه أخف الحركات وأقربها إلى السكون، وأما الضم والكسر فيكونان في الاسم والحرف، لا الفعل؛ لثقلهما وثقل الفعل. وبني "أين" لشبهه بالحرف في المعنى، وهو الهمزة إن كان استفهاما، و"إن" إن كان شرطا. وبني أمس عند الحجازيين لتضمنه معنى حرف التعريف؛ لأنه معرفة بغير أداة ظاهرة، وبني "حيث" للافتقار اللازم إلى جملة، وبني كم للشبه الوضعي، أو لتضمن الاستفهامية معنى الهمزة، والخبرية معنى "رب" التي للتكثير.
تنبيه: ما بني من الأسماء على السكون فيه سؤال واحد: لم بني؟ وما بني منها على الحركة فيه ثلاثة أسئلة: لم بني؟ ولم حرك؟ ولم كانت الحركة كذا؟ وما بني من الأفعال أو الحروف على السكون لا يسأل عنه، وما بني منهما على حركة فيه سؤالان: لم حرك؟ ولم كانت الحركة كذا؟
وأسباب البناء على الحركة خمسة، التقاء الساكنين كـ"أين"، وكون الكلمة على حرف واحد كبعض المضمرات، أو عرضة لأن يبتدأ بها كباء الجر، أو لها أصل في التمكن كأول، أو شابهت المعرب كالماضي فإنه أشبه المضارع في وقوعه صفة وصلة وحالا وخبرا كما تقدم.
وأسباب البناء على الفتح: طلب الخفة كـ"أين"، ومجاورة الألف كـ"أيان"، وكونها حركة الأصل نحو: "يا مضارَ" ترخيم "مضارٍّ"، اسم مفعول، والفرق بين معنيين بأداة واحدة، نحو: "يا لزيد لعمرو"، والإتباع نحو: "كيف"، بنيت على الفتح إتباعا لحركة الكاف؛ لأن الياء بينهما ساكنة، والساكن حاجز غير حصين.
وأسباب البناء على الكسر: التقاء الساكنين كـ"أمس"، ومجانسة العمل كباء الجر، والحمل على المقابل كلام الأمر: كسرت حملا على لام الجر؛ فإنها في الفعل نظيرتها في الاسم، والإشعار بالتأنيث، نحو: "أنت"، وكونها حركة الأصل، نحو: "يا مضارِ" ترخيم "مضارّ"، اسم فاعل، والفرق بين أداتين، كلام الجر: كسرت فرقا بينها وبين لام الابتداء في نحو: "لموسى عبد"، والإتباع نحو: "ذِهِ" و"تِهِ" -بالكسر- في الإشارة للمؤنثة.
وأسباب البناء على الضم: أن لا يكون للكلمة حال الإعراب، نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ
стр. 40
قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١، بالضم ومشابهته الغايات، نحو: "يا زيد" فإنه أشبه "قبل" و"بعد"، قيل: من جهة أنه يكون متمكنا في حالة أخرى، وقيل: من جهة أنه لا تكون له الضمة حالة الإعراب، وقال السيرافي: من جهة أنه إذا نكر أو أضيف أعرب، ومن هذا "حيث" فإنها إنما ضمت لشبهها بـ"قبل" و"بعد"، من جهة أنها كانت مستحقة للإضافة إلى المفرد كسائر أخواتها فمنعت ذلك كما منعت "قبل" و"بعد" الإضافة، وكونها حركة الأصل، نحو: "يا تحاج" ترخيم "تحاجج"، مصدر "تحاج"، إذا سمي به، وكونه في الكلمة كالواو في نظيرتها، كـ"نحن"، ونظيرتها همو، وكونه في الكلمة مثله في نظيرتها، نحو: "اخشوا القوم" ونظيرتها "قُلُ ادْعُوا" ٢ والإتباع: كمنذ.
وقد بان لك أن ألقاب البناء ضم وفتح وكسر وسكون، ويسمى أيضا وقفا.
وهذا شروع في ذكر ألقاب الإعراب، وهي أيضا أربعة: رفع، ونصب، وجر، وجزم، وعن المازني أن الجزم ليس بإعراب، فمن هذه الأربعة ما هو مشترك بين الأسماء والأفعال، وما هو مختص بقبيل منهما، وقد أشار إلى الأول بقوله:
٢٣- والرفع والنصب اجعلن إعرابا ... لاسم وفعل نحو لن أهابا
٢٤- والاسم قد خصص بالجر كما ... قد خصص الفعل بأن ينجزما
٢٥- فارفع بضم وانصبن فتحا وجر ... كسرا كـ"ذكر الله عبده يسر"
٢٦- واجزم بتسكين وغير ما ذكر ... ينوب نحو جا أخو بني نمر
"وَالْرَّفعَ وَالْنَّصْبَ اجْعَلَنْ إِعْرَابا لاِسْمٍ وَفِعْلٍ" فالاسم، نحو: "أن زيدا قائم"، والفعل "نَحْوُ": أقوم، و"لَنْ أَهَابَا" وإلى الثاني أشار بقوله: "والاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ" أي: فلا يوجد في الفعل. قال في التسهيل: لأن عامله لا يستقل فيحمل غيره عليه، بخلاف الرفع والنصب "كَما قَدْ خُصِّصَ الْفِعْلُ بِأَنْ يَنْجَزِمَا" أي: بالجزم؛ لكونه فيه حينئذٍ كالعوض من الجر، قاله في التسهيل.
واعلم أن الأصل في كل معرب أن يكون إعرابه بالحركات أو السكون، والأصل في