Полный текст (1 713 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أبو البركات شرف الدين مبارك بن أحمد بن مبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب اللحمي الأربلي (٥٦٤ ج ٦٣٧ هـ) .
مؤرخ، أديب، شاعر، عالم بالحديث، ومتبحر في فن الاستيفاء. ولد في إربل (العراق حالياً) . نشأ في أسرة تتألف أكثر أفرادها من أهل الفضل والأدب. بقي بعد وفاة أبيه في إربل متصدياً لديوان الاستيفاء.
أخذ القرآن والأدب عن محمد بن يوسف البحراني ومكي بن ريان الماكسيني وأخذ الحديث عن عبد الوهاب بن هبة الله ومبارك بن طاهر الخزاعي وآخرون كما وأجازه العديد من العلماء في الرواية.
تولى أبو البركات في عهد حكومة مظفر الدين الكوكبري حاكم إربل منصب الاستيفاء الذي كان مهماً آنذاك وفي عام ٦٢٩ هـ عُهدت إليه وزارة الملك مظفر.
وحين هجوم المغول لجأ مع بعض قوّاد الجيش وعدد من أهالي إربل إلى قلعة وبقي فيها آمناً. ثم هاجر إلى الموصل وحظي بحماية حاكمها وبقي فيها إلى آخر عمره حتى توفي ودفن بمقبرة السابلة خارج باب الجصاصة.
آثاره
من مؤلفاته: شرح المشكل من ديوان أبي تمام والمتنبي أو النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام، نباهة البلد الخامل لمن ورده من الأماثل المعروف بتاريخ إربل. وقد فقدت بعض آثاره مثل: أبا قماش، إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل، ديوان شعر وسرّ الصنعة.
стр. 2
[القسم الاول]
الفهرس
الموضوع: الصفحة
اولا- مقدمة المحقق ٧
١- كلمة لا بد منها ٩٧
٢- مخطوطة «تاريخ اربل» ٨
أ- وصفها وحالتها ٩
ب- صحة نسبتها الى ابن المستوفي ١٩
ت- المخطوطة منقولة عن مسودة (الادلة على ذلك) ٢٢
١) عدم انسجام بعض المعلومات مع بعضها البعض ٢٢
٢) عدم انسجام بعض المعلومات مع ظروف التأليف ٢٣
٣) نقصان بعض العبارات ٢٤
٤) عدم ترتيب التراجم وفق نسق معين وتكرر بعضها ٢٥
٣- منهج التحقيق ٢٦
ثانيا- النص المحقق ل «تاريخ اربل» ٣٣
ثالثا- الحواشي والتعليقات المتعلقة بالنص (مرتبة حسب التراجم) ٤٦٣
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اولا- مقدمة المحقق
(١) كلمة لا بد منها
عقب خروجي من وظيفتي الدبلوماسية في كانون الثاني ١٩٦٩، وتحرري من اعبائها، عنت لي فكرة العودة الى الجامعة، وتحقيق امنية عزيزة على قلبي، الا وهي مواصلة الدرس والتحصيل بصرف النظر عن فوات سن التلمذة حسب اعتقاد الكثير من الناس (من اللطيف ان جامعة كمبرج استقبلت في تشرين الاول ١٩٧٤ طالبا عمره ٦٧ سنة لدراسة اللغات والحصول على شهادة ب ع) ، لان طلب العلم لا يتحدد بسن معينة. وقد جاء في الحديث: «اطلبوا العلم من المهد الى اللحد» . ولذا فانني قصدت بريطانيا للتعرف على امكانيات الحصول على قبول في احدى جامعاتها. وكان من حسن حظي ان اختار كمبرج. والذي حصل ان المستشرق البريطاني الكبير الراحل الاستاذ آربري، تفضل رغم مرضه الشديد باستقبالي في داره لبحث الموضوع، وقد رحب بفكرتي كل الترحيب مشجعا اياي على المضي فيما عزمت عليه وواعدا بالمساعدة. واثناء الحديث سألني عما اذا كنت قد فكرت في دراسة موضوع معين، فاجبته بالنفي، وقلت له بانني أفضل موضوعا يتصل بالتاريخ مما لا علاقة له بالاحياء من قريب او بعيد، لانني قد
стр. 4
شبعت من امور هؤلاء خلال خدمتي الدبلوماسية التي قاربت ربع قرن من الزمان، كما انني قاسيت منهم ما فيه الكفاية، وكل الذي اريده هو الابتعاد عنهم ما استطعت الى ذلك سبيلا.
وعندها تفضل الأستاذ الراحل فاقترح عليّ دراسة «تاريخ اربل» لابن المستوفي والقيام بتحقيقه، وناولني جزءا من فهرس مخطوطات «مكتبة جيستر بيتي» في دبلن، الذي يحوي ما ذكره هو عن الكتاب المذكور. ورغم انني لم اسمع من قبل بالكتاب ولا بمؤلفه، ولم اعرف عنهما اي شيء كثير أو قليل، وان المذكور في الفهرس لا يتجاوز بضعة اسطر هي وصف للمخطوطة لا غير، اقول رغم ذلك كله فقد بادرت بالموافقة على الاقتراح فورا، ووعدته ببذل كل جهد ممكن للاخذ باقتراحه. ففرح بذلك واوصاني بمراجعة الأستاذ سارجنت في «معهد الدراسات الشرقية» بالجامعة، لان مرضه كان يحول دون مشاركته في اعمال المعهد، وقد كان ذلك. وهنا ايضا وجدت من الأستاذ سارجنت كل ترحيب وتشجيع، كما وعدني بالمساعدة في الحصول على القبول، وهكذا كان. وانني اذ اكتب هذه المقدمة ارى من واجبي الاعتراف بفضل الأستاذ الراحل آربري عليّ، اولا لتشجيعه اياي على دخول الجامعة بعد ان كنت مترددا بسبب انقطاعي عنها منذ امد بعيد، وثانيا لاقتراحه عليّ دراسة «تاريخ اربل» الذي وجدته بالفعل كتابا يستحق الدراسة والتحقيق. اما الاستاذ سارجنت فانني عاجز عن إيفائه حقه من الشكر والامتنان على المساعدات القيمة التي توالت منه باستمرار منذ لقيته اول مرة في شباط ١٩٦٩ حتى اللحظة الاخيرة من انجاز اطروحتي تحت اشرافه الحكيم وارشاداته الثمينة.
(٢) مخطوطة «تاريخ اربل»
بعد ان بينت ظروف اختياري «تاريخ اربل» يحسن بي تعريف
стр. 5
القارئ الكريم بمخطوطة الكتاب التي كانت عماد بحثي ومدار دراستي. لقد بينت في دراستي لهذا الكتاب (راجع الاطروحة) بان الجزء الذي اكتشفه الأستاذ اربري في دبلن، هو الجزء الثاني من «تاريخ اربل» وليس الرابع كما توهم الأستاذ الراحل. وانني واصف في الصفحات الآتية مخطوطة هذا الجزء تمهيدا لتحقيقها، علما بانني لم اهتد الى اية نسخة اخرى لهذا الكتاب.
أ- وصفها وحالتها
بقي «تاريخ اربل» مدة طويلة في عداد المفقودات، بل ان الكثير من الباحثين استمروا على اعتباره مفقودا حتى وقت قريب. من ذلك ان السيد صلاح المنجد (وكان مدير معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية) ذكر في كتابه «اعلام التاريخ والجغرافية العرب» المنشور سنة ١٩٥٩ م (١/٦١) بان «تاريخ اربل» في عداد المفقودات. وقال مثل ذلك الأستاذ فؤاد سيد في احدى حواشي «العقد الثمين» الذي نشره سنة ١٩٦٤ (٣/٣١١- حاشية) . وان الدكتور طليمات ذكر في كتابه عن «كوكبوري» المطبوع سنة ١٩٦٣ م (ص ٢٢٥) بانه مفقود ايضا. بل ان السيد بشار معروف ذكر في مقدمته لكتاب «تكملة المنذرى» المطبوع سنة ١٩٦٨ م بان «تاريخ ابن المستوفي» من الكتب الضائعة (١/٥٢) ، رغم انه بذل جهودا جبارة في جمع المخطوطات التي لها علاقة بالتراجم والوفيات، وزار العديد من البلاد العربية والاوربية. بل واكثر من هذا فان السيد رشاد عبد المطلب (من موظفي معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية حاليا) ظل يعتقد بضياع «تاريخ اربل» حتى زار كمبرج في تشرين الثاني سنة ١٩٧٢ م، عند ما اطلعته على صور لمخطوطة الجزء الثاني الذي اتولى تحقيقه.
والطريف في الامر ان المرحوم عباسا العزاوي قال سنة ١٩٥٧ م عن الكتاب «بان تاريخ اربل لم يصل الينا منه الا ما علم اخيرا من وجود جزء منه في
стр. 6
لندن. ثم غاب ذكره ولم يعرف مصيره» (مجلة مجمع دمشق ص ٤١٢ و «التعريف بالمؤرخين» للمؤلف نفسه ص ٦٠) . وقال مثل ذلك المرحوم مصطفى جواد سنة ١٩٦٢ م (معجم ابن الفوطي ١/٥٠٧- حاشية) .
والظاهر ان احدا لم يكلف نفسه عناء البحث بعد صدور تلك الاشاره من المرحوم العزاوي ثم من المرحوم مصطفى جواد. بل ان احدا لم يخطر بباله القاء نظرة على فهرس مخطوطات «مكتبة جيستر بيتي» في دبلن الذي اعده الاستاذ اربري، ويبدو ان معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية او اية مؤسسة عربية اخرى ذات علاقة بالموضوع، لم تحاول اقتناء الفهرس المذكور، علما بان الجزء الاول منه صدر سنة ١٩٥٥ م والجزء الثامن- وهو الاخير صدر عام ١٩٦٤!!
وعلى اي حال، فان الفضل في اكتشاف هذه المخطوطة يعود الى المستشرق البريطاني الراحل الأستاذ آربري، فقد اسعفه الحظ بالكشف عنها اثناء توليه مهمة اعداد فهرس للمخطوطات العربية في المكتبة آنفة الذكر، وقد ذكرها في الجزء الخامس (ص ٣١ برقم ٤٠٩٨) المطبوع سنة ١٩٦٢ م، الا انه توهم فظنها- كما اسلفنا- الجزء «الرابع» من «تاريخ اربل» . والمخطوطة تقع في ٢٣١ ورقة، غير ان احد متملكيها (واظنه محمد علي النجفي الذي علق في بعض حواشيها بشيء من شعره) اخطأ في الحساب فظنها ٢٢٨ ورقة (مخ ورقة ٢٣١ ب) . اما قياس صفحتها فهو ٢، ٢٥ سم طولا و ٥ و، ١٦ عرضا على وجه التقريب. وفي كل صفحة ١٩ سطرا على وجه التعديل، ويتألف السطر من ١٢ كلمة تقريبا. فيكون مجموع كلماتها على هذا الاساس حوالي ١٠٥٠٠٠ كلمة.
وهي مكتوبة بخط نسخي جيد، وبحبر بني بهت لونه بمرور الزمن وكاد يختلط احيانا بلون الورق الضارب الى الصفرة، مما جعل قراءة النص عسيرة في
стр. 7
بعض الاحيان. وقد حمل ذلك احد متملكي المخطوطة (واظنه النجفي آنف الذكر) على ان يعيد تحبير الكتابة في عدد غير قليل من المواضع محاولا اظهارها، ولكنه بدلا من ان يجعلها واضحة للقارئ، فقد مسخها في حالات عدة اذ اخطأ في رسم الكلمات الامر الذي ادى الى تصحيفها وجعل قراءتها اكثر صعوبة من ذي قبل. ويبدو انه لم يكن مؤهلا لمثل هذا العمل (مخ ورقة ١٥ ب و ٢٠ ب و ٢٢ أو ٢٣ أو ٢٣ ب، و ٢٧ ب و ٤٧ أو ٥١ ب- ٥٢ ب و ٥٩ أو ٧٦ أو ٨٦ أو ٨٦ ب و ٩٢ ب و ٩٤ ب و ١٠٢ ب و ١٠٩ ب و ١٢٩ أوب، و ١٣٩ أو ب و ١٤١ أ) . والخط بمجمله خال من الشكل، الا عن ضبط بعد الكلمات التي قد تم ضبطها احيانا بوصف تهجئتها او بكتابة الحركات في احيان اخرى (مخ ورقة ٧٣ أو ١٤٣ ب و ٢١١ ب و ٢١٣ أو ٢١٧ أ) . هذا وان الناسخ ضبط بعض الابيات بالشكل، كما كتب مرتين بضعة اسطر من كلام المؤلف مشكولة (مخ ورقة ١٥٣ ب و ٢٣١ أ) . وكتب اسماء اصحاب التراجم بخط غليظ مما جعلها بارزة عن بقية الكلام. اما السطر الاخير من الصفحة فقد انمحى في كثير من الاوراق بسبب اللمس عند التقليب (مخ مولا ورقة ١٦٥ ب و ١٦٨ أ، ١٦٩ أو ١٩٧ ب و ١٩٨ أو ٢٢٣ ب- ٢٢٤ ب و ٢٢٦ ب) .
وهذه المخطوطة مؤرخة في شوال من سنة ٦٤١ هـ الموافق لشهر آذار سنة ١٢٤٤ م (مخ ورقة ٢٣١ ب) ، اي بعد اربع سنوات من وفاة المؤلف، اما الناسخ فغير معروف اذ لم يذكر اسمه خلافا لما اعتاد عليه كثير من النساخ. وهي (اي المخطوطة) على ما يبدو، مؤلفة من اجزاء او كراسات، وتتألف كل كراسة من عشر ورقات (ذكر الشيخ الاثري في مقدمة «خريدة العماد- عراق» ١/٣٢ بان ابن عساكر كتب «تاريخ دمشق في ٧٠٠ كراسة، كل كراسة في ٢٠ ورقة. قلت ان مخطوطة «تكملة المنذرى» الموجودة في مكتبة جامعة كمبرج مؤلفة من ١٢ جزءا، مجموع اوراقها ١٨ ورقة، انظر المطبوع من التكملة
стр. 8
١/٣٧) - كما يلاحظ من الاعداد المكتوبة في الزاوية العليا من اليسار في بعض الاوراق، وقد أمكنني قراءة بعضها وهي، في الورقة ٧٨ كتب الناسخ كلمة «تاسعة» ، وفي الورقة ١٠٨ كتب «ثانية عشر» ، وفي الورقة ١٣٨ كتب عبارة عسيرة القراءة وهي تشبه «خامسة عشر» ، وفي الورقة ١٤٨ كتب «سادسة عشر» ، وفي الورقة ١٥٨ كتب «سابعة عشر» ، وفي الورقة ١٧٧ كتب «عشرون» ، وفي الورقة ٢١٧ كتب عبارة غير مقروءة. اما في باقي الاجزاء فقد انمحت الكتابة او ان زوايا الاوراق التي تحمل الكتابة قد تقطعت بسبب كثرة الاستعمال.
والذي يمكن استنتاجه من هذا، ان كراسات المخطوطة كانت بالاصل مؤلفة من عشر اوراق، وانه سقطت ثلاث اوراق من الكراريس الثماني الاولى مما جعل الكراسة التاسعة تبدأ بالورقة ٧٨ بدلا من الورقة ٨١. وهذا واضح جدا من سقوط شيء ما بين الورقتين ٢٩ و ٣٠، اذ لا يستقيم المعنى بين آخر عبارة في الورقة ٢٩ ب مع اول عبارة في الورقة ٣٠ أ، فهما يعودان لترجمتين مختلفتين. ووقع مثل ذلك بين الورقتين ٥٧ و ٥٨، وهنا ايضا لا يستقيم السياق بين آخر عبارة في الورقة ٥٧ ب واول عبارة في الورقة ٥٨ أ. وهناك احتمال غير أكيد عن سقوط شيء ما بين الورقتين ٦٤ و ٦٥، اذ ينقطع الكلام بصورة مفاجئة في نهاية الورقة ٦٤ ب، وليس بالوسع التحقق من كون الكلام قد انتهى فعلا او ان له تتمة لان الورقة ٦٥ أتبدأ بترجمة جديدة. وهناك احتمال قوي ايضا بسقوط ورقة او اكثر بعد الورقة ٩٧ لان الترجمة الواردة في آخرها جاءت مبتورة ولم تتجاوز السطرين وبضع كلمات. وليس بالوسع التحقق من شيء لأن الورقة ٩٨ تبدأ بترجمة جديدة. ولذا فانه من غير الممكن القطع برأي حاسم. اما بالنسبة للكراسة «عشرون» فكان من المتعين ان تبدأ بالورقة ١٩١، او على الاقل بالورقة ١٨٨ (بعد حذف الورقات الثلاث الساقطة) ، ولكنها تبدأ بالورقة ١٧٧، وهذا معناه سقوط ١١ ورقة اخرى. واغلب الظن ان موضع
стр. 9
سقوطها بقع بعد الورقة ١٦٦ لان الكلام في نهاية هذه الورقة ينقطع بصورة مفاجئة بعد اربعة اسطر فقط من بدء الترجمة رقم ٢٣٣، وبعد سطر ونصف السطر من بداية نص دعاء نقله المؤلف، ولم يتجاوز فيه سوى الحمد لله والصلاة على رسول الله، مما يحمل على الاعتقاد بان الترجمة المذكورة ناقصة.
الا انه من المؤسف ليس بالوسع الجزم بشيء لان الورقة ١٦٧ تبدأ بترجمة جديدة لا تلقي اي ضوء على سياق الكلام. ولعل الاوراق العشرة التي وضعت في غير محلها (وسيأتي الكلام عليها) هي من الاوراق الساقطة هنا، لا سيما وان اولها تتمة لدعاء.
وعلاوة على ما تقدم، فهناك موضع اضطرب فيه تسلسل الاوراق نفسها- عند التجليد- فسياق الكلام في نهاية الورقة ١٩٦ لا ينسجم مع العبارات الواردة في بداية الورقة ١٩٧، ولا بين الورقتين ٢٠٦ و ٢٠٧. وبعد التحري الدقيق والمراجعة، اتضح ان مكان الورقة ٢٠٧ وما بعدها ينبغي ان يكون بعد الورقة ١٩٦ مباشرة وهي تخص ترجمة عبد الله بن الحسين بن رواحة، ذلك ان المؤلف يستأنف كلامه عنه في الورقة ٢٠٧ وما بعدها، وانه بالفعل يذكره بالاسم (اي ابو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة) ، علاوة على ان الشعر الوارد في الورقة ٢٠٧ يعود الى والد الحسين المذكور (وهو عبد الله) وان تاريخ ميلاده (اي ميلاد الوالد) سنة ٥١٥ يتفق وميلاد والد صاحب الترجمة. بل ان ابن خلكان (٣/٢٩٢- ٢٩٣) روى الشعر الذي رواه ابن رواحة من المبارك بن كامل بن منقذ وفقا لما في الورقة ٢٠٨ من مخطوطتنا مرويا عن ابن رواحة المذكور، مما لا يدع مجالا للشك بتبعية الورقتين ٢٠٧ و ٢٠٨ للورقة ١٩٦ (انظر ايضا شعر عمه عبد المحسن) . الا انه من المؤسف ان الاوراق ١٩٧- ٢٠٦ (وهي كراسة كاملة) يتعذر القطع بتعيين مكانها الصحيح ضمن المخطوطة، خصوصا وان الكلام يستمر متناسقا بين الورقة ٢٠٧ ونهاية المخطوطة ولكنني اميل الى ان يكون موضعها بين الورقتين
стр. 10
١٦٦ و ١٦٧، كما اميل الى ان ورقة قد سقطت من اولها وانها كانت بالاصل ١١ ورقة. ولقد قمت بنقل الاوراق آنفة الذكر من مواضعها الى المواضع التي ظننت انها هي الاصلية، على انني ابقيت ترقيم الاوراق وفق الترتيب الوارد في المخطوطة نفسها.
هذا ولا تحمل المخطوطة اسماء من تملكها- ما عدا النجفي الذي سنأتي على ذكره-. اما التعليقات المكتوبة في حواشيها فلا تفيد شيئا عن اشخاصهم (ما عدا تعليقات ابن الشعار الذي ذكر اسمه صريحا، ولكنه على ما اظن لم يكن قد تملكها، وانما تولى مراجعتها) . ان وجه الورقة الاولى- وهو بمثابة ورقة الغلاف- يحمل رسما في وسط الصفحة وكأنه عين انسان، وفوقها زهرة صغيرة تتدلى من عودها بعض الاوراق الغريبة الشكل. وفي الزاوية العليا منها الى اليمين كتبت عبارة «في الرجال المحدثين» ، وفوقها كتب، (MS.٤٠٩٨)
والى يسارها عبارة «يا محمد» . وفي الزاوية المقابلة لها كتبت عبارة «سيد محمد او سند محمد» . وتحت الرسم المذكور رسمت فتحات وكسرات وشدات في ثلاثة صفوف متوازية، والى يسارها كتبت عبارة بالحبر الاحمر «اودعت في هذا المكان شهادة اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله» ، وتحتها بخط غليظ على شكل سطرين هذا البيت:
«يا قارئا كتابي ابكي على شبابي ... بالامس كنت مثلك وصبحت في التراب»
وكتب في موضع آخر بقلم الرصاص عبارة «١٥٠ ليرة» ، ولعل ذلك كان قيمة شراء المخطوطة، وكتب فوقها بقلم الرصاص ايضا هذه العبارة (X Ellis ٢٩٢ Cat) وتحتها الرقم (٤٠٩٨) وحوله دائرة. وكتب تحت عبارة (١٥٠ ليرة) بقلم الحبر هذا الاسبارة (A.G.Ellis) وتاريخه (١٥. ٥. ٦) . والى هذا كان احد موظفي قسم المخطوطات والكتب الشرقية في المتحف البريطاني، وهو الذي صنف فهرس الكتب العربية المطبوعة الموجودة في مكتبة المتحف المذكور،
стр. 11
وقد تقاعد سنة ١٩٠٩ م (انظر الفهارس المذكورة، وهي مطبوعة سنة ١٨٩٤ أو ١٩٠١ و ١٩٢٦ م) وعلى كل حال فان هذه الورقة ليست من الاصل، كما سنرى.
اما داخل المخطوطة، فقد سمح الناسخ لنفسه بالتعليق على ما اورده المؤلف، بل وعلى اقوال بعض الرواة احيانا، ويصب اللعنة حينا على من ينقل المؤلف اقوالهم، فيقول مثلا «ليته لم ينقل ذلك» إذ لم يعجبه ما نقله المؤلف من اخبار عن ابي الفتوح الغزالي. او يقول «شعر غث» ، او ان الصحيح كذا وكذا، او ان ما قاله احدهم «خطأ او كذب» ، وهكذا (مخ ورقة ٢ أو ١١٢ أو ١١٤ أو ١٢٧ أو ١٨٧ أو ٢١٨ ب و ٢٢٠ أ) .
هذا وان بعض صفحات المخطوطة بخط ابن الشعار- على ما اعتقد- لان الكتابة في الورقات ١٥٢ أ- ١٥٤ ب و ١٧٨ ب ١٧٩ ب تشبه الى حد كبير خط بعض اجزاء كتاب «عقود الجمان» تصنيف ابن الشعار (مخ استانبول) كما تشبه خط التعليقات والاضافات التي كتبها ابن الشعار على صفحات «تاريخ اربل» وذكر فيها اسمه صراحة، كما انه صحح بعض العبارات بما يتفق وما جاء في كتابه، ولا سيما ما له علاقة بالمواصلة من اهل بلدته، واحيانا اكمل معلومات لم يكملها ابن المستوفي كتلك المتعلقة بنسب ابن الشعار نفسه الوارد في ترجمته التي كتبها ابن المستوفي، كما صحح فيها تاريخ ولادته هو (تبدأ احدى الاضافات ورقة ٥٣ أبقوله «قَالَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُبَارَكُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمْدَانَ الْمَوْصِلِيُّ- عَفَا الله عنه-.. الخ» وفي الورقة ١٨١ أزاد عليها عبارة «غفر الله له ولوالديه» . وواضح من هذه الصيغة انها كتبت من قبل قائلها.
انظر ايضا مخ ورقة ٣٤ ب و ٣٥ ب و ٦٧ ب و ٦٥ أو ١١٧ أو ١٨١ ب و ٢٠٣ أو ٢١٠ أو ٢١٢ أو ٢١٣ أو ٢١٤ ب و ٢٢٣ ب و ٢٢٤ ب و ٢٢٦ أو ٢٣٠ ب) .
стр. 12
ووقعت المخطوطة في يد عدد من القراء فعلقوا عليها بما عنّ لهم، الا انهم- مع الاسف- لم يكشفوا لنا عن هوياتهم، وهم ولا شك من اهل الحديث والادب والتاريخ، اذ تناولوا بالتصحيح بعض المعلومات الواردة في الكتاب (راجع ورقة ٢٧ أو ٥٧ ب و ٥٨ أو ٦٥ أو ٨٨ أو ٨٩ ب و ١٦٠ أو ١٨٥ ب و ١٩٣ أو ٨٩٤ ب و ٢٠٩ ب و ٢٢٧ أ) . وأحد هذه التعليقات (ورقة ٢٢٧ أ) له اهمية خاصة، اذ التقى صاحبه بالعباس بن بزوان (وهو احد اصحاب التراجم الواردة في الكتاب) في شهر رمضان من سنة ٦٤١ هـ (١٢٤٣ م) فأنشده بعض الشعر الذي اورده المؤلف في ترجمته، الامر الذي يدل دلالة اكيدة على صحة تاريخ نسخ المخطوطة، وقد تم ذلك في السنة المذكورة، فضلا عن تأكيد صحة نسبة الابيات المروية الى قائلها.
اما النجفي الذي اشرنا اليه فهو الشيخ محمد علي بن محمد راضي النجفي الذي كتب بخطه الورقة الاولى، وكتب في بعض الحواشي ابياتا من نظمه في الغالب. بل انه سمح لنفسه ان يحشر ابياتا بين سطور بعض المقطوعات الواردة في المتن (مثلا ورقة ٤٧ أو ٨٩ أ) . وشعره في مجموعه ركيك واحيانا غير موزون (مخ ورقة ٤ أو ١٥ ب و ٢٠ ب و ٢٢ أو ب و ٣٠ أو ٤٧ أو ٧٧ ب و ٨٠ أو ٨٤ أو ٨٩ أوب و ٩٤ ب و ٩٥ أو ١٠٣ أو ١٠٩ أ) . علما ليس بين هذه التعليقات ما يشير صراحة الى تملكه للمخطوطة، ولكن تصرفه بها بالشكل الذي بينا يدل على تملكه لها. هذا ويبدو انه من المتأخرين ودليلي على ذلك انه قال عن مجموع اوراق المخطوطة «مجموع اوراق هذا الكتاب مائتين (كذا) وثمانية وعشرين» (مخ ورقة ٢٣١ ب) .
وذكر عددا آخر في الصفحة نفسها قال «سنت (كذا) خمس مائة وثنين وسبعين وكرر ذكر هذا التاريخ بالصيغة نفسها في اول المخطوطة (مخ ورقة ١ ب) .
وكما هو معروف بان الصيغة التي يستعملها المتقدمون في كتابة الاعداد تقضي
стр. 13
بتأخير المئات، فيقولون مثلا «ثمانية وعشرون ومائتان» و «اثنتان وسبعون وخمس مائة» . وعلاوة على ذلك، فان اسمه مركب، اي «محمد علي» واسم والده «محمد راضي» ، وغير خاف ان مثل هذا التركيب لم يكن معروفا لدى المتقدمين. هذا وقد حاولت الاهتداء الى معرفة شخصيته فلم اوفق. والذي يغلب على الظن انه هو نفسه الذي اعاد تحبير عدد من صفحات المخطوطة، مما ادى الى تصحيف بعض الكلمات.
اما بالنسبة للاملاء فان الناسخ لم يتقيد بقواعد الاملاء المتبعة في الوقت الحاضر. فيكتب مثلا «اللذي واللتي واللفه» بدلا من «الذي والتي وألفه» (مخ ورقة ٢ أو ٤٠ ب و ١٥٦ أو ١٨٩ أ) ، و «ااذانهم وااخرة وجاذر» واموالها بدلا من «آذانهم وآخرة وجآذر» (مخ ورقة ٧ أو ٨ أو ١٠ أو ١١ أب و ١٥١ أو ١٨٣ ب و ١٨٨ ب و ٢٠٦ أو ٢١٨ ب) .
ويكتب «منجا ومرجا وبخارا واتا وتبدّا» بدلا من «منجى ومرجى وبخاى واتى وتبدى» (مخ ورقة ٢٣ أو ب و ٣٥ أو ١١٥ ب و ١٨٩ أو ٢١٥ أ) (قال المرحوم مصطفى جواد ان القدماء كانوا يكتبون «المنجا والمرجا» بالالف القائمة، وهو ميل قديم الى كتابة الالفاظ بحسب لفظها. انظر «تكملة ابن الصابوني» ص ٧٤ حاشية) . ويكتب الهمزة الراكبة على كرسي الياء ياء، فيكتب «لين ورايك وضيايه» بدلا من «لئن وورائك وضيائه» (مخ ورقة ١٨٣ أو ٢١٠ أ) . كما يحذف الهمزة الواقعة بعد الف، فيكتب «ما وجا» بدلا من ماء وجاء» (مخ ورقة ٧٥ أو ١٨١ ب) كذلك يكتب الناسخ الفا بعد الواو في الفعل المضارع للمفرد الغائب فيكتب «يرجوا ويمحوا ويعلوا» (مخ ورقة ٤١ أو ٣ ب و ٦٠ أو ١٨٠ ب و ١٨٧ ب و ٢١٥ ب) . كما انه لا يتقيد بوضع النقط على الحروف المعجمة فيكتب مثلا «مال» بدلا من «قال» و «الحافظ» بنقطة واحدة لا ندري أهي للفاء ام للظاء و «حديثا» بدلا من «حدثنا» وهكذا. ويكتب احيانا حرف الالف المفصولة موصولة بما بعدها
стр. 14
فيكتب «لبو ولنشدني» بدلا من «ابو وانشدني» (منح ١٦٧ ب و ١٧٠ ب) . واعتاد ان يضع فوق حروف «ر، س، ص» هذه العلامة «٧» للتأكيد على انها مهملة (مخ ورقة ١٨٧ و ١٩٧ ب و ١٩٨ أو ١٤ ب) . ويلتزم عند كتابة «بغداد» بجعل الدالين ذالا معجمة او الثاني منهما على الاقل (مخ ورقة ١ ب و ١٦١ ب و ١١ ب و ١٩٢ ب و ٢٠١ أ) . كذلك فانه يحذف الالف من اسماء بعض الاعلام، فيكتب «القاسم والحارث وسليمان وسفيان ومالك ومعاوية» عارية من الالف (مخ ١٢ أو ١٤ ب و ١٥ أو ٦١ ب و ١٦٧ ب و ١٧٦ ب) . ولكنه يزيد الفا على الكلمات التي تكتب عادة بحذف الالف، فيكتب مثلا «الرحمن وهاذا وهؤلاء» بدلا من «الرحمن وهذا وهؤلاء» (مخ ورقة ٣٨ ب و ٤٠ أو ٤٨ أ) . ولعل من المفيد الحاق قائمة بهذه الفقرة تبين املاء بعض الكلمات مقارنة بالاملاء المعتاد.
اما بالنص الذي حققته فانني قد غيرت الاملاء القديم آخذا بما هو مألوف في الوقت الحاضر. الا انني قبل انهاء هذه الفقرة يجدر بي ان اشير الى ان الناسخ اعتاد على حذف الالف من كلمة «ابن» عند ما ترد بين علمين، واثباتها اذا وقعت في بداية السطر (مخ ورقة ١٣٩ أو ١٩٥ أمثلا) وهو في هذا يتبع قاعدة سار عليها القدماء (راجع المختصر المحتاج اليه ١/٢١ وتاريخ ابن الدبيثي- مخ كمبرج، على سبيل المثال) . كذلك انه اعتاد على ايراد عبارة «ان شاء الله» لا في مواضع التمني للمستقبل فحسب، وانما لترجح ما وقع في الماضي، كقوله عن شخص ورد اربل «ورد اربل- ان شاء الله- قبل ذلك» (مخ ورقة ١٤ ب و ١٦ ب و ١٩ أو ٢٤ أو ٢٩ ب و ٣٢ ب و ٤٤ أو ٧١ ب و ٨١ أو ٨٣ أو ١٢٠ أو ١٣١ أو ١٦٧ أ) . كما انه اعتاد على ان يترك بياضا بقدر كلمة واحدة بين نهاية فقرة ختمها وبين فقرة جديدة قد بدأها، او عندما يقتبس نصا او يبدي ملاحظة. وغرضه التفريق بين النصين
стр. 15
(مخ ورقة ١٦٤ أو ب و ١٦٦ ب و ١٦٨ أو ١٧٣ أو ١٨٥ أو ١٨٩ ب و ٢٠٣ أو ٢٢٥ ب) . ويرسم احيانا دائرة صغيرة في نهايات الفقرات او عند رواية الشعر (مخ ورقة ١٩٤ ب) ولكنه لا يلتزم بذلك بصورة دائمة. وكما سبق وبينت فانني من جانبي لم آخذ بهذا الاملاء ولا بهذه القواعد، وانما اتبعت ما جرى عليه العرف في الوقت الحاضر.
نماذج من املاء الكلمات الواردة في المخطوطة
ب- صحة نسبة المخطوطة الى ابن المستوفي
لقد بينا (انظر الاطروحة، الفقرة المتعلقة بعنوان «تاريخ اربل» ) ان المخطوطة لا تحمل اسم «نباهة البلد الخامل بمن ورده من الاماثل» ، وان
стр. 16
الورقة الاولى التي تشير الى كون المخطوطة هي «تاريخ اربل» تصنيف ابن المستوفي، هي ليست اصلية. ويبدو انها تهرأت بسبب الاستعمال مما حمل احد مالكيها- وارجح ان يكون النجفي سالف الذكر- قد استنسخها وضمها الى الاصل، او ان تملكها لم يكن بوجه شرعي فقام من وقعت بحوزته بنزع الورقة الاولى للتعفية على اسم مالكها الشرعي، اذ كثيرا ما يزيل الوراقون الورقة الاولى من المخطوطات للتعفية على ما فيها من كتابات قد تشير الى مالكها الشرعي من شخص او وقف. اقول ان عدم وجود الورقة الاصلية يلقي بطبيعة الحال ظلالا من الشك على صحة نسبة مخطوطتنا الى ابن المستوفي، وبالتالي عدم امكان القطع بحقيقة كونها «تاريخ اربل» ، وهذا يوجب على المحقق العمل لازالة تلك الشكوك. وهذا ما فعلته بالضبط، وقمت بتجميع الادلة القاطعة بهذا الصدد، وها انني ادرجها فيما يأتي، آملا ان اكون قد وفقت في مسعاي:
١- ان المؤلف قد سمّى نفسه بصراحة في اكثر من موضع، اذ ورد فيها قوله «قال المبارك بن احمد» او قال «المبارك ابن احمد بن المبارك» (مخ ورقة ٣٢ أو ٨٣ أو ١٦٨ أو ٢٠٦ أ) على طريقة المؤلفين الاقدمين الذين كانوا يذكرون اسماءهم عند ما يريدون تأكيد نسبة القول المدرج اليهم شخصيا.
وذكر اسم والده «ابي الفتح احمد» وعمه «علي بن المبارك بن موهوب» وتوليهما وظيفة كبيرة لسرفتكين الزيني حاكم اربل، وان والده بنى قبة في احد جوامع اربل ليقيم بها الواردون عليها، كما ذكر تلقّيه تعزية بوفاة اخيه «محمد بن احمد» (مخ ورقة ٣٣ أو ٤٤ أو ١٢٠ ب و ١٧٢ ب و ١٧٤ ب و ٢٠٤ ب) . كذلك ذكر عن نفسه سماعه على احد العلماء وهو صغير في جامع القلعة باربل، ورؤيته لاحد المحدثين بدار. الحديث باربل، ثم اشارته الى بناء كوكبوري دار حديث باربل وتشاوره معه فيمن يصلح لاسماع الحديث بها
стр. 17
واقتراحه (اي المؤلف) عليه استدعاء ابن طبرزذ وحنبل (مخ ورقة ٢٩ ب و ٧٠ أو ٢٢٦ ب) .
٢- اشار المؤلف بصورة صريحة الى انه كان يؤرخ الواردين الى اربل (مخ ورقة ١٩٩ ب) ، ثم ان القاسم المشترك بين اصحاب التراجم هو قوله «ورد اربل» او «انشدني باربل» وما الى ذلك مما يتكرر في كثير من تراجم الكتاب (مخ ورقة ٣٠ أو ٤٤ أو ٧٠ أو ٩٢ أو ١٠٦ أو ١٢٠ ب و ١٣٤ ب و ١٣٨ أو ١٣٩ أو ١٦٧ أو ١٧٣ ب و ٢٠٤ أو ٢١٧ أو ب و ٢٢٢ أو ٢٢٣ ب) .
وقال عن احدهم «انما ذكرته لان له ذكرا باربل» ، وقال عن آخر «ورد اربل وعلى يده شفاعة لكوكبوري» (مخ ورقة ١٣٨ أو ١٨٠ أ) . وفي ظني ان ذلك دليل قوي على كون المخطوطة هي جزء من «تاريخ اربل» لابن المستوفي، لانه في جوهره- كما تبين لنا- هو تاريخ الواردين الى اربل.
٣- وعلاوة على ما تقدم فان الاخبار الواردة في المخطوطة تدور في كثير من الاحيان على ذكر ارابلة برزوا في العلم والتقى او احتلوا مراكز مهمة فاستحقوا بذلك ان يشار اليهم. ومجرد نظرة على الكتاب تكفي لادراك هذه الحقيقة. (مخ ورقة ١٣٣ ب و ١٧٢ ب و ١٧٣ ب مثلا) . كما ان اخبار كوكبوري صاحب اربل مبثوثة في الكتاب بشكل بارز، وتحتل مركز الصدارة فيه، مما لا يدع مجالا للشك بان المخطوطة هي جزء من «تاريخ اربل» .
٤- ودليل رابع لا يقبل المناقشة قط، هو ان ما نقله المؤرخون كابن الشعار وابن خلكان وغيرهما عن «تاريخ اربل» يتفق حرفيا وما ورد في هذه المخطوطة، وهي من الكثرة بما لا يتسع المجال لذكره هنا، ويكفي ان اشير الى مثل واحد من ابن الشعار (مخ استانبول ٧ ورقة ١٩٠) حيث نقل حرفيا
стр. 18
عن «تاريخ اربل» ترجمة محمد بن عبد الكافي الخازن (مخ ورقة ٢١٧ أ) ، وآخر من ابن خلكان (٣/٢٣٢ و ٤/٢٠ و ٥/١٧٩) اذ نقل عن «تاريخ اربل» بعض تراجم القاسم بن المظفر الشهرزوري والخضر بن تيمية وياقوت الحموي (مخ ورقة ٣٤ ب و ٩٣ أو ١٥٧ وما بعدها) .
ت- المخطوطة منقولة عن مسودة غير نهائية
بعد دراسة الجزء الثاني من «تاريخ اربل» دراسة عميقة حصلت لدي القناعة بان المخطوطة التي بين ايدينا قد نقلت عن مسودة للكتاب لم تنسق بشكلها النهائي. ويبدو ان ابن المستوفي لم تسمح له ظروفه لكي يعيد النظر فيما كتبه (في هذا الجزء على الاقل) وينسقه، وانما ترك مسودات الكتاب على حالها الذي كانت فيه يوم دونها في وقتها. وقد جاء بعده من استنسخها حرفيا كما تقتضي امانة النقل. ولعل هجمات التتر على اربل، واضطرار المؤلف على الهجرة الى الموصل، وتقدم السن به وما الى ذلك من العقبات هي التي حالت دون اخراج الكتاب بالشكل المطلوب. اما ادلتي على ذلك فسوف اسوقها فيما يأتي:
١- عدم انسجام المعلومات مع بعضها البعض
ولشرح المقصود بهذا، ارى من الافضل الاتيان بأمثلة حية من واقع الكتاب، من ذلك مثلا انه قال عن عبد العزيز بن عثمان الاربلي «لم اتحققه فاذكر من حاله شيئا» (مخ ورقة ٤٨ ب) ، الا انه عاد فذكر عن حياته معلومات وافية (مخ ورقة ١٤٤ ب) . اقول لو اتيحت الفرصة لابن المستوفي ان يعيد النظر فيما كتبه لحذف ما قاله اولا، ثم لجمع ما لديه من معلومات عن عبد العزيز هذا في موضع واحد. وقال عن عبد القادر الرهاوي
стр. 19
(مخ ورقة ٥٤ ب) «فهو الآن بحران» ، غير انه قال في الصفحة التالية «بلغتني وفاته بحران سنة ٦١٢» ، وقال مثل ذلك عن علي ابن الهروي (مخ ورقة ٦٥ أ) وانه رحل الى حلب عند سلطانها «فهو مقيم الى الآن عنده» ، ثم قال في الصفحة نفسها. بلغني انه توفي بحلب في سنة ٦١١. وقال عن ابراهيم ابن البرني (مخ ورقة ٧ أب) «فهو الآن مقيم بسنجار» ، غير أنه ذكر بعد ذلك (مخ ورقة ٦٨ ب) انه توفي بالموصل سنة ٦٢٢. وقال عن راجية بنت محمد «وهي باقية الى آخر شهر رمضان سنة ٦١٥» ثم ذكر بعد ذلك مباشرة وفاتها في سنة ٦٢٢ (مخ ورقة ١١٣ أ) . وهذه الأمثلة تدل- بلا ريب- على ان المعلومات كانت ترد الى المؤلف تباعا فيضيفها الى ما سبق وكتبه على امل ان يراجعها في يوم الايام وينسقها، ولكن الظروف لم تسمح له بتنسيقها وحذف ما لا ضرورة لا ثباته وتصحيح ما ينبغي تصحيحه.
ولعل من المفيد هنا ان اضيف مثالا آخر على عدم الانسجام، ان المؤلف ذكر كتابا من تأليف عيسى بن لل وانه بخطه ثم عاد وذكر بان ذلك الكتاب هو من تصنيف ابن شبانة (مخ ورقة ١٣١ أو ١٣٣ أ) دون ان يفطن الى هذا التناقض.
٢- عدم انسجام بعض المعلومات مع ظروف تأليف الكتاب
لقد بينت في دراستي لتاريخ اربل (انظر الاطروحة) بان آخر اشارة مؤرخة في الكتاب كانت في سنة ٦٣١ هـ، وهذا يعني بان الكتاب وضع بشكله الحالي في تلك السنة او بعدها، اي انه تم بعد وفاة كوكبوري بسنة على الاقل. ولكن المؤلف كان يدعو لكوكبوري بعبارات الدعاء للاحياء كقوله «ادام الله سلطانه» وما أشبه، ولم يترحم عليه مطلقا. ويمكننا ان نقول مثل ذلك عن الخليفة الناصر المتوفى سنة ٦٢٢ هـ، اذ دعا له في موضعين بعبارة
стр. 20
«خلد الله سلطانه» وفي موضع ثالث بعبارة «﵁» (مخ ورقة ٢٠ أو ١٣٨ ب) . وعند ذكر اسم شيخه صاعد بن علي المتوفى سنة ٦٢٥ هـ، دعا له بقوله «ابقاه الله» و «ايده الله» (مخ ورقة ١٣ أ) . وهنا ايضا اقول لو لم يكن الكتاب مسودة، لخلا من مظاهر عدم الانسجام هذه.
٣- نقصان بعض العبارات
وخير مثال اضربه على ذلك ترجمة الحسين ابن خلكان (مخ ورقة ١٦٤ أ) اذ ختمها بكلمة «وبخطه» وبعدها بياض بمقدار اربعة اسطر.
ويبدو ان المؤلف اراد ان يثبت ما كان قد وجده بخط الحسين المذكور، ولم تسعفه الظروف لاثبات النص المطلوب في موضعه. اقول لو اتيحت له الفرصة لمراجعة ما كتب لكان اثبت النص او على الاقل لبادر الى حذف كلمة «وبخطه» ان تعذر عليه العثور على النص المذكور. هذا وقد قال عن احد المترجمين (مخ ورقة ١٨٧ أ) : «وبلغني انه ينظم شيئا من الشعر، فان وقع لي اثبته» ، وفي عدد من المواضع لم يثبت التاريخ الذي اراد اثباته، فيقول مثلا «توفي» وبعدها بياض، او «ورد اربل في» ويليها بياض ايضا، اولا يذكر اسم شخص اراد ذكره كقوله «ادرك طبقة عالية مثل ... » دون ان يذكر اسم احد، او يقول «انشدني من شعره لنفسه» ولا يذكر الابيات التي انشدت له. وفي ترجمة «ابن زنزف البغدادي» ترك فراغا بين الكنية والنسبة على امل ادراج اسمه ونسبه ولقبه كالمعتاد، ولكنه لم يفعل (مخ ورقة ٤٩ أو ٨٤ أو ٩٩ أو ١٠٤ ب و ١٠٨ ب و ١١١ أو ١١٥ أو ب و ١١٦ ب و ١٢٠ أو ١٢٨ ب و ١٥٦ أو ١٦٤ أو ١٧١ ب و ١٧٦ أو ١٧٨ أو ١٧٩ أو ١٨٧ أو ١٨٨ ب و ١٩٠ ب و ٢٠٠ أو ب و ٢٠١ أو ٢٢٦ ب) . وهذه الحقائق تدل بصراحة على ان النص الذي بين ايدينا ليس بنص نهائي.
стр. 21
٤- عدم ترتيب التراجم وفق نسق معين وتكرر بعضها
ان ترتيب التراجم في الكتاب لا يتبع نسقا معينا سواء كان هجائيا او زمنيا او طبقيا، مما يجعل الكتاب فاقد التنظيم فقدانا كليا، الامر الذي لا يتصور معه ان يكون هذا هو الترتيب الذي اراده المؤلف. والذي اميل اليه في تفسير ذلك، ان ابن المستوفي قد جمع المواد بالشكل الذي تيسر له. فتراكمت لديه المسودات غير منسقة، وانه لم يتمكن لسبب او آخر من ترتيبها، فظن الناسخ الذي كتب المخطوطة بان هذا هو الترتيب الذي هدف اليه المؤلف فأثبته على ما وجده وفقا لما تقتضيه الامانة العلمية. اما الترتيب نفسه فقد تناولته بالتفصيل في دراستي للكتاب (انظر اطروحتي) .
ومما لا حظته في تراجم الكتاب، انها ليست كلها على نسق واحد من حيث بداياتها ونهاياتها، فالتراجم الواردة في الورقات ١٤٤- ١٤٥ مثلا لم تكتب بالشكل المعتاد الذي اتبعه المؤلف في بقية الكتاب، وانما هي صورة مذكرات كتبها له عبد الرحمن بن عمر الحراني عن بعض الاشخاص الذين يهم ابن المستوفي امرهم. الا ان المؤلف لم يتسع وقته ليضع المادة التي حوتها تلك المذكرات في مكانها الملائم. من ذلك مثلا ان المذكرة حوت معلومات تتعلق بعبد العزيز بن عثمان الاربلي (مخ ورقة ١٤٤ ب) الذي سبق وترجم له المؤلف في موضع آخر (مخ ورقة ٤٨ ب) ، وكان من واجب المؤلف ان يضم تلك المعلومات الى الترجمة الاصلية لو كان ما بين ايدينا نص نهائي للكتاب، الا انه لم يفعل.
وعلاوة على ذلك فقد حوت المخطوطة تراجم مكررة لبعض الاشخاص، اذ ترجم مرتين لكل من محمد بن سعيد الاربلي واحمد بن محمد الحديثي الاربلي واسحاق بن محمد المصري الهمذاني (مخ ٢٨ أو
стр. 22
٩٦ أو ٩٨ أو ١١٨ أو ١٦٧ أو ١٧٣ ب) . والذي لاحظته ان الترجمة الثانية لاحمد الحديثي المذكور لم تكن سوى مذكرة من مذكرات المؤلف سبق وادرجها كلها ضمن الترجمة الاولى الا انها بقيت ضمن مسودات الكتاب، فظنها الناسخ ترجمة مستقلة فأثبتها (قال ابن المستوفي- ورقة ١٧٤ أ- ان ترجمة احمد بن محمد الحديثي المذكور، قد «تقدمت» . وهذا يؤيد الظن بانها مجرد ملاحظة اراد بها تذكير نفسه بوجود ترجمة للمذكور، ليقوم بادراج المذكرة في مكانها الصحيح، وقد فعل غير انه لم يتلف المذكرة سهوا) . اما الترجمتان الاخريان فهما متكاملتان.
(٣) منهج التحقيق
ان مخطوطة «تاريخ اربل» نسخة فريدة لا اخت لها، ولقد استقصيت ما تيسر لي من فهارس المخطوطات في مختلف انحاء العالم، بل وزرت عددا من المكتبات في بريطانيا وارلندا وتركيا ولبنان واقطار المغرب العربي، علّني اجد اثرا لنسخ اخرى فلم اوفق. ولذا فقد كان اعتمادي على نسخة دبلن وحدها، وهذا بحد ذاته مشكلة عويصة بالنسبة للمحقق، اذ يحرمه من امكانيات المعارضة والمقابلة والاستزادة من التحقيق والاستبانة. ومما زاد في تعقيد المشكلة ان الحبر الذي كتبت به المخطوطة اصبح باهتا بمرور الزمن، فجاءت صور بعض الصفحات اشبه بالبيضاء، الامر الذي حملني على التماس جلب المخطوطة من دبلن الى كمبرج، وقد وافق السيد هايس امين مكتبة جيستر بيتي، مشكورا على ارسالها بصورة استثنائية، وهذا فضل منه لا انساه. وبذلك تمكنت من قراءتها واستنساخها بالشكل المطلوب. ومع ذلك فلا يزال عندي عدد من الكلمات بل وبعض العبارات التي تعذر عليّ قراءتها القراءة الصحيحة. وبعد ان قمت بتحقيق النص- وفقا لما سأبينه- سافرت بنفسي الى دبلن وراجعت النص المحقق مرة اخرى على اصل المخطوطة
стр. 23
زيادة في التحري وحرصا على اخراجه باقصى ما يمكن من الضبط والدقة.
اما خطتي في التحقيق فتقوم على محاولة اثبات النص الصحيح واعادة كتابته وفقا لقواعد الاملاء المعروفة في الوقت الحاضر، وتلافي ما فيه من نقص في التنقيط، والاشارة الى الحروف والكلمات التي سقطت سهوا من الناسخ، وتصحيح اسماء الأعلام الواردة فيه وفقا لما جاء في الكتب المعتمدة. وحيث ان المخطوطة وحيدة- كما اسلفنا- فان عملية تثبيت النص كانت صعبة جدا، اذ اقتضت مني جهودا كبيرة لقراءتها حرفا حرفا للتحقق من انسجام السياق وللتأكد من صحة العبارات من الوجهة اللغوية.
وحيث ان المخطوطة حافلة بالشعر، ففيها حوالي ٢٥٠٠ بيت، الامر الذي استوجب علاوة على ما تقدم، التحقق من انضباط الوزن وفقا لبحور الشعر المعروفة.
اما بالنسبة لتدقيق المعلومات الواردة في الكتاب، بل وتحقيق بعض النصوص ايضا، فانني راجعت كل كتاب تيسر لي العثور عليه، وظننت ان فيه بعض بغيتي، حتى زادت مراجعي على الخمسمائة. ولقد راجعت كثيرا من الكتب التي لم ادرجها في ثبت المراجع بسبب عدم عثوري فيها على شيء يمكنني الاستفادة منه في التحقيق. والحقيقة ان الجهد الذي اضعته في هذا المجال كان اضعاف الجهد المبذول في الكتابة (اعني كتابة الاطروحة) ، اذ كثيرا ما اضطررت لمراجعة عشرات المراجع التي قد تبلغ الثلاثين عدا في كل مرة لتحقيق كلمة واحدة، ثم عدت خائبا بخفي حنين. وهذا الجهد- بطبيعة الحال- لا يظهر له اثر في ثنايا البحث لان ثمراته كانت سلبية، ولا يعرفه حق المعرفة الا من كابده.
ولقد آليت على نفسي ان لا اترك شيئا يمر دون تحقيق، سواء كان ذلك
стр. 24
اسم علم لشخص أو موضعا او قبيلة او طائفة من الناس، او كان آية قرآنية كريمة او حديثا شريفا، او اسم كتاب او بيتا من الشعر، او كلمة غامضة المعنى او حدثا تاريخيا، الا وراجعت مظانها للتحقق من صحتها او لاستكمال المعلومات المتعلقة بها، أو لزيادة التعريف والايضاح، او لشرح المعنى.
ولهذا فقد تجمع لدي من حصيلة ذلك حوالي ستة آلاف بطاقة اكثرها اسماء اعلام، لذلك كان جل اعتمادي على كتب التاريخ والتراجم والطبقات، علاوة على كتب التفسير والحديث والمعاجم الجغرافية ودواوين الشعر وكتب الادب ومعاجم اللغة. والحقيقة ان مراجعي شملت تقريبا كل الفنون التي ألف بها العرب والمسلمون، فضلا عن عدد من الكتب الحديثة التي كتب بعضها الاجانب. وان نظرة واحدة على ثبت المراجع تكفي لادراك ما اقول.
وحرصت على ان ادون نتائج التحقيق واشير الى مراجعها في الحواشي، خلافا لما جرى عليه بعض المحققين الذين قصروا همهم على الاتيان «بالنص الصحيح» ، والاشارة فقط الى مختلف القراءات المتعلقة بالنص لا غير، دون تكليف انفسهم عناء الشرح والتعليق، او التعريف بالشخصيات والمواضع الوارد ذكرها في المتن، او ايضاح الغامض من الاصطلاحات وما اليها. ولكنني وجدت انه ليس من الممكن الفصل بين عملية الاتيان بالنص الصحيح وبين تلك التعليقات للاسباب الآتية:
أ- قد يكون بالامكان اخراج نص صحيح دون الحاجة الى التعليق ومراجعة المؤلفات، اذا تيسر للمحقق عدة نسخ من المخطوطة خالية من التصحيف والتحريف (ويفضل ان تكون بينها نسخة المؤلف) . وهذا امر غير متوفر في اغلب الاحيان. اما بالنسبة لتاريخ اربل، فان الموجود منه هو نسخة واحدة لا غير، ولذا اصبح من المتعين الرجوع الى المؤلفات الاخرى لضبط النص. بل حتى لو توفرت النسخ الصحيحة فان من الضروري مراجعة
стр. 25
الكتب الاخرى ذات العلاقة للتحقق من كيفية ضبط الاسماء والانساب وما الى ذلك.
ب- اعتاد النساخ المسلمون على عدم التنقيط في كثير من الاحيان، او انهم يكتبون النقط في غير اماكنها مما يؤدي الى التباس غير قليل لا سيما في الحروف المتشابهة مثل «ج، ح، خ، و، ب، ت، ث، ن، ى» وما اليها. وهذا بطبيعة الحال يفضي الى الخلط في الاسماء، اذ ليس لضبطها قاعدة يمكن الركون اليها، وبالتالي فمن الواجب مراجعة المظان ذات العلاقة من اجل ضبطها.
ت- ان النص ليس دائما واضح المعنى، كما ان الاسماء الاسلامية كثيرا ما تتشابه سواء في الاسم الاول او في اسماء الآباء والاجداد والانساب، ولا بد لازالة الاشكال الناشىء عن ذلك، من ايضاح المعنى المقصود، او التعريف بالشخص المذكور في المتن تمييزا له عن غيره ممن يشاركه في الاسم والنسب.
ث- ثم ان للقارئ حقا على المحقق، هو ان يقدم له المادة خالية من الشوائب، ويدله- اذا ما عنت له رغبة في المراجعة والتدقيق او الاستزادة- على المراجع التي تعينه لتحقيق غرضه.
ج- ثم ان المحقق مضطر بطبيعة الحال الى مراجعة الكثير من المخطوطات والمطبوعات المنتشرة في مختلف انحاء العالم، مما لا يتيسر للقراء- بل وحتى للمختصين منهم- الرجوع اليها، فانه يكون من زيادة الخير والنفع ان يشرك المحقق قراءه بثمرات ما توصل اليه من خلال تلك المراجع.
وان السبيل الى ذلك هو اغناء المتون بالحواشي الدسمة.
ولهذه الاسباب، اخترت الاخذ بالمنهاج القائم على توضيح النص
стр. 26
بالحواشي والتعليقات ما استطعت الى ذلك سبيلا، لقناعتي بان التحقيق الصحيح ينبغي ان يكون على هذه الشاكلة. ولقد نقلت المتن بكل امانة ودقة، وعند ما اضطررت الى تقويم الخطأ الاملائي او ازالة التصحيف، اشرت الى ذلك في كل حالة من تلك الحالات. الا انني وجدت من المفيد ترقيم التراجم ليسهل الرجوع اليها واضفت الى كل واحدة منها تاريخي الولادة والوفاة لاصحابها. كما انني في بضع حالات وضعت عنوانا لتراجم وردت غير معنونة. وقد اشرت الى ذلك كله في موضعه.
ولقد خرجت التراجم الواردة في المخطوطة بمراجعة الكتب ذات العلاقة، وحاولت استقصاء اخبار اصحابها في جميع المراجع التي تيسر لي الاطلاع عليها، ولم اكتف بذلك بل عرّفت بجميع الرجال الوارد ذكرهم عرضا في ثنايا الكتاب، وفعلت مثل ذلك بالنسبة للاماكن والقبائل والاقوام. كذلك اشرت الى مواضع الآيات القرآنية، وخرجت الاحاديث على كتب الحديث المعتمدة، وفعلت الشيء نفسه بالنسبة للشعر- كلما تيسر لي ذلك. ولم يكن ذلك سهلا في كثير من الحالات، خصوصا وان غير قليل من المراجع خال من الفهارس، ولا سيما المخطوطات الامر الذي اضطرني لفهرستها ليتسنى لي الاستفادة منها. فعملت فهارس لعدد من المخطوطات كتاريخ بغداد لابن الدبيثي والمختار من ذيل تاريخ بغداد لابن السمعاني (وقد عمله ابن المكرم) وتايخ بغداد لابن النجار وتكملة المنذري (وهذه كلها من مخطوطات كمبرج) ، وبعض اجزاء «عقود الجمان» لابن الشعار (مخ استانبول) .
كذلك اضطررت لعمل فهارس لبعض الكتب المطبوعة التي تعذر علي في حينه الحصول على فهارسها كمعجم الالقاب لابن الفوطي وذيل مرآة الزمان لليونيني ومستدرك الدكتور مصطفى جواد على «المختصر المحتاج اليه» . واعددت ايضا فهارس لابواب بعض كتب الحديث. وقد زاد مجموع صفحات تلك
стр. 27
الفهارس على ٤٠٠ صفحة، استغرق اعدادها وقتا طويلا واستنفد مني جهدا كبيرا.
وعلاوة على ذلك فان اخبار اربل وحكامها والبارزين من ابنائها مبثوثة في كتب التاريخ والتراجم بين ثنايا السطور، وكان عليّ ان اقرأ تلك الكتب حرفا حرفا لغرض تجميع المادة ثم تنيسيقها وفقا لمواضيع الاطروحة، وفي ذلك ما فيه من المتاعب واستنزاف الوقت. ولكن كان لتلك القراءات الطويلة المرهقة فائدة اخرى لم اكن اتوقعها، اذ كنت اكتشف بمحض الصدفة معلومات في غاية الاهمية بالنسبة لتحقيق النص الذي كنت بصدده، بل وفي بعض الاحيان وفقت في العثور على حل لمشاكل اقلقتني زمنا طويلا ويئست بعد الجهد الجهيد من امكان حلها، فاهتديت مثلا الى صحة قراءة بيت من الشعر، او الى معرفة اسم قائله، او تعرفت على ظروف حدث من الاحداث او مناسبة من المناسبات. فكان ذلك خير عوض واحسن جائزة.
وعلى كل حال، فقد بذلت اقصى ما امكنني من الجهد محاولا اخراج هذا الكتاب بشكل يليق به وبمؤلفه. وارجو ان اكون قد وفقت في اداء حقه حسبة الى الله تعالى. اما اذا كنت قد اخفقت فارجو من القارئ الكريم ان يعذرني اذ انني بشر عرضة للخطأ والصواب، والعصمة لله وحده والسلام.
كمبرج (بريطانيا) في ٢٠ شوال ١٣٩٤ هـ.
الموافق ٥ تشرين الثاني ١٩٧٤.
سامي بن السيد خماس الصقار
стр. 28
/ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ تَارِيخِ بَنِي الْعَبَّاسِ «١» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ الْأَخْيَارِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْمُنْتَسِبِينَ بِهِمْ «٢»
أَنَا ذَاكِرٌ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُنْقَطِعِينَ إِلَى الزَّهَادَةِ وَالْمَوْسُومِينَ بِالْعَدَالَةِ وَالْمَعْرُوفِينَ بِالرِّوَايَةِ، مِمَّنِ اشْتُهِرَتْ دِيَانَتُهُ وَعُرِفَتْ صِيَانَتُهُ وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ، مُوَفِّيًا كُلًّا مِنْهُمْ حَقَّهُ وَمُعْطِيَهُ مُسْتَحَقَّهُ، غَيْرَ مَائِلٍ إِلَيْهِ وَلَا مُتَحَامِلٍ عَلَيْهِ. بِاللَّهِ تَعَالَى أَسْأَلُ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ وَجَمِيلَ الذِّكْرِ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
١- أَبُو الْفُتُوحِ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ [ ... - ٥٢٠ ه ـ]
هُوَ أَبُو الْفُتُوحِ أَحْمَدُ (١) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخُو أَبِي حَامِدٍ، الْفَقِيهِ الطُّوسِيُّ الغَزَالِيُّ (٢) الْإِمَامُ الزَّاهِدُ وَالْعَالِمُ الْعَامِلُ، ذُو الْكَرَامَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالدَّلَالَاتِ الْبَاهِرَةِ، تُغْنِي شُهْرَةُ مَكَانَتِهِ عَنْ تَعْرِيفِهِ وَصِفَتِهِ، كَانَ عَالِمًا غَيْرَ أَنَّهُ مَالَ إِلَى الْوَعْظِ وَشُهْرَتِهِ، فَأَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو الْيُمْنِ صُبَيْحُ (٣) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُتَزَهِّدُ الْحَبَشِيُّ عَتِيقُ أخواجه (أ) - عَنْبَرٌ (٤) ﵀: أَنَّهُ حَدَّثَهُ مَنْ حَضَرَ مجلس
стр. 29
الْغَزَالِيِّ هَذَا وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ بِقَلْعَةِ إِرْبِلَ. (٥)
وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَذْكُرُ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ/ فِي نَسَبِهِ وَنَسَبِ أَبِي حَامِدٍ أَخِيهِ، مَنْسُوبًا إِلَى قَرْيَةٍ بِطُوسَ (٦) تُسَمَّى غَزَالَةَ (ب) أَوْ كَمَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. كَانَ فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْهُ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ، غَيْرَ مُتَحَرٍّ لُبْسَهُ. وَرَدَ بَغْدَادَ وَنَقَلْتُ مِنْ كِتَابِ «تَارِيخِ (٧) أَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ ابن الجوزي» في ترجمته مما أجازه (ت) لِي: «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْفُتُوحِ الْغَزَالِيُّ الطُّوسِيُّ، أَخُو أَبِي حَامِدٍ. كَانَ متصوّفا زاهدا في أول أمره (ث) وكان مفوّها وقبله العوام. وجلس ببغداد (ج) في التاجية (٨) (ح) فِي رِبَاطِ بَهْرُوزٍ (٩) ، وَجَلَسَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ (١٠) فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا خَرَجَ رَأَى فَرَسَ الْوَزِيرِ (١١) فِي دِهْلِيزِ الدَّارِ بِمَرْكِبٍ ذَهَبٍ وَقَلَائِدَ وَطَوْقٍ، فَرَكِبَهُ وَمَضَى.
فَأُخْبِرَ الْوَزِيرُ فَقَالَ لَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يُعَادُ إِلَيَّ الْفَرَسُ. وخرج يوما فسمع (خ) نَاعُورَةً فَسَمِعَهَا تَئِنُّ فَرَمَى طَيْلَسَانَهُ عَلَيْهَا فَتَمَزَّقَ قطعا (د) . وَكَانَتْ لَهُ نُكَتٌ، إِلَّا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى كلامه التخليط ورواية الاحاديث المصنوعة (ذ) وَالْحِكَايَاتِ الْفَارِغَةِ وَالْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ، «٢» . وَقَدْ عُلِّقَ عَنْهُ كثير من ذلك. قال المؤلف (ر) :
«وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ كَلَامهِ الَّذِي عُلِّقَ عَنْهُ وَعَلَيْهِ خَطُّهُ إِقْرَارًا بِأَنَّهُ كَلَامُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أنه قال: (ز) لَمَّا قَالَ: مُوسَى أَرِنِي، قِيلَ لَهُ: لَنْ (س) . فَقَالَ: هَذَا شَأْنُكَ تَصْطَفِي آدَمَ ثُمَّ تُسَوِّدُ وَجْهَهُ وَتُخْرِجُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَدْعُونِي إِلَى الطُّورِ (١٢ ١٣) ثُمَّ تُشمِتُ بِيَ الْأَعْدَاءَ. هَذَا عَمَلُكَ بِالْأَحْبَابِ (ش) فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالْأَعْدَاءِ؟» .
ثُمَّ ذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ ذلك.
قال: «وأنبأنا (ص) مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ (١٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيِّ (١٥) قَالَ: / كَانَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي الْكَذِبِ، يَتَوَصَّلُ إِلَى
стр. 30
الدُّنْيَا بِالْوَعْظِ. سَمِعْتُهُ يَوْمًا بِهَمَذانَ (١٦) يَقُولُ: رَأَيْتُ إِبْلِيسَ فِي وَسَطِ هَذَا الرِّبَاطِ (١٧) يَسْجُدُ لِي، فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لآدم فأبى (ض) . فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَجَدَ لِي أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى دِينٍ وَمُعْتَقَدٍ.
قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ عَيَانًا فِي يَقَظَتِهِ لَا فِي نَوْمِهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَحْكِي حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. فَلَمَّا نَزَلَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَنَا وَضَعْتُهَا فِي الْوَقْتِ. قَالَ: وَلَهُ مِنْ هَذَهِ الْجَهَالَاتِ وَالْحَمَاقَاتِ مَا لَا يُحْصَى» .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «ثم شاع (ط) عَنْ أَحْمَدَ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالشَّاهِدِ (ظ) ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْمِرْدَانِ وَيُجَالِسُهُمْ، حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو الحسين ابن يوسف (١٨) أنه كتب اليه شيئا (ع) فِي حَقِّ مَمْلُوكٍ لَهُ تُرْكِيٍّ، فَقَرَأَ الرُّقْعَةَ ثُمَّ صَاحَ بِاسْمِهِ، فَقَامَ () إِلَيْهِ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فقبّل (غ) بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا جَوَابُ الرُّقْعَةِ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ» .
أَجَازَ لِي أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الكاتب (١٩) وذكره في ترجمته (ف) ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا عَلَى الْكُرْسِيِّ، وَأَنْشَدَ هَذَهِ الْأَبْيَاتِ، هَذَا مِمَّا قُلْتُهُ فِي وَسَاوِسِي:
[الرمل]
أَنَا صَبٌّ مُسْتَهَامُ ... وَهُمُومٌ لِي عِظَامُ
طَالَ ليلي دون صحبي ... سهرت عيني وناموا
أرقت عيني لِبَرْقٍ ... فَشَرِبْنَاهَا وَصَامُوا
لِي عَلِيلٌ وَغَلِيلٌ ... وَغَرِيمٌ وَغَرَامُ
/ ثُمَّ عِرْضِي لِعَذُولِي ... أُمَّةُ الْعِشْقِ كِرَامُ
стр. 31
وَحَدَّثَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي صَاعِدُ بْنُ عَلِيٍّ (٢٠) - أَبْقَاهُ اللَّهُ- قَالَ:
لَمَّا دَخَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا إِلَى بَغْدَادَ الْمَحْرُوسَةِ، اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ شَيْخُ الشيوخ (ق) - بِأَظنةَ أَبَا الْبَرَكَاتِ إِسْمَاعِيلَ (٢١) بْنَ أَبِي سَعْدِ جدّ ابن سكينة (ك) - فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَرْدٌ كَثِيرٌ، وَفِي مُقَابَلَتِهِ صَبِيٌّ أَمْرَدُ، حُلْوُ الْجَمَالِ، وَقَد حَالَ الْوَرْدُ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا جَلَسَ شَيْخُ الشُّيُوخِ، عَلِمَ أَبُو الْفُتُوحِ الْغَزَالِيُّ أَنَّ بَاطِنَهُ قَدْ تَغَيَّرَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنَّكَ تُنْكِرُ عَلَيَّ فِي بَاطِنَكَ قُعُودِي عَلَى هَذَهِ الْحَالِ، وَبَيْنَ يَدَيَّ مَا تَرَى. فَقَالَ: حَاشَى لِلَّهِ. فَقَالَ: بَلَى، لَوْ أَنِّي أَفْعَلُ هَذَا عَلَى مَا تَظُنُّ وَاسْتَأْذَنْتَ عَلَيَّ، أَمَرْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَقَامَ وَغَابَ عَنْكَ، وَتَهَيَّأْتُ لَكَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِي أَنْ تَرَانِيَ عَلَيْهِ، قُمْ يَا أَحْمَقُ. فَقَامَ شَيْخُ الشُّيُوخِ وَخَرَجَ، وَكَانَ آخِرَ عَهْدِهِ به (ل) أَوْ كَمَا قَالَ: هَذَا أَكْثَرُ لَفْظِهِ. أَيَّدَهُ الله- ومعناه ... (م) .
ذكر أبو سعد عبد الكريم ابن السَّمْعَانِيِّ (٢٢) أَنَّهُ قَدِمَ بَغْدَادَ وَنَزَلَ بِرِبَاطِ شَيْخِ الشيوخ (٢٣) وجلس للوعظة وتوفي بقزوين (٢٤) [في] (ن) حُدُودِ سَنَةِ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ» . وَأَنْشَدَنِي الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي صَاعِدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أُسْتَاذُ والدي، أبو يعلى ابن الْفَرَّاءِ (٢٥) قَالَ: سَمِعْتُ الْغَزَالِيَّ هَذَا يُنْشِدُ عَلَى كرسيّه في مجلس وعظه: [الكامل] :
مَا هَذَهِ الْأَلْفُ الَّتِي قَدْ زِدْتُمُ ... فَدَعَوْتُمُ الْخُوَّانَ بِالْإِخْوَانِ
/ مَا صَحَّ مِنْ أَحَدٍ فَأَدْعُوَهُ أَخًا ... فِي اللَّهِ مَحْضًا لَا وَلَا الشَّيْطَانِ
إِمَّا مُوَلٍّ عَنْ وِدَادِي مَا لَهُ ... وَجْهٌ ولنا من له وجهان (هـ)
وَوَجَدْتُ هَذَهِ الْأَبْيَاتِ فِي آخِرِ دِيوَانٍ مِنْ دواوين شعر أبي القاسم محمد بن هاني الْمَغْرِبِيِّ (٢٦) . وَذَكَرَهَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ الْأَزْدِيُّ (٢٧) فِي كِتَابِ «أُنْمُوذَجِ شُعَرَاءِ الْمَغْرِبِ» لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ وَيُعْرَفُ بِابْنِ شَرَفٍ (٢٨) .
اخْتَصَرَ أَبُو الْفُتُوحِ أَحْمَدُ كِتَابَ أَخِيهِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَمَّى
стр. 32
«إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ» (٢٩) فِي مُجَلَّدٍ وَاحَدٍ وَسَمَّاهُ «لباب الإحياء» (٣٠) وقع إليّ به (و) نُسْخَةٌ كُتِبَتْ فِي أَيَّامِهِ فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا شَعْبَانُ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَعَلَى أَوَّلِهَا إِجَازَةُ رِوَايَةِ الْكِتَابِ بِخَطِّهِ لِجَمَاعَةٍ، وَهُوَ خَطٌّ حسن جيد قوى ... (م) .
وَنَقَلْتُ مِنْ كِتَابٍ لَهُ يُسَمَّى «كَتِابَ الذَّخِيرَةِ فِي عِلْمِ الْبَصِيرَةِ» (٣١) مِنْ مَجْلِسِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ تاسع عشرين...... (لا) سنة أربعة عشر وَخَمْسِمِائَةٍ بِجَامِعِ الْقَصْرِ (٣٢) :
«حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ مَشْحُونٍ بحب الدنيا [أن] (ى) يَجِدَ حَلَاوَةَ الذِّكْرِ، وَحَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ مَشْحُونٍ بِالشَّهَوَاتِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِلَةٌ بِالْقِدَمِ، إِنَّمَا أُمِرْتَ بِتَرْكِ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَأَمَّا جَلَالَةُ القدم فلا تقصر عمّا هي فيه مرتبة العبودية ومنقبة المحبوبية، وما لك مِنْهُمَا حَدِيثٌ وَلَا خَبَرٌ، أَنْتَ فِي وَادٍ وَهُمْ فِي وَادٍ» . وَهُوَ كِتَابٌ فِي مُجَلَّدٍ، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ إِلَّا تَبَرُّكًا بِكَلَامِهِ لِأَنَّهُ (أأ) مِنَ الْمُخْتَارِ فِي بَابِهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الْمَعَالِي صَاعِدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَعْلَى ابن أبي حازم ابن الْفَرَّاءِ، قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْغَزَالِيِّ بَجِامِعِ/ الْقَصْرِ () وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ يَخْتَصُّ بالعجم (أب) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَطَلَبَهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ أنشد «٢» :
(الطويل)
أَيَا قَادِمًا مِنْ سَفْرَةِ الْهَجْرِ مَرْحَبًا ... أَنَا ذَاكَ لَا أُسْلُوكَ مَا هَبَّتِ الصَّبَا
قَدِمْتَ عَلَى قَلْبِي كَمَا قَدْ تَرَكْتَهُ ... حَبِيسًا عَلَى ذِكْرَاكَ بَالشَّوْقِ مُتْعَبًا
فَوَلَّى الرَّجُلُ يَطْلُبُ بَابَ جامع (أت) القصر، فانشد: [الكامل]
وإذا وصلت وقصّرت بي ناقتي ... ولثقل (أث) شَوْقِي مَا يُقَصِّرُ حَامِلِي
فَاقْرِ السَّلَامَةَ مِنْ تباريح الجوى ... بعث (أج) الْقَتِيلُ تَحِيَّةً لِلْقَاتِلِ
قَالَ: فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَجْلِسِ أَحَدٌ إِلَّا صَاحَ وَأَلْقَى ثِيَابَهُ، فَكَانَ مبلغ ما
стр. 33
حصل في ذلك اليوم ألوفا (أح) فَمَا أَخَذَ مِنْهَا الْغَزَالِيُّ حَبَّةً وَاحِدَةً، وَوَفَّرَهَا عَلَى الْقُرَّاءِ. هَذَا كَلَامُهُ وَأَكْثَرُ مَعْنَاهُ.
وَمِنْ شِعْرِ أَبِي الْفُتُوحِ الْغَزَالِيِّ مَا أَنْشَدَهُ ابْنُ السمعاني (أخ) وقد تقدم:
[الرمل]
أَنَا صَبٌّ مُسْتَهَامُ ... وَهُمُومٌ لِي عِظَامُ
طَالَ ليلي دون صحبي ... سهرت عيني وناموا (أد)
بِي عَلِيلٌ وَغَلِيلٌ ... وَغَرِيمٌ وَغَرَامُ
فَفُؤَادِي لِحَبِيبِي ... ودمي ليس حرام (أز)
ثمّ عرضي لعدوى (أذ) ... أُمَّةُ الْعِشْقِ كِرَامُ
٢- الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الزِّرْزَارِيُّ [ ... - ٥٩١ ه ـ]
هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الْكُرْدِيُّ (١) الزِّرْزَارِيُّ (%) وَرَدَ فِي الْحَاشِيَةِ تَعْلَيقٌ نَصُّهُ «لِمُحَرِّرِهِ مُحَمَّدِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَاضِي النَّجَفِيِّ-/ مِنْ رُسْتَاقٍ مِنْ رَسَاتِيقِ إِرْبِلَ- ﵀. كَانَ إِمَامًا عَالِمًا وَرِعًا زَاهِدًا، سَلَكَ فِي خَشَانَةِ الدِّينِ مَسْلَكَ التَّابِعِينَ، وَرَحَلَ الرِّحْلَةَ الْوَاسَعَةَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَتَبَ الْكَثِيرَ. أَدْرَكَ الشَّيْخَ أبا الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الصوفي السجزي (٢) الماليني بهزاة (٣) ، وَسَمِعَ عَلَيْهِ «صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ» (٤) وَعِدَّةَ أَجْزَاءٍ. وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ أَحْمَدَ بْنَ طَاهِرٍ الْمِيهَنِيَّ (٥) ، وَالْمُبَارَكَ بْنَ الْحَسَنِ الشَّهْرَزُرِيَّ (٦) وَغَيْرَهُمَا. وَسَمِعَ مِنْ أَحَادِيثَ أَصْبَهَانَ (٧) عَلَى الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى الْمَدِينِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ (٨) بِأَصْبَهَانَ وَعَلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النِّيلِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ (٩) وَعَلَى غَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ أَحَادِيثَ الْبَغْدَادَيِّينَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي علم القرآن، صنف في القراآت كتابين يدخل كل منهما في جلد، سَمَّى أَحَدَهُمَا «الْمُؤْنِسَ» وَالْآخَرَ «الْمُنْتَخَبَ» (١٠) .
стр. 34
كان على غاية ما يكون عليه، زاهد (ح ح) مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، يَقِفُ الْمُلُوكُ بِبِابِهِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ، وَإنْ أَذِنَ لَهُمْ جَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، لَمْ يَدْعُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَمْ يُعَامِلْهُ إِلَّا بِمَا يُنَافِي قَاعِدَةَ رَسْمِهِ. سُمِعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثِ بِالْمَوْصِلِ واربل وغيرهما. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بِإِرْبَلَ أَقَلَّ إِسْمَاعًا. حَضَرْتُ فِي بَعْضِ قَدَمَاتِهِ وَسَأَلْتُهُ السَّمَاعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَفْعَلُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَإِنِّي قَدْ وَصَلْتُ وَأَنَا فِي تَعَبِ الطَّرِيقِ. فَسَأَلْتُهُ: الْإِجَازَةَ، فَتَلَفَّظَ لِي بِهَا. ثُمَّ مَنَعَتْ عَنْ لِقَائِهِ مَوَانِعُ، فَسَافَرَ مِنْ إِرْبِلَ وَغَابَ عَنْهَا غَيْبَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَ فَمُنِعَ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً فَرَأَيْتُ رَجُلًا/ قَدْ نَهَكَتْهُ الْعِبَادَةُ، كَانَ يَأْكُلُ فِي كُلِّ شَهْرٍ نصف مكوك (أ) حِنْطَةً يَحْمِلُهُ فُتُوتًا وَيَنْقَعُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عِنْدِ إِفْطَارِهِ وَيَأْكُلُهُ فِي زُبْدِيَّةٍ خَضْرَاءَ مَخْرُوشَةٍ فَانْكَسَرَتْ مِنْهَا قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقُلْتُ لِلْقَيِّمِ بِأَمْرِهِ: وَلِمَ لَا يَشْتَرِي الشَّيْخُ عِوَضَهَا؟ فَقَالَ: قد اسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:
هَذَهِ تَكْفِينِي إِلَى أَنْ أَمُوتَ، فَمَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ فِي غَيْرِهَا. وَكَانَ مَأْكُولُهُ مِنْ غَلَّةِ مِلْكٍ لَهُ، وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَهُ يَسِيرًا مِنَ الزَّبِيبِ الْأَسْوَدِ.
وَأَقَامَ بِإِرْبَلَ إِلَى أَنْ مَاتَ- ﵀ وَلَمْ يَنَمْ صَيْفًا أَوْ شِتَاءً إِلَّا دَاخِلَ الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، لَمْ يَخْرُجْ إِلَى سَطْحٍ وَلَا إِلَى سَاحَةٍ، وَلَا أُوقِدَ عَنْدَهُ سِرَاجٌ قَطُّ.
كَانَ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْكَرِيمَ بَيَدِهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ تَحْتهُ بَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ (ب) وَعَلَيْهَا تُوُفِّيَ. فَحَضَرَتْهُ وَقَدْ مَرِضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ مَرَضِهِ وَسُئِلَ الدُّعَاءَ لِي، فَدَعَا لِي- ﵀ وَكَانَ صَائِمًا فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ، وَكَانَ يُعْطَى الثَّلْجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَانَ تَحْت رَأْسِهِ لَبِنَةٌ فَسُئِلَ تَغْيِيرَ هَذَهِ الْحَالَةِ فَأَبَى، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ جُعَلَ تَحْتهُ كِيسَ خَامٍ محشوة. فلم يزل على هذه الحال الى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الَّتِي صَبِيحَتُهَا عَاشِرُ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعَينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَدُفِنَ ضَاحِيَ نَهَارِهِ بِالْمَقْبَرَةِ الْعَامَّةِ (١١) ظَاهِرَ إِرْبِلَ مَنْ شَرْقِيِّهَا، وَكَانَ يَوْمُ دَفْنِهِ مَشْهُودًا. نَزَلَ إِلَى قَبْرِهِ وَأَلْحَدَهُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ- تَعَالَى-
стр. 35
أبو سعيد كوكبورى (ت) بن علي بن بُكْتِكِينَ (١٢) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا بَرَكَتَهُ- وَقُدِّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ شَيْخُنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ الْمُبَارَكُ بْنُ طَاهِرٍ الْخُزَاعِيُّ (١٣) . وَأَنَا/ ذَاكِرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِ مَا أُقَدِّمُهُ أَمَامَ هَذَا الْفَصْلِ طَلَبًا لِلْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ (١٤) بِالْمَوْصِلِ بقراءتي عليه، وأنبأني الزرزاري (ث) قال: اخبر (ج ج) الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الزِّرْزَارِيُّ بِقَرَاءَتِي عَلَيْهِ، وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بن بوخن (ح ح ح) بْنِ أَبوَيْهِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاوِرِيُّ (١٥) قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النِّيلِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ (١٦) ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخَلِيلِيُّ الْبَلْخِيُّ (١٧) ، أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم علي بن أحمد ابن مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ (١٨) ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ مَعْقِلٍ الشَّاشِيُّ (١٩) ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ، أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ (٢٠) ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ (٢١) ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ (٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ (٢٣) عَنْ مُجَالِدٍ (٢٤) عَنِ الشَّعْبِيِّ (٢٥) عَنْ مَسْرُوقٍ (٢٦) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثًا، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: «كَانَ الْحَدِيثُ حَدِيثَ خُرَافَةَ» . فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةَ؟ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ (٢٧) أَسَرَتْهُ الْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ دَهْرًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ فقال الناس: «حديث خرافة» . (ج)
وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ- ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ ابي (ح) بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ/ لَفْظِهِ بِأَصْبَهَانَ، فِي مَنْزِلِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قال: أخبرنا أبو الطيب طلحة بن أبي مَنْصُورٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي ذَرٍّ الصَّالْحَانِيُّ (٢٨) فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشَرَةِ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ:
стр. 36
أَخْبَرَنَا جَّدِي أَبُو ذَّرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سبط الصالحاني الواعظ (٢٩) ، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، أَبِي الشَّيْخِ (٣٠) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَسْتَهْ (٣١) ، حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ عَمْرٍو (٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ (٣٣) عَنْ حُمَيْدٍ (٣٤) عَنْ أَنَسٍ (٣٥) قَالَ: «أَتَتْ بي أمي الى النَّبِيَّ- ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا خُوَيْدِمُكَ، فَخَدَمْتُ النَّبِيَّ- ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ قَطُّ أَسَأْتَ، وَلَا بِئْسَ مَا صنعت» . (خ)
اجْتَمَعَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ رَمَضَانَ التِّبْرِيزِيُّ (٣٦) بِإِرْبِلَ، وَكَانَ ذُكِرَ لِأَبِي حامد فظاظة أخلاقه على الإربليين، فاستأذنه (د) في زِيَارَتِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَمَا أَحَسُّوا بِهِ إِلَّا وَقَد زَارَ أَبَا حَامِدٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ أبو حامد وتبرك به، هاب الناس (ذ) الشَّيْخَ أَحْمَدَ لِذَلِكَ، وَتَحَدَّثَا إِلَي أَنْ مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ. وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيةِ زَارَهُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَلَاءِ الْحَافِظَ (٣٧) بِهَمَذَانَ يُثْنِي عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، وَيَأْمُرُ أَهْلَ هَمَذَانَ بِزِيَارَتِهِ وَيَسْتَحْسِنُ مَا أَنْكَرَهُ الْإِرْبَلِيُّونَ مِنُ فَظَاظَتِهِ عَلَى الْوُلَاةِ، وَلُطْفِهِ بِالْفُقَرَاءِ- ﵄.
٣- أَبُو الْمُظَفَّرِ الخزاعي [٥٣٣- ٦٠٠ ه ـ]
هو شيخنا (أ) الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْمُبَارَكُ بْنُ ظَاهِرِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْخُزَاعِيُّ (١) الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِئُ، إِمَامُ الزُّهَّادِ وَرَئِيسُ الْعُبَّادِ، جَمَعَ الدِّينَ وَالْوَرَعَ وَالنُّسْكَ وَالْعِفَّةَ/ وَاللُّطْفَ وَالْعَقْلَ، كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، لَمْ ير ضاحكا إلّا متبسّما (ب) ، كَانَ شَافِعِيًّا كَثِيرَ الْعَصَبِيَّةِ لِمَذْهَبِهِ، يَكْرَهُ الرَّأْيَ وَالَقِيَاسَ وَيَمِيلُ إِلَى النَّصِّ وَالنَّقْلِ. سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَكَتَبَ عِدَّةَ كُتُبٍ وَأَجْزَاءَ. سَمِعَ أَبَا الْفَضْلِ مُحَمَّدَ بْنَ نَاصِرٍ، وَأَبَا الْكَرَمِ المبارك بن الحسن بن أحمد بن علي الشَّهْرَزُورِيَّ وَأَبَا مَنْصُورٍ نُوشْتِكينَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّضْوَانِيَّ (٢) ، وَأَحْمَدَ بْنَ
стр. 37
إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيَّ (٣) وَجَمَاعَةً مِنْ مَشَايِخِ بَغْدَادَ الْمُسْنِدِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَهُ الْإِجَازَاتُ الْكَثِيرَةُ مِنْ مُحَدِّثِيهَا. كَانَ- ﵀ صَدُوقًا فِيمَا يَرْوِيهِ، ثِقَةً فِيمَا يَحْكِيهِ، يَمْنَعُهُ وَرَعُهُ وَدِينُهُ عَنْ أَنْ يُفَارِقَ التَّحَرِّيَ وَالتَّثَبُّتَ، فَلَا يَرْوِي شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَقِّقَ رِوَايَتَهُ- لَا يَسْمَعُ حَدِيثًا إِلَّا بَعْد أَنْ يَتَوَقَّنَ صِحَّتَهُ- فَنَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَعَادَ عَلَيَّ بَرَكَةُ أَدَبِهِ-، وَانْقَطَعْتُ عَنْهُ بَعْضَ الْمَرَّاتِ لِعَارِضٍ عَرَضَ لِي، وَاتَّفَقَ أَنْ مَرِضَ- ﵀ فَمَنَعَنِي الْحَيَاءُ أَنْ أَعُودَهُ لِطُولِ انْقِطَاعِي عَنْهُ، وَكَانَ مُقِيمًا بِقَلْعَةِ إِرْبِلَ، فَدُعِيتُ إِلَى أَمْرٍ وَجَبَ لِي مَعَهُ الصُّعُودُ، فَأَتَيْتُهُ لِأَزُورَهُ، فَصَادَفْتُهُ وَقَد عَادَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ (٤) بِهَا إِلَى بَيْتِهِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قال: [الكامل]
لِلرِّيمِ أَشْكُو لَا لِطَرْفِ الْبَاكِي كَانَ يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَيَرْفَعُهَا إِلَى الْفَقِيرِ إِلَى اللَّهِ- تَعَالَى- أَبِي سَعِيدٍ كوكبوري فَيُوَقِّعُ عَلَيْهَا بِقَضَائِهَا. فَقُلْتُ لَهُ مَرَّةً: أَيُّهَا الشَّيْخُ، رُبَّمَا وَقَعَ ضَجَرٌ مِنْ إِنْهَائِكَ مَا تُلْهِيهِ، فَقَالَ: أَنَا لَا أَزَالُ أَكْتُبُ، فَإِنْ قُضِيَتْ حَاجَةُ مَنْ كَتَبْتُ لِأَجْلِهِ فَذَلِكَ الْغَرَضُ، وَإِنْ لَمْ تُقْضَ فَقَدْ أَعْذَرْتُ، وَلَا أَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ. وَانْقَطَعْتُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ أَنَبْتُهُ، فَحِينَ رآني أنشد: [الكامل]
/ عَاقَبْتَنِي بِالْهَجْرِ ثُمَّ وَصَلْتَنِي ... لِيَذُوقَ بَرْدَ الْمَاءِ مَنْ عَرَفَ الظَّمَا
وَكَانَتْ لَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، أَنَا ذَاكِرٌ مِنْهَا جُمْلَةً بَعْدَ أَنْ أُقَدِّمَ امامها شيئا من مروياته (ت) .
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْمُبَارَكُ بْنُ ظَاهِرٍ الْخُزَاعِيُّ- ﵀، قَالَ: أخبرنا الشيخ أبو منصور نوشتكين (ث) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرِّضْوَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ مِنْهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: أخبرنا ابو القاسم علي ابن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ
стр. 38
الْبُنْدَارُ (٥) ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُخَلِّصِ (٦) ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (٧) ، حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمَّارُ (٨) ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (٩) عَنْ أَيُّوبَ (١٠) عَنْ نَافِعٍ (١١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١٢) ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ قَرَأَ هَذَهِ الْآيَةَ «يَوْمَ يَقُومُ الناس لربّ العالمين» قَالَ: «يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ أَطْرَافَ آذَانِهِمْ» (ج) .
وَأَنْشَدَنِي- ﵀ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا نَاصِرٍ نَاشِبًا (١٣) ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ كِتَابٌ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ بَدِيهًا، وَكَانَ يُسَمَّى الْبَدِيهِيَّ لِحِدَّةِ خاطره:
[الطويل]
إِذَا وَاصَلَتْ مِنْ جَانِبِ الْمَوصِلِ الَّتِي ... بِهَا واصل الصبّ الخليل المواصل
قوافل ساءلن (ظ) القوافل عن فتى ... محبّتها (ح) حَتَّى تَضِجَّ الْقَوَافِلُ
وَهَلْ مَنْ حَرَمَهُ حُبُّهُ الْمَوْصِلَ اغْتَدَى ... يُسَائِلُ عَنِّي مْثِلَمَا أَنَا سَائِلُ
وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ- ﵀ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْكَرَمِ المبارك بن الحسن بن أحمد بن علي الشَّهْرَزُورِيُّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ/ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاضِي الشَّرِيفُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بن محمد بن عبيد الله (د) بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ (١٤) إِجَازَةً، قَالَ: أَنْشَدَنَا الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ (١٥) قَالَ: أَنْشَدَنَا ابْنُ دريد (١٦) لنفسه: [البسيط]
عَانَقْتُ مِنْهُ وَقَدْ مَالَ النُّعَاسُ بِهِ ... وَالْكَأْسُ يَقْسِمُ سُكْرًا بَيْنَ جُلَّاسِي
رَيْحَانَةً ضُمِّخَتْ بِالْمِسْكِ نَاضِرَةً ... تَمُجُّ بَرْدَ النَّدَى فِي حَرِّ أَنْفَاسِي
أَنْشَدَنِي- ﵀ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ إِنَّمَا يَعْمَلُ من الشعر ما يليق به، إلّا (ذ) مَا كَتَبَهُ إِلَى صَدِيقٍ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ سنة إحدى وتسعين
стр. 39
وخمسمائة: [مجزوء الكامل]
لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الْمَعَاصِي ... وَاشْرَعْ لِنَفْسِكَ فِي الخلاص
فإذا أردت بطالة (ر) ... فَاذْكُرْ مَرَارَاتِ الْقَصَاصِ
لَا يَسْتَوِي عَبْدٌ مُطِيعٌ ... ربّه فينا وعاصي
وانشدني لنفسه: [الطويل]
إِذَا الْمَرْءُ أَثْرَى ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ... صَدِيقٌ وَلَمْ يَكْشِفْ بَلَاءً لِمُعْدَمِ
تَسَارَعَتِ الْأَقْوَالُ فِيهِ بِذَمِّهِ ... وَإِنْشَادُ قَوْلِ الشَّاعِرِ الْمُتَقَدِّمِ
«وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ ... عَلَى قَوْمِهِ يستغن عنه ويذمم» (ز)
وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْمَعَ عَلَيْهِ كِتَابَ «مَقْتَلِ عُثْمَانَ» ﵁ (١٧) لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (١٨) فَأَبَى عَلَيَّ وَقَالَ: لَوْ رَأَيْنَاهُ مَا رَوَيْنَاهُ. وَأَنْشَدَنِي لنفسه:
[البسيط]
إِذَا تَذَكَّرْتُكُمْ هَامَ الْفُؤَادُ إِلَى ... أَوْطَانِكِمْ طَرَبًا وَاشْتَاقَتِ الرُّوحُ
فَالْقَلْبُ مُكْتَئِبٌ وَالنَّفْسُ بَالِيَةٌ ... وَالْعَيْنُ بَاكِيَةٌ وَالدَّمْعُ مَسْفُوحُ
وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ أَيْضًا- ﵀[الخفيف]
/ آفَتِي فِيكَ أَنَّ قَلْبَكَ خَالٍ ... مِنْ غَرَامِي وَأَنَّنِي فِيكَ صَبُّ
فَغَرَامِي الَّذِي أُعَانِيهِ حُلْوٌ ... وَعَذَابِي يَا مُنْيَتِي فِيكَ عَذْبُ
وَأَنْشَدَنِي- ﵀ لنفسه: [الكامل المرفّل]
ظنّي بكم يا سادتي (س) حسن ... حاشاكم أن تخلفوا ظنّي
ما لي عَلَى هِجْرَانِكُمْ جَلَدٌ ... بِحَقِّكُمْ لَا تُعْرِضُوا عَنِّي
قَدْ كُنْتُ ذَا خَيْرٍ وَذَا عِزَّةٍ ... أَفْنَاهُمَا البين الذي يفني
стр. 40
وأنشدني لنفسه: [الطويل]
أَبَعْدَ اشْتِهَارِي فِي هَوَاكَ أُلَامُ ... وَقَدْ شَابَ رَأْسِي وَالْغَرَامُ غُلَامُ
يَلُومُ الْخَلِيُّونَ الشَّجِيَّ عَلَى الْهَوَى ... وَهَيْهَاتَ أَنْ يُثْنِي الْوَلُوعَ مَلَامُ
وَمِنْهَا:
وَأَيْنَ هُمُ مِنِّي وَمِنْكَ وَبَيْنَنَا ... حَدِيثٌ لَذِيذٌ وَالْوُشَاةُ نِيَامُ
وَتَرْقُبُنِي كَيْلَا أَزُورَكَ مَعْشَرٌ ... وَذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَكَادُ يُرَامُ
وَكَمْ تَزَاوَرْنَا وَنَامَ رَقِيبُنَا ... وَقُمْنَا وَفِي عَيْنِ الرَّقِيبِ ظَلَامُ
وَكَمْ لَيْلَةٍ بِتْنَا عَلَى غَيْرِ رِيبَةٍ ... وَمَا انْحَلَّ مِنْ عَقْدِ الْعَفَافِ نِظَامُ
وَقَالَ أُنَاسٌ كَيْفَ قَرَّبْتَ دُونَنَا ... أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنِّي سَهِرْتُ وَنَامُوا
عَلَامَةُ أَهْلِ الْحُبِّ طُولُ سُهَادِهِمْ ... وَدَمْعٌ إِذَا جَنَّ الظَّلَامُ سِجَامُ
فَإِنْ وَاصَلَ الْحِبُّ اسْتَرَاحُوا وَرَوَّحُوا ... وَإِلَّا فَفِي بَابِ الرَّجَاءِ أَقَامُوا
وَأَهْلُ الْهَوَى مِنْ أَحْسِنِ النَّاسِ شِيمَةً ... لِطَافٌ وَإِنْ جَارَ الزَّمَانُ كِرَامُ
بُلِيتُ بِهَجْرٍ مِنْكَ إِنْ رُمْتُ سَلْوَةً ... وَلَوْ نَشِبَتْ فِي الْقَلْبِ مِنْكَ سِهَامُ
عَلَيْكَ سَلَامِي مَا حَيِيتَ فَإِنْ أَمُتْ ... يُحَيِّيكَ مِنِّي فِي التُّرَابِ عِظَامُ
/ وَأَنْشَدَنِي- ﵀ لِنَفْسِهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ (ش) :
[البسيط]
انْظُرْ إِلَيَّ بَعَيْنٍ قَدْ نَظَرْتَ بِهَا ... إِلَى الْحَبِيبِ وَمَتِّعْنِي مِنَ النَّظَرِ
وَهَاكَ سَمْعِي فَحَدِّثْنِي بِمَا سَمِعَتْ ... أُذْنَاكَ مِنْهُ فَحَظُّ السَّمْعِ فِي الخبر
وأنشدني- ﵀[الهزج]
وَمَا أَصْنَعُ بِالدُّنْيَا ... إِذَا مَا لَمْ تَكُنْ عَنْدِي
وَمَا يُلْتَذُّ بِالْعَيْشِ ... مَعَ التَّفْرِيقِ وَالْبُعْدِ
следующие страницы →