← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول أثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة ... أثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة: لماذا اخترت هذا الموضوع، واتجهت هذه الوجهة؟ ولماذا آثرته بالدرس، وخصصته بالعناية؟ سؤال لابد أن يثور في النفس، ويجول في القلب، ويخطر بالبال، ويتردد عند القارئ والكاتب على السواء. لقد وقفت طويلًا بين مختلف الموضوعات، ومتنوع البحوث، وعرضت على الفكر, ووضعت في ميزان الترجيح والاختيار كثيرًا من المسائل التي يصح أن يعالجها الباحث، ويصول في جانبها وأرجائها الكاتب، فلم أجد موضوعًا أكثر جِدَّةً, وأجمل طرافة, وأخلق بالدرس، وأحق بالاستقصاء، وأجدر بالاحتفال, من هذا الموضوع الذي عنيت بالكتابة فيه. وطالما حاول العارفون أن يثنوا عزيمتي، ويطامنوا من نشاطي، ويفُلُّوا من رغبتي، ولعلهم أشفقوا عليّ من هذا البحث المتشعب الأطراف، الشاسع الأرجاء، المتوعِّر المسالك، الذي يضني القوي ويفني الجهود، وخاصةً أنه ليست له مراجع محدودة, ولا مصادر معلومة، يمكن أن يفيء إليها الإنسان، ويستمد منها آراءه وأفكاره. بيد أني لم أستمع لنصحٍ، ولم أحفل بإشفاقٍ؛ لأني أردت بهذا البحث أن يكون تحيةً خالصةً صادقةً للأزهر في عيده الألفيّ، ويسعدني أن أنوب عن الأمة في هذه التحية، وكل جهد في ذلك قليل، وكل عناء في ذلك سائغ وحبيب. وكان من واجب الأزهريين أن يحتفلوا بالعيد الألفيّ لهذا المعهد الخالد من يوم أن أشرفت هذه الألف على التمام، وكان من واجب الأمة أن تنهض

стр. 2

بهذا الاحتفال تخليدًا لذكرى هذه الجامعة العظيمة, وتمجيدًا للتراث الأدبيّ والعلميّ الذي أثمرته هذه المواهب الخصبة، وتلك القرائح الطيبة, ولكن العزائم انتكثت، والقوى تخاذلت. وإنَّ ما يبعث الأسى في النفوس أن يقوم كل يوم احتفالٍ بالمهزولين من الرجال, يزعم أنهم عظماء ومفكرون وقادة وأبطال، ثم لا يكون لأدباء الأزهر وعلمائه وعظمائه في عشرة قرون من هذه العناية نصيب. ولقد قلت لنفسي إذ رأيت دار العلوم تكرِّم نفسها بمضيِّ خمسين عامًا على إنشائها، ومدرسة المنصورة الابتدائية حيث تحفل بعيدها المئويّ. قلت لنفسي إذ رايت ذلك: أكان الأزهر أهون من هاتين شأنًا وأقل خطرًا، أم أن العزائم إذا انحلَّت أغضت على كل واجب، واستهانت بكل عظيم. وأردت كذلك أن يكون هذا البحث آيةَ وفاءٍ لمعهدٍ حرس الدين, واحتضن اللغة ما أربى على الف عام، ثم لم يجد إلّا عقوقًا وجحودًا، ولم يصادف إلّا كفرانًا وكنودًا، حتى رتع الناس في ربيعة, ثم انقلبوا عليه، وتفيأوا ظلاله, ثم رجعوا سهامًا تُصَوَّبُ إليه. وأحببت أن يعرف الذين حيل بينهم وبين العرفان أعمدة الدولة التي بناها الأزهر، وأصول النهضة التي غرسها ودعمها، في وقت كانت الأمة فيه ترزح تحت أعباءٍ مرهقة من أوزار الماضي وسيئاته. وأقبح شيء بالإنسان أن يستمتع بنعيمٍ لم يعرف مصدره, وأن يغرق في سعادة لم يشكر صاحبها. ولو أن الأمة تلفتت لفتة سريعة إلى الوراء؛ لآمنت بأن الأزهر بعثها بعد رقدةٍ، وأيقظها إثرَ غفوةٍ، وأنه أخذ بيدها إلى قمة العظمة في كل ميدان، فقد كان العامل الأهم في نضجها السياسيّ، وفي تفتحها العلميّ، وفي نهوضها الأدبيّ، وفي وثوبها الفكريّ. ومن كان في شكٍّ من ذلك, فليقرأ هذا البحث

стр. 3

ليرى جهاد الأزهر وعمله وآثاره التي نُقِشَت على صفحة الزمان. ومع العصبية القوية التي تثور في نفس الإنسان، وتتملكه لمعهده الذي ارتضع لبانه، واغتذى بثقافه. ومع أن هذه العصبية تحل في نفسي أعز موضع، وأسمى مكانة، لم أدع للأزهر فضيلة لم يسلمها له عداه، ولم أخترع له مزايا لم يلمس الناس أقباسها، ولم ينتفعوا بأضوائها الساطعة، وأنوارها اللامعة، ولكنى حاولت ما استطعت أن أنشر من مفاخره ما طواه النسيان، وأذكر من مآثره ما عدا عليه الزمان، وأن أكشف عن تلك الكنوز المدفونة, والأعلاق النفيسة المكنونة، التي قامت عليها النهضة الأدبية الحاضرة. ولعل المطَّلِعَ على هذا البحث يروعه ويهوله ما صادفني من عقباتٍ لم تستطع على وفرتها وضخامتها أن توهن من عزمتي، أو تَفُلَّ من همتي، أو تفتر من رغبتي، أو تضعف من نشاطي المشتعل؛ فقد كان من حظي أن أتحدث عن موضوعٍ لم يأخذ من التاريخ حظًّا كثيرًا ولا قليلًا على جلاله وخطره، وأن أترجم لأناس لا تستطيع أن تلقف آدابهم إلّا مشافهةً وسماعًا، وكثيرًا ما تتضارب الآثار، وتتناقض الأخبار، وأجدني مضطرًّا إلى إطالة الوقوف، وإدمان النظر حتى يستبين لي وجه الصواب, وينكشف قناع الحقيقة. على أن المتاعب التي كابدتها صابرًا، وتحملتها راضيًا، كانت خليقةً أن تثير في النفس شيئًا من المضاضة والألم، ومن التراجع والنكوص, ولكني صبرت وامتثلت؛ فقد كان كثيرٌ من الأعلام الذين ترجمت لهم ودرستهم لا يستطيع الكاتب أن يصل إلى شيء من آثارهم وأخبارهم إلّا بالاتصال بأهلهم, والذين خالطوهم وعاشروهم، ومن هؤلاء شربت المرَّ, وجرعت الألم كئوسًا مترعة, فقد كان أكثر هؤلاء لا يقدِّرون سمو الغاية التي انتدبت لها، ولا شرف المقصد الذي أخذت نفسي به. وطالما كاتبت فريقًا منهم وهم متعلمون مثقفون, وتشفعت إليهم بالوسطاء والشفعاء, فلم أصل من ورائهم إلى طائل, بل لم أظفر حتى يرجع الجواب, ورُدَّ الخطاب.

стр. 4

وكان بعضهم يكاد يضيّع وقتي في التردد عليه, والوقوف ببابه, ثم لا يكون نصيبي منه آخر الأمر إلّا حكايةً معادةً أو قصةً مسرودة، وبعضهم كان من الجهل والانصراف والنسيان بحيث لا يعي شيئًا عن المترجَم له حتى تاريخ وفاته, وقد شهد كثيرٌ من جُلَّةِ الأساتذة طرفًا من هذه القصة الفنية. ومن بلائي في هذا البحث, وماعنيت به في سبيله, أني إذ عَزَّت المراجع, وتعسَّرت المصادر, عدت إلى الصحف والمجلات التي أنشئت من مستهلِّ النهضة إلى اليوم, فقرأتها, واستقرأتها, نشدانًا لحديث يقص خبرًا, أو يسوق أثرًا، أو يهدي من ضلال، وينير من ظلام. ويعلم الله كم كانت أناملي من تصفحها, وكم قذيت عيناي من تتبعها, بل لعلِّي أدمنت النظر في مصادر لا تمت إلى الموضوع بصلةٍ في عنوانها, ولكني تلمست بالنظر فيها العثور على ما له بالبحث سبب قريب أو بعيد، وكثيرًا ما أفدت من هذا الجهد, ولكن بعد تعنية وضنى وطول اصطبار. وربا خدعتني العناوين, وأغرتني دلالتها, فطرت شوقًا إليها. وكلفت بإجالة النظر فيها, ثم لم أعد منها إلّا بما يعود به الظامئ من السراب. ثم إن الكتابة في عَلَمٍ من الأعلام أيسر كلفةً, وأقل جهدًا, وأضأل مشقةً, من الكتابة في هذا الموضوع المتسع المتشعب, الذي لا ينتهي المرء من جانبٍ منه, إلّا أطلَّت له جوانب تتطلب الدرس, وتحتاج إلى الكشف والتجلية. ولقد كانت لي مندوحة عن الاستيعاب والاستقصاء، فلو أني تحدثت عن الأزهر والخطابة, أو الصحافة, أو الكتابة, أو الشعر مثلًا, لكان مادةً غزيرةً للكلام، ولكني آثرت أن يكون الحديث شاملًا، والبحث مستكملًا أطرافه ونواحيه. وإذا كانوا يقولون: إن اختيار الرجل قطعةً من عقله, فهذا من غير شكٍّ قطعة أو جذوةً من عاطفتي, وخفقة من وفائي، لمعهدٍ عتيدٍ مجيدٍ، يدين له بالوفاء والإخلاص كلُّ عاقلٍ رشيدٍ.

стр. 5

ولست أدعي أني خير من كتب، ولكني أفاخر بأني أول مَنْ كتب وبوَّبَ ورتَّب, بل لعلي مبتكر هذا البحث, ومبدع ذلك التحقيق, والناهض بتناول نواحٍ منه, لم يسبقني إليها سابقٌ؛ ففي البحث, عدا ما فيه من جهد ودراسة, تراجم لفريق من أدباء الأزهر, لم يظفروا من قبلي بيراعٍ يجول في حياتهم وآثارهم, أو يحاول. وفيها حديث مستفيضٌ عن شخصياتٍ لم يتح لها من التحقيق إلّا عجالة لا تنقع ظمأً, ولا تشبع نهمًا، فأجلت فيها القلم, وعبَّدتُ طريق بيانها وتوضيحها حتى أشرقت واستبانت جوانبها. ومما ابتكرته, وكنت أول متناولٍ له, حديثي في المصححين الأزهريين الأدباء عن الشيخ، محمد قطة العدوي، والشيخ إبراهيم الدسوقي, وفي خطباء الأزهر الدينيين, عن الشيخ محمد مصطفى المراغي، والقضائيين, عن إبراهيم الهلباوي. وفي الكتَّاب عن الشيخ "محمد شاكر" والشيخ "عبد العزيز البشري" وفي اللغويين الأدباء عن الشيخ "سيد المرصفي" والشيخ "حسين والي" وفي الشعراء عن الشيخ "عبد الرحمن قراعة" على أن حديثي عن الشعراء عامةً حديث دراسة وتفصيل وتحليل واستيعاب لم أسبق إليه, ولم أجر فيه على نهجٍ ابتدعه غيري. فهذا البحث على هذه الصورة المشرقة، وفي هذا العناء الممض، وفي هذا السمت الخاصِّ, هو من جهدي وعملي, وقد توخيت فيه أن أضيف كل فكرة لصاحبها، وأن أنسب الرأي الذي أرتضيه لمرتئيه، ولو اتفق خاطري مع أحد من الذين كتبوا ودرسوا نسبت الرأي إليه مبالغةً في الحيطة, وإيغالا في الحذر. أما بعد: فقد أنفقت في كتابة هذا البحث عامين لم أضيع وقتَا، ولم أفلت فرصة،

стр. 6

وقد جهدت أن يكون مستوعبًا شاملًا, يجد المطَّلِعُ عليه ما تصبوا إليه نفسه من ألوان المعرفة. وعلى رغم ما لقيت وما بذلت, أعترف بأن بحثي هذا لم يبلغ حَدَّ الكمال، ولا يزال هنالك من أدباء الأزهر من يخلق بالباحث أن يتحدث عنهم, وأن يعرض صفحةً من حياتهم وأدبهم، فعسى أن أنهض في فرصة مواتية بإتمام ما بدأت -إن شاء الله تعالى. بل إني لأهيب بالعلماء, وبعشاق الأدب, أن يجعلوا ذلك من آثار عنايتهم, ومظاهر احتفالهم. وأسأل الله أن يكتب لنا التوفيق والسداد, وأن يهيء لنا من أمرنا رشدًا بفضله وكرمه.

стр. 7

الفاطميون في مصر مدخل ... الفاطميون في مصر: لما آل حكم "مصر" إلى "أحمد بن عليّ بن الإخشيد" سنة ٣٥٧ هجرية, وكان حدثًا صغيرًا لا رأي له ولا تدبيرًا, اختلت الأمور واضطربت الشئون، وجاع الجند، وكان "بمصر" غلاء فاحش, ووباء ساحق, وكانت أعين الفاطميين متطلعةً إلى ملك مصر, فواتتهم بذلك فرصةٌ للوثوب عليها, وتهيأ لهم ما أرادوا من فتح هذه البلاد بقليل من الدماء, بعد أن أمَّنُوا المصريين على أرواحهم وأموالهم وأملاكهم، وكان ذلك بقيادة "جوهر الصقلي"١ سنة ٣٥٨ هجرية, في جيشٍ يربو على مائة ألف فارسٍ, مجَّهَز بألفٍ ومائتيّ صندوق من المال. وما كاد "جوهر" يصل إلى "تروجة" بالقرب من الإسكندرية, حتى اضطرب المصريون وفزعوا إلى الوزير "جعفر بن الفرات" واتفقوا معه على مراسلة "جوهر" في الصلح, وطلب الأمان لهم؛ وإقرارهم على أملاكهم، واختاروا لتنفيذ ذلك وفدًا من وجوههم لمقابلة "جوهر" فأجابهم إلى ملتمسهم، وكتب لهم عهدًا بما طلبوه, ثم عزَّ على الإخشيدية أن يُبَدَّدَ ملكهم العظيم, فنقضوا العهد, واستنفروا جماعةً من العسكر، فلما تقدَّم "جوهر" إلى "الجيزة" لم يستطيعوا أن يثبتوا له، ووفد غداة النصر إلى "مصر" عليه ثوب ديباج مذَهّب, ونزل "بالمناخ" وهو موقع القاهرة اليوم. تم للفاطميين الفتح, واقتحم جيشهم ملك مصر, تظله قيادة "جوهر" العظيم, ومن ثَمَّ أرادوا أن يؤسسوا مدينة جديدةً تخلِّدُ ذكرهم، وتطبع على صفحة التاريخ أثرهم، وتكون لهم معقلًا وحصنًا يأوون إليه, ويتخذون منه مستقرًّا ومقامًا.

стр. 8

أنشأ "جوهر" تلك المدينة, وسمَّاها "المنصورية" وذلك في غضون عام ٣٥٨هـ، ولما انتقل "المعز لدين الله الفاطمي، من "القيروان" ووفد إلى "مصر" للإقامة بها سنة ٣٦٢هـ, غيَّر اسم المدينة, وسمَّاها القاهرة المعزية نسبةً إليه.

стр. 9

إنشاء الأزهر: ولما كان أول ما ينشأ في مدينة إسلامية إنما هو الجامع الذي يجتمع فيه المسلمون لصلاتهم، ومن فوق منبره يدعون إلى شئونهم، ويودعونه خزائن كتبهم, ويقيمون فيه شعائر دينهم, أنشأ "جوهر" الأزهر في طليعة ما أنشأ؛ كي يكون مجلسًا لهذا المظهر الدينيّ، وليقوم سياجًا للشيعة التي يعملون على تأييدها. وقد أبى الفاطميون أن يفاجئوا في مطالع عهدهم أهل السنة بخطبتهم التي يقولون فيها "وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين, المعز لدين الله" وآثروا أن يقولوا ذلك في مسجدٍ خاصٍّ بهم، فكانت تلك هي البواعث على إنشاء الأزهر. تاريخ إنشاء الأزهر: كان البدء في إنشاء الجامع الأزهر في يوم السبت لستٍ بَقَيْنَ من جمادى الأولى, سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكمُلَ بناؤه لتسعٍ خلون من شهر رمضان, سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكتب فيه بدائرة القبة التي في الرواق الأول, وهي على يمنة المحراب, ما نصُّه بعد البسملة: "مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم, معد الإمام المعزل لدين الله, أمير المؤمنين -صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين - على يد عبده الكاتب الصقليّ, وذلك في سنة إحدى وستين وثلاثمائة١.

стр. 10

المعز وجوهر: في ظلال هذين البطلين نَعِمَ الوجود بهذه المؤسسة الخالدة, وباسمهما اقترن هذا المعهد الشامخ الذي أفنى القرون جداره، ومشى على يبس المشارق نوره, وكلما رطب الألسن حديثٌ عن الأزهر تطلع واستشرف إلى المعز وجوهر، هما أهدياه إلى الدنيا نورًا, وإلى الدين والعلم نصيرًا, وإلى اللغة والبيان ظهيرًا. المعز لدين الله: "أبو تميم معد" رابع الخلفاء الفاطميين بالمغرب, وأولهم بمصر، ولد "بالمهدية" عاصمة الدولة الفاطمية بالمغرب, في منتصف رمضان سنة "٣١٩هـ-٩٣١م" وتولى الخلافة بعد أبيه "المنصور بنصر الله" سنة "٣٤١هـ-٩٥٢م" وهو فتىً في الرابعة والعشرين من عمره. وكان الخلفاء الفاطميون منذ استقر ملكهم بالمغرب يستشرفون لمصر، ويتطلعون إلى جارتهم الشرقية؛ فمصر بخصها وبثروتها ومواردها, وموقعها الذي تحسد عليه من أقطار الأرض, كانت الحلم الذهبيَّ لملوك الفاطميين، ومن ثَمَّ أوفدوا حملاتٍ, وجهزوا جيوشًا لغزوها، ولكنها باءت بالفشل, ولم يدن ذلك الأمل العذب إلّا بيد "المعز" وقيادة جوهر القائد العظيم. وكانت كتب "جوهر" تتوالى على "المعز" لاستدعائه إلى مصر، واحتثاثه على الوفود إليها، وقد أرسل إليه "جوهر" يخبره بانتظام الحال "بمصر" و"الشام" و"الحجاز" وإقامة الدعوة له بهذه الأقطار, فسر "المعز" بذلك، وقدم إلى "مصر" بعد فتحها بأربع سنوات وعشرين يومًا, أي: سنة ٢٦٢هـ, متسمًا بصفة الإمامة أكثر من صفة الزعامة, ويبدو في مواكبه وشعائره الدينية حريصًا على مظاهر الإمامة ورسومها، وقد سجَّل "الحسن بن زولاق" المؤرخ المصريّ كثيرًا من هذه المظاهر التي يظهر فيها المعز إمامًا دينيًّا أكثر منه ملكًا سياسيًّا في صلاته ونسكه، وفي ركوعه وسجوده، ثم في خطبه ومواعظه.

стр. 11

وكثيرًا ما كان يؤم الناس في الصلاة, ويخطب فيهم، وقد كان خطيبًا فصيحًا, مؤثرًا يملك زمام السامعين، وطالما بكى الناس لذلاقته وروعه، واتسامه في خطابته بسمة الزاهدين١. ومما يدل على دهائه أنه لما دخل "الإسكندرية" قدم عليه قاضي مصر "أبو طاهر محمد بن أحمد" وأعيان البلاد وسلموا عليه, فخاطبهم بخطاب طويل أخبرهم فيه أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه, أو لمالٍ يجمعه، وإنما أراد إقامة الحق والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يأمر بما أمر به جدُّه ﷺ ، وأطال حتى بكى الحاضرون، وخلع على القاضي وبعض الجماعة, فودعوه وانصرفوا. وكان عاقلًا حازمًا أديبًا, حسن النظر في التنجيم, وما ينسب إليه من الشعر: أطلع الحسن من جبينك شمسًا ... فوق ورد في وجنتيك أظلا وكأن الجمال خاف على الور ... د جفافًا, فمدَّ بالشعر ظلَّا جوهر الصقلي: مملوك من أهل "صقلية" ضمه "المعز" إلى بطانته، وأظله بعطفه ورعايته, وعني بتربيته, وتثيقيفه في شئون البلاد والدولة، والبلاط الفاطميّ يومئذٍ حافلٌ بالمماليك الصقالية الذين تبوأوا ذروة النفوذ, ولا سيما في عهديْ "المعز" و"العزيز" ولكن جوهرًا كان عميدهم, وواسطة عقدهم، وأنصعهم شخصيةً, وأقواهم موهبةً. قدر "المعز" مواهبه وخلاله؛ فولّاه وزارته, ثم اختاره لقيادة جيوشه. ولمع نجمه في الحرب والقيادة, كما أشرق اسمه في الإدارة والسياسة، فغزا المغرب، واخترقه إلى ساحل المحيط الأطلنطي, يحدوه الظفر, ويطلبه النصر،

стр. 12

ثم اختاره المعز ليغزو مصر مهبط الأمل والرجاء، فسار إليها من القيروان في ربيع الأول سنة ٣٥٨هـ, فتمَّ له فتحها, وقد وصف أبو هانئ الأندلسيّ في قصيدةٍ من غرره, خروج هذه الحملة إلى "مصر" فقال: رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأن الأفق سد بمثله ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودعت كيف أودع ... ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع ألّا إن هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن, ولا بات يهجع إذا حلَّ في أرضٍ بناها مدائنًا ... وإن سار من أرضٍ غدت وهي بلقع وكبرت الفرسان لله إذ بدا ... وظل السلاح المنتضى يتقعقع وعب عباب الموكب الفخم حوله ... ورقَّ كما رقَّ الصباح الملمع رحلت إلى الفسطاط أول رحلة ... بأيمن فألٍ, بالذي أنت تجمع فإن يك في مصر ظماء لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع ويمنعهم من لا يغار بنعمة ... فيسلبهم, لكن يزيد فيوسع دانت مصر لجوهر، وزفَّ إلى مولاه البشرى في منتصف رمضان، فاهتز ابن هانئ لهذا الظفر، وأنشد قصيدته التي يقول فيها: يقول بنو العباس قد فتحت مصر ... فقل لبني العباس قد قضى الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر ... تصاحبه البشرى, ويقدمه النصر ثم عُنِيَ جوهر بإنشاء الأزهر، وحين تمَّ بناؤه, أقيمت به صلاة الجمعة، واتخذ منبرًا للدعوة الشيعية, يحتفل الفاطميون فيه بالمظاهر الدينية وشتى المواسم والأعياد, وقد قطع جوهر خطبة بني العباس عن منابر مصر، ومحا اسمهم من السكة, وعوَّض عنه اسم المعز، وأزال الشعار الأسود, وألبس الخطباء الثياب البيض, وجعل يجلس بنفسه كل سبتٍ لنظر المظالم بحضرة الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء. وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة, أمر جوهر بالزيادة عقب الخطبة

стр. 13

"اللهم صلي على محمد المصطفى، وعلى عليٍّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا, اللهم وصل على الأئمة الطاهرين, آباء أمير المؤمنين". وفي يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر سنة ٣٥٩ صلى القائد بجامع ابن طولون بعسكر كثير، وخطب عبد السميع بن عمر العباسيّ الخطيب, وذكر أهل البيت وفضائلهم ﵃, ودعا للقائد, وجهر بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم, وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة, وأذَّن بحي على خير العمل, وهو أول من أذن به بمصر, ثم أذِّن به في سائر المساجد, وقنت الخطيب في صلاة الجمعة. وفي جمادى الأولى من السنة, أذنوا في جامع مصر العتيق, بحيَّ على خير العمل, وسر القائد جوهر بذلك, وكتب إلى المعز وبشَّرَه، ولما دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر أنكر عليه, وقال: ليس هذا رسم موالينا١. وعلى الرغم من كل ما فعله جوهر, أغضى المعز عنه, وعزله عن دواوين مصر وجباية أموالها, والنظر في سائر أمورها٢ سماعًا للوشاية, أو خوفًا من نفوذه وسلطانه. وحين خلف المعز ابنه -العزيز بالله أبو منصور نزار- عاد جوهر إلى مكانته في الدولة, وأصبح مؤيدًا بثقة العزيز وعطفه. وكان جوهر من أعلام الدولة الفاطمية ومؤسس مجدها، وقد منح من عظيم الخلال وكريم المواهب ما سما به إلى أرفع مكان، وكان على ذكاءٍ وشجاعةٍ, ومضاء عزمٍ, ونقاء سيرةٍ, وميل إلى الخير, وإيثار للعدل. وإذ بلغ الثمانين فاضت روحه إلى بارئها، واحتفل بتشييعه في رعة

стр. 14

وجزع، وصلى عليه العزيز بنفسه, ورثاه الشعراء, وخلع العزيز على ولده -الحسين- وأقامه مقامه في القيادة، ولقبه بالقائد ابن القائد، وظل على مكانته ونفوذه أيام العزيز١.

стр. 15

المساجد والجوامع ... المساجد الجوامع: كما عرفت مصر قبل قيام القاهرة المعزية ثلاث قواعد, أو عواصم إسلامية, هي فسطاط مصر التي أنشئت في سنة "٢١هـ-٦٤١م" عقب الفتح الإسلاميّ، ومدينةالعسكر التي أنشأها العباسيون الجند إلى جانب الفسطاط, عقب انتزاعهم مصر من يد الأمويين في سنة "١٢٣هـ-٧٥٠م" ومدينة القطائع التي أنشأها أحمد بن طولون, في سنة "٢٥٦-٨٧٠م" لتكون عاصمةً للدولة الجديدة. كما عرفت مصر قبل القاهرة هذه العواصم الثلاث, عرفت كذلك قبل قيام الجامع الأزهر ثلاث مساجد جوامع, كانت مركز للحياة الإسلامية هي: المسجد الجامع, أو جامع عمرو "وقد عرف جامع عمرو بعدة أسماء أخر, منها: الجامع العتيق, وجامع مصر, ومسجد أهل الراية" ثم جامع العسكر, ثم جامع ابن طولون. وبمعنًى آخر, كانت كل قاعدة من هذه القواعد الإسلامية المتعاقبة تزود عند قيامها بمسجدها الجامع أو مسجدها الرسميّ الخاصّ. ولم تكن هذه الظاهرة في خطط القواعد الإسلامية بدعًا ولا مصادفةً، وإنما كانت من وحي السياسة الموضوعة لإنشاء الأمصار الإسلامية فيما يفتح من البلاد، بل هي سياسة ترجع إلى عهد -عمر- ذاته, وكتب بها عمر إلى الولاة

стр. 16

ومنهم عمرو بن العاص, فاتح مصر, وأول ولاتها, بأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا للجماعة١ وقد اتبعت هذه السياسة في خطط القواعد الإسلامية الأولى -كالبصرة والكوفة والفسطاط ومدن الشام. وكما أن العواصم الجديدة تعتبر رمزًا لظفر الإسلام, كذلك المساجد الجوامع, كانت تعتبر رمزًا لسياسة الإسلام الروحية, ومنبرًا للدعوة الجديدة والدين الجديد. هكذا كان شأن الفسطاط, أول عاصمة للإسلام في مصر، قيامها يدل على ظفر الإسلام السياسيّ بافتتاح قطر جديد من أقطار الدولة الرومانية، وقيام مسجدها الجامع يدل على سيادة الإسلام الروحية حيث كانت تسود النصرانية. وكان لهذا المسجد فوق ذلك صبغته الرسمية؛ إذ هو مركز للصلاة الجامعة, وقد لبث ذلك -عصرًا- خطة خاصَّة, إلى جانب خطط الحرب والقضاء والخراج. وكان يلي إمامته في الصلوات الخمس, وفي صلاة الجمعة وخطبتها في عصر الفتح الأول أمير مصر ذاته؛ فكان الأمير يجمع بين الصلاة والخراج في كثير من الأحيان، وكان الأمير يستخلف عنه في الصلاة صاحب الشرطة إذا تعذر عليه إقامتها بنفسه٢. كذلك كان المسجد الجامع مقرًّا للدعوات والخطب والمجالس الرسمية، وبه يعقد ديوان الخراج، كما كان مركز القضاء الأعلى, وتتُْلَى فيه الأوامر

стр. 17

والمنشورات والسجلات، واستمرَّ ذلك عصورًا متوالية١. ثم غدا المسجد الجامع بعض الزمن مقرًّا للحلقات العلمية والأدبية, وأصبحت هذه الصفة المدرسية من بعض سماته ومظاهره. وكانت المساجد الجوامع تختص بهذه الصفة العلمية في عصرٍلم تعرف فيه معاهد الدراسة التي حفلت بها الأمصار الإسلامية فيما بعد. وكانت حلقات المسجد الجامع إلى جانب الحلقات الخاصة, أشهر المجتمعات العلمية والأدبية العامة، وقد لبثت ساحاته ردحًا من الزمان ندوةً فكريةً أدبيةً جامعةً، ومنها كانت تشع أنوار الآداب والفكر في مصر الإسلامية. بل هناك ما يدل على أن المسجد الجامع كان يقوم بمهمته الجامعية في دراسة الفقه بطريقة منتظمة٢، وقد استمرَّ المسجد الجامع قائمًا برسالته العلمية حتى قيل: إن حلقاته العلمية بلغت منتصف القرن الثالث زهاء خمسين٣. ولما أنشئت مدينة العسكر إلى جانب مدينة الفسطاط, وأقيم جامع العسكر إلى جانب المسجد الجامع, كان ثمة في إقامة المدينة الجديدة معنًى لانتصار العباسيين السياسيِّ, وفي إقامة الجامع الجديد معنًى لظفر الدعوة العباسية. وكانت العسكر وجامعها يمثلان ظفر الدولة الجديدة من الوجهتين السياسية والدينية معًا، ويتجلى ها المعنى في قيام مدينة -القطائع- عاصمة الدولة الطولونية الجديدة, وإن لم يكن ملحوظًا في إقامة مسجدها الجامع "جامع ابن طولون" لأن الدولة الطولونية لم يكن لها لون دينيٌّ خاصُّ٤. غير أنه مما لا شك فيه أن إنشاء القطائع ومسجدها الجامع "جامع ابن طولون" يرجع إلى المغزى السياسيِّ والروحيِّ نفسه, وهو التنويه بسلطان الدولة الجديدة وسيادتها.

стр. 18

الغرض من إنشاء الأزهر: كانت الحكمة ناصعةً في إنشاء الجامع, بل هي أشد نصوعًا ووضوحًا فيه منها في غيره من المساجد الجوامع؛ إذ أن دولة الفاطميين دولة الشيعة. والجامع الأزهر هو أول مسجد أقامته الشيعة بمصر؛ فقيامه إذن رمز لسيادة هذه الدعوة الجديدة التي هي دعوة الشيعة, كما كانت القاهرة المعزية رمزًا لنصرة الدولة الجديدة وسيادتها. كان ذلك هو الغرض من إنشائه أول الأمر، ولكن تَقَلُّبَ الدول, وكر الأعصر, أنهاه إلى هذه الحياة العلمية الخصبة، وجعله أرفع جامعة إسلامية تاريخية.

стр. 19

تطور تسمية الجامع الأزهر: سمي هذا الجامع عقب إنشائه بجامع القاهرة, باسم العاصمة الجديدة, وظلَّ معروفًا بهذا الاسم زمنًا طويلًا، ثم زاحمه الاسم الجديد -الأزهر- ولكنا لا نستطيع أن نحدد نشوء التسمية الجديدة. وقد ظل معروفًا باسمه القديم إلى القرن التاسع الهجريّ؛ إذ ذكره المقريزي في خططه بهذا الاسم مضافًا إليه اسمه الجديد -الأزهر- فقال: "وهو الجامع الذي يعرف في وقتنا هذا بالجامع الأزهر, ويسمى في كتب التاريخ بجامع القاهرة١. بل ذكره ابن خلكان -وقد تب كتابه في القرن السابع الهجريّ بما يفيد تداول الاسم الجديد, فقال في ترجمته -جوهر- وأظن هذا الجامع هو المعروف بالأزهر. واشتهاره في عهد ابن خلكان بهذا الاسم يدل على أنه عرف به من قبل ذلك, لكن في زمنٍ غير معروفٍ بالتحديد. وبعضهم يرى أن هذه التسمية الجديدة سرت إليه بعد إنشاء القصور الفاطمية في عهد العزيز بالله, وقد كان يطلق عليها القصور الزاهرة. هذا, وقد تُنُوسِيَ الاسم الأول, وغلب الاسم الجديد عليه إلى اليوم, فأصبح معروفًا به فحسب. وأما سرُّ هذه التسمية؛ فيرى فريق من المؤرخين أنه سُمِّيَ بذلك تفاؤلًا بما سيكون له من الشأن العظيم والمكانة الكبرى بإزهار العلوم فيه٢. وفي دائرة المعارف الإسلامية, أن إنشاء الفاطميين لهذا المسجد يفسر الاسم الذي أطلق عليه, فقد قيل أن الزهر إشارة إلى الزهراء, وهو لقب فاطمة التي سُمِّيَ باسمها أيضًا مقصورة في المسجد. مكان الأزهر: ما برح هذا الحصن الشامخ قائمًا في مكانه الذي شُيِّدَ به, منذ أكثر من ألف عام, وما زالت فيه بقية من أبنيته الفاطمية الأولى تحتل مكانها الأول داخل الصرح القائم, وهي تكاد تبلغ نصف المسجد الحالي٣.

стр. 20

عناية الخلفاء بالأزهر: نظر الخلفاء الفاطميون إلى الأزهر نظرة عنايةٍ ورعايةٍ, فأدخلو عليه تجديدًا, وأحدثوا به تعميرًا في أزمنة مختلفة, وأعانوا على نشاط العلم والدراسة فيه؛ فهيأوا الأسباب لذلك. وقد ذكر المقريزي أن أول من رتب من الملوك لأهل الجامع الأزهر, وبنى لهم مسكنًا هو الملك العزيز بالله, نزار بن الملك المعز لدين الله، وأن أول من رتب لهم من الأمراء صلة وزيره أبو الفجر يعقوب ابن يوسف, وقد سأل هذا الوزير الخليفة سنة ٣٦٥هـ في صلة رزق جماعة من العلماء؛ فأطلق لهم ما يكفي لكل واحد من الرزق الناض, وأمر لهم بشراء دارٍ وبنائها, فبنيت بجانب الجامع الأزهر١. وقال المقريزي في موضعٍ آخر من خططه، وجعل الحاكم بأمر الله للجامع الأزهر تنورين وسبعة وعشرين قنديلًا من الفضة, وشرط أن تعلق فيه في شهر رمضان. ثم رتب له الحاكم في سنة ٤٠٠هـ مع بعض المنشآت الفاطمية الأخرى أوقافًا ينفق من ريعها على إدارته وشئونه, فكانت هذه أول وقفية رتبت للجامع الأزهر. ثم قام الخليفة -المستنصر بالله- فجَدَّدَ الأزهر، وقام بتجديده من بعده, الحافظ لدين الله, وأنشأ فيه مما يلي الباب الغربيّ مقصورةً عرفت بمقصورة "فاطمة الزهراء". وفي عهد الملك -الظاهر بيبرس- "سنة ٦٥٨هـ" قام الأمير -عز الدين أيدمر الحلى- نائب السلطان- بعمارته وتجديده تجديدًا شاملًا, وأعاد إليه جدته وبهجته, بعد أن كان قد تطرق البلى إليه. وفي سنة "٧٠٢هـ" في عهد الملك محمد الناصر - وقعت بمصر زلزلة عنيفة سقط بها منشآت عدة, منها: الجامع الأزهر, فقام أمراء الدولة بعمارة هذه المنشآت, وتولى عمارة الجامع الأزهر الأمير -سلار. وأنشأ علاء الدين طيبوس مدرسته التي عرفت باسم "الطيبرسية-

стр. 21

لتكون ملحقًا للأزهر, وكمل بناؤها سنة "٧٠٩هـ" وقرر بها درسًا للشافعية. تلك هي بعض آيات العناية والاهتمام ومظاهر التعمير والإنشاء في الأزهر في هذه الفترة المترامية من الزمان. إلّا أن أعظم عمارةٍ أحدثت به, هي التي قام بها الأمير عبد الرحمن كتخدا القازدغلي- في أواخر القرن الثاني عشر الهجريِّ؛ إذ أنه أنشأ بهوًا فسيحًا يشتمل على خمسين عمودًا من "الرخام" تحمل مثلها من الأقواس المقوصرة١ في الناحية الشرقية من الجامع, كما أنشأ به منبرًا ومحرابًا جديدين, وأقام في أعلاه مكتبًا قائمًا على عُمُدٍ من الرخام, يتعلم به يتامى الأطفال المسلمين القرآن, وجدد المدرسة الطيبرسية، وأنشأ رحبةً فسيحةً شيد فيها قبره الذي عقدت قبة عليه, كما أقام بالجامع منارتين جديدتين, وأنشأ بالباب الذي ينتهي إليهن شارع الأزهر، وهو بابٌ سامقٌ عظيمٌ, نًقِشَ على صفحته الخارجية أبياتٌ مموهة بالذهب, مشتملة على تاريخ بنائه وهي: إن للعلم "أزهرًا" يتسامى ... كسماء ما طاولتها سماء حيث وافاه ذا البناء ولولا ... منة الله ما تسامى البناء رب إن الهدى هداك وآيا ... تك نور تهدي به من تشاء مذ تناهى أرخت باب علوم ... وفخار به يجاب الدعاء أما الأسرة العلوية, فكانت دائمة العطف عليه, سخيَّةً في البرِّ به, تعنى بإصلاحه وتجديده, وتكفل له كل ما يتطلبه, مهما غلَا وعزَّ. وفي عهد الملك فؤاد الأول, أنشئت كليَّاته على نظامٍ مثمرٍ, ووجد بالتخصص في فروع العلم للإجادة والتبريز فيها, وبذل المال الضخم لإزالة ما حول الأزهر من مساكن, طالما حجبت جماله ورونقه, وبُدِئَ في إنشاء مساكن للطلبة, وإدارة للأزهر, وقد جاءت آيةً في الإبداع والروعة، وفي

стр. 22

العزم أن تنشأ له مبانٍ خاصةٍ لكلياته، وما تتطلبه الحياة الجامعية فيه على أفخم طراز. وفي عهد "الاستقلال" تمتَّع الأزهر بكريم الرعاية, وعظيم العطف, بفضل روح المصريين المعنوية التي وجدت بهم, ومن غريز طباعهم التي وجدوا عليها, وبفضل روحهم المعنوية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم, فساهموا بنصيبٍ وافر من أموالهم؛ ففرش بالبسط الثمينة الفاخرة على سعة رقعته, ولا يزال علماؤه موضع الشكر للجمهورية المصرية.

стр. 23

صلاة الجمعة في الأزهر: كان الخطباء الفاطميون يذهبون إلى الجامع الأزهر فيخطبون الناس ويؤمونهم في صلاتهم، وكانت أول جمعة أقيمت في الأزهر منذ إنشائه, في شهر رمضان لسبعٍ خَلَوْنَ منه, سنة إحدى وستين وثلاثمائة١. ثم استمرت الخطبة في الأزهر منذ إنشائه, إلى أن تم بناء الجامع الحاكميِّ في سنة ٣٨٠هـ, وإذ ذاك أصبحت مشتركة تلقى في أربعة مساجد, فإن الخليفة كان يخطب في الجامع الحاكميّ خطبة, وفي الجامع الأزهر خطبة, وفي جامع ابن طولون خطبة, وفي جامع عمرو بن العاص خطبة. وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لما استبدَّ "صلاح الدين بن يوسف بن أيوب" بالسلطان "سنة ٥٦٧هـ" فإنه قلَّدَ وظيفة القضاء لقاضي القضاة، "صدر الدين عبد الملك بن درباس" فعمل بمقتضى مذهبه, وهو امتناع إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد, كما هو مذهب الإمام الشافعيّ؛ فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر, وأقرها بالجامع الحاكميّ من أجل أنه قد أوسع٢ إذ أن مساحة الأزهر كانت ١٣٠٠٠ ذراع, ومساحة الجامع الحاكمي ٣٦٠٠٠ ذراع

стр. 24

ومكث الأزهر كذلك معطلًا عن إقامة الجمعة قرابة مائة عام. فلما كان عصر الملك "الظاهر بيبرس" سعى الأمير، عز الدين أيدمر الحلي, نائب السلطنة, في إعادة صلاة الجمعة في الأزهر, فشرع في استفتاء علماء العصر, فأفتى بعضهم بجوازها, ولكن قاضي القضاة يومئذ "تاج الدين بن بنت الأعز" الشافعيّ, أصرَّ على فتواه رغم تدخل السلطان، فعمل الأمير أيدمر بفتوى المحبذين, وأقيمت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر يوم الجمعة ١٨ ربيع الأول سنة ٦٦٥هـ, في حفل من الأمراء والكبراء, ولم يحضر السلطان, ولا قاضي القضاة, ولكنه كان يومًا مشهودًا استعاد فيه الأزهر مركزه الدينيّ القديم١. أما الدراسة في الأزهر في هذه الحقبة, فَحُكْمُ المؤرخين عليها مضطربٌ غامضٌ, ولكنا نميل إلى أن الأزهر ظلَّ على صفته الجامعية طوال هذه المدة, فقد لبث محتفظًا بصفته كمعهد للدرس والقراءة, ومع أنه لم يكن يحظى في ذلك العصر بكثيرٍ من الرعاية الرسمية, لبث محتفظًا بكثير من هيبته العلمية القديمة, فنراه مقصد علماء بارزين, مثل: عبد اللطيف البغدادي, الذي وفد على مصر في سنة ٥٨٩هـ, أيام الملك عبد العزيز ولد السطلان صلاح الدين, وتولى التدريس بالأزهر بضعة أعوام, حتى وفاة الملك العزيز سنة ٥٩٥هـ٢. وكان في رغبة صلاح الدين الأيوبي في الإصلاح وحسن سياسته, وبعد نظره, مما يجعلنا نميل إلى أنه لم يبطل الدراسة في الأزهر في هذه المدة, فإنه وإن كان الأزهر خاضعًا في أغلب شئونه وأحواله لعوامل السياسة, والأزهر هو منبر الشيعة, ومقر دراستها, وهي مذهب الفاطميين الذي كان يفرض على المصريين فرضًا, والذي يهم صلاح الدين أن يناهضه بكل قواه أنه, وإن كان

стр. 25

الأمر كذلك, فإن صلاح الدين خَلُصَ إلى غرضه الذي ينشده, دون أن يلجأ إلى إبطال التدريس بالأزهر. وقد ذهب إلى ذلك الرأي "يعقوب أرتين باشا" في كتابه؛ حيث قرَّرَ أن صلاح الدين, وإن كان شافعيّ المذهب, ترك الحرية الكافية للعلماء يقدمون على سائر المذاهب دراسةً وبحثًا, وكما أنه ترك للعلماء حرية الدرس والبحث, كذلك لم يتدخل بحالٍ في عقائد الشعب، وكان في تصرفه هذا سياسيًّا حكيمًا؛ إذ وصل إلى النتيجة التي قصدها دون جهد أو مخاطرة, وضعف شأن المذهب الفاطميّ كما أراد؛ حيث أنشأ في سنة ست وستين وخمسمائة المدرسة التي عرفت بالمدرسة الناصرية, وكانت للشافعية, وبني في السنة المذكورة المدرسة القمحية بقرب الناصرية للمالكية, وبنى أيضًا المدرسة السيوفية للشافعية١. كانت هذه السياسة الحكيمة التي اتبعها صلاح الدين ومن بعده, كفيلةً بمناهضة المذهب الشيعيِّ, وبإحياء المذهب الشافعيِّ الذي كان يعتنقه صلاح الدين, بغير أن يتجشم تبعة إبطال الدراسة في الأزهر ومناهضته التعليم به, غير أن من الممكن أن نقول: إن إنشاء هذه المدارس وكثرتها, كان عاملًا ذا أثر في منافسة الأزهر, واجتذاب فريق من أساتذته, ولا سيما حين نعلم مقدار العناية بهذه المدارس, والتوفر على التأنق فيها.

стр. 26

تاريخ التعليم في الأزهر: كان المسجد في العصور الماضية مركزًا للحياة الإسلامية, يقيم المسلمون فيه صلواتهم, ويعقدون به مجالس قضائهم, ويدعون إلى مذاهبم الخاصة, ويتحدثون فيه عن شئونهم العامة, ويودعون في خزائنه كتبهم ومخطوطاتهم، ثم هم فوق ذلك يتخذون من رحابه وجنباته مجالس للدرس والتعليم, يجلس فيها الأساتذة, يهفو إليها الراغبون في العلم, متنقلين كالطير في أرجائها, غير مقيدين بنظم أو برقابة. وكان مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط, أول مدرسة دينية في مصر, ولم يكن يدرس به إذ ذاك إلّا علم اللغة والدين؛ من قرآن وحديث. ثم كان من بعده مسجد أحمد بن طولون مقرًّا هامًّا لتلقي هذه العلوم, التي كانت وحدها مقومات الفكر في ذلك الوقت. حتى إذا فتح الفاطميون مصر, وأسسوا بها القاهرة, اتجهت رغبتهم إلى مؤسسةٍ دينيةٍ تنافح عن مذهبهم الشيعيِّ, وتدعو إليه, فأنشأوا الجامع الأزهر، وتمَّ للفاطميين غرضهم بعد ذلك بعامين, حين عين له العزيز بالله بن المعز لدين الله أساتذته الأولين. ولم تكن الدراسة إذ ذاك تعدو اللغة العربية والدين والفقه. ثم جاء الأيوبيون فأغضوا عن الأزهر بإنشاء المدارس الأخرى, ودُرِّسَ بها المذهب الشافعيُّ, وإن صحبته المذاهب الأخرى، وأخذت مدارسهم تجتذب إليها كثيرين ممن كان الأزهر يزخر بهم، وبلغ عددهم زمن المقريزي، خمسًا وأربعين مدرسة، وكان الأيوبيون ومن حذا حذوهم, يتأنقون في بنائها وزخرفتها, ويجعلون فيها خزائن للكتب, ويجمعون لها نفائس المخطوطات؛ في الحديث والفقه وغيرهما من العلوم، ويقفون عليها الأوقاف, ويعينون لها الأساتذة؛ فينقطعون للعلم والدرس. وبعد أحقابٍ طوالٍ تطور الأزهر مع الزمن, وتأثر بالحركة الثقافية؛ فبدأت به دراسة الفقه على المذاهب الأربعة, وبعض العلوم الأخرى؛ كالحساب والهندسة والفلك، ومن ذلك الوقت, أصبح للأزهر أهميةً بالغةً, وشهرةً ذائعةً في ربوع العالم كله, وتَكَوَّنَ في مصر جَوٌّ علميٌّ راق, يمد الطلاب بقسطٍ وافرٍ من علوم الحياة, ويهيئ للأساتذة العلماء فرصة الانقطاع للدرس, وأخذ العلم ينبعث من أقطار الأزهر, ويشع في مختلف البلاد الإسلامية، وأصبح شرفًا عظيمًا أن ينتسِبَ الطالب إليه. ولكن العناية انقبضت عن الأزهر في مستهلِّ القرن السادس عشر الميلاديِّ؛ إذ أخذ الضعف يدب فيه وقت الفتح العثمانيّ, وركدت علوم اللغة

стр. 27

والآداب, بعد أن كانت موضع دراسةٍ مستفيضةٍ, وأصبحت دراسة الفقه والحديث جامدةً تستظهر, وتتخذ في العلم بها مظهرًا شكليًّا محضًا، وزالت منه علوم الحياة على وجه التقريب إلّا ضربًا من الحساب للحاجة إليه في مسائل المواريث, وطرفًا من مبادئ علم الهيئة لضبط المواقيت, وتحديد مواعيد الصلاة, وبعض نظريات الهندسة والفلك وأشباه ذلك.

стр. 28

نشأة الحياة المدرسية في الأزهر: كيف بدأت الحياة المدرسية في الأزهر: بعد أن كان مسجدًا للعبادة, ومنبرًا للدعوة المذهبية؟ هذا سؤال تتجه به النفوس في شوقٍ ورغبةٍ لمعرفة النواة الأولى لذلك المعهد العظيم. بدأت فكرة الدراسة في الأزهر ضئيلةً متواضعةً؛ ككل حديث في مطلع نشأته ومستهلِّ تكوينه، ثم لم تلبث هذه النواة أن تمت وأثمرت, وغدا الأزهر في ثوبه الجامعيّ القشيب. أول درس بالأزهر: كان ذلك في صفر سنة ٣٦٥هـ-أكتوبر سنة ٣٧٥م" في أواخر عهد المعز لدين الله الفاطميّ؛ إذ جلس قاضي القضاة - أبو الحسن عليّ بن النعمان القيروانيّ- بالجامع الأزهر, وقرأ مختصر أبيه في فقه الشيعة, وهو المسمى بكتاب "الاقتصار" في جمع حاشدٍ من العلماء والكبراء, وأثبتت أسماء الحاضرين, فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر١. كانت هذه هي الحلقة الأولى للقراء والدرس في الجامع الأزهر, بعد أن مضى على إنشائه زهاء ثلاثة أعوام ونصف, وكانت بدايةً ضئيلةً لحركة دراسيةٍ متواضعةٍ, بيد أنها كانت بدايةً جامعيةً في معنى من المعاني٢.

стр. 29

حلقات بني النعمان: ثم توالت بعد ذلك حلقات بني النعمان بالأزهر, وكانوا من فضلاء علماء المغرب الذين اصطفتهم الخلافة الفاطمية, وجعلتهم دعامتها وألسنتها الروحية, وكانت حلقات أولئك المغاربة العلماء بالأزهر حلقات دعاية دينية سياسية, يعمرها في أغلب الأحيان الأكابر والخاصة. وفي مستهلِّ عهد العزيز بالله, حدث حادثٌ مدرسيٌّ آخر بالجامع الأزهر؛ ففي رمضان سنة "٣٦٩هـ-٩٨٠م" جلس يعقوب بن كلس, وزير المعز لدين الله والعزيز من بعده بالجامع الأزهر, وقرأ على الناس كتابًا ألفه في الفقه الشيعيّ على المذهب الإسماعيلي, ضَمَّنَهُ ما سمعه في ذلك من المعز لدين الله وولده العزيز, وهو المعروف بالرسالة الوزيرية, نسبةً إلى مؤلفها الوزير، وكان يجلس ليقرأه بنفسه على المستمعين؛ خاصَّتهم وعامَّتهم, ويسعى لدرسه جُلَّةُ الفقهاء والعلماء والقضاة والأدباء وأكابر القصر والدولة, وأفتى الناس يومئذ بما فيه١. وابن كلس, هو أول من فكَّر في رسم الخطة الجامعية للأزهر؛ ففي سنة "٣٧٨هـ-٩٨٠م" استأذن الخليفة العزيز بالله أن يعين بالأزهر فريقًا من الفقهاء؛ للقراء والدرس, يحضرون مجلسه, ويلازمونه, يعقدون مجالسهم به عصر كل جمعة بعد الصلاة, وكان عددهم سبعةً وثلاثين فقيهًا, ورئيسهم والمشرف على حلقتهم الفقيه: أبو يعقوب, وكان جُلُّ حديثهم في الفقه, وما له به صلة. وقد رتَّب العزيز لهم مالًا, وأنشأ دارًا يسكنونها بجوار الأزهر, كما رتَّبَ لهم ابن كلس أيضًا رزقًا من ماله حثًّا وتشجيعًا.

стр. 30

ونستطيع أن نَعُدَّ هؤلاء أول الأساتذة الرسميين بالأزهر؛ فقد أدوا مهمتهم العلمية تحت إشراف الدولة, ولقاء أجرٍ ثابتٍ منها.

стр. 31

تأثر الأزهر بإنشاء دار الحكمة مدخل ... تأثر الأزهر بإنشاء دار الحكمة: أنشأ الحاكم بأمر الله ولد العزيز بالله دار الحكمة الفاطمية, أو دار العلم الشهيرة, في العاشر من جمادى الآخرة سنة ٣٩٥هـ-مارس سنة ١٩٠٥م, أي: بعد ما يقرب من خمسمائة وثلاثين عامًا من قيام الأزهر. ومن قبل إنشائها كانت تعقد بالقصر حينًا, وبالأزهر حينًا, مجالس تسمى: "مجالس الحكمة" ينظمها قاضي القضاة, ويقرأ فيها علوم آل البيت, بمشهد من الناس, وقد يخصص جانب منها للخاصَّة, وآخر للعامة, وثالث للنساء, ولكن الحاكم أراد أن تكون هذه المجالس أوسع أفقًا, وأبلغ أثرًا, وأن تنظم في عقد واحد حلقات دينية وعلمية متصلة, يجمعها معهد رسميٌّ واحدٌ؛ فأنشئت هذه الدار مشتملة على حلقات دينية وعلمية وأدبية. وقد شغلت هذه الدار بناءً خاصًّا متاخمًا للقصر الصغير, بجوار "باب التبانين" تعرف "بدار مختار الصقلي" وقُسِّمَتْ إلى عدة مجالس؛ لعلوم القرآن, والفقه, وعلوم اللغة, والطب, والرياضة, والفلك, والتنجيم, وغيرها. وعُيِّنَ لها أقطاب الأساتذة في كل فَنٍّ, واحتفل بتأثيثها وزخرفتها, وحمل إليها من خزائن القصر أسفارٌ في شتى العلوم, وخصص للإنفاق عليها, وعلى أساتذتها, وموظفيها, أموال ضخمة, كما خصها الحاكم بجزء كبير من ريع أملاكه الموقوفة على بعض

стр. 32

مساجد القاهرة مثلما خص الأزهر من هذا الريع بنصيب. وكان التعليم فيها على نفقة الدولة, وهيء فيها للباحثين والطلاب جميع الأدوات الكتابية, وكان لهم أن يقرأوا وأن ينسخوا ما شاؤوا, ولهم أن يستمعوا من المحاضرات والدروس ما شاؤوا. وقد حَدَّثَ المسبحيُّ المؤرخ المعاصر, عما لقيته هذه الدار من رعايةٍ وعنايةٍ, بأنه مما لم يجتمع مثله لأحد قط من الملوك. اتسعت "دار الحكمة" في مستهلِّ عهدها بتوسيع البحث, ثم أُقْصِيَ عنها الأساتذة السنيون, وقتل بعضهم, فتأكدت صفتها المذهبية الشيعية. وكان لقاضي القضاة الإشراف على مجالسها, حتى إذا ما اتسع أفقها عهد بها إلى "داعي الدعاة" وهو زعيم دينيٌّ خاصٌّ يلي في الرتبة قاضي القضاة١ ثم أنشئ لها إدارةٌ خاصةٌ في وظائف الدولة. وإذا كانت "دار الحكمة" موسومةً بالطابع الحرِّ في الفكر والدرس, فإنها كانت من وراء ستارٍ ترمي إلى بثِّ الدعوة الفاطمية بطريقة علمية تمتزج فيها النظريات والآراء الفلسفية بالأصول والمذاهب, وتكون أبلغ أثرًا في العقول والعقائد من مجالس القصر، وبذلك تتضافر جهود الدعاة في هذا المركز الرئيسيِّ الذي لا يلبثون أن يصدروا عنه, فيبثوا الدعوة في كل وادٍ. تمت هذه الدار في أكناف هذه الرعاية, وأوى إليها بأسلوبها وبشهرتها كثير من علماء الشرق, وأصبح بين تلاميذها نوابغ كثيرون. كان لقيام هذه الدار أثر بالغ في سَيْرِ الدراسة بالأزهر, بل كانت منافسًا جبَّارًا لمعهدٍ وليدٍ لم تتأثل نظمه, ولم تتوطد دعائمه، فلا عجب إذن أن تركد ريحه, وأن تفتر حلقات الدرس والعلم فيه, وأن تجتذب إليها أنظار الكثيرين من طلاب الأزهر؛ ففيها جدة, وروعة, واستيعاب.

стр. 33

لبثت دار الحكمة قرنًا تنافس الأزهر في رسالته العلمية, وتظفر بالسبق والغلبة في كثير من الأحيان, وإن كان الزهر على رغم طغيانها لم يتخلف عن الرسالة التي كان يضطلع بها, إلّا أنها لم تدع له قوته كاملةً. بيد أن عصر ازدهار "دار الحكمة"لم يطل, فقد اضطربت شئونها المذهبية, وفتر نشاطها منذ منتصف القرن الخامس الهجريّ, وخبا نورها خلال حكم المستنصر بالله؛ إذ اضطربت شئون الخلافة, وشملت الفوضى مرافق الدولة جميعًا, ولم تلبث كذلك حتى انتهى أمير الجيوش "الأفضل شاهنشاه" بإبطالها, وإغلاقها صدر القرن السادس الهجريّ أيام الخليفة الآمر بإحكام الله "٤٩٥-٥٢٤هـ" لما ذاع من تدخلها في العقائد. ثم أعادها "المأمون البطائحيّ" وزير هذا الخليفة, سنة ٥١٧هـ على نسق جديدٍ, روعي فيه تخفيف حدتها المذهبية, وعُنِيَ بتدريس القرآن وعلومه عنايةً خاصة. وإنها, وإن مكثت في هذا المظهر الجديد نصف قرن حتى نهاية الدولة الفاطمية, كانت معهدًا مغمورًا ليس له من الشأن ما يتصل بماضيه العظيم. كان لهذا الاضطراب السياسيِّ أثره في دار الحكمة وفي الأزهر معًا, فقد فترت حركة الدرس والتحصيل تبعًا لركود الحياة العامة, واضطراب الحياة الخاصة في ذلك الحين.

стр. 34

طريقة التعليم بالأزهر: بدأ نظام التعليم بالأزهر على الوضع القديم الذي كان متبعًا في مصر والعواصم الإسلامية, ونعني به: نظام الحلقات ومجالس الدروس الخاصة, وقد اشتهر هذا النظام بمصر في القرن الثاني للهجرة. كان لكل مذهبٍ من المذاهب الأربعة عُمُدٌ خاصَّةٌ داخل الأزهر, مقصورة عليهم, يجلس الشيخ في ظلال هذه العمد, ويلتف الطلاب حوله حلقًا, وكان الشيخ الذين يدرس ملمًّا بشتى العلوم, فيحدث في نواحٍ من العلم مختلفة, ويستطرد في فنونٍ متنوعة كلما سنحت الفرصة. وكانت الطريقة المتبعة في تلقين الدروس هي الطريقة الإملائية, ولبث الحال على ذلك إلى أن كثر التدوين والتأليف, فشرعوا في دراسة الكتب, وتفهم أغراضها, وقد بالغوا في ذلك مبالغةً نجم عنها وضع شروح للمتون, وحواشٍ لهذه الشروح, وتقريرات لتلك الحواشي. وكان كثير من الطلبة المجدين يطالعون الدروس قبل أن يغشوا حلقاتها, وكثيرًا ما كان يقوم النجباء من الطلبة بالتدريس لزملائهم, أو المتأخرين عنهم بقليل. ولم تكن الدراسة دراسة موضوعات محددة في مناهج معروفة, بل كانت دراسة كتب لمدة دراسية غير محددة. وكان جلُّ الاعتماد على المدرس لا على المنهج, أو طريقة البحث, فأساس التعليم: "الشيخ أو الكتاب". ولم تكن على الطلبة رقابة في غيابهم, أو حضورهم, وفي جدهم أو فتورهم, فليس أمامهم امتحانٌ يميز الخبيث من الطيب, ولكن يلتمس الطالب من شيخه "إجازةً" تتضمن الشهادة له بالمهارة في العلوم, والأهلية للتدريس والإفتاء. على أنهم كانوا مقبلين على العلم مشوقين إليه, يجدون من نفوسهم دافعًا إلى المحافظة على الدروس والإقبال عليها, بل كان إقبالهم بالوازع أشد من إقبال المعاصرين بالرادع. ولم يكن الشيخ لينسى أن يوصي تلميذه في "إجازته" بالتقوى, والتحري في الأحكام. ولما استحدثت الشهادة الرسمية, لم تكن لتخلو من الدعاء لحاملها بالتوفيق في خدمة العلم والدين. وهذه الحرية التي تتسم بها طريقة الأزهر في التعليم والبحث, وخاصَّةً فيما

стр. 35

سلف من الزمان, تساوت معظم النظم الجامعية التي لا تُضَيِّقُ على الطلاب في دراستهم, والتي تقوم على الحرية الفردية؛ فتعدهم لحياة الرجال التي تنتظرهم, فوق أنها ترهف الأذهان, وتفسح الملكات, وتطبع العقول على التفطن لما دق من الأفهام, وخفى من الأغراض. هذا إلى أن إجالة الفكر, وتقليب الرأي, تساعد على قوة الحجة, والرصانة في الجدل, والاقتدار على المحاورة, ومحاجة الخصم, والثبات للبحث المتشعب, والصبر على التفهم العميق, وهذه الطريقة في التعليم هي التي أشاد "سعد زغلول" بذكرها, فقد قال في خطبة ألقاها بالأزهر, بعد عودته من أوربة سنة ١٩٢١م: "جئت اليوم لأؤدي في هذا المكان الشريف فريضة صلاة الجمعة, وأقدِّمُ واجبَ الاحترام لمكانٍ نشأت فيه, وكان له فضل كبير في النهضة الحاضرة, تلقنت فيه مبادئ الاستقلال؛ لأن طريقته في التعليم تربي ملكة الاستقلال في النفوس؛ فالتلميذ يختار شيخه, والأستاذ يتأهل للتدريس بشهادةٍ من التلاميذ الذين كانوا يلتفون حول كل نابغ فيه, ومتأهل له يوجه إليه كل منهم الأسئلة التي يراها, فإن أجاب الأستاذ, وخرج التلميذ ناجحًا من هذا الامتحان, كان أهلًا لأن يجلس مجلس التدريس, وهذه الطريقة في الاستقلال التي تسمى الآن خللًا في النظام, جعلتني أتحول من مالكيّ إلى شافعيّ؛ فقد وجدت علماء الشافعية في ذلك الوقت أكفأ من غيرهم١". ومما عرف المدرس باتباعه في إلقاء الدرس, أن يستهلَّ بالبسملة, والحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ثم يقرر الدرس بأن يقرأ بنفسه, أو يستقرئ أحد النبهاء من طلابه, وتراه متمكنًا من مادته, مترسلًا في أدائه, فصيحًا في عبارته, مطربًا في نغمته. ولم تكن أوقات الدروس في ماضي الأزهر محدودةً بأوقاتٍ معينةٍ, بل

стр. 36

يبدأ الشيخ في درسه حتى يتمه, فإذا ملَّ الطالب انصرف في هدوء, أو ظلَّ مكانه حتى ينتهي الشيخ فينصرف مع زملائه, أما اليوم, فللدروس مواقيت معروفة, تبدأ وتنتهي في حدودها. ولم يكن حاضر الأزهر متصلًا بماضيه, فيما يتعلق بالأهلية للتدريس, والتصدر له, فلا يكفل التدريس "أجازة" من شيخ, بل امتحان دقيق, وقانون يخصص اتجاه كل متخرج, ووضعه في الحياة. وقد سلب الطلاب حريتهم في التخلف, وأصبحوا خاضعين لنسبة معينة من الحضور, من نقص عنها حرم دخول الامتحان عقوبةً له.

стр. 37

مواد الدراسة في الأزهر: كانت العلوم الدينية في مقدمة العلوم التي تدرس بالأزهر, وهي: علوم القرآن, والحديث, والكلام, والأصول, والفقه على مختلف المذاهب. وأوّل ما درس بالأزهر من مذاهب أهل السنة, المذهب الشيعيّ، وقد بقي هذا المذهب منتصرًا في مصر قضاءً, وفي الأزهر دراسةً, حتى انقرضت دولة الفاطميين سنة ٥٦٧هـ, فعادت لمصر دراسة المذاهب الأربعة. وكان في مقدمة العلوم التي تدرس بالأزهر أيضًا, علوم اللغة؛ من نحو, وصرف, وعلوم البلاغة, والأدب, والتاريخ. ولما خفت الحدة المذهبية, أخذ الأزهر بنصيب وافر من العلوم المدنية, إلى جانب العلوم الدينية، وكانت الفلسفة, والطب, والمنطق, والرياضة, تدرس بالأزهر, إلّا أنها في نطاقٍ ضيقٍ, ولفريق خاصٍّ من طلابه. وبعد ذهاب الدولة الفاطمية في أواخر القرن السادس, وفي مستهلِّ الدولة الأيوبية, أصبح الأزهر مدرسةً حرةً تدرس فيها العلوم العقلية والمدنية بجانب العلوم الدينية, وإن كانت الصبغة الدينية لا تزال هي الغالبة.

стр. 38

وفي كتاب "التعليم العام في مصر" ما يفيد أن العلوم التي كانت تدرس غالبًا في الأزهر حتى منتصف القرن التاسع الهجريّ "الخامس عشر الميلاديّ" هي الآداب والفقه والتوحيد, وكانت تدرس بصفة استثنائية علوم الفلك والعوم الرياضية والطبيعة والتجريبية إجمالًا. ولقد أخذ القول بحرمة بعض العلوم العقلية يقرب شيئًا فشيئًا إلى الأزهر, كغيره من الجوامع الإسلامية, فتلقص ظل هذه العلوم, وأصبح الأزهريون ينظرون إلى العلوم الرياضية والجغرافية والفلسفية نظر السخط والبغضاء, حتى قال المرحوم مبارك "وينهى أهل الأزهر من يقرأ كتب الفلسفة, ويشنّون عليه الغارة, وربما نسبوه إلى الكفر" فعلوا ذلك مع جميع من اشتهر عنهم الاشتغال بهذه العلوم, وخاصَّةً مع السيد جمال الدين الأفغاني. ثم رأى ولاة الأمور أن يعيدوا إلى الأزهر دراسة هذه العلوم تدريجيًّا, فاستأنسوا برأي فريق من علمائه, فصدرت الفتاوى التي تبيح أن يدرس في الأزهر علوم الرياضة والجغرافية والطب, وأباحت أيضًا دراسة الطبيعيات, على شرط أن يكون البحث "على طريق أهل الشرع" أما إن كان على طريقة الفلاسفة, فالاشتغال بها حرام؛ لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع, كما أفاد ابن حجر, نعم يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة للأمن عليه مما ذكر -وقد جوّز بعضهم تعليمه مطلقًا, كما حرمه بعضهم مطلقًا- وأما علم الكيمياء, فقد أباحت الفتوى دراسته بدون تعرضٍ لما يخشى منه على العقيدة الإسلامية١. وفي عهد الخديوي عباس الثاني, صدر الأمر المؤرخ في ٢٠ من المحرم سنة ١٣١٤هـ بتدريس بعض هذه العلوم في الأزهر, فأصبحت العلوم التي تدرس فيه شاملةً للعلوم الدينية, وبعض العلوم الدنيوية, وغيرها من العلوم الجليلة

стр. 39

الشأن؛ كتاريخ الإسلام, وصناعة الإنشاء كتابة وقولًا, واللغة متنًا وأدبًا, ومبادئ الهندسة, وتقويم البلدان. وقد رأى أولو الغيرة على الأزهر, وفي طليعتهم المرحوم الشيخ محمد عبده, أن يشجعوا الطلاب على تنشيط هذه العلوم, والتبريز فيها, فخصصوا مبلغ ستمائة جنيه سنويًّا, تعطي مكافأةً للنابغين في هذه العلوم الحديثة, فكانت هذه الرعاية البالغة يدًا تنهض بها هذه العلوم, ولفتةً كريمةً شجعت على المضيّ في هذه الطريق. هذا وقد جد إصلاحان كريمان, يرمي كل منهما إلى توسيع مواد الدراسة بالأزهر؛ كي تكون شاملةً لكل ما يدرس بالمعاهد المصرية الأخرى, مما يعين على رسالة الأزهر, وإلى جعل العلوم الحديثة إجباريةً بعد أن كانت اختيارية, أولهما: الإصلاح الذي صحب عهد المرحوم الشيخ سليم البشري, ويرجع الفضل فيه إلى طائفة من كبار علماء الأزهر, وخاصةً المرحوم الشيخ محمد شاكر. ومما يجدر ذكره, أن الأزهر أخذ بحظٍّ وافر منذ إنشاء الكليات الأزهرية؛ من تعليم اللغات الأجنبية في كلية أصول الدين, واختياريًّا في غيرها١. كما فرض تعليم اللغات الشرقية؛ كالسريانية والعبرية في بعض أقسام التخصص, وأن تعليم اللغات الأجنبية في الأزهر وسيلةٌ جليلةٌ تهيء الاطلاع على الثقافات المختلفة, وتعين على نشر تعاليم الإسلام في كل بلد بلسانه. ولا ينبغي أن نغفل عن تعلُّم علم النفس, وفن التربية العملية والعلمية, اللذين هيآ للخريجين من كليات الأزهر أن يعترف بأهليتهم للتدريس بمدارس الحكومة المصرية, وقد تمّ منذ سنين تعيين فريق منهم مدرسين للغة العربية في هذه المدارس.

стр. 40

الكتب التي كانت تدرس بالأزهر: نستطيع أن نقول بوجهٍ عامٍّ, إن جلَّ الكتب القيمة التي عاصرت الأزهر كانت تدرس به, وخصوصًا الكتب المذهبية التي تلائم الروح الذي حرص الخلفاء المذهبيون على تنميته. وأول كتاب درس في الأزهر هو كتاب "الاقتصار" أو "الإقصار" الذي وضعه أبو حنيفة النعمان بن محمد القيروانيّ, قاضي المعز لدين الله في فقه آل البيت, وكان يتولى قراءته وتدريسه بالأزهر ولده: "أبو الحسين عليّ بن النعمان" واستمرت قراءته مدى حين, على يد بني النعمان, المتعاقدين على قضاء مصر حتى نهاية القرن الرابع. وكان -للنعمان القيروانيّ- كتب أخرى في فقه الشيعة, وهي كتاب "دعائم الإسلام" الذي عُنِيَ بتدريسه بالأزهر عنايةً خاصةً, وكتاب "اختلاف أصول المذاهب" وكتاب "الأخبار" وكتاب "اختلاف الفقهاء" يرجح ابن خلكان أنها كانت تدرس بالأزهر إلى جانب كتاب "الإقصار" حتى أواخر القرن الرابع. ثم قرئ بالأزهر كتابٌ ألفه الوزير -ابن كلس- في الفقه الشيعيّ على مذهب الاسماعيلية, وهو المعروف بالرسالة الوزيرية, وكان يقرأ ذلك بنفسه, ويفتي الناس بما فيه -كما قلنا. وقد شدّدَ في مراعاة المذهب الشيعيِّ بصفة رسمية فيما يدرس من الكتب أول الأمر, حتى أنه في سنة "٣٨١هـ" في عهد العزيز بالله, قبض على رجلٍ وجد عنده كتاب "الموطأ" للإمام مالك, وطيف به, وجلد لإحرازه١. ولما فتر الاشتغال بالعلوم الإسلامية, وكان العلماء المتقدمون قد استوفوا
следующие страницы →