يبدأ الشيخ في درسه حتى يتمه, فإذا ملَّ الطالب انصرف في هدوء, أو ظلَّ مكانه حتى ينتهي الشيخ فينصرف مع زملائه, أما اليوم, فللدروس مواقيت معروفة, تبدأ وتنتهي في حدودها.
ولم يكن حاضر الأزهر متصلًا بماضيه, فيما يتعلق بالأهلية للتدريس, والتصدر له, فلا يكفل التدريس "أجازة" من شيخ, بل امتحان دقيق, وقانون يخصص اتجاه كل متخرج, ووضعه في الحياة.
وقد سلب الطلاب حريتهم في التخلف, وأصبحوا خاضعين لنسبة معينة من الحضور, من نقص عنها حرم دخول الامتحان عقوبةً له.
стр. 37
مواد الدراسة في الأزهر:
كانت العلوم الدينية في مقدمة العلوم التي تدرس بالأزهر, وهي: علوم القرآن, والحديث, والكلام, والأصول, والفقه على مختلف المذاهب.
وأوّل ما درس بالأزهر من مذاهب أهل السنة, المذهب الشيعيّ، وقد بقي هذا المذهب منتصرًا في مصر قضاءً, وفي الأزهر دراسةً, حتى انقرضت دولة الفاطميين سنة ٥٦٧هـ, فعادت لمصر دراسة المذاهب الأربعة.
وكان في مقدمة العلوم التي تدرس بالأزهر أيضًا, علوم اللغة؛ من نحو, وصرف, وعلوم البلاغة, والأدب, والتاريخ.
ولما خفت الحدة المذهبية, أخذ الأزهر بنصيب وافر من العلوم المدنية, إلى جانب العلوم الدينية، وكانت الفلسفة, والطب, والمنطق, والرياضة, تدرس بالأزهر, إلّا أنها في نطاقٍ ضيقٍ, ولفريق خاصٍّ من طلابه.
وبعد ذهاب الدولة الفاطمية في أواخر القرن السادس, وفي مستهلِّ الدولة الأيوبية, أصبح الأزهر مدرسةً حرةً تدرس فيها العلوم العقلية والمدنية بجانب العلوم الدينية, وإن كانت الصبغة الدينية لا تزال هي الغالبة.
стр. 38
وفي كتاب "التعليم العام في مصر" ما يفيد أن العلوم التي كانت تدرس غالبًا في الأزهر حتى منتصف القرن التاسع الهجريّ "الخامس عشر الميلاديّ" هي الآداب والفقه والتوحيد, وكانت تدرس بصفة استثنائية علوم الفلك والعوم الرياضية والطبيعة والتجريبية إجمالًا.
ولقد أخذ القول بحرمة بعض العلوم العقلية يقرب شيئًا فشيئًا إلى الأزهر, كغيره من الجوامع الإسلامية, فتلقص ظل هذه العلوم, وأصبح الأزهريون ينظرون إلى العلوم الرياضية والجغرافية والفلسفية نظر السخط والبغضاء, حتى قال المرحوم مبارك "وينهى أهل الأزهر من يقرأ كتب الفلسفة, ويشنّون عليه الغارة, وربما نسبوه إلى الكفر" فعلوا ذلك مع جميع من اشتهر عنهم الاشتغال بهذه العلوم, وخاصَّةً مع السيد جمال الدين الأفغاني.
ثم رأى ولاة الأمور أن يعيدوا إلى الأزهر دراسة هذه العلوم تدريجيًّا, فاستأنسوا برأي فريق من علمائه, فصدرت الفتاوى التي تبيح أن يدرس في الأزهر علوم الرياضة والجغرافية والطب, وأباحت أيضًا دراسة الطبيعيات, على شرط أن يكون البحث "على طريق أهل الشرع" أما إن كان على طريقة الفلاسفة, فالاشتغال بها حرام؛ لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع, كما أفاد ابن حجر, نعم يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة للأمن عليه مما ذكر -وقد جوّز بعضهم تعليمه مطلقًا, كما حرمه بعضهم مطلقًا- وأما علم الكيمياء, فقد أباحت الفتوى دراسته بدون تعرضٍ لما يخشى منه على العقيدة الإسلامية١.
وفي عهد الخديوي عباس الثاني, صدر الأمر المؤرخ في ٢٠ من المحرم سنة ١٣١٤هـ بتدريس بعض هذه العلوم في الأزهر, فأصبحت العلوم التي تدرس فيه شاملةً للعلوم الدينية, وبعض العلوم الدنيوية, وغيرها من العلوم الجليلة
стр. 39
الشأن؛ كتاريخ الإسلام, وصناعة الإنشاء كتابة وقولًا, واللغة متنًا وأدبًا, ومبادئ الهندسة, وتقويم البلدان.
وقد رأى أولو الغيرة على الأزهر, وفي طليعتهم المرحوم الشيخ محمد عبده, أن يشجعوا الطلاب على تنشيط هذه العلوم, والتبريز فيها, فخصصوا مبلغ ستمائة جنيه سنويًّا, تعطي مكافأةً للنابغين في هذه العلوم الحديثة, فكانت هذه الرعاية البالغة يدًا تنهض بها هذه العلوم, ولفتةً كريمةً شجعت على المضيّ في هذه الطريق.
هذا وقد جد إصلاحان كريمان, يرمي كل منهما إلى توسيع مواد الدراسة بالأزهر؛ كي تكون شاملةً لكل ما يدرس بالمعاهد المصرية الأخرى, مما يعين على رسالة الأزهر, وإلى جعل العلوم الحديثة إجباريةً بعد أن كانت اختيارية, أولهما: الإصلاح الذي صحب عهد المرحوم الشيخ سليم البشري, ويرجع الفضل فيه إلى طائفة من كبار علماء الأزهر, وخاصةً المرحوم الشيخ محمد شاكر.
ومما يجدر ذكره, أن الأزهر أخذ بحظٍّ وافر منذ إنشاء الكليات الأزهرية؛ من تعليم اللغات الأجنبية في كلية أصول الدين, واختياريًّا في غيرها١.
كما فرض تعليم اللغات الشرقية؛ كالسريانية والعبرية في بعض أقسام التخصص, وأن تعليم اللغات الأجنبية في الأزهر وسيلةٌ جليلةٌ تهيء الاطلاع على الثقافات المختلفة, وتعين على نشر تعاليم الإسلام في كل بلد بلسانه.
ولا ينبغي أن نغفل عن تعلُّم علم النفس, وفن التربية العملية والعلمية, اللذين هيآ للخريجين من كليات الأزهر أن يعترف بأهليتهم للتدريس بمدارس الحكومة المصرية, وقد تمّ منذ سنين تعيين فريق منهم مدرسين للغة العربية في هذه المدارس.
стр. 40
الكتب التي كانت تدرس بالأزهر:
نستطيع أن نقول بوجهٍ عامٍّ, إن جلَّ الكتب القيمة التي عاصرت الأزهر كانت تدرس به, وخصوصًا الكتب المذهبية التي تلائم الروح الذي حرص الخلفاء المذهبيون على تنميته.
وأول كتاب درس في الأزهر هو كتاب "الاقتصار" أو "الإقصار" الذي وضعه أبو حنيفة النعمان بن محمد القيروانيّ, قاضي المعز لدين الله في فقه آل البيت, وكان يتولى قراءته وتدريسه بالأزهر ولده: "أبو الحسين عليّ بن النعمان" واستمرت قراءته مدى حين, على يد بني النعمان, المتعاقدين على قضاء مصر حتى نهاية القرن الرابع.
وكان -للنعمان القيروانيّ- كتب أخرى في فقه الشيعة, وهي كتاب "دعائم الإسلام" الذي عُنِيَ بتدريسه بالأزهر عنايةً خاصةً, وكتاب "اختلاف أصول المذاهب" وكتاب "الأخبار" وكتاب "اختلاف الفقهاء" يرجح ابن خلكان أنها كانت تدرس بالأزهر إلى جانب كتاب "الإقصار" حتى أواخر القرن الرابع.
ثم قرئ بالأزهر كتابٌ ألفه الوزير -ابن كلس- في الفقه الشيعيّ على مذهب الاسماعيلية, وهو المعروف بالرسالة الوزيرية, وكان يقرأ ذلك بنفسه, ويفتي الناس بما فيه -كما قلنا.
وقد شدّدَ في مراعاة المذهب الشيعيِّ بصفة رسمية فيما يدرس من الكتب أول الأمر, حتى أنه في سنة "٣٨١هـ" في عهد العزيز بالله, قبض على رجلٍ وجد عنده كتاب "الموطأ" للإمام مالك, وطيف به, وجلد لإحرازه١.
ولما فتر الاشتغال بالعلوم الإسلامية, وكان العلماء المتقدمون قد استوفوا
стр. 41
الكلام عليها بمؤلفاتهم الكثيرة, لم يجد المتأخرون من مبدأ القرن الثامن الهجريّ ما يظهرون به فضلهم إلا أن يلجأوا إلى ما بين أيديهم من الكتب فيختصروها منظومةً مرةً, ومنثورةً مرةً أخرى, وقد كانت موجزة اللفظ, بالغة التعقيد, ثم أخذوا يضعون لها الشروح والتفسير, ثم تلتهم طبقات الحواشي والتقريرات التي أغفلت اللباب وعُنِيَتْ بالقشور, وللأعاجم في هذه السبيل نصيب وافر من إيثارهم للاستطراد والتعقيد والاستغلاق, مما أضعف الملكات, وصرف الأذهان عن لُبِّ العربية وسر البلاغة.
في أوائل القرن الرابع عشر الهجريّ, حين رأى أهل الرأي هذا الخطر المتافقم, قرروا حظر قراءة الحواشي والتقريرات في الأزهر, وجعلها مقصورةً على المتون مع الشروح الواضحة في أسلوبها.
وقد كان في ميزانية الأزهر والمعاهد الدينية منذ عهد المصلح الخطير المرحوم الشيخ: محمد عبده, إلى زمن قريبٍ اعتمادٌ بخمسمائة جنيه, داخلة في فصل المصروفات المتنوعة, خصصت لتكون مكافآت تنهض همم مؤلفي الكتب التي يستوثق مجلس الأزهر العليّ من نفعها في التدريس, وهذا المبلغ الذي حُبِسَ لهذا الغرض, كان يمكن أن يذكي القرائح ويوفظ العزائم, ويعين على إيجاد نهضةٍ مثمرةٍ في تأليف الكتب العلمية, ولكن مما يؤسف له أن ظلَّ هذا المال يدرج في الميزانية كل عام دون أن يستغلَّ في هذه الغاية الجليلة, حتى تنبهت الحكومة إلى تعطيله, فأسقطته في ميزانية "١٩٢٣-١٩٢٤م" ولم تتضمنه الميزانية بعد ذلك, على رغم أنه منصوصٌ عليه في قانون الأزهر رقم ١٠ لسنة ١٩١١م.
ولا ريب في أن الكتب الأزهرية ثروةٌ علميّةٌ قيمةٌ، ولو أنها لقيت من حضرات المدرسين ما هي جديرة به من ضرورة التنقيح والتهذيب والإفصاح والإيضاح لتضاعفت ثمراتها, وأثمرت فائدتها.
وأهم وجوه الإصلاح التي تتطلبها هذه الكتب أن توضع لها الفهارس
стр. 42
التفصيلية؛ لتوفر على طلابها وقتهم وجهدهم, وتقرب لهم الفائدة في أقرب وقت مستطاع, ثم ضبط ألفاظها, وشرح كلماتها اللغوية؛ لتستغنيَ بأنفسها عن غيرها, ثم التعريف بما فيها من أعلام, والتقديم لها بذكر تاريخ مؤلفيها, والعصر الذي أُلِّفَت فيه.
وكان علماء الأزهر أولى بهذا العمل الجليل أن ينصرفوا إليه, وأقدر على هذه الرسالة أن يضطلعوا بها, بما استمكنوا فيه من المادة, واقتدروا عليه من معالجة البحث, ومرنوا على مزاولته من أساليبها, وتفهم أغراضها، فعسى أن تصحَّ العزائم, وأن تهيأ لبعض الأفذاذ من الأساتذة فرصةً من الزمن, وفسحةً من البحث والتشجيع, إذن لظهرت هذه الثروة العلمية نقيةٌ ناصعةٌ, وكان فيها للباحثين والطلاب أطيب الثمرات.
العصر الحديث:
يبتدئ هذا العصر من تاريخ دخول الفرنسيين مصر, بقيادة نابليون بونابرت في سنة "١٢١٣هـ ١٧٩٨م" وقد كان الفرنسيون بغزوهم مصر أول من هدى المصريين إلى العلم الحديث الذي بهرهم نوره, وراعهم غريبه, وأوّل من لفت أنظارهم إلى نوع جديد من العلم, لم يألفوه من قبل, ولم يكونوا على عهد به, فالحملة الفرنسية بهذه المثابة حدث جديد, وتطور خطير, يصح اعتباره فاتحة عصر جديد.
قضى الفرنسيون بمصر ثلاث سنين من سنة "١٢١٣هـ ١٧٩٨م" إلى سنة "١٢١٦هـ ١٨٠١م" وقد لبثوا هذه المدة في قلقٍ واضطراب, لم يهدأ لهم خاطر, ولم يطمئن لهم بالٌ, يجاهدون المصريين والعثمانيين وهم يجاهدونهم, فلم تتهيأ لهم الفرصة التي تمكنهم من تنفيذ خطتهم, ونشر ثقافتهم, إلّا أنهم على رغم قصر المدة, وانتشار الفتنة, خَلَّفُوا بمصر آثارًا أدبيةً, واتجهوا بها اتجاهًا ثقافيًّا, كان على قصره مطلع حياةٍ جديدةٍ, ونواةً لنهضةٍ تولاها عاهل مصر بالسقي والرعاية من بعدهم.
стр. 43
الحملة الفرنسية على مصر وأثرها الفكري
مدخل
...
الحملة الفرنسية على مصر, وأثرها الفكريّ:
لما قدم نابليون إلى مصر استقدم معه طائفةً من العلماء المبرزين في شتى العلوم والفنون, وجمهرةً من الصناع البارعين؛ كي يحقق هؤلاء تاريخ مصر, ويدرسوا شتى حيواتها وتقاليدها وعاداتها ونيلها وتربتها, ويكشفوا عن آثار هذا القطر ومخلَّفَاته؛ ليهيئوا للحياة الجديدة ما تتطلبه من وسائل, وما تستلزمه الإقامة بمصر من مشروعات, وليسجلوا ما وصلت إليه نتائجهم في هذه البحوث؛ لتكون مادةً لمؤلفهم العظيم الذي كانوا ينوون أن يضعوه بعد خروج الحملة, وهو كتاب "وصف مصر"
وقد اتخذ الفرنسيون من دور المماليك الواقعة بالدرب الجديد في "الناصرية" مقرًّا لمرافقهم, وأقاموا بها مكتبةً ضخمةً تضم أسفارًا يطل عليها الفرنسيون وغيرهم من المصريين, وإذا دخلها أحد من الوطنيين رحبوا به, وأطلعوه على ما أراد من الكتب التي تدهش الأغرار, بما فيها من الرسوم البديعة, وفي جملتها رسمٌ للنبيّ ﷺ , ورسوم أخرى للخلفاء الراشدين, وغيرهم من الأئمة والأماكن المهمة، وكان في مكتبتهم هذه كتب عربية كثيرة.
ويقول الجبرتي: "ومن جملة ما رأيته في ذلك, كتابٌ يشتمل على سيرة النبيّ ﷺ , وقد صوروا به صورته الشريفة على قدر علمهم وأخبارهم, ورأيت عندهم كتاب "الشفاء" للقاضي عياض, ويعبرون عنه بقولهم: "شفاء شريف" والبردة للبوصيري, ويحفظون جملةً من أبياتها, وترجموها بلغتهم١.
ثم أقاموا المجمع العلميّ المصريّ في غضون السنة التي تمَّ لهم فيها فتح مصر, وكان مُؤَلَّفًا من ثمانية وأربعين عضوًا أخصى٢ فريق منهم في الرياضيات، وفريق آخر في الطبيعيات، وثالث في الاقتصاد السياسيّ،
стр. 44
ورابع في الآداب, وقد عُهِدَ برئاسته للعالم الكبير "المسيو منج" وبوكالته إلى بونابرت نفسه.
وقد أغلق هذا المجمع بجلاء الفرنسيين عن مصر, وفي سنة "١٨٥٩م" بعث هذا المجمع في "الإسكندرية" على يد جمهرةٍ من العلماء, ثم انتقل إلى "القاهرة" وهو بحيّ "المنيرة" بإزاء مدرسة التجارة العليا "سابقًا".
وقد كان هذا المجمع جادًّا في بحثه, مثابرًا في عمله, يصدر في كل ثلاثة أشهر نشرةً يشرح فيها ما انتهى إليه من بحثٍ, ثم نشرت صفوة هذه البحوث في أربعة مجلدات, كما نشروا في وصف مصر كتابًا جليل القيمة, وقع في مجلدات كثيرة١.
وقد دعاء الفرنسيون أثناء إقامتهم بمصر طائفة من علمائها وكبارها لمشاهدة علمهم الحديث, وما يجري في معهدهم مما هو غريب عن عيون المصريين, فكانت تملكهم الدهشة والعجب، ولا سيما حين رأوا التفاعل الكيمائيّ, وما يصنعونه من تجارب ظنها المصريون من ضروب السحر, وكان الشيخ "عبد الرحمن الجبرتي" بين من دعوا لمشاهدة هذه التجارب, فوصفها وعبَّر عن دهشته لها٢.
стр. 45
وكان من آثار الحملة الفرنسية أن أنشأوا في "القاهرة" مدرستين لتعليم أبناء الفرنسيين المولودين بمصر, كما أنشأوا جريدتين هما: "دكاراجبسيان - وكوريه ديجيبتن" وأنشأوا مسرحًا للتمثيل، عدا ما أقامو من المصانع والمعامل للورق والنسيج والتصعيد والتقطير, وما بنوه من أماكن للمراصد الفلكية والرياضيات والنقش والرسم والتصوير.
وقد أنشأوا للقضاء بين المسلمين ديوانًا دونوا كل ما يقع كل يوم فيه.
стр. 46
حجر رشيد:
ومما يُذْكَرُ للفرنسيين أن هداهم البحث والتنقيب إلى إماطة اللثام عن حجر رشيد, المنقوش عليه باللغات الهيروغليفية, والديموتيكية, واليونانية, وكان ذلك أول فاتحةٍ لحلِّ طلاسم الحروف الهيروغليفية, والوقوف على مكنونات أسرار الديار المصرية١.
اهتدى إليه في بحثه شامبليون, فأزال عن وجه مصر القناع, وأنطق صم آثارها القديمة حتى ملأت الأسماع, وبدت لنا مصر العتيقة بهمته على ما كانت عليه في سالف الأزمان من الحكمة البالغة وعظيم الشأن، وصارت الآثار المصرية القديمة الآن لا تظهر لعين الرائي مجرد أطلالٍ يتعلق بها مجرد الشوق لرؤيتها, والشوق لظاهر هيئتها, بل تحقق أنها إنما هي صحف القوم السالفين, منقوشة في صلب الأحجار, وأساطير الأولين محفوظة في عين الآثار, نقرأ فيها قراءة نعرفها, ونطالع فيها وقائع تاريخية كانت هذه الجمادات الناطقة من معاصريها, بحيث لا ريب ولا شبهة فيها٢.
стр. 47
صلة الأزهر بالحملة الفرنسية:
قدم نابليون إلى مصر, واستصحب معه طائفةً من العلماء نشروا معارفهم على الناس, وبثُّوا من ثقافتهم ما لم يعهدوه من قبل، وكان الأزهريون أكثر من غيرهم إفادةً من هذه العلوم, وأوثق من سواهم اتصالًا بالفرنسيينن, وذلك مما مهد لهم أن يطلعوا على معارفهم, ويكشفوا أسرارها, ويكتنفوا دقائقها.
ويتضح هذا الاتصال أكثر ما يتضح في طائفةٍ عرفت بالميل إلى الحياة الاجتماعية, ومسايرة العصر في تطوره ونهضه، وذلك كالشيخ: عبد الرحمن الجبرتي, مؤرخ العصر, والشيخ: حسن العطار, الشاعر الكاتب.
أما الجبرتي: فقد طاف بحجرات المجمع العلمي الذي أنشأه الفرنسيون, ومَرَّ بأروقته, وسجَّل ما رآه من علماء الفلك والطب والكيمياء, وما شاهده من عِدَدٍ وآلاتٍ وتصويرٍ, وما أُجْرِيَ أمامه من تفاعل وظواهر وتجارب.
وقد كان حين قدم الفرنسيون ناضج العقل, قوى الشخصية, ملمًّا بجانبٍ من أصول الرياضة والفلك، واختاره الفرنسيون عضوًا في الديوان الذي أنشأوه لمعاونتهم في حكم مصر, فكثر اتصاله بهم, واستمع لحديثهم, ووقف على كثير من أفكارهم وآرائهم وثقافاتهم, وتردد على أماكنهم, وزار معاملهم، ثم عاد فعبر عمَّا رأى, وصوَّر ما شاهد, وحدَّث عما طالعه من حضارة الفرنسيين ومدنيتهم, ومن تقاليدهم وعاداتهم، وكان حديثه التاريخيّ عن هؤلاء مرجعًا تعرف به أحوالهم في الفترة التي قضوها بمصر.
стр. 48
هذا إلى أن صلته بالفرنسيين, ومخالطته لهم, هذَّب تفكره, وصقلت قلمه, ونضجت آثارهم في كتابته التاريخية دقةً في التحرير, وإفاضةً في التصوير, واستيعابًا في سرد الحوادث, ونقدًا لكل ما يتصل بالأحداث والرجال.
وأما الشيخ حسن العطار, فيحدث عنه علي مبارك فيقول:
"جدَّ الشيخ في التحصيل حتى بلغ من العلوم في زمنٍ قليلٍ مبلغًا تميز به, واستحق التصدي للتدريس, لكنه مال إلى الاستكمال والاشتغال بغرائب الفنون, والتقاط فوائدها".
وغرائب الفنون هذه, هي: الطب, والرياضة, والفلك, وقد وضع فيها عدَّةَ رسائل, وتمّ عنها في غير موطن شعره، ولما جاء الفرنسيون إلى مصر اتصل بهم, فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم, ويفيدهم اللغة العربية, ويقول: "إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها, ويتجدد ما بها من المعارف مما ليس فيها, ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم, وكثرة كتبهم وتحريرها, وتقريبها لطرق الاستفادة"١.
فالشيخ حسن العطار كان مستعدًّا بفطرته ورغبته في الاستكمال والاشتغال, وغرائب الفنون إلى الاتصال بالفرنسيين؛ ليقف على حضارتهم, وعلومهم الحديثة, وثقافتهم الغربية, وهو علَّمَ الفرنسيين لغة العرب, وتعلَّم منهم لغتهم, وفي ذلك من تبادل الثقافة شيءٌ كثير؛ إذ أنه ينقل بالاتصال بهم وتعلم لغتهم طرفًا من علومهم ومعارفلهم, ويقف بالتفاهم معهم على جوانب من أخلاقهم ومعيشتهم وعاداتهم، وهم يعرفون بالتفاهم معه طرفًا من علم المصريين وأخلاقهم وعاداتهم ومعيشتهم ومعاملاتهم.
ولابد أن يكون الشيخ حسن العطار بعد ذلك صلةً بين الفرنسيين, عن طريق ما ينقله من علومهم وثقافاتهم؛ إذ أنه لولوعه بهذه العلوم سيتحدث بها
стр. 49
ويغري غيره بتتبعها, ويتحقق به وبغيره من الأزهريين الذين كان لم مثل هذا الاتصال التأثر بالفرنسيين في ثقافاتهم وحضارتهم, قبل أن يتاثر بذلك غيرهم من الناس.
ويقول الأستاذ "أغناطيوس كراتشفويفسكي" الأستاذ بجامعة لننجراد:
"إن العرب لم يتأثروا بالتيارات الفكرية في أوربة, إلّا بعد الحملة الفرنسية "١٧٩٨-١٨٠١م" فإذا أردنا أن نبين مظاهر الثقافة الأوروبية التي تركت أثرًا أعمق من غيرها في التفكير العربيّ, ألفيناها في الوصف الذي أورده الجبرتي لأول مطبعة حروف, ورأيناه في أول مكتبةٍ نظمت على النمط الأوروبيّ في دار الشيخ حسن العطار, الذي أصبح فيما بعد شيخًا للأزهر, وأن في هذين المثلين فكرةً عن بعض العوامل التي قامت بدور هامٍّ في تكوين الأدب الحديث١".
وهذه هو المرحوم السيد اسماعيل الخشاب الشاعر, المتوفى سنة "١٢٣٠هـ" يُعَيِّنُه الفرنسيون كاتبًا لسلسلة التاريخ التي تسجل حوادث الديوان الذي أنشأوه, ويعهدن إليه في مشروع إنشاء صحيفة عربية يشرف على تحريرها, لولا أن القدرلم يرد صدورها؛ إذ بقي مرسومها معطَّلًا، ويمتزج غاية الامتزاج, ويصادق أبلغ الصداقة شابًّا فرنسيًّا من رؤساء كتابهم, كان جميل الصورة, لطيف الطبع, عالمًا ببعض العلوم العربية, مائلًا إلى اكتساب النكات الأدبية, فصيح اللسان بالعربيّ, يحفظ كثيرًا من الشعر، فلتلك المجانسة مال كلٌّ منهما للآخر, ووقع بينهما توادٌّ وتآلفٌ, حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة الآخر, فكان المترجم "الخشاب" تارةً يذهب لداره, وتارةً يزوره هو، ويقع بينهما
стр. 50
من لطف المحاورة ما يعجب منه, وعند ذلك قال المترجمُ الشعرَ الرائقَ, ونظمَ الغزلَ الفائقَ١.
فهذه الصلة بين الخشاب والفرنسيين, وبينه وبين صديقه الفرنسيّ بوجهٍ خاصٍّ, من شأنها أن تؤثر في ثقافة الخشاب, وأن تقفه على كثير من أحوال الفرنسيين, وأن يتأثر بما هم عليه, مما هو غريب عن ثقافته وتفكيره.
كان هذا الاتصال الوثيق بين الفرنسين وهؤلاء الأزهريين عاملًا قويًّا ذا أثر بليغ في الوقوف على حضارة الفرنسيين وعلومهم، ونستطيع أن نقول: إن هؤلاء العلماء كانوا معبرًا بين الثقافة الغربية والثقافة العربية المصرية, وإن أفكارهم كانت أنضج الأفكار المصرية الصالحة للتأثر بالفرنسيين في ذلك الزمان.
стр. 51
نابليون وعلماء الأزهر:
أدرك نابليون ما لعلماء الأزهر من نفوذٍ في الشعب, ومكانةٍ في الأمة, واستشعر أنه لكي يسوس هؤلاء الناس -أي: المصريين- لابد من وسطاء يسعون بيننا وبينهم, وكان لابد له أن يقيم منهم زعماء يوجهون الأمة برأيهم, وفضَّلهم على غيرهم؛ لأنهم أولًا: كانوا كذلك -أي: رؤساء بطبيعتهم- وثانيًا: لأنهم كانوا مفسري القرآن, ومعروف أن أكبر العقبات تنشأ عن أفكار دينية, وثالثًا: لأن للعلماء خلقًا لينًا؛ ولأنهم دون نزاعٍ أكثر أهل البلاد فضيلةً.
قدَّر نابليون الزعامة الروحية لعلماء الأزهر, واتخذ منهم سبيلًا للتفاهم مع الشعب, وألَّفَ منهم الديوان للفصل في القضايا١.
стр. 52
تأليف الديوان:
كان ذلك يوم الخميس ١٣ من صفر, سنة ١٢١٣هـ, وقد وقع الاتفاق على انتخاب الشيخ: عبد الله الشرقاوي, والشيخ: خليل البكري, والشيخ: مصطفى الصاوي, والشيخ: سليمان الفيومي, والشيخ: محمد المهدي, والشيخ: موسى السرسي, والشيخ: مصطفى الدمنهوري, والشيخ: أحمد العريشي, والشيخ: يوسف الشبراخيتي, والشيخ: محمد الدواخلي, ثم انتخب الشيخ: عبد الله الشرقاوي رئيسًا له١.
ثم إن هذا الديوان قد عُطِّلَ في أثناء المفاوضات التي كانت قائمةً بين الفرنسيين والأتراك؛ لعقد معاهدة العريش, فقد كان الفرنسيون يعتزمون الرحيل إذا نفذت المعاهدة, ولكنها نقضت, ولم يفكر "كليبر" في إعادة الديوان, فلما قُتِلَ, وآلت القيادة إلى "مينو" أعاد الديوان في صورة أخرى, وعلى ترتيبٍ جديد؛ إذ أصبح مكونًا من تسعة أعضاء, وهم: الشيخ: عبد الله الشرقاوي, رئيس الديوان, والمهدي كاتب السر, والشيخ: الأمير, والشيخ: الصاوي, وكاتبه, والشيخ: موسى السرسي, والشيخ: خليل البكري, والسيد: علي الرشيدي, نسيب ساري عسكر, والشيخ: الفيومي, والقاضي الشيخ: اسماعيل الزرقان, وكاتب سلسلة التاريخ, السيد: اسماعيل الخشاب, والشيخ: علي كاتب غربي إلخ٢.
ثم أجريت القرعة, فكان الشيخ الشرقاوي رئيسًا, والشيخ المهدي كاتبًا للسرِّ، وكان بجانب الديوان الأول ديوانٌ آخر سُمِّيَ محكمة القضايا؛ للنظر في قضايا التجار والعامة.
وقد أشار الشيخ عبد الرحمن الجبرتي إلى نفسه بين أعضاء الديوان المؤلَّف في عهد مينو بقوله: "وكاتبه" ولكن بعض المؤرخين زعم أنه يقصد: وكاتب الشيخ مصطفى الصاوي, بعد ذكره, غير أن مما يؤيد اختياره عضوًا بهذا الديوان ما نشرته جريدة الفرنسيين التي كانت تصدر بمصر وقت وجودهم بمصر, فقد نشرت في العدد "٩١" الصادر في ٥ من ديسمبر سنة "١٨٠٠م" من "الكوريه دليجيبت" رسالةً وديةً أرسلها أعضاء الديوان إذ ذاك إلى نابليون, وبأسفلها توقيعات أعضاء الديوان جميعًا, والجبرتي بينهم.
стр. 53
وكثيرًا ما كان الفرنسيون يذيعون كلما اقتضى الحال باسم العلماء نداءًا ومنشوراتٍ لتهدأ بها العواصف وتسكن الفتن، ومن ذلك ما كُتِبَ في شهر جمادى الآخر سنة ١٢١٣هـ, ووزع في مختلف الأمكنة "نصيحةً من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة, نعوذ بالله من الفتن, ما ظهر منها وما بطن, عليكم ألّا تحركوا الفتن، ولا تطيعوا المفسدين, ولا تسمعوا كلام المنافقين، ولا تتبعوا الشرار, ولا تكونوا من الخاسرين, سفهاء العقول الذين لا يقرؤون العواقب؛ لأجل أن تحفظوا أوطانكم, وتطمئنوا على عيالكم ودنياكم، فإن الله يولى ملكه من يشاء, ويحكم ما يريد، ونخبركم أن كل من تسبب في تحريك هذه الفتنة قتلوا عن آخرهم, وأراح الله منهم العباد والبلاد، ونصيحتنا لكم: ألا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة, واشغلوا بأسباب معايشكم وأمور دينكم، وادفعوا الخراج الذي عليكم، والدين النصيحة, والسلام"١.
وكثير من أمثال هذه النداءات كان الفرنسيون يذيعونها باسم علماء الأزهر, كما كانوا يذيعون ما يتخذ في الديوان من قراراتٍ يراها أعضاؤه, فتكون سببًا في إسكان الفتن والقلاقل.
стр. 54
محمد علي باشا:
منذ تهيأ لمحمد علي الحكم "سنة ١٢٢٠هـ - ١٨٠٥م" وهو ساهر على رعاية العلوم والآداب والفنون, موصول الجهد لتحرير البلاد من الجمود الذي خلَّفه المماليك, والفساد الذي استشرى في شتيت الشئون, توجهت همته اليقظة, وعزمه الجبار, إلى نهضة جديدة؛ فبعث البعوث إلى بلاد الغرب؛ لتقتبس من علمه وثقافته وحضارته، وطبعت مؤلفات, وترجمت علوم, وأصبح للتعليم في مختلف مراحله ومظاهره مدارس منظمة, تتولى الحكومة فيها تعليم أبناء
стр. 55
الشعب, وتقوم بإيوائهم وكسوتهم, وتهيؤهم للمناصب الضخمة, والرتب الرفيعة؛ كي يكونوا قوَّادًا للجيل الجديد, ورعاة للناشئة المرجوّة.
استعانة محمد علي بالأزهريين:
وقد استعان محمد علي بالأزهر في نهضته, واعتمد عليه في تحقيق غايته, وبلوغ رسالته, فاستمد من الأزهر البعوث العلمية التي أرسلها إلى أوروبا، ومن الأزهر استمدت المدارس التي أنشأها لتحقيق أسباب النهضة، وأبناء الأزهر هم الذين ألَّفوا الكتب في العلوم الحديثة, ونقلوا من علوم الغرب وثقافاته ما لا عهد لنا به من قبل, فأزهرت بهم الحياة الأدبية والعلمية والاجتماعية في شتى ألوانها، وكانوا القبس الذي اشتعل منه المصباح الذي بدَّد ظلمات الجهل, وأنار سبل العلم.
خلفاء محمد علي:
انتكست الحياة العلمية والأدبية والاجتماعية بعد أن قُبِضَ المرحوم محمد علي "في سنة ١٥٦٥هـ - ١٨٤٩م" وانتهت ولاية مصر إلى حفيده المرحوم عباس الأول؛ إذ أُغْلِقَتِ المدارس العليا, ولم يبق إلّا مدرسة الحربية, ووقفت البعوث التي كانت توفد إلى الغرب, وعُطِّلَ كثير من المعامل والمصانع, وجف معين الإصلاح, وانقطعت أسباب التثمير والعمران, ونَجَمَ عن ذلك أن انحلت عزائم العلماء والأدباء, وشُلَّتْ جهودهم التي كانت تبذل في نهوض العلم والأدب.
وكان حكم "سعيد" من بعده امتدادًا لحكمه, إلّا أنه مدَّ سكة الحديد بين العاصمتين, وفي ذلك أبلغ النفع, وأذن بحفر القناة, وفي ذلك من الضُّرِّ والبلاء ما نعانيه.
стр. 56
اسماعيل:
ولكن الله أراد لمصر أن تنهض من هذه الكبوة, وأن تنقشع عنها تلك الدياجي؛ حيث أفضى حكمها إلى المرحوم "إسماعيل" ابن المرحوم "ابراهيم" في سنة "١٢٨٠هـ-١٨٦٣م" فنهج نهج جده محمد علي في الإصلاح والتثمير, وتوفير أسباب التقدم والنهوض, والعمل على إحياء العلوم والآداب ما واتته القوة وعوامل الحياة، ولقد كان كريم الرعاية للعلماء والأدباء, عظيم التقدير والإيثار لهم, وقد احتضن العلماء والأدباء الذين فروا من العسف والجور بالشام, واحتفل بهم, وأكرم لقاءهم, واستعان بهم, فأنشأوا الصحف العربية بمصر, وسار الناس من بعدهم ركضًا, ورحَّبَ بالجاليات الأوربية, فأنشأت المدارس التي أغدق عليها ما زاد عن حاجتها من المال والرعاية، ونهضت في عهده العلوم والفنون والآداب، وانبثت في بلاده وسائل الحضارة والرقيّ والعمران, حتى أصبح يفاخر ويقول: "صارت مصر قطعةً من أوربة".
ومن مفاخره وطيب آثاره, ما عهد به إلى المرحوم علي مبارك, من إنشاء مدرسة دار العلوم في سنة "١٨٢٨هـ-١٨٧١م" فقد كان لها أثر محمود في خدمة العلم والأدب, واستطاعت بتلاميذها وأساذتها النابهين الذين استقوا ثقافتهم من الأزهر أن تكون معهدًا يُخَرِّجُ فحول العلم, وفرسان البيان.
كما كان من مكرماته الباقية على وجه الزمان, تأسيسُ دار الكتب المصرية في سنة "١٢٨٩هـ-١٢٧٠م" فقد اجتمعت بها الأسفار الضخمة, وأمهات الكتب في العلوم والفنون والآداب, بعد أن كانت موزَّعةً مفرقةً, لا يتيسر الانتفاع بها, فأصبح اجتماعها في مكانٍ واحدٍ يَرُودُه العلماء والمتأدبون, ويجدون فيه آثار الثقافة التي ينشدون؛ من أهم أسباب التقدم في العلم والفن والأدب.
стр. 57
ولم يقنع اسماعيل لبث الثقافة في ربوع البلاد بإنشاء المدارس في مختلف الأرجاء, بل درج على سنة جده في إرسال البعوث من نجباء الأزهريين وغيرهم إلى بلاد الغرب؛ لنقبس من نوره وحضارته وثقافته, كما استقدم من هذه البلاد أعلام العلم والإصلاح؛ ليستعين بهم على رسالته في إنهاض مرافق الحياة جميعًا.
ومن ارتياحه للعلم والفن وتشجيعه لأهلهما, أنه استلحق بمعيته المرحوم عبده الحامولي, الموسيقيّ المغني الشهير, ووهب للمرحوم ابراهيم المويلحي بعد أن خسر ثروته في التجارة مالًا استرجعها به, ووظَّف نقولا بك توما الأديب في حكومته.
تقديره للأزهريين:
على أنه غمر الأزهر والزهريين بعطفه, وأولاهم كريم رعايته وعظيم تقديره, فقد حرَّك الهمم بالإصلاح الذي أدخله على نظم الأزهر, فنشطت الحياة به, وزادت همة المنتين إليه, وأظلَّ بظلاله الشاعرين الأزهريين؛ الشيخ: عليًّا أبا النصر, والشيخ: عليًّا الليثيّ, وأدنى منه الشاعر الكاتب: عبد الله فكري, أحد نوابغ الأزهر, وعهد بتثقيف أبنائه إلى العالم الأزهريّ النجيب المرحوم الشيخ: عبد الهادي نجا الأبياري, وأدنى من نفسه الدكتور: أحمد حسن الرشيدي، وهو من نوابغ الأزهريين الذين قام عليهم البعث الأول, وأحد الأفذاذ في ترجمة الكتب الغربية إلى اللغة العربية, وقد أوعز إليه اسماعيل أن يبرز آية من علمه؛ فألف كتابه "عمدة المحتاج لعلمي الأدوية والعلاج".
بعد إسماعيل:
تولى الخديو "محمد توفيق باشا" حكم مصر بعد اسماعيل, سنة "١٧٨٧٩م" والبلاد في حالٍ مضطربة من فراغ الخزانة, وسخط الشعب, وتألب الجيش, ولم
стр. 58
يكد يلتفت الخديو توفيق إلى الإصلاح يدبر أمره, وإلى التعليم يسهر عليه, حتى اندلعت نار الثورة العرابية في سنة "١٨٨١م" فاضطربت البلاد, واستعرت الفتن، وقد كانت هذه الثورة نتيجةً للشعور بالكرامة واليقظة الوطنية, وكان مما أعان عليها تسامح توفيق, وتمتع الناس بقسطٍ وافرٍ من الحرية في عهده، وليس بخافٍ ما أحدثته الثورة من انطلاق الفكر, واتساع مجال القول, وارتقاء الخطابة, وانتظام السياسة في أغراض الشعر, وهي من أهم مقوماته.
ارتياحه للأدب والأدباء:
وقد أُثِرَ عنه أنه كان مغرمًا بالشعر يرتاح إليه ويكافئ عليه، ذكر عبد الله باشا فكري إنه جمع للخديو توفيق بأمره أبياتًا من الحكم والأمثال وجوامع الكلم؛ لتكون له زينةً في المسامرة, وهونًا على المطارحة والمحاضرة, ومرشدًا لمحاسن السجايا الفاخرة.
كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبَّر إذا وافيت واجتنب الكبرا
وقِفْ خاشعًا واستوهب الإذن والتمس ... قبولًا وقَبِّلْ سدة الباب لي عشرا
وبلِّغ لدى الباب الخديوي حاجة ... لذي أملٍ يرجو له البشر والبشرى
فما لبث أن تهلل له وعفا عنه, ورَدَّ إليه ما قطع من معاشه.
وكذلك عفا عن السيد عبد الله نديم خطيب الثورة العرابية حين مثل بين يديه, بعد أن جَدَّ الخديو في القبض عليه, ورصد ألف جنيه لمن يعثر عليه.
وقد ندب توفيق عبد الله فكري باشا لتمثيل مصر في مؤتمر المستشرقين في "استكهلم" فأنشد فيه شعره, وكان ذلك آيةً على ارتياح الخديو للأدب.
وحدث المرحوم أحمد شوقي بك أن توفيقًا أمره أن يلجأ إليه في كل ما يحتاج إليه, دون أن يتوجه إلى أبويه بشيءٍ مما عساه أن يكون من مطالبه.
стр. 59
عباس الثاني:
تولى سنة "١٨٩٢م":
انتهت الثورة العرابية بأن نفى أعلام الأدب, وتقلص ظله, وانقبض عنه أهله، وانزوى أنصار العلم واللغة والأدب بعيدين من حياة الجَدِّ والمثابرة, ففترت النهضة العلمية والأدبية، واتجه التعليم وجهة جديدةً, ضعفت فيه العناية باللغة, وجعلت اللغة الإنجليزية لغة التدريس لمعظم العلوم، وأصبح التعليم أداةً لتخريج موظفين للحكومة, مشايعًا لنظم الاحتلال ومناهجه.
ولكن الله قيَّضَ للأمة عصرًا تحيا فيه بعد موت, وتزدهر فيه إثر ذبول, فهبَّت العناصر الرشيدة تطالب بسيادة لغتها, وإصلاح تعليمها, وفزعوا إلى منابر الصحافة يدعون فيها إلى التحرر من هذا الجمود, ويستنهضون العزائم لإنشاء المدارس الحرة؛ فأسس منها طائفة تكفلت بتعليم الشعب, وإنارة أفكاره, وكان في طليعة ما أثمرته هذه الجهود, إنشاء الجامعة المصرية في سنة "١٩٠٦" ورحل بعض المتعلمين إلى أوربا فنهلوا من ثقافتها, ثم عادوا ينشرونها في بلادهم، ونهضت الصحافة والقضاء والمحاماة والحياة الاجتماعية، وثار الأزهريون ثورتهم لتعديل مناهج الأزهر, وتقدير شهاداتهم ومؤهلاتهم.
بعد عباس:
وقد راجت حركة التعليم, وارتقت العلوم والآداب والفنون, فوصل إلى مبلغٍ لم تصل إليه في أطوارها من قبل, سواءً في نوع التعليم, أو عدد المدارس المنشأة, أو التوفر على الدراسة العليا في مصر, وفي الغرب.
وفي عهده فرض التعليم الأوليّ على كل مصريّ ومصرية في الخامسة من عمرها، واضطلعت وزارة المعارف بإنشاء طائفةٍ من المدارس المنبثة في مدن القطر وقراه لهذه الغاية بالمجان, وزيدت نسبة المدارس الابتدائية والثانوية, أميرية وحرة, واحتفل بالتعليم الفني, فانشئت له المدارس المتوسطة والعالية، واتسع نطاق التعليم بما يكفل حاجة الشعب في نهضته الواسعة.
وتولت وزارة المعارف الجامعة, وقد كان الأمير فؤاد رئيس شرفها حين
стр. 60
البدء في إنشاءها, فأسست بناءها, وزادت في فروعها, واستقدم لها مهرة الأساتذة وفاءً بحاجتها، واستأنف إيفاد البعوث إلى أوربا، ونال الأزهر ما يتطلبه من وسائل الإصلاح, فأنشئت به كليات تضطلع بالتفرغ للعلوم في مختلف أنواعها, وفي سنة ١٩٣٢م أنشأ المجمع اللغويّ الذي قام بجهدٍ جبَّارٍ في المحافظة على اللغة, ووضع المعاجم, والألفاظ العربية, لتحلَّ محلَّ المصطلحات الأجنبية.
стр. 61
كلمة عامة في فضل الأزهر
مدخل
...
كلمة عامَّة في فضل الأزهر:
كلمة تسمعها الآذان فنلتفت إلى حقبةٍ طويلة من الزمان, ظلّ الأزهر خلالها حصن الدين الحصين, وركن العلم المتين, وملاذ اللغة والأدب والثقافة جميعًا.
عشرة قرون وتزيد, كان الأزهر خلالها المعقل الوحيد الذي ثبت لحملات الغير, فانتهت إليه شريعة -محمد ﷺ , واستأمنت إليه آداب العرب, واستعصمت فيه لغة القرآن.
كان الأزهر ولا يزال سُنَّةً واضحةً لهدي الدين, استقام الناس به هذه القرون على عمود واحد, ولبث في هذه المدة على طولها شامخًا كالبنيان الراسخ, لم تطامن من عظمته الأحداث والمحن, ولم تنهته من قوته الخطوب والفتن.
الأزهر - هذه هي الكلمة التي لا يقابلها في خيال الأمة المصرية إلّا كلمة الهرم, أجل: لقد مضى الأزهر على وجه التاريخ قويًّا جبارًا يحطم العقبات من سبيله, ويحمل الرسالة غير حافلٍ بالسدود, فهذا هو دين الله, نشره علماؤه, ونصره أبناؤه, وانبثق فيهم نوره, وشع منهم ضياؤه, لم يقصروا الدعوة على خلق الدروس في معهدهم, ولم يقفوها على مصر مهدهم, بل نفر من كل فرقة منهم طائفة غشت أرجاء العالم, واقتحمت على الفرنجة بلادهم, وغزوا المهاجمين للإسلام, فتبددت أمامهم شبه الملحدين، وذاب زيف المضللين والمبشرين.
علماء الأزهر هم حملة هذا المشعل, يهدون ضالًّا, ويرشدون غاويًا, ويهذبون عاصيًا, ولقد آزروا الدين مرةً بالخلق, وأخرى بالهداية, فما اهتزت المنابر بالدعوة لدين الله, ورعاية الفضيلة, وحماية الأخلاق, إلّا كانوا هم اللسن والدعاة والمرشدين والهداة، أو ليس أئمة المساجد وخطباؤها والواعظون بمصر والمرشدون فيها, ممن تخرج في الأزهر؟ وخلع عليهم من علمه وبيانه، وهديه وإيمانه؟
стр. 62
حمل الأزهر رسالة العلم في الدنيا, فاضطلع بها أشد ما يكون قوة وفتاء، فكم استفاض على العالم العربيّ بكتبه ومبعوثيه من حاملي علمه ورسل إلهامه، وما كان علم الأزهر إلّا نفوذًا إلى أغوار البحث, وغوصًا وراء الحقائق، وتجليةً للأسرار والدقائق.
ومن ثَمَّ, فإن علم الأزهر صقل الأذهان, وربَّى الملَكَاتِ, وقوَّمَ الألسن, وأخرج الحقائق كالعرائس المجلوُّة, والدر المنضد.
وكان الأزهر ولا يزال كعبةً يحج إليها الناس من أقطار الأرض، ينهلون من ورده، ويقبسون من نوره "وأعظم ما يدلنا على ما لهذا الجامع من مقامٍ عظيمٍ في العالم الإسلاميّ, هو عداد أسماء الذين يؤمونه من أقطارٍ خارج مصر, تمتد من أواسط أفريقية, إلى روسية, ومن أقاصيّ الهند إلى مراكش"١.
وقد ظل الأزهر طول حياته سوقًا للعلوم اللسانية, وسياجًا للغة الفصحى يوطدها في البلاد العربية, ويشد أزرها في مختلف أقطارها.
وكان من آثار الأزهر في مصر أن جعل لها مكانًا ممتازًا, وسلطانًا أدبيًّا, وزعامةً موفورةً على البلاد العربية, والشعوب الشرقية, وأصبحت هذه الأقطار تنظر إلى مصر نظرها إلى الهادي المرشد, وتعترف لها بالفضل وعُلُوِّ المكانة, وتوفد بعوثها إلى هذا الخضم الزاخر, تنهل من علمه وثقافته.
وعلى كل حالٍ, إن للأزهر وحده الفضل في صيانة العلم في هذه البلاد على طول ما حلَّ بها من المحن, وما عصف بها من ألوان الفتن، ولقد كان هو الينبوع الذي نهلت منه النهضة العتيدة, واستمد منه العلم الحديث٢.
والأزهر خير معهدٍ خَرَّجَ أدباءً وكتابًا وشعراءً، وقد نبغ منه قوم هم
стр. 63
لهاميم البلاغة, وعرانين الفصاحة١ وكم لقيت آثارهم من الآذان استماعًا, ومن القلوب انتجاعًا.
خَرَّجَ الأزهر من مدرسته الصحفيَّ البارع, والخطيب الساحر, والسياسيَّ الداهي, والمصلح الخطير، ودرج على ربوعه قوّاد مصر في نهضتها وثورتها, وبناة مجدها, وحماة تراثها, كل نابهٍ اغترف من فضله, وارتوى من بحره, واغتذى بثقافته, فإما عكف على طريقه حتى أتمه, وإما وجهته هذه التنشئة, ومكنته تلك البداية, من النهوض بما يحفل به من رسالة, وهو أبلغ ما يكون قوة, وأتمّ ما يكون أهبة, فالأزهر موئل العظمة في شتى النواحي, بطريق مباشر أو غير مباشر.
وذلك الفضل العظيم, وهذ المكانة السامقة, هي التي هيأت لرجال الأزهر من مطالع عهده إلى اليوم, جلالةً تغشى العيون, وقدسًا يملأ الصدور, وسَعَتْ بهم إلى مكان القيادة والتوجيه, ومنحتهم من بلاغ القول, ونفوذ الكلمة, وزعامة الرأي, ما ضمن لهم الإمامة, وفرض لهم الصدر, ومكنهم من القيادة والإرشاد, وجعل لهم من مهابة الرأي أن يفصلوا في جلائل الأمور, وأخطر الشئون, وأن يمتدوا بنفوذهم أحيانًا إلى مصاير العروش والسلاطين.
وكل معهد من معاهد الدنيا طامن من عظمته ما يصيب الدولة من أحداث وضعف وتفكك وانحلال, فخبت شعلته, وتقلص ظله, وتعثرت رسالته, أما الأزهر: فقد ظلَّ على تراخي الحقب, أنْوَطَ بالحياة وأعلق بالمجد؛ لأنه سخر من المحن, وعبث بالنازلات, ومضى في طريقه قدمًا, لا يلوي على شيء حتى استقام له ما يرمي إليه من شيوع الرسالة, وإعزاز الدين, وحفظ اللغة, ونهوض العلم.
وقد يكون من العدل أن تقرر: أن الأزهر يتأثر بعض التأثر بعوامل الخمول
стр. 64
والركود في بعض العصور أحيانًا؛ للحياة العامة التي تمس النهضة وآثارها, وإنه يحلق مرةً, ويهبط أخرى, حسبما يتوالى له من هذه الأجواء, إلّا أنه على كل حالٍ لا يتأثر تأثر غيره بأسباب الضعف والانحلال, بل تعينه غزارة العلم فيه, وتضلع أبنائه في ثقافتهم, وتمكنهم من رسالتهم التي يحتملونها, من مقاومة الأسباب التي تصيب آثار النهضة, فلا يكون نصيبه منها إلّا تافهًا, يمسه مسًّا رقيقًا خفيفًا, فينهض برسالته على كل حالٍ ولو متثاقلًا.
فإذا اضمحلت الحركة الأدبية والفكرية في مصر بالفتح العثمانيّ, في سنة "٩٢٣هـ-١٥٢٠م" وركدت ريح العلم, وانخذلت المعاهد والمدارس, رأيت الأزهر يخضع لهذه الاضطرابات, ويطامن قليلًا من قوته؛ لأن هذه العوامل إنما تصيب الحركة الفكرية جميعًا, إلا أنه يظلُّ على رغم هذه المحن قائمًا على الحركة الأدبية والعلمية, ذا مكانةٍ راسخةٍ في الثقافة, محتفظًا بطابعه وقوته, محافظًا على جلاله وهيبته, حتى ليستطيع أن يلفت نظر الفاتحين الأتراك إلى عظمته وقداسته, "كذا"١ فيسعوا للتبرك بالصلاة فيه غير مرة٢.
بل يستنجد الحاكمون بعلمائه, فيعينونهم على الاستقرار والسكينة, وتكون كلمتهم حسمًا للثورة والفتن, وقمعًا للاضطرابات والأحداث, وتجد أهله في الوقت الذي تخمد فيه الأنفاس, وتعيا فيه الملَكَات, يعبرون عن شعورهم, ويصورون إحساسهم, ويظهرون ذلك كله شعرًا ونثرًا وخطابةً, وما ذلك إلّا الأدب في مختلف فنونه.
كانت تلك حال الأداب والعلوم في ظلال الحكم العثمانيّ في مصر, فقد أصابها ما غَضَّ من شأنها, وعفى على آثارها, ولم يبق منها إلّا بصيصٌ يشع من الأزهر, ولولاه لانقطعت صلتنا بالعلم وأهله, واللغة وآدابها, ولذهبت البقية الباقية من هذا المجد المؤثل, والتراث الكريم٣.
ذلك مما امتاز به الأزهر الذي حرس اللغة والأدب العربيّ, وكان له فضلٌ خاصٌّ على آداب اللغة العربية؛ لأنه احتفظ بها في أثناء الأجيال المظلمة٤.
стр. 65
الأزهر مصدر الثقافة:
نشر الأزهر ألويته في ربوع الثقافة المصرية, وأظلَّها بظله الوارف, وفيئه السابغ, وكان الدوحة التي امتدت فروعها, وآتت أكلها، ولو نظرت إلى مصادر الثقافة في العصر الحاضر لرجعتها في أكثر الأمر إلى الأزهر, ووجدتها في مختلف مراحلها وأطوارها نابعةً من معينه.
فإن الصبيَّ الناشئ يتلقى وهو لدن العود ثقافته الدراجة في المكاتب التي تسمى: "كتاتيب"١ ومن السهل أن نُعِدَّ هذه البيئات المتواضعة موطنًا للدراسة الأولية, هذه المكاتب المنبثة في كل بلد أو قرية, ولا يخلو منها حيٌّ من أحياء المدينة, كانت وحدها الجدول الهادئ الذي يترقرق ماؤه, وينهل منه الناشئون، نعم, إن التعليم فيها لا يتجاوز في كثيرٍ من الأحيان حفظ القرآن, وتعليم القراءة والكتابة, ومبادئ الحساب, والإملاء, والمعلومات الأولية, وتدريبًا على المطالعة، ولكن كثيرًا من هذه المكاتب يلقن الصبيّ من الثقافة ما يتأهل به في المرحلة الأولى التي هي المدارس والمعاهد الدينية, وقد كان المكتب سياج القرآن وحصنه المنيع, والعامل الأول في محو الأمية.
стр. 66
وتقليل الجهالة, ومن يوم أن انتزعت المدارس الإلزامية هؤلاء الصبيان من مكاتبهم, وهو خلو من حفظ القرآن, ضعفاء في معلوماتهم الناشئة، وقد رأينا ذوي الغيرة على كتاب الله يلجأون إلى إنشاء جمعيات للمحافظة على القرآن الكريم.
والذي نرمي إليه, أن أغلب القُوَّامِ على هذه المكاتب ممن استقوا معلوماتهم الأولى من الأزهر, ثم انقطعت بهم وسائل الحياة عن السير في الأزهر, واضطلعوا بهذه الرسالة المتواضعة التي ينشرونها في هذا المكتب الذي كان على أيّ حالٍ المدرسة الوحيدة التي تعد تلامذتها للالتحاق بالأزهر١.
ثم إن المرحلة الثانية للعليم بالمكاتب هي مرحلة التعليم بالمدارس الابتدائية, والمعاهد الدينية, وفي الأولى يقوم بتدريس اللغة العربية والدين مدرسون تخرجوا في دار العلوم، وهم في أغلب الأمر ممن اغتذوا بثقافة الأزهر, ويعاونهم فريق آخر في التعليم الأميريّ والحر من أبناء الأزهر.
وفي المعاهد الدينية التي تقوم على الأزهريين, يتفقه الناس في دينهم, وينالون حظًّا وافرًا من اللغة وآدابها, والعلوم الحديثة في كثير من فنونها التي حفل بها منهاج الأزهر منذ الإصلاح الأخير.
وهذه المعاهد هي المورد العذب الذي يمهد للتعليم العالي, الذي يتولى دراسة اللغة والأدب في مصر، وهو المعين الذي يمد الحياة العامة بثقافته وتوجيهه، ولولا هذا المعين المتدفق لنضح الجهل, وقصور الدين على هؤلاء الذين هم أعصاب القوى, والمقوِّمُون لأسباب الحياة فيها.
وفي المدن كثيرًا ما نرى السراة والأغنياء يقيمون في المساجد صورةً مصغرةً من الأزهر, يجلبون لها أساتذة من خريجيه, يدرسون لمن لم تمكنهم سعادة الحياة من النزوح إلى القاهرة لطلب العلم٢.
وكثيرًا ما يعمد هؤلاء السراة أيضًا إلى أبناء الأزهر بتثقيف أبنائهم الذين لم يتموا التعليم في المعاهد والمدارس؛ فيقوِّمُون ألسنتهم, ويصححون دينهم, ويهذبون لغتهم, ويمدونهم بقسط عظيم من ثقافتهم.
стр. 67
اعتماد محمد علي في إنشاء المدارس على الأزهر:
حين آلت ولاية مصر للمغفور له محمد علي باشا, اتجه عزمه إلى تأسيس دولةٍ عربيةٍ يرفع علمها, ويبدد آثار الجهل والانحلال اللذين خيَّمَا على البلاد في عهد المماليك، ولم يأل جهدًا في إنعاش الحياة العلمية والأدبية بشتى الوسائل التي كان منها إنشاء المدارس؛ لتنشر العلوم والفنون والآداب، وتهيء للبلاد ما تتطلبه من الثقافة الغربية والعلوم الحديثة؛ كي يتخرج فيها شبابٌ ناهضٌ يعمل على تحقيق مجدها.
ولم يجد محمد علي باشا نواةً صالحةً تقوم عليها هذه المدارس إلا من شباب الأزهر, فقد وجد فيهم دعامة نهضته الجديدة, فحملوا لواءها, وعضدوا اللغة العربية التي كانت التركية مزاحمة لها إلى ذلك الحين، وقامت عليهم الجمهرة العظمى من المدارس التي أسسها في صدر النهضة؛ كمدارس الطلب, والألسن, والمهندسخانة, وغيرها.
الأزهر ومدرسة الطب:
لما استقرَّ أمر مصر لمحمد علي باشا, أراد أن يوطِّدَ أركانه، ويثبّتَ دعائمه بجيش قويّ يدعم الأمن ويصدُّ المغير، واستلزم ذلك إنشاء مدرسةً تخرج الأطباء الذين يأسون الجرحى, ويردون الأوبئة إذا هبت ريحها, فأنشأ هذه المدرسة في سنة "١٢٤٢هـ-١٨٢٦م" بجهة أبي زعبل، ثم نقلت إلى قصر ابن العيني في سنة "١٨٣٨م" فاستقدم لها أساتذةً من الغرب، وأسند رئاستها إلى الطبيب "كلوت بك الفرنسي" الذي كان قد استوفده لجيشه.
وعلى رغم أن هذه المدرسة قامت على تلاميذ من المصريين وغيرهم, فإن الأزهريين كانوا أغلب تلامذتها؛ إذ جلبت لها مائة تلميذ من طلبه الأزهر
стр. 68
ودرَّس لهم معلمون جلبهم لها من بلاد الإفرنج١.
ويقول كلوت بك في تقريره: "فقد اختير هؤلاء التلاميذ من بين الطلاب المترددين على الأزهر والمساجد الأخرى".
وكان كثيرٌ من الناس يرى أن التشريح لا يتفق مع الدين الإسلاميّ الذي يرعى حرمة الموتى, وبالغ بعض الكتاب فزعم أن الحكومة تأتي بمدرسة الطب إلى "أبي زعبل" لإبعادها عن أنظار المسلمين الذين يبغضون تشريح الموتى, ولكن الأزهر لم يقف في سبيل العلم, فأباح وسائله؛ إذ استعان كلوت بك مدير المدرسة بعلمائه, ودعاهم إلى المدرسة فلبوا دعوته, وخطبوا بها.
ولا يذهب عن مؤرخ الأدب في العصر الحديث أن يضيف أكبر الفضل في انبعاث اللغة العربية واتصالها بالعلم والفن الحديثين إلى هذه المدرسة٢.
وذلك أن آداب اللغة العربية كانت إلى ذلك الحين غير متابعة للآداب الغربية التي توافيها قرائح الغرب كل يوم بجديد, ولم يكن من الميسّر الوقوف على ما يساوق العلوم الحديثة؛ من ألفاظ وصيغ ومصطلحات, وكانت لغة الدراسة بمدرسة الطب أجنبيةً, فاضطر المترجمون أن يقوموا بين الأساتذة والتلاميذ, فنيقلوا درسوهم إلى العربية, وهنا يقوم نبهاء الأزهر في هذه المدرسة بجهدهم الجبّار؛ إذ يقلبون في معاجم اللغة العربية, ويفتشون في الكتب العلمية القديمة؛ ليعثروا على الصيغ والمصطلحات التي تلائم الصيغ والمصطلحات الغربية, فنشروا ثروةً لغويَّةً كانت مطويةً, وواءموا بين اللغتين ما واتاهم الجهد في التعبير والأداء.
هذا عدا ما كانوا يبذلونه من تصحيح هذه الدروس بعد نقلها إلى العربية, فقد كان يقوم على تصحيح الدروس التي ينقلها إلى العربية هذا المترجم الأزهريّ
стр. 69
بالمدرسة, لعله الشيخ مصطفى كساب, الذي ظلَّ بالمدرسة حتى أواخر عصر محمد علي١.
الأزهر ومدرسة الألسن:
أنشأ محمد علي باشا هذه المدرسة في سنة "١٨٣٦م" وجعل مقرَّها الأزبكية٢.
وقد استقت هذه المدرة طلابها من الأزهر, وقام على تدريس اللغة العربية والأدب العربيّ فيها أبناء الأزهر, وكانت الكتب التي تدرس بها كتب الأزهر؛ كالأجرومية, والسنوسية, والشيخ خالد, وغيرها, وكتب العلوم الحديثة التي يراد نقلها إلى العربية, كان يقوم بترجمتها, ويسهر على تصحيحها أبناء الأزهر, وفي "الخطط التوفيقية" أن هذه المدرسة كان يدرس بها اللغة العربية والإفرنجية والأدبية, وخرج منها كثيرون من المترجمين والشعراء, وفيها ترجمت كتب كثيرة أدبية من اللغة الفرنجية إلى العربية٣.
وقد دلنا على العلوم التي كانت تدرس بهذه المدرسة, مما كان عاملًا قويًّا في بناء النهضة الحاضرة, المرحوم "أحمد أفندي عثمان الوفائي" حيث قال:
"وكانت دروسنا في مدرسة الألسن عبارةً عن علوم اللغة الفرنساوية, والعربيّ؛ كالنحو, والمجاز, والمنطق, والبديع, والعروض, والأدب, والجغرافيا, والحساب, والهندسة, والطب, والتاريخ, والخط, والرسم, وذلك غير حفظ الدواوين, ولما كُلِّفْنَا بحفظها, حفظت ديوان ابن الفارض, وابن معتوق, والبرعيّ, وابن سهل, وبانت سعاد, والهمزية, وغير ذلك مِنْ خزانة الأدب, وحلبة الكميت.
ثم ذكر أنه حضر الفقه على مذهب أبي حنيفة حين كان يدرس في مدرسة الألسن على يد الشيخين: المنصوريّ والرشيد٤.
стр. 70
وكان قد أنشئ بها قسمٌ لدراسة العلوم الفقهية, يتكون من أربعين تلميذًا يتلقون الدرس في الفقه على المذاهب الأربعة, حتى إذا أتموا دراستهم عينوا قضاةً بالأقاليم، وكان يقوم بالتدرييس لهم الشيخان اللذان ذكرهما الوفائيّ، وكان مدير المدرسة الذي يشرف على شئون التعليم فيها المرحوم "رفاعه رافع" وقد تولى تدريس الفلسفة والترجمة بها بعد عودته من البعث.
ويقول "عبد الرحمن الرافعي":
"كانت مدرسة الألسن عبارةً عن كليِّةٍ تدرس فيها آداب اللغة العربية واللغات الأجنبية، وخاصّةً الفرنسية والتركية والفارسية، ثم الإيطالية, والإنجليزية, وعلوم التاريخ, والجغرافيا, والشريعة الإسلامية, والشرائع الأجنبية, فهي أشبه ما تكون بكلية الآداب والحقوق, فلا غرو أن كانت أكبر معهد لنشر الثقافة في مصر١.
تقدير محمد علي أبناء الأزهر:
ومن طريف ما يذكر أن "محمد علي" لمس نبوغ الأزهريين وجدهم وتبريزهم وتفوقهم على غيرهم في المدارس التي كانوا يتعلمون بها, فأصدر أمره بتخصيص ماهيةٍ شهريةٍ قدرها: أربعون قرشًا للذين صار إلحاقهم من مجاوري الجامع الأزهر بمدرسة المهندسخانة, بالنسبة لمعلوماتهم ومهارتهم, فمثل هؤلاء لا يقاسون بغيرهم من التلامذة المخصص لهم ١٥ قرشا شهريًّا٢.
стр. 71
إمداد الأزهرللمدارس الابتدائية والتجهيزية والخصوصية:
حين اتسع نطاق التعليم وأنشئت المدارس الابتدائية والتجهيزية, وغلب العنصر المصريّ فيها, واشتد الاهتمام باللغة العربية وتعليمها, لم يكن أمام الحكومة مورد ثروة لتغذي به هذه المدارس إلّا الأزهر, فاعتمدت عليه تلتمس عنده الطلبة والمدرسين, ولجأت إلى كتبه في تعليم اللغة العربية, وأدخلت في هذه المدارس طريقة الأزهر في التعليم، أجل, فقد كانت اللغة العربية سواء في مدارس المبتديان أو في التجهيزية, والخصوصية, هي المادة الأساسية, في خطط الدراسة، ودرس علماء الأزهر في مدارس المبتديان كتب السنوسية والأجرومية والألفية والكفراوي, وفي المدارس التجهيزية كتب الشذور وقطر الندى والشيخ خالد وغيرها؛ فكانت أزهرًا في وضعه وثقافته١.
ولم يكن علماء الأزهر وحدهم ليقوموا بتدريس اللغة العربية في هذه المدارس فحسب, بل كان منهم رؤساء المدرسين في مكاتب المبتديان, والتجهيزية, والخصوصية.
وقد نص في قانون التعليم الابتدائيّ الذي صدر في سنة "١٣٨٦" على أن يكون نظار المبتديان من علماء الأزهر, بعد أن ارتفعت الشكوى من جهل النظار الأولين الذين كانوا من مشايخ القرى, فقد كانوا جهلاء ضعفاء الإدارة, فاسدي النظم, وكانت إدارتهم لهذه المدارس في مستهلِّ نشأتها مدعاةً لكثير من العبث والانحلال والفساد, فكان لإحلال الأزهريين
стр. 72
محلَّ هؤلاء في الإشراف على الحياة التعليمية بهذه المدارس أثرٌ ملموس في صلاح الإدارة وحسن التوجيه.
ولا ريب أن علماء الأزهر بروحهم الدينيّ الجذّاب, وتضلعهم في اللغة العربية وآدابها, كانوا خير من عرفتهم هذه المدارس, وأبلغ من وجدت فيهم النفع الجمَّ والرعاية الرشيدة١.
ومن هؤلاء الذين أشرفوا على هذه المدارس من علماء الأزهر, فكانوا مثالًا يحتذى في النزاهة والتوجيه والنهوض بالنشء, الشيخ: خليل الخوانكي, ناظر مدرسة الرحمانية, والشيخ: غنيم سالم, ناظر مدرسة شبراخيت، والشيخ: أحمد عصافيري, ناظر مدرسة دمنهور, والشيخ: محمد حسن, ناظر مدرسة أبيار، والشيخ: رضوان بالي, ناظر مدرسة الحلمية الكبرى, والشيخ: وهبه مصطفى, ناظر مدرسة بندر زفتى، والشيخ: محمد كفافي, ناظر مدرسة شربين, والشيخ: سليمان الخطيب, ناظر مدرسة ميت غمر، والشيخ: أحمد الشيخ, ناظر مدرسة فارسكور, والشيخ: علي القهتيم, والشيخ: جوده مصطفى, ناظر مدرسة ميت غمر، والشيخ: محمد عبد الرحمن, ناظر مدرسة الزقازيق.
ومن هؤلاء المدرسين الذين تولوا التدريس بهذه المدارس من شيوخ الأزهر, وعُرِفَ عنهم الجدُّ والميل إلى البحث والتحقيق, طائفةٌ حدَّث عنهم علي مبارك في خططه, كالشيخ: محمد قطه العدوي، والشيخ: الدمنهوري، والشيخ: علي فرغلي الأنصاري -وهو ابن خالة رفاعة بك, والشيخ: حسنين حريز الغمراوي, والشيخ: أحمد عبد الرحيم الطهطاوي، والشيخ: عبد المنعم الجرجاوي.
стр. 73
فروع من دوحة الأزهر
مدخل
...
فروع من دوحة الأزهر:
كان الأزهر هو الدوحة الوارفة الظلال الطيبة الثمرات التي امتدت فروعها, وكانت المعاهد العليا في مصر غصنًا من أغصانها, وثمرةً من ثمارها.
وإذا كانت لمدرسة دار العلوم, والجامعة المصرية القديمة, ومدرسة القضاء الشرعيّ, فضلٌ مباركٌ وأثرٌ ملموسٌ في نهضة اللغة العربية وآدابها, وفي تخريج فحول البيان وحماة اللغة, وكان لهم القدح المعلَّى بين أعلام النهضة الحاضرة, فإن ذلك مما يفاخر به الأزهر ويباهي، فقد غذَّى هذه المدارس منذ إنشائها بطبقة من أفذاذ الأساتذة ونوابغ التلاميذ, فقامت عليهم بحثًا ودراسةً وإنتاجًا وتوجيهًا.
أما أساتذة هذه المعاهد الذين قاموا بتدريس اللغة العربية وآدابها, فإن الدولة لم تجد سواهم يضطلع بهذه الرسالة وتشرف به، ولم تجد موردًا تستقي منه أمثال هؤلاء إلّا الأزهر منبع الثقافة العربية.
وأما تلامذة هذه المدارس, فإنهم قضوا الشطر الأعظم من حياتهم العلمية في الأزهر, ولم يغشوا هذه المدارس وهم فراغ من العلم, خواء من الثقافة, بل كانت المدة التي أمضوها في الأزهر كافيةً لتثقيفهم وتوجيههم, وصقل بيانهم، ولو قيست المرحلة الأخيرة التي أمضوها في هذه المعاهد, بجانب مرحلتهم الأزهرية الأولى, لكانت حظًّا ضئيلًا وقسطًا متواضعًا على أنهم لم يفقدوا صبغتهم الأزهرية في إتمام تعليمهم بهذه المعاهد, فقد وجدوا بها أساتذةً من الأزهر يتلقون منهم التوجيه، وينهلون من وردهم علم الأزهر وأدب الأزهر, ووجدوا الكتب التي تدرس بهذه المعاهد هي كتب الأزهر.
كانت هذه المعاهد جزءًا من الأزهر، نأى عنه إلى مكان آخر، واختص
стр. 74
بزيٍّ غير زيِّ الأزهر، واسم غير اسم الأزهر، وما أظن أن هذا التغير بمخرج لها عن نسبتها إلى الأزهر, وانتزاع ثقافتها من ثقافته.
دار العلوم:
عَهِدَ الخديوي إسماعيل إلى علي مبارك - بإنشاء مدرسةٍ يتوفر أبناؤها على دراسة اللغة العربية والعلوم الدينية, مع التزود بشيءٍ من علوم العصر, وما يستعان به من وسائل التربية والتعليم؛ كي يعهد إلى المتخرجين فيها بتعليم اللغة العربية بمدارس الحكومة الابتدائية، وقد تمَّ إنشاء هذه المدرسة في "١٥ من صفر سنة ١٢٨٨هـ ١٨٧١م" واستمدت تلامذتها وأساتذتها من الأزهر، فقام على التدريسفيها جمهرة من فحول العلم والبيان, وكان تلامذتها من نوابغ الأزهر وأفذاذهم الذين قضوا شطرًا طويلًا في التعليم والتثقيف في الأزهر, فنضجت موابهم, وكَلُمَتْ قرائحهم, ونما علمهم، واقتدرت أقلامهم وألسنتهم، ولا تزال هذه المدرسة تعتمد على النابهين من طلاب الأزهر بعد أن يحصلوا على شهادة الدارسة الثانوية "قسمًا ثانيًا" من المعاهد الدينية، فتُجْرَى بينهم مسابقةٌ في الدخول؛ لتظفر بالنوابغ المجلين.
وليس ينكر إلّا جاحدٌ من الناس ما كان لهذه المدرسة من الأثر الملحوظ في خدمة العلم والأدب, وما لأبنائها الفحول من عُلُوِّ المكانة في الشعر والكتابة, والأدب في مختلف فنونه، ولكن شيئًا واحدًا لا يغالط فيه إلّا معاند, ولا يُصِرُّ على جحوده إلّا مكابرن, وهو أن الثورة العلمية والأدبية في هذه المدرسة إنما مَردُّهَا إلى الأزهر الذي غذّاها بأساتذته وطلابه وكتبه.
وكان من العلماء والأدباء الذين تولَّوا التدريس بهذه المدرسة, والذين حملوا لواء البيان واللغة فيها من الأساتذة, وتخرج عليهم طائفة من ذوي العلم والأدب في مصر, المرحوم الأستاذ الإمام الشيح: محمد عبده، والمرحوم الشيح: حسن الطويل، وشيح الأدباء المرحوم: حسين الرصفي، والمرحوم
стр. 75
الشيخ: حمزة فتح الله، والمرحوم الشيخ: سليمان العبد، والشيخ: حسونة النواوي.
وممن التحق بها لإتمام الدراسة فيها من طلاب الأزهر النابغين طائفةٌ كانت من فحول الكتاب والشعراء والأدباء؛ كالمرحومين الشيح: أحمد مفتاح والشيخ: محمد الخضري، والشيخ: عبد العزيز جاويش، والشيخ: محمد عبد المطلب, وحفني ناصف، ومحمد زيد ﵏.
الجامعة المصرية:
في سنة ١٩٠٦م حملت الغيرة فريقًا ممن يرغبون في توسيع آفاق الثقافة المصرية أن يتضافروا على إنشاء جامعةٍ أهليةٍ تعين البلاد على تحقيق ما تنشده من التعليم العالي وثقافته، فتسابقت الهمم إلى الاكتتاب في هذا المشروع الجليل, واقترحه رسميًّا مصطفى كامل بك الغمراوي, أحد وجوه بني سويف, وافتتح الاكتتاب, واستحثَّ الهممَ على معاضدة الفكرة، فكان لدعوته أبلغ الأثر في النفوس؛ إذ التقى جمهور كبير من كرام الموطنيين في منزل المغفور له سعد زغلول باشا, وأسسوا لجنةً تحضيريَّةً للمشروع, كان سعد رئيسها, والمرحوم قاسم بك أمين كاتم سرها, وانتخب المغفور له -البرنس فؤاد "إذ ذاك" رئيسًا للمشروع يحيا في ظلاله, وشرع القائمون بالأمر في جمع المال، وعلى رغم الأزمة المالية التي حدثت في سنة ١٩٠٧ فإن الجهود تضافرت والعزائم اتحدت، واحتفل بافتتاح الجامعة في يوم "٢١ من ديسمبر سنة ١٩٠٨م" وحضر الاحتفال الخديوي, وألقى فيه خطابًا نفيسًا, وكان من أمدها ببره ورعايته، وبذل أكرم الجهد في إنجاحها, سمو الأميرة فاطمة هانم إسماعيل؛ إذ أمدَّت المشروع بالنقد والحبوس والحليّ.
وقد اعتمدت الجامعة في مهمتها الثقافية على الأساتذة الأجانب والمصريين في القيام بالتدريس فيها، وكان للجامع الأزهر أعظم الفضل بما قدّمه لهذه الجامعة من فحول العلم والأدب, ومن أساتذة يدرسون فيها, ويوجهون نشأها