← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عباسًا أظهر منذ تولي الحكم في مصر أنه لن يكون الحاكم الذي يتابع سياسة جده, ويحنو على مؤسساته, ويؤيد نظمه, وأن سياسة عباس في الإصلاح الداخليّ كانت فشلًا متصلًا, ولا يشفع له في ذلك أن حكمه كان قصيرًا، وهو أيضًا يرجع السبب في ذلك إلى أن سياسة عباس قامت على تسفيه الجهود التي بذلها محمد علي وإبراهيم في ميدان الإصلاح الداخليّ, والسياسة التي اعتقد أنهما كانا يتمسكان بها, ويدعوان إليها. فإذا ارتسمت لنا سياسة عباس على هذه الصورة, فقد هان علينا أن نفهم السر في إغلاقه معظم المدارس الخصوصية في أول عهده، وقد كان مدرسة الألسن أول مدرسة ألغيت في عهد عباس, فمؤسسها وناظرها رفاعة بك, أحد الأدنين من جده وعمه الناعم بعطفهما وثقتهما، ورسالة هذه المدرسة هي نقل الحضارة الغربية والثقافة الأوربية, والذي رسم هذه الخطة الرشيدة هما: محمد علي وإبراهيم, والذي اضطلع بتنفيذ هذه السياسة, وبذل فيها أعظم الجهود, إنما هو رفاعة بك, وعباس- كما يقول المؤرخ الإيطاليّ "وساماركوا": "يتجلى عداؤه للحضارة الغربية, وكرهه لجميع الأعمال التي كونت مجده, ويبذل كل الجهد لتحطيمها شيئًا فشيئًا" فلا عجب إذن أن يجافي رفاعة بطل هذه الحضارة, وحامل لواء تلك النهضة, وأن يحصل له من البغض والشنآن ما ينتهي به إلى نفيه إلى السودان. ويرى الأستاذ عبد الرحمن بك, أن لكتاب "تخليص الإبريز" سببًا يتصل بنفيه؛ إذ لا يخفى أنه طبع للمرة الثانية سنة ١٢٦٥هـ, أي: في أوئل عهد عباس, والكتاب يحوي آراء ومبادئ لا يرغب فيها الحاكم المستبد, وعباس كان بطبعه مستبدًّا, فلا بد أن الوشاة قد لفتوا نظره إلى ما في كتاب رفاعة, مما لا يروق عباس, فرأى أن يبعده إلى الخرطوم؛ ليكون السودان منفًى له, وليبعده, ويبعد من يشاكله في آرائه وأفكاره عن مصر، ويتخذ لإبعاده وإبعادهم علةً منتحلةً وسببًا مخادعًا.

стр. 107

والأستاذ عزت عبد الكريم في كتابه "تاريخ التعليم في عهد محمد علي" يرى أن هناك احتمالين لإبعاد رفاعة إلى السودان: أحدهما: سعي علي مبارك الذي عاد من أوربة ممتلئًا بالأطماع, والذي كان يحقد على رفاعة لما أصابه من مكانة وبلوغ شهرة. والثاني: ما يحتمل أن يكون رفاعة قد لقيه من معارضة بعض المشايخ المتعصبين الذين ربما عدوه متطفلًا على مبادئهم في دراسة الشريعة والفقه. هذه تكهنات يضرب فيها المؤرخون والباحثون, إلّا أنها لم تتكئ على وقائع ملموسة تكون أقرب إلى الجزم واليقين، وأنه وإن كانت هذه مجتمعةً, أو منفردةً, تصلح أسبابًا لنفي رفاعة, وتغير عباس عليه, إلّا أن رفاعة نفسه جَلَّى السبب وأزال إبهامه؛ فقد ذكر أنه سافر إلى السودان بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر, بوسيلة نظارة مدرسة الخرطوم١. وأنه, وإن لم يذكر أسماء السعادة, ولم يشرح السعاية التي قاموا بها, أشار إلى الوشاة والوشاية في قصيدته التي نظمها بالخرطوم, مستنجدًا بحسن باشا كتخدا مصر -ومما قاله في هذه القصيدة: وما خلت العزيز يريد ذلي ... ولا يصغي لأخصام لداد لديه سعوا بألسنة حداد ... فيكيف صغى لألسنة حداد؟ مهازيل الفضائل خادعوني ... وهل في حربهم يكبو جوادي؟ وزخرف قولهم إذ زخرفوا ... على تزييفه نادى المنادي فهل من صبر في المعنى بصير ... صيحح الانتفاء والانتقاد؟ قياس مدارسي قالوا عقيم ... بمصر فما النتجية في بعادي؟

стр. 108

وهو يعجب كيف يؤدي لوطنه هذه الخدمة الجليلة, ثم يُجْزَى هذا الجزاء, ويبدي جزعه على أطفاله الصغار الذين ملكوا عليه فكره فيقول: على عد التواتر معرباتي ... تفي بفنون سلم أو جهاد و"ملطبرون" يشهد وهو عدلٌ ... "ومنتسكو" يقر بلا تماد ولاح لسان "باريس" كشمسٍ ... بقاهرة المعزِّ على عمادي رحلت بصفقة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد وما السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادي وقد فارقت أطفالًا صغارًا ... "بطهطا" دون عودي واعتيادي أفكر فيهمو سرًّا وجهرًا ... ولا سمري يطيب ولا رقادي أريد وصالهم والدهر يأبى ... مواصلتي ويطمع في عنادي وكان الشيخ ماكرًا, فقد وضع القصيدة على وزن وقافية: لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لما تنادي١ قياس رفاعة: من المصادفات الغريبة والتنبؤ الطريف, ما نرويه في هذه القصة التي وقعت بين رفاعة وكبار المصريين في السودان؛ ففي غضون شهر شوال سنة ١٢٧٠ هـ أعدَّ جزايرلي سليم -حكمدار السودان- وليمةً بإحدى السفن الراسية بمياه النيل تجاه الخرطوم, ودعا إليها سفراء الدول, والمرحوم رفاعة بك, وقد شرعت السفينة تتهادى في الماء وتختال قبل الموعد بقليل, والمدعوون يسمرون ويمرحون, وبينما هم كذلك فأجأهم رفاعة بقوله: إن الوالي عباسًا قتل, فاضطرب الجمع, واضطر الحكمدار المُوَلَّى من قبل عباس أن يلغي الواليمة, وتفرق الجمع, ولما عاد رفاعة إلى مدرسة الخرطوم سأله المدرسون عن

стр. 109

عودته, فأخبرهم بأن عباسًا قتل, فقالوا له من أين علمت؟ فقال لهم: انتهيت في ترجمة تلماك إلى اجتماع الملوك المتعاهدة, وانضمام تلماك معهم على محاربة الملك "أدرسته" ملك الدونية, وإعدامه بيد تلماك؛ لارتكابه كل الأمور التي أرى أن عباسًا ارتكبها تمامًا, وحيث كانت عاقبة "أدرسته" القتل, فقياسًا على هذا قلت: لابد أن يكون عباس قتل مثله, فقالوا: ألم يكفك اغترابنا في الخرطوم حتى رحت تجترئ على هذا القياس الخرافي الذي يترتب عليه إبعادنا إلى ما أبعد من الخرطوم. وفي اليوم التالي للحادث, اسْتُدْعِىَ رفاعة بك من الحكمدار, وزفَّ إليه بشرى أن سعيد باشا أمر بإعادته ومن معه إلى القاهرة, وسلمه الحكمدار جانبًا من التبر هديةً لوالي مصر الجديد. هذه رواية عن قياس رفاعة, وما من شك في أن رفاعة كان حزينًا لنفيه, موجعًا لبعده, آسفًا لما لقيه من والٍ أغفل فضله العريض في نهضة البلاد, ولم يجازه إلّا بالنفي والاغتراب. كان ذلك الألم يحز في نفس رفاعة, ويبلغ من شعوره كل مبلغ, ويتغلغل في نفسه كل تغلغل، وربما صقل الحزن نفسه, وتجسم الأمل في نفسه, وتملكه الخيال الذي تمثّل له في قصة تلماك, فراح يقرن بين حال الملكين ويتكهن بأن يكون أحدهما كالآخر في مصرعه, ولم يدع له الغيظ قوةً يكتم بها إحساسه, فأرسل حدسه في صورة الخبر, وأبرز خياله في معرض اليقين، وكم في الأمور من مصادفات. أثر رفاعه في السودان: قضى رفاعة في السودان زهاء أربعة أعوام, شعر فيها بمرارة الحزن والألم, وكانت صابًا وعلقمًا لمعنى الظلم والجور الذي يتمثل له، ولاغترابه عن أطفال صغار لا يدري ما فعل بهم الزمان, ولجزعه في منفاه على علم من أعلام النهضة, وهو محمد بيومي, أستاذ الرضيات, ورئيس أحد أقسام الترجمة, فقد صحب رفاعة في رحلته إلى باريس, وعاونه في نشر العلم بالسودان, وكان مصرعه به، وقد أشار إلى الجزع على فقده نصف صحبه الذي كان معه بقوله:

стр. 110

وحسبي فتكها بنصيف صحبي ... كأن وظيفتي لبس الحداد أما شعوره نحو السودان, فقد كان شعور حبٍّ وعاطفةٍ, وهو الذي قال على لسان مصر والسودان. نحن غصنان ضمَّنَا عاطف الوجد ... جميعًا في الحب ضم النطاق في جبين الزمان منك ومني ... غرة كوكبية الانفلاق وأيَّا ما كان, فقد نشر رفاعة في السودان ثقافةً وعلمًا, وقام على إدارة هذه المدرسة بإرشاده وجهوده, ونظم في محنته شعرًا أودعه مكنون نفسه وخوالج حسه, وشغل كثيرًا من وقته بالترجمة, فكان مما ترجمه قصة تلماك الرائعة. بعد عودته من السودان: وبعد عودته من السودان جُعِلَ عضوًا ومترجمًا في مجلس المحافظة, تحت رئاسة المرحوم أدهم باشا, ثم جُعِلَ ناظرًا لمدرسة الحربية بالحوض المرصود, وبعد شهور تجددت المدرسة الحربية بالقلعة, فأحيلت إليه نظارتها مع نظارة قلم الترجمة, ومدرسة المحاسبة, والهندسة الملكية, والتفتيش, والعمارة, وفي سنة "١٢٧٧هـ ألغيت المدرسة الحربية المذكورة وقلم الترجمة, وما معهما, فظَلَّ خاليًا من الوظيفة حتى سنة "١٢٨٠هـ "وفيها أحليت إليه نظارة "قلم ترجمة" وجُعِلَ من أعضاء قمسيون المدارس, مع الإشراف على صحيفة "روضة المدارس". وقد ظلَّ كذلك في جهدٍ وعمل دائبين حتى كانت غرة ربيع الآخر سنة تسعين ومائتين وألف, فخبت بالموت شعلته, وانطفأت بالمنية حياته وعبقريته. أثره في النهضه: كان رفاعة بك شعلةً منقدةً لا يخبو نورها, وحركة يقظةٍ لا يفتر نشاطها.

стр. 111

اضطلع بهذه الجهود الجبارة التي تعجز الجهد وتعين الطاقة, فكان مجموعةً من الرجال, وجمهرةً من النباهين, وطائفةً من المواهب؛ ألَّفَ وترجَمَ ووجَّهَ وعَلَّمَ وشَرَّعَ ونَظَمَ ونقل إلى مصر ما كانت تنشده من علم الغرب وآدابها وفنونها ومختلف ثقافاتها, ودرج على نظمها وأسباب مجدها, وصنع على عينه تلامذة أذكياء أفذاذًا, كانوا أقباسًا من ضوئه, ومشاعل من هداه, فنهجوا نهجه, وسلكوا طريقه, وكانوا الغاية البعيدة التي تنشدها البلاد، والحقّ أن رفاعة كان في الناهضين والمصلحين ورجال العلم أمة وحده, وهو الأديب البارع, والشاعر المقبول, والعالمُ الفَذُّ المتمكنُ في غير ما ناحيةٍ من نواحي العلم, والمترجم الذي فتح العيون على أطايب آداب الغرب وعلومه, ولعمري أنه لمفخرة هذا الجيل, والآية الناطقة بفضل الأزهر وجلائل آثاره. كان رفاعه أول مترجم مصريٍّ في النهضة الحاضرة, وقد استطاع أن يشرف على قلم الترجمة الذي ضم خسمين مترجمًا, كان له شرف توجيههم وإرشادهم, وما منهم إلّا وله اليد البارعة في ترجمة آداب الغرب وعلومه وفنونه. وقد كان رئيس الترجمة قبله بمدرسة الطبِّ رجلٌّ شاميٌّ, يدعى: "عنحوري" فلما ألحق رافعه بهذه المدرسة كتب المترجم الشاميّ باختباره في الترجمة, وأعطاه فصلًا من كتابٍ, وقال له: ترجمه في مجلسنا هذا, فترجمه رفاعة من فوره؛ فإذ قرأه الممتحن ملكه العجب, وحمل ترجمة رفاعة إلى الديوان، وقال للرؤساء في ذلك الحين: هذا أستاذي, هو أحق بالرياسة مني؛ لأنه أدرى مني بالتعريب والتنقيح والتهذيب, وهذه شهادة الحق التي تقضي له بالسبق١. وهو أول منشيء لصحيفة أخبار بالقطر المصريّ, فقد تكفَّل أثر عودته من باريس بنشر صحيفة خبرية وهي "روضة المدارس" مع تعذر الحصول

стр. 112

على موادها إذ ذاك، وقد مكثت هذه الصحيفة مدةً, ثم انتكست قليلًا إلى نهوض ونشاط. ومما امتاز به وقوفه على التواريخ القديمة والحديثة والأنساب, مما لم يكد يلحقه فيه غيره١ كما كان له أكبر الفضل في نشر العلوم والمعارف بِحَثِّهِ الحكومة على طبع طائفةٍ من أمهات الكتب العربية على نفقتها؛ كتفسير الفخر الرازي, ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، والمقامات الحريرية, وغير ذلك٢. ما ألفه أو ترجمه: ١- تخليص الإبريز والديوان النفيس: وهو رحلته إلى باريس, وقد أبدع فيما تناوله فيها من وصف ما شاهده من مغادرته مصر إلى عودته إليها, فوصف أحوال فرنسا وأخلاق أهلها وعادتهم وعلومهم وفنونهم وأساليب حكمهم ومعيشتهم وأحوالهم الاجتماعية والسياسية, وقد تَمَّ ما كتبه في هذه الرحلة عن ميله إلى البحوث التاريخية والجغرافية, فإنه يقف عند كلِّ بلد يَمُرُّ به, فيحدث عن ماضيه وحاضره وطبيعته, مع دقةٍ في الملاحظة, ورقة في الأسلوب, ووفرة في مادة اللغة وتعبيرها, متعمقًا في بحثه, مستقصيًا في حديثه، ويدلك على شغفه بالعلم إسهابه في وصف علوم فرنسا وعلمائه ومكاتبها وجمعياتها العلمية ومدارسها ومعاهدها, وثروتها العلمية من الكتب والمجلدات والصحف٣. وقد أعجب محمد علي باشا بها, وسُرَّ لها, وأصدر أمره بقراءتها في قصوره, وتوزيعها على الداووين والوجوه والأعيان بعد طبعها, كما أمر بتلاوتها للانتفاع بها في المدارس المصرية, وقد طبعت هذه الرحلة مرتين وهي

стр. 113

أول رحلة مصرية بأروبة في تاريخ مصر الحديث، وقد انتفع بها الخاصُّ والعامُّ, بما فيها من الفوائد والتعليمات الأوربية والأزهرية١. ٢- قلائد المفاخر في غرائب الأوائل والأواخر: وهو مجلد متوسط الحجم, ترجمه وهو في باريس, وتصرف في تعريبه بما رآه, ووضع فيه نبذةً لإيضاح ما فيه من أسماء البلدان والرجال, وحدَّث عنه بفصيح لسانه وواضح بيانه، وقد طبع ببولاق سنة ١٨٣٣. ٣- المرشد الأمين في تربية البنات والبنين: في مجلد واحد, ألفه للتعلم بمدارس البنات, وهو كتاب نفيس لم يؤلف مثله في حينه. ٤- التحفة المكتبية في النحو: وهو كتاب لطيف يقع في مجلد, جمع فيه القواعد والأحكام والأصول النحوية, بطريقة سهلة منظمة, وحصر كل باب من هذا الكتاب في جدولٍ حتى يسهل الانتفاع به, وهو مطبوع على الحجر بمطبعة المدارس الملكية. ٥- مواقع الأفلاك في أخبار تليماك: وهو تعريب وقائع تليماك الفرنسية, لمؤلفها الكاتب الروائي المستر "لافونتين" رئيس أساقفة "كمبراي" ترجمه رفاعة في منفاه بالخرطوم, وقد تصرَّفَ فيه كما رأى, فزاد ونقص وأفرغه في قالب عربيٍّ بديع, وهو مطبوع في بيروت. ٦- مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب المصرية: وهو بحث يحتوي وصف مصر وبيان حضارتها وعلومها وصناعتها وأخلاق أهلها وحكومتها, وما هي عليه من اجتماع واقتصاد وسياسة، وعدا ما يشتمل عليه من بحوث قيمه في الآداب, مما هو من ثمار الكتب العربية

стр. 114

والفرنسية وبحوث في الأخلاق والمواعظ, وهذا الكتاب من غرره, فهو آية في العلوم والآداب, فيَّاض بأمثال الحكماء وآداب البلغاء وكلام الشعراء, ولعله أغزركتبه مادةً, وأعمقها فائدةً, وأوفاها بيانًا. ٧- بداية القدماء وهداية الحكماء: وهو كتابٌ يتضمن تاريخ بني إسرائيل, والسوريين, والعجم, والهنود, واليونان, وقبائل العرب في شرح وبيانٍ, بأسلوب عذبٍ, وتبويب محكمٍ, وضع خطبته رفاعة بك, واحتفل بأسلوبها المسجوع الرصين, وأبان قيمة هذا العلم، وأن التاريخ مطمح خديو مصر الأعظم محمد علي باشا, وأن له به ولعًا شديدًا, ولا سيما تاريخ اليونان المشتمل على فحول رجال تلك الأزمان. وكان بمدرسة الألسن من يقوم بتعريب ظرفه, ويخرج دره من صدفه؛ فأعطاه رفاعة بك لجماعةٍ منهم, وقد اختص بالقسم الخاصِّ بتاريخ اليونان "مصطفى أفندي الزرابي" المترجم بالمدرسة, وما زاد عنه واضطلع به زملاء آخرون, ووضع اسم كلَّ واحد عند الجزء الذي ترجمه, وقد رأى رفاعة أن هذا المؤلف ينقص تاريخ الخليقة والعرب, وفي كتاب عماد الدين أبي الفداء سلطان حماة ما يفي بالأدب, فلذلك أضافه إلى الترجمة حرصًا على كماله. ويقول رفاعة عن هذا الكتاب -بداية القدماء: "وهو أول ترجمة كتاب في تاريخ القدماء, جمع فأوعى, وإليه في هذه المادة الرجعة, وهو من الإتحافات الإفرنجية التي يصدق عليها قول الشاعر: يحدث حاضرًا عنهن باد ... ويتحف مغربي مشرقيًّا١ وقد تم طبع هذا الكتاب بمطبعة بولاق في ربيع الآخر سنة "١٢٥٤هـ". التعريبات الشافية لمريد الجغرافية: ومجلد ضخم ترجمه من الفرنسية إلى العربية لتدريس الجغرافية في

стр. 115

المدارس المصرية, وأضاف إليه بعض زيادات نافعة, وعرضه على المرحوم محمد علي باشا فارتاح له, وأمر بطبعه ونشره, وقد طبع غير مرةٍٍٍٍ, كما له في الجغرافية أيضًا كتابٌ يسمى: "الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار". أنوار توفيق الجليل وتوثيق بني إسماعيل: جمع هذا الكتاب من التواريخ القديمة والحديثة العربية والغربية طرفًا, فمنه تاريخ مَنْ حكموا مصر من الدول والملل في جميع الأعصر, سواء كانوا من أهلها, أم أجانب عنها, قبل الإسلام وبعده, وذلك بعد أن قسَّم التاريخ إلى أثريّ وبشريّ, ومهَّد لتاريخ مصر وقسمه أقسام وضعية مبنية على أطوارها الطبيعية، وقد طبع بمطبعة بولاق, وبأوله تقاريظ لبعض الأدباء. وله غير ذلك. مختصر معاهد التنصيص -وهو اختصار المعاهد مع بعض زيادات نافعة، وجمال الأجرومية وهي منظومة سهلة، المذاهب الأربعة -وهو بحث فيها ألفه حين كان ناظرًا لمدرسة الألسن وانتفع به تلامذته، وشرح لامية العرب، والقانون المدنيّ الإفرنجي؛ نقله من الفرنسية إلى العربية, وقد عاونه بعض تلامذته, وعَرّبَ أيضًا قانون التجارة الفرنسي, ومن القوانين التي عرَّبَها رفاعة وتلامذته, استمد الشارع المصريّ معظم أحكام قوانين المعاملات المدنية والمرافعات والعقوبات, تلك القوانين التي بُنِيَ على أساسها النظام القضائيّ الحديث, ومن ذلك يتبين فضل رفاعة بك وتلامذته في إقامة صرح العدالة في مصر١. ومن آثاره أيضًا كتاب "هندسة ساسير" وترجمه من الفرنسية إلى العربية, وكتاب "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز" وكان آخر مؤلفاته هذا الكتاب٢ وقد عَرّبَ طائفةً أخرى من الرسائل منها:

стр. 116

نبذة في تاريخ الأسكند, مأخوذة من تاريخ القدماء, وكتاب "أصول المعادن" وتقويم سنة ١٢٤٤ من الهجرة, ألفه مسيو "جومار" لاستعمار مصر والشام, وهو يتضمن شذارت عملية وتدبيرية، وكتاب "دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعوائدها" ومقدمة جغرافية طبعية, وله ثلاث مقالات من كتاب "لجندر" في علم الهندسة, ونبذة في علم الهيئة, وقطعة من علميات الضباط، وله أصول الحقوق الطبعية التي عتبرها الإفرنج أصلًا لأحكامهم، ونبذة في جاهلية اليونان وخرافتهم، ونبذة في علم سياسة الصحة، ومن مؤلفاته "رسالة الكواكب النيرة في ليالي أفراح العزيز المقمرة" في تهاني الخديوي إسماعيل بأفراح أنجاله. رفاعة "ومونتسكيو ومطلبرون" ١: أشار رفاعة بك في بعض شعره الذي نظمه في السودان إلى أنه عَرَّبَ لمونتسكيو وملطبرون, فقال: على عدد التواتر معرباتي ... تفي بفنون سلم أو جهاد وملطبرون يشهد وهو عدل ... ومونتسكيو يقر بلا تماد وقد أكد هذه الإشارة الدالة على تعريبه لهما الشيخ محمود كشك الطهطاوي, الذي أشرف على تصحيح الطبعة الثانية من كتاب "مناهج الألباب" فقد نوّه بجهد محمد بك رفاعة" حفيد رفاعة بك في نشر هذا الكتاب, وأن همته ستشع لأحياء بقية الكتب الأخرى التي ترجمها رفاعة بك عن الفرنسية كرواية "تليماك" وتجرمة ملطبرون ومونتسكيو وغيرها. وأورد بعد ذلك صورة الخطاب الذي كتبه المرحوم الشيخ عبد الكريم سلمان إلى حفيد رفاعة بك, وقال فيه: "فاجعل كتابي هذا غير قاصر على تقريظ عملك الجديد المفيد, ومده إلى إيجاد ذينك السفرين" ترجمة ملطبرون

стр. 117

ومونتسكيو, ولقد رويت عن عمك الأعز ﵀ أن والده الأكرم -أكرم الله موثاهما- ترجمهما, وأن نسختهما موجودة, وأسمعني ما بقيت حافظه إلى الآن, مما يبرهن على أنه -طيَّبَ الله ثراه- ترجمهما, وهو: وملطبرون يشهد وهو عدلٌ ... ومونتسكيو يقول ولا يماري١ وعلَّق على هذا الخطاب بقوله: ونحن نَزُفُّ البشرى إلى الجمهور بوجود أصل هذين الكتابين في خزانة كتب المؤلف، وتعويل حضرة حفيده الأكرم على طبعهما إجابة لطلب فضلية الأستاذ, وحبًّا في تعميم النفع لأبناء العصر. هذه دلائل قوية على ترجمة رفاعة بك لهذين الكتابين، ولكن بالرجوع إلى ما ترجم رفاعة في عهدي محمد على وإسماعيل باشا, لا توجد ترجمة مونتسكيو من بينهما, غاية الأمر أنه قرأ له, وتاثر به, وخاصَّةً كتاب "منهاج الألباب العصرية" فهو متأثر فيه بكتاب مونتسكيو, إلّا كتاب "براهان البيان وبيان البرهان في استكمال واختلال دولة الرومان"٢ وكانت الترجمة تحت إشراف رفاعة، وقد ترجم هذا الكتاب الأخير حسن أفندي الجبيلي, وانتهى من ترجمته في١٢ من ربيع الآخر سنة "١٢١٠هـ" أي: بعد وفاة رفاعة, وتَمَّ طبع هذا الكتاب بعد ثلاث سنوات, في ذي القعدة سنة "١٢٩٣هـ"، ومعنى ذلك: أن ليس فيما ترجم لمونتسكيو مما هو ثبت في الكتب المترجمة في عهدي محمد علي وإسماعيل إلا "بيان البرهان" ورفاعة فاخر بترجمة مونتسكيو في شعره, فلم يبق إلّا أن مسودات الكتاب في خزانة كتبه, أو امتدت إليه يد الضياع فعبثت به.

стр. 118

أما جغرافية "ملطبرون" فقد عَرّبَ رفاعة منها أربعة مجلدات, وبقيت مجلدات أخرى بغير تعريب, ويقول جورجي زيدان: "ويظهر من مطالعتها أنه ترجمها على عجل, والواقع يؤيد ذلك؛ لأننا علمنا أنه ترجم مجلدًا منها في ستين يومًا سنة ١٢٦٥هـ١". وقد عَرَّبَ الجزء الأول منها بعنوان: "الجغرافية العمومية"٢. هذه آثار رفاعة التي كونت نهضةً أدبيَّةً علميةً, وسجَّلَت له بين العباقرة الأفذاذ ذكرًا محمودًا, وأثرًا مخلدًا، وله عدا ذلك ما ترجمه من تاريخٍ وأدبٍ وعلمٍ وفنٍّ شارك في تعريبها وتهذيبها النابهين من المؤلفين والمترجمين، ويقول جورجي زيدان: "وله من الرسائل والمقالات شيء كثير, وقفنا على بعضه٣". والحق أن رفاعة كان علم هذه النهضة, والمثل الرفيع للنباهة والجد والمثابرة, نشر العلم في أوساط فسيحة, وأسَّسَ نهضةً علميةً متوثبةً, وفتح للمتعلمين آفاقًا واسعةً لم يكن لهم بها عهدٌ, وذوقهم معنى العلم الصحيح, وشوقهم للاستزادة منه, وبصرهم بعيوبهم, وأبان المناهج لتكميل نقصهم، وليس ذلك بقليل على رجل٤. أسلوب رفاعة: نشره: كان رفاعه متأثرًا في أدبه بروح عصره, خاضعًا للتعمل والتكلف, متهافتًا

стр. 119

على الصنعة, وكثيرًا ما يتعثر في السجع المصطنع, ويشد أنواع البديع شدًّا, ولكنه على رغم ذلك, أحد دعائم النهضة الأدبية, وأحد الذين تأثروا بأسلوب الغرب, وظهر عليهم طابعه من طول ما ترجم من علومه وفنونه, وإنه وإن كان في أسلوبه السجع المتكلف الممزوج بحسن اختيار الألفاظ وبلاغة العبارة, تجد في مؤلفاته السهل الممتع الذي يشبه أجود أساليب الصحف اليومية عندنا الآن١ وتتنسم منه روح الترسل والاطراد. شعره: أما عشره فهو متصل بنثره في طابعه العام, يتهافت على التصنع, وينجذب إلى البديع, وقد يكون في شعره ضعيفًا أشبه ما يكون بشعر الفقهاء٢ إلّا أنه له مع ذلك خيالًا خصبًا, وتصويرًا رائعًا, وسهولةً متدفقةً, تجد ذلك أحيانًا في شعره, تأثرًا بالغرب الذي تمشى في بلاده, وأطال التقليب في ثقافته وشعره, بعد المرحلة التي عبرها الشعر العربيّ إلى مرحلة التجديد التي ظهر فيها أمثال البارودي وشوق وحافظ وإسماعيل صبري وغيرهم. ولرفاعة قصائد وموشحات وأراجيز, وهي على كثرتها, على حظٍّ من الجودة, وله في المرحوم محمد علي ونجله الأكبر إبراهيم المدائح التي سارت بها الركبان, وله في مدح المرحوم سعيد من القصائد والمربعات والمخمسات والتواشيح والأدوار الكثير الطيب مما هو محفوظ في الصدور, مرقوم في السطور٣ وله ديوانٌ يبلغ أربعة آلاف بيتٍ من الشعر.

стр. 120

نماذج من نشره: كتب في "تخليص الإبريز" تعليقًا على موقف الملك شارل لما قامت الثورة في باريس فقال: فلما اشتد الأمر, وعلم الملك بذلك, وهوخارج أمر بجعل المدينةمحاصرة حكمًا، وجعل قائد العسكر أميرًا على أعداء الفرنساوية, مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية, مع أن هذا خلاف الكياسة والسياسة والرياسة, فقد دلَّهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي, فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو الملك أبقى للملك، ولما ولّى على عساكره إلى جماعة عقلاء أحبابًا له وللرعية, غير مبغوضين ولا أعداء، ولكنه أراد هلاك رعيته حيث أنزلهم منزلة أعدائه, مع أن اصطلاح العدو أحزم من استهلاكه، ويحسن قول بعضهم: عليك بالحلم وبالحياء ... والرفق المذنب والإغضاء وإن لم تقل عثرة من يقال ... يوشك أن يصيبك الجهال فعاد عليه ما فعله بنقيض مراده, وبنظير ما نواه لأضداده، فلو أنعم في إعطاء الحرية لأمة بهذه الصفة حرية, لما وقع في مثل هذه الحيرة، ونزل عن كرسيه في هذه المحنة الأخيرة, لا سيما وقد عهد للفرنساوية بصفة الحرية، وألفوها واعتادوا عليها, وصارت عندهم من الصفات النفسية. وما أحسن قول الشاعر: وللناس عادات وقد ألفوا به ... لها سنن يرعونها وفروض فمن لم يعاشروهم على العرف بينهم ... فذلك ثقيل عندهم وبغيض من كلامه في حب الوطن: "إن حب الوطن من الإيمان, ومن طبع الأحرار إحراز الحنين إلى الأوطان، ومولد الإنسان على الدوام محبوب, ومنشؤه مألوف له ومرغوب، ولأرضك حرمة وطنها, كما لوالدتك حق لبنها، والكريم لا يجفو أرضًا بها

стр. 121

قوابله, ولا ينسى داراً فيها قبائله، فإني وإن ألبستني المحروسة نعمًا, ورفعت لي بين أمثالي علمًا, وكانت أم الوطن العامِّ, وولية الآلاء والأنعام, وأحبها حبًّا جمًّا؛ لأنها ولية النعما. وقضيت فيها الأربعين مجاورًا ... كرام السجايا والبحور الطواميا فلا زلت أتشوق إلى وطني الخصوصي, وأتشوق وأتطلع إلى أخباره السارة وأتعرف، ولا أساوي "بطهطا" الخصبة سواها في القيام بالحقوق وإكرام مثواها. منازل لست أهوى غيرها سقيت ... حبًّا يعم وخُصَّتْ بالتحيات وأمنحها زمنًا بعد زمن الزيارة, وأجد فيها من هبات الحكومة بالعمارة, وأبذل في محبتها النفيس والنفس لتحصيل الأراضي للزرع والغرس، وأفتخر بها كما افتخر -عصام- بالنفس, وأنشد قول الحافظ كمال الدين الأدفوي: أحسن إلى أرض الصعيد وأهله ... ويزداد وجدي حين تبدو قباليا وتذكرها في ظلمة اليل مهجتي ... فتجري دموعًا إذ يزيد التهابيا ومما قاله في مقدمة "تليماك": أما بعد: فيقول المرتجى أن يكون لوطنه خير نافع, رفاعة بدوي رافع, ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس, قد تقلدت بعناية لحكومة المصرية الفائقة على سائر الأمصار, في عصر المحمدية العلوية السامي على سائر الأعصار, بوظيفة تربية التلاميذ مدةً مديدةً وسنين عديدةً, نظارةً وتعليمًا وترتيبًا وتنظيمًا, وتخرَّج من نارات تعليمي من المتفننين رجال لهم في مضمار السبق, وميدان المعارف وسيع مجال, وفي صناعة النثر والنظم أبهر بديهة, وأبهى روية, وأزهى ارتجال, وحماة صفوف لا يبارون في نضالٍ ولا سجال، وعرَّبت لتعليمهم من الفرنساوية والمؤلفات الجمة, وصححت لهم مترجمات الكتب المهمة من كل كتاب عظيم المناقع, وتوفق حسن تمثيلها في مطبعة الحكومة وطبعها, ومالت طباع الجميع إلى مطبوع ذوقها وطبعها، وسارت بها الركبان في سائر البلدان

стр. 122

وحدا بها الحادي في وادٍ, وقصدها القصاد كأنها حسان، وكان زمني إلى ذلك مصروفًا, ديدني بذلك معروفًا, مجاراةً لأمير الزمن -يريد محمد علي- على تحسين حال الوطن الذي حبه من شعب الإيمان, وفي مدة نحو ثلاثين لم يحصل لهمتي فتور ولا قصور. فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا نماذج من شعره: قال وهو في باريس يحن إلى مصر وأهلها: ناح الحمام على غصون البان ... فأباح شيمة مغرم ولهان ما خلته مذ صاح لا أنه ... أضحى فقيد أليفه ومعاني وكأنه يُلْقِي إليَّ إشارة ... كيف اصطباري مذ نأى خلَّاني مع أنني والله مذ فارقتهم ... ما طاب لي عيش وصفو زماني لكنني صب أصون تلهفي ... حتى كأني لست باللهفان وبباطن الأحشاء نار لو بدت ... جمراتها ما طاقها الثقلان أبكي دمًا من مهجاتي لفراقهم ... وأود أن لا تشعر العينان لي مذهب في عشقهم ورايته ... ومذاهب العشاق في إعلان ماذا عليّ إذا كتمت صبابتي ... حتى لو أن الموت في الكتمان وانتقل إلى التغني بمحاسن مصر فقال: هذا لعمري أن فيه سادة ... قد زينوا بالحسن والإحسان يأيها الخافي عليك فخارها ... فإليك أن الشاهد الحسنان

стр. 123

ولئن حلفت بأن مصر لجنة ... وقطوفها للفائزين دواني والنيل كوثرها الشهيّ شرابه ... لأبرّ كل البرّ في أيماني دار يحقُّ لها التفاخر سيما ... بعزيزها جدوى بني عثمان وقال يخاطب الجنود المصريين: يا أيها الجنود ... والقادة الأسود إن أمكم حسود ... يعود هامي الممدمع فكم لكم حورب ... بنصركم تؤوب لم تثنكم خطوب ... ولا اقتحام معمع وكم شهدتم الوغى ... وكم هزمتهم من بغى فمن تعدّى وطغى ... على حماكم يصرع وقد يمدح محمد عليًّا: ملأ الكون بشرًا عدله واعتداله ... وأغنى البرايا برّه ونواله حوى عزم كسرى في مهابة قيصر ... وما اسكندر في هزم "دارًا" مثاله متى قسته منهم بفرد ظلمته ... فقد زينت كل الملوك خلاله عظيم مقال ما كبا زند رأيه ... سني فعال لا تسامي فعاله يقول أناس طالع السعد حظه ... وما السعد إلّا عقلة وعقاله على الدهر نذر قد وفَّى فيه وعده ... ببحر خِضَمٍّ قد روتنا سجاله يفيض على العافي الجنوح فراته ... ويطفو على الجافي الجموع زلاله١

стр. 124

مآثره بين الأنام مفاخر ... وآثاره لا تنتهي وكماله دهت كل ذي فهم عزائم حزمه ... وما فوقت إلّا أصابت نباله تراه دوامًا ظافرًا بعزيمة ... ويحنو على مَنْ كبلته حباله أما أنه مولى شمائله بما ... حنان لمن تجنى عليه شماله "لمصر" به شأن طريف زهت به ... وهزّ عنيف قد أظلت ظلاله ألَا أيها المرتاب في أن قطرنا ... يفوق على كل الرجال رجاله لها الآن في كل النواحي أدلة ... بها زال عن رب الجدال جداله أتاح لها الموالي مليكًا قد انتمى ... إليها ومن أقصى البلاد ارتحاله محمد أفعال على مكارم ... بديع صفات لا تعد فعاله وما مثلها مقدونيا إذ أتت به ... وقد كان فيها حمله وفصاله منازل منها "اسكندر" فاتح الورى ... وإن لم يكن عم الأمير فخاله

стр. 125

التحرير الأزهر والتحرير ... التحرير ١: لما اتجهت رغبة محمد علي باشا إلى نقل العلوم الحديثة إلى العربية, كان أكثر الذين كُلِّفُوا القيام بهذا العبء ضعفاء على اللغة العربية, وأكثر علماء اللغة العربية يجهلون اللغات الأجنبية, فاحتاج محمد علي إلى مَنْ يحرر الكتب المنقولة, ويضع لها ما تتطلبه من المصطلحات العلمية, ويهيئها للطبع, والذي يسند إليه هذا العمل هو المحرر. ينتهي المترجم من نقل الكتاب الذي كُلِّفَ نقله من العلوم الحديثة إلى اللغة العربية, فيدفعه إلى المحرر فيقرأه, فإن كان المؤلف أو المترجم موجودًا قرآه المحرر بحضرته, وإلّا قام بدلًا منه عالِمٌ آخر له دراية باللغة الأصلية التي نُقِلَ الكتاب عنها, أو أُلِّفَ بها. وكان ما يراد نقله من الكتب الحديثة إلى العربية علميًّا فنيَّا مشتملًا على مصطلحاتٍ خاصَّةٍِ, ومن ثَمَّ دعت الحاجة إلى محررين يعرفون هذه المصطلحات, ويدركون مكانها في اللغة العربية, مع معرفة قواعدها وشواردها. الأزهر والتحرير: احتاجت الحكومة في صدر هذه النهضة إلى محررين يتقنون اللغة العربية, فلم تجد سوى الأزهريين المجودين اللغة, والواقفين على أسرارها, والقابضين

стр. 126

على ناصيتها, القادرين على البحث والتحقيق العلميّ, فعهدت إلى جمهرة منهم بهذا العمل الجليل, فحرروا الكتب المؤلفة أوالمترجمة في الطب والرياضة وغيرها من مختلف العلوم والفنون. وكثيرًا ما كان يقوم بهذا العمل رفاعة بك رافع, أو بعض تلامذة مدرسة الألسن الأزهريين, الذين قامت عليهم هذه المدرسة, فيكون المحرر على درايةٍ بمعاني الألفاظ في اللغة الأصلية, ويضع لها ما يلائمها من الألفاظ العربية. فإذا انتهى المحرر من ذلك "بَيَّضَ" الكتاب وأنهاه إلى المصحيين لقراءة المسودات وتنقيحها قبل طبعها. وكثيرًا ما كان يتولى العملين معًا -التحرير والتصحيح- بعض الأزهرين الذين لهم براعة في الإلمام باللغة العربية وأسرارها. ولا ينبغي أن نستهين بما لهؤلاء المحررين من نصيبٍ في هذه النهضة, فقد أظهروا هذه الثروة الضخمة الناشئة عن وضع مصطلحات عربيةٍ مناسبةٍ للمصطلحات الأجنبية, وزاد ذلك في ألفاظ اللغة العربية, وأعانها على تأدية رسالتها, وكثيرًا ما يتطلب هذا التحرير ممن يقومون به تقليبًا في كتب اللغة العربية ومراجعةً للكتب الفنية القديمة؛ كمفردات ابن البيطار؛ لاستخراج المصطلحات العلمية, أو للاستعانة بها على صوغ ما تتأدى به مطالب العلم الحديث. إذًا لم ينهض القديم بأدائه حتى أصبح للطب في خمس سنين قاموس تزيد كلماته على ستة آلاف كلمة, وكم بذل علماء الأزهر في هذه السبيل من جهد, وكان لهم في النهوض بهذا العبء ما يذكرهم لهم بالحمد والتقدير, وسنتحدث عن أشهر المحررين من علماء الأزهر في صدر النهضة؛ لنرى إلى أيِّ حدٍّ كان جهدهم, وأثرهم, ولنقف على حياتهم.

стр. 127

محمد عمر التونسي: المتوفى سنة "١٣٧٤هـ-١٨٥٧م" نشأته وحياته: هو محمد بن عمر بن سليمان التونسي, كان من المتفوقين المجدين في معرفة اللغات والمصطلحات العلمية, ولد سنة ١٠٢٤ هـ بتونس, وكانت أمه مصرية, فحملت به في مصر, وكان أبوه عمر التونسي, طالبًا بالأزهر, وجده سليمان من أشراف تونس، وقد فَصَّلَ محمد التونسي تاريخ أسرته في رحلته التي سنتحدث عنها, وكيف أنه رحل إلى السودان, ورجع منها رقيق الحال, ضيق اليد, فعكف على تحصيل العلم, وكان محمد علي قد مَدَّ يده لإنهاض البلاد وإحياء آدابها, مُعوّلًا على الشباب الناهض فيها, فوجد التونسي الفرصة سانحةً لتقدير مواهبه, وظهور فضله, فأخذ في الجد في الأزهر, وتهيأ له أن يكون واعظًا في جيش إبراهيم باشا في أثناء حملته إلى بلاد العمورة. ولما عاد من حملته كانت مدرسة أبي زعبل قد أنشئت, وأخذ النقلة في نقل كتب الطب وغيرها, فعُيِّنَ مصححًا للكتب بها, وأعجب به الدكتور "برون" وارتاح إلى أدبه, فقرأ عليه كتاب "كليلة ودمنة" ولمع نجمه في التحرير والتصحيح, وامتاز من بين زملائه بمعرفة المصطلحات العلمية بالعربية، فكانوا يرجعون إليه في تحقيقها, ويطلقون عليه: "مصحح كتب الطب ومحررها". وكانوا إذا أرادوا أن ينقلوا كتابًا في أوائل إنشاء مدرسة الطب وجدوا مشقةً في إيجاد الألفاظ العربية الملائمة للألفاظ الفرنجية في الكتب المترجمة, فيضطرون إلى الرجوع إليه في تحرير الكتب. على أنه كان بارعًا في صياغة الألفاظ والمعاني في قالبها العربيّ, ومن ثَمَّ كان تعويلهم عليه؛ كما فعلوا في تنقيح كتاب "الدرر الغوال في علما أمراض الأطفال" الذي ألَّفَه كلوت بك, فقد نقله الدكتور محمد شافعي بك من الفرنسية إلى العربية, ثم عرضه قبل طبعه على التونسي فحرره ونقحه. وكذلك فعل في كتاب "كنوز الصحة" لكلوت بك, و"الجواهر السنية في الكمياء" لبرون بك, وقد بذل التونسي في تحرير هذه الكتب, والبحث عن المصطلحات العربية, جهودًا جبارةً, كما حرر كتاب "النبات" "لفييجري بك, وترك آثارًا قيمة, ومآثر جليلةً دالةً على فضلة, نعرض أهمها:

стр. 128

١- النذور الذهبية في الألفاظ الطبية: وهو معجمٌ للمصطلحات العلمية على اختلاف موضوعاتها, ويقول في مقدمته: لما كثرت ترجمة الكتب الطبية, رأيت أن أؤلف قاموسًا جامعًا للمصطلحات, وكان كلوت بك, قد أتى بكتابٍ فرنساويٍّ في المصطلحات الطبية والعلمية, وأوعز إلى مهرة المعلمين بترجمته، وهم: إبراهيم النبراوي, معلم الجراحة الكبرى, ومحمد علي البقلي, معلم الجراحة الصغرى, ومحمد الشافعيّ, معلم الأمراض الباطنية, ومحمد الشباسي, معلم التشريح الخاصِّ, وعيسوي النحراوي, معلم التشريح العام, والسيد أحمد الرشيدي, معلم الأقرباذين والمادة الطبية, ومصطفى السبكي, معلم أمراض العين, وحسين على, معلم النبات, فترجم كل منهم الجزء الذي أعطيه, فأوعز إلى الدكتور "برون" ناظر المدرسة, أن آخذ من الكتاب كل لفظٍ يدل على مرض, أو عرض, أو نابت, أو معدن, أو حيوان, أو غير ذلك من الاصطلاحات, وأن أستخرج ما في القواميس من التعاريف, وما في تذكرة داود, وما في فقه اللغة, وغيره من المعاجم وكتب اللغة، ففعلت ذلك, وأضفت إليه أسماء العقاقير, وأسماء الأطباء المشهورين, ورتبته على حروف المعجم. فكتابه هذا معجم للمصطلحات الطبية والأطباء، وقد أسند لكل مؤلف ما أخذه منه, فجاء كتابًا قيمًا وافيًا مستغرقًا ستمائة صفحة من الحجم المتوسط, وهذا المعجم من أنفس الذخائر التي تريك مبلغ ما توفر عليه التونسي من بحث وجهد وتنقيب, وحسبه دلالةً على فضله, وما اضطلع به في خدمة النهضة الحديثة التي اتكأت عليه, وعلى أمثاله من نابغي الأزهر, فشقت بهم طريقًا إلى الحياة. وقد حمل هذا الكتاب إلى باريس، وفي المكتبة الخديوية نسخةً منقولةً منه, مصورة من نسخة باريس, وآثرت وزارة المعارف طبعه في جملة الكتب التي أرادت بطبعها إحياء اللغة العربية وآدابها. ٢- تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان: وهي رحلةٌ يصف فيها سفره إلى السودان, وما شاهده في طريقه من

стр. 129

واحات مصر، وقد طُبِعَت هذه الرحلة سنة "١٨٥١م" في باريس, مع ترجمة فرنسية وعلق عليها "سديليو" بمقالة في المجلة الأسيوية, وفي الخطط التوفيقية قطعة منها في وصف الواحات, نقتطف منها طرفًا لنقف على أسلوبه, قال: "ثم جيء بالمطيّ فحملتنا وخرجنا في مهمة حتى وصلنا إلى الخارجة في عشية اليوم الخامس, فوجدناها قد دار بها النخيل دورة الخلخال بالساق, والتفاف يد العاشق على معطاف المشعوق للعناق, وفيها من الثمر ما تشتيه الأنفس وتلذ الأعين, مع رخص الأسعار وحسن تلك الثمار.... ثم سافرنا يومين ونزلنا في ثالثهما بلدًا يقال له: "بولاق" هو من الساكن في أملاق, قد درست معالم أكثرها, وتصدع بناء أقومها وأشهرها, ومن العجائب أن نخلها في غاية القصر, وهو حامل للثمر, لا يتكلف جانيه للقيام, بل يتناول منه وهو في حالة النيام, وليس به من الشجر إلّا ما قلّ, وهو بعض أثلٍ وعبل٢. ومما يذكر التونسي في رحلة أنه قد ورد على أبيه بمصر من أخيه لابيه, بسنار خاطب يفيد أن والده توفي وترك طائفة من الكتب سُرِقَت, وبقي بعد مدة في عسر وضيق يد, ثم يقول التونسي: "وتركني ابن سبع قد ختمت القرآن أول مرة, ووصلت في العود إلى آخر آل عمران، وكان لي أخٌ ابن أربع سنين, وترك لنا نفقة ستة أشهر, فمكثنا سنةً باعت والدتي فيها أشياء كثيرة من نحاس وحليّ, ثم يقول: وبينما أنا متحيِّرٌ في طلب المعاش؛ إذ بلغني أن قافلةً وردت من دارفور, وكان قد بلغنا قبل ذلك أن والدي توجه من سنار إليها في صحبة أخيه، فتوجهت إليها لأسأل عن أبي, فلقيت رجلًا من أهل القافلة, مُسِنًّا ذا هيبة ووقار, يسمى: "السيد أحمد البدوي" فقبلت يده, ووقفت أمامه، فقال لي: ما تريد؟ فقلت أسأل عن غائب

стр. 130

لي في بلدكم, لعلكم تعرفونه, فقال: من هو؟ قلت: السيد عمر التونسي, من أهل العلم, فقال: "على الخبير به سقطت" وهو صاحبي, وأنا أعرف الناس به, وأرى بك شبهًا به, فكن ابنه, فقلت: أنا هو, على تغيير حالي وتبليل بالي, فقال: يا بُنيّ, ما يقعدك عن اللحاق بأبيك لترى عنده ما يهنيك؟ فقلت: قلة ذات يدي، فقال: إن أباك من أعظم الناس عند السلطان وأكرمهم عليه, وإن أردت التوجه إليه, فأنا على مؤنتك ومركوبك وراحلتك حتى تصل إليه١". والتونسي أديبٌ, أقبل على التزود من الشعر والأدب العربيّ في صباه, وكانت همته مصروفةً إلى تحصيل العلوم, وجمع المنثور والمنظوم, إلّا أن أدبه في مرتبة وسطى, لا يبلغ درجة الإجادة, ولا يهبط إلى مستوى الغثاثة.

стр. 131

محمد عمران الهراوي: يقول جورجي زيدان في الحديث عنه: "هوأقدم محرري النهضة في هذه النهضة, لم نقف له على أخبار كثيرةٍ من حيث أصله وترجمة حاله, لكنه طبعًا من تلاميذ الأزهر؛ لأنهم أوثق الثقات في علوم تلك الأيام, وخصوصًا اللغة١". وعلى الرغم أن حديث جورجي زيدان عنه من حيث نسبته إلى الأزهر, كان مبنيًّا على الاستنباط, غير معتمد على حجة قاطعة بنسبة إلى الأزهر, إننا نذهب مذهبه, ونسلكه فيمن نهض بالتحرير من أبناء الأزهر في صدر النهضة، فلم يكن سواهم في هذه الفترة على تمكن من اللغة وعلومها وإلمام بشواردها ودقائقها. ويذكر عبد الرحمن الرافعي بك "أن محمد علي" اختار طائفة من

стр. 132

المحررين من علماء الأزهر, وأن ممن مهر من هؤلاء التونسي, ومحمد عمران الهراوي١. ومما يذكر له بالفضل أنه هو الذي وضع نواة التحرير في النهضة الحديثة, فقد حَرَّرَ أول كتاب مترجم في الطب, في صدر هذه النهضة, وهو كتاب "القول الصريح في علم التشريح" الذي ألفه "كلوت بك"، وترجمه "يوحنا عنحوري" وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٢٤٨هـ. كما حَرّرَ كتاب "العجالة الطبية فيما لابد منه لحكماء الجهادية" ألفه: "كلوت بك" وترجمه "أوغسطين سكاكيني" وطبع في مطبعة أبي زعبل سنة ١٢٤٨هـ, وهو الكتاب الثاني من مطبوعاتها, على أن "الهواري" حرر كثيرًا مما ترجمه "يوحنا عنحوري" والمدرسة لا تزال في أبي زعبل, وقد ظلَّ في عمله حتى بعد انتقالها إلى القصر العيني. الأزهر والتصحيح: لما أنشأ محمد على المدارس التي تدرس بها العلوم الحديثة؛ كمدارس الطب, والهندسة, والألسن, والزراعة, كانت اللغة الأجنبية لغة الدارسة, وكان يقوم على ترجمتها للتلامذة فريق ممن يجيدون الترجمة بهذه المدارس، وبقلم الترجمة الخاص بذلك, ثم تُعَرَّبُ هذه الدروس, ويتولى المحررون وضع مصطلحاتها بعد البحث عنها في معاجم اللغة, ثم تنتهي إلى المصححين الذين يقومون على إصلاح هذه الدروس المعربة وتنقيها من الخطأ من الوجهة اللغوية والبيانية. ولم يجد محمد علي إلّا أزهريين يقومون بهذا العمل الجليل الذي كان له أثر عظيم في نشر الكتب القيمة المحدثة, وإخراجها صحيحة بعد الاعتلال, مستقمية بعد اعوجاج، ولولا العناية التي بذلها المصححون, والجهد الذي تفرغوا له, لبقيت هذه الكتب يتداول الناس أخطاءها, ويتناقلون فسادها, ولكنهم أذهبوا في تهذيبها سواد العيون, فخرجت في ثوبٍ قشيبٍ, وسَهُلَ الانتفاع بما فيها من كنوز.

стр. 133

وكان من أهم أسباب النهضة الأدبية في هذا العصر, التوفر على طبع الكتب الأدبية القديمة الحافلة بالأدب الحيّ, والعلم الدقيق, مما هو نتائج عقول الأدباء والعلماء، وقد عُهِدَ إلى علماء الأزهر بتصحيح طائفةٍ ضخمة من هذه الثقافات؛ من أدب وتاريخ وفقه وتفسير, وغير ذلك مما هو من أمهات الأصول من كل فَنٍّ, فجهدوا في تصحيحها من كل خطأ يقعون عليه, وأخطاء هذه الكتب كثيرة شاقة, تحتاج في معالجتها إلى العلم الدقيق, وسعة الدارية, وطول المثابرة, فكم عثر هؤلاء المصححون على تقديم في هذه الكتب وتأخير فيها, وكم ارتطموا بحذفٍ يَخِلُّ بالمعنى, ويتعسر به فهمه, هذا إلى ما ينتج عن جهل النساخ حينًا, وخطأ الطبع حينًا آخر. والتصحيح فَنٌّ دقيقٌ ينبني عليه إخراج الكتب والمؤلفات صحيحة خالية من الأغلاط المطبعية التي تشوبها, ولعلك تلاحظ في الكتب التي كانت تطبع في ذلك العصرخلوها من الأغلاط, وهذا راجع إلى حسن اختيار المصححين في مطبعة بولاق١. والحق أن هؤلاء العلماء كانوا يمتازون في عصرهم بثقافةٍ أوسع من ثقافة أمثالهم, واقتضاهم عملهم أن يطلعوا على كثير من الكتب؛ في التاريخ, والأدب, واللغة, والفلسفة, وغير ذلك, فاتسعت مداركهم وآفاقهم, واضطرهم علمهم أن يكتبوا خاتمة الكتب, أو شرحًا للغامض, أو ينشئوا تقريظًا لكتاب, أو تعليقًا عليه, أو قصيدة في مثل هذه الأغراض, فجرت أقلامهم في زمانٍ عَزَّ فيه الأديب, وندر فيه الكاتب, وإن كان إنشاؤهم وكتابتهم مقيدة بنمط العصر من التزام السجع المتكلف, والاستعارة المشدودة, وما إلى ذلك٢. وكثيرًا ما يكتب هؤلاء المصححون في خاتمة الكتب التي يتولون تصححيها ترجمةً وافيةً عن مؤلف الكتاب, تبين طرفًا من حياته ونشأته وآثاره العملية والأدبية, وفي ذلك نفعٌ كبير.

стр. 134

ولعل مما يفاخر به الأزهر, أن كان المصححون الأزهريون أول من عقد الصلة بين لغة العرب القديمة وعلم الغرب الحديث, وخُلّدَ اسم كثير منهم في تاريخ النهضة العلمية١ وسنذكر طائفة من أشهر مصححي هذه الثقافة من رجال الأزهر.

стр. 135

الشيخ محمد قطة العدوي: المتوفى سنة "١٢٨٠هـ-١٨٦١م": هو محمد قطة بن الشيخ: عبد الرحمن العدوي, نسبة إلى بني عديّ, مركز منفلوط, تعلَّمَ في الأزهر, وامتلأ من علمه, وجَدَّ في تحصيله حتى نال شهادة العالمية, فأُذِنَ له بالتدريس في الأزهر، كان ذا شهرة بالعلم, والاقتدار في علوم اللغة العربية, مولعًا بالأدب العربيّ وفنونه، وله أسلوب رصين, وإن كان مجاريًا به أدب العصر في السجع والصنعة، وله شعر في المرتبة الوسطى, كان مالكيَّ المذهب, يقبل على درسه كثير من الأزهريين؛ لتمكنه من علمه وغزاره مادته. جلس يدرس لتلامذته "حاشية الجمل" في التفسير على كتاب الجلالين, فتعقب الجمل فيما كتبه وتتبعه بالنقض والمؤاخذة، فلما نمى الخبر إلى الجمل, وفد إلى درسه, واستمع لما يوجهه من النقد لحاشيته, فدرات بينهما مجادلة علمية، حمي وطيسها, وكانت لقطة الغلب فيها، وإذ ذاك ابتهج المالكية بانتصار قطة, وعيّروا الشافعية بانهزام الشيخ الجمل, وأصبحوا يفاخرونهم بقولهم الذي تناقتله الشفاة: "قطنا غلب جملكم" ثم عُيِّنَ مصححًا لصحيفة "الوقائع المصرية" مدةً من الزمان. كما اختير مصححًا للكتب بمطبعة بولاق, فصحح طائفةً من الكتب القيمة في مختلف العلوم, بذل فيها أعظم الجهود لتنقيتها من الخطأ وإكمال

стр. 136

ما حذف منها, وما قُدِّمَ, أو أُخِّرَ فيها. وكانت كتبه المصصحة موضع ثقة العلماء؛ لاشتهاره بالتحري في التصحيح والتدقيق في الناحية اللغوية, وتوفره على استقامة المعاني؛ فإذا وجد قلقًا في العبارة عَلّقَ عليها, وبدل ضعف العبارة قوةً, وسقم التركيب صحةً, حتى يدع الكتاب في حُلَّةٍ بهيجةٍ من الصحة والكمال, لا أثر فيها لجهل النساخ وعبث الأيدي. كان يكتب خواتيم الكتب, ويترجم للمؤلف غالبًا, ويكتب في الخاتمة تقريظًا بأسلوبٍ مسجوعٍ على طريقة عصره, وشيئًا من شعره المتواضع، ومن ذلك عمله في "حاشية الصبان" التي تولّى تصحيحها, فقد كتب في آخرها كلمةً قرظ فيها الكتابَ فقال: "وبالجملة, فهي كتاب لا تحصى فوائده, ولا تحصر عوائده، وذلك غنيٌّ عن البيان, فاض به العيان, كما أشرت إلى ذلك بقولي مؤرخًا عام الطبع, ملوحًا لبعض ما فيه من المزايا والنفع, وإن لم أكن من فرسان هذه الحلبة, ولا أذن معهم مثقال حبة". كتاب نفعه جم جزيل ... وليس كمثله إلّا القليل فكم حيران صار به هداء ... فأرشده وبان له السبيل وكم من علة لما حباها ... فرات زلاله شفي العليل وكم أروت موارده عطاشًا ... وكانوا بالأوار لهم غليل وكم من بحره خرجت لآل ... وذاك البحر عذب سلسبيل وكم عرس لخاطبها جلاها ... وكان عليه يمتنع الوصول ومما صححه العدوي كتاب "معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص" وقد انتهى منه في أواخر صفر سنة ١٢٧٤هـ, ومما كتبه في آخره يقول: "المتوسل إلى ربه بالجاه النبويّ, الفقير إلى الله تعالى محمد قطعة العدويّ, مصحح الكتب والوقائع العربية بدار الطباعة المصرية, خصّه الله تعالى بالطاعة وأيده

стр. 137

بعنايته وإسعافه ... إلى أن يقول: وما أن تم طبعه في الأيام السعيدية, التي هي في جبهة الدهر غرة بهية, واتضحت مناهجه للسالك, قلت مؤرخًا ذلك. بشرى فقد بلغ الفؤاد مناه ... والدهر وافى بالذي أهواه وغدت أفانين الفنون بمصرنا ... تزهو وروض العلم طاب جناه وكواكب العرفان بعد أفولها ... في أفقها طلعت وغاب دجاه إلى أن يقول: حيث انتمت لعلا الخديو محمد ... أعني السعيد الفرد عم نداه صدرت أوامره الكريمة تمثّـ ... ـل كتبه طبعًا سما مرآه فاختير منها جملة كل حوى ... ما فيه للندب الأديب غناه منها كتاب معاهد التنصيص شر ... ح شواهد التخليص ما أوفاه لما تكامل طبعه في عهد من ... نشر المعارف طبعه وهواه ومما صححه أيضًا كتاب "كلية ودمنة" الذي وضعه الفيلسوف "بيدبا" ونقله إلى العربية عبد الله بن المقفع, كما صحح كتاب "تنقيح الفتاوى الحامدية" لابن عابدين, وفي ذيل الجزء الأول منه ما نصه: "وقد انتهى طبعه بدار الطباعة العامرة البهية, الكائنة ببولاق مصر القاهرة المعزية, على يد مصححها المستعين بربه القويّ, عبده الضعيف محمد قطة العدويّ, في منتصف جمادى الثانية سنة ثلاثة وسبعين ومائتين وألف. كما صحح كتاب "ألف ليلية وليلة" وانتهى من تصحيحه سنة تسع وسبعين ومائتين وألف من الهجرة. وصحح كتاب "حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح في فقه الحنفية"، وانتهى

стр. 138

من تصحيحه في أواخر جمادى الآخرة, سنة تسع وسبعين ومائتين وألف، وهو أول كتاب طُبِعَ في مطبعة بولاق, بعد أن صارت ملكًا لعبد الرحمن بك رشدي؛ إذ مَلَّكَها له الخديو محمد سعيد باشا, ويدل على ذلك أن عبد الرحمن رشدي كتب في آخر هذه الحاشية يقول: "أفقر عباد الله, وأحقر عبيد مولاه, المعترف بالعجز عن شكر ما إليه سيده, يسيد عبد الرحمن بك رشدي, صاحب دار الطباعة المذكورة, وبعد كلام مخاطبًا هذا الكتاب: "إني قد اتخذتك فألًا ميمون الطائر, وبشرى هي عندي من أعظم البشائر, بما سأحوزه مما يتولى بعدك من أمثالك, وينتشر أثرك من نظرائك وأشكالك, من الكتب النافعة التي لا تزال شمسها بالطبع طالعة". وممَّا صححه أيضًا كتاب "حاشية الصبان على الأشموني" في النحو, وانتهى من تصحيحه في آخر رجب سنة ستة وثمانين ومائتين وألف, وجاء في الخطبة المذكورة في آخر هذه الحاشية قوله: "ويقول الفقير إلى رحمة المنان, محمد قطة ابن المحروم الشيخ عبد الرحمن". وكان آخر ما صححه من الكتب, كتاب "الكشاف" للزمخشري؛ إذ توفي في أثناء تصحيحه, فأتمه الشيخ محمد الصباغ, في جمادى سنة ١٢٨١هـ, وجاء في خاتمة الكتاب ما يدل على ذلك؛ إذ يقول الشيخ الصباغ: "ثم أن تهذيبه وتصحيحه وترصيع جوهره وتنقيحه البعض, بمعرفته خاتمة المحققين, وسيد المدققين, الشيخ محمد قطعة العدويّ -فسح الله تعالى له في قبره, ورزقه في الجنان أكبر مزيد من خيره, والبعض الآخر بمعرفة الفقير إلى الله سبحانه, محمد الصباغ -أسبغ الله عليه نعمه أتم إسباغ, وفاح مسك ختامه- وتَمَّ سلك نظامه أواخر جمادى الثانية من العام المشار إليه في الأبيات الماضية "١٢٨١هـ" من هجرة سيد الكائنات -عليه أزكى صلوات, وأبهى تحيات, ما هبت نسمات, وهدأت حركات". وللعدويّ غير ذلك كثير من الكتب التي قام عليها بالتصحيح الدقيق؛ فنقَّحَ لغتها, وأصلح خطأها وشفَّعَهَا بما هو كبير النفع من ترجمةٍ أو تقريظٍ.

стр. 139

الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني: المتوفى سنة "١٢٩٠هـ-١٨٧٤م" نشأ ببلدة هورين, من أعمال مركز السنطة, بمديرية الغربية, وتلقى العلم في الأزهر بجد ومثابرة وتوفر على العلوم العربية, حتى كان علمًا من أعلام الأزهر النابغين, الذين لهم شهرة بالتضلع في علوم اللغة العربية وتمكن فيها ودراية بأسرارها ودقائقها، ثم تولَّى التدريس في الأزهر، وكان قلم الترجمة الذي يقوم عليه رفاعة رافع بمدرسة الألسن, يخرج كتبًا مترجمةً تحتاج إلى تصحيح وتذهيب, فعُيِّنَ مصححًا به، ثم اختارها -المغفور له- محمد علي باشا, ليكن إمامًا للبعث الذي أرسل فيه أنجاله إلى فرنسا, سنة ١٢٦٠هـ-١٨٤٤م, وعهد إليه بتعليم هذا البعث, والرقابة على أعضائه, ومع أنه لم يكن من تلاميذ هذا البعث, ولم يوفد للتعلم بين أعضائه, بذل جهدًا جاهدًا في تعلم اللغة الفرنسية حتى أجادها, وأحسن التحدث والقراءة بها١. ولما عاد من فرنسا, رجع إلى التدريس بالأزهر, ثم ألحق بالمطبعة الأميرية, فكان أشهر مصححيها وأكفأهم, وعُهِدَ إليه بتصحيح الكتب التي كانت تؤلَّف, أو تُتَرجَم بمدرسة الزراعة أيضًا. آثاره ومؤلفاته: بذل الهوريني مجهودًا شاقًّا في تصحيح الكتب المترجمة والمؤلفة, ولقي عناءً شديدًا في سبيل تخليص هذه الكتب من الأخطاء, وما وقع فيها من تحريفٍ, أو تصحيفٍ, أو تقدمٍ, أو تأخيرٍ, عدا ما كان يكتبه في كثير من

стр. 140

الكتب من مقدمة الكتاب, أو ترجمة للمؤلف, جليلة النفع, عظمية الفائدة. فمن جهده في ذلك شرحه "ديباجة القاموس" بَيِّنَ فيه مصطلحات القاموس, وشرح خطبة الفيوزبادي, وترجم فيها لعلماء اللغة المتقدمين على صاحب القاموس؛ من أمثال الجوهريّ, وأبي زيد, والمعاصرين له, وأحصى مواد "اللسان", و"الصحاح", و"القاموس". وكتب مقدمةً للصحاح, اشتملت على تاريخ تصنيف المعاجم, وعلى ميزة "الصحاح" وعلى ضبط اسم المعجم "الصحاح" بكسر الصاد أو فتحها, وعلى من كتب عليه حواشي, أو نقدًا, أو ترجمة, إلى لغة أخرى, أو اختصره, وعلى قواعد المؤلف في الكتاب, وبضبط الفصول الساقطة من كل باب, وصنع لذلك جدولًا, ثم هو بعد ذلك يكتب على النسخة المطبوعة: يضبط فيها كلمة أهمل الجوهريّ, ضبطها, أو ينبه على سهوٍ وقع فيه, أو تقصير في الشرح, وقَلَّمَا خلت صفحة من الكتاب من شيء من ذلك, غير أنه لم يُتِمّ إلّا الجزء الأول, وقام بتصحيح الجزء الثاني الشيخ: محمد الصباغ. وصحح الجزء الاول من "المزهر" لجلال الدين السيوطي, ماعدا الخمس والخمسين صفحة الأولى, فإنها من تصحيح غيره, وصحَّحَ في الجزء الثاني, من الصفحة الحادية والأربعين إلى آخره, ويقول ما نصه: "هذه تصحيحات الجزء الثاني من "المزهر" الذي أوله "النوع الأربعون: الأشباه والنظائر" وكان أول تصحيحي فيه من صحفة ٤١, ولما تصفحته من أوله إلى آخره بالمقابلة على النسخ التي كانت مجلوبة للتصحيح, وجدت فيها نوعًا تخالف في بعض مواضع, وتواطؤ على تحريف في بعض آخر, ورأيت في أبنية الأسماء بعض أمثلة لا وجود لها في "القاموس" ولا "الصحاح", فأحضرت شرح أبي حيان على التسهيل, من فن التصريف, فوجدت الجلال حذا حذوه في الأبنية المذكورة, إلّا أنه حذف الكثير من تعداده للأمثلة, وحذف ما بَيَّنَه أبو حيان

стр. 141

من معانيها, فاعتمدته في استخراج الصواب منه, وهو مرادي بالرمز الآتي: بحرف الشين, كما رمزت إلى القاموس بالقاف، واقتصرت على ذكر الصواب في هذا الجدول, رامزًا لعدد الصفحة أو السطور بالرقم الهندي، وللسطر بحرف السين بعد عدد الصفحة, وكذا كل عدد ذكرته مجردًا عن السين فهو للسطر من الصفحة المتقدم عددها أول السطر, ربما ذكرت كلمة الخطأ المطبوعة مسبوقة بالنفي؛ ليعتمد من يريد التصحيح بنسخته, على ما ذكره الفقير نصر الهوريني -عفا الله عنه. ولعل ما يدل على دقة التصحيح, وما يلاقيه المصححون من عناءٍ, ما صادف الهوريني في تصحيح هذا الكتاب؛ إذ فطن لخطأٍ دقيقٍ لا يهتدي إليه إلّا ذوو البصر بأسرار اللغة الواسعة الاطلاع, والثقافة العربية. وتفصيل ذلك أنه جاء في ترجمة تمام بن غالب التياني الأندلسيّ اللغويّ, أنه ألَّفَ كتابًا اسمه "الموعب "بفتح العين" فوردت في بعض الكتب مثل "وفيات الأعيان" و"المزهر" بسقوط لفظ "الموعب" فظنها بعضهم "تنقيح العين" إشارةً إلى كتاب الخليل في اللغة, ولكن تمامًا ليس له مؤلف بهذا الاسم, وكتابه في اللغة يدعى "الموعب" -بفتح العين, وهكذا كانت العبارة في الأصل, فسقطت من الناسخ كلمة الموعب, فالتبس الأمر على بعض المصححين, وظن أن اسم الكتاب "تنقيح العين". وقد فطن أبو الوفا الهوريني لذلك في تقديمه للمزهر, فقال في ص٤٤ س٢٤: الذي سماه "الموعب" -بفتح العين- لفظ الموعب سقطت من خط المؤلف, كما يدل عليه كلامه بعد, ثم نبه لمن دفع في هذا الخطأ كابن خلكان وغيره. ومماصححه الجزء الثاني من "الفتاوى الحامدية" لابن عابدين في الفقه, وديوان ابن هانئ الأندلسيّ, وأتم تصحيحه ببولاق في آخر جمادى الأولى سنة ١٢٧٤هـ.

стр. 142

وصحَّحَ "مقدمة ابن خلدون" وله عليها هوامش في تفسير بعض الكلمات, كما صحح الجزء الثاني من كتاب "تاريخ ابن خلدون" وانتهى من تصحيحه في ذي الحجة, سنة أربع وثمانين وألف من الهجرة, ويقول في ختامه: يقول مصححها الفقير: "كان معتمدي في تصحيحها على مراجعة "شرح المواهب اللدنية" فيما يتعلق بسيرة إمام المرسلين, وعلى "تاريخ ابن كثير" وابن الأثير, فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين, والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, والصلاة والسلام على خير المخلوقات, وآله. ومن مؤلفاته: رسالة قيمةٌ في قواعد رسم الحروف, سماها: "المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية" رتبها على مقدمة في معنى الكتابة في اللغة, حقيقةً ومجازًا، وعرفًا واصطلاحًا, وفي أصول الكتابات؛ من صينيةٍ, وروميةٍ, وحميريةٍ, وغيرها, وفي أولية الكتابة العربية، وعلى مقصدٍ في بيان ما يفصل ويوصل, وابتناء الكتابة على تقدير الوقف والابتداء, والحروف التي يختلف رسمها بحسب الإبدال؛ وهي: الهمزة, وأحرف العلة, وفي الألفاظ المتطرفة, وغير ذلك من المباحث التفصيلية, واشتملت أيضًا على خاتمة في الشكل والنقط وتاريخهما, وقد طُبِعَت هذه الرسالة مرارًا, وصححها الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري, وله كتاب: "تسلية المصاب على فراق الأحباب" ومنه نسخة محفوظة في المكتبة الخديوية.

стр. 143

الشيخ إبراهيم الدسوقي: المتوفى سنة ١٣٠٠هـ ١٨٨٣م" هو السيد إبراهيم الدسوقي, الشهير بعبد الغفار, من نسل موسى الدسوقي, أخي سيدي إبراهيم الدسوقي بدسوق, من أسرة تنتمي إلى الحسين بن عليّ أبي طالب ﵃. ولد ببلدة دسوق سنة ١٢٢٦هـ-١٨١١م, ومات والده وهو صغير, فحفظ القرآن ببلده، وكان بها معهد ديني صغير, يعتبر صورةً مصغرةً من الأزهر, فتلقى بعض دروسه فيه, ثم قدم إلى الأزهر, فحضر دروسه على كثير من الأساتذة الأعلام, أمثال الشيخ: أحمد المرصفي, والشيخ: محمد عليش, شيخ المالكية, كما تلقى العلم عن علماء بلده, أمثال الشيخ: محمد عرفة الدسوقي, والشيخ: مصطفى البولاقي, وقد أفاد من هؤلاء المعقول والمنقول، ولكنه كان أكثر تأثرًا بالشيخين: مصطفى البولاقي, وأحمد المرصفي, أما الأول: فقد أخلص له؛ لأنه من بلده, وله به صلة قرابة، وقد كان على رغم تبحره في العلوم الأزهرية, ميّالًا إلى العلوم الرياضية؛ كالحساب, والهندسة, والفلك، وأدَّاه شغفه بهذه العلوم إلى مصادقة مشهوري الرياضيين؛ كمحمود باشا الفلكي, وأساتذة مدرسة المهندسخانة، وبرع في هذه العلوم حتى ألَّفَ رسائل في الجبر والمقابلة وحساب المثلثات. وأما الشيخ أحمد المرصفي: فقد كان ذا نزعةٍ أدبية ٍإلى جانب نزعته الفقهية, واسع الاطلاع, عذب الحديث, صحب أحد المماليك, وسافر معه إلى الصعيد مدة عامين, وقد اقتبس الدسوقي من شيخه هذا توجيهًا أدبيًا, أجدى عليه في مستقبل حياته. ظل الدسوقي يطلب العلم في الأزهر حتى تأهل للتديس فيه، وكان له اعتناء زائد بفن الأدب وقرض الشعر١, وكان رقيق الحال بائسًا, لم يرفه عنه التدريس, ولم يبدد من بؤس وشظف عيشه, ثم أسعده الحظ فعُيِّنَ مساعد مصحح للكتب الطبية بمدرسة أبي زعبل سنة ١٢٤٨ هـ-١٨٣٢م, مع الشيخ: محمد عمران الهواوي, فكان أطباء هذه المدرسة يؤلفون ويترجمون ويطبعون, ويساعد هو في تصحيح اللغة وتصحيح الطبع.

стр. 144

ثم نقل إلى مدرسة المهندسخانة, فأصبح رئيس المصححين بها, وكانت تدرس بهذه المدرسة علوم الكيمياء والجبر والحساب والطبيعة والمعادن والهندسة والظل والنظر, وغير ذلك, ولم تكن هنالك كتب في هذه المواد, بل كان التلامذة يكتبون ما يسمعون من المدرسين في كراساتهم, وتفوتهم أشياء كثيرة في تدوينهم، ثم تقدمت المدرسة فأنشئت مطبعة حجر, يطبع بها الأساتذة بعض كتبهم بأشكالها ورسومها، ثم أنشئت في المدرسة مطبعة حروف بجانب الأولى, وكان الدسوقي يقوم على تصحيح هذه الكتب جميعًا, وانتقلت هذه المدرسة إلى بولاق, فكُلِّفَ أمرين: أحدها: أن يعلم فرقة من تلامذتها علم العربية, وكيفية توفية الترجمة حقها عند النقل من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية. ولما ألغيت هذه المدرسة في عهد سعيد باشا, انتخب للتصحيح بالمطبعة الكبرى, فصحح جملةً من كتب الطب والكيمياء وغيرها, وكان مع ذلك يعمل في تحرير صحيفة "الوقائع المصرية", ثم صدر أمر الخديوي إسماعيل باشا بجعله رئيس المصححين لجميع الكتب التي تطبع بهذه المطبعة, على اختلاف فنونها, فأظهر براعةً ودقةً, وأدى عمله على أكمل وجه وأحسنه, ثم فصل منها, ورُتِّبَ له معاش إلى أن استأثر الله به. صلته بالمسترلين: حكى عن نفسه مقالةً فيما اتفق له مع بعض الأدباء الإنكليز, تدل على براعته في الأدب, وتمكنه من لسان العرب٢ ثم ساق هذه القصة الممتعة الطريفة, وخلاصتها: أنه كان بانجلترا مستشرق إنجليزيّ يدعى "لين" تعلم في بلده, ثم

стр. 145

تخصص في الاستشراق, وجد في التعلم والبحث حتى اعتلّ, ونصح له الأطباء أن يرحل إلى مصر ليستشفي بجوها, فكتب إلى صديق فرنسيٍّ يقال له "فزسنل" كان مقيمًا بمصر, وبينه وبين الدسوقي صلة, حتى أنه يقول عنه: "إنه أريبٌ في لغته, مدل في العربية بمعرفته وفصاحته, حتى أنه شرع معي في عمل شواهد للصحاح, لكنه لم يوفق بإتمامٍ للنجاح. كتب "لين" إلى "فزسنل" هذا يسأله عن أديبٍ معروفٍ بعنايته للغة وكرم الطبع، فكتب إليه يدله على الدسوقي, وأنه الضالة التي ينشدها, وكان قد سبق أن حضر "لين" إلى مصر وهو في شبابه, سنة "١٨٢٥م" وجعل عنايته أن يدرس اللغة العربية في أهم مصادرها, وأن يدرس أخلاق الشعب المصريّ وعاداته ومظاهر حياته، فتنقل في الأحياء الوطنية, وكتب مشاهداتٍ وتعليقاتٍ, وعرضها على جميعة في "انجلترا" بعد عودته إليها, فاستحسنتها وأشارت بطبعها, ولكنه رأى أنها ناقصةٌ تحتاج إلى الكمال, فعاد مرةً أخرى إلى مصر, سنة ١٨٣٣م, وقضى بها قرابة عامين متنقلًا بين القاهرة والصعيد, للوصول إلى غرضه, واتصل بكبار المصريين, وتردد على الشيخ العروسي, والشيخ العطار, وعكف على ترجمة كتاب "ألف ليلة وليلة". وقَدِمَ "لين" إلى مصر مرة ثانية في سنة ١٨٤٢م, وأقام بالأحياء الوطنية ليتم ما بدأ, والتقى بالشيخ الدسوقي الصديق الذي يطلبه, والمعين الذي ينشده, وأعد مكتبةً ضخمةً يستعين بها على عمله, واتفق مع الشيخ الدسوقي على برنامج يقيدان به, وهو أن يقرأ كلَّ يومٍ نحو نصف كراسةٍ من شرح متن القاموس, المسمى: "بتاج العروس" للزبيدي, مع البحث الدقيق والدراسة العميقة, ومراجعة ما كان عنده من معتبرات اللغة الصحاح. ثم يعود "لين" بعد انصراف الدسوقي إلى ترجمة ما فهمه إلى الإنجليزية, فتيسر الترجمة مع القراءة, واستمرا على ذلك سبعة أعوام, أتمَّا فيها تسعة أعشار الكتاب, وكان الدسوقي في طيلة هذه المدة موضع تقدير "لين" وإعجابه.
следующие страницы →