← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إمداد الأزهرللمدارس الابتدائية والتجهيزية والخصوصية: حين اتسع نطاق التعليم وأنشئت المدارس الابتدائية والتجهيزية, وغلب العنصر المصريّ فيها, واشتد الاهتمام باللغة العربية وتعليمها, لم يكن أمام الحكومة مورد ثروة لتغذي به هذه المدارس إلّا الأزهر, فاعتمدت عليه تلتمس عنده الطلبة والمدرسين, ولجأت إلى كتبه في تعليم اللغة العربية, وأدخلت في هذه المدارس طريقة الأزهر في التعليم، أجل, فقد كانت اللغة العربية سواء في مدارس المبتديان أو في التجهيزية, والخصوصية, هي المادة الأساسية, في خطط الدراسة، ودرس علماء الأزهر في مدارس المبتديان كتب السنوسية والأجرومية والألفية والكفراوي, وفي المدارس التجهيزية كتب الشذور وقطر الندى والشيخ خالد وغيرها؛ فكانت أزهرًا في وضعه وثقافته١. ولم يكن علماء الأزهر وحدهم ليقوموا بتدريس اللغة العربية في هذه المدارس فحسب, بل كان منهم رؤساء المدرسين في مكاتب المبتديان, والتجهيزية, والخصوصية. وقد نص في قانون التعليم الابتدائيّ الذي صدر في سنة "١٣٨٦" على أن يكون نظار المبتديان من علماء الأزهر, بعد أن ارتفعت الشكوى من جهل النظار الأولين الذين كانوا من مشايخ القرى, فقد كانوا جهلاء ضعفاء الإدارة, فاسدي النظم, وكانت إدارتهم لهذه المدارس في مستهلِّ نشأتها مدعاةً لكثير من العبث والانحلال والفساد, فكان لإحلال الأزهريين

стр. 72

محلَّ هؤلاء في الإشراف على الحياة التعليمية بهذه المدارس أثرٌ ملموس في صلاح الإدارة وحسن التوجيه. ولا ريب أن علماء الأزهر بروحهم الدينيّ الجذّاب, وتضلعهم في اللغة العربية وآدابها, كانوا خير من عرفتهم هذه المدارس, وأبلغ من وجدت فيهم النفع الجمَّ والرعاية الرشيدة١. ومن هؤلاء الذين أشرفوا على هذه المدارس من علماء الأزهر, فكانوا مثالًا يحتذى في النزاهة والتوجيه والنهوض بالنشء, الشيخ: خليل الخوانكي, ناظر مدرسة الرحمانية, والشيخ: غنيم سالم, ناظر مدرسة شبراخيت، والشيخ: أحمد عصافيري, ناظر مدرسة دمنهور, والشيخ: محمد حسن, ناظر مدرسة أبيار، والشيخ: رضوان بالي, ناظر مدرسة الحلمية الكبرى, والشيخ: وهبه مصطفى, ناظر مدرسة بندر زفتى، والشيخ: محمد كفافي, ناظر مدرسة شربين, والشيخ: سليمان الخطيب, ناظر مدرسة ميت غمر، والشيخ: أحمد الشيخ, ناظر مدرسة فارسكور, والشيخ: علي القهتيم, والشيخ: جوده مصطفى, ناظر مدرسة ميت غمر، والشيخ: محمد عبد الرحمن, ناظر مدرسة الزقازيق. ومن هؤلاء المدرسين الذين تولوا التدريس بهذه المدارس من شيوخ الأزهر, وعُرِفَ عنهم الجدُّ والميل إلى البحث والتحقيق, طائفةٌ حدَّث عنهم علي مبارك في خططه, كالشيخ: محمد قطه العدوي، والشيخ: الدمنهوري، والشيخ: علي فرغلي الأنصاري -وهو ابن خالة رفاعة بك, والشيخ: حسنين حريز الغمراوي, والشيخ: أحمد عبد الرحيم الطهطاوي، والشيخ: عبد المنعم الجرجاوي.

стр. 73

فروع من دوحة الأزهر مدخل ... فروع من دوحة الأزهر: كان الأزهر هو الدوحة الوارفة الظلال الطيبة الثمرات التي امتدت فروعها, وكانت المعاهد العليا في مصر غصنًا من أغصانها, وثمرةً من ثمارها. وإذا كانت لمدرسة دار العلوم, والجامعة المصرية القديمة, ومدرسة القضاء الشرعيّ, فضلٌ مباركٌ وأثرٌ ملموسٌ في نهضة اللغة العربية وآدابها, وفي تخريج فحول البيان وحماة اللغة, وكان لهم القدح المعلَّى بين أعلام النهضة الحاضرة, فإن ذلك مما يفاخر به الأزهر ويباهي، فقد غذَّى هذه المدارس منذ إنشائها بطبقة من أفذاذ الأساتذة ونوابغ التلاميذ, فقامت عليهم بحثًا ودراسةً وإنتاجًا وتوجيهًا. أما أساتذة هذه المعاهد الذين قاموا بتدريس اللغة العربية وآدابها, فإن الدولة لم تجد سواهم يضطلع بهذه الرسالة وتشرف به، ولم تجد موردًا تستقي منه أمثال هؤلاء إلّا الأزهر منبع الثقافة العربية. وأما تلامذة هذه المدارس, فإنهم قضوا الشطر الأعظم من حياتهم العلمية في الأزهر, ولم يغشوا هذه المدارس وهم فراغ من العلم, خواء من الثقافة, بل كانت المدة التي أمضوها في الأزهر كافيةً لتثقيفهم وتوجيههم, وصقل بيانهم، ولو قيست المرحلة الأخيرة التي أمضوها في هذه المعاهد, بجانب مرحلتهم الأزهرية الأولى, لكانت حظًّا ضئيلًا وقسطًا متواضعًا على أنهم لم يفقدوا صبغتهم الأزهرية في إتمام تعليمهم بهذه المعاهد, فقد وجدوا بها أساتذةً من الأزهر يتلقون منهم التوجيه، وينهلون من وردهم علم الأزهر وأدب الأزهر, ووجدوا الكتب التي تدرس بهذه المعاهد هي كتب الأزهر. كانت هذه المعاهد جزءًا من الأزهر، نأى عنه إلى مكان آخر، واختص

стр. 74

بزيٍّ غير زيِّ الأزهر، واسم غير اسم الأزهر، وما أظن أن هذا التغير بمخرج لها عن نسبتها إلى الأزهر, وانتزاع ثقافتها من ثقافته. دار العلوم: عَهِدَ الخديوي إسماعيل إلى علي مبارك - بإنشاء مدرسةٍ يتوفر أبناؤها على دراسة اللغة العربية والعلوم الدينية, مع التزود بشيءٍ من علوم العصر, وما يستعان به من وسائل التربية والتعليم؛ كي يعهد إلى المتخرجين فيها بتعليم اللغة العربية بمدارس الحكومة الابتدائية، وقد تمَّ إنشاء هذه المدرسة في "١٥ من صفر سنة ١٢٨٨هـ ١٨٧١م" واستمدت تلامذتها وأساتذتها من الأزهر، فقام على التدريسفيها جمهرة من فحول العلم والبيان, وكان تلامذتها من نوابغ الأزهر وأفذاذهم الذين قضوا شطرًا طويلًا في التعليم والتثقيف في الأزهر, فنضجت موابهم, وكَلُمَتْ قرائحهم, ونما علمهم، واقتدرت أقلامهم وألسنتهم، ولا تزال هذه المدرسة تعتمد على النابهين من طلاب الأزهر بعد أن يحصلوا على شهادة الدارسة الثانوية "قسمًا ثانيًا" من المعاهد الدينية، فتُجْرَى بينهم مسابقةٌ في الدخول؛ لتظفر بالنوابغ المجلين. وليس ينكر إلّا جاحدٌ من الناس ما كان لهذه المدرسة من الأثر الملحوظ في خدمة العلم والأدب, وما لأبنائها الفحول من عُلُوِّ المكانة في الشعر والكتابة, والأدب في مختلف فنونه، ولكن شيئًا واحدًا لا يغالط فيه إلّا معاند, ولا يُصِرُّ على جحوده إلّا مكابرن, وهو أن الثورة العلمية والأدبية في هذه المدرسة إنما مَردُّهَا إلى الأزهر الذي غذّاها بأساتذته وطلابه وكتبه. وكان من العلماء والأدباء الذين تولَّوا التدريس بهذه المدرسة, والذين حملوا لواء البيان واللغة فيها من الأساتذة, وتخرج عليهم طائفة من ذوي العلم والأدب في مصر, المرحوم الأستاذ الإمام الشيح: محمد عبده، والمرحوم الشيح: حسن الطويل، وشيح الأدباء المرحوم: حسين الرصفي، والمرحوم

стр. 75

الشيخ: حمزة فتح الله، والمرحوم الشيخ: سليمان العبد، والشيخ: حسونة النواوي. وممن التحق بها لإتمام الدراسة فيها من طلاب الأزهر النابغين طائفةٌ كانت من فحول الكتاب والشعراء والأدباء؛ كالمرحومين الشيح: أحمد مفتاح والشيخ: محمد الخضري، والشيخ: عبد العزيز جاويش، والشيخ: محمد عبد المطلب, وحفني ناصف، ومحمد زيد ﵏. الجامعة المصرية: في سنة ١٩٠٦م حملت الغيرة فريقًا ممن يرغبون في توسيع آفاق الثقافة المصرية أن يتضافروا على إنشاء جامعةٍ أهليةٍ تعين البلاد على تحقيق ما تنشده من التعليم العالي وثقافته، فتسابقت الهمم إلى الاكتتاب في هذا المشروع الجليل, واقترحه رسميًّا مصطفى كامل بك الغمراوي, أحد وجوه بني سويف, وافتتح الاكتتاب, واستحثَّ الهممَ على معاضدة الفكرة، فكان لدعوته أبلغ الأثر في النفوس؛ إذ التقى جمهور كبير من كرام الموطنيين في منزل المغفور له سعد زغلول باشا, وأسسوا لجنةً تحضيريَّةً للمشروع, كان سعد رئيسها, والمرحوم قاسم بك أمين كاتم سرها, وانتخب المغفور له -البرنس فؤاد "إذ ذاك" رئيسًا للمشروع يحيا في ظلاله, وشرع القائمون بالأمر في جمع المال، وعلى رغم الأزمة المالية التي حدثت في سنة ١٩٠٧ فإن الجهود تضافرت والعزائم اتحدت، واحتفل بافتتاح الجامعة في يوم "٢١ من ديسمبر سنة ١٩٠٨م" وحضر الاحتفال الخديوي, وألقى فيه خطابًا نفيسًا, وكان من أمدها ببره ورعايته، وبذل أكرم الجهد في إنجاحها, سمو الأميرة فاطمة هانم إسماعيل؛ إذ أمدَّت المشروع بالنقد والحبوس والحليّ. وقد اعتمدت الجامعة في مهمتها الثقافية على الأساتذة الأجانب والمصريين في القيام بالتدريس فيها، وكان للجامع الأزهر أعظم الفضل بما قدّمه لهذه الجامعة من فحول العلم والأدب, ومن أساتذة يدرسون فيها, ويوجهون نشأها

стр. 76

الجديد، وتلامذة يتمون تعليمهم فيها, بعد أن زودهم الأزهر بحظٍّ وافر من علمه وأدبه وثقافته. ومن الأزهريين الأفذاذ الذين قاموا بالتدريس بالجامعة، الشيخ: محمد المهدي، والشيخ: محمد الخضري١، والشيخ: عبد الرحمن عيد ﵏ كما أن منهم فضيلة الأستاذ الأكبر, الشيخ: مصطفى عبد الرازق، والدكتور: طه حسين. مدرسة القضاء الشرعيّ: أنشئت هذه المدرسة في سنة "١٩٠٧م" حين كان المغفول له "سعد زغلول باشا" وزير المعارف، وقد أمدها الأزهر بصفوةٍ من أساتذته الممتازين, وطلابه النابغين, فكان من الأساتذة الفحول الذين قاموا على التدريس فيها, فضيلة الأستاذ الأكبر, الشيخ: مصطفى عبد الرازق, وصاحب الفضيلة الشيخ: عبد المجيد سليم, مفتي الديار المصرية السابق، وفضلية الأستاذ الشيخ: إبراهيم حموش، والمغفور لهم, الشيخ: أحمد نصر, والشيخ: عبد الغني محمود, والشيخ: محمد بخيت المطيعي, والشيخ: محمد طموم, والشيخ: محمد سليمان البجيرمي, والشيخ: حسين والي. ومن تلامذتها الفحول الذين كان لهم فضلٌ في النهضة, وأثرٌ بالغ في حياة الأدب والثقافة العربية, طائفةٌ أتمت مرحلتها الأولى في الأزهر, وهي المرحلة التي تَمَّ فيها نضجهم واتجاههم, واستوت فيها ملكاتهم وقارئحهم؛ من هؤلاء التلامذة, أحمد أمين بك, والأستاذ: عبد الوهاب عزام, والأستاذ: عبد الوهاب خلاف, والأستاذ: علي الخفيف, والمرحوم الشيخ: محمد سليمان, نائب المحكمة الشرعية العليا. وقد آتت هذه المدرسة أكلها, وأثمرت ثمرها, وخَرَّجَتْ لمصر نوابغ نابغين تفخر بهم؛ حيث انتفعت بهم البلاد في نواحٍ شتى؛ كالنهضة الأدبية, والاضطلاع بشئون القضاء, والمحاماة, والتعليم. ومرجع الفضل في هذا كله إلى الدوحة الباسقة, والشجرة المورقة التي تفرعت منها هذه الفروع, وهي الأزهر.

стр. 77

البعوث العلمية ... البعوث الإسلامية: أسبابها: كان "محمد علي باشا" غيورا على مجد بلاده, حريصًا على نهضتها, شديد الرغبة في أن تجاري أوربة في حضارتها وأن تنهج نجتها في علومها وآدابها وفنونها ومعارفنها، وقد استعان بالغربيين فترةً من الزمان, واستقدم طائفةً منهم لينشروا في بلاده نهضة الغرب, وينقلوا لمصر ثمرات رقها وأفكارها. ولكنه كان بعيد النظر, راجح الرأي؛ إذ رأى أن من الخطر أن تعيش بلاده عالةً على أوربا تستجدي يدها, وتطلب معونتها, ويظل شعبه جامدًا لا ينهض, خاملًا لا يسعى, على حين أن له من ذكائه ما يجعله أهلًا لأن يقوم على شئونه مستقلًا عن غيره, ولا سيما بعد أن تعبَّدَ له الطريق, وتهيأت له الأسباب. على أن هؤلاء الأجانب كانوا يبطئون الخطا, ولا يغذون السيْرَ، ومما يؤيد ذلك, أن فريقًا من هؤلاء الأجانب كانوا يتولون الترجمة مع المصريين الذين عادوا من أوربا, ولوحظ أن فريقًا منهم يخدع الحكومة ويراوغها؛ إذ ينح عمل ستة أشهر في مدى خمسة أعوام١. ولم يكن "محمد علي" ليجد من نفسه صبرًا إلى أن يبلغ ما يريده لبلاده عن طريق الأجانب, بل كان يسبق الزمن, ويتخطى الأيام؛ ليحقق ما يأمله لشعبه من تقدم وارتقاء. هذه هي العوامل التي كانت تجول في صدر هذا الوالي وتجول في خاطره

стр. 78

فتدفعه دفعًا إلى أن يوفد نفرًا من النابهين لينهلوا من آداب الغرب وعلومه وحضارته, بطريقٍ مباشرٍ, ويحذقوا لغاته, ويبصروا بتجاربه, ويكونوا غدًا أساتذةً للنهضة, وقوامًا على الحياة المستقبلة, توسد إليهم ساميات المناصب, ويولون إدارة المدارس والدواوين, ويترجمون كتبًا قيمةً, وفنونًا محدثةً, وآدابًا جديدةً, بل ينقلون إلى الأمة صورة من الغرب الناهض. برنامج البعوث: وقد رسم "محمد علي" طرفًا من المناهج الذي تسير عليه البعوث, والدوافع التي دفعت إلى إرسالها, وذلك حيث قال للدكتور "بورنج" مندوب الحكومة الإنجليزية: "إن أمامي الشيء الكثير لأتعلمه, وكذلك شعبي, فأنا مرسلٌ إلى بلادكم أدهم بك, ثاني مدير لديوان المدارس, ومعه خمسة عشر شابًّا مصريًّا ليتعلموا ما يمكن بلادكم أن تعلمه، فعليهم أن ينظروا إلى الأشياء بأنفسهم، وأن يمرنوا على العمل بأيديهم, وعليهم أن يفحصوا مصنوعاتكم جيدًا, وأن يكشفوا عن أسباب سبقكم ورقيكم, حتى إذا ما أمضوا وقتًا كافيًا في بلادكم, عادوا إلى بلادهم, وعلّموا شعبي. نفقات البعوث: وكان "محمد علي" سخيًّا جوادًا في الإنفاق على هذه البعوث, حريصًا على أن يكونوا في مظهر كريم، وهذا هو المرحوم الشيح: رفاعة, الذي كان إمامًا لبعث سنة ١٨٢٦م يقول: "إننا كنَّا نُعَدُّ من الموسرين لتجملنا بالملبس الغريب عندهم, لنسبتنا لولي النعم, ولكثرة هذا الإنفاق في تعليمنا وغيره من سائر ما ذكرنا, كان ناظر التعليم, أو الضابط, يذكرنا به في أغلب الأوقات لنجتهد١.

стр. 79

بعوث محمد علي: وقد بلغ عدد البعوث التي أُرْسِلَت في عهد محمد علي أفرادًا وجماعات, بين سنة ١٨١٣ و١٨٤٩- ٣١٩ شخصًا, أنفق عليهم ١٢٢٣٢٣٣ جنيهًا١. عمد إلى نوابغهم فاتخذ منهم معلمين في المدارس, ومترجمين بها, وأطباء للجنود, وموظفين للحكومة, وعمالًا في الإدارة. سن التلاميذ المبعوثين: كان مما اقتُرِحَ على محمد علي, أن يرسل مبعوثيه إلى أوربا, وهم في سنة التاسعة, ورأى القائمون على شئون البعوث أن هذه السن هي التي تؤهلهم للنجاح في دراستهم, وأنهم بذكائهم ونشاطهم وسرعة استجابتهم لنداء المجتمع الجدّي, يكونون أقدر من غيرهم من الكبار الذين خلعوا رداء الشباب, واستقبلوا عهد الرجولة, وتكونت له عادات في العمل والتفكير, قد يكون العدول عنها عسيرًا عليهم٢. وقد يكون لهذا التعليل حظٌّ من الوجاهة, إلّا أن المبالغة في صغر السن خطل في الرأي, فليس من الحكمة أن نوفد إلى بلاد الغرب صغارًا في التاسعة من عمرهم لهذه الرسالة الخطيرة, وذلك العبء العظيم. فهؤلاء الصبيان لا يجدون من الحكمة والعقل ما يحصنهم في هذه البيئة, ومن السهل أن تجذبهم إليها فيذوبوا في مجتمعها, ويفقدون قوميتهم, ولا يكونوا ثقاتٍ فيما ينقلون من علم, وما يضطلعون به من عمل, وهم غير أهلٍ لأن يشعروا بشعور بلادهم, ويفيدوا الفائدة التي ترجى منهم, ويحققوا الآمال التي تناط بهم. وجميل حقًّا أن يتفطن محمد علي لخطر البعوث في هذه السن, وأن يخالف هؤلاء المشرفين على شئون البعوث, كتب إلى ابنه- إبراهيم باشا- حين طلب إليه بعض الإنجليز أن يرسل إلى انجلترا أولادًا في سن الثانية عشرة, والثالثة عشرة؛ ليتعلموا البحرية فقال:

стр. 80

"إن إيفاد مثل هؤلاء الأولاد إلى إنجلترا سيدعو إلى ضحك الأوربيين, كما أنه سيتعذر على هؤلاء التلامذة أن يعودوا إلى تعلم القراءة والكتابة بلسان وطنهم, وأنه بما بذل من جهد في سبيل التقدم, وترك القديم البالي من العرف المصريّ, نكون بهذا العمل -إيفاد أولاد صغار لا يعرفون القراءة والكتابة بلغة بلادهم- قد أثبتنا أننالم نترك العقلية المصرية القديمة١. واشتراط في المبعوثين إلى باريس لتعلم فنِّ المحاماة فيما اشترطه -أن يكون كلُّ منهم فيما بين العشرين والثلاثين من السن٢. وقد أوشكت فكرة إرسال تلاميذ من صغر السن إلى أوربة أن تنفذ في أواخر عصر محمد علي, يقول أرتين باشا" إن "نوبار" وكان سكرتيرًا لإبراهيم باشا في رحلته الأخيرة إلى فرنسا, أظهر لمولاه جميع المساوئ والعيوب الناشئة من النظام المتبع؛ من حيث اجتماع التلاميذ في مكان واحد، وأشار عليه بأن لا يرسل إلى أوروبة إلّا أطفالًا, تتراوح أعمارهم بين الثامنة والتاسعة, ويقول: إن إبراهيم باشا انحاز إلى رأي سكرتيره "نوبار" وإنه لما رأى أن التربية لا تجد عناية بالمدارس المصرية, فكَّر في أن يرسل إلى أوربة فريقًا من التلاميذ الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة, حتى يكون للبلاد نخبة من الشبان الذين درسوا دراسة تامة في أوربة, وتشبعوا بالتربية الأوربية, ويقول أيضًا: إن نوبار حاول مرةً أخرى تنفيذ هذه الآراء لدى الخديو إسماعيل, ولكن المدرسة المصرية بباريس أعيدت على مثال المدرسة الأولى في عهد محمد علي, وفي سنة ١٨٨٤ وافق الخديو توفيق على آراء وزيره نوبار, وحثَّ على إرسال التلامذة الصغار إلى أوربة, وكان قدوةً في ذلك؛ إذ أرسل نجليه الأميرين عباس ومحمد عليًّا إلى سويسرا وعمر الأول اثنا عشرة وعمر الثاني عشر سنوات, وأخيرًا عادت الفكرة منذ سنوات, وأخذت بها الجامعة المصرية القديمة, ولأنها لم تنجح رُئي العدول عنها.

стр. 81

الأزهر والبعوث: كان الأزهر البيئة الصالحة التي وجد فيها محمد علي وأبناؤه عونًا لهم على نقل ثقافة الغرب وآدابه وعلومه؛ إذ بعثوا منهم البعوث إلى أوربة, وأثبتوا كفايةً واقتدارًا على رسالتهم العلمية والأدبية, وكانوا قدوةً لغيرهم في البراعة، والجدِّ, والنهوض، وكان من الطبيعيّ أن تتطلع أنظار هؤلاء الولاة إلى الأزهر, فقد كان ولا يزال أقدر على هذا العبئ من غيره؛ وغذ بدأ إرسال البعوث إلى الغرب, لم يكن للأزهر ما يشاركه من المعاهد والمدارس التي تضطلع بهذه الرسالة إلّا قليل, وكان غير الأزهر من هذه المدارس أقل استعدادًا وكفايةً. وإذا كان كثير من تلاميذ المدارس الذين أرسلوا إلى أوربة لم يحققوا الأمل المرجوّ منهم, لعوامل منها: صغر سنهم, فقد كان الأزهريون المبعثون كبارًا فوق هذه الأسنان, وذلك لأنهم لا ينتسبون إلى المعاهد إلّا وهم في سنٍ يزيدون بها عن أقرانهم في المدارس الأخرى, ولاشتغالهم في صغرهم بحفظ القرآن, ولعل كبر السن بهذه المثابة مما يزيدهم أهليةً وجدارةً للاضطلاع بالمجهودات الأدبية والعلمية التي أوفدوا إلى الغرب من أجلها, والتي ينوء بها أقرانهم من صغار السن, الذين هم ضعفاء ناقصوا الإدراك. وكان طبيعيًّا أن يكون الجهل بلغة البلاد التي يوفد إليها المبعوثون عقبةً تعوق المبعوثين عن التمهر في المواد التي يدرسونها, والتفوق في الثقافة التي يأخذون بها؛ لأن هذه اللغة هي أداة الفهم, ووسيلة التعلم, والجهل بها يستغرق منهم زمنًا وجهدًا, فتضعف ثقافتهم, ويتضاءل منها نصيبهم, وكان المفهوم أن

стр. 82

المبعوثين من الأزهر بهذه اللغات يتعثرون في تعلمهم, ولا يبلغون من هذه الثقافات مبلغ التفوق والتجويد, ولكنهم كانوا موضع العجب بما أظهروه من براعة, وبما بذلوه من جهد, فلقد كانوا مشبوبي العزائم, موصولي الجدِّ, دائمي السهر والمثابرة حتى وصلوا إلى ما نيط بهم من الآمال، وإن في رفاعة بك رافع لمثلًا طيبًا لهؤلاء النابهين؛ فقد كان إمامًا لبعث سنة ١٨٢٦ على باريس, وعلى رغم أنه غير عضو فيه, ولا مكلف تلك الجهود الثقافية التي يكلف الأعضاء أن يقوموا بها, فقد بذل في تعلم اللغة جهدًا شخصيًّا, وتوفر على التبحر في الثقافة الفرنسية, وأجال نظره في المجتمع الفرنسيّ, فسجل ما شاهده من أخلاقه وعادته, ووصف ما اجتلاه في باريس بأسلوب الناقد المتفخص, حتى كان زعيم اتجاه ثقافيٍّ جديد, وكتابه: "تخليص الإبريز" الذي يعتبر الثمرة الأولى لإقامته في عاصمة الفرنسييين, مناط فخره وآية فضله، وكتبه في التربية والتعليم حافلة بما أفاد من تعليم الغرب, وسني مقامه فيه١. هذا وقد يكون لنشأة الأزهريين الدينية, وإثقالهم بمناهج الأزهر التعليمية التي يضطلعون بها من متستهل حياتهم, أثر في زهادتهم ومجانبتهم الغواية الغربية, والتفلت من مفاتنها, فتوافر لهم الوقت, ودفعتهم النشأة الزاهدة إلى المثابرة على العكوف على الدرس, والتفرغ له, وبذل القوى والجهود للتمكن والاستفادة. ولقد نجد كثيرًا من هذه البعوث مقصورًا على الأزهريين -كما سيتبين ذلك في موضعه- ولا يخلو بعث علميّ من طائفة من أبناء الأزهر, وما ذلك إلّا لأن للأزهريين مكانًا في هذه النهضة, وموضعًا من تأسيسها, وكفايةً لا يغفل عنها مصلحٌ يحاول النهوض بالبلاد وآدابها وعلومها.

стр. 83

أثر المبعوثين من الأزهر في النهضة: أرسل المبعوثون الأزهريون إلى بلاد الغرب, فأدوا رسالتهم, وعادوا إلى بلادهم أبلغ ما يكونون علمًا, وأحفل ثقافةً, وأعظم انتفاعًا, وأشد تأهلًا. وفدوا إلى بلادهم فاضطلعوا بالترجمة والتأليف, فهيئوا لمصر آدابًا جديدةً, وعلومًا محدثةً, وغير خافٍ ما كان لرفاعة بك وتلامذته من جهود وآثار هذَّبت الأفكار, ونَمَّت القرائح, وأيقظت الهمم لمسايرة الغربيين في نهضتهم التي كانت مصر بمعزلٍ عنها, وعن أسبابها. لقد فسح هؤلاء في آفاق الأدب, وزادوا في أغراضه, ومدوا في خياله, وأضافوا إليه ألوانًا طريفةً شائقةً, واتجهوا بالكتابة اتجاهًا جديدًا؛ فتخلصت من الأغلال القديمة, وبدأت ظلال السجع المخيّم عليها تتقلص منذ أن رجع طلاب البعث الأول, الذي أرسله محمد علي إلى أوربة, في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر, فقد تأثروا بأساليب اللغات الأجنبية, فأخذوا يترجمون ويؤلفون كما فعل رفاعة بك الطهطاوي, والعالم: أحمد ندا, وإبراهيم النبراوي- الذي كان رئيسًا لمدرسة الطب, وأحمد حسن الرشيدي - الطبيب, وغيرهم من العلماء والأدباء١. كان أثر هؤلاء أن حرروا الرأي, وأحسنوا التوجيه, ولقحوا الأفكار والعقول بلقاح جديد, وأفادوا من الغرب طرائق تفكيره, وخصائص إنتاجه. قام هؤلاء بتدريس العلوم المحدثة, وسدوا حاجة المدارس الناشئة, فاختير منهم المعلمون والنظار, فنهضوا بالمدارس ونظمها والإشراف عليها, ومضوا بها إلى أكمل غايةٍ تمشيًا مع اللوائح الجديدة والنظم المحدثة، وكان منهم القوّاد والأطباء وكبار الموظفين, والموجهون للحياة الجديدة أكرمَ توجيه. البعث الأول: إلى إيطاليا في سنة ١٨٧٣م. كانت إيطاليا أول البلاد التي أرسل إليها محمد علي بعوثًا من المصريين فقد

стр. 84

أوفد إلى: ليفرون, وميلان, وفلورنسه, ورما, وغيرهامن المدن الإيطالية فريقًا من الشبّان المصريين لدراسة الفنون العسكرية والطابعة والهندسة وغير ذلك, وكان من بينهم: نقولا مسابكي أفندي, الذي أرسل إلى ميلان لتعلم فن سبك الحروف, وبعد عودته إلى مصر عُيِّنَ في إدارة مطبعة بولاق، وقد أعانه في العمل أربعةٌ من خريجي الأزهر، رؤساء للعمال, ويوسف الصنفي, ومحمد شحاته, رئيسا جامعي الحروف١. البعث الثاني: إلى فرنسا في سنة ١٨١٨م. يقول الأمير عمر طوسون ﵀ في كتابه: "البعثات العلمية في عهد محمد علي, وعباس, وسعيد, لم نعرف منهم غير واحدٍ, هو عثمان نور الدين أفندي, الذي أرسل لإتقان الفنون الحربية والبحرية, وقد كان ساعد الحكومة في ترجمة الكتاب, ألحق به بعض المترجمين ليترجموا كتب الفنون الحربية, وسائر الصنائع"٢. البعث الثالث: إلى "فرنسا" في سنة ١٨٦٦م. كان عدد أعضائه أربعين تلميذًا, ثم لحق بهم أربعة آخرون, فصارت عدتهم ٤٤ طالبًا٣ وقد أرسل هؤلاء لدارسة فنون مختلفة, وتولى المسيو: "جومار" الإشراف عليهم، وفي كتاب "البعثات العلمية" للمغفور له الأمير: "عمر طوسون" بيانٌ بأسمائهم, وموطنهم, وسنهم, والعلم الذي أرسلوا للتخصص فيه, مع النصِّ على من عاد منهم إلى بلده٤. ومن هؤلاء المبعوثين, خمسة من الأزهريين, أُرْسِلُوا لدراسات مختلفة، وقد

стр. 85

أتمَّ ثلاثةٌ منهم تعلمهم, وهم: الشيخ: أحمد العطار, الذي أرسل لتعلم العلوم الميكانيكة, والشيخ: رفاعة رافع, الذي اختير إمامًا للبعث, ولكنه عاد ملء إهابه ثقافةً غربيةً, فكان أستاذ الترجمة والتأليف, ووجَّه النهضة إلى أنجح غاياتها, ودرس الحياة الفرنسية وحدّثَ عنها في "تخليص الإبريز" مع تجويده الفرنسية والتمكن فيها، وثالثهم الشيخ: محمد الدشطوطي, المرسل لتعلم الطب والجراحة والتشريح والعلوم الطبيعية والصحية, يقول الأمير: "ولعله هو الدكتور محمد نافع, الذي نوّه به الدكتور كلوت بك في كتابه "نظرة عامة حول مصر". وأما الأزهريان اللذان عادا إلى مصر فهما الشيخ: محمد الرقيق, والشيخ: العلوي, أو الشيخ: أحمد عليوه، وعلى ذكر الشيخ: أحمد العطار, نقول: إن "كلوت بك" لم يذكر عن أحد من أعضاء البعث أنه كان يتعلم هذا الفن, فهو إمّا أن يكون قد حوّل إلى تعلم فنٍ آخر, وهو الغالب, ورجحه الأمير في كتابه, وإما أن يكون "كلوت بك" قد غفل عن ذكر هذا الفن "ولم يذكر من كان يتعلمه" وأيًّا ما كان, فإن الشيخ: أحمد العطار, أتمَّ علومه بفرنسا, وبقي بها من سنة ١٨٢٦ إلى أوائل ١٨٢٩م, وإذن فمن غير الممكن أن يكون أحد المخفقين من أعضاء هذا البعث. وقد ذكر "كلوت بك" أن سبعين مبعوثًا ألحقوا بسابقيهم في فتراتٍ كانت نهايتهاسنة ١٨٣٣م, وفيهم كثرة من الأزهريين, وقد كان لهذه البعثة دويٌّ في عالم الأدب في أوربة, ولا سيما في باريس, دلت على عُلُوِّ همة "محمد علي" وشدة رغبته في إصلاح وادي النيل١. وعُنِيَ بعض المصورين بتصوير أفراد هذا البعث بمظهرهم الطريف, وأزيائهم الشرقية, وعمائمهم العربية, وطبع آخرون نسخًا من تلك الصور تهافتت عليها الناس, وهي قليلة عزيزة الوجود.

стр. 86

البعث الطبي الأزهري: إلى فرنسا في سنة ١٨٣٢م كان هذا البعث مؤلفًا من اثني عشر عضوًا, وقد انتخب من أوائل المتخرجين في الطب البشريّ, ومن بعض المصححين بالمدرسة١. وأعضاء هذا البعث ممن يفخر بهم الأزهر, فقد كانوا أمثلةً عليا في النبوغ والبراعة, وجميع هؤلاء من الأزهر٢ وهم: إبراهيم النبراوي, ومحمد الشباسي, ومصطفى السبكي, والسيد: أحمد حسن الرشيدي, وعيسوي النحراوي, والسيد: حسين غانم الرشيدي, ومحمد علي البقلي, ومحمد الشافعي, ومحمد السكري, وحسين الهياوي, ومحمد منصور, وأحمد بخيت. وقد كتب الدكتور "كلوت بك" نبذةً عنهم, ترجمها المرحوم محمد لبيب البتانوني, عُرِفَ منها ذكاؤهم وتفوقهم وتمهرهم في دراستهم؛ إذ يقول: إنهم اختبروا من الجمعية العلمية الطبية بحضور عظماء العلماء الأوربيين, فأسفر هذا الاختبار عن ذكائهم, وعلو همتهم, حتى خطب البارون ديبويتون خطبةً بليغةً أثنى عليهم فيها, وبلغ من ثنائه منتهاه, ثم أفرط في الثناء على "محمد على البقلي, ومحمد الشافعي, والسيد أحمد الرشيدي, وحسين الههياوي" وقد قال عن الأخير: إنه ذا حافظةٍ عجيبةٍ, حتى إنه مدة دراسته بباريس كان يحفظ الدرس لأول مرة, والتلاميذ الفرنسيون يصححون دورسهم منهم, ويكملون ما نقص منها عليه، وكان يملي عليهم ما قيل في الدرس كما ألقي بألفاظه وحروفه, وقال عنه: إنه بعد عودته إلى مصر اشتهر في المدرسة الطبية البحرية بالإسكندرية, وبلغت شهرته ماسمع الباشا, فحصل على أمر منه ألّا يدخل أحد من الأوربيين الخدمة الطبية, إلّا بعد أن يمتحنه بنفسه مع من يختارهم معه لاختياره, ويسفر هذا الاختبار عن نجاحه، ولكن المنيَّة عاجلته, فجف غصنه الرطيب, مرجوّ الثمار.

стр. 87

بعث الأنجال: إلى فرنسا سنة ١٨٤٤م سمَّاه هذه التسمية المرحوم "على مبارك باشا" وقد كان أحد أعضائه, وقال عن هذا البعث في خططه "أرسل محمد علي آنجاله ضمن إرسالية كبيرةٍ قدرها سبعون تلميذًا, وفتح لهم مدرسةً مستقلّةً في مدينة باريس لتعلم الفنون العسكرية١. وعُيِّنَ إمامًا لهذا البعث, الشيخُ: أبو الوفا الهوريني, أحد علماء الأزهر الأفذاذ المقتدرين في اللغة العربية, المتمكنين من دقائقها, اختاره محمد علي ليكون إمامًا لهذا البعث, ورقيبًا على أعضائه، وقد تعلم الفرنسية بباريس وأجادها, وأتقن النطق والقراءة بها, كما نقل ذلك المغفور له الأمير عمر طوسون عن حفيده عباس نصر أفندي، وقد تكلمنا عن الهوريني في الأزهريين المصححين, ومن بينهم من رجال الأزهر أيضًا، عبد الله السيد بك, وكان من كبار المترجمين. بعث أزهريّ لتعلم فن المحاماة: أرسل إلى "فرنسا" في سنة ١٨٤٧م لتعلم علم الوكالة في الدعاوى, أي: فن المحاماة، وكان مؤلفًا من خمسة من أذكياء الأزهر, وقع الاختيار عليهم من بين النابهين الأزهريين الذين يتعلمون في مدرسة الألسن. جاء في الوقائع المصرية الصادرة في ٢٤ من شوال سنة ١٢٦٣ هـ "٥ من أكتوبر سنة ١٨٤٧م أنه لما كان من جملة مرادات الجناب الخديو, أن ينتخب خمسة أشخاص مستعدين من أذكياء طلبة الجامع الأزهر, بحيث يكونون ماهرين في فن الكتابة, ويكون كل منهم فيما بين العشرين والثلاثين من السن, وأن يرسلوا إلى باريس؛ لأجل تحصيلهم علم الوكالة في أمر الدعاوى, من ديار أوربا, بودر إلى إنفاذ مقتضى إرداته السنية بتدارك من ذكر, ولم نجد أحدًا من الكاتبين تتبع هؤلاء وتكلم عنهم, وعن أثرهم بعد عودتهم. بعوث أخرى في عهد محمد علي: ثم تلت ذلك بعوثٌ أخرى, لا يتصل تفصيلها بموضوعنا, فلذلك أعرضنا عنها.

стр. 88

البعوث بعد محمد علي باشا: لم تجد البعوث بعد "محمد علي" العناية والاهتمام اللذين بذلها "محمد علي" وشغل الولاة عنها, حتى بلغت في عهد "عباس الأول" واحدًا وأربعين طالبًا, وفي عهد "سعيد باشا" ثمانيةً وأربعين طالبًا. في عهد إسماعيل: وكان عهد "إسماعيل" فاتحة حياةٍ جديدةٍ للعلم والثقافة, فأوفدت البعوث إلى أوربة منذ ١٨٦٣م إلى ١٨٧٩م لدارسة العلوم والفنون المختلفة, حتى بلغ عدد المبعوثين في عصره ١٧٣ طالبًا, كما أنشئت مدرسةٌ لأعضاء البعثة في "باريس" بدلًا من المدرسة التي أنشأها "محمد علي" وأقفلت مدرسة "إسماعيل" بعد نشوب الحرب. من عهد "توفيق" إلى "السلطان حسين": ثم انصرفت الهمم عن إيفاد البعوث إلى الغرب, فاقتصر ما أُرْسِلَ في عصر "توفيق باشا" و"عباس الثاني" "والسلطان حسين" على ٢٨٦ طالبًا. في عهد الاستقلال: بدأ هذا الغرس ينمو في عهد الاستقلال, واحتفل بهذه البعوث, فبلغ عددها في سنتين ١٩٧٤ طالبًا. وقد بلغت اللغة العربية وآدابها أسمى ما تنشده, وأجلّ ما ترجوه، وكان المبعوثون أكثر عددًا, وأتمَّ تشجيعًا، وقد بلغت البعوث الأخيرة حدًّا لم يدن منه عهدٌ من العهودِ.

стр. 89

البعوث بعد محمد علي باشا: لم تجد البعوث بعد "محمد علي" العناية والاهتمام اللذين بذلها "محمد علي" وشغل الولاة عنها, حتى بلغت في عهد "عباس الأول" واحدًا وأربعين طالبًا, وفي عهد "سعيد باشا" ثمانيةً وأربعين طالبًا. في عهد إسماعيل: وكان عهد "إسماعيل" فاتحة حياةٍ جديدةٍ للعلم والثقافة, فأوفدت البعوث إلى أوربة منذ ١٨٦٣م إلى ١٨٧٩م لدارسة العلوم والفنون المختلفة, حتى بلغ عدد المبعوثين في عصره ١٧٣ طالبًا, كما أنشئت مدرسةٌ لأعضاء البعثة في "باريس" بدلًا من المدرسة التي أنشأها "محمد علي" وأقفلت مدرسة "إسماعيل" بعد نشوب الحرب. من عهد "توفيق" إلى "السلطان حسين": ثم انصرفت الهمم عن إيفاد البعوث إلى الغرب, فاقتصر ما أُرْسِلَ في عصر "توفيق باشا" و"عباس الثاني" "والسلطان حسين" على ٢٨٦ طالبًا. في عهد الاستقلال: بدأ هذا الغرس ينمو في عهد الاستقلال, واحتفل بهذه البعوث, فبلغ عددها في سنتين ١٩٧٤ طالبًا. وقد بلغت اللغة العربية وآدابها أسمى ما تنشده, وأجلّ ما ترجوه، وكان المبعوثون أكثر عددًا, وأتمَّ تشجيعًا، وقد بلغت البعوث الأخيرة حدًّا لم يدن منه عهدٌ من العهودِ.

стр. 90

وقد كنا نود أن نقع من بحث الباحثين ودراستهم لموضوع البعوث ما ينقع الغلة, ولكنه بحث انقبض عنه الكاتبون, وتضاربت فيه الأقلام، ولم نجد البيان الشافي الذي يحدِّدُ كل بعث, ويبيِّنُ أعضاءه وأغراضه وآثاره. وإذا كانت النهضة في مستهلِّ عهدها قد اعتمدت على الأزهر, ولم تجد له معاونًا في احتمال هذه الرسالة الأدبية العلمية, فقد وجد في مصر من أبناء المعاهد والمدارس بعد أن اتسعت آفاق التعليم مَنْ شارك الأزهريين في ارتياد الغرب, ونقل آدابه وعلومه الغربية أغصانًا من دوحة الأزهر المباركة. والذي نأسف له, ونجد أشدَّ الغضاضة في التصريح به, أن يرسل من معاهد مصر في نضج نهضهتا بعوث لا يمثل فيها الأزهريون إلّا قليلًا, وهم أشد العقول والقرائح اقتدارًا على حمل هذا العبء، وأيًّا ما كان, فقد اضطلع الأزهر بهذا العمل الجليل يوم أن كان وحده الناهض به, والقائم عليه, وحسبه فخرًا ومباهاةً أن يكون في مبعوثيه من الأبطال: "رفاعه بك رافع" في بداية النهضة ونشوئها, والدكتور: "طه حسين" في نضجها وارتقائها. وحسب الأزهر فخرًا أن يهاجر أحد أبنائه منذ قرن, والثقافة خافتةٌ, والآداب العربية واهنة القوى, فهذا هو المرحوم الشيخ: "محمد الطنطاوي" الذي تطلع إلى آداب الغرب, واشتشرف إلى نوره بقبس منه مضىء, فوافاه الأجل, وحيل بينه وبين رسالته، نزح هذا العالم الأزهريّ منذ نحو قرنٍ تقريبًا إلى روسيا ليدرس الأدب العربيّ في جامعاتها, ووافاه الأجل وهو هناك, فدفن في الأراضي الروسية, ويوجد رسم "فوتوغرافي" لقبره في الخزانة التيمورية, وقد نقشت بعض عبارات بالعربية على شاهد القبر, تفيد هذا المعنى١.

стр. 91

الترجمة والتأليف ونهوض الأزهر بهما مدخل ... الترجمة والتأليف ونهوض الأزهر بهما: اتجهت رغبة المصلح الخطير محمد علي باشا إلى أن ينقل الثقافة الغربية المتمثلة في آداب الإفرانج في مختلف مظاهرها, وكتب الطب والطبيعيات والرياضيات وعلوم الاجتماع والاقتصاد والحقوق, فبذل جهودًا عنيفةً في إنهاض الترجمة والتأليف في هذه الثقافات. الترجمة: وكان أول ما عَهِدَهٌ المصريون من الترجمة في صدر النهضة, ما قام المترجمون به من نقل الدورس بين الأساتذة والطلبة في مدرسة الطب. وإذا كان محمد علي قد اعتمد أولًا على الأجانب, واستخدم بعض النزلاء من السوريين والمغاربة في النهوض بهذا العمل الجليل, فإنه وجَّه همته إلى إيجاد طائفة نابهة من المصريين تتولى هذا العمل, ونفذ السير فيه. فلما عاد المرحوم رفاعة بك رافع من بعثه إلى باريس سنة ١٨٢١ كان قد برع في الفرنسية وجوَّهَا, وألَمَّ بطائفةٍ من العلوم الحديثة, فعهد إليه "محمد علي باشا" بالترجمة في مدرسة الطب, وعَوَّلَ عليه في ترجمة كتب الفنون العسكرية والهندسية. ولم يكن "محمد علي" مطمئنًا إلى أن يشغل أعضاء البعوث عن وظائفهم, والأعمال التي كانوا مغتربين عن أوطانهم للتفرغ لها, والتبريز فيها, ولذلك رفض الاقتراح الذي رفع إليه بأن يجمع أعضاء البعوث المتشغلون بالترجمة في قلم واحد, وآثر أن ينشئ مدرسةً خاصّةً بالترجمة, وهي المدرسة التي أطلق عليها فيما بعد "مدرسة الألسن". أنشئت هذه المدرسة لتخرج مترجمين, وولي المرحوم رفاعة بك إدراتها, وظلَّ على شئونها إلى أن خرجت طائفة من المترجمين الأفذاذ الذين ترجموا بإشراف رفاعة بك ومعاونته وتوجييه جمهرة من كتب العلوم والآداب

стр. 92

والطبيعيات والرياضيات والطب والزراعة والصناعة وفنون الحرب وغير ذلك. ولمّا ألغيت اللغة الفرنسية من برنامج الدراسة في المدارس الخصوصية سنة ١٨٣٦م أصبحت الترجمة مقصورة على تلامذة مدرسة الألسن وخريجيها, وفريق من الأساتذة المصريين المدرسين بالمدارس الخصوصية, ممن أتموا دراستهم بأوربة١. ولما لم تكن ترجمة العلوم والفنون مقصورةً على معرفة اللغة, بل تستند إلى الإلمام بالعلم, أو الفن المتجرمين, أشارت اللجنة التي نظمت التعليم سنة ١٨٤١م بإنشاء قلم خاصٍّ للترجمة, يلحق بمدرسة الألسن, تحت إشراف مديرها المرحوم رفاعة بك, وقد جعل قلم الترجمة مقسمًا إلى أربعة أقسام: القسم الأول: لترجمة الكتب المتعلقة بالعلوم الرياضية. القسم الثاني: لترجمة كتب العلوم الطبية والطبيعية. القسم الثالث: لترجمة كتب الأدبيات؛ كالتاريخ والقصص والقوانين والجغرافية. وهكذا أنشيء قلم الترجمة بأقسامه المختلفة, ودبر له ما يحتاج إليه من المترجمين. الكتب المترجمة: أما الكتب التي كانوا يتولون ترجمته, فَجُلُّهَا من الفرنسية إلى العربية, وبعضها من الفرنسية إلى التركية, وكان ديوان المدارس يطلب إلى نظار المدارس الخصوصية في كلِّ عامٍ بيانًا بما جدَّ من المؤلفات في المواد التي تدرس بمدرستهم, حتى إذا كانت هي, أو غيرها, مما يرى رفاعة بك ترجمته

стр. 93

بالكتبخانة الفرنسية المحلقة بمدرسة الألسن, وزعت على المترجمين وإلا أورسل الديوان في طلبها من أوربة١. وكان أكثر هذه الكتب ضخمًا من أسفارٍ عدة, فيعطي كل مترجم سفرًا كي تتم ترجمته في زمن قصير. والراجح أن توزيع الأعمال في قلم الترجمة -كما حددته اللجنة التي أشارت بإنشائه في تقريرها- لم يتبع بحذافيره, بل تجوَّز عن كثير مما فيه؛ إذ لم يكن ثمة تخصص في الترجمة, فقد ينتهي مترجم من تعريب كتاب في الكيمياء, فيشرع في تعريب آخر في الزارعة, أو التاريخ, أو تربية الحيوان, وقبل أن يأخذ المترجم في عمله تحدد له مدة معينة, على أن يتم كتابه فيها وإلّا عُدَّ مقصرًا٢. وكان يفحص أعمال "القلم" نهاية كل عام لجنةٌ؛ لتميز الخبيث من الطيب, والمقصر من المجدِّ, ثم توصي بعقاب الأول ومكافأة الثاني؛ إذ تمنح المهمل نصف راتبه فحسب في المدة التي قصر فيها, وتكافئ المجد الذي أتم ترجمة كتابه وطبع كتابه بخمس, ونسخ منه تقدم إليه هدية٣. جهود "رفاعة بك وتلامذته: وغير خافٍ ما كان يضطلع به رفاعة بك من جهد في الترجمة, والتوجيه والرعاية البالغة مما كان يمضي تلامذته فيه من نقل هذه الثقافة الغربية في كثير من فنونها, حتى استطاع رفاعة بك وتلامذته أن يعقدوا صلة ثقافية بين العربية والعلوم المحدثة, وقد استنفذ ذلك جهدًا وصبرًا وطول مثابرة.

стр. 94

وفي ذلك يقول المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري: "فهذا رفاعة الأزهريّ يعود من فرنسا بعد المقام فيها مع إحدى البعثات بضع سنين, وإنه ليقوم في جماعةٍ من لداته وتلاميذه على قلم الترجمة, وقد راحوا يصبون ألوان الصيغ والمصطلحات في شتى العلوم والفنون, يتوسلون إلى هذا بالبحث فيما أُثِرَ عن الأقدمين تارة بالاشتقاق, وأخرى بالتعريب, وأحيانًا بغير أولئك من وسائل الدلالات, واللغة تتئد في معاناتهم مرةً, وتخف في التيار مرةً, على أنها في الحالين واتت بقدرٍ ما مطالبَ العلم الحديث, فحقق جهدهم فيها وجهدها معهم ما كاد يصل الظن بجملة المستحيل١. أثر الأزهريين في الترجمة والتأليف: نهض تلامذة مدرسة الطب بترجمة العلوم الغربية في هذه المدرسة، وبدأ بهذا العمل بها فخر الأزهر المرحوم: رفاعة بك, وكان جل طلبة هذه المدرسة من الأزهريين؛ إذ اعتمدت عليهم في مستهلِّ نشأتها, وكانوا فيما بعد أعلام الطب في مصر. وقام بالترجمة في مدرسة الألسن رفاعة بك الذي أشرف على قلم الترجمة, ووجَّه القائمين به, وأشار بالكتب التي ترجموها, وكان عماد هذه المدرسة الأزهريين الذين كانوا مثلًا رفيعًا للطلبة في نباهة الشأن وطول المثابرة. أخرج رفاعة بك وتلامذته الأزهريون ثمراتٍ طبيةٍ مما عرَّبوه من علوم الغرب وآدابه وفنونه، ولما اقتدر هؤلاء الطلاب على التأليف في الثقافة المحدثة, كان رفاعة بك معلهم ومشجعهم وهاديهم إلى هذا الغرض الجليل, فأخرج وأخرجوا معه كتبًا في علوم الغرب وآدابه, فسهَّل بها اطلاع الناس على هذا الثقافات, وتزودوا منها, وأفادوا بها, ووجد كلُّ متأدب بغيته من هذه الثقافة التي أصبحت الترجمة والتأليف مُعَبَّدَة السبيل, سهلة المنال

стр. 95

سائغة الورود، وكان مما أعان هؤلاء الأزهريين على التوفر على التأليف والترجمة؛ إذ ذاك إيفاد كثير من نبغائهم إلى بلاد الغرب فيما أوفد من بعوث؛ إذ اتصلوا بثقافة أوربة, واستمكنوا من لغتها, وكانوا أقرب من هذه الثقافة بالمخالطة والدراسة. نشرت حركة الترجمة والتأليف ثروة عربية لغوية, اقتضى التعبير بها الكشف عنها, وكانت الترجمة والتأليف حاثًّا للمترجمين والمؤلفين أن يقبلوا في مجفوات الكتب العربية عن مصطلحات وتعبيرات تلائم عملهم الجديد, واسلتزمت حركة الترجمة والتأليف صوغ عباراتٍ تتأدى بها المعاني التي لم يكن في الألفاظ العربية القديمة ما ينهض بها. واستدعت هذه الحركة القوية أن يلتفت المتأدبون إلى هذه الثقافة الجديدة, وأن يطيلوا الوقوف عند ما حوته من جدة وطرافة, فاتسع الخيال, وأمرع الفكر, واتجه الأدباء متجه الأدب الغربيّ في سهولة أدائه ووضوح تعبيره, واتجهوا إلى المعنى, وتوخوا الفكرة, وانصرفوا عن الصناعة التي كانوا بها كلفين، وكان ذلك بدء حياة جديدة في الأدب العربيّ, سار الأدباء في طريقها, أما رفاعة بك زعيم المؤلفين والمترجمين في صدر هذه النهضة فسنخصه بحديثٍ نطيل الوقوف عنده. وأما غيره من الأزهريين الذين نهضوا بالترجمة والتأليف إذ ذاك, فهم كثيرون متعددون، وسنبدأ بالكلام عن أشهرهم, مبينين في إيجازٍ طرفًا من حياتهم وآثارهم, ترجمةً وتأليفًا.

стр. 96

إبراهيم النبراوي ... إبراهيم النبرواي: ينتسب إلى بلدة "نبروه" من مديرية الغربية, تعلم القراءة والكتابة في صغره, ثم اشتغل بالتجارة, وأرسله أهله إلى القاهرة في شئونها, فشاء القدر أن يخسر فيها كي يتحرج من العود إليهم, ويبقى بمصر لطلب العلم في الأزهر. وقد قضى فترةً به حتى اتفق له أن يكون فيمن نهضت بهم مدرسة الطب بأبي زعبل؛ إذ التحق بها, وظلَّ فيها حتى ارتقى إلى رتبة "ملازم", وكان أحد أعضاء البعث الأوّل الذي أرسله محمد علي باشا إلى باريس. وقد تقدم النبراو إلى الامتحان فكان من المتفوقين, وتولى تعليم الجراحة الكبرى في عهد كلوت بك بمدرسة الطب, ثم أصبح رئيسًا لأطباء تلك المدرسة، وكان موضع ثقة محمد علي باشا فاختاره طبيبًا له, وقربه ورقاه إلى رتبة "أميرالاي" فوثق الناس به, وهرعوا إليه, وتقلب في النعمة ورغد العيش، ثم انتخبه عباس باشا الأول طبيبًا له, حين انتهت الولاية إليه, وانتدبته والدته ليصحبها في سفرها إلى الحج، وقد كان طبيبًا بارعًا, ترجم آثارًا ذات خطر, ومنها: ١- كتاب الأربطة الجراحية, ترجمه من الفرنسية إلى العربية, وطبع سنة ١٩٥٤هـ. ٢- نبذة في الفلسفة الطبيعية, ألفها "كلوت بك", وترجمها هو إلى العربية, وطبعت سنة ١٩٥٣ هجرية. ٣- نبذة في أصول الطبيعة والتشريح لكلوت بك, ترجمها هو إلى العربية.

стр. 97

أحمد حسن الرشيدي ... أحمد حسن رشدي: أحد الأفذاذ النابغين في مدرسة الطب المصرية والبعوث إلى أوربا, جاهد في تأسيس النهضة مجاهدةً صادقةً حتى كان أحد دعائمها, وأكثر الأطباء عملًا في سبيلها. نشأ نشأته الأولى في الجامع الأزهر, فلما أراد محمد علي اختيار شباب لدراسة الطب, كان بين الراغبين فيها, فدخل مدرسة الطب, وتعلَّم بها, وسافر في البعث الأول إلى باريس, فلما عاد عُيِّنَ معلِّمًا للطبيعة في المدرسة, ثم أخذ في الترجمة والتأليف بهمةٍ لا تعرف الكلال, وكفاية ومقدرة ومتانة في اللغة, فاق فيها زملاؤه وأنداده. وتمتاز مؤلفاته بالتجويد والإحكام, وأنها قلَّمَا تحتاج إلى تحرير وتصحيح, وقد ألَّفَ في أكثر فنون الطب والطبيعة، ولما انتقلت ولاية مصر إلى عباس الأول, ثم إلى سعيد, وسكتت الحركة العلمة, لم يظهر شيء من تأليفه, وكان حساده قد سعوا به, ثم شفع له بعض أصدقائه لدى الخديوي إسماعيل؛ إذ آلت الولاية إليه, فهشَّ له وقربه وأوصاه أن يستأنف جهده, فألف كتاب "عمدة المحتاج لعلمي الأدوية والعلاج". آثاره: له مؤلفات تشهد بقدرته ورسوخ قدمه, فمنها: ١- رسالةٌ في تطعيم الجدري, أصلها لكلوت بك, قام هو بترجمتها. ٢- الدارسة الأولية في الجغرافية والطبيعية "مُعَرَّب". ٣- "ضياء النيرين فيمداوة العينين" مُعَرَّبٌ عن كتاب للجراح "لورانس" مع زيادات عن الأصل. ٤- طالع السعادة والإقبال في علم الولادة وأمراض النساء والأطفال, ترجمه عن الفرنسية "على هيبة" وتولى هو تصحيحه. ٥- نبذة في تطعيم الجدري. ٦- بهجة الرؤساء في أمراض النساء. ٧- نزهة الإقبال في مداواة الأطفال. ٨- الروضة البهية في مداواة الأمراض الجلدية. ٩- نخبة الأمائل في علاج تشوهات المفاصل -تكملة للروضة البهية. ١٠- عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج, وهوكالموسوعة الطبية, في أربعة مجلدات, علق عليه الدكتور حسين عودة بفهرس يسهل الانتفاع به.

стр. 98

أبو السعود: هو أبو عبد الله أبو السعود بن الشيخ عبد الله, ولد في "دهشور" من مديرية الجيزة, سنة "١٢٣٦هـ- ١٩٨٢٠م" وأصله من جبال برقة, وتعلّم بالأزهر صدر حياته, حتى أنشأ محمد علي باشا مدرسة الألسن فالتحق بها, وأظهر براعةً وتفوقًا في علوم اللغة والرياضة والفقه, وأجاد الفرنسية والإيطالية, وأخذ في التعليم وتصحيح تراجم الكتب الرياضية وغيرها, وظلَّ يرتقي بنبوغه وجده حتى عُيِّنَ في ترجمة ديوان المدارس، ثم صار في عهد إسماعيل ناظر قلم الترجمة بهذا الديوان, وعلَّم التاريخ بمدرسة دار العلوم, ثم عين عضوًا بمجلس الاستئناف, إلى أن توفي سنة ١٢٩٥هـ - ١٨٧٨م, وهو أول من أنشأ جريدة سياسية عربيةً غير رسمية بمصر, تسمى: "وادي النيل" فكانت تهيئ الأفكار, وتدعو إلى تنشيط الأقلام الحرة, وهو صاحب المقالات الشائقة التي كان ينشرها في روضة المدارس، كما أن له بضع مقالات قيمة في صحيفة "روضة الأخبار" التي كان يصدرها ولده أنيس أفندي. وأبو السعود من أنبغ تلاميذ رفاعه بك وأنبه المترجمين في ذلك العهد، وقد اشترك مع رفاعة بك وتلامذته في ترجمة قانون "نابليون" واشترك في تعريب قانون المرافعات, كما ترجم لمعظم كتاب الجريدة العسكرية من الفرنجة، وقد ألَّفَ كتبًا قيمةً, وكانت له آثارٌ ذات شأن نذكر منها: ١- نظم اللالئ في السلوك فيمن حكم فرنسا من الملوك" مُذَيَّلٌ بجدول لمقابلة تاريخ الهجرة بتاريخ الميلاد, من أول الهجرة إلى سنة ١٣٠٠هـ, طبع بمصر سنة ١٢٥٧هـ. ٢- الدرس التام في التاريخ العام, طبع بمصر سنة ١٢٨٩ هـ. ٣- قناصة أهل العصر في خلاصة تاريخ مصر القديم, أصله لماريت

стр. 99

باشا, ونقله أبو السعود من الفرنسية إلى العربية, بأمر نظارة المعارف, وهو مطبوع بمصر سنة ١٢٨١هـ. ٤- له ديوانٌ جمع شعره الرقيق, وبه كثير من المنظومات المولدة؛ كالموالي والموشحات. ٥- وله أرجوزة في سيرة محمد علي, تبلغ ألف بيت. ٦- منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر, لخصه عن "الجبرتي". وله غير ذلك آثارٌ قيمة في التأليف والترجمة.

стр. 100

رفاعة بك رافع الطهطاوي: المتوفي سنة "١٢٩٠هـ- ١٨٧٣م". التعريف به: وهو السيد: رفاعة بك بن بدوي بن عليّ بن محمد بن عليّ رافع, ويلحقون نسبهم بمحمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء. نشأته: ولد في طهطا بمديرة جرجا من صعيد مصر, ويؤخذ مما كتبه عنه نفسه في رحلته أن أجداده كانوا من ذوي اليسار, ولكن الدهر أخنى عليهم, والأيام تنكرت لهم، فلما وُلِدَ تفتحت عيناه على الضيق والعسرة، وسار به والده إلى منشأة النيدة بالقرب من مديرية جرجا, فالقى عصا تسياره بين قوم كرام النفوس, ذوي يسار ومجد, يقال لهم: "بيت أبي قطنة" فأقاما هناك مدةً, ثم نزحا إلى قنا, ولبثا بها حتى شَبَّ الغلام, وشرع يقرأ كتاب الله, ثم نقل إلى فرشوط التي عاد منها إلى طَهْطَا وطنه الاول, بعد أن أتمَّ القرآن حفظًا. الأزهر الصغير: وقد تهيأت له في حداثته ثقافةٌ أزهريةٌ؛ إذ قرأ كثير من المتون الأزهرية المتداولة على أخواله, وفيهم طائفة من علماء الأزهر الفضلاء؛ كالشيخ: عبد الصمد الأنصاري, والشيخ: أبي الحسن الأنصاري, والشيخ: فراج الأنصاري, وغيرهم.

стр. 101

ولما توفي والد رفاعة قدم هو إلى القاهرة, وانتظم في سلك الطلبة بالجامع الأزهر, في سنة "١٢٢٣هـ" وجَدَّ في الدرس والمطالعة حتى نال من العلم حظًّا محمودًا, ولم يمض بضع سنين حتى صار من طبقة العلماء في اللغة والحديث والفقه, وسائر علوم المنقول والمعقول، وكان في جملة مَنْ تلقَّى عنهم العلم العالم واللغويّ الشاعر الكاتب الشيح: حسين العطار, المتوفى سنة "١٢٥٠هـ" وقد تنبه إلى مخايل ذكائه, وأمرات نجابته, فميزه عن أقرانه, وخصه ببالغ عطفه, وكان يتردد على منزله لينهل من علمه, وينشد توجيهه، ويشترك معه في الاطلاع على الكتب الغربية التي لم تتداولها أيدي علماء الأزهر١. نبوغه المبكر: أشرق نبوغُ رفاعةَ وذكاؤُه وهو لدن العود, غَضِّ الصبا, وبدت لذلك علائم ودلائل، فقد أُثِرَ عنه أن أحد الفضلاء المدرسين سأله زمن حضوره بالأزهر, في صحن الأزهر, في جلسة خفيفة, فختم القطر بها ذلك المدرس, وعد ذلك على فضله مع حداثة سنه من أبلغ الدلائل، ومن ذلك الوقت اعترف له وهو ابن عشرين سنة جميع أبناء طبقته, بأنه تلقى راية العلم باليمين٢. مواهبه وجده: قضى رفاعة في الدارسة في الأزهر زهاء ثماني سنوات, كان فيها مرموقًا بالأنظار لذكائه وجَدِّه وسلامة ذوقه ودقة فهمه، ولم يكن يلتزم طريقة زملائه الطلاب في مبدأ الطلبة, بل كانت دروسه تتعدد في اليوم الواحد تعددًا زائدًا عن طاقته ووسعه٣.

стр. 102

وقد اشتغل في الأزهر بعد تخرجه بتدريس كتبٍ شتى في المنطق والبيان والبديع والعروض والأدب وغير ذلك، وكان سهل الأداء, عذب الأسلوب, فصيح التعبير, قادرًا على تصوير المعنى بطرق مختلفة، يجد الذكي وغيره في درسه نفعًا وإرشادًا وهداية. ولقد يبلغ به الجد والمثابرة أنه لا يقف على ذلك اليوم والليلة على وقت محدود، فكان ربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء, أو عند ثلث الليل الأخير, ومكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قديمه في درس اللغة, أو فنون الإدارة والشرائع الإسلامية, والقوانين الأجنبية, وكذلك كان دأبه معهم في تدريس كتب فنون الأدب العالية؛ بحيث أمسى جميعهم في الإنشاء نظمًا ونثرًا أطروفة عصرهم, وتحفة عصرهم، ومع ذلك كان هو بشخصه لا يفتر عن الاشتغال بالترجمة أو التأليف، وكان مجامع الامتحان لا تزهى إلّا به١. الوظائف التي شغلها: شغل رفاعة بك كثيرًا من الوظائف العلمية والإدراية، فكان فيها مثلًا رفيعًا للكفاية والجد, ونموذجًا يحتذى في بروز الشخصية ووفرة الإنتاج, وقد عثر صالح بك مجدي صاحب كتاب "حلية الزمن في مناقب خادم الوطن" رفاعة بك على ورقة مختومة سرد فيها رفاعة المناصب التي تقلدها, والأعمال التي اضطلع بها, وذلك أنه عُيِّنَ خطيبا وواعظًا لدى حسن بك المانسترلي, الذي ارتقى فيما بعد رتبة الباشوية, وعين في منصب "الكتخدائية" في عهد المرحوم عباس باشا الأول, وتُوفِيَ في زمن المحروم محمد سعيد باشا, ثم نقل إلى مثل هذه الوظيفة لدى أحمد بك الشكلي, الذي منح رتبة الباشوية فيما بعد, وتوفي في عهد محمد سعيد باشا.

стр. 103

رفاعة في البعثة: ولما أراد المرحوم محمد علي باشا أن يرسل طائفةً من الشباب النابهين إلى باريس؛ لينقلوا علوم الغرب وآدابه وثقافته, وطلب من المرحوم الشيح: حسن العطار, أن ينتخب لهم إمامًا من علماء الأزهر, فيه الأهلية واللياقة, اختار تعيين صاحب الترجمة لتلك الوظيفة١. وكان الشيخ حسن العطار من المعجبين بذكائه, المقدرين كفايته وعلمه, فزكَّاه لهذا العمل الذي كان باكروة نجاحه ومطلع شهرته وانبلاج صبحه. واتجه مع هذه البعثة إلى باريس موصًّى من شيخه العطار بأن يجدي على بلاده بعمل رحلة, يسجل فيها ما يشاهده في فرنسا من أحوال وأخلاق وعادات, فألف رحلته المشهورة التي سماها: "تخليص الإبريز والديوان النفيس" وقد شرع يتعلم الفرنسية منذ غادر مصر, وبذل فيها همه وعزمه, واتخذ له بعد وصوله إلى باريس معلمًا خاصًّا على نفقته، وما لبث في هذه البلاد حتى عرفه العلماء والأدباء وقدروه حق قدره، وكان للمسيو "جوما" فضل سابغ عليه بإرشاده وتعليمه ووفائه له في وده, كما فعل ذلك معه العالم الشهير "البارون دساسي". وفي المدة التي أقامها بباريس بين سنة ١٢٤١ و ١٢٤٦هـ نبغ في العلوم والمعارف الأجنبية, ولا سيما في الترجمة في سائر العلوم على اختلاف مصطلحاتها, ولم تكن هذه المدينة البراقة الفاتنة لتصرفه عن التوفر على المثابرة والتضلع في ثقافة هذه البلاد, أو تجرح خلقه وحصانته, بل أكبَّ على عمله غير مدخر وسعًا, حتى ترجم خلال إقامته بباريس جمهرةً من الرسائل والكتب, منها: "قلائد المفاخر" الذي سنذكره في آثاره. رفاعة بعد عودته: ولما رجع من بعثته عُيِّنَ في سنة ١٢٤٩هـ بمدرسة الطب بأبي زعبل في

стр. 104

وظيفة مترجم ومدرس للغة الفرنسية, ورئيسًا لقسم الجغرافية بالمدرسة, ثم انتقل في السنة نفسها إلى مدرسة الطوبجية, وأقام بها إلى سنة ١٢٥١ هـ يشغل وظيفة مترجم, وكانت هذه المدرسة قائمةً على تحصيل الفنون العربية, مؤسسة لترجمة العلوم الهندسية والفنون العسكرية, ويقول صاحب "حلية الزمن" -ص١٢- "وقد عثرت له مدة إقامته بها على رسالةٍ مترجمةٍ في الهندسة العادية, مطبوعة بمطبعة بولاق البهية، وهذه الرسالة من جملة الرسائل الفرنسية التي يقرؤها التلامذة بمدرسة سانسيرا بفرنسا, وقد انتفع بها أبناء هذه المدارس. ثم وكلت إليه نظارة "قلم إفرانجي" في عهد المرحوم محمد سعيد باشا, ونيطت به نظارة داركتب قصر العيني, وكانت ضخمة حافلة بالأسفار؛ إذ تضم اثنى عشر ألف, أوأخمسة عشر ألف مجلد، ومعظمها بالفرنسة والإيطالية١ كما وُكِّلَت إليه رئاسة فرقة تلامذة الجغرافية بهذا القصر. رفاعة ومدرسة الألسن: وكان هذه المدرسة من وحي رأيه, وثمرات فكره, فقد عرض على الجناب العالي أن تنشأ هذه المدرسة لتجدي على الوطن أبلغ جدوى, وليستغني بها عن الأجانب الدخلاء، وقد عهد إليه اختيار التلامذة لهذه المدرسة, فطاف بهم, وانتخب من وجد فيه صلاحية وكفاية. أسس رفاعة مدرسة الألسن، وانتهت إليه إدراتها والإشراف على تلاميذها والترجمة بها، وعلاوة على قيامه بإدارة المدرسة من الوجهة الفنية, كان ناظرًا لها من الوجهة الإدارية, كما كان يشرف على مراجعة وإصلاح الكتب التي كان يمر بها تلامذته٢.

стр. 105

ولما كان مرهقًا بكثرة العمل, والاضطلاع بمختلف الشئون, خصص له ديوان المدارس مدرسًا فرنسيًّا ليعاونه في إدارة المدرسة, والتفتيش على الدورس وأمانة المكتبة، وليخفف بمعاونته من هذه الأعمال التي يضيق الزمن عنها, فإنه كان يطوف كل عام بمكاتب المبتديان في الأقاليم؛ ليشرف على امتحان التلاميذ الذين يتقدمون إلى المدرسة التجهيزية؛ ليحلق المتفوقين منهم بها. ومن العجيب أن يضطلع إلى جانب هذا كله بنظارة مدرسة التجهيزية, والوقائع المصرية, والكتبخانة الأفرنجية, ومخزن عموم المدارس, والإشراف على قلم الترجمة الذي أُسِّسَ بمردسة الألسن, والإشراف على مدرسة المحاسبة, والفقه الشرعيّ, والإدارة, والأحكام الأفرنجية, وملاحظة المكتب العالي "بالخانقاه" وقد ظل رفاعة بك مديرًا لمدرسة الألسن, والمدارس الملحقة بها, حتى أوائل عصر عباس الأول؛ حيث نقلت من الأزبكية إلى الناصرية، ولما ألغيت مدرسة الألسن, عُيِّنَ ناظرًا للمدرسة الابتدائية التي أنشئت في الخرطوم. تلك هي الوظائف التي شغلها رفاعة بك, الذي كان حركةً دائبةً, وعملًا موصولًا, وإنهاءً لجهود جبارة تتقاصر دونها جهود الرجال، وتعيا عن حملها قوى متضافرة وعزائم متعاونة, عدا ما اضطلع به من أعمال جسام عقب عودته من الخرطوم. نفيه إلى الخرطوم: لنظارته لمدرسة الخرطوم بالسودان قصةٌ تهوى النفوس معرفتها: تولى عرش مصر عباس باشا الأول, بعد وفاة إبراهم, وكان محمد علي لا يزال ينوء بمرضه, ولعباس نفس تلح عليه أن ينسخ ما فعله محمد علي, وينتهز فرصة موته لتنفيذ خطته الرجعية. ويقول الأستاذ أحمد عزت عبد الكريم في كتابه تاريخ التعليم: "إن

стр. 106

عباسًا أظهر منذ تولي الحكم في مصر أنه لن يكون الحاكم الذي يتابع سياسة جده, ويحنو على مؤسساته, ويؤيد نظمه, وأن سياسة عباس في الإصلاح الداخليّ كانت فشلًا متصلًا, ولا يشفع له في ذلك أن حكمه كان قصيرًا، وهو أيضًا يرجع السبب في ذلك إلى أن سياسة عباس قامت على تسفيه الجهود التي بذلها محمد علي وإبراهيم في ميدان الإصلاح الداخليّ, والسياسة التي اعتقد أنهما كانا يتمسكان بها, ويدعوان إليها. فإذا ارتسمت لنا سياسة عباس على هذه الصورة, فقد هان علينا أن نفهم السر في إغلاقه معظم المدارس الخصوصية في أول عهده، وقد كان مدرسة الألسن أول مدرسة ألغيت في عهد عباس, فمؤسسها وناظرها رفاعة بك, أحد الأدنين من جده وعمه الناعم بعطفهما وثقتهما، ورسالة هذه المدرسة هي نقل الحضارة الغربية والثقافة الأوربية, والذي رسم هذه الخطة الرشيدة هما: محمد علي وإبراهيم, والذي اضطلع بتنفيذ هذه السياسة, وبذل فيها أعظم الجهود, إنما هو رفاعة بك, وعباس- كما يقول المؤرخ الإيطاليّ "وساماركوا": "يتجلى عداؤه للحضارة الغربية, وكرهه لجميع الأعمال التي كونت مجده, ويبذل كل الجهد لتحطيمها شيئًا فشيئًا" فلا عجب إذن أن يجافي رفاعة بطل هذه الحضارة, وحامل لواء تلك النهضة, وأن يحصل له من البغض والشنآن ما ينتهي به إلى نفيه إلى السودان. ويرى الأستاذ عبد الرحمن بك, أن لكتاب "تخليص الإبريز" سببًا يتصل بنفيه؛ إذ لا يخفى أنه طبع للمرة الثانية سنة ١٢٦٥هـ, أي: في أوئل عهد عباس, والكتاب يحوي آراء ومبادئ لا يرغب فيها الحاكم المستبد, وعباس كان بطبعه مستبدًّا, فلا بد أن الوشاة قد لفتوا نظره إلى ما في كتاب رفاعة, مما لا يروق عباس, فرأى أن يبعده إلى الخرطوم؛ ليكون السودان منفًى له, وليبعده, ويبعد من يشاكله في آرائه وأفكاره عن مصر، ويتخذ لإبعاده وإبعادهم علةً منتحلةً وسببًا مخادعًا.

стр. 107

والأستاذ عزت عبد الكريم في كتابه "تاريخ التعليم في عهد محمد علي" يرى أن هناك احتمالين لإبعاد رفاعة إلى السودان: أحدهما: سعي علي مبارك الذي عاد من أوربة ممتلئًا بالأطماع, والذي كان يحقد على رفاعة لما أصابه من مكانة وبلوغ شهرة. والثاني: ما يحتمل أن يكون رفاعة قد لقيه من معارضة بعض المشايخ المتعصبين الذين ربما عدوه متطفلًا على مبادئهم في دراسة الشريعة والفقه. هذه تكهنات يضرب فيها المؤرخون والباحثون, إلّا أنها لم تتكئ على وقائع ملموسة تكون أقرب إلى الجزم واليقين، وأنه وإن كانت هذه مجتمعةً, أو منفردةً, تصلح أسبابًا لنفي رفاعة, وتغير عباس عليه, إلّا أن رفاعة نفسه جَلَّى السبب وأزال إبهامه؛ فقد ذكر أنه سافر إلى السودان بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر, بوسيلة نظارة مدرسة الخرطوم١. وأنه, وإن لم يذكر أسماء السعادة, ولم يشرح السعاية التي قاموا بها, أشار إلى الوشاة والوشاية في قصيدته التي نظمها بالخرطوم, مستنجدًا بحسن باشا كتخدا مصر -ومما قاله في هذه القصيدة: وما خلت العزيز يريد ذلي ... ولا يصغي لأخصام لداد لديه سعوا بألسنة حداد ... فيكيف صغى لألسنة حداد؟ مهازيل الفضائل خادعوني ... وهل في حربهم يكبو جوادي؟ وزخرف قولهم إذ زخرفوا ... على تزييفه نادى المنادي فهل من صبر في المعنى بصير ... صيحح الانتفاء والانتقاد؟ قياس مدارسي قالوا عقيم ... بمصر فما النتجية في بعادي؟

стр. 108

وهو يعجب كيف يؤدي لوطنه هذه الخدمة الجليلة, ثم يُجْزَى هذا الجزاء, ويبدي جزعه على أطفاله الصغار الذين ملكوا عليه فكره فيقول: على عد التواتر معرباتي ... تفي بفنون سلم أو جهاد و"ملطبرون" يشهد وهو عدلٌ ... "ومنتسكو" يقر بلا تماد ولاح لسان "باريس" كشمسٍ ... بقاهرة المعزِّ على عمادي رحلت بصفقة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد وما السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادي وقد فارقت أطفالًا صغارًا ... "بطهطا" دون عودي واعتيادي أفكر فيهمو سرًّا وجهرًا ... ولا سمري يطيب ولا رقادي أريد وصالهم والدهر يأبى ... مواصلتي ويطمع في عنادي وكان الشيخ ماكرًا, فقد وضع القصيدة على وزن وقافية: لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لما تنادي١ قياس رفاعة: من المصادفات الغريبة والتنبؤ الطريف, ما نرويه في هذه القصة التي وقعت بين رفاعة وكبار المصريين في السودان؛ ففي غضون شهر شوال سنة ١٢٧٠ هـ أعدَّ جزايرلي سليم -حكمدار السودان- وليمةً بإحدى السفن الراسية بمياه النيل تجاه الخرطوم, ودعا إليها سفراء الدول, والمرحوم رفاعة بك, وقد شرعت السفينة تتهادى في الماء وتختال قبل الموعد بقليل, والمدعوون يسمرون ويمرحون, وبينما هم كذلك فأجأهم رفاعة بقوله: إن الوالي عباسًا قتل, فاضطرب الجمع, واضطر الحكمدار المُوَلَّى من قبل عباس أن يلغي الواليمة, وتفرق الجمع, ولما عاد رفاعة إلى مدرسة الخرطوم سأله المدرسون عن

стр. 109

عودته, فأخبرهم بأن عباسًا قتل, فقالوا له من أين علمت؟ فقال لهم: انتهيت في ترجمة تلماك إلى اجتماع الملوك المتعاهدة, وانضمام تلماك معهم على محاربة الملك "أدرسته" ملك الدونية, وإعدامه بيد تلماك؛ لارتكابه كل الأمور التي أرى أن عباسًا ارتكبها تمامًا, وحيث كانت عاقبة "أدرسته" القتل, فقياسًا على هذا قلت: لابد أن يكون عباس قتل مثله, فقالوا: ألم يكفك اغترابنا في الخرطوم حتى رحت تجترئ على هذا القياس الخرافي الذي يترتب عليه إبعادنا إلى ما أبعد من الخرطوم. وفي اليوم التالي للحادث, اسْتُدْعِىَ رفاعة بك من الحكمدار, وزفَّ إليه بشرى أن سعيد باشا أمر بإعادته ومن معه إلى القاهرة, وسلمه الحكمدار جانبًا من التبر هديةً لوالي مصر الجديد. هذه رواية عن قياس رفاعة, وما من شك في أن رفاعة كان حزينًا لنفيه, موجعًا لبعده, آسفًا لما لقيه من والٍ أغفل فضله العريض في نهضة البلاد, ولم يجازه إلّا بالنفي والاغتراب. كان ذلك الألم يحز في نفس رفاعة, ويبلغ من شعوره كل مبلغ, ويتغلغل في نفسه كل تغلغل، وربما صقل الحزن نفسه, وتجسم الأمل في نفسه, وتملكه الخيال الذي تمثّل له في قصة تلماك, فراح يقرن بين حال الملكين ويتكهن بأن يكون أحدهما كالآخر في مصرعه, ولم يدع له الغيظ قوةً يكتم بها إحساسه, فأرسل حدسه في صورة الخبر, وأبرز خياله في معرض اليقين، وكم في الأمور من مصادفات. أثر رفاعه في السودان: قضى رفاعة في السودان زهاء أربعة أعوام, شعر فيها بمرارة الحزن والألم, وكانت صابًا وعلقمًا لمعنى الظلم والجور الذي يتمثل له، ولاغترابه عن أطفال صغار لا يدري ما فعل بهم الزمان, ولجزعه في منفاه على علم من أعلام النهضة, وهو محمد بيومي, أستاذ الرضيات, ورئيس أحد أقسام الترجمة, فقد صحب رفاعة في رحلته إلى باريس, وعاونه في نشر العلم بالسودان, وكان مصرعه به، وقد أشار إلى الجزع على فقده نصف صحبه الذي كان معه بقوله:

стр. 110

وحسبي فتكها بنصيف صحبي ... كأن وظيفتي لبس الحداد أما شعوره نحو السودان, فقد كان شعور حبٍّ وعاطفةٍ, وهو الذي قال على لسان مصر والسودان. نحن غصنان ضمَّنَا عاطف الوجد ... جميعًا في الحب ضم النطاق في جبين الزمان منك ومني ... غرة كوكبية الانفلاق وأيَّا ما كان, فقد نشر رفاعة في السودان ثقافةً وعلمًا, وقام على إدارة هذه المدرسة بإرشاده وجهوده, ونظم في محنته شعرًا أودعه مكنون نفسه وخوالج حسه, وشغل كثيرًا من وقته بالترجمة, فكان مما ترجمه قصة تلماك الرائعة. بعد عودته من السودان: وبعد عودته من السودان جُعِلَ عضوًا ومترجمًا في مجلس المحافظة, تحت رئاسة المرحوم أدهم باشا, ثم جُعِلَ ناظرًا لمدرسة الحربية بالحوض المرصود, وبعد شهور تجددت المدرسة الحربية بالقلعة, فأحيلت إليه نظارتها مع نظارة قلم الترجمة, ومدرسة المحاسبة, والهندسة الملكية, والتفتيش, والعمارة, وفي سنة "١٢٧٧هـ ألغيت المدرسة الحربية المذكورة وقلم الترجمة, وما معهما, فظَلَّ خاليًا من الوظيفة حتى سنة "١٢٨٠هـ "وفيها أحليت إليه نظارة "قلم ترجمة" وجُعِلَ من أعضاء قمسيون المدارس, مع الإشراف على صحيفة "روضة المدارس". وقد ظلَّ كذلك في جهدٍ وعمل دائبين حتى كانت غرة ربيع الآخر سنة تسعين ومائتين وألف, فخبت بالموت شعلته, وانطفأت بالمنية حياته وعبقريته. أثره في النهضه: كان رفاعة بك شعلةً منقدةً لا يخبو نورها, وحركة يقظةٍ لا يفتر نشاطها.
следующие страницы →