← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولم تخل هذه الصحيفة من المقالات العربية الفصيحة الرائعة الأسلوب, التي كان يحررها الأفغانيّ والإمام تأييدًا لاتجاهها, وترويجًا لأفكارها. صحف النديم: قبل أن ينشئ عبد الله نديم صحفه, كان يثبت أفكاره, وينشر آراءه, في جريدتي "مصر" و"التجارة" على الأسلوب الحديث بلا سجعٍ ولا تكلفٍ, ولما صُرِّحَ لسلم النقاش بإصدار جريدتي "المحروسة" و"العصر الجديد" عقيب "التجارة" و"مصر" ونُفِيَ من مصر أديب إسحاق, تولى التحرير فيهما, فجاء بالمعجب والمطرب١. التكنيت والتبكيت١٨٨١: ومازال النديم كذلك حتى استدعى صاحب "المحروسة" "والعصر الجديد" من بيروت, الكاتبين الفاضلين سليم أفندي عباس, وفضل الله الجوريّ, فترك لهما تحرير هاتين الصحيفتين, والقيام عليهما, وأنشأ صحيفة "التنكيت والتبيكت" في ٦ من شهر يونية سنة ١٨٨١م, وهي صحيفةٌ وطنيةٌ أسبوعيةٌ أدبيةٌ هزلية, وكانت كما يقول: هجوها تنكيت, ومدحها تبكيت، ولغتها سهلة مرسلة واضحة، ولا تلجئك إلى قاموس الفيروزبادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ, ولا نظر الجغرافيا، وسخريتها نفثات صدور،

стр. 177

وزفرات يصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا، وهي في مجموعها مقالات أدبية, وأفكار اجتماعية خصبة، ظاهرها هزل، وباطنها جد، وأودعها مالم يسبقه أحد من كتاب العرب إليه. الطائف ١٨٩٢: ثم أنشأ النديم صحيفة "الطائف١" قبل الثورة العرابية, وكانت في أول صدروها تحمل على المساوئ الاجتماعية العامة؛ كالمواخير والحانات والمراقص التي غزت القاهرة في ظل الامتيازات وتحت حمياتها٢. ثم انتقلت من الموضعات الاجتماعية الخالصة إلى الموضوعات السياسية العميقة, والأخبار المهمة التي تميزت بها في عهد الثورة, حتى نقل عنها أكثر الصحف المعاصرة ما كانت "الطائف" تنشره. كانت الطائف صحيفةً سياسيةً عنيفةً, بلغت من الشهرة, ومن التأثير في الأذهان, ما لم يبلغه غيرها٣ وكانت رسالتها الدفاع عن الثورة العرابية وأبطالها، احتفى بها رجال الثورة وأنصارها, فاشترك لها النواب بمبالغ كبيرة, وأصبحت لهم لسانًا فيه من العنف والشدة ما اضطر الشيخ: محمد عبده إلى تعطليها شهرًا٤. ومكَّن لها عطفُ الهيئات عليها من أن تتخذ لونًا رسميًّا، وقد ذكرت "جريدة مصر" في ٢٣ من مارس سنة ١٨٨٢م أن مجلس النواب قد اختار

стр. 178

"جريدة الطائف" الغراء؛ لنشر ما يورم إبداءه من الآراء والخواطر والتقارير والمحاضر, فهي الآن صحيفته الشبه رسمية, ثم قالت: "وجريدة الطائف جديرةٌ بهذا الاختيار, فهي موصوفة بالوطنيةِ, معروفةٌ بصدق النية, منتشرةٌ نافذة الكلام, خطيرة مرعبة المقام, وقد استعان النديم بهذه الصفة "الشبه رسمية" على أن يكون ذا خبرة بشئون الدولة، وأن يجد من القوة ما يذلل به العقبات التي تعترضه, وامتازت "الطائف" بأسلوبها الحادِّ, ولغتها العنيفة, وأظهر ما فيها تاريخ الخديو إسماعيل, في أسلوب فيه من النقمة والتشفي منه ما أبعده عن التاريخ العادل١. ومن ذلك الفصل الذي ورد فيه عن "الخديو" السابق بعنوان: "سليب الأملاك من الملاك" فقد استغرق صفحتين من صفحاتها الأربع، ومن العجيب أن النديم حين أقعده المرض, أرسل يعتذر عن تحرير جريدته إلّا ما كان من تاريخ حضرة إسماعيل باشا, فإنه يصر عليه, ويأبى عنه فيقول: "فإني أتكلف بكتابته؛ لأن نثره من ضمن علاج ما بي٢". ثم انتقلت من الحملة على إسماعيل, إلى الإقذاع في الخديو توفيق, في لهجةٍ قاسيةٍ, فيها تعريضٌ بمقامه, حتى إن حكومته أمرت بتعطيلها نهائيًّا في ١٧ مايو سنة ١٨٨٢م ترضية للخديو, واعتذارًا له عما ارتكبته صحيفة الحكومة من الإساءة إلى الحاكم الشرعيّ٣. "الأستاذ" ١٨٩٢م: أصدرت الحكومة أمرها بالقبض على النديم, مع زعماء الثورة

стр. 179

العرابية, ففرَّ يلتمس النجاة لنفسه, وكانت الحكومة قد أغرت بمكافأةٍ ماليةٍ من يدل عليه, فقبض عليه بعد أعوامٍ قضاها متخفيًّا, ثم منح العفو على أن يغادر مصر, فغادرها إلى فلسطين, وأقام في "يافا" قرابة عام, ثم عاد إلى مصر, حينما انتهت ولاية مصر إلى "عباس الثاني"، وحنَّت أناملة إلى صحيفة تنشر دره, وتنشر رأيه وفكره, فأنشأ سنة ١٨٩٢ جريدةً سماها: "الأستاذ"، وهي مجلةٌ أدبيةٌ نقديةٌ تشبه العورة الوثقى بعض المشاهبة, كما يقول السيد رشيد رضا: ولكنه لم يكتب لها البقاء طويلًا؛ إذ لم يكد يحول الحول حتى اضطره مرةً أخرى إلى مبارحة البلاد؛ لأنه اتهم بأنه كان يذكي روح التعصب الدينيّ, وينشر الآراء التي تخفر الناس على الثورة١ فنفي إلى "يافا" وبعد أن عاد منها, تدخل الإنجليز, فنفي إليها مدةً ثانيةً, ثم أبعد من يافا, فرجع إلى الإسكندرية وأقام بها أيامًا, ثم عاونه المندوب السلطاني على السفر إلى الأستانة, فسافر إليها بإرادة شاهانية, وعُيِّنَ على أثر وصوله مفتشًا للمطبوعات, واتصل هناك بالسيد جمال الدين, فتوثقت عرى الصداقة بينهما, وكان يود الرجوع إلى مصر, ولكن الباب العالي ضنَّ عليه بهذه الأمنية, وسافر الخديو هناك فرافقه إلى الدردنيل, ثم مرض بالسل, وتوفي سنة ١٨٩٦م. العروة الوثقى ١٨٧٩م: في سنة ١٢٦٩هـ-١٨٧٩م" صدر أمر الخديو توفيق بإخراج جمال الدين الأفغاني من مصر؛ لأن نشاطه السياسيّ أثار في نفوس الإنجليز ريبًا ومخاوف؛ ولأن تعليمه الفلسفيّ هيّجَ عليه الجامدين من الأزهريين, فجاءه الكيد من هنا وهناك٢.

стр. 180

صدع الأفغانيُّ بالأمر, واتجه إلى "حيدر أباد" فأقام بها عامًا، ثم شبت الثورة العرابية فدعي منها إلى "كلتكتا" وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها حتى انقشعت الفتنة العرابية التي فَهِمَ الإنجليز أن له فيه إصبعًا، ولما أتيحت له حرية التنقل لجأ إلى "لوندرا" فمكث بها أيامًا قلائل, وكتب في طريقه إلى "باريس" إلى صديقه, الشيخ: محمد عبده, أن يوافيه بها, وكان الثاني قد نفي إلى سوريا, سنة ١٨٨٢م لاتهامه بالاشتراك في هذه الثورة, وبعد أن مكث بها عامًا التقى في "باريس" مع أستاذه وصديقه الأفغانيّ, استجابةً لدعوته, وتلبيةً لندائه. كان أكبر مظهر من مظاهر النشاط السياسيّ والأدبيّ للأفغاني والإمام في باريس هو إنشاء "العروة الوثقى" وهي مجلة أسبوعيةٌ, كان يتولى الإنفاق عليها جمعية أسمها: جمعية العروة الوثقى, التي أسساها لإنارة الرأي العام في جميع الأقطار الإسلامية, ودعوته إلى الاتحاد والتضافر١. وكان لهذه الجمعية فروع في الهند ومصر وغيرها من الشعوب الإسلامية, ومن أغراضها مقاومةُ الاحتلال البريطانيّ في الشرق, وتقليص ظل الإنجليز في هذه الديار، وقد جاء في خاتمة العدد الأول منها, أنه بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته، ووصل العدوان فيهم نهايته، وأن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عمومًا, وأن الخطر الذي ألَمَّ بمصر نغرت٢ له أحساء المسلمين, وتكلمت به قلوبهم, ولن تزال آلامه تستفزهم ما دام الجرح فغارًا، وما هذا بغريب على المسلمين". تألفت عَصَبَاتُ خيرٍ من أولئك العقلاء لهذا المقصد الجليل في عدة أقطار, خصوصًا البلاد الهندية والمصرية......... وملا كن نيل الغاية على

стр. 181

وجه أبعد من الخطر, وأقرب إلى الظفر, يستدعي أن يكون للداعي في كل قلب سليم حق, ودعوة صدق, طلبوا عدة طرق لنشر أفكارهم بين من خفي عنه شأنهم من إخوانهم، واختاروا أن تكون في مدينةٍ حرةٍ كمدينة باريس؛ ليتمكنوا بواسطتها من بَثِّ آرائهم, وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية١. كان جمال الدين الأفغانيّ مديرًا للصحيفة يرسم سياستها, وكان الشيخ محمد عبده رئيس تحريرها, فالآراء والأفكار فيها كانت مشتركةً بين الاثنين, والمحرر لجميع مقالاتها هو الثاني. وكانت مقالات "العروة الوثقى" جامعةً بين روح جمال الدين, وقلم الأستاذ الإمام, فجاءت آيات بيناتٍ في سموِّ المعارف، وقوة الروح، وبلاغة العبارة، وهي أشبه ما تكون بالخطب النارية, تستثير الشجاعة في نفوس قارئها, وتداني في روحها وقوة تأثيرها أسلوب الإمام عليٍّ -كرم الله وجهه- في خطبة الحماسية المنشورة في "نهج البلاغة "كذا٢". ظهر العدد الأول منها في ٥ من جمادى الأولى سنة ١٣٠١هـ, الموافق ٣ من مارس سنة ١٨٨٤م, وقد أخذت من قلوب الشرقيين كل مأخذ, وأثرت في نفوسهم أثرًا لم يبلغه وعظُ واعظٍ, ولا تنبيه منبهٍ، وهي ذات أثر في كلّ ما وجد بعد من حركات الوطنية والحرية في بلاد الشرق٣. وقد روّع الإنجليز من هذه المجلة, وهاجمها الصحفيون البريطانيون قبل ظهورها, حين كتب عنها بعض الصحف الفرنسية وهي في ضمير الغيب, وأنذر هؤلاء المحررون الإنكليز بما ستفعله هذه الصحيفة في سياستهم ونفوذهم في البلاد الشرقية.

стр. 182

ولما ظهرت وأحدثت في البلاد الإسلامية ضجةً عنيفةً ودويًّا هائلًا لم يطق الإنلجيز صبرًا عليهما, فمنعوها من دخول الهند, وانعقد مجلس النظارة المصريّ في القاهرة, ثم أصدر قراره إلى نظارة الداخلية المصرية قاضيًا بأن تشتد في منع هذه الجريدة من دخول الأقطار المصرية, وتراقب جولاتها في تلك الديار١. وبعد أن نشرت الجريدة صورة الأمر, أعلنت أن كلَّ مَنْ تُوجَدُ عنده العروة الوثقى يغرم مبلغًا من خسمة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين جنيهًا٢. وتسخر "العروة الوثقى" من هذا القرار, وتعده ضريبةً فرضت على المصرين ببركة تصرف الإنجليز في مصر. وقد وصف السيد رشيد رضا هذه الجريدة في النفوس فقال: "كان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي, فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتغال ما قذف بي من طور إلى طور, ومن حالٍ إلى حال, وإنما كان الأثر الأعظم لتلك المقالات الإصلاحية الإسلامية, ويليه تاثير المقالات السياسية في المسألة المصرية, والذي علمته من نفسي بالخبر ومن غيري بالخبر, ومن التاريخ, أنه لم يوجد لكلام عربيّ في هذا العصر, ولا في قرونٍ قبله بعض ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب, والإقناع من العقل, ولاحد لهذا". وقال: "سمعت أستاذنا الشيخ: حسينًا الجسر, عالم سورية الوحيد في الجمع بين العلوم الإسلامية ومعرفة حالة العصر السياسية والمدنية يقول: "ما كان أحدٌ أن يشك في أن جريدة العروة الوثقى ستحدث انقلابًا في العالم

стр. 183

الشيخ على يوسف وصحفه: توفي سنة ٣٣١هـ-١٩١٣م: نجم الشيخ: علي يوسف, في شهر جمادى الآخرة, سنة ١٢٨٠ في "بلصفورة" من بلاد مديرية جرجا, من أسرةٍ كريمة الأصل, رقيقة الحال, ولما كانت والدته من بني عديّ, التابعة لمركز منفلوط, وهي بلدة شهيرة بالعلم والعلماء, انتقلت إليها به بعد وفاة والده, فحفظ القرآن بها, وتلقى العلم على أستاذه الشيخ: حسن الهواري, أحد علماء الأزهر النابهين, ولما شدا طرفًا من العلم, قدم إلى الأزهر, فنهل منه بعض سنين، ثم استشرفت نفسه إلى الأدب، ومال هواه إلى الارتواء منه, وقرض الشعر، وظلّ يعالجه حتى صارت له به شهرة، فمدح ورثى، وتغزل وهجا, وجال في فنونه وألوانه حتى اتسق له ديوان كامل, وقد طبعه باسم: "نسمة السحر". ودعاه حبه للأدب, ونزوعه إليه, أن يختلف إلى مجالس العلماء والأدباء يسامرهم ويفاكههم, ويروي عنهم, وأن يغشى دور العليّة التي كان الأدباء والشعراء يحجون إليها, ثم طفق يرسل مقالاته إلى الصحف في ذلك الحين

стр. 184

ولمّا نما هواه إلى الصحف, ساعد المرحوم "أحمد فارس الشدياق" في تحرير صحيفة "القاهرة" وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره؛ مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع, ولولم تدع إليها حاجة الكلام, واحتفال بالمحسنات البديعية تستكره استكراهًا, ولو استهلكت الغرض المطلوب١. ثم مضى مع نهضة جمال الدين, وتوجيه المرصفي, يُدَرِّبُ قلمه, ويروّض بيانه, ويسلس أسلوبه, ويرسله جزلًا سهلًا لا عنت فيه, حتى استقام له أسلوبٌ رصينٌ منطلقٌ عُرِفَ به. مجلة الآداب ١٨٨٤م: وبعد أن تهيأ للشيخ: علي يوسف, هذا القدر من الآدب, وعبّد له طريقه, ويسّرت مسالكه, لبَّى هوى الصحف في نفسه, فأنشأ صحيفةً علميةً أدبيةً سماها: "الآداب" وقد كانت هذه المجلة شيئًا مذكورًا في ذلك الحين, ولا سيما بعد أن دالت دولة صحيفة "روضة المدارس" التي كان يقوم على تحريرها صدور العلماء وأفذاذ الكتاب والشعراء، وفي السنة التالية لجريدته كَثُرَ إقبال الناس عليها, وعرف منشئها بمكانة مهَّدت له وضع جريدة "المؤيد" الغراء٢. وأيّا ما كان, فإن "الآداب" لم تكن هي المديان الذي جُلّيَ فيه الشيخ: علي يوسف, بل كان ميدانه "المؤيد" أعظم صحيفة عربيةٍ في ذلك الزمان.

стр. 185

المؤيد ١٨٨٩م: كانت جريدة "المقطم" صحيفة الاحتلال في ذلك الحين, تُظَاهِرُ الإنجليز وتعاونهم، وتؤيد سياسة الاحتلال وتروجها، ولم يكن للأمة المصرية الإسلامية صحيفةٌ إذ ذاك ترفع صوتها، وتعلي كلمتها, وتنشر فكرها ورأيها, فتلك أقلام المصريين حبيسةً لا تجد مجالًا تصور فيها آمال الأمة وآلامها، ولا تجد متنفسًا لما يخالجها من كربٍ وحسرةٍ على المجد المغصوب, والموطن المنكوب. لم يكن للوطنيين مَفَرٌّ من أن يتجهوا بتفكيرهم إلى إنشاء صحيفة وطنيةٍ تعبر عن إحساسهم وآمالهم, ويتخذونها منبرًا يذودون منه عن وطنهم وكرامتهم ودينهم وحقوقهم. فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم بك الهلباوي, وغيرهم من الوطنيين النابهين, واستقَرَّ رأيهم على أن يعرض الأول فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا, وعلى أن تجاهد الاحتلال, وتنتهي الأحداث على رغم منه، وأعانها على ذلك وطنية هذه الحكومة وشعورها الغيور على مجد البلاد, فلم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء "المؤيد"١. تقدَّم الشيخ: علي يوسف, ومعه صديقه الشيخ: أحمد ماضي, أحد رفاقه في الأزهر, فأنشأ صحيفة" المؤيد" وكان الشيخ: أحمد ماضي, معروفًا بالذكاء والنباهة، وفيه هوًى شديد إلى الكتابة والإنشاء, وكثيرًا ما كتب بصحيفة "الآداب" التي كان يصدرها صديقه الشيخ: علي يوسف، فلا عجب أن يشرك زميله في عمله الصحفيّ الجديد.

стр. 186

ولكن عقبةً أثيرت في طريق "المؤيد" وهي في مستهلِّ الطريق؛ إذ لم يلبث الشريكان أن اختلفا، ولا ينزل أحدهماعن الشركة إلّا على مال, والشيخ: علي يوسف, لا يجد من المال ما يسعفه، وهنا اهتزت أريحة -المغفور له- سعد زغلول باشا, فأعانه في حلكة اليأس, وأمده بما خَلَّصَ "المؤيد" له، ولما أتى صاحب "المؤيد" بمطبعة جديدةٍ من طراز فاخر، وعقد لذلك حفلًا رائعًا في دار "المؤيد"، خطب في الجمع, فأتى على سيرة هذه الحادثة, ونوّه بفضل سعد زغلول -المستشار بمحكمة الاستئناف- الذي أبى أن يسمع الخطبة إلّا واقفًا١. أغراض المؤيد: صدرت المؤيد في أول ديسمبر سنة ١٨٨٩م, ومن أهم أغراضها كما تقول: بَثُّ الأفكار المفيدة، والأخبار الصادقة، والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير، أو الترويج والتبشير ... غير تاركةٍ شأن التجارة الداخلية والخارجية.... ومن واجباتها: نشر كل ما يهم الوطنيّ معرفته من الحوادث, معتمدةً في كل ذلك على البرهان القويّ, والسند المثبت,.. والخدمة الحقيقية, والبحث الدقيق، وإرسال النظر خلف كل سائحة٢. وقد كانت "المؤيد" مؤيدة لحكومة رياض باشا, مواليةً له، ولا بدع في ذلك, فهو الذي ارتاح لإنشائها، وصرّح بها, وقد عملت على نشر الأغراض التي أنشئت من أجلها في رويِّةٍ وهوادةٍ، وبذلك ظفرت برضا المسلمين الوطنيين وبثقتهم. أصبحت "المؤيد: ميدانًا للأقلام المشبوبة التي يجريها على صفحاتها زعماء السياسة والأدب والاجتماع، وجرى "المؤيد" إلى غاياته طلقًا يرفده.

стр. 187

بالمقالات الرائعة أبطالُ الراي والأدب والعلم؛ من أمثال الشيخ: محمد عبده، وسعد زغلوك بك، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي، فتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف, وإبراهيم اللقاني، ومحمد المويلحي، وإسماعيل أباظة, وعالجت هذه الأقلام, وعالج معها صاحب "المؤيد" هذه الموضوعات المصرية الإسلامية, في مقالاتٍ مسهبةٍ قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا١. وقد كانت "المؤيد" ممتازة من بين الصحف المصرية بالدفاع عن الوطن والذود عن حقوقه، ومهاجمة الاستعمار في شتى أساليبه, فكانت قلب الوطن الخافق، ولسانه الناطق, ودأبت على مهاجمة الأجانب كلما وافتها الفرص والأسباب، وصوّرت ظلم الاحتلال للمصريين, وعسفهم بهذا الوطن المنكود، ولعل مما يحسن ذكره إيراد أبياتٍ من القصيدة الرائعة التي نظمها المرحوم حافظ بك إبراهيم, في رثاء صاحب "المؤيد" فما قاله في ذلك: كم أرجفوا بعد موت الشيخ وارتقبوا ... موت "المؤيد" فينا شر مرتقب وإن يمت تمت الآمال في بلد ... لولا "المؤيد" لم ينشط إلى طلب صبابة من رجاء بين أضلعنا ... قد بات يرشف منها كل مغتصب الم يكن لبني "مصر" وقد دهموا ... من ساحة الغرب مثل المعقل الأشب؟ كم أنبرت فيه أقلام, وكم رفعت ... فيه منائر من نظم ومن خطب وكان ميدان سبق للألى غضبوا ... للدين والحق من داعٍ ومحتسب فكم يراع حكيم في مشارعه ... قد التقى بيراع الكتاب الأرب

стр. 188

ومن أبلغ ما قيل عن "المؤيد" وصاحبه, قصيدة المرحوم الشيخ: محمد عبد المطلب, التي يقول في مطلعها: وما ذرفت تلك العيون وإنما ... قلوب عليه بالوجيعة تفأد١ بكت همة كانت مرامي مرامها ... تفوت مدى العيوق أو هي أبعد٢ نعم ملأت لوح الزمان مآثرًا ... لها الشعر يتلو والعظائم تنشد مآثر تحيي منك ميتًا سودًا ... وليس من الموتى فقيد مسود فكم موقف جَمِّ المخاوف قمته ... شديد القوى, والهول يرغي ويزبد إذا الناس إما واجمٌ أو مدله ... وسيف الليالي للقضاء مجرد٣ وليل به تقع السياسة ساطع ... بهيم الليالي غيمه متلبد٤ كشفت نواحيه بأبيض لامعٍ ... من الرأي؛ إذ ضل الحليم المسدد مواقف حزم معرب عنك صوتها ... وآيات عزم عن مضائك شهد إلى أن يقول: سل القلم الفياض هل لك بعده ... معين حجا يملي عليك ويرفد٥ عهدناه زخّار البيان بكفه ... معين المعاني والقرائح ركد

стр. 189

إذا صرفي القرطاس ظل لوقعه ... فؤاد الليالي راجفًا يترعدد١ يشق ستور الغيب فهي مراقب ... لما في ضمير الكون والغيب مشهد٢ وكم أفزعت عرضًا تخر لعزه ... وجوه الدراري عانيات وتسجد شباة لها تفري الخطوب وصولة ... لها البأس جند, والحقيقة منجد٣ إذا حميت بأساء خلت لعابه ... شواظًا على أعدائه يتوقد٤ وكم بين أثناء المؤيد آية ... يغور بها في العالمين وينجد٥ إذا الصحف العظمى تناقلن حادثًا ... له فيه عظمى ورأي مؤيد تراءى لدار الوكالة البريطانية أن ساعد "المؤيد" قد اشتد، وأن خطرها قد تفاقم, فلم تطق صبرًا على أمرها, ولم تدعها تنفث في الناس أفكارها, فأمرت بمعنها من دخول السودان, وحوربت بشتى الأساليب, فكانت تمنع هنا وهناك دون علم إدارتها, فلا تصل إلى مشتركيها٦. هبت على "المؤيد" رياح وأنواء كان من شأنها أن تعصف بها, ولكنها كانت تستمد من الأحدث قوةً, ولم يهن عزم صاحبها بما دبر له من كيد وعنت, وما ارتصد له من ضيق وعسف, بل كان يمضي في طريقه قدمًا. هذا هو الاستعمار يضيق على "المؤيد" ويخلق لها المتاعب والعقبات, فيحرم إصدرها في السودان والشرق, ثم يحرض صحفه على مهاجمتها والنَّيْلِ منها, ويشيرها على الؤيد, فتكتب ملبيةً داعي الاحتلال ونداءه.

стр. 190

تلك هي "المقطم" بوق الاحتلال وداعيته, تعتبر صاحب "المؤيد" جاهلًا بآداب المناظرة, وتحمل على مصطفى كامل؛ لأنه دعا إلى تكريم "المؤيد"؛ لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى "المقطم" وأصحابه١ ثم هي توجه نظر الصحف الأوربية إلى ما تنشره "المؤيد" وتحكم إلى الرأي العام؛ ليحافظ على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية, وتشرح للصحف العربية خطر الدعوة إلى تبثها "المؤيد" وأذنابها من الصحف, وتلفت نظر صحيفة "الحقوق" إلى ذلك؛ إذ لا تجد جريدةً أخرى من الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع من أهل الفضل والأدب٢". كتبت "المقطم" ذلك, واحتفلت الصحف الأجنبية بما كتبته, وبذلت كبريات الصحف لذلك اهتمامًا بليغًا, ومن هذه الصحف: "لوبروجريه اجبسيان" التي ردت على الشيخ علي يوسف حملته, وهاجمت سياسة التعصب, وأغرت الحكومة بهذه الصحيفة؛ لأنها تدعو إلى التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب, وحياة الأوروبيين للخطر؛ لأن الشيخ: علي يوسف, يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر٣. ولم تقتصر صحف الاحتلال على مهاجمة "المؤيد" فسحب, بل كانت تناهض الصحف الموالية لها مناهضة جاهدة, ومن هؤلاء صحيفة "المقياس" التي كانت تطبع في دار "المؤيد" وتكتب مقالاتها بوحي من الشيخ: علي يوسف, وأنصاره. والحق أن "المقياس" كانت قاسيةً, صريحةً في عصبيتها للدين والوطن, وأنها سلّت أقلامها للنيل من "المقطم" وأصحابه, وحملت عليها حملةً شعواء, وأساءت إلى

стр. 191

المسيحيين إساءات لا لبس فيها ولا إيهام١؛ إذ نشرت مقالًا بعنوان: "يضرمون نار التعصب وينكرون". ثم إن صحف الاحتلال تذكر ما تنشره "المقياس" من نثر وشعر تدعو فيه إلى أن يسل المسلمون سيوفهم, ويقتلون الكافرين لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين. وقد حكى صاحب "مرآة العصر" أن قناصل الدول قرروا مرةً مخاطبة رئيس مجلس النظار, دولة رياض باشا في هذا الشأن، فأجابهم بما ينفي الريب, ثم حَدَثَ أن الحكومة أعادت إنشاء قلم المطبوعات في نظارة الداخلية مرةً ثانيةً, تحت رياسة أحد الأجانب, فكان يتعقب "المؤيد" في كل ما يصدر منه, ويناقش صاحبه الحساب على كل سطر يكتبه فيه. وهناك عامل آخر غير الاستجابة لرغبات الاحتلال حمل "المقطم" ونظرئرها على مناهضة "المؤيد" والكيد له, وذلك هو حسدها على ما بلغته من مكانة, وما توالى لها من مجدٍ وشهرةٍ, ولعل مما يؤيد ذلك موقف "المقطم" من صاحب "المؤيد" في قضية الزوجية المشهورة, التي شغلت المجتمع المصريّ ردحًا من الزمن, وكانت مادةً خصبة للصحف والمجامع, وذلك أن الشيخ عليًّا يوسف, أراد أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق, شيخ السادات الوفائية, ورات هي هذا الرأي معه, وانعقد عزمهما على إتمام الزواج دون علم شيخ السادات الذي عارض الفكرة أشد المعارضة, ورأى الصحفي غير كفء لابنته؛ لأنه دونها حسبًا ونسبًا، وتَمَّ العقد كما يقضي بذلك الشرع, ولكن والد العروس أصر على إبائه, وثار على الواقع, فأقام الدعوى في المحكمة الشرعية؛ ليحال بين ابنته وزوجها؛ ولأنه يمتهن مهنةً لا يكرم بها صاحبها. كان لهذه القضية ضجةً في الصحف شغلت الأذهان, وكان للدفاع فيها حظ

стр. 192

من البيان الرائع والحجة المناهضة, وحاولت الحكومة أن تحول دون فصل الزوجين, وتنفيذ قرار القاضي, وكاد قاضي القضاة أن يثير أزمةً حادةً في دوائر القضاء, ويوقف القضايا الشرعية جميعًا, ويغلق أبواب المحكمة لولا أن الحكومة نزلت عند أمره, وحلت بين الزوج وزوجته إلى أن يفصل في القضية١. ثم إنه كتب له الفوز في هذه القضية, وتولى مشيخة السادة الوفائية خلفًا لصهره المرحوم, السيد: عبد الخالق السادات. ونظرة إلى موقف الصحف من هذه القضية, وموقفها من صاحب "المؤيد", تريك كيف كان الشيخ: على يوسف, محسودًا على مجد صحيفته. أما صحف الأقباط فقد حرص كثيرٌ منها على عدم الخوض في هذا الموضوع, خلا "مصر" و"المقطم" فأما "مصر" فقد ساءها قرار محامي السادات في الصحافة, فهي ترى أن ما قاله الشيخ الفندي, وكيل السادات تعريضًا بالصحافة, وحسبانها من المهن الدنيئة المضرة, لا يصدر إلّا عن الجاهلين الأغبياء الذين لا يدركون ولا يفهمون. وأما "المقطم" فقد حرصت على نشر تفاصيل القضية نشرًا يظهر فيه الغرض والتشفي, دون أن يعلق الكاتب على اتهام المحامي والمحكمة الصحافة بأسوأ ما تتهم به حرفة من الحرف٢. وأما "المنار" فقد كانت صحيفةً مواليةً لصاحب "المؤيد" في قضيته، وكان من الممكن أن يغار صاحب "المقطم" على كرامة الصحافة التي امتهنها الدفاع, وأن يقول كلمة إصنافٍ لمهنة هي مهنته، ولكنّ حقده على صاحب "المؤيد" أعماه عن الدفاع عن مهنته, والغيرة على شرف عمله, بل إنه وجد من القضية فرصةً اهتبلها؛ لينَفِّس بها من كربه, ويفرِّجَ بها غيظه الدفين.

стр. 193

ومما قام في طريق "المؤيد" من عقباتٍ أن استدعي المرحوم حسن باشا حسني, من الأستانة لينشأ صحيفةً تقوم مقام "المؤيد" لدى الرأي العام, كي يتقلص بها ظل "المؤيد" وتفقد رواجها وشهرتها، وقد حضر حسن باشا حسني إلى مصر, وأنشأ صحيفة "النيل" تلبيةً لهذه الرغبة, ولكنها لم تنل من "المؤيد" ولم تقف بجانبها, وظلت "المؤيد" على مكانتها, صحيفة العالم الإسلاميّ التي يتطلع الناس إليها أعناقهم, ويمدون إليها أنظارهم. وقد حدث أن اتهم صاحب "المؤيد" بسرقة رسالة برقية, بعث بها "السردار" إلى ناظر الحربية, ونشرها "المؤيد" بحروفها, صبيحة ورودها, فلما عرض الأمر على القضاء أبرأ ساحته, وقامت على أثر براءته مظاهرات وطنية تهتف لصاحب "المؤيد" الذي حمله الجمهور على الأعناق, وتوافد عليه من الرسائل البرقية ما يكاد يبلغ الألفين١. تلك الحواجز التي قامت في طريق "المؤيد" لم تعثر خطاها, بل زادتها قوةً وإجفالًا, وبحسبك أن تقف على أطوار النمو للمؤيد؛ لتعلم أنها كانت مطردة القوة والحياة, فقد كان عدد النسخ التي تطبع منها في السنة الأولى, كل يومٍ لا يزيد عن ٨٠٠ نسخة, وبلغ في السنة الثانية ١٢٠٠, وفي السنة الثالثة ٢٠٠٠ نسخة, وظل على ذلك في الرابعة والخامسة, وفي السنة السادسة بلغ ما يطبع منها ٢٨٠٠ نسخة, وفي السابعة ٤٠٠٠ نسخة, وكان كذلك حتى شهر أغسطس سنة ١٨٩٦م, وما انتهت القضية حتى كان متوسط ما يطبع منها في اليوم ستة آلاف نسخة, وأمّا ما كان يطبع منها في أثناء مرافعات القضية فإنه بلغ عشرة آلاف نسخة, كما بلغ مثل ذلك أيام حرب الدولة، وفي كثير من الأيام كان ما يطبع منها يتجاوز هذا الكم بألفٍ أو ألفي نسخة، وأما المتوسط الذي انتهى إليه ما يطبع كل يومٍ من "المؤيد" إلى آخر ديسمبر سنة ١٨٩٧م

стр. 194

فهو ثمانية آلاف نسخة, وهي غايةٌ لم تدن منها صحيفةٌ ما, في جميع الأقطار العربية في ذلك الحين. خاتمة المؤيد: كانت صحيفة "المؤيد" في طليعة الصحف التي ناهضت الاحتلال, ونفخت في المصريين من روح عزمها وقوة مضائها، وخلال هذا النضال الذي تستمر فيه الأقلام, تَمَّ الاتفاق الودي بين فرنسا وانجلترا, في ٨ من إبريل سنة ١٩٠٤, وكان هذا الاتفاق صدمةً عنيفةً للمصريين, فقد نصّت المادة الأولى منه على أن انجلترا ليس في نيتها تغيير الحالة السياسية لمصر, والتزمت الحكومة الفرنسية من جانبها بأن لا تعرقل عمل انجلترا في هذه البلاد؛ وإذ ذاك بدأت صفحة جديدة في تاريخ الحياة المصرية, ودَبَّ اليأس إلى كثير من النفوس, وكان هذا الاتفاق عاملًا من العوامل الأساسية في تغيير الاتجاهات الصحفية, وتنكب أصحاب الأقلام عن سياستهم الأولى, لقد كانت نتيجة هذا الاتفاق فتور السماحة الوطنية في نفوس الكثيرين, وفترت معها شدة معظم الصحف الوطنية١. فتلك هي" الأهرام" تلتزم جانب الحيادة ولو إلى حين، وهذه هي "المؤيد" يلين أسلوبها, وتخف حدتها, ويهدأ تيارها، فترت الصحف الوطنية خلا "اللواء" التي كان مصطفى كامل يصدرها, فقد ظلت مشبوبة الروح, ثائرة الفكر, فياضة الحماسة. ولم تكن اللواء في مستَهَلِّ ظهورها؛ لتنال من مكانة "المؤيد" الراسخة المؤثلة, ولكن صاحب "المؤيد" التوى طريقه, وجنح إلى السلم قلمه, واستطاع الاحتلال أن يعطفه إلى جانبه, واحتفل الإنجليز بمقدمه يوم أن زار بلادهم

стр. 195

وقال في "لندن" كلمته المشهورة: "إن لندرة كعبة المصريين السياسية". من ذلك الحين تقلص ظل "المؤيد" وخفت صوتها, وانكمش مجدها, وبدأت تفسح الطريق للواء, تخفق في ربوع البلاد, فتخفق معه قلوب, وتهتز به مشاعر وأحساسات. ومما مَهّدَ لهذه الخاتمة, ما كان لاغتيال "بطرس غالي" رئيس الحكومة في ٢٠ من فبراير سنة ١٩١٠ من أثر في التضييق على الصحف وحرية القول, فقد صدر بمقتل هذا الرجل ثلاثة قوانين, كانت حربًا على الصحف وحريتها, وشرعت صحف المسيحيين تفحم المسألة الدينية في سياستها, وتفيض بالعصبية والملاحاة. نعم, إن هذه المساجلات هيأت ثروةً أدبيةً خصبةً, وأنتج الأدباء والشعراء روائع الأدب وبدائع الشعر في تأييد وجهات النظر المتباينة, كما ترك هذا الخلاف كتبًا عربيةً وإفرنجيةً قيمةً١. ولكن قانون المطبوعات كانت هزةً عنيفةً أصابت الصحف عامة، وجرائد مصر مهما تباينت مبادئها، واختلفت مذاهبها, تتفق على انتقاد هذا القانون, وتقييد حرية الصحافة به٢. أطلقت الحكومة بوحيٍ من الإنجليز يدها للتنكيل بالصحفيين وتعذيبهم, واتخذت في اضطهادهم ألوانًا شتى بين إنذار وسجن وتعطيل, وقد أصدرت أمرًا بتعطيل "اللواء" صحيفة الحزب الوطني؛ لأنها عينت محررًا مسئولًا دون حصولها على إذن بذلك, وعطلت صحيفة "العلم" مرةً بعد مرةٍ, ثم أمرت بتعطيلها نهائيًّا. ولم تقو الصحف على احتمال هذه الصدمات, وكان من أثر ذلك أن تنكبت طريقها, وتعثرت في سبيلها, وقد قررت جريدة "الشعب" أن إرهاب

стр. 196

قانون المطبوعات ضيّق على الصحف, فأخذت تصور الرأي العام صورةً مشوهةً خوفًا من بطشه, كما جعل الصحف الإسلامية في تناقص, والقبطية في تزايد؛ إذ أغلق ستًا من الأولى, لم ينشأ على أنقاضها إلّا صحيفتان قبطيتان, هما: "الرقيب" و"الإقدام"١. ذلك هو الجو الخانق الذي تنفست فيه الصحف, وتلك هي الكوارث التي كرثت بها الأقلام التي طالما شرعت رماحًا دينية، لم يطب للمؤيد في هذا الجو جهادًا, ولم يسع لصاحبها فيه حياة, فأصبحت شركةً بينه وبين غيره, واتجهت اتجاهًا جديدًا لا قوة ولا حياة فيه, وتخلى عنها الشيخ: علي يوسف, في سنة ١٩١٣, بعد أن أصبح شيخًا للسادة الوفائية, وبيعت أدواتها في ١٧ أبريل سنة ١٩١٦, فأختتمت بذلك تاريخها الحافل, ومجدها العظيم. مكانة المؤيد وصاحبه: بلغت المؤيد مكانةً تتقاصر دونها جميع الصحف العربية في عصرها, وانتهت من الشهرة إلى ما عجزت عنه آمال الصحفيين المعاصرين، وبلغ صاحبها منزلةً تتقصف دونها أعناق الرجال, فقد كان يرمى بالأصابع, وتخفق القلوب عند ذكره, أو الحديث عن صحيفته، وقد قالت "الأجبشيان غازيت": قَلَّ أن يوجد بين الصحفيين من يستطيع الوقوف إلى جانب المؤيد, ولا يوجد ذومسكة من العقل لا يضع الشيخ عليًّا يوسف في أعلى طبقة من طبقات رجال الصحافة, فإنه تمكن بالجدِّ والاجتهادِ والمثابرةِ من إيصال جريدته إلى درجة "التيمس" لا في العالم العربيّ فقط, بل في جميع العالم الإسلاميّ٢ وكثيرًا ما كانت تسمى: "تيمس الشرق".

стр. 197

ويقول لطفي السيد باشا: "لو وجد في مصر كل يومٍ مائةُ صحيفةٍ, وأخرج معهد الصحافة كل يوم مائة أستاذ, فلن يوجد في مصر صحفيٌّ مثل علي يوسف, ولا صحيفة مثل المؤيد" ولطفي السيد من شيوخ الصحافة والأدب, فقد أخرج من قبل صحيفة "الجريدة" ومجلة "الشرائع". ويقول الدكتور تشارلز أدمس, صاحب "الإسلام والتجديد": "أما الشيخ علي يوسف, فقد كان صحفيًّا ماهرًا, له دهاء يشوبه المكر أحيانًا, وقد رفع "المؤيد" إلى مقام الصدر في العالم العربي"١. ويقول جورجي زيدان بك: "جريدة "المؤيد" أشهر الجرائد الإسلامية, وأوسعها انتشارًا في أنحاء العالم الإسلاميّ"٢. ويقول المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري: "ويسير "المؤيد" ويذهب صيته, لا في مصر ولا في العالم العربيّ فحسب, بل في العالم الإسلاميّ كله, فلقد أصبح لسانه المعبر أفصح تعبير عن حقيقة حاله, والمترجم أفصح ترجمة عن آلامه وآماله, متحدث أخبار المسلمين وراويها, وملتقى أفكارهم في أقاصيّ الأراضي وأدانيها". لا يرحل الناس إلّا نحو حجرته ... كالبيت يفضي غليه ملتقى السبل٣ أسلوب صاحب المؤيد: قلنا: إن صاحب "المؤيد" بدأ كتابه بمجاراة كُتَّابِ العصر, ولكنه لم يلبث بترويض قلمه وتدريب بيانه, أن استقام له بيانٌ مشرق عذب, ما زال ينصقل ويعلو حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ في هذا الضرب من البيان, وحتى سوّى لنفسه أسلوبًا كتابيًّا لا عهد للناشئ به من قبل ولا من بعد حتى الآن"٤.

стр. 198

كان يجمع في كتابته بين انطلاق الأسلوب وسلامته, وقوة الكلام ومتانة رصفه, وقد وافاه من نفاذ الحجة ومضاء البرهان في حواره السياسيّ ما لم يتوات إلّا القليل من الكتاب, كان شديد الهيمنة فيما يكتب, نافذ السطوة, قويّ الأخذ, وإنك لتقرأ له المقال يفتنك ويروعك, وتشعر أن أحدًا لم ينته في البيان منتهاه, ثم تقلب صحيفته وتفتشها, فلا تكاد تقع على شيء من هذا الذي يتكلفه صدور الكتاب، وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوبًا, وعلى الأصح, لقد خط قلمه القويّ النهج من البلاغة غير ما درج عليه الناس من منازع البلاغات١. كان يجمع الموضوع من أقطاره, وتشفى الغلة باستيفائه, ويسمو بسطوة قلمه على كل كاتب فحل، وقد أثر عنه أنه كان فيّاض الخاطر, متدفق المعاني, سريع الكتابة لا يتوقف ولا يتردد, ثم يدفع بالمقال فإذا هو سَويّ لا عوج فيه, ولا تجد المراجعة إليه منفذًا، وكان مما يشاع عنه -وعي الخصوم أن يكونوا من أشاع- أنه يقول: أنا لا أبالي أن أخسر هذا البلد, ففي إمكاني إن أعود فأكسبه بثلاث مقالات, فإن صحّ هذا القول إليه, فثقة أحسها في نفسه, فزها بها ودل, وما خسر البلد وما خان، وإن كان خصومه هم الذين تَقَوَّلُوا عليه, فإنهم لم يجردوه فيما وصفوه من فضله الذي امتاز به. نموذجًا من كتابته: مما كتبه مفتتحا به صحيفة المؤيد: علمنا الدهر بمطالعة الأخبار, ووعظنا وجلًا عن قلوبنا ظلمات الجهل, فبان لنا أن أعمال السلف مدرسة الخلف, نتلقى فيها أن خدمة الأوطان من أوجب الواجبات, وألزم الفرائض, مَنْ أضاعها قضت عليه شريعة الطبيعة بالحرمان الأبدي, والشقاء الدائم, فمقصدنا من نشر "المؤيد" تأدية ذلك الفرض عن طهارة طويلة, وإخلاص نيةٍ, وإنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ

стр. 199

ما نوى, ولكل عامل وجهة يقصدها, عليها يكون الجزاء, وليس في عمل العاملين ولاجد المجدين أبرأ ولا أفضل من نصيحة مستنصح, وإرشاد مسترشد, ومادام الكل في حاجة إلى التعاون والمشاركة, فلا غنًى لهم عن تبادل الأفكار، ومعرفة الأخبار مما ينعو إليه صلاح شأنهم, وقوام معيشتهم، والناس رجلان، حاكم ومحكوم, وبينهما مطالب متبادلة, وحقوق متكاتفة, إن سكت عنها مديح المقال أبان عنها لسان الحال, ووظيفة الجرائد الصادقة في البلاد شرح مطالب الفريقين, وترجمة أفكار الهيئتين, و"المؤيد" جريدة وطنية, يقصد أن يكون على هذا المبدأ سفير الخير وبريد المطالب، وكما أنه سيشرح إحساساب الهيئة الحكومة مجتهدًا في إظهار ما بزو إياها من خفايا الحاجات, بين يدي الهيئة الحاكمة, وإن كانت هي أوسع علمًا, وأصدق خبرًا, وأطول باعًا, وأدرى بطبائع الأوقات, وأعرف بمواقع الحاجات, فلذلك يبين للأمة ما يحسن فيه الطلب, وينال به الأدب, ويسمع به النداء, ويقبل عنده الدعاء, ويكون به استجلاب المنافع, ومنه دفع المضارِّ غير ناكث عهد, أو لا خافر ذمة. وكيف نحن بعض من نطالب بحاجاتهم, ونعمل للحصول على مرضاتهم, ومهما جد سوانا في خدمتنا واجتهد, أو هجرت عينه الغمض, فلا تقوم النافلة مقام الفرض, وليس من المروءة أن نشارك من جاد علينا بخدمة الوطن, وندع نواظرنا لفتور الوسن. فما الناس إلّا يقظة, فإذا غفت ... عيونهم داستهم حمر الناس فبالعين يُكْفَى المرء صدمة عاثر ... وفي العين يهوي من ثغا فلما الناس فلا يسعنا إلّا أن نقوم بهذا الواجب, معترفين لمن سبقنا له من فضل السبق, وأحقية الشكر على ما أدوه من الخدمة الجزيلة في هذه البلاد. فإليكم يا بني مصر, جريدة نشأت في مهد الإخلاص, حميدة المبدأ والغاية, تناجيكم ولا تسر النجوى لسواكم. ومما كتبه في المؤيد بعنوان: "لا تعصب في مصر":

стр. 200

"التعصب بالمعنى المعروف في الغرب عن أهل الشرق, وبعبارة أخرى عند المسيحيين, هو ابتثاث روح العداء والبغضاء من الآخرين ضد الأولين ابثثًا يحمل على الاعتداء عليهم حينًا بعد حين، والتعصب بهذا المعنى رذيلة من الرذائل التي ينهى الدين الإسلاميّ والقوانين الاجتماعية عنها، وفي نظر الأوربيين هو التوحش الذي يفتك بنفوس الأبرياء كُلَّمَا ثار ثائره، وهو أشبه بالقول الكاسر الذي يندفع بعماية فيفترس كل ما في طريقة من نفوس البشر, والتعصب على هذا, مجموع أرواح شريرة, ولا نظام لها في ثوراتها وعدوانها, نعوذ بالله من أن ترزأ أمة بهذا البلاء العظيم، قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبًا دينيًّا، ومعنى هذا أنهم يكرهون المخالفين لهم في الدين كراهةً عمياء، ويعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية كلما سنحت لهم فرصة الافتراس, أو استفرزهم صائحٌ في البلاد, من قديم الزمان أديان مختلفة يتجاور أهلوها في المنازل, ويتشاركون في المرافق, ويتناقلون في الأعمال, فلم تكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة، ولو كانت في فطرة المسلمين, أو فطرة الفرقين لمحت الأكثرية الأقلية. ..أيها المدَّعُون! راقبوا الله في أمة رزئت بالإهمال في شئونها, حتى انحلت عرى الجامعة بين أفرادها, وذهب منه ريح الصعبية في كل شيء, فحرام عليكم مع هذا الانحلال أن تتهموها بالتعصب في أشد حالاته. ومماكتبه ردًّا على خطبة اللورد كرومر, عميد الدولة البريطانية إذ ذاك, وهي الخطبة التي ألقاها في حفلة وداعه. تقفو والفلك المحرك دائر ... وتقدرون فتضحك الأقدار وقف الخطباء مساء السبت الماضي موقف الممثلين في دار التمثيل الكبرى -الأوبرا الخديوية- يحكمون على الماضي والمستقبل حكم الأقدار في الكائنات, يبرمون وينقضون، ويرفعون ويخفضون, والناس يسمعون مختارين أو مكرهين، ولو أن الموقف كان حرًّا لكل قائلٍ لسمعوا ما يكرهون, كما قالوا

стр. 201

ما يحبون، قلنا إنهم وقفوا موقف الممثلين؛ لأنهم كذلك في حقيقة الواقع, وقد مثلوا آخر فصل من رواية كثيرة الحوادث, عديدة الفصول, طويلة الزمان, بطل وقائعها وفارس معمعانها ذلك الذي كان آخر الخطباء في الحفلة كلامًا, وأشدهم إيلامًا وأكثرهم آلامًا. وقف ليمثل آخر سلطة له في هذه الديار, ولسان حاله يقول: مافي وقوفك ساعة من بأس. مثلها في مكان هو أليق ما كان عظة لقائل, أو مظهرًا لسلطان راحلٍ ومجدٍ زائل، وأصدق ما ضرب له الأمثال "لكل مقام مقال". ... وقف خطيبًا وهو يدافع كيد السقام, ويجاذب داعي الخصام, فجال في خاطره أن مفارق قصرًا تجري من تحته الأنهار، وملكًا خضع له فيه الليل والنهار, وتارك خصومًا قد يتوهمون أنهم نازعوه فغبوه, أنه حالمهم فأغضبوه, اللورد وله نفسان، نفس نزَّاعة إلى حب اللقاء, وأخرى تقول: كيف البقاء بعد الاستعفاء، وقد ذكر أصدقاءه القليلين كما يعلم, وأعداؤه الكثيرين كما يتوهم, فرؤساء وترخص, وتشدد وعدد وندد, ووعد وتوعد, وأرغى وأزيد, وحذّر وأنذر, وحكم وقدر. ربما أخرج الحزين جوى الحز ... ن إلى غير لائق بالسداد مثلما فاتت الصلاة سلميا ... ن فانحى على رقاب الجياد نشرت بالمؤيد في ٧ من مايو سنة ١٩٠٧م.

стр. 202

الأزهريون والصحف الحاضرة: بَيَّنَّا فيما سقناه من بحثٍ ودراسةٍ أثر الأزهريين في نهضة الصحف في العصر الحاضر, وما أدوه لها من خدمات أجدت على الأدب واللغة والاجتماع, وأثرت في النشاط الفكريّ تأثيرًا ملموسًا. ولا يزال كثير من الصحف والمجلات العربية في مصر تقوم على سواعد الأزهريين, وتزخر بأفكارهم, وتشرق بآدابهم, ومن هؤلاء: الشيخ علي الغاياتي, الذي جاهد منذ قديمٍ مع الحزب الوطني, وكان في هذه الفترة قد أخرج ديوانًا من الشعر سماه: "وطنيتي" سجَّل فيه حوادث مصر في عامين, وكتب مقدمته المرحومان: محمد بك فريد، والشيخ عبد العزيز جاويش, وكان في الديوان قصيدة قاسية موجهة إلى الشيخ علي يوسف وجريدته "المؤيد", فنشر صاحب "المؤيد" في جريدته عدة أنهر عن هذا الديوان, وكان فيما نشره دعوة خفية يثير بها النيابة على الشيخ الغاياتي, ومن قدّم ديوانه١. فلبَّت النيابة هذه الدعوة, وتولت التحقيق مع ناظم الديوان ومقدميه, وحكم على الشاعر بالسجن إلّا أن الشيخ الغاياتي هرب من سجنه إلى الأستانة, ومنها إلى جنيف؛ حيث قضى بها سبعةً وعشرين عامًا, أصدر فيها صحيفة عربيَّةً فرنسيةً, في سنة ١٩٢٢, سماها بالعربية: "منبر الشرق" وقد ختمت حياتها في جنيف بعد أن اقتصرت على الفرنسية في سنة ١٩٣٧م, وعادت تصدر في القاهرة في سنة ١٩٣٨م, مستقلة الهوى والرأي, وفيها طرف من الأدب والسياسة والعلم والاجتماع.

стр. 203

مجلة الرسالة: ويصدر مجلة الرسالة الأديب الفذ الأستاذ أحمد حسن الزيات, الذي وضع الثقافة الأزهرية, ودرس علوم الأدب واللغة على المرحوم الشيخ سيد بن علي المرصفي, ولهذه المجلة مكانة مرموقة في مصر والعالم العربيّ, وطالما نشرت الأدب والعلم والفن, وجرت بها أقلام أعلام البيان العربيّ, وفي مقدمتهم صاحبها, وكثير من أدباء الأزهر؛ كالدكتور طه حسين, الذي ظل ينشر بها مقالاته الممتعة ردحًا من الزمان. مجلة الثقافة: ويصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر, برياسة الأستاذ أحمد أمين, أحد الأزهريين النابهين الذين قامت عليهم مدرسة القضاء الشرعيّ التي هي فرعٌ من واحة الأزهر، وهذه المجلة ميدانٌ للأدب الرفيع, تصول فيه أقلام الأدباء المطبوعين, وفي مقدمتهم طائفة أزهرية الثقافة, واعتمدت عليهم مدرسة القضاء الشرعيّ. مجلة الكاتب المصري: ويشرف على تحريرها عميد البيان العربيّ, الدكتور طه حسين, وهو الأزهريّ الذي يفاخر الأزهر به؛ إذ كان أنبه الأزهريين الذين أدخلوا الجامعة المصرية القديمة أول إنشائها، وكثيرًا ما حرَّرَ مقالاته الممتعة في الصحف والمجلات من سنين طوالٍ خلت؛ كالسياسة الأسبوعية والبلاغ

стр. 204

الأسبوعيّ, والمصور, ولا يزال إلى اليوم يتحف القراء بفصولٍ عذبةٍ في الأدب والسياسة في "الكاتب" والبلاغ اليوميّ وغيرهما من الصحف. هذا وإن غير هؤلاء كثير من أدباء الأزهر؛ كالدكتور زكي مبارك, والأستاذ أحمد الزين -رحمهما الله، والأستاذ كامل الشناوي, يمدون الصحف والمجلات بالنشر الرائع, والبحث الممتع. وكثير من الأزهريين تعتمد عليهم هذه الصحف في تصحيح مقالاتها, وتنقيتها من الأخطاء العربية, فتخرج مجلوّةً نقيةً من الأخطاء والعيوب. مجلة الأزهر: وإنه وإن تكن مجلة الأزهر التي كانت تصدر من قبل باسم: "نور الإسلام" تفيض بألوانٍ من العلم والأدب, وتذخر بأشتاتٍ من البحث القيِّمِ, المعتمد على الصحيح من العلم, والدقيق من الفهم, والغزير من المادة, إنها وإن تكن كذلك, تغلب عليها النزعة العملية, وبحوث الفقه, والبلاغة, والتفسير, والحديث, وغيرها تستاثر بجانبٍ فسيح منها, والوعظ والإرشاد, والإفاضة فيما تختص بكثير من فراغها, وذلك عدا ما تنشره من فتاوى فقيهةٍ لها أهمية بالغة. كل ذلك لم يدع للأدب والأدباء الأزهريين إلّا سطورًا لا تتسع للنشء المتأدبين, إلّا بعد جهد ومثابرة, وكان من واجب القائمين عليها أن يجعلوا من صحفاتها الكثيرة, للأدب والأدباء نصيبًا, وخاصة الشباب الأزهريين, الأدباء الذين تحفى أقدامهم من التردد على الصحف والمجلات الأدبية, فيردون عنها ردًّا لما أنًها لا تفتح أبوابها إلّا للشفاعات, ولمن تردد أسماؤهم على الشفاة بطول الزمن، ولربما وجدت هذه القرائح المشبوبة، وهذه الأقلام الفتية, ما يطرب ويعجب, ولكن دون ما يريده الناشئون حجاب وحجاب.

стр. 205

المجلد الثاني الخطابة في العصر الحاضر ... الخطابة في العصر الحاضر: كانت الخطابة في العصر السابق ضعيفة مخلة يلتزم فيها السجع، ولا تعتمد على الارتجال بل تتلى في ورقة أو ديوان، ثم هي مقصورة على الجمعة والعيدين وغيرهما من المواسم الدينية، وقد ظل هذا طابعها عصر محمد علي أيضا لم تجد في المواقف الرسمية أو غيرها احتفالا بشأنها ولم ينهض الأمير أو رجال الدولة بها، فالدولة إذ ذاك تركية النشأة. وإذا كانت الخطابة تعتمد على الملكة ووفرة الأسلوب، وروعة البيان فقد عدم كل ذلك أوائل هذا العصر حتى أن الجيش الذي تنفق فيه سوق الخطابة لتهيئة النفوس وإرهاف الحس، وإثارة الخواطر والذي طالما تحركت به الألسن وأذكيت المواهب لم يقم على قيادته، وتعليم كتائبه إلا نفر من "الطليان" وغيرهم من ذوي العجمة والرطانة كما كان تلامذة مدرسة الحربية إذ ذاك من أبناء المماليك وهم غرباء عن العربية، وقد بقيت روح الجيش وصبغته تركية أو قريبة منها إلى عهد قريب حين أعلنت مصر استقلالها. الخطابة من عهد إسماعيل: ازدهرت الخطابة في عصر "إسماعيل" حين شاعت الحرية وذاعت الصحف، وأنشئت الجمعيات والأندية السياسية والأدبية واستيقظت الأفكار، وهبت الأمة تطالب بحقوقها وتذود عن مجدها، وكان الأثر أبلغ الأثر في إنهاض الخطابة للحكم الشورى، وما استلزمه من المجالس النيابية التي تعتمد على إثارة الرأي والذود عن ومجاهدة الخصم بالحجة والبيان ولقيام الأحزاب وتناحرها، واعتمادها في نشر دعوتها ومناهضة منافسيها على الخطابة التي هي أداة الإقناع، ووسيلة البلاغ للرأي العام. وقد قدم إلى مصر الزعيم "السيد جمال الدين الأفغاني"، فكان

стр. 206

كعبة حجها الشباب الحافل بالأمل والتوثب الطامح إلى الحرية والمجد، والتف حوله من تلاميذ الأزهر النابهين طائفة كان لها أعظم الأثر في نهضة مصر الوطنية والثقافية من أمثال "الشيخ محمد عبده" وسعد زغلول، فبعث فيهم "جمال الدين" روح الحياة الكريمة، وتجاوب مع أرواحهم الطامحة شعوره وتوجيهه، وأذكى في نفوسهم حب الوطن والذود عنه ونقد لهم أساليب التعليم وعكوف المتعلمين على الألفاظ، ثم أخذهم بأسباب الارتجال ومرسهم بالنقاش والجدال، والوقوف بجانب الحق تنافح عنه الحجة ويحمي حماه الدليل، فتفتحت أذهانهم ولانت بروائع القول ألسنتهم وشغفوا بجمال الدين حبا، وأشربوا رسالته، فبثوا أفكاره وتحدثوا عن الأخلاق والاجتماع، وتجاوزوا ذلك إلى الحديث في السياسة وشئونها، فألفوا جمعية سرية "بحلوان" لهذا الغرض، ولكن حكومة إسماعيل تفتحت عيونها على خطر هؤلاء، فكبحت جماحهم وقبضت عن "جمال الدين" يدها التي كانت تمتد إليه بعشرة جنيهات كل شهر تقديرا لفضله، ولم تطق بقاءه بمصر فنفته إلى مكان سحيق ولم تكن هذه الشعلة التي أوقدها الأفغاني ليخبو نورها بنفيه من مصر، فقد ظل فريق من تلامذته وعشاقه ينشرون دعوتهم ويؤيدون بالخطابة والاجتماع فكرتهم، وألفوا لهذه الأغراض الجليلة جمعيات غذوها ببيانهم وأنهضوها بأفكاهم. وإذا كان "إسماعيل" على رغم حبه الحرية مخوف الجانب مرهوب البأس، فإن "توفيقا" عرف بالتسامح ولين العريكة، وذلك مما هيأ لهذه الحركات الفكرية تربة خصبة نمت فيها وترعرعت وأتت أكلها، ولم تزل جمرات الفكر تتأجج في عهده حتى اشتعلت الثورة العرابية، فهزت القرائح وأجرت البيان، ولكن كانت هذه الثورة وبالا على مصر وحربا على أهلها، فقد أثمرت غير ما رجى منها فبسط الاحتلال على الوادي ظلاله وفرض على الأمة سلطانه، وخنق الحريات الناشئة وحول التعليم إلى أداة حكومية لا تمت إلى الثقافة المرجوة بسبب.

стр. 207

وشاء الله أن يقيض لمصر من فل حد الظلم ورد كيد البغي، وأثار في الأمة روح الذود والنضال، فهبت تسترد مجدها وتعيد ما غصب من حقها، وكان في طليعة هؤلاء الذين هبوا في وجه البغاة باعث النهضة وبطلها الأول المرحوم "مصطفى كامل" صاحب "اللواء" و"العلم" وغيرهما من الصحف فقد كان جذوة من الشعور الثائر، والجهاد المتقد. اتخذت الخطابة في هذه الفترة شتى المظاهر، ومختلف الألوان والأساليب فهذه خطب سياسية قارصة وتلك أندية أدبية واجتماعية وعلمية يقوم بها الخطباء والمحاضرون في الأدب والاجتماع والعلم، ويرودها من الأمة وشبابها طوائف وأشتات، فكثرت المرانة على القول، وتخرج في هذه المدارس خطباء مصاقع هذبوا العبارة وجودوا الأساليب. وكان من مظاهر الخطابة أيضا التقاضي أمام المحاكم والمساجلات التي تجري بين هيئة الدفاع والنيابة، فقد كانت أسواقا تزخر بالأساليب القوية والحجج الدامغة والمنطق الرصين، كما كان من مظاهرها التمثيل الذي يدور في كثير من مواقفه على الأسلوب الخطابي الفصيح ليؤثر في النفوس، وتذعن للغرض النبيل الذي تدعى إليه. وفي سنة ١٩١٩م اندلعت نار الثورة الوطنية في مصر، فألهبت الخواطر وأرهفت الحس واستدعت الأحكام العرفية والسيوف المصلتة على الرقاب أن يفزع أولوا الغيرة على الوطن النافرون من البغي، فصالوا بالقول وجالوا بالخطاب وألهبوا العزائم وخلقوا من الأمة جمرات تتقد، هذه الثورة حلت الألسن من عقالها وسلت من البيان سيوفا مواضي. وكان الأزهر منبرها وأبناؤها لسنها المقاويل، وسعدت مصر في هذه الفترة بالخطباء الفحول. ثم قدر لهذه الثورة أن تسكن أولئك الفورة أن تهدأ، واستقر نظام كان مضطربا وانقشعت الحماية عن مصر وعبد الطريق لاستقلال لا نزال نمضي في سبيله ونجهد لنيله، واستجدت للخطابة مظاهر أخرى كان من بينها المناضلة

стр. 208

في الانتخابات للمجالس النيابية، يقوم المرشح أو فريق من ذويه وأنصاره فيرسمون للناخبين طريق جهادهم وما اعتزم النهوض به من برامج الإصلاح العام والخاص مع تزكيته لمبدأ المرشح والحزب الذي ينتمي إليه وتعريج على الخصم بنقد خطته، وتجريح حزنه وطريقته ونشر متتاليه والتهويل فيما يعود على الناخبين من الغنم والخير باتباع المرشح، وما ينالهم من الشر والخسار باتباع خصمه، وأما المجالس النيابية فكثيرا ما تدور المناقشات فيها على الخطاب الرزين والبيان السهل، والحجة الدامغة، والبرهان المحكم، ولكل حزب من الأحزاب تحت هذه القبة خطباء يدفعون عن خطتهم، ويهجمون على معارضيهم ويصولون بمساجلات يذخر لها البيان سلاحا والمنطق عدة والأمة ترتقب ما في هذه المصاولات لتحكم فتعلى فريقا وتنزل فريقا. ومن مظاهر هذه الخطب، والخطب النيابية الارتجال والمناقشة، فلا تجد أحدًا من هؤلاء يعمد إلى ورقة يتلوها إلا في المواقف الرسمية والبيانات الدقيقة، وما سجل من ماض أو بحث تعيا الذاكرة بوعيه.

стр. 209

الأزهر والخطابة مدخل ... الأزهر والخطابة: للأزهر بحكم زعامته أو رسالته لواء معقود، ومقام محمود، في جميع الأزمان والعهود له في الدفاع عن الدين والوطن فضل ظاهر وأثر ملموس، وله في توجيه الحياة مكانة لا تجحد، وهو في كل هذه المعاني مبرز بما هو له من قوة الملكة وفصاحة الأسلوب وحسن البيان، والهيمنة على السامعين في كل مجتمع وناد، وقد كان الأزهر ولا يزال عكاظ الأمة العربية وميدان فرسان البلاغة، وقد تهيأ لكثير من الأزهريين من طول المراس واعتياد القول، ومعاطاة الحوار والوعظ والجدل رصانة في الأسلوب، ودقة في التعبير وسمو في البيان وطلاقة في اللسان، وفيض في الخواطر وتدفق في المشاعر،

стр. 210

واقتدار على المباغتة والمفاجأة، وإنك لتسمع إلى خطبائهم البارعين، فيخيل إليك إنك تسمع في البادية عربها الفصحاء، ومقاويلها البلغاء، ويفتنك من هؤلاء مطاوعة اللغة لهم، ومساعفة البيان لتصرفهم، وجرى التعبير على أسلافهم. يخطبون فيتسابقون ويرتجلون فيتنافسون، والخطيب الخطيب منهم هو الذي تنعقد له الزعامة ويرفع له لواؤها؛ لأنه الحرى بتمثيلهم القمين بشرف نيابتهم ولو واتت المواهب مجتمعة واحدا منهم، ثم كان غير مبدع في البيان ولا متمكن من القول لا يبهر إذا خطب ولا يقهر إذا جادل، ولا يملك زمام الأسماع إذا ارتجل أو أعد، لو واتت المواهب أحدهم ثم مسه من العي شيء لاستعصت عليه الزعامة، وتأبى عليه ما يطمع فيه من تقدم وقيادة. يقف الخطيب منهم فتجده أغلب ما تجده لا يتلكأ ولا يتلعثم، ولا يعيد قولا أو يكرر جملة أو يمسح عثنونا، رصين الأداء، بليغ الحجة، سليم العبارة، محكم الدليل، يزين خطابه در من كتاب مبين، ويشرق في حديثه أدب نبوي رفيع، ويلمع في جنباته روائع من أدب العرب وشعرهم من طول ما أخذ به من التروي، وما ذخرت به ذاكرته من الآثار. ولقد أجرم بأنك تستطيع تمييز الأزهري من غيره إذا خطب دون أن يميزه زي، أو إعلان بما تتوافر له من التجويد وطول الاقتدار. هؤلاء هم اللسن المقاويل، وتلك مكانتهم من الفصاحة، وفي هذه البيئة تخرجت طائفة رفعت لواء الخطابة، والسياسة، والخطابة السياسية الدينية، والاجتماعية، والخطابة الفضائية. وقد أجدى نظام التخصص في تعليم الأزهر في تبريز فريق من الأزهريين واقتدارهم على الخطابة، وإنك لتجد من أبناء كلية اللغة العربية، والمتخصصين في اللغة وآدابها شبابا تحمد طلاقة ألسنتهم وفصاحة تعبيرهم، وتدفقهم في كل موقف ومناسبة كما يطالعك من المتخصصين في الدعوة والإرشاد أفذاد من

стр. 211

الطلاب جودوا الخطابة الدينية وتوفروا على إتقانها والتمهر فيها، وإن كنت لا تعدم في فروع الأزهر الأخرى من هم مثل هؤلاء فصاحة بيان، وفيض أسلوب إلا أن اشتغالهم بالعلوم البعيدة الصلة عن العربية، وآدابها جعلهم دون إخوانهم الآخرين عددا وعدة.

стр. 212

الأزهر والخطابة السياسية: أهم الأحداث السياسية والهزات الأرضية التي رجت المجتمع المصري في العصر الحاضر، غزو الفرنسيين لمصر والثورة العرابية والثورة الوطنية التي شبت في سنة ١٩١٩م. هذه هي الحوادث الجلي التي كان لها أبلغ الأثر في توجيه الحياة السياسية والأدبية بمصر في العصر الحاضر، وقد حمل الأزهر لواء الزعامة في هذه الثورات، وقام عليها يغذي الشعور ببيانه وخطابه، ويوجه الرأي بقيادته، ويلتمس الشعب في كلمته الهدى، وفي حمايته الأمن والنجاة: زمن المخاوف كان فيه أجنابهم ... حرم الأمان وكان ظلهم الذرا١ الغزو الفرنسي: غزا الفرنسيون مصر سنة ١٧٨٩م، فلم يبالوا بالقوة المادية للشعب إذ هو منهوك القوى في عصر المماليك أعزل من كل سلاح، ولكنهم خشوا قوة الإيمان في نفوس العلماء، وأثرهم النافذ في روح الشعب وكلمتهم التي كانت توقظ الأمة وتحيي العزائم، وكان منبر الأزهر مقر قيادة المجاهدين تفد

стр. 213

الوفود وتحشد الحشود والناس في غمرة الأحداث، وحيرة المحن فيرتقي المنبر علماء الأزهر وشبابه المتفجرون بلاغة المتقدمون عزما وحماسة، فتهدر شقاشق وتزأر حناجر، وتفيض بلاغة، ويتدفق شعور، فإذا الجبن إقدام والتردد وثوب، وإذا الصدور تملأ إيمانا بالجهاد وحبا في بذل النفس والفداء فيندفع الناس كالسيل لا يخشون في الحق أذى، ولا يرهبون النضال ولو طاحت رءوس وتناثرت أشلاء. كان ذلك من فعل البلاغة في النفوس وأثر الإقناع بالحجة والدليل، وكان ذلك من روح النداء الذي عرفوا به، والإقدام الذي كان لهم سمة وطبعا. أدرك الفرنسيون خطر الأزهر في توجيه الشعب، وعرفوا مكانة أبنائه ومبلغ أثرهم في الأمة ببيانهم وإيمانهم فراحوا يتقربون إليهم، ويؤلفون ديوان القضاء منهم، ويخطبون بكل أسلوب ودهم بالتزيي بزيهم طورا وإعلان الإسلام طورا آخر، ثم بالمصاهرة إلى المسلمين طلبا لرضاهم واستمالة لهم وراحوا يذيعون المنشورات نشدانا للهدوء باسمهم، ويستجيبون لرغائبهم إذا ما استنجد الشعب بهم لرفع مظالمهم، وتحقيق مطالبهم. كان الأزهر وحده هو الذي يحفل إذ ذاك بالخطابة ويجعلها أداة إقناعه، ووسيلة بلاغه وسبيل توجيهه للأمة في ذلك الحين، وكم فاض هذا المنبر بآيات من البيان من خطب رائعة وشعر كريم، وكم تفتحت القرائح واهتزت الأفكار بما أبدع فيه هؤلاء الفصحاء من أساليب البيان. الأزهر والثورة العرابية: كانت الأسباب التي أدت إلى الثورة العربية سنة ١٨٨١م راجعة إلى تبرم المصريين بالحكم القائم الذي قوامه استبداد الحكام واضطهاد الشعب، وكان انتشار التعليم، واستنارة الأفكار قد هذب النفوس، وسما بها إلى طلب الحياة

стр. 214

الكاملة والحرية الشاملة والفرار من البغي، وكثيرا ما أذكت الشعور خطابة الخطباء في المحافل والمجتمعات، وهيأت الأذهان قصائد الشعراء ومقالات الكتاب، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء الذين هزوا الأفكار، وأيقظوا العقول وحضوا على الحرية إنما هم خطباء الأزهر وشعراؤه وكتابه. وكانت لمدرسة الأفغاني ودعوته إلى الحرية ومشايعة تلامذته له أمثال "الشيخ محمد عبده" و"سعد زغلول" و"النديم" و"الهلباوي" أثر خطير في تهيئة أهله ومحاربتهم بشتى الوسائل ومختلف الأساليب. أحمد عرابي باشا: وكان ظهور "أحمد عرابي" من الأساليب المباشرة في ظهور الثورة، ولا غرو فهو حامل لوائها وقائد زمامها وإلى اسمه نسبت، وفي شخصه تمثلت١ كان أحمد عرابي ضيف الثقافة لم ينل منها إلا حظا يسيرا، ولم يتوفر على دراسة خاصة حينا من الزمان تكفل له اللحاق بالزعماء الواسعي الثقافة والإدراك، فقد حفظ القرآن في صغره، وأخذ عن أخيه الأكبر مبادئ الحساب وتحسين الخط ثم تلقى بعض اللغة والعلوم الشرعية في الأزهر، على أنه لم يكمل علوم الأزهر فإن مدة تحصيله فيه لم تزد على أربع سنين٢. ذلك هو حظ عرابي من الثقافة في صغره، ولم يلتحق بعد هذه الفترة بمعهد أو بمدرسة ولم يتوفر على دراسة خاصة يكون لها أثر في نفسه بل انقطع عن التعليم إلى أن اقترع، ومضى في مراتب الجندية فكل ما تقف به إنما هو من ثقافة الأزهر، فإذا نسبت الثورة إلى زعيمها، واقترنت باسمه وأضيف إليه ما خلفته من آثار فكرية وأدبية، فإن الثورة العرابية المنسوبة إلى عرابي الأزهري، أزهرية في قيادتها ونتائجها الأدبية.

стр. 215

وقد وصف الأستاذ الإمام أحمد عرابي بقوله: "أجرأ إخوانه على القول، وأقدرهم على إقامة الحجة١". ومما أمتاز به "لسان ذلق وصوت جهوري وترسل في الحديث، واستشهاد بالآيات والأحاديث النبوية والحكم المأثورة، وبعبارة أخرى أنه كان خطيبا لبقا فصيحا٢". على أن الثورة العرابية أزهرية في معان أخرى فقد وجدت من الأزهريين أعوانا وجندا، ولقيت منهم أنصارا بالقلب والجنان، والفكر والبيان، والجهد والتوجيه والإرشاد. كان جل الصحافة القائمة إذ ذاك والتي تتجه متجه الثورة، وتذود عنها صحفا أزهرية في تحريرها أو الإشراف عليها، فتلك هو الوقائع المصرية في رعاية الشيخ محمد عبده، وأعوانه الأزهريين وصحف النديم وغيره تؤيد ما ذهبنا إليه. ووجدت الثورة العرابية من الأزهر شعراء ينظمون في إذكائها روائع، ومحكمات والأزهريون يومئذ عمود الشعر وقوامه، ووجدت منهم خطباء يلهبون الإحساس ويضرمون الشعور، فهذا هو السيد عبد الله نديم الذي عرف "بخطيب الثورة" كانت نفسه ثائرة متطلعة إلى المجد وحياة الحرية، وكان أكبر عضد الثورة العرابية وكان فيضا من الخطابة متدفقا لا يكل لسانه، ولا يغبض بيانه حتى إنه ليخطب في المجلس الواحد خطبا قد تبلغ خمسا، وهو في أخراها كأولاها لا يكرر قولا ولا يعيد حديثا، وكان مثار العجب من تدفقه، فقد يكون في رحلة مع عرابي فيلقى على كل محط خطبة في المستقبلين. أما الأستاذ الإمام فقد كان له في الإعلان عن رغبات الأمة مسلك يخالف مسلك الثائرين، فلم يكن من زعماء الثورة في طورها الأول، ولكن
следующие страницы →