← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الطلاب جودوا الخطابة الدينية وتوفروا على إتقانها والتمهر فيها، وإن كنت لا تعدم في فروع الأزهر الأخرى من هم مثل هؤلاء فصاحة بيان، وفيض أسلوب إلا أن اشتغالهم بالعلوم البعيدة الصلة عن العربية، وآدابها جعلهم دون إخوانهم الآخرين عددا وعدة.

стр. 212

الأزهر والخطابة السياسية: أهم الأحداث السياسية والهزات الأرضية التي رجت المجتمع المصري في العصر الحاضر، غزو الفرنسيين لمصر والثورة العرابية والثورة الوطنية التي شبت في سنة ١٩١٩م. هذه هي الحوادث الجلي التي كان لها أبلغ الأثر في توجيه الحياة السياسية والأدبية بمصر في العصر الحاضر، وقد حمل الأزهر لواء الزعامة في هذه الثورات، وقام عليها يغذي الشعور ببيانه وخطابه، ويوجه الرأي بقيادته، ويلتمس الشعب في كلمته الهدى، وفي حمايته الأمن والنجاة: زمن المخاوف كان فيه أجنابهم ... حرم الأمان وكان ظلهم الذرا١ الغزو الفرنسي: غزا الفرنسيون مصر سنة ١٧٨٩م، فلم يبالوا بالقوة المادية للشعب إذ هو منهوك القوى في عصر المماليك أعزل من كل سلاح، ولكنهم خشوا قوة الإيمان في نفوس العلماء، وأثرهم النافذ في روح الشعب وكلمتهم التي كانت توقظ الأمة وتحيي العزائم، وكان منبر الأزهر مقر قيادة المجاهدين تفد

стр. 213

الوفود وتحشد الحشود والناس في غمرة الأحداث، وحيرة المحن فيرتقي المنبر علماء الأزهر وشبابه المتفجرون بلاغة المتقدمون عزما وحماسة، فتهدر شقاشق وتزأر حناجر، وتفيض بلاغة، ويتدفق شعور، فإذا الجبن إقدام والتردد وثوب، وإذا الصدور تملأ إيمانا بالجهاد وحبا في بذل النفس والفداء فيندفع الناس كالسيل لا يخشون في الحق أذى، ولا يرهبون النضال ولو طاحت رءوس وتناثرت أشلاء. كان ذلك من فعل البلاغة في النفوس وأثر الإقناع بالحجة والدليل، وكان ذلك من روح النداء الذي عرفوا به، والإقدام الذي كان لهم سمة وطبعا. أدرك الفرنسيون خطر الأزهر في توجيه الشعب، وعرفوا مكانة أبنائه ومبلغ أثرهم في الأمة ببيانهم وإيمانهم فراحوا يتقربون إليهم، ويؤلفون ديوان القضاء منهم، ويخطبون بكل أسلوب ودهم بالتزيي بزيهم طورا وإعلان الإسلام طورا آخر، ثم بالمصاهرة إلى المسلمين طلبا لرضاهم واستمالة لهم وراحوا يذيعون المنشورات نشدانا للهدوء باسمهم، ويستجيبون لرغائبهم إذا ما استنجد الشعب بهم لرفع مظالمهم، وتحقيق مطالبهم. كان الأزهر وحده هو الذي يحفل إذ ذاك بالخطابة ويجعلها أداة إقناعه، ووسيلة بلاغه وسبيل توجيهه للأمة في ذلك الحين، وكم فاض هذا المنبر بآيات من البيان من خطب رائعة وشعر كريم، وكم تفتحت القرائح واهتزت الأفكار بما أبدع فيه هؤلاء الفصحاء من أساليب البيان. الأزهر والثورة العرابية: كانت الأسباب التي أدت إلى الثورة العربية سنة ١٨٨١م راجعة إلى تبرم المصريين بالحكم القائم الذي قوامه استبداد الحكام واضطهاد الشعب، وكان انتشار التعليم، واستنارة الأفكار قد هذب النفوس، وسما بها إلى طلب الحياة

стр. 214

الكاملة والحرية الشاملة والفرار من البغي، وكثيرا ما أذكت الشعور خطابة الخطباء في المحافل والمجتمعات، وهيأت الأذهان قصائد الشعراء ومقالات الكتاب، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء الذين هزوا الأفكار، وأيقظوا العقول وحضوا على الحرية إنما هم خطباء الأزهر وشعراؤه وكتابه. وكانت لمدرسة الأفغاني ودعوته إلى الحرية ومشايعة تلامذته له أمثال "الشيخ محمد عبده" و"سعد زغلول" و"النديم" و"الهلباوي" أثر خطير في تهيئة أهله ومحاربتهم بشتى الوسائل ومختلف الأساليب. أحمد عرابي باشا: وكان ظهور "أحمد عرابي" من الأساليب المباشرة في ظهور الثورة، ولا غرو فهو حامل لوائها وقائد زمامها وإلى اسمه نسبت، وفي شخصه تمثلت١ كان أحمد عرابي ضيف الثقافة لم ينل منها إلا حظا يسيرا، ولم يتوفر على دراسة خاصة حينا من الزمان تكفل له اللحاق بالزعماء الواسعي الثقافة والإدراك، فقد حفظ القرآن في صغره، وأخذ عن أخيه الأكبر مبادئ الحساب وتحسين الخط ثم تلقى بعض اللغة والعلوم الشرعية في الأزهر، على أنه لم يكمل علوم الأزهر فإن مدة تحصيله فيه لم تزد على أربع سنين٢. ذلك هو حظ عرابي من الثقافة في صغره، ولم يلتحق بعد هذه الفترة بمعهد أو بمدرسة ولم يتوفر على دراسة خاصة يكون لها أثر في نفسه بل انقطع عن التعليم إلى أن اقترع، ومضى في مراتب الجندية فكل ما تقف به إنما هو من ثقافة الأزهر، فإذا نسبت الثورة إلى زعيمها، واقترنت باسمه وأضيف إليه ما خلفته من آثار فكرية وأدبية، فإن الثورة العرابية المنسوبة إلى عرابي الأزهري، أزهرية في قيادتها ونتائجها الأدبية.

стр. 215

وقد وصف الأستاذ الإمام أحمد عرابي بقوله: "أجرأ إخوانه على القول، وأقدرهم على إقامة الحجة١". ومما أمتاز به "لسان ذلق وصوت جهوري وترسل في الحديث، واستشهاد بالآيات والأحاديث النبوية والحكم المأثورة، وبعبارة أخرى أنه كان خطيبا لبقا فصيحا٢". على أن الثورة العرابية أزهرية في معان أخرى فقد وجدت من الأزهريين أعوانا وجندا، ولقيت منهم أنصارا بالقلب والجنان، والفكر والبيان، والجهد والتوجيه والإرشاد. كان جل الصحافة القائمة إذ ذاك والتي تتجه متجه الثورة، وتذود عنها صحفا أزهرية في تحريرها أو الإشراف عليها، فتلك هو الوقائع المصرية في رعاية الشيخ محمد عبده، وأعوانه الأزهريين وصحف النديم وغيره تؤيد ما ذهبنا إليه. ووجدت الثورة العرابية من الأزهر شعراء ينظمون في إذكائها روائع، ومحكمات والأزهريون يومئذ عمود الشعر وقوامه، ووجدت منهم خطباء يلهبون الإحساس ويضرمون الشعور، فهذا هو السيد عبد الله نديم الذي عرف "بخطيب الثورة" كانت نفسه ثائرة متطلعة إلى المجد وحياة الحرية، وكان أكبر عضد الثورة العرابية وكان فيضا من الخطابة متدفقا لا يكل لسانه، ولا يغبض بيانه حتى إنه ليخطب في المجلس الواحد خطبا قد تبلغ خمسا، وهو في أخراها كأولاها لا يكرر قولا ولا يعيد حديثا، وكان مثار العجب من تدفقه، فقد يكون في رحلة مع عرابي فيلقى على كل محط خطبة في المستقبلين. أما الأستاذ الإمام فقد كان له في الإعلان عن رغبات الأمة مسلك يخالف مسلك الثائرين، فلم يكن من زعماء الثورة في طورها الأول، ولكن

стр. 216

لما تألفت وزارة البارودي انضم إليهم بكل قواه، وقد أصبح من ذلك الحين من زعماء الثورة١. وكان زعماء الحزب الذين التفوا حول عرابي باشا ينظرون إلى "الشيخ محمد عبده" نظرهم إلى معلمهم وقائدهم، ويحلفون يمين الطاعة للوطن وما فيه نفعه بين يديه، حتى إنه اعتبر زعيما من زعماء الثورة كعبد الله نديم وغيره من الزعماء المشهورين٢، كما وجدت هذه الثورة أكبر عضد من فحول الأزهر إذ ذاك أمثال الشيخ عبد الكريم سلمان، وإبراهيم الهلباوي، وعبد الله فكري على تفاوت في الأسلوب، ومن نجا من المحاكمة فلبراءته في الظاهر على رغم اشتراكه في الثورة٣. وقد أودع السجن للمحاكمة فريق من الأزهريين الثائرين الذين أمدوا الثورة -العرابية ببيانهم، ورأيهم، وجهدهم من أمثال "الشيخ محمد عليش"، ونجلهما "الشيخ عبد الرحمن عليش" والشيخ حسن العدوي" "والشيخ محمد أبو العلا الخلفاوي" العضو الأول بالمحكمة إذ ذاك، والشيخ "أحمد المنصوري" والشيخ "أحمد عبد الغني" المدرسين في الأزهر، والشيخ "محمد جبر"، والشيخ "أحمد البصري"، والشيخ "أحمد السملوطي"، وكثير غيرهم. هؤلاء أججوا جمرات الفكر في الثورة العرابية، وألهبوا الشعور بآيات من البيان فخطبوا الخب الحماسية، وأذاعوا النداءات الثائرة، ونظموا الشعر الصوال، فلا عجب أن يكون كل ما أنتجته الثورة العرابية من أدب خصب إنما هو من ثمرات الأزهريين، ونتائج قرائحهم وفيض بيانهم.

стр. 217

الثورة الوطنية سنة ١٩١٩: وهذه هي الثورة الوطنية التي قامت سنة ١٩١٩ لتحرير البلاد من رق الاستعباد كان الأزهر نارها ونورها، وكان خطباؤه أعلام الجهاد ومشاعل الفكر، ففي جنبات الأزهر كان صيال بالخطاب يعتلي المنبر شاب الأزهر وشيوخه، فيقولون ما شاءت لهم البلاغة، وما تفجرت منهم الفصاحة حتى غدا الأزهر، وهو كما يصفه شوقي بك. عين من الفرقان فاض نميرها ... وحيا من الفصحى جرى وتحدرا كان الجموع تفد إليهم تستشرف لخطبهم، وتتلع الأعناق لرأيهم، ويستمعون إلى بيانهم المقنع ويلتقون عند رأيهم المؤمن، فإذا هم أمضى من السيف عزما لا يبالون في جهادهم بقوة في الأرض، ولا يضعف من نضالهم ما يتراءى لهم من الموت، ولا يتلمظ لهم من أفواه الردى. تخرج في ثورة الأزهر فحول من الخطباء الأفذاذ الذين امتازوا بفصاحة اللسان، ومتانة الأسلوب وقوة الحجة وغزارة البيان، وكانوا زعماء الفكر وعنوان الجهاد وقادة الرأي، وأبطال السياسة من أمثال سعد والهلباوي ومصطفى القاياتي، وعبد الباقي سرور ومحمود أبي العيون وزكي مبارك، وعلي الزنكلوني ﵏ ومن هؤلاء كذلك الأستاذ محمد عبد الطيف دراز، ولا يزال الأزهر إلى اليوم كلمة الأمة، وكعبتها التي تحج في الأحداث والمحن، وكلما حزب البلاد أمر نهض أبناؤه المقابل يدفعون الغوائل، ويذودون عن حمى الوطن يعينهم بيانهم الغزير، وتمدهم فصاحتهم الدافقة.

стр. 218

الأزهر والخطابة الدينية: استأثر الأزهر بالخطابة؛ لأنه الذي يحمل رسالة الدين ويذود عنه وينشر فضائله ويرد عواديه وغوائله، وأبناء الأزهر هم الذين يقومون على المنابر في مساجد القرى والمدن، فيهزون أعوادها يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويحضون على الفضائل، وينكبون عن الرذائل بأسلوب بارع ولغة مهذبة وبيان فصيح، وقصص رائع يتخلل ذلك آيات من كتاب الله، وأدب نبيه الكريم ﷺ . وإنك تجد الخطيب الديني يحتفل بأسلوبه وأدائه، كي يتسنى له التأثير في النفوس والهيمنة عليها، وقد كانت الخطابة من قبل مسجوعة متكلفة تتلى في ديوان، ولا تمت إلى المناسبة ولا إلى مقتضيات الأحوال بصلة، وكانت إلى عهد قريب تدور حول معان واحدة أو متقاربة يمل السامع ترديدها، ولا تكاد تصل إلى قلبه بتكرارها، فهي تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة وتشويق إلى الجنة، وتخويف من النار وتهويل في المعاصي والعقاب عليها في الحياة الثانية، وكان ينقصها أيضا وحدة الموضوع، فقد كان الخطيب ينتقل من الحديث عن الصدق إلى الحديث عن الخمر إلى النهي عن الغيبة إلى الحض على الإنفاق في سبيل الله، فلا يتجه السامع إلى موضوع مستقل يؤمن به. أما الخطب الآن فإنها نماذج رقيقة في أسلوبها، ووضعها مسارقة للغرض الذي يتطلبها، يلقيها الخطيب مرتجلة يشافه بها الناس، وقلما يعتمد في إلقائها على ورقة الخطابة المنبرية اليوم إنما هي معالجة للأحداث وتناول لمختلف الشئون، وتعليق على ما يشغل المجتمع ويهمه على ضوء الدين والخلق الكريم، وقد تسوق الصحف في صباح الجمعة خيرا ذا بال، أو قصة أو مأساة، أو مثلا كريما فينهض الخطيب بعرضها وتصويرها، والتعليق عليها بأورع أسلوب، وأوفى بيان وأحسن تجلية.

стр. 219

ومما ساعد على ترقية الخطابة الدينية أن أصبح الذين ينهضون بها شبابا أفذاذا معترفا بقدرتهم مشهودا بكفايتهم ولباقتهم يرتجلون، فلا يتعثرون ويتدفقون فلا يتلعثمون. وفي كلية أصول الدين إحدى كليات الأزهر "قسم تخصص الوعظ والإرشاد"، يخرج هداة مرشدين أخصوا في هذا الغرض فجاء أسلوبهم، وفاض بيانهم وامتازوا بحسن المنطق وبلاغة التأثير، وأصبح لهم في الحياة الاجتماعية مقام محلوظ، فهم ينشرون فضائل الدين بأسلوب عذب، وبيان عليه طلاوة ويهدون إلى مكارم الأخلاق بطريقة أخاذة مشوقة، ويعتمد عليهم أولو الأمر في إصلاح ذات البين وفض المنازعات والتعاون على البر، والأخذ بأسباب الإصلاح الاجتماعي، وقد تخطب الحكومة ودهم للدعاية لمذهبها، وترويج مسلكها اعترافا بفضلهم، ولكنهم يأبون أن يدعوا لغير الله والفضيلة. هذا وقد اتخذت الخطابة الدينية مظهرا آخر كريما أعلى شأنها ورفع لواءها، فإن العلماء والأدباء الذين عذب أسلوبهم وفصحت عبارتهم، وسلس بيانهم يقومون في الجمعيات الدينية والاجتماعية وفي المساجد ودار الإذاعة، فيلقون مواعظ وأحاديث دينية واجتماعية تعتمد على الأدب الرفيع في أسلوبها، وتصويرها فتصل إلى شغاف القلوب من روعة العظة وسحر البيان. وقد كان المغفور له الشيخ محمد عبده آية الآيات، فقد كانت خطبه وأحاديثه الدينية والاجتماعية أبلغ الأمثال في جمال العبارة، وحسن الصوغ وقوة السبك، وكان يمزج أسلوبه الديني المتحلى بأدب القرآن، وأدب الرسول ﷺ بأدب العرب، وما زخر به من بلاغاتهم، وما توفر له من الأدب الغربي الحديث. ومما نشط هذه النوع في أيامنا هذه وأزكى غرسه، وأنمى عوده حضور الحكام وعظماء الأمة وقادتها دروسه، واستماعهم إلى الخطباء المجودين فيه، فتسامى القرائح وتتسابق المواهب، ويأخذ هذا الأدب في السمو والتفصح

стр. 220

والتجويد حتى يبلغ ما شاء الله من الرفعة والكمال. وقد سما بهذا النوع من الخطب حضرة صاحب الفضيلة المغفور له الأستاد الأكبر الشيخ "محمد مصطفى المراغي"، فقد كان يلقي بين يديى الملك السابق أروع ما تسمو إليه الخطب، والدروس بأسلوب أدبي مطبوع وبيان طلي مهذب جاري به الإمام "محمد عبده"، وكان يمزج في هذه الأحاديث التي يتفضل بسماعها بين الأدب الحي والعلم الحديث، ومجاراة الحياة العامة وشكها بالنقد والنصح والتوجيه، والهداية والإرشاد. وممن يذكر في هذا الصدد بالإحسان، والتجويد المرحوم الشيخ عبد الله عفيفي بك المحرر العربي للديوان الملكي، فقد كانت أحاديثه وخطبه في المواسم والمناسبات شعرا ومنثورا وبيانا منورا.

стр. 221

الخطابة القضائية: يراد بالخطب القضائية ما يلقيه المحامون في دور القضاء دفاعا عن الحق، ودفعا للمظالم وهذه الخطب تعتمد على الرسوخ في القانون، والتملي من مواده وأحكامه والقدرة على استخدامه في الدفاع كما تعتمد على بلاغة المنطق وقوة الحجة ووضوح الأسلوب، وحضور البديهة، وتدفق اللسان وحسن الموازنة بين حكم وحكم، وقضية وقضية، كما تتكئ على ترتيب الكلام ترتيبا يتضح به الغرض، ويسهل معه استخلاص النتيجة. وقد بلغ الخطباء القضائيون في هذا العصر مبلغا عظيما من البراعة وقوة الدفاع، وإنك لتجد دور القضاء في القضايا الخطيرة أسواقا أبية في فيض بيانها، وقوة جدلها وشدة صيالها يتدفق الأدباء والمحامون والعلماء، والمتأدبون على شهودها حتى إن الحكومة ترصد رجالها لصد الناس عن التدافع على المحاكم، وقد تحظر شهودها إلا بترخيص لطبقة خاصة خشية التسابق، والزحام

стр. 222

وتذيع الصحف هذه القضايا فيتلقفها الجمهور بشوق ورغبة، ويطبع الكثير من الخطب القضائية في كتب يجد الناس في مطالعتها متاعا ولذة. ولقد كان تمرس الأزهر بين الجدل والمحاجة في طريقة تدريسهم بالأزهر، وقيامها على الحوار والمناقشة، وتناولهم القضايا العلمية بالبحث والتشقيق وقرع الحجة بالحجة، لقد كان لذلك أبلغ الأثر في تهيئة من يتفرغ منهم للمحاماة، أو القضاء إلى الرسوخ والمقدرة والنبوغ والتبريز، وذلك لما جبلوا عليه في حياتهم الدراسية من الصبر على البحث، والجلد على المحاجة والروية في طلب الحكم ودعمه. وعسى أن يكون أبرع قضاة مصر ومحاميها في هذا العصر "سعد زغلول"، كما كان أبرع محاميها وأقدرهم على الدفاع المرحوم "إبراهيم الهلباوي بك".

стр. 223

أشهر خطباء الأزهر مدخل ... أشهر خطباء الأزهر: هذه هي فنون الخطابة وأظهر مجاليها وأفسح ميادينها، وقد كان للأزهر في كل منها القدح المعلى، وفي كل فن من فنونها فحول عرفوا بالبراعة والتجويد، وكانوا لغيرهم أكرم الأسى وأبلغ الأمثال. وسنترجم لأشهر النابغين في هذه الخطابة على اختلاف أنواعها من الأزهريين، فمن أشهرهم خطباء الأزهر السياسيين المغفور لهما "السيد عبد الله نديم" و"سعد زغلول باشا". ومن أشهر خطباء الأزهر الدينيين المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ "محمد مصطفى المراغي". ومن أشهر خطبائه القضائيين المرحوم "إبراهيم بك الهلباوي".

стр. 224

أشهر الخطباء السياسيين من الأزهر: السيد عبد الله نديم: المتوفى سنة ١٣١٤هـ-١٨٩٦م نشأته وحياته: هو، عبد الله بن مصباح بن إبراهيم، ينتهي نسبه إلى إدريس الأكبر من أسباط الحسن بن علي، ولد بالإسكندرية سنة "١٢٦١هـ-١٨٤٣م"، فحفظ القرآن ولما يناهز التاسعة من عمره، وكان أبوه متوسط الحال فلما لاحت له مخابل نبوغه وأدخله معهد الإسكندرية١ الديني، فدرس فيه ما درس من العلوم الدينية واللغوية والعقلية، وأتقن فقه الشافعية والأصول والمنطق، وبرع في الأدب والعلوم اللسانية، وهو حدث باكر الشباب ونظم الشعر الرقيق والنثر المحكم الرصين، وما لبث أن طار صبته وذاعت شهرته، وتسابق أعلام الكتاب والشعراء إلى مساجلته ومطارحته، وكان ﵀ جريئا ثبت الجنان يركب الأحداث، ويخوض الأخطار في سبيل مجده ورأيه، ثم بدا له أن يتعلم صناعة "البرق"، فلم تمض مدة وجيزة إلا وقد أتقن تعلمها وبرع فيها، وشغل إحدى وظائفها في مكاتب مختلفة، كان أبرزها مكتب "تلغراف"

стр. 225

القصر العالي في عهد المغفور له "الخديوي إسماعيل باشا"، وعلى الرغم أن الأعمال ترهقه وتستبد بوقته كان يروى من العلم ظمأه، ويشبع من فنون الأدب نهمه، فيتردد ساعات فراغه على الجامع الأزهر يطالع الدروس مع رفاق الصبا ويفيد علما وأدبا، ومن أخص زملائه صحبة ودراسة المرحوم الشيخ حمزة فتح الله. ثم استجد له ما استوجب فصله من عمله، فاتصل بجمهرة من الكبراء والعظماء، وكان له معهم ندوات أدبية مشهورة غشيها أعلام الشعر والأدب فناظروه وطارحوه، وكان أسطعهم نجما وأسبقهم غلبا. ثم إنه نهج في الحياة نهجا آخر، فاضطلع بالتجارة عساه يجد فيها غنية ومتاعا. فأنشأ بالمنصورة متجرا نفقت سوقه، ودر ربحه إلا أن كرمه المتلف عبث برأس المال والربح معا، ولئن كانت تلك خسارة متجرة لقد كان له ربح أدبي خصب إذ آمه الأدباء والشعراء، وجعلوا من المنتجر منتدى يتسامرون فيه، ويتساقون من الآداب كؤسا مترعات. حياته السياسية: عاد النديم إلى الإسكندرية في أوائل سنة ١٨٧٩م، فبدأ حياته السياسية التي كان له هواه، وكان أول اتصاله بها أن اجتمع بصديقين وفيين له هما "محمود أفندي واصف" أحد اللذين جمعوا كتاب "سلاقة النديم"، ومحرر جريدة العدل "ومحمد أفندي أمين" كبير كتاب محكمة أسيوط الأهلية إذ ذاك، وكانا حينئذ من مؤسسي جمعية "مصر الفتاة"، فكان الأول نائب رئيسها والثاني كاتم أسرارها، كما اجتمع بكثير من أعضاء هذه الجمعية، فشرع يبث أفكاره في جريدتي "مصر" "والتجارة"، ولما رأى أن جمعية مصر الفتاة سرية، ويخشى عليها من الحكومة أوحى إلى أصدقائه بالانفصال عنها، وإذ ذاك حدثهم في إنشاء جمعية سافرة واضحة الأغراض تعمل لنفع مصر والمصريين، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فاستمع الأصدقاء وكثير من الناس

стр. 226

له وتألفت قلوب أهل الثغر وتم له ما رمى إليه فقامت الجمعية الخيرية الإسلامية في أواخر عهد إسماعيل، والقلوب واجفة والنفوس قلقة والأنفاس محبوسة في الصدور. ولما ولي الأمر "الخديوي توفيق" اطمأنت الخواطر واستقرت الأمور وانطلقت الألسن من عقلها، ولقي الناس في ظلاله حرية رأي وطلاقة فكر، فاهتبل النديم هذه الفرصة فدعا الناس وحضهم على مؤازرته ومعاضدته فيما يهم به، فبرزت الجمعية في مظهر الائتلاف، وأجفل السراة والوجوه والكبراء للانتظام في عقدها، وكانت أول جمعية إسلامية أسست في البلاد١، والغرض من إنشائها تربية النشء وتثقيفهم وبث روح المعارف، وترقية أفكارهم وطبعهم على مكارم الأخلاق، وتوجيهم وجهة دينية وطنية. أنشأت الجمعية مدرسة يتعلم فيها اليتامى والعاجزون عن أسباب التعليم، وقد ظل النديم يسعى لها عند الخديو حتى أمدها برفده، وأظلها برئاسة ولي عهده، وأجرت عليها نظارة المعارف مالا سنويا غير قليل، فكان ذلك حنا للجمهور على مؤازرتها واستنهاضا للعزائم لمعاضدتها، وقد استقدم لها نوابغ

стр. 227

الأساتذة من العرب والغربيين، فأمدوها بعلمهم وثقافتهم وتوجيههم، وأما النديم فقد أقيم مديرا لها، فتعهدها برعايته وبذل لها كريم جهده وعنايته، وعلم فيها الأدب العربي والإنشاء، وقد أربى طلابها على ثلاثمائة في زمن يسير، وما زال "النديم" يحشد لها كل قواه حتى أثمرت أطيب الثمرات، ولبى الخديوي رجاءه مرة أخرى، فمنح الجمعية مدرسة البحرية لسعتها وجمال موقعها. وكان النديم يعقد الحفلات العامة في بهو المدرسة يحضرها عظماء القوم، وسراتهم فيسمعون ما يطرب ويعجب منه ومن تلامذته، ثم ينصرفون ولا حديث لهم إلا ترديد ما سمعوه من العبارات الآخذة بمجامع الألباب مما نشط الأدب وروج سوقه، ودرب الألسنة على القول والارتجال. ولم يقف نشاط النديم على ذلك، بل صور حال البلاد، وبين كيف تنال المروءة والشهامة بروايتيه الشهيرتين "الوطن -والعرب" مثلهما مع تلامذته بحضرة الخديوي فاهتز لهما، وبلغا من نفسه مبلغ التقدير والارتياح، ونفح الجمعية بما يقوي ساعدها ويحفز همتها. ثم إن الحسد ألقي في نفوس حاسديه فسعت الوشايات، ودب دبيبها ففصل النديم من الجمعية، وأقصي عن إدارتها. وكان من قبل ذلك يعالج الكتابة في الشئون السياسية والاجتماعية بقلم متحرر من السجع والصنعة، فعظم شأنه وذاع صيته، وتهيأت له مكانة أدبية بما كان يكتبه في صحيفتي "المحروسة -والعصر الجديد" اللتين قامتا على أثر إلغاء صحيفتي "التجارة- ومصر"، ثم أنشأ جريدة أسبوعية سماها "التنكيت والتبكيت" ظاهرها الهزل المضحك، وباطنها الجد اللاذع وحررها بأسلوب بديع لم يسبق إليه، ثم استبدل بها "الطائف" التي كانت سياسية محضة يخب فيها ويضع، وقد توانى لها من الشهرة والصيت ما لم يتوات لصحيفة قبلها، فإنها كانت أفسح ميدان للثائرين من حملة الأقلام ثم اغتصبها منه أمراء الجند في أثناء الثورة العرابية، فلم يدعوا له إلا اسمها ونشروا فيها كل ما يشتهون حتى انتهت الثورة العرابية.

стр. 228

كان "عبد الله النديم" أحد الذين أضرموا نار الثورة العرابية، فلما كانت موقعة التل الكبير في الخامس عشر من شهر سبتمبر سنة ١٨٨٢م، فر عرابي وجماعة معه وتبعهم النديم، ثم ألف وفد من الثائرين، واتجه إلى الخديوي بالإسكندرية يلتمس عفوه، ولكن النديم لم يتم رحلته معهم بل لجأ إلى الهرب، واختفى عشر سنين ضاربا في آفاق القرى متنكرا بمختلف الأزياء، وقد جدت الحكومة في طلبه، وأوصت بالعثور عليه وأرصدت ألف جنية مكافأة لمن يهدي إلى مكانه، وكان كثير من الناس يعرف مقره وتنقله، ولكن كان أكرم عليهم وأحب لديهم، فلما كان آخر عهد المرحوم توفيق باشا عثرت الحكومة عليه فسجن أياما، ثم أمر الخديوي بإبعاده إلى بلد يؤثره، فاختار فلسطين منفى له، وبعد أن لبث بها حينا تنقل في مدينة "الخليل" ونابلس، وبيت لحم، والمسجد الأقصى، ثم عاد إلى "يافا" التي غادرها إلى مصر حيث كان الخديوي قد تفضل بالعفو عنه، وقد أنشأ بعد عودته من منفاه صحيفة "الأستاذ" التي بلغت ما بلغت من الشهرة والصيت، وأثرت في أفكار الأمة ووجهتها، ثم لم يطل بها البقاء فكان نصيبها التعطيل، ولقي النديم مثل ما لقي من الدس والكيد وأبعد عن بلاده مرة أخرى، وطاب له المقام بالآستانة إذ أكرم السلطان وفادته وآثره بالعطف والتقدير، وعين مفتشا للمطبوعات في هذه الديار، وظل ينشر فضله ويذيع أدبه حتى استأثر الله به. ومن تأمل بعين الاتعاظ في تقلب الأحوال بالمترجم، وما ذاقه من حلو الزمان ومره وقاساه مدة الاختفاء، ثم النفي حتى مات غريبا طريدا حق له العجب، وعرف كيف يعبث الزمان بأهل الفضل من بنيه١. شخصيته: تبدو عظمة الشخصية في كل مظاهر النديم، وفي جميع مراحل حياته فلقد

стр. 229

كان أكبر من أن يدل عليه في كل أمر يتصل به، إنما تنطق شخصيته وتطالعك قوتها وبروزها حتى تعجب لها، تبرز شخصية النديم في كتابته وخطابته وأحاديثه، ولقد أشرب حب جمال الدين وتشربت مبادئه إلى شغاف قلبه فنم عن الإيمان بها كتابة وخطابة وحديثا، وما كان للحكومات المتوالية أن تضيق الفذة من معاني النحوة والشجاعة والثورة، وهو هو النافذ إلى القلوب إذا خطب أو كتب لأن التأثر به كان من بيانه ووجدانه أو هما معا. ولقد تظهر شخصية النديم في وطنيته الجارفة التي لا تبالي بقوة في الأرض والتي تزيدها المحن مضاء وعزما، لقد فنى في الثورة العرابية ووهب لهما نفسه وحسه، ولو اقتصر وفاؤه لها على الدعوة لها ومؤزارتها والجهد في نجاحها لكان كأحد أبطالها لا يتميز منهم إلا بفصاحته، ولكنه امتاز بالوفاء للثورة بعد فشلها وإخفاقها، فإن دعاة الثورة وأنصار كل حركة يتنكرون لها بعد الهزيمة، ولكن النديم من الشخصيات القليلة التي أخلصت للثورة في محنتها وهذا ما يسمو به إلى مصاف الأبطال - وهو الزعيم الوحيد بين العرابيين الذي استمر في جهاده السياسي ونضاله عن مصر في عهد الاحتلال وهي ميزة كبرى انفرد بها دون بقية الزعماء الذين أثرت فيهم الهزيمة فوهنت لها روحهم المعنوية وانطفأت فيهم شعلة الأمل والحماسة والجهاد، أما هو فقد ظل على جادته واستمر يجاهد ويناضل حتى آخر نسمة من حياته، وهذا وحده يدلك على مبلغ علو نفسه وقوة شخصيته إذا لم تنل منه الشدائد ولم يضعف إزاء المحن والكوارث ولم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا١. ولما تولى "عباس الثاني" بعد وفاة "توفيق" عفا عن النديم وأذن له بمغادرة منفاه إلى مصر، كانت الفرصة سانحة له أن يمالئ الاحتلال وأن

стр. 230

يخفض جناحه لجبروته وسلطانه، وأن يخفف من العناد الذي أضناه والجهد الذي كابده، وكان من الميسور له لو جنح إلى السلم أو كف عن مجاهدته، ونضاله أن يجد في كنف "اللورد كرومر" معتمد البريطانيين إذ ذاك أرقى المناصب، وأسمى الوظائف، وخاصة بما اتسق له من المواهب الأدبية الممتازة، وكفايته العلمية الفذة، ولكنه عاف هذه الحياة، وآثر الوطن الحبيب إليه وحن طبعه وإحساسه إلى استئناف النضال، فكانت مجلته الأسبوعية "الأستاذ" سيفا مصلتا على رقاب الإنجليز يسكب فيها عصارة فكرة الثائر مقالات، وأزجالا ومناظرات، فتفعل بالنفوس الأفاعيل، ويتعلق الناس بها، ويتأثرون بأسلوبها ويسايرونها في إيمانها واتجاهها، ويغيظ ذلك الإنجليز ويألمون لأسلوبه ما يألمون، وهو هو المتدفق إيمانا وثورة الماضي في نضاله لا يلوي على شيء. وإذ يتفاقم الخلف بين الخديو والإنجليز على أثر عزله "مصطفى باشا فهمي" رئيس النظار إذ ذاك، والذي كان أداة لهم وصنيعة يبث "النديم" في مجلته "الأستاذ" روح الخلف مع الإنجليز، ويستحث الهمم والعزائم لمناصرة الخديو، ومؤازرته فيشتد الإقبال عليها، ويجتمع عليه عداء الإنجليز، وسخطهم على مسلكه وحقد الصحفيين، وحسدهم لمكانة صحفه فيرمى بالتعصب ويتهم بالتهييج، وإثارة الخواطر وتعطل صحيفته، وينفى من وطنه. وكان مما ودع به قراءة في آخر عدد من مجلة "الأستاذ" الصادر في ١٣ من يونية سنة ١٨٩٣ قوله:- "ما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال ومصادمة النوائب، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظمة والجلال، وإن كان المبدأ صعوبة وكدرا في عين الواقفين عند الظواهر، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلا:- أودعكم والله يعلم أنني ... أحب لقاكم والخلود إليكم وما عن قلى كان الرحيل وإنما ... دواع تبدت فالسلام عليكم

стр. 231

تأثر مصطفى كامل النديم: لا ريب في أن كثير من الناس قد تأثر بالنديم في دعوته، وأنه جذب إليه جمهرة ممن وجدوا فيه مثلا لجهارة الرأي وفصاحة القول، فمثل "النديم" من يكون مدرسة يتخرج فيها الناهضون، ولقد كان ممن أوحى النديم إليهم، ولقنهم مضاء العزم الزعيم الشاب المغفور له "مصطفى كامل"، فقد عرف "النديم" فيه روح الثورة، وطالعته من مواهبه أمارات الزعامة، واستهوى "النديم" جمهرة من الشباب الأحرار، كان "مصطفى كامل" في طليعتهم وفي مقدمة الذين وثقوا اتصالهم به، وكان من نتائج هذا الاتصال أن اكتسب "مصطفى" بعض صفات النديم، وتلقى عنه فكرة الاتفاق مع الخديو حتى تسهل الدعوة إلى الاستقلال، وكان من أول ثمرات هذه الفكرة أن أقيم احتفال سنوي في عيد الجلوس١. ويقول تشارلز آدمس: لما عاد "السيد عبد الله النديم" من "يافا" في المرة الأولى سنة ١٨٩٢ سمع "بمصطفى كامل"، الذي كان حينذاك طالبا بدأ يحرر في الصحف ويهيج الطلاب، فبحث السيد "عبد الله نديم" عن ذلك الوطني الشاب وقص عليه قصته، وروى ما مر عليه من حوادث، وليس من شك في أنه غرس في نفسه آراءه المتطرفة٢. خطابته: كان "النديم" خطيبا مفوها بليغ التأثير نافذ القول قوي الأداء جهير الصوت، يرتحل فلا يعجبه الارتجال ويفجؤه الموقف فلا يزيده إلا حسنا، يملك مشاعر السامعين بحسن أسلوبه وعذوبة صوته، ولا غرو أن لقب بحق

стр. 232

"خطيب الثورة العرابية" ولقد لقب بحق "خطيب الشرق١ كما لقب "بخطيب الحزب الوطني". كان من النافخين في ضرام الثورة العرابية، ولما تأججت جمراتها كان خطيبها الفذ وفارسها المعلم، وكان خلابا في خطابه غلابا في جدله قويا في برهانه، رائعا في بيانه، وقد أعانه على ذلك جرأة قلبه، وإقدام نفسه، وصفاء قريحته، وتوقد خاطره في الأدب، وتمكنه من الفصاحة، ومما يؤثر عن السيد جمال الدين الأفغاني"، أنه قال: "ما رأيت طوي حياتي مثل النديم في توقد الذهن، وصفاء القريحة وشدة العارضة، ووضوح الدليل، ووضع الألفاظ وضعا محكما بإزاء معانيها إذا خطب أو كتب ... ". ويصفه "السيد رشيد رضا" بأنه اشتهر من بين تلاميذ "جمال الدين" بخطابة التهييج في عهد الثورة العرابية، فكاد يسعر نارها. ولم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها فإنه ذو خلابة وغلو، ولا يهيج العامة إلا الغلو. ويقول الأستاذ "أحمد سمير" مترجمه في صدر مختاراته المعروفة "بسلاقة النديم": ويعلم الله أني ما رأيت طول حياتي أخطب منه على كثرة من سمعت في الشرق والغرب من كبار الخطباء الذين تضرب ببلاغتهم، وقوة براهينهم الأمثال". وكان "النديم" غزير مادة الفصاحة، فلا تنفد بتعدد الموقف ولا يلجئه تكرارها إلى إعادة قول أو فراغ معنى بل هو في آخر مواقفه الخطابية المتصلة كأولها قوة وفيضا وعذوبة، ولقد أقامت جمعية المقاصد الخيرية في فبراير ١٨٨٢ حفلا جامعا احتشد فيه خطباء مصر إذ ذاك، وجلجل فيه فحول البيان، وكان النديم صاحب الخطبة الأولى في هذا الحفل، وكان أسبق فحوله

стр. 233

فصاحة لسان وأبلغهم قوة بيان، وأقدرهم على المباغتة والارتجال إذ نهض للخطابة خمس مرات في هذا الحفل، فجود في موضوعاتها المختلفة، وبلغ من الروعة ما تتقاصر دونه الفصاحات دون تهيؤ أو إعداد. وكان يغشى كثيرًا من المجالس والمحافل ليلقي فيها خطبة الحماسية التي تثير روح الثورة، وتبث روح الوطنية في نفوس الجماهير، ولم يبق محفل أو ناد إلا علا فيه صوته حتى مجالس الأنس والطرب لما أنها مجتمع للناس، وملتقى لطوائفهم كان يقتحمها فيلقي خطبة الحماسية فيها، وشهر النديم بذلك حتى إن المرحوم "محمد عثمان" المغني سئل في أي فرح تغني الليلة؟ فأجاب: في فرح فلان مع "عبد الله النديم". وكثيرا ما كان النديم يستصحب معه الطلاب، فيقدم إلى الحاضرين أحدهم ليلقي خطبته، ثم ينهض على أثره فيلقي خطبه يؤيد فيها أفكار الطالب، ويتوسع في الشرح والبيان، ويثني على بلاغة الطالب وقوة حجته، وحسن منطقه، وما زال كذلك حتى ربى في نفوس النشء ملكة الخطابة، وشجعهم على النهوض بها فحل عقدة الألسن، ونشطها من عقالها وأجرى البيان من أفواه النشء المتقد حماسة ووطنية: ويقول الأستاذ "أحمد شفيق باشا": إنه شاهد النديم يقدم المرحوم "فتحي زغلول" في إحدى الحفلات ليلقي خطبة، وكان الثاني طالبا في مدرسة الحقوق، وبعد أن أفاض في خطبته أمسك النديم بذراعه أمام الجمهور، وقال: "ألا تعجبون لما أبداه هذا التليمذ في خطبته من العلم والبيان، والتفنن في موضوعات مع أن "غلادستون" خطيب انجلترا لا يتناول في خطبته إلا موضوعا واحدا، وقدم مرة أخرى في إحدى الحفلات الطالب النجيب "مصطفى ماهر باشا"، وألقى في القوم خطبة بليغة فياضة استرعت إعجاب الحضور، وما انتهى منها حتى وقد النديم على أثره، وقال: "أشهدكم أيها الناس أن أمة يكون هذا مقدار استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد على أمرها".

стр. 234

وكان على مقدرته في الخطابة عذب الحديث حلو الفكاهة، إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز١. كان يبهر الساحر مجلس الخاصة والعامة، ويهيمن بطلاوته وأخذه على العالم والجاهل معًا، ومن سحر حديثه أن يأنس به الخديو "توفيق"، وهو أعنف الثائرين عليه، وأن يأنس به "عباس" حين لقيه في الآستانة، وهو خليفة "توفيق" ولولا حرص السلطان "عبد الحميد" على بقائه عنده لعاد به "عباس" إلى القاهرة، وأذن له بفراق منفاه٢. ومما امتاز "النديم" به فيض خاطره، وحضورة بديهته وسرعة جوابه، وكان ذلك غلى جانب مادته والغزيرة في البيان، وامتلائه من أدب العرب وشعرهم ميسرًا له أسباب السبق بين الأدباء وأعلام البيان، اتصل "النديم" بكثير من رجالات مصر وعظمائها، وكانت له مجالس مشهورة نظم عقدها الأدباء والشعراء، فطارحهم وناظرهم في أساليب مختلفة من الأدب، وفنون متنوعة من البيان، فظفر بهم جميعا حتى كانوا لديه كالراعي لدى جرير، أو كالخوارزمي أمام بديع الزمان، فاعترفوا له السبق وهم بين طائع وكاره٣. ومن بديهته التي ساعفته، وكان له بها سبق أن حضر اجتماعا حافلا لدى "شاهين باشا"، فاقترح بعضهم إليه إنشاء قصيدة دالية يعارض بها المتنبي في داليته المشهورة التي مطلعها: أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد

стр. 235

وقال: إنه لا يتأتى لشاعر أن يعارض قوله في هذه القصيدة: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد فغضب المترجم وأمسك القلم، وأنشأ قصيدته الدالية التي يقول في أولها: سيوف الثتا تصدا ومقولي الغمد ... ومن سار في نصري تكفله الحمد إلى أن قال معارضًا ذلك البيت الذي ظنه المتعنت معجزًا: ومن عجب الأيام شهم له حجا ... يعارضه غر ويفحمه وغد ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما ... لتحفظ أعراض تكفلها المجد وأردفهما بخمسة أبيات على شاكلتهما، يحدث الأستاذ "أحمد سمير" في "سلاقة النديم" أن طول الأيام ذهبت بها، وأنه بهذا الشعر أقحم المعارض، وأبلس ولم يدر كيف يقول. كتابته: كان النديم أحد الذين حرروا الكتابة من قيود السجع والصنعة، وجروا بها مجرى السهولة والتدفق، وقد كانت كتابته مطبوعة بطابع الوضوح والإشراق والتسلسل، وكانت صورة ناطقة تمثل المجتمع المصري، والحياة الفكرية في مصر وقد أعانه على ذلك صفاء نفسه من التعقيد، وسهولة منحاه وميله إلى الفكاهة والنكتة التي هي من جوانب الحياة المصرية. وأغلب ما يتسم بهذا الطابع إنما هو كتابته الصحفية، فقد جاءت سهلة العبارة واضحة المعنى مسترسلة الأسلوب، فكان إذا كتب فإنما يرتجل الخطابة لسهولة منحاه، وتدفق كلامه وسهولة عباراته١. على أن تعقيد التراكيب والتواء الغرض، وخشونة العبارة كل ذلك لا يلائم رسالته الصحفية، ولا يعنيه على معالجة الشئنون المختلفة التي كان يتناولها قلمه

стр. 236

في صحف غيره ثم في صحفه، ولو أنه جاء مستغلقا مبهم الغرض، ملتوي الأسلوب لما اتسقت له هذه المكانة المحسودة، وتلك الشهرة الذائعة. ومما امتاز به "النديم" أسلوبه الساخر اللاذع، فقد كان يودع كتابته الحقيقة المرة والمغزى الموجع دون أن يصخب أسلوبه، أو يثير في متجهه ضجة. على أن "النديم" يسهل ويتبسط، ويرق أسلوبه ولكنه يتصفح في عبارته، ويتأنق في صياغته، ويشك السجع ويمر بالمحسن لمامًا إذا أراد مجاراة الأدب في زمانه، فيأتي بما يشاكل أدب أقرانه مطبوعا بطابع التجويد والصنعة في رسالة إخوانية، أو خطبة منبرية يحررها، أو مقامة أدبية يصنعها إذا كتب في هذا الضرب من الكتابة نهج نهجا متبعا؛ لأن هذه الأساليب، ليست من عمل الفطرة والارتجال، ولا بد لها من قالب متفق عليها في أساليب المتقدمين١. وللنديم مقالات قريبة من اللغة العامية في صحفة مثل مصري تفرنج وغيرها من هذا النوع، وصف فيها الرذائل الفاحشة، ونقد أحوال المجتمع وغيرها٢. شعره: نستطيع أن نقول: إن النديم كان خطيبا مطبوعا، ولكنه لم يكن شاعرًا مطبوعا وذلك؛ لأن النديم رجل ثورة والثورة لها خطباء فحول تعتمد عليهم، وكتاب أفذاذ تنهض بهم، ولكن ليس لها من شعراء من يغني هذا الغناء فما كان الشعر متسعا لهذه الأفكار الهائجة، وتلك الخواطر الصاخبة اتساع الكتابة والخطابة لذلك، نعم قد يتأتى للشاعر المقتدر أن يودع قريضه الخواطر الثائرة، ولكن الخواطر الثائرة شيء، والتحريض شيء آخر يتطلب أقوى من الشعر وسيلة وأداة، وأفسح منه ميدانا ومجالا، فقيود الشعر تحد

стр. 237

من انطلاق الفكر وتضع التعبير موضعا ملتزمًا على أن الشعر لخواص الناس، والطبقة العليا منهم في الفهم والإدراك، فإذا أثار الشاعر بشعره، فإنما يثير الخاصة، ولا يبلغ من العامة مبلغا ينهضهم على ما يريده الرجال الثائرون. ولكن الخطابة والكتابة يعلو كل منهما، ويهبط ويضيق حسب المقام، ويتسع فيتأدى بهما الخطيب والكاتب إلى كل نفس، ويداخل بهما كل شعور وحس. فالثورات إنما تخلق زعماء خطباء لا زعماء شعراء. نلخص من هذا كله أن النديم رجل الثورة خطيب في المرتبة الأولى من الخطباء، ولكنه ليس في هذا الأفق بشعره، وقد أتم شعره بسمة العصر، فتهافت على الصنعة وشد البديع، وإن لم يكن في كل حال كذلك، فإنه قد يصفو من أكدار التكلف وينحو نحو السلامة والوضوح، وقد يطمح أحيانا إلى أن يجاري بشعره فحول الشعراء. والذي بأيدينا من شعر النديم قليل بالنسبة لما خلفه من ثورة شعرية عبث بكثير منها الأيام، فقد حدث الأستاذ "أحمد سمير" مترجمة في السلاقة بأن مؤلفاته منها ديوانان من الشعر يحتوي أحدهما على أربعة آلاف بيت من الشعر، ويحتوي الثاني نحو ثلاثة آلاف، ويقول: "ولما كان في يافا أول مرة بعث إلى محررا يكلف به أن اطلب ديوان شعره الصغير من صديقه المرحوم عبد العزيز بك حافظ، فلما قصدته وجدته مصابا في قواه العقلية بما لم يدع للطلب مجالا، ثم كتب إلي ثانيا بأن ديوانه الأوسط عند. م. بك. ف فطلبته منه فاعتذر بأنه ضاع ... ". فهذه ثروة شعرية كان فيها لذة لو أبقت عليها الأيام.

стр. 238

زجله: للنديم كثير من الزجل المطبوع الذي يمثل الحياة الاجتماعية في مصر بأسلوبه الدارج وتركيبه العامي، وقد كان غزير النبع لا يغيض معينه منه، ولا تعيا به قريحته، وإذا كان الزجل المرتجل يعتمد على البديهة، وشدة العارضة فإن النديم كان آية الآيات في ذلك حتى إنه لتعرض لمواقف الزجل المرتجلة، ويقوم على مناظرة المتمهرين فيه يكون أكثرهم غلبا وأعلاهم كعبًا، وقد ذكر في مجلته "الأستاذ" قصة تشهد باقتداره على الزجل، ومعاطاته على طريق الارتجال، وتفوقه على الذين جودوه وتفرغوا له. قال النديم في مجلة الأستاذ: "اتفق لي أن كنت بمولد سيدي أحمد البدوي" رضي الله تعالى عنه سنة ١٢٩٤هـ، وكان معي السيد علي أبو النصر والشيخ رمضان حلاوة، والسيد محمد قاسم، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري، فجلسنا على قهوة الصباغ نتفرج على أديب وقف يناظر آخر، فلما فطن أحدهما لانتقادنا عليهما استلفت أخاه إلينا، وخصانا بالكلام فأخذا يمدحاننا واحدا فواحدا إلى أن جاء دورهما إلي، فقال أحدهما يخاطبني: أنعم بقرشك يا جندي ... وإلا أكسنا أمال يا أفندي ألا أنا وحياتك عندي ... بقي لي شهرين طول جيعان فقلت على سبيل المزح معه: أما الفلوس أنا مديشي ... وأنت تقول لي ما مشيشي يطلع علي حشيشي ... أقوم أملص لك لودان ثم أخذنا نتبادل الكلام نحو ساعة حتى غلبا إذ فرغ محفوظهما، فلما قمنا وتوجهنا إلى منزل المرحوم شاهين باشا١، وكنا نازلين عنده جميعا أخبره

стр. 239

السيد علي أبو النصر بما كان مني مع الأديبين فلما أصبحنا استدعى شاهين باشا شيخ الأدبية، وطلب منه أن يستحضر أمهر الأدبية عنده، ووعده أنهم إن غلبوني يعطهم ألف قرش، وإن غلبتهم يضرب كل واحد منهم عشرين سوطا، فرضي بذلك واستحضروا الشيخ داود، والحاج إسماعيل الشهيرين بعمل الزجل، وإنشاده ارتجالا في أي غرض، واستحضر معهما ستة من أشهر الحفظة المقتدرين على الارتجال أيضا، وعقد الباشا لذلك مجلسا أمام بيته بطنطا، وأجلسني بينه وبين المرحوم جعفر باشا مظهر، وقد وقف الناس ألوفا والعساكر تدفعهم عنا: ابتدأ الشيخ فقال: أول كلامي حمد الله ... ثم الصلاة على الهادي ماذا تريد يا عبد الله ... قدام أميرنا وأسيادي فقلت: إني أريد أحمد ربي ... بعد الصلاة على المختار وإن كنت تطمع في أدبي ... أسمعك حسن الأشعار فقال: دعنا من الأدب المشهور ... وادخل بنا باب الدعكة تدخل على أسيادنا بسرور ... وتغنم الخير والبركة فقلت: هيا احتكم في البحر وشوف ... فن النديم ولا فنك دلوقت اسمع يا متحوف ... أحسن أدب وحياة دقنك

стр. 240

فقال: هات مدح في الحضرة على قد: تعلم عمايلك يا منصان ... يابو الشفيفة العسلية يا صاحب الحجل الرنان ... ودي الامور الحيلية ماذا تريد من دي الولهان ... قل لي واسعف أحسن أنا من خمر ألحان ... قصدي أرشف وإن كنت تسمع يا أبو الخير ... يبقى الوصال الدواليه فقلت: المجلس العالي محمود ... فيه الأمارا والأعيان واليوم يوم مشهود ... خلعت عليه حلة إحسان شاهين باشا فيه موجود ... حظو أزهر أما المدير هذا المسعود ... جعفر مظهر فإنه في الناس معدود ... من ضمن أرباب العرفان "دور" مجلس عليه حسن مهابه ... كأنه مجلس سلطان والحاضرين أهل نجابه ... وينفذوا قول الإنسان أترك بقى شرب الغابه ... وانشد تسمع وإن كان تغني بربابه ... تطرب مجمع حسن الكلام مثل سحابه ... تمطر على شجر البستان فقال: القصد منك يا نديمنا ... نعمل زجل هيله بيله ألا أنت دلوقت غريمنا ... قصدي أحدفك بالقلقليله وإن كنت تجهل تقريمنا ... اسأل عنا أو ما تغيب في تكليمنا ... واحذر منا

стр. 241

أحسن أوديك لعظيمنا ... بشيلك ألفين شيله فقلت: انتا صغار لسه نونو ... وفي الزجل منتشى مجدع اتبع نديم تلقى فنونو ... تأتيك من المعنى الأبدع أما عظيمك وجنونو ... يأكل نفسه وإن كان يعارض بمجونه ... يطلب عكه لأن فني وسجونو ... لكل متعنتظ يردع وبعد أن دار بيني وبين الكلام في كثير من هذا الوزن قام الشيخ داود، وقال: قصدي أقول كلاما ... يحكي لضعات الزهور هات أشجنا بنظام ... من فن كان وكان أدخل بنا لمعان ... كالبكر من خلف الستور في قلب متحل ... في النظم بالإتقان فقلت: اسمع كلام نديم ... من طيه كل سرور واعقل نصيحة حر ... ينعوك للعرفان لا تستخف بخصم ... لو كان من أوهى الطيور واصفح فكل صفوح ... يعلو على الأعيان واخش اللئيم دواما ... فاللؤم داع للشرور واحفظ مودة حر ... في عهده ما خان لا تصطحب بوضيع ... ينزلك عن سرج الظهور واصحب أخي شريفا ... واطلب رضا الإخوان وانزل ببيت كريم ... إن كنت ضيفا في العبور

стр. 242

واسمع سؤال فقير ... أودى به الحرمان هذه نصيحة حر ... قد جرب الدهر الجسور إن كان يعجب هذا ... أولا فخذ تبيان فالبحر بحر لآل ... إن قلت زانت النحور والفكر فكر ذكي ... لا يعرف النسيان فأعرض عن كان وكان عجزًا منه، وقال: هات فخرًا على قد! يا صبا نجد ورامه ... هجت للمتشاق وجدا كل صب في غرامه ... ما اشتكى في الليل سهدا عنفوني عذبوني ... ذقت في التعذيب شهدا والهوى أحرق ضرامه ... كل أحشائي وقلبي. قلت: فخر مثلي في بيانه ... والغني يفخر بماله والأدب أحسن صفاتي ... فالذكي حسنو كماله واللبيب يظهر بعلمو ... والغلام مجده جماله كل قول المرء يفنى ... غير محمود المآثر ... "وإلى هنا صفق الحاضرون والباشا، ثم عدنا للزجل المعتاد بما يطول ذكره، فإن الشيخ رمضان كتب من هذا الزجل خمسة كراريس، وكله محفوظ عندنا لم يضع منه شيء، وقد استمرت المناظرة ثلاث ساعات إلى آخر ما ذكر النديم في مجلة الأستاذ". هذا طرف مما أورده النديم في مجلته عن قصة الزجل، ويقول "أحمد تيمور باشا": "لقد سألت بعض من حضروا هذا المجلس عما كتبه المترجم، فأنكره وأخبرني أنه تغالى فيما كتب، وذكر أناسا لم يكونوا حاضريه١".

стр. 243

وقد يكون النديم مغاليا كما قيل "لتيمور"، ولكن هذه المغالاة لا تنفي أصل الحادثة، وليس النديم على مكانته الأدبية والاجتماعية بالذي يخلق حادثة مثل هذه لم تكن، ثم يطالع بها قراءة في مجلة كانت تتلقفها الأيدي، وتستشرف لها الأبصار، ويمعن في الادعاء، فيزعم أن المجلس حضره فلان وفلان ممن سماهم بأسمائهم، وممن هم ذو مقام بين الأدباء والشعراء والعلماء، فإنه إن فعل تعرض لخصومه يكذبونه، ويسفهونه وهم كثير وكثير، وعندي أن اتهام الذي سأله تيمور باشا عن القصة فنفاها، أو زعم مغلالاة النديم فيها أخف لدى العقل من اتهام النديم بالكذب والوضع. هذا وإن زجل النديم بالغ حظا عظيما من الرقة، وسعة الأفق والقدرة على المجاراة، وتصوير العامة في مظاهرهم وحياتهم. كلماته الجارية مجرى الأمثال: للنديم كلمات جرت مجرى الأمثال لها روعة البلاغة، وقوة الصوغ وعذوبة النطق ومجاراتها لكلمات الفصحاء من فحول العرب، ومن هذه الكلمات التي تزين الحديث، وينجلي بها الأسلوب، وتشرق في ثنايا ما ينفصح به الأدباء قوله من النثر "أدبك حياتك فطول أو قصر- روحك غذاؤك فأصلح أو أفسد- علمك قدرك فارفع أو اخفض - ترك الحزم يضيع الفرص - بعدك عن الشر مع حب أهله، وقوع فيه - كن حيث صرت تقطع العقبات، وأنت جالس - كل خلاف كذاب - أمرك بيدك، فإذا جذبته فطاوعك تبدد - بين الجد أو الغاية التبصر فاحفظ نصلها - يومك كأمسك فأعد لغدك ما تخيرته منهما - مملكة يسوقها غارق في الشهوات مقبرة تزار، ولا تسكن - إذا طلبت الراحة، فارجع إلى ظهر أبيك - لن للظالم ما تنبه، فإن غفل فاحمل عليه - إذا وصلت الغاية، فقف فورًا كانت أو خذلانا فما بعدهم إلا العدم -

стр. 244

المشرب السياسي يغالب الجنسية والدين، فانظر مع من تكون -إذا نفذت كلمتك، فاحفظها بالرفق وأيدها بالاستقامة، من الشعر:- جزاء فعال السوء في العدل مثلها ... فنفس بنفس والجروح قصاص دنوك من مرضى القلوب تعرض ... لعدواك فاحذر فالدواء عزيز ذوق المعاني لذة ... وسواه يأتي بالهوس ذم النقى وأهله ... أمر يحسن لي الطرش خذ من زمانك صفوة ... ودع التعمق تسترح آثاره الأدبية والعلمية: خلف النديم آثارا أدبية وعلمية ضخمة تشهد بكريم فضله، وعظيم جدواه في الأدب والعلم، فمن ذلك شعره الخصيب الذي عبثت به يد الضياع، ولم تبق منه إلا النزر اليسير، ومقالاته الأدبية الممتعة التي كان ينشرها في صفحه المختلفة، وهي ثورة أدبية ممتعة تمثل أطوارًا مختلفة من مظاهر الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وله روايتا الوطن والعرب، ورسائل أدبية لم يصل إلى أيدي الذين احتفلوا بجميع آثاره إلا أربع عشرة منها بعد سعي ممض، وعناء موصول وله كان ويكون، وهو الذي طبع بعضه في مجلة الأستاذ ألفه حين اختفائه في سنة ١٨٨٣م، وهو كتاب أدبي تاريخي يحتوي بحوثا أدبية ودينية، وتاريخية وسياسية، وتضمن الحديث عن عادات الأمم المختلفة، والمقارنة بين هذه الأمم فيها كما يتضمن طرفا من شئون الأجناس الشرقية والغربية، والكتاب نسخة في مجلد واحد طبع في مطبعة النديم بالقاهرة سنة ١٨٩٢م، وله كتب قيمة مختلفة منها "النحلة في الرحلة"، والاحتفاظ في الاختفاء، والشرك في المشترك، وكتاب في المترادفات، وآخر في اللغة سماه "موحد الفصول وجامع الأصول"، وله الفرائد في العقائد واللآلي والدرر في فواتح السور، والبديع

стр. 245

في مدح الشفيع، وأمثا العرب، وغير ذلك من الآثار الجليلة الدالة على مكانته السابقة في هذه النهضة. وقد عني شقيقه "عبد الفتاح أفندي نديم"، وصديقه "محمود أفندي واصف بجمع ما عثرا عليه من آثار، وأودعاه كتابا أسمياه "سلاقة النديم" في منتخبات السيد عبد الله نديم. والحق أن النديم كان أنجب نموذج من نماذج الشخصيات في تاريخ الأدب المصري، "ويتعذر عليك أن" تبحث عن مثيل له ذوي الأدوار -المحددة الذين تنجب طلائع النهضات في عالم الأدب والثقافة، فلا تظفر له بمثيل١. نشر "النديم" فن الخطابة بين النشء الحديث، فكان ذلك فتحا في سجل النهضة٢ إذ مرن الألسنة على القول، وفتق الأذهان للتبصر وكان صوتا انبعث في خطابته وكتابته، فاستيقظ به همم وصحت عزائم، وضرب أبلغ الأمثلة في الجهاد للرأي، والذود عن الوطن ... نموذج من خطبه: من خطبه في الثائرين العرابيين قوله: من قرأ التواريخ، وعلم ما توالى على مصر من الحوادث والنوازل، عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات، فقد ارتقيتم ذروة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها

стр. 246

لاحق، ألا وهي حماية البلاد وحفظ العباد، وكف يد الاستبداد عنها فلكم الذكر الجميل، والمجد المخلد يباهي بكم الحاضر من أهلنا، ويفاخر بأثركم الآتي من أبنائنا، فقد حي الوطن حياة طيبة بعد أن بلغت الروح التراقي، فإن الأمة جسد والجند روح، ولا حياة للجسم بلا روح، وهذا وطنكم العزيز يناديكم ويناجيكم ويقول:- إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي الديار نعيم وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم فردوا عنان الخيل نحو محرم ... تقلبه بين البيوت نسيم وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم إذا لم تكن سيفا فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم وإن لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم ولقد ذكرت باتحادكم وحسن تعاهدكم، ما كان من رسول الله ﷺ ، وعند تغيب سيدنا عثمان في أهل مكة من مبايعة أهل الشجرة على استخلاص صاحبهم، فصاروا يعنونون بالعشرة المبشرين بالجنة، وأنتم قد تعاهدتم على حفظ الأوطان، وبقاء سطوة مولانا الخديو، وتأييد ملكه وتبايعتم على الدفاع، ووقاية أهليكم من كل ما يذهب بالثروة، ويضعف القوة أو يخدش الشرف، فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم. ثم قال:- هذا أخوكم الحر يودعكم، ويسير بإخوانكم إلى دمياط، فاجعلوا عروة الود وثيقة، ولا تحلوا حبل الاتحاد الذي جاهدتم الأنفس في إحكامه، فقد: زالت موانعنا التي ... كانت تجر إلى الفساد والأنس دار رحيقه ... بين الجيوش أولي الرشاد

стр. 247

ولا تعمر الدنيا إذا ... لم يترك الخلق العناد فالأرض تنبت زرعها ... لحياتنا بالاتحاد ومن محاسنكم التي تفخرون بها، ويعرف لكم بها الفضل، طاعتكم لأوامر الحكومة وامتثالكم لإشارتها، وربط قلوبكم بمحبة مولانها الخديو، ورجاله الكرام خصوصا هذا الرئيس البر والرءوف القائم بخدمة الأمة وبلادها. ثم ختم خطبته بقوله:- وأحسن ما يؤرخ به اسم الجهادي عند النوازل أن يقال -مات شهيد الأوطان- فنادى الجميع، رضينا بالموت في حفظ الأوطان، ووقاية أميرنا من كل ما يمس سلطته١. نماذج من كتابته: مما كتبه في العدد الأول من صحيفته "التنكيت والتبكيت" الصادر في ٨ من رجب سنة ١٢٩٨ هـ، الموافق ٦ من يونيو سنة ١٨٨١م. إعلان إلى النبهاء، والأذكياء من أبناء بجدة اللغة العربية: إليكم يراعي فاستخدموه في مقترحات أفكاركم العالية، وصحيفتي فاملأوها بآدابكم المألوفة، وبدائعكم الرائعة، فاليراع وطني يخاطب القوم بلغتهم، ويطيعهم فيما يأمرون به، والصحيفة عربية لا تبخل بالعطاء، ولا ترد الهدية وأنتم كرام اللغة، وإخوان الوطنية فشدوا عضد أخيكم بالقبول والإغضاء عن العيوب، وساعدوه بأفكار توسع دائرة التهذيب، وتفتح أبواب الكمال، وكونوا معي في المشرب الذي أشربته، والمذهب الذي انتحلته: أفكار تخيليه، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم

стр. 248

الخرافات لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثله في الوجود من ركوب متن الغواية، واتباع اللذين أضلانا سواء السبيل. وكتب فصلا عن الخطابة قال فيه:- ألسن الخطباء تحيي وتميت، حكمة إذا عقلت معناها وقفت على سر الخطابة وحكمة حدوثها، وعلمت أنها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن، وكانت الخطابة في الأعصر الخالية غير معلومة إلا من أمتي العرب واليونان، فكانت ساحتها في جزيرة العرب عكاظا، ومنابرها ظهور الإبل، وهذه الساحة كانت معرضا للأفكار يجتمع فيه الخطباء والبلغاء، والشعراء وأمم كثيرة من المجاورة للجزيرة، فيرقى الخطيب ظهر ناقته، ويشير بطرف ردائه، وينثر على الأسماع دررا وبدائع، ثم يباريه آخر ويعارضه غيره، فتتضارب الأفكار وتتنبه الأذهان، وتحيا الهمم، وتتحرك الدماء، ويرجع كبار القبائل وأمراؤها لما يثير إليه الخطيب إن صلحا وإن حربا، ولم يقتصروا في خطاباتهم على مسائل الحرب والصلح، بل كانوا يخوضون بحار الأفكار، فلا يتركون حكمة إلا شرحوها، ولا يذرون فضيلة إلا حثوا عليها. وبلغه أن أستاذه المرحوم "الشيخ محمد العشري"، كان راكبا عربة مع بعض الناس في زمن المطر، فوقعت بهم ونجا الشيخ من بينهم وأصيب من كان معه، فكتب إليه هذه الرسالة التي تأنق وابتكر في سجعها. "منحتنا اللهم سلامة الروح، فلك الحمد على هذه المنحة حمدا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان فلك الشكر على هذه الصحة شكرا بلا حد، يلوح بدره ويفوح عطره روح هو عين الحياة ومدد العقل، ولب هو منطق الشفاة وسند النقل طال عمره، وجال أمره غذاء النفوس، وبهجة المهجة، ونور الشموس، ومهجة البهجة أمنا سره وعمنا بره. أستاذي وقدوتي وملاذي، وعمدتي محمد العشري قام ذكره، ودام شكره سيدي ومصيري ومؤيدي، ونصيري يخصك بالتحية غرس بستانك، وغصن

стр. 249

وقتك وزهر إحسانك، وثمر دقتك الطيبة الشهية، إن تكلم بلسان فبيان من جنانه، وإن خط ببيان فإحسان من فرقانه، وإن انتسب فنعم النسب مع الحسب، ولا عجب فإلى العرب فن الأدب. آباؤه الغر أهل الجود والكرم ... وكلهم غاية في الحلم والكلم وكيف لا يكون لساني قوس البديع، وكلامي السهم السريع، وأنت باريه وراميه، أو كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع، وقدري العزيز الرفيع، وأنت معليه وبانيه، فوجه جمال العلم أنت غرته، وإنسان عين الحلم أنت قرته، وحاليه وجاليه، وجبين العقل أنت طرته، وكتاب الفضل أنت صورته، وطالبه وتاليه. على بابك العالي من الفضل راية ... على رأس أرباب المعارف تخفق فعلمك جنات وحلمك جنة ... وظلت خيرات وغيثك مغدق أرى غصن من يدعو إلى الفضل نفسه ... من الفضل عريانا وغصنك مورق إذا رمت إنشاء فعن صدق فكرة ... تهادي بأبكار وغيرك يسرق ثم أنهى لفضيلتك وحضرتك السنية، ما وصل إلي "فأوجب الشكر علي" ما دمت حيا، وهو سلامتك من تلك البلية، بمعرفة العربية، وقد وقع في الري من أدركه العي ولم يسع شيا، أدخله التقصير في جمع التكسير، فكنت في جمع السلامة تحية وكرامة إذ كنت نفيسا، وظهر ذراعه الكسير ظهور الضمير، ومذ رأى أولاده آلامه، وفهموا كلامه صاحوا بكيا، فقد أتى أهله فساءت دياره، إذ وهت رحله، وبانت يساره". وكتب بعنوان "الجنون فنون" في صحيفة التنكيت والتبكيت"، فقال: "جلس أحد المحتالين في قهوة، وأخذ يقرأ أكاذيب سماها قصة عنترة، فاجتمع إليه عدد كثير من الرعاع والهمج الذين ولعوا بسماع الأكاذيب

стр. 250

والخرافات، فلما رآهم منصتين إليه أخذ يفتري عبارات ينسبها إلى عنترة، وكلمات يعزوها إلى عمارة، وقد افترق القوم فريقين، وكل فريق منهم يدفع لهذا المحتال نقودا ليؤيد مشربه، ويمتدح بمن يميل إليهم، والمحتال مجد في التحريف متفنن في الكذب حتى قرب الفجر، فقال: -وبينما هم في قتال ونزال، وقد انكشف الغبار عن أسر عنترة: وسنخلصه الليلة القابلة- فقال أحد المجانين لا بد أن تخلصه الآن وخذ عشرة جنيهات، فأبى المحتال وسكت عن الكلام، فشتمه المجنون وهلت أصواتهما بالقبائح، وآل الأمر إلى الضرب والإهانة. ثم ذهب المجنون، وقد تذكر أن عنده قصة عنترة، ولكنه أمي لا يقرأ فقصد غرفة ولده وأيقظه من النوم، وهو يبكي وقاله له: يا ولدي أبوك رزيء بمصيبة عظيمة، فقال له ولده: هل مات أخي؟ قال: أهون، هل هدم البيت الجديد؟ قال: أهون، هل ماتت أمي؟ كان أهون، ما الذي أصابك يا والدي؟ يا ولدي في هذه الليلة أخذوا عنترة أسيرا، فهات الكتاب وخلصه وإلا قتلت نفسي. الولد: من عنترة يا ولدي؟ أتتكدر على حكاية مكذوبة، وقصة كلها تخريف وما لنا وعنترة؟ إن هو إلا عبد أسود أخذ شهرة بما صنعه من الشعر، وقتل بعض الناس بلاحق لولوعه بالنهب، وسعيه خلف مقاصده. الوالد: أنت تشتم عنترة يا ابن آل..... ونزل عليه بعصاه حتى أسال دمه، وحلف عليه بالطلاق لا يبيت عنده ولا يعاشره، فخرج المسكين، وهو يسب الجهل وأهله، ويعجب من فساد أخلاق والده الذي أحدثه عدم التهذيب حتى ألحقه بالبهائم، وسلخ عنه جلد الإنسانية، فعارضه أحد جيرانه، وسأله عن حاله فقص عليه قصته مع والده، فقال: طالما قلت لأبيك: فضك من عنترة وتعال اعمل "زغبي"، فما سمع كلامي فضحك الولد من سخافة عقل الاثنين، وقال: "لا شك أن الجنون فنون". ومن أسلوبه وصفه اللاذع التهكمي الذي طبع بطابع الجدة والطرافة
следующие страницы →