الوزارة التي تنحصر وظيفتها في الأمور التنفيذية دون سواها، وإنما هو من اختصاص البرلمان الذي لا يجوز إصدار قانون بغير إقراره، وبديهي أن تعديل القوانين تشريع، وعليه يكون تعرض الوزارة لتعديل قانون الانتخاب خروجا عن اختصاصها، واعتداء صريحا على وظيفة البرلمان، واغتصابا واضحا لسلطته.
أيها الوزراء: أنتم الذين لا كفاية عندكم، ولا ثقة للأمة فيكم، فهي لم تنتخب من انتخبت فيكم إلا رغم أنها بالوسائل التي تعرفونها من إكراه وغيره، وأعمال الوزارة شاهد عليكم، وناطقة بأنكم قتلتم الحرية في مأمنها، وسلطتم على الناس عوامل الظلم والإفساد.
إن وجهوا إليكم أيها الوزراء هذه الخطاب فبماذا تجيبون؟ إنكم لا تجدون من الحق جوابا؛ لأنكم خذلتموه في كل مواطن، فلم يكن إلا القوة تعتمدون عليها في تبرير أعمالكم، والقوة لا تغني من الحق شيئا".
стр. 282
أشهر الخطباء الدينيين من الأزهر:
الشيخ محمد مصطفى المراغي:
المتوفي سنة ١٣٦٤هـ-١٩٤٥م.
نشأته وحياته:
ولد في التاسع من شهر مارس سنة ١٨٨١م في "المراغة" إحدى قرى مديرية جرجا بصعيد مصر الأعلى، ونشأ كما ينشأ عليه لداته، فحفظ القرآن بمكتب القرية، وكان أبوه على حظ من علوم الأزهر، فعلمه ما اتسعت له مداركه، فلما شب ألحقه بالجامع الأزهر، وشرع يتلقى العلم على شيوخه النابهين، وكان ممن
انتفع بعلمهم، واغتذى بثقافتهم وأشرب روحهم في الحياة الكريمة، والإصلاح المغفور له الأستاذ "الشيخ محمد عبده"، فقد كان يغشى دروس التفسير التي يلقيها الإمام في الرواق العباسي، وكان "الشيخ المراغي" يتلقاها بشوق ورغبة لما تحمل معها من روح الاجتماع، والتوجيه فلم تكن دروس الإمام جافة تقف عند ما قاله العلماء، بل كانت تفيض بلاغة وسلاسة، وتنفذ إلى أغوار البحث، وتخرج للناس كنوزًا من الحقائق المجلوة الكريمة.
ولم يكن الشيخ "المراغي" من أولئك الذين يستظهرون الكتب دون غوص على أسرارها، بل كان نفاذًا إلى الأعماق، لا يزال يبحث ويقلب حتى يجلي الرأي فينتفع به ويقف على صوابه، ومع ذكائه وحدة ذهنه، جمع بين الجد والفهم وآخي بين المثابرة وحضور الذهن، وكان أحد القلائل الذين يستذكرون الدروس قبل تلقيها، ويجمعون إلى ما يدرسون من الكتب في الأزهر كتبا أخرى تفسح في الذهي وتبسط في آفاقه.
وما زال كذلك يعطي العلم نفسه، ويتفرغ له تفرغا حتى حصل في سنة ١٣٢٢هـ-١٩٠٤م على شهادة العالمية أي أنه كان في الرابعة والعشرين من عمره
стр. 283
ولما كان حنفي المذهب، وقد حصل على الدرجة الثانية كان مما تمتع به من المزايا أن يوكل إليه التدريس بالأزهر إلى أن ينفسح له مجال القضاء.
ففي أول أغسطس سنة ١٩٠٤م جلس الشيخ في حلقة التدريس بالأزهر، والتف الأزهريون الطلاب من حوله، وغصت حلقة الدراسة بهم، لما عرف به من دقة البحث، وعمق الفكرة وفصاحة العبارة، ولكن هذه الفترة لم تطل، ففي أول نوفمبر من عام ١٩٠٤م عين الشيخ قاضيا لمديرية "دنقلا" في السودان، وكان قاضي القضاة صديقه المرحوم الشيخ "محمد هارون عبد الرازق"، ولم يطل بقاؤه بدنقلا أيضا، فقد نقل بعد قليل قاضيا لمدينة "الخرطوم".
ثم قدم استقالته، وعاد إلى مصر أوائل هذا العام على أثر اختلافه مع "قاضي القضاة، والسكرتير القضائي" في اختيار المفتشين بالمحاكم الشرعية في السودان.
وفي التاسع من شهر سبتمبر سنة ١٩٠٧ اختير مفتشا للدروس الدينية بديوان الأوقاف بمصر، وقد تولى التدريس بالأزهر في هذه الفترة، فاكتظ درسه بالتلامذة النابهين، وجمع بين العملين.
وفي سنة ١٩٠٨م عين قاضيًا السودان، ولهذا التعيين قصة طريفة، فإن "سلاطين باشا" الذي كان وكيلا لحكومة السودان بمصر زار الشيخ، وتحدث معه في شغل هذا المنصب وافهمه أن حكومة السودان مقتنعة بأن الشيخ خير من يصلح لهذا المنصب، وطالب الشيخ أن يبين له ما يشترطه في هذا الصدد، فأصر الشيخ على أن يكون تعيينه بأمر الخديو فحسب، وكان أمرًا عسيرًا على "سلاطين باشا" أن يتخلف عن سعيه؛ لأنه مؤمن بصلاحية الشيخ لهذا المنصب كما كان عسيرا عليه أن يذلل هذه العقبة لدى حكومة السودان التي كانت وحدها المختصة بتعيين قاضي القضاة، ولكنه لم يدع هذا الأمر حتى عبد طريقه، وانتهى بتعيين الشيخ قاضيا للقضاة لا بأمر حكومة السودان بل بأمر الخديو.
стр. 284
وقد كانت له في السودان مواقف رائعة هي أبلغ الأمثال في بروز الشخصية وحفظ الكرامة، يشتجر معه السكرتير القضائي في حكومة السودان، ويحاول أن يغير لائحة المحاكم الشرعية، فينتصر عليه الشيخ بحجته وشخصيته وقوته، فلا تمس اللائحة بسوء، ويظل بها لقاضي القضاة ما يشاء من نفوذ وسلطان.
ويدعى كبار موظفي السودان ليكونوا بالمرفأ حين يمر جلالة ملك الإنجليز في طريقه إلى الهند، ويقضي النظام المعد رسميا بألا يصعد إلى الباخرة سوى الحاكم العام، وأما من عداه فسيمرون بمحاذاة الباخرة، فيغضب "المراغي"، ويخبر الحاكم العام بأنه لن يذهب إلى حفل الاستقبال إلا إذا سمح له بالصعود إلى الباخرة، فيبرق الحاكم العام إلى حكومته، فتخبره بأن النظام عدل، وأن "المراغي" سيكون ثاني اثنين يصعدان إلى الباخرة المقلة ملك الإنجليز.
كانت حياة "المراغي" عزة وكرامة كلها، وكان يتسم بسمة الجلال والوقار حتى ليرغم على إجلاله عظماء الدولة، وكبراءهم لا لمنصبه بل لهيبته، وشخصيته لقد أعز "المراغي" شرف العلم، وصان كرامة العلماء وسعى لاستماع درسه، وعظته الملك السابق فدان بإجلاله، وتوقيره الناس جميعًا فوق ما كانوا يدينون.
ثم أججت الثورة الوطنية في مصر سنة ١٩١٩م، وفارت الأمة المصرية فورتها، وهز "سعد" نفوس الشعب هزًّا وسرت الحماسة من جنوب الوداي إلى شماله، فقام السودانيون يشاركون إخوانهم المصريين جهادهم، واندفعوا بشعورهم إلى التظاهر والجهاد، وقاضي القضاة "المراغي" يأبى إلا أن يكون في طليعة الوطنيين، فيجمع العرائض لتأييد "سعد"، ويجاهر براية الوطني غير مبال، وينفد صبر الإنجليز، ولا يغضون على بقائه بالسودان، فيعود إلى مصر كريما حفيا أبيا.
وفي التاسع من أكتوبر سنة ١٩١٩م عين رئيسا للمفتشين بمحاكم مصر الشرعية، ثم رئيسا لمحكمة مصر الكلية في يوليو سنة ١٩٢٠م، ثم عضوا
стр. 285
في المحكمة الشرعية في سنة ١٩٢١، ثم رئيسا للمحكمة العليا في ١١ من ديسمبر سنة ١٩٢٣.
وفي الثاني والعشرين من شهر مايو سنة ١٩٢٨ عين "المراغي" شيخا للجامع الأزهر، فجد في إصلاح الأزهر ورعاية شئونه، والنهوض به إلى المستوى الذي كان أستاذه الإمام ينشده له، ويجهد في سبيله فلم يمض عام حتى هيأ قانون الأزهر الذي جعل من التعلم العالي كليات ثلاثا، وشرع نظام التخصص الجديد، فجعل منه تخصص المادة وتخصص المهنة، ولكن اختلافا في الرأي يقف هذا القانون، ويستقيل صاحبه في العاشر من أكتوبر سنة ١٩٢٩، ويتولى حضرة صاحب الفضيلة المغفور له الشيخ "محمد الأحمدي الظواهري" مشيخة الأزهر، فتنشأ الكليات ويمضي الشيخ في طريقه بأسلوبه، ولكن أحداثا تثور وفتنا تصطلي، وينتقض الأمر عل الشيخ فيؤثر الاستقالة ليمهد للشيخ المراغي العودة إلى الأزهر ليتم من الإصلاح ما بدأه، وكانت عودته إلى المشيخة للمرة الثانية في السابع والعشرين من شهر أبريل سنة ١٩٣٥، ويظل الشيخ ناهضًا بأمل الأزهر مجاهدا في سبيل إصلاحه حتى يستأثر الله به في الرابع عشر من شهر رمضان سنة ١٣٦٤هـ، الموافق ٢٢ من أغسطس سنة ١٩٤٥ بلل الله ثراه.
الأزهر في عهده:
طفر الشيخ "المراغي" بالأزهر طفرة واثبة، ومضى به بعزم جبار إلى النهوض ومسايرة الحياة، وكان له من الملك السابق أكرم رعاية، وأسبغ عطف لقد اتسم عهد "المراغي" بالنشاط الثقافي، وتوغل شبابه في شئون الحياة المختلفة، وتهيأت لهم أسباب الاجتماع، وكانوا من قبل في عزلة وانقباض، وكان "الشيخ المراغي" أول من أغدق على مدرسي الأزهر، فأكرم حياتهم بالمرتبات بعد أن كانت سبب ضعفهم وانخذالهم.
كانت تلك البعثة في عهد الظواهري، وعن طريق وزارة المعارف.
стр. 286
وفي عهده تفضل الملك فؤاد بإيفاد جمهرة من نابغي الأزهر إلى أوروبا للدراسات الأدبية والفلسفية والعلمية، ففي سنة ١٩٣٢م أرسل البعث العلمي إلى "ألمانيا"، وكان من أعدائه من الأزهر "الشيخ عبد الحليم النجار" أول المتسابقين في اللغة العربية من معاهدها في مصر.
بعث الشيخ محمد عبده:
وفي سنة ١٩٣٥م أوفد إلى ألمانيا بعث من الأزهريين تخليدا لذكرى "الشيخ محمد عبده"، وكان من بين أعضائه "الدكتور محمد اللمعاضي"، "والدكتور محمود البهي قرقر" اللذان درسا الفلسفة والتاريخ الإسلامي.
بعث فؤاد الأول في سنة ١٩٣٦:
أرسل الأستاذ عبد العزيز المراغي"، والأستاذ محمود حب الله لدراسة التاريخ والفلسفة في "فرنسا"، وأرسل إلى "ألمانيا" الدكتور "علي حسن" لدراسة مقارنة الأديان.
وأرسل إلى "فرنسا" الأساتذة "محمد عبد الله دراز" و"عبد الرحمن تاج" و"محمد محمدين الفحام"، و"عفيفي عبد الفتاح"، وانضم إليهم هناك الأستاذ "عبد الحليم محمود" الذي سافر على نفقته، فدرسوا مقارنة الأديان وفروع اللغة العربية، وأضيف إليهم أخيرا في هذا العام الأستاذ "محمد يوسف موسى" المدرس في كلية أصول الدين، وكان قد سافر على نفقته الخاصة لدراسة الفلسفة. وبعض هؤلاء المبعوثين لا يزال في أوروبا، وفريق منهم عاد إلى الأزهر بتوجيه جديد، وفكر حر، ورأي ناضج، مما جعل لهم أثرا ملحوظا في الدراسات والبحوث.
стр. 287
أدب الشيخ المراغي:
شب الشيخ المراغي مفطورًا على حب الأدب مكثرا للاطلاع، والتروي من آثاره، وكان له هوى بالشعر، غير أن شيئا منه لم يؤثر عنه، وكثيرًا ما استظهر من الشعر خاصة لزوميات أبي العلاء.
وكان خطيبًا بارع الحجة، حسن الأداء، متزنًا في إلقائه، فصيحًا في عبارته، إذا دعاه الموقف إلى ارتجال أحسنه، وإن أعد القول في المواقف الرسمية كان مجيدا مبدعا، وهو متخير اللفظ مشرق البيان في كل حال، وكانت له في خطبة سطوة وجزالة وهيمنة، وطالما نمت عن روح العزة المائلة في نفسه، والزعامة التي كان لها أهلًا، والحق أنه أعاد للخطابة الدينية مجدها الذي أسس الإمام "محمد عبده" بناءه، وشيد دعامته.
وهو أول من ألقى هذه الدروس الدينية بين يدي الملك الشاب، فجاءت آية في لفظها وأسلوبها وتصويرها، لم تكن علما جافا ولا موعظة خالصة، بل كانت نماذج الأدب الرفيع، وإنه ليروقك منها تسلسلها واطرادها، وجميعها بين أدب القرآن والأدب النبوي، وبين أدب العرب الذي يتمثل به والعلم الحديث الذي يمزج به علم الدين.
هذا إلى عذوبة صوته واتئاد خطاه، وروحه المشرف على السامعين المتخطي مجلسه إلى الشرق والمسلمين جميعًا.
أما كتابته فتكاد تبلغ أعلى طبقات الكتابة، حسن ديباجة وجمال عبارة، وإشراق معنى وحسن سبك، كان إذا كتب لا يتعاظل ولا يلتوي، ولا يحاول أن ينهج نهج الساجعين المتكلفين، وكثيرا ما يتمثل بالشعر العربي الرصين في مواطن من كتابته.
وإذا تناول بحثا علميا لم يخضعه أسلوب العلم لجفوته، ولم يبعد به عن روعة البيان، وصفاء العبارة.
стр. 288
آثاره ومؤلفاته:
للشيخ "المراغي" بحوث فقهية متعددة تتعلق بقانون الزواج والطلاق، وهي مطبوعة، وله "رسالة الأولياء والمحجورين" حصل بها على عضوية جماعة كبار العلماء وهي مخطوطة، وله رسالة تتضمن بحوثا لغوية وبيانية، وضعها حين كان يدرس بكلية الشريعة في سنة ١٩٣٦، وهي مخطوطة.
وله بحث في جواز ترجمة القرآن مطبوع.
و"رسالة الزمالة العالمية" -أرسلها إلى مؤتمر الأديان المنعقد بلندن، وهي مطبوعة.
هذا عدا دروسه الدينية المطبوعة التي ألقاها في ثماني سنوات بين يدي صاحب الجلالة الملك، وفي جمعيات دينية فسر بها بطريقة بارعة سورة لقمان الحجرات والحديد والعصر، وطائفة من آيات متفرقة من القرآن الكريم.
وقد فسر في الفترة التي اعتكف فيها في المصحة آخر حياته نحو نصف جزء تبارك، وسيطبع قريبا.
وله مذاكرات قيمة في إصلاح المحاكم الشرعية، والأزهر طبع بعضهم، وبعضها الآخر في طريقة إلى الطبع.
وله غير ذلك طائفة ممتعة من المقالات والخطب والأحاديث التي نشرت في مختلف الصحف العربية والإفرنجية.
نموذج من خطبه:
خطب في حفل التكريم الذي أقامه الأزهريون بمناسبة توليته مشيخة الأزهر للمرة الثانية، فقال:
стр. 289
حضرات السادة الأعزاء:
أحمد الله جل شأنه على ما أولانيه من الكرامة بهذه المنزلة في نفوسكم، وأشكر لحضرات الداعين المختلفين برهم وكرمهم، وعاطفة الحب الفياض البادية في قولهم وفعلهم، وفي شعرهم ونثرهم، ولحضرات المدعوين وتشريفهم، واحتمالهم مشقة الحضور الذي أعربوا به عن عطفهم وحبهم.
ويسهل على قبول هذه المهن كلها، واحتمالهم إذا أذنتم لي في صرف هذه الحفاوة البالغة عن شخصي الضعيف، واعتبارها كلها موجهة إلى الأزهر الشريف الذي تجلونه جميعا، وتعتبرونه بحق شيخ المعاهد الدينية الإسلامية في مصر وغيرها من البلاد.
ولئن دل هذا الاجتماع بالقصد الأول على غرض التكريم، لقد دل بالإشارة، والتبع على معان أسمى من غرض التكريم.
دل على أن الأزهر خرج عن عزلته التي طال أمدها، ونهض يشارك الأمة في الحياة العامة وملابساتها، وعزم على الاتصال بها ليفيد ويستفيد، وهذه ظاهرة من ظواهر تغير الاتجاه الفكري الذي نشأ عن تغير طرائق التعليم فيه، وعن شعوره بأن في الحياة معارف غير معارفه القديمة، يجب أن تدرس وتعرف، وطرائق للتعليم يجب أن تحتذى، ويهتدى بها.
ومن الحق أيها السادة علينا ألا ننسى في هذه المناسبة، والحديث عن الأزهر والأزهريين -ذلك الكوكب الذي انبثق منه النور الذي نهتدي به في حياة الأزهر العامة، ويهتدي به علماء الأقطار الإسلامية في فهم روح الإسلام وتعاليمه، وذلك الرجل الذي نشر الحياة العلمية، والنشاط الفكري، ووضح المنهج الواضح لتفسير القرآن الكريم، وعبد الطريق لتذوق أسرار العربية وجمالها، وصاح بالناس يذكرهم بأن العظمة، والمجد لا يبنيان إلا على العلم والتقوى، ومكارم الأخلاق، ذلك الرجل الذي لم تعرفه مصر إلا بعد أن فقدته، ولم تقدره إلا بعد أن أمعن في التاريخ، ذلك هو الأستاذ الإمام
стр. 290
"محمد عبده" قدس الله روحه وطيب ثراه، وقد مر على وفاته ثلاثون حولا كاملة، ومن الوفاء بعد مضي هذه السنين، ونحن نتحدث عن الأزهر أن نجعل لذاكره المكان الأول في هذا الحفل، فهو مشرق النور، وباعث الإصلاح وعين الماء الصافية التي نلجأ إليها إذا اشتدت الظمأ، والدوحة المباركة التي نأوي إلى ظلها إذا قوي لفح الهجير.
الأزهر كما تعلمون أيها السادة هو البيئة التي يدرس فيها الدين الإسلامي الذي أوجد أمما من العدم، وخلق تحت لوائه مدنية فاضلة، وكان له هذا الأثر الضخم في الأرض، فهو يوحي بطبعه إلى شيوخه، وأبنائه واجبات إنسانية، ويشعرهم بعروض صورية، ومعنوية يعدون مقصرين آثمين أمام الله، وأمام الناس إذا هم تهاونوا في أدائها، وإنهم لا يستطيعون أداء الواجب لربهم ودينهم، ولمعهدهم وأنفسهم إلا إذا فهموا هذا الدين حق فهمه، وأجادوا معرفته لغته، وفهموا روح الاجتماع، واستعانوا بمعارف الماضين، ومعارف المحدثين فيما تمس الحاجة إليه مما هو متصل بالدين وأصوله وفروعه، وعرفوا بعض اللغات التي تمكنهم من الاتصال بآراء العلماء، والاستزادة من العلم، وتمكنهم من نشر الثقافة الإسلامية في البلاد التي لا تعرف اللغة العربية، هذا كله يحتاج إلى جهود تتوافر عليه، وإلى التساند التام بين العلماء والطلبة، والقوامين على التعليم، ويحتاج إلى العزم والتصميم على طي مراحل السير في هدوء، ونظام وجد وصدق نية، وكمال توجه إلى الله، وحب العلم لا يزيد عليه إلا حب الله وحب رسوله.
من الخير والحق أن نتدارك هذا، وأن يعني العلماء بدراسة القرآن الكريم والسنة والمطهرة دراسة عبرة وتقديم، لما فيه من هداية ودعوة إلى الوحدة، دراسة من شأنها أن تقوي الرابطة بين العبد وربه، وتجعل المؤمن رحب الصدر، هاشا باشا للحق، مستعدا لقبوله، عاطفا على إخوانه في الإنسانية كارها للبغضاء، والشحناء بين المسلمين.
стр. 291
قد أتهم بأني تخيلت فخلت، ولا أبالي بهذه التهمة في سبيل رسم الحدود، ولفت النظر إليها، وفضل الله واسع وقدرته شاملة، وما ذلك على الله بعزيز.
الآن وقد وضحت بالتقريب آمال المسلمين في الأزهر، ترون أيها السادة أن العبء الملقى على عاتق الأزهر ليس هين الحمل، فإنه في حاجة إلى العون الصادق من كل من يقدر على العون، إما بالمال، أو بالعقل، أو بالمعارف والتجارب، وكل شيء يبذل في طريق تحقيق هذه الآمال هين إذا أتت الجهود بهذه الثمرات الطيبة المباركة.
نموذج مما ألقاه من الدروس الدينية:
مما ألقاه من هذه الدروس ما جاء في التعليق على تفسيره لسورة "لقمان" ليذكر الإنسان أن شربة الماء التي يروي بها ظلماه سخرت لها السموات والأرض، فحرارة الشمس سبب في تبخر الماء الملح الأجاج من البحر، وسبب في ارتفاعه إلى الطبقات العلوية، ومنها يتساقط على الأرض ماء عذب ينقع الغلة، ويحيي الأرض بعد موتها، وقرص الخبز يأكله الجائع سخرت له الشمس والأرض، وسخر له الحارث والحاصد والدارس، والتاجر والطاحن والعاجن، والخابز إلى غير ذلك من الوسطاء.
سخر الله ما في السموات والأرض لمنفعة الإنسان، وسعادته ثم أكمل عليه النعمة وأوسعها وأتمها، فمنحه قوى ظاهرة، ومنحه قوى باطنة ومنحه العقل الذي استطاع به تذليل كل شيء، والذي هو وسيلة المعرفة، وأكمل طرق الهداية، والذي كشف به أسرار الوجود، واهتدى به إلى واجب الوجود واستعد به، لأن يتلقى الوحي عن خالق الخلق ومرسل الرسل، ولأن يكون خليفة الله في الأرض يعمرها.
стр. 292
وخلاصة هذه الآية١ أنها استدلال بالآفاق والأنفس بعد الاستدلال بالخلق: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
سخر الله هذا كله للإنسان، وأسبغ عليه نعمة ظاهرة وباطنة، ومع هذا كله فإن من الناس طائفة من الأغنياء الجهلاء الذين لم يستعملوا علهم فيما خلق له من النظر، والاستدلال والعظة والاعتبار، وتجادل في الله تعالى، وفي استحقاقه للتفرد بالعبادة، وتعبد الأصنام لا تضر ولا تنفع وتكذب بالبعث، وتكذب الأنبياء بعد قيام حجتهم، هؤلاء الأغنياء ليس لهم علم عن دليل، وأين يكون لهم علم عن دليل، والدليل قائم على خلاف مذاهبهم؟ قائم من الخلق ومن الآفاق، ومن الأنفس وليس لهم علم من هدى عن نبي معصوم تلقوا عنه ما هم عليه، وأين يكون الهدى والمعصوم بخير بغير آرائهم، ويسفه أحلامهم؟
وليس لهم علم من كتاب يستندون إليه، وأين يكون الكتاب الذي يستندون إليه؟ وجميع الكتب السماوية تقرر التوحيد وتقرر البعث، وهذه الأمور الثلاثة، وهي: العلم والهدى والكتاب المنير هي طرق العلم الصحيحة عند العلماء؟ فهم لا يستندون إلى شيء مما يليق بالعاقل أن يستند إليه إنما يستندون إلا جهالات، وضلالات تلقوها تقليدا عن آبائهم حتى إنهم إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا.
مثل هذه الطائفة عميت منها البصائر، وضلت السبيل السوي وحادت عن منهج الحق، وعن مسالك العقلاء، فطريقهم طريق الشيطان يوسوس لهم
стр. 293
ويزين لهم فيتبعون دعوته، والشيطان يدعو إلى عذاب النار؛ لأنه يدعو إلى الشرك والضلال، وهما هاديان إلى النار".
نموذج من كتابته:
كتب إلى الأمير شكيب أرسلان هذا الخطاب:
صديق حضرة صاحب العطوفة الأمير شكيب أرسلان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد":
فمل يكن غيثك في أول أمره قطرًا بل كان بحرا زاخرا، فقد وصلتني اليوم كتبك الكثيرة غزيرة المادة، وافرة الفائدة في حللها القشيبة، ولغتها الساحرة، وتبويبها البديع ورصانتها القوية، فلك الشكر على هذا الكرم، ولك الشكر على هذه الجهد الذي خدمت به لغتك وأمتك، فوق الجهد المستور الذي ترجو بقائه في طي الكتمان زمنا طويلا تستمتع فيه الأمة بحياتك التي تعد عبرة في حياة المسلمين، وتعد مفخرة لعلماء المسلمين.
وقد قرأت الصفحات التي طلبت مني قراءتها، وأدركت الغرض الذي من أجله طلبت هذا.
تحياتي الخالصة، ودعواتي لك بالصحة والسعادة.
стр. 294
أشهر الخطباء القضائيين من الأزهر:
إبراهيم الهلباوي بك:
المتوفى سنة "١٣٥٩هـ-١٩٤٠م".
نشأته وحياته:
نجم "الهلباوي" من إحدى أسر الغربية العريقة في المجد، وإن كانت رقيقة الحال، فلما يفع ألحق بالأزهر فتلقى به علوم الدين واللغة -وكان معروفًا بين أقرانه بالذكاء وحدة الذهن، والصبر على البحث، والمثابرة على الاطلاع كما عرف بجرأة الرأي، ولجاج الخصومة مع شيوخه إذا اختلف معهم في الرأي.
ولما وفد إلى مصر "السيد جمال الدين الأفغاني" كان "الهلباوي" أحد التلامذة الذين هرعوا إليه، فانتفع بعلمه واهتدى بتوجيهه، وتفجرت ملكة البيان فيه بما هيأ له "الأفغاني" من الخطابة والحوار، وبما جرأه عليه من المجاهرة بالرأي، والذود عنه.
ولم يتح "للهلباوي" أن يتم دراسته بالأزهر، ولكنه ظل على صلة بزعمائه ورجالاته، فهو في دروس "الأفغاني" مع أذكياء الأزهر، ونابغيه "كالإمام" و"سعد زغلول" و"الشيخ عبد الكريم سلمان".
وحين فوض للشيخ "محمد عبده" بأن يشرف على تحرير الوقائع اختار "الهلباوي"، فيمن اختارهم لمعاونته في تحريرها، غير أنه فصل من التحرير لأمرها١، وقد شغل عدة وظائف كان من أهمها وظيفة كاتم السر لمجلس
стр. 295
النواب، والمستشار القضائي لوزارة الأوقاف، ووكالة الجمعية الخيرية الإسلامية التي شادها الإمام ودعمها "سعد"، و"قاسم أمين"، و"حسن عاصم".
ولما شبت الثورة العرابية كان من أنصارها الثائرين وخطبائها الفحول، وقد حكم عليه بالنفي إلى النيل الأبيض ليقضي بقية عمره هناك، ولكن بعضهم شفع له لدى الخديو "توفيق"، فعفا عنه بعد أن ظل في السجن بضعة أشهر.
ومن ثم انضم إلى طائفة اتخذت المحاماة مهنة لها فظل يمارسها، ويدوي صوته ويذيع صيته من براعته النادرة، وقوته التي لم تتح إلا لقليل من المحامين، وفي سنة ١٩٣٦م انتخب لعضوية مجلس النواب عن دائرة "ثكلا العنب"، ثم انتخب نقيبا للمحامين سنة ١٩٣٨م.
ولما ألف الوفد المصري برياسة "سعد زغلول" كان "الهلباوي" أحد السياسيين البارزين، ثم لم يلبث أن اختلف مع "سعد"، والتأم مع حزب الأحرار الدستوريين، وكان يخطب في ناديه في مناسبات مختلفة.
صفاته وأخلاقه:
كان ﵀ طويلا فارع الطول، وعظيم الهامة، قوي الجسم، مفتول العضل، أبيض الوجه في حمرة، عنيدًا أيلج في عناده، ويسرف في خصومته ولا يبالي بمن يخاصمه، وكان سديد العقل حاضر البديهة، قوي الذاكرة حتى إنه ليقض عليك جلائل الأعمال، وتوافهها من سنين تقضت دون أن ينسى واقعه، أو يحرف في حادثة.
و"الهلباوي" محدث نادر عاصر أحداثا جساما، وصاحب محنا سياسية كان وثيق الصلة بها، فهو يحدثك عنها حديث مكابد، ويرويها رواية خبير مشاهد، فكأنه رهط مجتمع من الرواة والثقافة، وكنت تستمع إلى حديثه
стр. 296
فتدرك أنه يحمل في صدره تاريخ جيل لم يدون في كتاب١.
وكان ﵀ على جانب عظيم من البر والعطف، وقد ضرب مثلا من بره أنه صادف ذا حاجة على بابه في يوم ما، فشغله الحديث معه عن أن يقرئ خدمه السلام عند انصرافه، فلما تذكر ذلك وكان قد بلغ بسيارته "عابدين" أمر السائق، فقفل راجعا ليقوم لهم: إنه نسي السلام عليهم.
خطابته:
"الهلباوي" خطب قد عرف بأسلوبه وطريقته، وامتاز بطلاقة لسانه، وقوة حجته، حين يخطب تطالعك منه عدة شخصيات، فهو رجل التاريخ الذي عاصر أحداثه وصنعت على عينيه، وهو رجل القانون الذي نشأ في مهاده، وصاحب أطوار التشريع حتى آخر مراحل، وهو رجل الأدب المتمكن من العربية، النافذ إلى عميق أسرارها، الذي يعرف سر التراكيب، وموضع البلاغات، وموطن الإقناع وهو الفكه الظريف الذي يغير على العامية متى شاء، فيقتبس من أمثالها وفكاهاتها ما يطرب ويمتع.
كان جهوري الصوت، فصيح اللغة، مشرق العبارة، يلوح للسامعين بنكتته فيطربون لها ويقبلون عليه، فيهتبل هذه الفرصة ليلقي بما يحب من المعاني، وما يريد من الأغراض.
وكان في هجوم متلاحق مع سامعيه متدفقا في بيانه لا يكاد يخلص من غاية حتى يدخل بهم في غيرها، ولا يوشك أن ينتهي من غرض حتى يصله بغرض آخر، والسامعون في كل ذلك مشوقون مأخوذون بسحره مشددون إليه شداء.
وكان متمكنا من القول متصرفا في فنونه، فمرة يحلو ومرة يمر وطورًا تسمعه هادئا كالنسيم، وآخر يزأر كالأسد الهائج.
стр. 297
"وكان إذا خطب خطب بكله، بلسانه وبعقله، وبنخاعه وبعصبه، وبرأسه وبيديه وبرجليه أيضا، وله صياح يقد أصفق الحناجر، ثم تدلى عن المنبر بعد أربع ساعات كاملات في هذا البلاء، وهو أشد وأفتى من أكثر من سمعوه إن لم يكن أفتى ممن سمعوه جميعا١".
هذا إلى حضور بديهته، وقوة ذاكرته وصفاء ذهنه، وشدة أسره.
دفاعه:
كان "الهلباوي" حاذقا في دفاعه قويا جبارا لا يكاد يلحقه في براعته إلا أقل من القليل من أقرانه، وقد اجتمعت له أسباب الدفاع كلها، فقد نشأ في الأزهر، وكان أحد أدبائه القادرين على الجدل، والراسخين في المنطق الذين يقهرون بالحجة الغلابة والبرهان الناقد، لا يخفى عليه من ملابسات القضية شيء أو يخلطه بشيء آخر، وقد استمكن من مواد القانون، فصرفها في كل مقام واتكأ عليها في كل موطن، على قوة في الاستشهاد بها، وأعانته طلاقة لسانه، وغزارة بيانه وفصاحة عبارته، وحضور بديهته على اتصال القول، وفصاحة العرض والتصرف في المواقف بتفطن غريب لا يدع منفذا إليه.
كان في دفاعه قوة من قوى الطبيعة الغلابة، وأقوى ما تراه في المواقف الشاذة التي تعجز المتوسطين من المحامين، أرأيت إليه حين يدافع عن قاذف في حق الخديو، وهو مستشار للخديو، ثم أرأيت إليه حينما يلتمس "شفيق منصور" و"السورداني" معونته، وقد كان يناصبانه العداء؟
كان حاذقا في مثل هذه المواقف التي لم تألف غيره من المحامين.
سأله رئيس المحكمة: كم ساعة تكفيك؟ قال: "لا أستطيع أن أضبط زمام عبارتي ما لم أفرغ من التعبير عن أفكاري، فلا أعدك الآن بشيء".
وكان حريصًا على النزاهة في الدفاع لا يحاول الدفاع في قضية ما لم يجد لها من الحق حظا.
стр. 298
حكى صديق عنه في دراسته قضية لم يقتنع فيها بعدل موكلته أن قال: إن من سوء حظ هذه السيدة أنها وكلتني، فأجابه؛ بل من حسن حظها، فقال: كيف؟ قال: لأنها ضمنت ألا تكون عليها.
ومن عجب أنه قد يتعرض للدفاع عن قضايا ذات بال، وبينه وبين الدفاع لحظات لدارسة القضية، ثم يقف من الدفاع موقف ذي الحجة الغلاب.
كان يوما على مائدة "البرنس حسين"، ثم استأذنه في الانصراف؛ لأنه مسافر للدفاع في قضية، فطلب إليه "البرنس" أن يحدثه فيها، فقال له: إنني لم أقرأها وسأقرأها في القطار، ثم مضت الأيام وراح المحامون الأهليون يطوفون بعرش السلطان ليهنئوه فقال لهم: ذاكروا قضاياكم ولا تقرأوها كالهلباوي في القطار، ويقول الهلباوي في ذلك: ليت "أفندينا" كان يعرف أنني قرأت هذه القضية في طريقي من كفر الدوار إلى قنا مرات ومرات.
وإنك ليهولك أن تسمعه حينما يقاطعه خصمه، إذ ذاك يتفجر غضبه وتقدح بالشرر عيناه، ويدوي صولته حتى يكاد يقد الآذان، ثم يرجع إلى الوراء بصدره، ويشمخ إلى السماء بهدامته، ويدق على المنضدة دقات عنيفة، ولخصمه الوبل والثبور.
كان يعمد إلى القضية فيكيفها وتملأ من دقائقها، فإذا انتهى من ذلك انقادت له، وأصبحت ملء خواطره وقبض بنانه.
وكان جذابا إلى حد غريب في دفاعه، فهو يضم السامعين إليه ضمار، وينفعلون معه انفعالا، وتنظر إلى القاضي المعجب فيخيل إليه أنه ليس في موقف الحكم في جانب المتهم.
وإلى جانب هذا كان حاضر البديهة سريع النكتة، عرض عليه رئيس المحكمة لطول إسهابه في الدفاع كوب ماء، فقال: أعطها للخصم الذي نشف ريقه.
تولى الهلباوي الدفاع في أخطر القضايا في العصر الحاضر، فكان فارس حلبتها ودافع عن المحاماة التي كان شرفها، وفخارها، وعمل على تكوين نقابة لها.
стр. 299
ودافع عن الأمة المصرية في قتل "السردار" ذلك الدفاع الذي بكى له الرئيس، وبكى له سعد زغلول بكاء.
موقفه من حادث دنشواي ١:
تبدو في تاريخ "الهلباوي" نقطة حالكة السواد، فقد وقف من الأمة المصرية موقفا غير كريم، وتحدى شعور الشعب المصري كله في وقت بلغ الغيظ والحزن بالأمة مداه، فقد رضي لنفسه أن يقف موقف المدعي العمومي في هذه القضية الدامية، أي إنه أساغ أن يجمع الأدلة من هنا وهناك ليثبت اعتداء المصريين من دنشواي على الإنجليز، وواتته من الغلظة والقسوة ما تذوب له الأكباد، وأمعن في خصومة المتهمين المصريين حتى ليقول: "إنه لا يوجد مصري لا يشاركه في هذا الشعور، ولذلك يطلب الحكم على المتهمين بأشد عقوبة"، ويقول: إذا تقدمت إليكم وطلبت رفع كل رحمة من نفوسكم لمعاقبة هؤلاء المتهمين، وخصوصا رؤساء العصابة لا أكون مغاليا، "وأن المتهمين ارتكبوا عن إصرار، وإني أشرح لعدالة المحكمة الإصرار قانونًا".
كانت النفوس تجزع من تحكم الإنجليز، وإزهاق الأرواح البريئة، و"الهلباوي" يصم أذنيه ولا يرعى وطنه ولا إخوته المصريين، ولا يلتفت
стр. 300
إلى أهون مبادئ المجاملة، ومن ثم قد أثار سخط الناس عليه، وكالت له الصحف أعنف اللوم، ولم تتورع عن أن تحثى على عطفيه التهم والظنون، تحدثت مجلة "المجلات" التي أصدرت عددا خاصا بهذا الحادث، ورسمت على غلافه صورة "الهلباوي" في إطار من الجماجم فقالت: إن "عثمان بك غالب" التقى "بالهلباوي"، فلم يقو على رؤيته بل صاح فيه، وهو مستشيط غضبا: إني لا أستطيع رؤية جلاد مصر أمام عيني، بل يخيل لي أن الدماء التي أسلتها تلوث يديك، وتجري تحت أرجلك.
وروت أن رجلين كانا يتكلمان في مطعم، فطال الجدال بينهما في مسألة شخصية، فقال أحدهما للآخر: ما أراك إلا كالهلباوي، فاعتبر المخاطب ذلك أكبر سب سمعه، وأشد ما مست به كرامته، واستل مدية الطعام وطعن بها صاحبه عدة طعنات.
وتحدثت الصحف، وتحدث الناس أيضا أن الإنجليز، وعدو الهلباوي بأن يكون من رجال القضاء، وأنهم سيكفلون له مغانم طيبة، ونظم الشعراء في ذلك قصائدهم، وكان مما قاله المرحوم حافظ بك إبراهيم في هذا مخاطبا به الهلباوي بك.
أيها المدعي العمومي مهلا ... بعض هذا فقد بلغت المرادا
قد ضمنا لك القضاء بمصر ... وضمنا لنجلك الإسعادا
فإذا ما جلست للحكم فاذكر ... عهد "مصر" فقد شفيت الفؤادا
لا جرى النيل في نواحيك يا مصر ... ولا جادك الحيا حيث جادا١
أنت أنبت ذلك النبت يا مصر ... فأضحى عليك شوكا قتادا٢
стр. 301
أنت أنبت ناعقا قام بالأمس ... فأدمى القلوب والأكبادا١
إيه يا مدرة القضاء ويا من ... ساد في غفلة الزمان وشادا٢
أنت جلادنا فلا تنسى أنا ... قد لبسنا على يديك الحدادا
كتابته:
أما كتابة الهلباوي، فإنها دون خطابته ودفاعه شأنا، غير أنه اتجه فيها إلى السهولة والوضوح، وجانب الزخرف والصنعة، وكان أحد الأدباء الذين حرروا الكتابة من السجع والتكلف، وتوخوا بها الفكرة وأودعوها أغراضا جليلة، واتخذوها وسيلة للإصلاح في مختلف شئونه.
نموذج من كتابته:
خطب في الحفل الذي أقيم تكريما للمرحوم حفني بك ناصف حين عين رئيسا لمفتي اللغة العربية في وزارة المعارف.
أيها السادة:
أسمحوا لي أولا أن أشكر لجنة الاحتفال عمومًا، وحضرة رئيس هذا النادي خصوصا على تشريفي بالدعوة للاشتراك في هذه الحفلة؛ لأنها تعطيني فرصة أعرب فيها عن بعض ما عندي من شعائر الاحترام، والإخلاص لحضرة المحتفل به، وإني أعلم أن شعوري هذا يشترك في إخواني جمهوري المحامين، حضرة الأستاذ حفني بك: هذا العدد تراه حولك مهما رأيته عديدا، فهو
стр. 302
قليل جدًّا بالنسبة للعارفين بفضلك، والذين إن غابت عنا أشباحهم فهم معنا بأرواحهم يشتركون في تحيتك، وتهنئتك بمركزك الجديد في نظارة المعارف.
حضرة الأستاذ: إن الفرح بترقيتك لم ينسنا الأسف على حرمان القضاء المصري من خدماتك له نحو ربع القرن، وأن لسان حال المتقاضين، وهم المحامون يعرفون لك هذه الخدمة السابقة التي أديتها بصبر، وذمة تليق بشأن القاضي الحكيم والعادل معا، وأحسن شيء مما يجب أن تعطر به هذه الحفلة، ويذكر لك عن لسان محام أنك كنت حريصا، وعادلا بالنسبة لقضائك بين المتخاصمين، فقد كنت فوق هذا، وأنت على منصة القضاء، وخارجها رقيق الحاشية عذب اللسان بشوش الوجه رحب الصدر.
حفني بك: إن كنت بين إخوانك، وبين جمهور المتقاضين معروفا بالعدل في قضائك، فقد كنت معروفًا ألف مرة عند الجميع، وبالأخص المحامين بالأدب والتهذيب؛ فلا غرو وهذه شمائلك أن يبقى أثر من الأسف على فراقك لمنصة القضاء، نشرت في المؤيد بتاريخ ٢٥ من شوال سنة ١٣٣٠هـ الموافق ٦ من أكتوبر سنة ١٩١٢م.
نموذج من دفاعه:
قطعة مما قاله في دفاعه عن الورداني قاتل بطرس باشا غالي:
"خدمت نحو الخمسة والعشرين عاما محاميا، ولم يخطر ببالي يوما أن أسأل، أو أقرأ سبب اختيار الرداء الأسود حلة رسمية للمحامي الذي يتشرف بالدفاع بين يدي القضاء، ولا سبب انتخاب اللون الأخضر للوسام الذي تزدان به صدور من عهد إليهم إصدار الأحكام النهائية، أما الآن وقد أبعدت عن قلبي هذه القضية كل راحة، وجعلتني مرآة لتلك القلوب المتفطرة كأم المتهم، وشقيقته وباقي أهله قلت: إن كل مختار هذه الألوان أراد باللون الأسود رمز الحداد
стр. 303
والمصائب للمحامي الذي يمثل السقائم هو بالدفاع عنه، وباللون الأخضر الذي يتحلى به صدر القاضي الرمز إلى الطاووس ذي الريش الأخضر، وهو مثال ملائكة الرحمة، فنعم الاختيار.
إلى أن قال مخاطبا المتهم: "اذهب إلى لقاء الله الذي لا يرتبط إلا بعدالته المجردة عن الطروف والزمان والمكان، اذهب مودعا بالقلوب والعبرات اذهب فقد يكون في موتك بقضاء البشر عظة لأمتك أكثر من حياتك"، اذهب فإن قلوب العباد إذا ضاقت رحمتها عليك، فرحمة الله واسعة.
نموذج من كتابته:
كتب وهو في "بروكسل" إلى الشيخ "عبد الكريم سلمان" يعزيه في وفاة الشيخ "محمد عبده"، فكان ما قاله:
حضرة الأستاذ الشيخ عبد الكريم:
ماذا أكتب لك، والخطب إذا عظم يبلبل الخواطر، ويجرح القلب ويمسك اللسان عن الكلام، ثم إذ أستطيع القول فماذا عسى أن أقول، وبأي عبارة أعزي؟
إن كان شيء من هذا فلمن يوجه العزاء في هذا الفقيد؟ ألعائلته وزوجته وبناته وإخواته مع أنها لم تكن أكثر حظا وفائدة من كثير من الطبقات الأخرى التي كانت مغمورة بفيوضات الأستاذ ﵀.
ألعشيرته من رجال الدين والعلم بالجامع الأزهر المعمور على حرمانهم من رجل قضى فوق الأربعين عاما بين طالب، ومدرس وموظف، وهو يجتهد في تحسين حال أهل هذه الطبقة أدبيا وماليا، وإن المرتبات التي توالت عليهم من نظارة المالية، أو من مصلحة الأوقاف كانت من نتائج مساعيه؟
стр. 304
أللناشئة الجديدة من المدرسين والطلبة، ولقد كان شغوفا ولوعا بالعناية بتربيتهم، وبث روح الدين الخالي عن الخرافات، والأوهام في نفوسهم؟
كان أول مثال للوفاء مع أهله، وأصدقائه غير متغير في أمياله، ولا مبادئه للذين اتخذهم في أيام شبيبته الأولى أصدقاء، وأصفياء هم الذين بقي معهم إلى الأيام الأخيرة من حياته.
كان من أولى الهمم الشماء والمروءة الكبرى، كان كما كان مقصودًا لكل قاص ودان لحاجة العلم -كان مقصودا للمساعدة على حاجات هذه الحياة الدنيا من مال، أو توظف أو أي مساعدة أخرى.
إن رجلا كانت حياته لكل الناس كرجلنا الفقيد، إنما نعزي فيه الأمة بأسرها، وحيث كنت أيها الأستاذ منه بمنزلة هارون من موسى عضده، ومعينه ورفيقه الأول من عهد الطفولية إلى اليوم، وجهت كتابي هذا إليك معزيا في شخصك كل الذين أصيبوا بوفاته، والله يوفقك إلى إتمام ما بدأ به المرحوم، ويرزقنا، وإياك الصبر والسلام".
стр. 305
الكتابة في هذا العصر:
أولا: الكتابة الديوانية:
كانت التركية هي لغة الكتابة في مصر في العصر العثماني وصدر هذا العصر، نعم إن العربية صارت بعد قليل من حكم "محمد علي" هي اللغة الرسمية لدواوين الحكومة، ولكنها كانت عربية ركيكة ضعيفة متخاذلة، بل إنها كانت عامية غريبة عن العربية في لفظها، وأسلوبها وتركيبها.
كذلك كنت تجد في لغة الدواوين في مستهل هذا العصر طائفة من الألفاظ الأعجمية تطالعك بين الحين والحين، وقد يكون ذلك راجعا إلى أن المترجمين الذين كانوا يتوسطون بين الفرنسيين، والأهلين في مصر فيما يترجمون من مراسلات ومنشورات لم يكونا عربا خلصاء، بل "كان بعضهم من غير أبناء هذه اللغة، فإذا ترجموا عبارة صاغوها في قالب أعجمي، وما لم يجدوا له لفظا عربيا تركوه على لفظه الأفرنكي، أو وضعوا له لفظا عاميا١، وهذه الترجمة التي أدخلت على لغة الدواوين عجمة غريبة، وأنهتها إلى العامية أحيانا في عهد الفرنسيين هي نفسها التي فعلت فعلها عندما شرع "محمد علي" في إنشاء الدواوين، واحتاج إلى من يترجم بين حكومته وحكومات أوروبة، ومن ثم فقد حشد في مراسلات الحكومة، ومشوراتها ولوائحها ما لم يمت إلى اللغة العربية بسبب، وقد أبى الكتاب إذ ذاك، "فأعجموا وأنفوا أن يكونوا مفصحين في العامية، فصاروا معجمين في العربية٢".
وظلت الكتابة الديوانية على هذه الحال ردحا من الزمان أعان على انحطاطها فيه أن تتولاها قوم ناقصوا الثقافة لم يتموا تعليمهم، وأما الذين أتموه
стр. 306
فقد كان يعهد إليهم بغير العمل في هذه الدواوين، على أن كتابة الدواوين بقيت محتكرة في أيدي الأقباط مدة طويلة كاد يكون عملهم فيها متوارثا، وهؤلاء دون المسلمين عربية وفصاحة، فأما المسلمون فقد لانت بكتاب الله ألسنتهم، وهذبت بالحديث النبوي والأدب العربي ملكاتهم، ووجدوا من الأزهر، والمدارس التي على غراره عونا على الفصاحة وسلامة اللغة، ومن ثم كان شيوع العنصر القبطي في بعض المصالح الحكومية، وقيامه على شئونها الكتابية إلى اليوم مما أقعدها على النهوض، وشل أقدامها عن مسايرة النهضة الأدبية الحثيثة الخطا كوزارة المالية، ومصلحتي البريد، والسكة الحديد التي لا تزال هذه الطائفة ذائعة في كثير من أعمالها.
وقد تنبهت الأفكار وفصحت الألسن، ونهض الأدب وجرت الأقلام في الصحف والمجلات بما يعجب، ويطرب واللغة الديوانية مثقلة بهذه القيود، لا تزال مشابهة لحالها في أوائل هذا العصر حتى قيض الله لها في عهد "إسماعيل" من ينقح لغتها وينقي عبارتها، ويسمو بأسلوبها، ويحاول جاهدًا أن يخلصها من ركاكتها وعيها، وهو المرحوم "عبد الله باشا فكري" إلا أن جهده تقاصر دون فسادها المستشري، ثم تهيأ للكتابة بعد من عوامل النهوض ما كفل لها التخلص شيئا، فشيئا من عيها وضعفها، فقد توفر المثقفون الذين أربوا على الأعمال الفنية التي كانت من قبل تستأثر بهم، وانخرط في سلك الدواوين منهم طائفة مهذبة القلم فصيحة العبارة، وكان لهم فضل يذكر في تحرير هذه الكتابة.
الأزهر ولغة الدواوين:
وكما أراد الله أن يكون أول تهذيب للغة الدواوين بيد أزهري نابه، وهو "عبد الله باشا فكري" أراد كذلك أن يتم ما بدأه، وينهج نهجه من هم إلى الأزهر نسبا، وفي أفقه مطلعا، فقد اتجه "سعد زغلول" إلى الإصلاح هذه الكتابة حين كان ناظرا للمعارف.
стр. 307
فعهد إلى الكاتب الفذ الشيخ "مصطفى لطفي المنفلوطي" بالإشراف على لغة الكتابة بنظارة المعارف حتى إذا ما أصبح ناظرًا للحقانية نقله معه لمثل هذه الغاية، فكان له أثر ملموس في نهوض الكتابة بهاتين النظارتين، وفي سبقهما غيرهما في هذه السبيل يضاف إلى الأثر البليغ الذي يحدثه إسناد الوظائف إلى القضاة، والمعلمين الذين لهم بالعلوم، والآداب، وأوثق الصلات١.
هذا إلى الأثر العظيم الذي أحدثه نفوذ "الشيخ محمد عبده" باعتباره مديرًا لإدارة المطبوعات، فقد كان من أحكامها أن جميع إدارات الحكومة، ومصالحها وكذلك لمحاكم مكفلة أن تعد للنشر في الصحيفة الرسمية تقريرات بأعمالها وقراراتها، وما شرعت في إنقاذه من مشروعات، وما اعتزمت إنقاذه في المستقبل، وكان من حق "الشيخ محمد عبده" بهذا الوصف أن ينقد لغة هذه القرارات، وصوغ المشروعات، وكل ما يرسل إلى الصحيفة الرسمية.
أحدث هذا النقد في نفوس الموظفين نوعا من اهتمامهم بلغتهم، وحاولوا تهذيب كتابتهم حتى اضطر كثير من الكتاب إلى تلقي دروس في اللغة العربية، وأنشئت لهذا الغرض مدارس ليلية يتعلم فيها الكتاب، ومحرروا الصحف، وبلغ من رعاية الإمام للغة، وحرصه على ترقية الكتابة أنه تطوع بإلغاء درس فيها، وقد بينا ذلك في موضعه.
وقد غلب على لغة الدواوين من أثر هذه العوامل الإغضاء على السجع، وهجر البديع والمحسنات اللفظية، وإيثار الإيجاز والقصد إلى الغرض دون الترادف التكرار.
أما ما كان في البدء والختام من رسوم، وتشبث ببراعة الاستهلال، فقد ذهب في مطاوي النسيان، ولم يعد يعول عليه في هذه الكتابة.
стр. 308
ثانيا: كتابة التأليف
كانت لغة التأليف في صدر ذلك العصر في أحد درجات الضعف، والتخاذل عدا ما يجهد المؤلفون فيه من الالتواء والتعقيد، والإسراف في الإيجاز بما يعي القارئ في الفهم، ويحول بينه وبين المراد، والغريب أن يكون ذلك طابعهم في جميع ما يؤلفونه من الكتب حتى لا تجد فرقا في التعقيد، والغموض بين تأليفهم في علم الكلام، أو علم البلاغة، وما ذلك إلا لنبو البيان عن طبعهم، وعدم تأصله في ملكاتهم، فإن ظهر لك شيء من بلاغاتهم، فإنما هو من ثمرة الاجتهاد والتشمير، وشدة الجهد حتى إذا أرسلوا أقلامهم على السجية جاءت مسفة١، وواتتك عبارتهم عامية، أو من العامية على شرف، وذلك هو مؤرخ العصر "الجبرتي" ينهض بالشعر، والنثر الرائع أحيانا، وذلك إذا تكلف، فإذا مضت نفسه في غير هذه الحدود كان ركيك التاليف، مرذول الآراء عامي التعبير.
ولم يكونوا بمعزل عن السجع في كتابتهم، بل ورثوه من الماضي الزاخر به، ولم يعرضوا عنه إلا حيث تفتحت عيونهم على نهضة الغرب، ووافاهم من علمها ألوان من أدبها فنون، فكان من الحتم لمسايرة هذه النهضة العكوف على معجمات اللغة، واستخراج صيغها التي تؤدي إلى التعبير عن مقومات هذه النهضة، واستلزم ذلك أن تطبع الكتب الأدبية التي لم تحتفل بالسجع، والمحسنات بل عمدت إلى الفكرة، وصورت الرأي في سهولة، وحسن سبك وتمام ارتباط، فاضطر المؤلفون إلى تقليدهم، وهجر هذه الصناعات التي لم تعد ملائمة للعصر، وروحه كما تهيأ للأدب أمثال "السيد جمال الدين" والشيخ "محمد عبده"، ممن سلفوا هؤلاء الكتاب الصناع المتكلفين بألسنة حداد، فكان من آثار نقدهم أن تقلص ظل هذه الصناعة، وأن انطلق الكتاب يتوخون المعنى في يسر وسهولة، وليس أثر الصحف التي تقرأ بأسلوبها السهل المبين، والعناية التي تبذلها
стр. 309
العطار" "ومرعيا" يكتبان كتابة لا روح فيها، فيعكف على رسائلهما كل من عي بالكتابة وضاق بالتعبير.
وإذا كانت الكتابة الفنية تصورا للعواطف، وخوالج النفوس كما قلنا: فإن "محمد علي" كان منصرف العزم عن معالجة هذا النوع من الأدب فيما يعالجه من أسباب النهضة، إذ هو متوفر على ما يرى علاجه ضرورة، والنظر إليه من متبعات الحياة، ومن هنا كانت الكتابة الفنية في أوائل هذا العصر معدومة، أو على كثب من ذلك.
ثم جاء عهد "إسماعيل"، فبدأت الكتابة الفنية تنهض لما تيسر لها من عوامل الحياة، وقد كان بالشام كثير من الجاليات الأوروبية، والأمريكية الذين نشروا ثقافتهم بها، ووفد إلى مصر كثير من كتابهم وأدبائهم، وفريق من أدباء الشام الذين تأثروا بهم، فأنشئوا صحفا وأذاعوا أدبا، ونشروا فكرا واهتم كثير من باعثي النهضة في هذا العهد ببعث الكتب الأدبية، ونشر الآثار البيانية بالطبع والاستنساخ، ووجد المتأدبون وعشاق الأدب في قراءتها، وروايتها ما غذى العقول، وقوم الألسنة وقلبوا أبصارهم فيما خلفه أعلام البيان من شعر رائع، ونثر محكم وخطب قيمة، ومحاضرات وأمثال روائع، وحداهم ذلك إلى متابعة هذه الأساليب، والأخذ بأسباب هذه الفصاحات، وانقبضوا عن المحسنات وهجروا الصناعة وعمدوا إلى تصوير الفكرة، وكان من العوامل ذات الأثر المحسوس في هذه النهضة ما تيسر للمتعلمين من الاطلاع على ما ترجم من آداب الغرب، وثقافتهم وما جد من صيغ مساوقة للحياة الجديدة تؤدي بها المعاني المحدثة، وإنه وإن كان ما يخرجه العلم الحديث من مخترع لا يزال محتاجا إلى ألفاظ عربية تعبر
عنه، إلا أن المجمع اللغوي يبذل في سبيل ذلك أطيب الجهود ليخرج من ألفاظ العربية ما يؤدي المعنى الجديد.
стр. 310
وكان من أثر الاطلاع على العلوم والآداب الغربية المترجمة أن نحت الكتابة منحى السهولة، وتوخت الفكرة واتسعت أفق خيالها، وانبسطت أغراضها.
فنون الكتابة الفنية:
تجري الكتابة الفنية، أو النثر الفني في فنون ثلاثة.
١ نثر اجتماعي.
٢ نثر صحفي.
٣ نثر أدبي.
النثر الاجتماعي:
فأما النثر الاجتماعي، فهو ما تسيل به أقلام الكتاب معالجة فساد المجتمع محاولة إصلاح الحياة في مختلف نواحيها، ويمت إليه بأوثق الصلات الكتابة الدينية التي تنشر سعادة الناس من أقطار مختلفة عن طريق الدين، والنثر الاجتماعي إنما تعتمد على العبارة الفصيحة المتواضعة الواضحة التي لا مبالغة فيها، ولا تزيد والتي تقوم على الحجة القوية، والمنطق الصحيح ولا تتهافت على الزخرفة والصنعة.
والنثر الاجتماعي هادئ في نسقه مترقوق في جدوله لا يثور، ولا يفور إلا حيث يستشرق الفساد الاجتماعي، فتغضب الأقلام وتصخب، أما جعجعة الأقلام في غير ذلك فهي من وضع الشيء في غير موضعه لاستناد هذا النوع من النثر في أغلب الأمر إلى حقيقة واقعة، أو قصة مشاهدة.
النثر الصحفي:
أما النثر الصحفي فهو ما تجري به أقلام الكتاب في الشئون السياسية
стр. 311
التي تهدف إلى نهضة الوطن رفعة شأنه منتزعة هذه الشئون من النظر السياسي لكل كاتب، والنثر الصحفي السياسي ينبغي أن يكون واضح الغرض سهل العبارة معتمدا على الأدلة الخطابية بعيدًا عن التعقيد، والغموض
متجها إلى مخاطبة العواطف، وهز الميول وإثارة المشاعر.
النثر الأدبي:
وأما النثر الأدبي فهو ميدان التأنق في السبك والاتئاد في اختيار اللفظ، والتجويد في صحة العبارة، وتلاحم النسج حتى يجيء الكلام كالعقد المنظوم، ويكون بحسن رصفه، ورصانة تركيبه أقرب شبها بالشعر.
ولا ضير على الناثر الأدبي أن يشرق البديع في كتابته، ولكن غير مرتصد له ولا مستكره، بل يرده عفوا لا تكلف فيه، وهذه الصناعة الدقيقة المحكمة تتطلب من الكاتب أن يكون وافر المحصول من الأدب غزير الرواية من الشعر كثر التقليب في آثار الأدباء والفحول، ملما بثروة لغوية يصرف فيها القول، على جانب عظيم من البصر بمواقع النقد، فيطرب لجمال الموقع، ويهتز لبارع النغم ويعينه ذوقه وحسه على التفطن لما لذ من الأدب وطاب.
الأزهر والنثر:
ما من نوع من أنواع هذا النثر إلا للأزهر فحول في ميدانه، كانوا ممن أعز شأنه وخلع عليه حلة بهيجة، ومكن له من أسباب الحياة والرفعة، وسنرى فيما نتحدث به بالدراسة، والتفصيل أن كل فن من فنون النثر أخذ بيده علم من أعلام الأزهر، فعبد له طريقا وهيأ له مجدا، ورفع منارا وكان في تجويده، وتخبره وبراعته مثالا يحتذى وقدوة، وسنقصر الحديث على أشهر الثائرين الأزهريين الذين ثقفوا بالثقافة الأزهرية الخالصة، والذين بدأوا
стр. 312
حياتهم في الأزهر، ولم يتموها في غيره كما اتبعنا هذه الطريقة، وسنتبعها في الكلام عن نابغي الأزهر في كل الأطوار الأدبية، فلا تتكلم عن فريق بدأ تثقيفة في الأزهر، ثم أتمه في دار العلوم أو مدرسة القضاء الشرعي، أو الجامعة المصرية حتى لا يوجد مجال لمنكر فضل الأزهر على النهضة، فيزعم أن نبوغه الأدبي إنما تواشي له من هذه السبيل، وإن كانت جميع هذه الهيئات الثقافية قد استمدت من الأزهر أدبها، واستعانت في مستهل نشأتها بأساتذة الأزهر وطلابه، وطريقته وكتبه أي أنها أول نشأتها كانت قسما من الأزهر أقيم في مكان غير مكانه، بعنون غير عنوانه.
ارتقت الكتابة الديوانية، والنثر بأنواعه المختلفة بجهود الأزهريين، ونبوغهم وسنختار طائفة من أشهر الأدباء الأزهر الذين سمت بهم هذه الآداب، وكانوا فيها أفذاذا، سنترجم لأشهرهم ونبين طرفًا من حياتهم، وندرس أدبهم في شيء من البسط، ولا تسرف في الإسهاب، والإطالة حتى لا تمل ونسئم.
وقد عرجنا في حديثنا عن الصحف العربية من أوائل هذه النهضة على مجهود الأزهريين، وما بذلوه في سبيل حياتها، والنهوض برسالتها وترجمنا لأدباء الأزهر الكتاب الذين كانت أبرز مواهبهم في الأدب، وأظهر آثارهم فيه في ميدان الصحف.
أما من عدا الكتاب الأزهريين الصحفيين، فسنتناولهم واحدا فواحدا مراعيين في الكلام عنهم تاريخ وفاتهم -وها هم أولاء.
стр. 313
الشيخ عبد الرحمن الجبرتي:
المتوفى سنة "١٢٤٠هـ-١٨٢٥م".
نشأته وحياته:
عبد الرحمن بن حسن الجبرتي نسبة إلى جبرت من أعمال الحبشة.
كان والده "الشيخ حسن الجبرتي" من كبار علماء الفلك والرياضة، وآثار جليلة فيهما كما كان عالما في كثير من علوم الأزهر على حظ من الأدب وروايته، وقد ترجم له ابنه "عبد الرحمن" في عجائب الآثار بين وفيات ١١٨٨م، وشرح عدة مؤلفات مودعة في المكتبة الخديوية.
نشأ "عبد الرحمن" في بيئة علمية أدبية، فقد كان مجلس أبيه حافلا بالعلماء والأدباء يبحثون في العلم ويطارحون بالأدب، حدث "عبد الرحمن" أن والده كان يفاكه أخصاءه ويمازحهم، ويرفه عنهم بالمناسبات والأدبيات، والنواد والأبيات الشعرية، والمواليا، والمجونيات والحكايات اللطيفة والنكت الطريفة١.
وكانت لوالده شهرة علمية حتى إن كثيرا من الأقطار الإسلامية كان يراسله ويكاتبه كما كان له تلامذة، ومعجبون "وعبد الرحمن" بقية أخواته وإخوته الكثيرين الذين عجل الموت بهم، فكانت له في نفس والده مكانة مغمورة بالحب، والعطف مما جعله شديد العناية به كريم العطف عليه يضعه إلى مجلسه على رغم ازدحامه بالعلماء والكبراء، وهذا مما فتق ذهنه، ووسع أفقه ونمى رجولته.
بدأ "عبد الرحمن" حياته العلمية، فانخرط في سلك الأزهر، وأخذ العلم
стр. 314
عن أبيه، وعن جمهرة من كبار الأساتذة، وعني بالأدب فكتب ونظم وراسل. وكان أحد الذين اتصلوا بالفرنسيين في مصر، فشاهد علمهم الحديث وأدواتهم الفنية وطرائفهم العملية، وأسلوبهم في التفكير والسياسة، وربما كان أكبر سبب لتطوره هو دخول الفرنسيين مصر، واتصاله الاتصال الوثيق بهم والتحاقه بديوانهم الذي أنشأوه، وقد كان ممن يترددون على المجمع العلمي، فوصف ما شاهده من مخترع حديث، وما أجري أمامه من تجارب.
ولما خرج الفرنسيون من مصر، وانتهى ديوانهم الذي ألحق للكتابة فيه انقطع للتأليف، وتفرغ للكتابة التاريخية، وظل كذلك حتى وافته منيته.
الاضطراب في تاريخ وفاته:
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته، إلا أن "جورجي زيدان" يذكر أنه وقف على نسخة من تاريخه في مكتبة "محمد بك آصف" بمصر، جاء في آخرها أنه أتم تبييضها سنة ١٢٣٧ هجرية، وعلى هامشها ما نصه بخط واضح بلغ مقابلة وقراءة على مؤلفه من أوله إلى آخره في يوم السبت المبارك ١٤ ربيع الأول سنة ١٢٤٠ هجرية بمرأى، ومسمع من مؤلفه متع الله الوجود بطول حياته ... رقعه بيده الفانية أحمد بن حسن الرشيدي الشافعي الشهير بصومع١.
فهذا الذي نقله نص في أنه لم يمت قبل ذلك، فوفاته في سنة ١٢٤٠هـ، أو فيما بعدها لا قبل ذلك كما رأى بعض المؤرخون٢، أما مولده فهو سنة ١١٦٧هـ، ولم يكن كوفاته موضع اضطراب.
стр. 315
آثاره:
الجبرتي مؤرخ العصر ومدون أحداثه، ومسجل ما وقع فيه من اضطرابات سياسية، وفتن داخلية يشرح ذلك شرح محقق اطلع عليه وسمع به، فروايته رواية عليم، وحديثه حديث مكابد، ولقد مكن بتاريخه من إثبات ما يتصل بهذا العصر إثباتا لا شك فيه، ولا عناء في الحصول عليه.
ويعتبر كتابه عجائب الآثار من أوفى المراجع لكثير من أدباء العصر، وعلمائه ولا سيما الأزهريين الذين خالط الكثير منهم، واتفقت له بمعاصرتهم، ومشاهدتهم دراسة أحوالهم ودراية شئونهم.
وفي الكتاب كثير من آثار العلماء والأدباء والشعراء، وجمهرة من النثر والشعر يذكرها عقب ترجمته لهم، ويوافيك بها مقرونة بالحادث الذي قيلت فيه، ووردت بصدده -فهو كتاب أدب وتاريخ معا.
ويحدث الجبرتي عما لقيه من الجهد في تدوين هذا الكتاب، واستيعاب حوادثه فيقول: "إني كنت سودت أوراقا في حوادث القرن الثاني عشر "الهجري"، وأوائل الثالث عشر الذي نحن فيه جمعت فيها بعض وقائع إجمالية، وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها محن مما أدركناها، وأمور شاهدناها، واستطردت في ضمن ذلك إلى سوابق سمعتها، ومن أفواه الشيخة تلقيتها، وبعض تراجم الأعيان المشهورين من العلماء، والأمراء المعتبرين وذكر لمع من أخبارهم، وأحوالهم وبعض تواريخ ميلادهم، ووفياتهم".
ولما عزم على جمع ما كان قد سوده أراد أن يصله بشيء مما قبله، فعز عليه إلا بعض كراسات سودها بعض العامة من الأجناد على اختلاف ترتيبها، وركاكة تركيبها، ونقص في وقائعها، وكان قد ظفر بتاريخ من تلك الفروع، ولكنه على نسق في الجملة مطبوع لشخص يقال له: "أحمد جلبي" بن "عبد الغني" يبتدئ فيه من وقت تملك بني عثمان الديار المصرية، وينتهي كغيره إلى خمسين ومائة وألف هجرية.
стр. 316
ثم إن القوم عبثوا بهذا الكتاب، ولم يعثر على شيء مدون في هذا الشأن، فرجع إلى الشيوخ يروي عنهم إلى صكوك الكتبة، وما نقش على قبور الراحلين عساه أن يجد ما يعنيه في هذه السبيل، ومن أول القرن إلى السبعين وما بعده أمور شاهدها، ثم نسيها وذكرها.
وهكذا يتبين وجه الدقة والنقص في هذا التاريخ، ويستبين أنه ثقة فوق الظنون والأوهام.
وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٢٩٧، ثم طبع بعد ذلك أكثر من مرة، "ويقال: إنه طبع طبعة قبل هذه صادرتها الحكومة لأن فيها طعنا في أعمال محمد علي باشا رأس الأسر الخديوية، ثم أصدرت الحكومة هذه الطبعة بعد حذف الطعن، وكل ما ظهر من الطبعات منقول عنها١".
والحق أنه كان مسرفا في هجومه على محمد علي باشا، بل إنه ليقسو في مهاجمته، ويتتبعه خطوة فخطوة، وربما كان ذلك ناشئا من صداقة والده لبعض المماليك المصريين، ولعل ذلك يظهر عند خروج الفرنسيين من مصر، فإنه يشايع الألفي بك، وينصره على محمد علي باشا.
هذا وقد سما الجبرتي بكتابه عن الغايات، وارتفع في رأيه فوق الريب إلا في قليل، فقد كتب تاريخه للعلم، ولم يقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير، ولم يداهن دولة بنفاق أو مدح، أو ذم مباين للأخلاق٢.
وربما حملته نشأته الدينية على أن يعف لسانه، فلا يطعن أو يجرح أو يذكر مثال الناس، وإذا ترجم لشخص عند وفاته، وذكر عيبا من عيوبه بادر بقوله: "ولكنه كان طيب السريرة، وفيه محبة الناس غفر الله له"، وقد يقول: "﵀، وتجاوز عن سيئاته، اذكروا محاسن موتاكم".
وقد يتسع مجال القول لنقد كبير، أو تناوله ولكنه يمسك، ويقول: "يضيق
стр. 317
صدري ولا ينطلق لساني، وليس الحال بمجهول، حتى يفصح عنه اللسان بالقول، وقد أخرسنى العجز أن أفتح فما، أفغير الله أبتغي حكما".
وتجد على رغم تناوله محمدا عليا لا يغفل آثاره في التعمير والإصلاح، ولا يغضي عن جلائل أعماله، وعظيم نهوضه.
والكتاب على سعته لا يتحدث إلا عن القاهرة، ولا يصف غير مباهجها وأحداثها، فلا حديث فيه عن الريف أو مدينة أخرى، ولعل ذلك لأن الجبرتي آثر في القاهرة وفتن بها وحدها، ولو أنه نزح إلى غيرها من مجالي القطر لأتاح لنا وصفه، وحدث عنه حديثه التاريخي المستطاب.
موضوع الكتاب:
يقع كتاب "عجائب الآثار في تراجم الرجال والأخيار"، في أربعة أجزاء ضمته حوادث مصر التي جرت من أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى سنة ست وثلاثين من الثالث عشر، مبينا أعظم الأحداث التي وقعت في هذه الفترة يوما فيوما حسب وقوعها.
بدأ في كتابه يذكر مقدمة تاريخية إلى سنة ١١٤٢هـ، ثم حدث عن الوفيات من سنة ١١٠٠هـ إلى سنة ١١٤٢هـ، ثم جرى على سرد الحوادث تباعا حسب وقوعها يوما فيوما، وإذ ينتهي من سرد الحوادث لكل عام يقفي بذكر الأعيان المتوفين من علماء، وأمراء وكبراء مترجما لهم مبينا آثارهم؟
والكتاب يقع في أربعة أجزاء ينتهي الجزء الأول منها بالكلام عن الأحداث، والرجال إلى سنة تسع وثمانين ومائة ألف من الهجرة، وينتهي الجزء الثاني منها بالكلام عن الأحداث، والرجال إلى سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف من الهجرة، وينتهي الثالث بسنة عشرين ومائتين وألف، وينتهي الرابع وهو الأخير بسنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وهو آخر ما كتبه.
وقد نقل تاريخ الجبرتي إلى الفرنسية بهمة بعض فضلاء مصر، وهم "شفيق
стр. 318
بك منصور وعبد العزيز كحيل بك، وجبرائيل نقولا كحيل بك، وإسكندر بك عمران١، وطبع في القاهرة سنة ١٨٨٨م.
تلخيص العجائب:
وقد ألف الشيخ عبد الله أبو السعود المتوفى سنة ١٢٩٥هـ "١٨٨٨م" كتابا اختصره من عجائب الآثار، ولخصه عنه، وسماه "منحة العصر بمنتقى تاريخ مصر".
مظهر القديس بذهاب دولة الفرنسيس:
يرجح "جورجي زيدان بك، وكاتب فهرس المكتبة الخديوية"، وقد نقل ذلك عنه لويس شيخو في كتابه الآداب العربية في القرن التاسع عشر أنه لعبد الرحمن الجبرتي، ونسبه له "المفصل" أيضا، وقد صدر هذا الكتاب بمقدمة موجزة في تاريخ مصر يبتدئ من المحرم سنة ١٠١٣هجرية، وينتهي إلى وقت لتأليفه سنة ١٢١٦، ثم تكلم على حادث احتلال الفرنسيين مصر في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وخروجهم منها من زيادات مما نمقه معاصر المؤلف، وصديقه الشيخ حسن العطار من منظومه ومنثورة، وكان الفراغ من تأليفه في شهر شعبان سنة ١٢١٦هـ، وهو نسخة في مجلد مخطوط بخط أحمد رزق، وفرغ من كتابتها سنة ١٢٩٣هـ، وهناك نسخة أخرى مخطوطة تمت كتابتها سنة ١٢٢٤هـ، والكتاب مترجم إلى الفرنسية والتركية.
أسلوب الجبرتي:
الجبرتي ممن عالج الأدب وأصاب منه حظا، وأبرز آثاره التي يتجلى فيها أسلوبه هو عجائب الآثار في تراجم الرجال والأخبار لسعته، وكثرة ما ضم من تحريره. ومن يدرس في هذا الكتاب أسلوبه يجده على نسقين، أما الأول
стр. 319
فإنه يتأنق في كتابته ويشمر في تحريره، وهو إذ ذاك مجار عصره في السجع غالبا يتخير لفظه، ويجود في تعبيره، فتراه إذ ذاك "مسلوكا في أعيان الكتاب والشعراء"، وترى له في كلا البابين البدائع بالنسبة لعصره١، وقد يترك السجع، ويرسل الكلام إرسالا لا صنعة فيه، فيكون أسلوبه ضعيفا لا أثر فيه لاجتهاد، أو تجويد.
وهو حين لا يعني فيما يكتبه بالأسلوب، ولا يحرص على التأنق، وحسن العبارة تراه ركيك التعبير مختل الأسلوب نازل التركيب يهبط إلى العامية حتى ليكتب بها غير مهذب لها، أو متحاش طريقها.
وإذا شفع له في بعض الأحيان أنه ينقل عن العوام، ومن ألسنتهم أحداثا بتعبيرهم، وتصويرا بعاميتهم، ومقالات شافهوا بها، وكان في قدرته أن يعبر بأسلوب عربي رصين -فليس من السائغ له أن يطرد ذلك في كتابته، وأن يمثل الجمهرة العظمى من أسلوبه.
نماذج من كتابته:
مما كتبه عن الأمير "مراد بك محمد":
...... وحظي عنده كل جريء غشوم عسوف ذميم ظلوم، فانقلبت أوضاعهم، وتبدلت طباعهم، وشرهت نفوسهم، وعلت رءوسهم فتناظروا وتفاخروا وطمعوا في أستاذهم، وشمخت آنافهم عليه، وأغاروا حتى على ما في يديه، واشتهر بالكرم والعطاء فقصده الراغبون، وامتدحه الشعراء والغاوون، وأخذ الشيء من غير حقه، وأعطاه لغير مستحقه، كما قال القائل:
وإنما خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ثم لما ضاق المسلك، ورأى أن رضا الناس غاية لا تدرك، أخذ يتحجب عن الناس، فعظم فيه الهاجس والوسواس، وكان يغلب على طبعه
стр. 320
الخوف والجبن مع التهور، والطيش، والتورط في الإقدام مع عدم الشجاعة، ولم يعهد عليه أنه انتصر في حرب باشره أبدا على ما فيه من الادعاء، والغرور والكبر والخيلاء والصلف والظلم، والجور كما قال القائل:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
ومن أسلوبه الضعيف الذي يقرب من العامية، ويمتزج بها ما كتبه إذ دون حوادث شهر جمادى الآخرة سنة ١٢١٦هـ:
"وفي يوم الخميس سابع عشرينه مروا بزفة بسوق النحاسين، وبها بعض أنكشارية، فحصلت فيهم ضجة، ووقع فيهم فشل فخطفوا ما على العروس، وبعض النساء من المصاغ المزينات به، وفي أثناء ذلك مر شخص مغربي، فضربه عسكري رومي "ببارودة"، فسقط ميتا عن الأشرفية، فبلغ ذلك عسكر المغاربة، فأخذوا سلاحهم وسلوا سيوفهم، وهاجت حماقتهم وطلعوا يرمحون من كل جهة، وهم يضربون البندق ويصرخون، فأغلقت الناس الحوانيت، وهرب قلق الأشرفية بجماعته إلى أن يقول: ورجعت القلقات إلى مراكزها، وبردت القضية، وكأنهم اصطلحوا وراحت على من راح".