ثم إن القوم عبثوا بهذا الكتاب، ولم يعثر على شيء مدون في هذا الشأن، فرجع إلى الشيوخ يروي عنهم إلى صكوك الكتبة، وما نقش على قبور الراحلين عساه أن يجد ما يعنيه في هذه السبيل، ومن أول القرن إلى السبعين وما بعده أمور شاهدها، ثم نسيها وذكرها.
وهكذا يتبين وجه الدقة والنقص في هذا التاريخ، ويستبين أنه ثقة فوق الظنون والأوهام.
وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٢٩٧، ثم طبع بعد ذلك أكثر من مرة، "ويقال: إنه طبع طبعة قبل هذه صادرتها الحكومة لأن فيها طعنا في أعمال محمد علي باشا رأس الأسر الخديوية، ثم أصدرت الحكومة هذه الطبعة بعد حذف الطعن، وكل ما ظهر من الطبعات منقول عنها١".
والحق أنه كان مسرفا في هجومه على محمد علي باشا، بل إنه ليقسو في مهاجمته، ويتتبعه خطوة فخطوة، وربما كان ذلك ناشئا من صداقة والده لبعض المماليك المصريين، ولعل ذلك يظهر عند خروج الفرنسيين من مصر، فإنه يشايع الألفي بك، وينصره على محمد علي باشا.
هذا وقد سما الجبرتي بكتابه عن الغايات، وارتفع في رأيه فوق الريب إلا في قليل، فقد كتب تاريخه للعلم، ولم يقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير، ولم يداهن دولة بنفاق أو مدح، أو ذم مباين للأخلاق٢.
وربما حملته نشأته الدينية على أن يعف لسانه، فلا يطعن أو يجرح أو يذكر مثال الناس، وإذا ترجم لشخص عند وفاته، وذكر عيبا من عيوبه بادر بقوله: "ولكنه كان طيب السريرة، وفيه محبة الناس غفر الله له"، وقد يقول: "﵀، وتجاوز عن سيئاته، اذكروا محاسن موتاكم".
وقد يتسع مجال القول لنقد كبير، أو تناوله ولكنه يمسك، ويقول: "يضيق
стр. 317
صدري ولا ينطلق لساني، وليس الحال بمجهول، حتى يفصح عنه اللسان بالقول، وقد أخرسنى العجز أن أفتح فما، أفغير الله أبتغي حكما".
وتجد على رغم تناوله محمدا عليا لا يغفل آثاره في التعمير والإصلاح، ولا يغضي عن جلائل أعماله، وعظيم نهوضه.
والكتاب على سعته لا يتحدث إلا عن القاهرة، ولا يصف غير مباهجها وأحداثها، فلا حديث فيه عن الريف أو مدينة أخرى، ولعل ذلك لأن الجبرتي آثر في القاهرة وفتن بها وحدها، ولو أنه نزح إلى غيرها من مجالي القطر لأتاح لنا وصفه، وحدث عنه حديثه التاريخي المستطاب.
موضوع الكتاب:
يقع كتاب "عجائب الآثار في تراجم الرجال والأخيار"، في أربعة أجزاء ضمته حوادث مصر التي جرت من أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى سنة ست وثلاثين من الثالث عشر، مبينا أعظم الأحداث التي وقعت في هذه الفترة يوما فيوما حسب وقوعها.
بدأ في كتابه يذكر مقدمة تاريخية إلى سنة ١١٤٢هـ، ثم حدث عن الوفيات من سنة ١١٠٠هـ إلى سنة ١١٤٢هـ، ثم جرى على سرد الحوادث تباعا حسب وقوعها يوما فيوما، وإذ ينتهي من سرد الحوادث لكل عام يقفي بذكر الأعيان المتوفين من علماء، وأمراء وكبراء مترجما لهم مبينا آثارهم؟
والكتاب يقع في أربعة أجزاء ينتهي الجزء الأول منها بالكلام عن الأحداث، والرجال إلى سنة تسع وثمانين ومائة ألف من الهجرة، وينتهي الجزء الثاني منها بالكلام عن الأحداث، والرجال إلى سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف من الهجرة، وينتهي الثالث بسنة عشرين ومائتين وألف، وينتهي الرابع وهو الأخير بسنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وهو آخر ما كتبه.
وقد نقل تاريخ الجبرتي إلى الفرنسية بهمة بعض فضلاء مصر، وهم "شفيق
стр. 318
بك منصور وعبد العزيز كحيل بك، وجبرائيل نقولا كحيل بك، وإسكندر بك عمران١، وطبع في القاهرة سنة ١٨٨٨م.
تلخيص العجائب:
وقد ألف الشيخ عبد الله أبو السعود المتوفى سنة ١٢٩٥هـ "١٨٨٨م" كتابا اختصره من عجائب الآثار، ولخصه عنه، وسماه "منحة العصر بمنتقى تاريخ مصر".
مظهر القديس بذهاب دولة الفرنسيس:
يرجح "جورجي زيدان بك، وكاتب فهرس المكتبة الخديوية"، وقد نقل ذلك عنه لويس شيخو في كتابه الآداب العربية في القرن التاسع عشر أنه لعبد الرحمن الجبرتي، ونسبه له "المفصل" أيضا، وقد صدر هذا الكتاب بمقدمة موجزة في تاريخ مصر يبتدئ من المحرم سنة ١٠١٣هجرية، وينتهي إلى وقت لتأليفه سنة ١٢١٦، ثم تكلم على حادث احتلال الفرنسيين مصر في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وخروجهم منها من زيادات مما نمقه معاصر المؤلف، وصديقه الشيخ حسن العطار من منظومه ومنثورة، وكان الفراغ من تأليفه في شهر شعبان سنة ١٢١٦هـ، وهو نسخة في مجلد مخطوط بخط أحمد رزق، وفرغ من كتابتها سنة ١٢٩٣هـ، وهناك نسخة أخرى مخطوطة تمت كتابتها سنة ١٢٢٤هـ، والكتاب مترجم إلى الفرنسية والتركية.
أسلوب الجبرتي:
الجبرتي ممن عالج الأدب وأصاب منه حظا، وأبرز آثاره التي يتجلى فيها أسلوبه هو عجائب الآثار في تراجم الرجال والأخبار لسعته، وكثرة ما ضم من تحريره. ومن يدرس في هذا الكتاب أسلوبه يجده على نسقين، أما الأول
стр. 319
فإنه يتأنق في كتابته ويشمر في تحريره، وهو إذ ذاك مجار عصره في السجع غالبا يتخير لفظه، ويجود في تعبيره، فتراه إذ ذاك "مسلوكا في أعيان الكتاب والشعراء"، وترى له في كلا البابين البدائع بالنسبة لعصره١، وقد يترك السجع، ويرسل الكلام إرسالا لا صنعة فيه، فيكون أسلوبه ضعيفا لا أثر فيه لاجتهاد، أو تجويد.
وهو حين لا يعني فيما يكتبه بالأسلوب، ولا يحرص على التأنق، وحسن العبارة تراه ركيك التعبير مختل الأسلوب نازل التركيب يهبط إلى العامية حتى ليكتب بها غير مهذب لها، أو متحاش طريقها.
وإذا شفع له في بعض الأحيان أنه ينقل عن العوام، ومن ألسنتهم أحداثا بتعبيرهم، وتصويرا بعاميتهم، ومقالات شافهوا بها، وكان في قدرته أن يعبر بأسلوب عربي رصين -فليس من السائغ له أن يطرد ذلك في كتابته، وأن يمثل الجمهرة العظمى من أسلوبه.
نماذج من كتابته:
مما كتبه عن الأمير "مراد بك محمد":
...... وحظي عنده كل جريء غشوم عسوف ذميم ظلوم، فانقلبت أوضاعهم، وتبدلت طباعهم، وشرهت نفوسهم، وعلت رءوسهم فتناظروا وتفاخروا وطمعوا في أستاذهم، وشمخت آنافهم عليه، وأغاروا حتى على ما في يديه، واشتهر بالكرم والعطاء فقصده الراغبون، وامتدحه الشعراء والغاوون، وأخذ الشيء من غير حقه، وأعطاه لغير مستحقه، كما قال القائل:
وإنما خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ثم لما ضاق المسلك، ورأى أن رضا الناس غاية لا تدرك، أخذ يتحجب عن الناس، فعظم فيه الهاجس والوسواس، وكان يغلب على طبعه
стр. 320
الخوف والجبن مع التهور، والطيش، والتورط في الإقدام مع عدم الشجاعة، ولم يعهد عليه أنه انتصر في حرب باشره أبدا على ما فيه من الادعاء، والغرور والكبر والخيلاء والصلف والظلم، والجور كما قال القائل:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
ومن أسلوبه الضعيف الذي يقرب من العامية، ويمتزج بها ما كتبه إذ دون حوادث شهر جمادى الآخرة سنة ١٢١٦هـ:
"وفي يوم الخميس سابع عشرينه مروا بزفة بسوق النحاسين، وبها بعض أنكشارية، فحصلت فيهم ضجة، ووقع فيهم فشل فخطفوا ما على العروس، وبعض النساء من المصاغ المزينات به، وفي أثناء ذلك مر شخص مغربي، فضربه عسكري رومي "ببارودة"، فسقط ميتا عن الأشرفية، فبلغ ذلك عسكر المغاربة، فأخذوا سلاحهم وسلوا سيوفهم، وهاجت حماقتهم وطلعوا يرمحون من كل جهة، وهم يضربون البندق ويصرخون، فأغلقت الناس الحوانيت، وهرب قلق الأشرفية بجماعته إلى أن يقول: ورجعت القلقات إلى مراكزها، وبردت القضية، وكأنهم اصطلحوا وراحت على من راح".
стр. 321
عبد الله فكري باشا:
المتوفة سنة ١٣٠٧هـ، ١٨٨٩م.
نشأته وحياته:
ولد في شهر ربيع الأول من عام ١٢٥٠هـ -ووالده "محمد أفندي بليغ" بن "الشيخ عبد الله" بن "الشيخ محمد"، وكان جده من كبار العلماء المدرسين بالأزهر، ولما قدم الفرنسيون مصر رحل جده إلى "منية بن خصيب"، فلبث فيها حينا ثم عاد إلى "القاهرة"، واشتغل بتدريس العلم ما بقي من حياته، وقد نشأ على غراره في العلم، وتلقى الدروس في الأزهر والجد في التحصيل، ولده "محمد بليغ"، وكانت مصر قد ازدهرت فيها الحضارة بإنشاء مدارس العلوم الرياضية، والمدارس الحربية، فكان "بليغ" بين المبرزين فيها والذين انتظموا في سلك الجيش, وقد حضر مواقع حربية عدة أهمها حرب "المورة"، وتزوج من أهلها وعاد بزوجه إلى الحجاز، وأنجب بمكة "عبد الله"، "ومن غريب الاتفاق أن سنة ولادته وافقت مجموع جمل الآية ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ، وقد أعجب هو أيضا بهذا الاتفاق، فلما شب وتعلم نقش هذه الآية على خاتم له كان يختم به كتبه"١، وقد كان اتخاذ أمثال هذه الخواتم من شارات الكتاب وذوي المناصب الوزارية في أيام العباسيين، ومن حذا حذوهم من الفاطميين والأيوبيين٢، ثم عاد والده به إلى القاهرة، وتوفي ولما يبلغ "عبد الله" الحلم، فتولى رعايته بعض من أقارب أبيه، فأتم قراءة القرآن وحفظه وجوده، ثم التحق بالجامع الأزهر، وتلقى به علوم العربية والفقه والحديث والتفسير، والعقائد والمنطق، وكان مع تلقيه علوم الأزهر وإجادته فيها يجد في تعلم اللغة التركية حتى أتقنها، وعين في القلم التركي في الديوان
стр. 322
الكتخداني سنة ١٢٦٧هـ على حين أنه يتردد لطلب العلم في الأزهر مغتنما ساعات فراغه قبل ذهابه إلى الديوان وبعد عودته منه، ثم انتقل من هذا الديوان إلى "المحافظة"، فالداخلية بوظيفة مترجم، ثم التحق بالمعيو الخديوية في حكومة "سعيد باشا"، وظل يعمل بالقلم التركي تارة، ويشتغل بالعلم تارة أخرى إلى أن توفي سعيد باشا سنة ١٢٧٩هـ، ولما خلفه إسماعيل باشا رحل معه إلى "الآستانة"، وعاد معه واستمر في معيته، وسافر إلى إسلامبول مرارًا للاضطلاع بالكتابة مع "الحرم الخديو" "والجناب الخديو"، وبعض شئون أخرى١، ونال الرتبة الثانية بلقب "بك" سنة ١٢٨٢هـ، وفي سنة ١٢٨٤ قلده الخديو ملاحظة الدروس الشرقية، وهي العربية والفارسية والتركية بمعية أنجاله "محمود توفيق باشا"، "والبرنس حسين باشا"، فأشرف على تربيتهما، وكان أحيانا يباشر التعليم بنفسه، وأحيانا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين، ومراقبة إلقاء الدروس، وتقويم طريقة التعليم، ولم يزل كذلك إلى أن رقى "توفيق باشا" إلى رتبة "الوزراء والعشيرية"، وتوجه إلى دار الخلافة العلية لإسداء الشكر فصحبه في رحلته، ولما عاد مصر نقل إلى ديوان المالية سنة ١٢٨٦هـ، فأقام أياما بغير عمل، ثم عهد إليه النظر في أمر الكتب التي كانت للحكومة في ديوان المحافظة وإبداء رأيه فيها، فلبث زمنا يتردد على الديوان وينظر فيها، ثم قدم تقريرًا مفصلا أبان فيه رأيه في هذه الكتب، وذكر أن بقاءها على حالتها لا يفي بالغرض من حفظها، ولا يمكن من الانتفاع بها، وأشار بأن تجعل في وضع يمكن معه انتفاع الناس بها، واقترح إحالتها على ديوان المدارس لتودع في المكتبة التي كان يقوم بإنشائها، "سعادة علي باشا مبارك" ناظر المعارف إذ ذاك على سعة لا تضيف بهذه الكتب وأمثالها، وقد نفذ ما قرره، وبذلك استنفدت تلك الكتب النفيسة من التلف، والإهمال، وكشفت عنها حجب الخفاء، والإغفال ورفعت إلى منصات الظهور، وحسن النظام ورتبت ترتيبا حسنا في المكتبة المذكورة
стр. 323
وهي الكتبخانة الخديوية المعروفة الشهيرة في قصر "درب الجمامير"١.
ولما أتم هذا العمل كان المجلس الخصوصي الذي خلفه مجلس النظار فيما بعد مشتغلا بجميع القوانين، واللوائح التركية، فظل يقوم بعمله حتى فصل من الخدمة في أوائل سنة ١٢٨٧هـ.
وفي سنة ١٢٨٨هـ عين وكيلا لديوان المكاتب الأهلية، ثم رقي إلى رتبة "المتمايز"، وفي رجب سنة ١٢٩٦ أصبح وكيلا لنظارة المعارف العمومية، ورقي إلى رتبة "ميرميران"، وفي سنة ١٢٩٥ ضمت إليه وظيفة الكاتب الأول بمجلس النواب مع عمله هذا حتى صار ناظرًا للمعارف العمومية سنة ١٢٩٩هـ، ثم استقال مع زملائه النظار في هذا العام لفتنة سياسية، وفي أواخر هذا العام اتهم بالاشتراك مع الثورة العرابية، فسجن مع المتهمين، وقد ثبتت براءته فأفرج عنه وبقي موقوف "المعاش"، حتى التمس مقابلة الخديو، فلم يسمح له فنظم قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها:
كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا
مستعطفًا الخديو متنصلا مما نسب إليه، ولما عرضت على الخديو أجلها، وأحلها محلها وسمح له بالمثول بين يديه، وأقبل عليه وأعيد معاشه إليه٢، ثم نظم قصيدة أخرى زادت عن سابقتها تسعين بيتا، وأشار عليه بعض أصدقائه من كبار الأمراء بالاختصار، فحذف جملة من أبياتها ثم أشار آخر بعدم مجاوزة العشرة ففعل، واقتصر على عشرة أبيات في وزنها ورويها.
وفي سنة ١٣٠٣هـ سافر إلى البلاد الحجازية لأداء فريضة الحج، فقوبل من علماء "مكة والمدينة" بحفاوة بالغة، وتكريم رائع وكتب في ذلك كتابا سماه "الرحلة المكية"، وشخص في السنة التالية لزيارة "بيت المقدس"، و"الخليل" بصحبة نجله المرحوم "أمين فكري باشا"، ثم اتجها إلى "بيروت"
стр. 324
فأما فيها شهرًا كانا فيه متجه الأنظار، وقبله الأباء والعلماء والمفكرين، ثم ارتحل إلى "دمشق"، "فبعلبك" وبعد أن زار آثارها عاد إلى "لبنان"، فقضى في ربوعه شهرين غادره بعدهما إلى مصر.
وفي سنة ١٣٠٦هـ، أوفدته الحكومة المصرية رئيسا للوفد العلمي المصري في المؤتمر العلمي الذي انعقد في "استوكهلم"، وصحبه نجله في هذه الرحلة أيضًا، وقبل مغادرته مصر إلى هذه الرحلة أنعم عليه الخديو "بالنيشان المجيدي" من الدرجة الثانية، وقد مر في طريقه إلى استوكهلم، وبتريستا البندقية، وميلانو، ولوسون، وباريس التي لبث بها عشرين يومًا اجتلى فيها مناظرها الحسان، ورأى من مفاتنها، وعجائب حضارتها طرائف، وغرائب ثم برحها إلى لندن، فنوتردام، ولاهاي، وليدن وزار مكتبتها، وشاهد مطبعتها المعروفة بالمطبعة الشرقية، ثم اتجه إلى كوبنهاجن عاصمة الدانيمارك، وقد أتيحت له من مشاهدة النمسا وإيطاليا، وسويسره، وفرنسا، وهولاندة والدانيمارك، والسويد، والنورويج، مشاهد نشطت خياله وغذت فكره، وزادت في حضارته وثقافته، وقد كان في هذا المؤتمر مرموق النبوغ موفور التكريم يشار إليه بالتقدير والإعجاب، وقد أهداه الملك "أسكار الثاني" نيشان "وازه" من الدرجة الأولى اعترافا بفضله.
ولما حط رحاله "بمصر" عزم على تدوين ما اجتلاه في هذه الرحلة من ظواهر، ومشاهد وصور وحيوات، ولكن المرض عاقه عن اتمام هذا العمل الجليل، فأجله إلى شفاء يرتجيه، ولكن العلة ألحت عليه حتى أسلمته إلى المنية في ٧ من ذي الحجة سنة ١٣٠٧هـ، فعني نجله "أمين" بنشر هذه الرحلة في كتاب سماه "إرشاد الألبا إلى محاسن أوربا"، وهو مجلد ضخم طبع في مصر سنة ١٨٩٢م، وفيه تصوير لهذه المسالك، وعاداتها وأخلاقها، وشيء غير قليل من نظم المؤلف، ونثره اللذين لم ينشروا في غير هذا الكتاب عدا بحوث لغوية، وأدبية قيمة، فقد حقق الولد ما فات والده، وكان الابن قد وافق أباه في رحلته.
стр. 325
كتابته:
كانت الكتابة الديوانية في أوائل هذا العصر ضعيفة ركيكة يستعمل فيها الدخيل، والعامي متخلفة عن النهضة، وعبد الله فكري هو الذي شق لها طريق الحياة، ووهب لها شيئا من القوة والسلامة، وأصلح من فسادها، وبدل عيها نطقا وإفصاحا، وقد كانت من قبله تحرر بالتركية الخالصة، وإذا حررت بالعربية، فإنما هي عربية عامية نازلة إلى أحط الدرجات ركة، وتحاذلا "فلما اتصل بمعية الأمير جعل يصدر عنها الرسائل بلغة فصيحة قوية رصينة اتخذت بعد نموذجا للمكاتبات الديوانية، وتأثرها الكتاب من عمال الحكومة بقدر ما واتاهم الجهد، وانفسح لهم في صدر البيان"١.
وقد ذهب في إنشائه مذهب البلغاء، وهو مبكر الشباب في عصر كانت أقلامه مسفة وأدبه غثا، وظل يسمو بأسلوبه، ويعلو في إنشائه حتى شهد بفضله في البيان أعلام لهم مكانتهم في الأدب من أمثال "أحمد أفندي فارس"، الذي يقول عنه في كتابه "سر الليالي"، "ومن برع في هذا العصر، وحق له به الفخر في الإنشاءات الديوانية، وهي عندي أوعر مسلكا من المقامات الحريرية الأديب الأريب العبقري الفاضل "عبد الله بك فكري المصري"، فلو أدركه صاحب المثل السائر لقال: كم ترك الأول للآخر"، ويقول "الشيخ حسين المرصفي في كتاب "الوسيلة الأدبية": "وأنفع ما أراه ينبغي لك أن تتخذه دليلًا يرشدك إلى كل وجه جميل من وجوه الفنون التي تحاول فيها أن تكتب الكتابة الصناعية المناسبة لوقتك، الذي تأمل أن تعيش في رضا أهله عنك، واعترافهم بظهور ما يعود منك عليهم نفعه منشآت الأمير الجليل صاحب الوقت الذي لو تقدم به الزمان لكان له بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان٢ "عبد الله فكري بك".
стр. 326
ولم يكن "عبد الله فكري" يجري على أسلوب واحد في إنشائه، فهو إذ كتب في شأن من شئنون العملية، أو تقرير من التقريرات العملية، اتجه إلى المعنى دون اللفظ، ونحا منحى السهولة والوضوح، وغلب عليه الترسل، وهجر السجع والفواصل إلا قليلا، ومن ذلك ما كتبه "جوتمبرج" إلى الوزير "رياض باشا"، يذكره ما شهده في مؤتمر المستشرقين، إذ يقول: "ثم أشير إلي فقعدت وأنشدت قصيدة كنت أعددتها لذلك بعد ارتحالنا من باريس، فأتممتها في الطريق، وبيضتها في "استوكهلم"، فابتدأت أقول:
اليوم أسفر للعلوم نهار ... وبدت لشمس نهارها أنوار
ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب وبالجملة لي لما أتممت الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسانها، وحضر كانت المؤتمر على أثر الفراغ منها، وسارني يطلب نسختها فأخذها في الحفلة، وخطب بعد ذلك أناس منهم المسيو "شفر" وافد فرنسا، وكانت هذه الحفلة خاصة بذلك ليس فيها تقديم موضوعات علمية، ثم قام الملك وودع الحاضرين، وصافح البعض وصافحنا، وقال: حسنا وانصرف وانصرفنا، وانقضت الحفلة، وارفضت الجمعية.
ولكنه يحتفل بالأسلوب، فيتأنق في عبارته ويزوق في صياغته، ويأتي بالسجع والمحسن، ولكن على غير استكراه ولا تعنت، ويترسم طريقة القاضي الفاضل، ومن نهج نهجه إذ يكتب في الأوصاف والمقامات، والرسائل والألغاز، وغير ذلك من الأغراض التي يتكلف لها "الديوانيون" جهدا واحتفالا، ومن ذلك ما كتبه إلى صديق له يهنئه بشهر رمضان -"أيها الخل الصديق، بل الشقيق الشفيق متعك الله تعالى وتبارك بهذا الشهر الشريف المبارك، وتقبل صيامك، وأسعد لياليك، وأيامك وبعد -فإني لو أجريت القلم في ميدانه، وأرخيت فضل عنانه على أن يبلغ وصف ما في الفؤاد، من الشوق وقديم الوداد، لقصر عن هذه البغية جهده، وقصر عن هذه
стр. 327
الغاية أمده، فكيف لو كلفته بشرك أفضالك، وذكر محامد شمائلك، ومدائح خلالك".
فالله يبقيك كما تشتهي ... ترقى إلى أوج العلا والكمال"
"وكتب إلي صديق له فقال": "سلام يمازج صفو الوداد آخره وأوله، وأثنية سنية لا تصدر إلا عن لسان أووله، مع أداء الدعاء الواجب، وشكوى شوق الفؤاد الواجب، قد بلغ الداعي توعك المزاج الكريم عافاه الله وشفا، وسر ببرئه نفوسا صارت من تلهفها على شفا، فقد أورث هذا الأمر قلب المحب أسى أساء، وثوى به، وتمنى العبد أن يتحمل عن مولاه ذلك الألم، ويكون لحضرة السيد خالص أجره وثوابه، فالله تعالى يعجل مسرة قلوبنا العافية، ويقرب ورود أخبار السلامة والعافية، والسلام".
وأيا ما كان، فإن "عبد الله فكري" قد بلغ مبلغا رفيعا في إنشائه، وكان عظيم الشأن في أدبه يتوسم الكتاب أثره، ويجرون مجراه "وإن قليلا من الدوانيين من ضارع عبد الله فكري باشا في صحة اللغة، وبراعة التركيب وسلامة الفهم والتفكير١، وأن قدرته البيانية، وتمكنه من الأدب واقتداره عليه ألان القلم له فمرة يتوسل، ويأتي بلين القول وسهله، ومرة يتأنق فيجاري الأساليب الضخمة التي يحتفل بها الأدباء والمنشئون.
شعره:
يبدو شعره أقرب إلى السهولة وينزع في جملته إلى الوضوح، ويتناول أغراضا شتى بين وصف وعتاب، وغزل ورثاء وشكر وتهنئه واعتذار، وتنصل ووصايا وحكم، ولكنه مطبوع بالطابع الشعري لعصره على تخفف وتحلل منه في بعض الأحيان، وكان يضع في مطالع قصائده، وخواتيمها تواريخ
стр. 328
بحروف الجمل، ومن ذلك ما قاله في فتح "إسباستبول"، وكل مصرع من مطلع القصيدة تاريخ للسنة.
قد جاء نصر الله وانشرح القلب ... لأن يفتح القوم هان لنا الصعب
١٣٤ ٣٤٠٤ ٦٦ ٥٦٨ ١٦٣ ... سنة ١٢٧٥هـ
وقال يؤرخ زواج "الأمير حسين".
بشرى بأحسن فأل ... يقول والقول يصفو
أرخ لنحو حسين ... عين الحياة تزف
٩٤ ١٢٨ ... ١٣٠ ٤٥٠ ٤٨٧ سنة ١٢٨٩هـ
وهو مولع الجناس فيشيع في شعره، ومن ذلك قوله في مليح رآه أول الشهر:
وبدر تبدي شاهرًا سيف جفنه ... فروع أهل الحب من ذلك الشهر
وليلة أبصرنا هلال جبينه ... علمنا يقينا أنها غرة الشهر
ويقول في مدح "أسكار" ملك "السويد" حين أوفدته مصر لحضور مؤتمر المستشرقين بها.
وغدت لأرباب المعارف دولة ... غراء صاحب ملكها أسكار
أسكار الثاني الذي اعترفت له ... الأقطار وارتفعت به الأقدار
وقال في قصيدة أرسل بها إلى "الشدياق".
تفديك نفس شيج عليل آس ... عز الدواء له وحار الآسي
أضناه طول أسه حتى إنه ... يحكي لفرط ضناه داوي آس
وتطالعك التورية كثيرًا في شعره كقوله:
جاءت تطارحني الهوى فأجابها ... شوق يصابحني هوى ويماسي
وغدت تذكر العهود ولم يكن ... فكري بناس عهد أوفى الناس
стр. 329
"فقد ورى بلفظ "فكري" عن معنييه -فكر- المضاف إلى ياء المتكلم، واسمه" كما يقول موريا أيضا:
ويح شيخ زوجوه ... منهم ظلما صبيه
فارق الدنيا سليما ... من أذاها وهي حيه
"فقد ورى بلفظ "سليم" عن معنيه من سلم من الأذى واللدمع الذي سمته العرب بذلك تفاؤلًا، كما ورى بلفظ حية عن معنييها الوصف بالحياة والهامة المعروفة".
وتظهر في شعره المصطلحات العلمية كقوله:-
يا من دعائي له ومدحي ... فتفلي مدى مدتي وفرضي
ويقول:
أدت به واجبات للعلا ووفى ... معروفها بفروض البر والسنن
"فتملي" و"فرضي" و"فروض" و"السنن" من ألفاظ الفقهاء ومصطلحاتهم.
أما قصائده في الحكمة، فهي ألصق بوصايا المتآخرين ونصائحهم منها بالحكم المطبوعة، وهي بكلام المعلمين أشبه منها بكلام الشعراء، وبوصايا الآباء المحنكين أشبه منها بالخبرة المطبوعة التي تعتبر عنها قرائح أهل الفتوة١، ومن حكمه قصيدته الرائية التي يقول فيها:
إذا نام غرفي دجى الليل فاسهر ... وقم للمعالي والعوالي وشمر
وخل أحاديث الأماني، فإنها ... علالة نفس العاجز المتحير
وسارع إلى ما رمت ما دمت قادرا ... عليه وإن لم تبصر النجح فاصبر
ولا تأت أمرًا لا ترجى تمامه ... ولا موردا ما لم تجد حسن مصدر
стр. 330
وقد يسترسل في شعره، فيأتي بالقصائد الطوال لا يعيبه طولها ولا يجهده رويها، حتى ليبلغ بالقصيدة تسعين بيتا، وهو في آخرها كأولها قوة نفس، ومتانة نسج واتزان روي.
آثاره الأدبية:
ومن آثاره الأدبية: المقالة الفكرية في المملكة الباطنية، وترجمها عن التركية وطبعت سنة ١٢٨٩هـ، ومنها: الفوائد الفكرية، وجزء من شرح ديوان "حسان بن ثابت" ﵁، وتعليقات عن منظومة للمرحوم أحمد خيري باشا، وهي منظومة تضم مواعظ وحكمًا، وكتاب نظم اللال في الحكم والأمثال طبع سنة ١٣٠٨هـ، ومنها: رسالة في الدينار ورسالة فيما اتفق لفظه، واختلف معناه من بلاد مصر، ومنها: كتاب آثار الأفكار، ومنثور الأزهار نشر جزء منه بمجلة روضة المدارس، واتحاف المشتاق بأخبار العشاق، لم يتم، والفصول الفكرية للمكاتب المصرية، وموارد القرآن وهي رسالة طبع بعضها متفرقا في روضة المدارس، ورسالة كتبها في المقارنة بين الوارد في منصوص الرع والمقرر في الهيئة الفليكية، كما نظم سلسلة رجال الطرق الصوفية في منظومة طبعت، وكانت من أول نظمه كما أن له رسالة مطولة إلى المرحوم سلطان باشا بحثه فيها على نشر العلوم في أرجاء الصعيد، ونبذه في محاسن آثار محمد علي باشا، وله في رواية الأحاديث، وأسانيدها طرق عديدة، وهذا عدا مراسلاته ومقالاته وشعره.
الآثار الفكرية:
وقد جمع نجله أمين فكري في كتابه: الآثار الفكرية ما أثر عنه من نظم ونثر، وشرحه للقصيدة الأولى من ديوان حسان كما ضم "تحصيل الحاصل" لأبيه، وترجمة أخرى كتبها له المرحوم الشيخ محمد عبده، والمرائي التي قيلت فيه.
стр. 331
الشيخ محمد عبده:
المتوفى سنة ١٣٢٣هـ-١٩٠٥م.
مولده وطفولته:
كثرت الروايات في تاريخ مولده١، فقد قال في ترجمته لنفسه: "ولدت في أواخر سنة خمس وستين بعد المائتين والألف من الهجرة٢، وفي رواية عنه أنه ولد سنة ١٢٦٥، وهي المشهورة٣.
بلده:
ولد "بمحلة نصر" من مديرية البحيرة، نجله والدان رقيقا الحال وأشرقت في طفولته مخايل نباهته، ودلائل نبوغه وبرع بين أقرانه الصبيان في السباحة والفروسية، ولعب السلاح٤ واستهواه جمال الريف، فكان يحن إليه حتى في شيخوخته، نشأ مبكر الرجولة، نافذ الإدراك في صباه، وقد تحسنت حالة أبيه المادية، فاستطاع "أن يحضر إلى بيته معلما لتعليم أصغر أنجاله القراءة والكتابة، فتهيأ له بذلك فرصة التعلم التي حرم من ثمراتها أبناؤه الآخرون٥".
стр. 332
تعلمه:
أوفده أبوه وهو في الثالثة عشرة من عمره إلى الجامع الأحمدي بطنطا، وبعد عامين قضاهما في الدرس شرع يتلقى قواعد اللغة العربية، ويتفهم أسرارها وقد صادفه الإخفاق في محاولاته الأولى إتقان هذه العلوم، وقال في ترجمته عن نفسه: "وقد وقع لي سنة ونصف لا أفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فإن المدرسين كانوا يبادئوننا باصطلاحات فقهية، أو نحوية لا نفهمها، ولا عناية لهم بتفهيم معانيها لمن لم يعرفها١".
وإذا كانت عاطفة والده حملته على أن يكرهه مرة أخرى على الرجوع إلى هذا المعهد، فإنه فر في الطريق، واختفى عند بعض أقاربه في "كنيسة أورين"، وتهيأ له في هذه القرية رجل مسلم متصرف اسمه "الشيخ"، فجذب "محمد" إليه، وقرأ له بضعة أسطر بأسلوب سهل، وعبارة مشرقة وطريقة جذابة، ولقنه مبادئ الصوفية، وأفهمه طرفا من القرآن فهما صحيحا.
بلغ "الشيخ درويش" من نفس "محمد عبده" مبلغ الإيمان، والإذعان، وبدل يأسه من العلم حبا فيه وإقبالًا عليه، وانتقل من الفرار منه إلى الشوق إليه، وهنا استأنف "محمد عبده" طلبه العلم بهذا المعهد، ولكن بروح جديد، وقلب جديد -وقد حدث "محمد عبده" عن شيخه الأول حيث قال: ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي، إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقييد إلى إطلاق التوحيد٢.
استمع بالمعهد إلى دروسه بعد أن أفاق من غشيته، وبعد أشهر قليلة رغب في تعلم العلم بالجامع الأزهر، فلمع بين أقرانه بذكائه الفطري، ونشاطه
стр. 333
الجم ومثابرته على الدرس التحصيل، وظل على هذا المنوال أربعة أعوام استنبط فيها لنفسه طريقة تأتلف مع روحه، وتتسق مع هواه، وهو كل حال الدائب على البحث والإفادة.
قدوم جمال الدين:
وفي سنة ١٨٧١م، وفد إلى مصر فيلسوف الإسلام، وبطل النهضة وإمامها الأول "السيد جمال الدين الأفغاني"، وكان "محمد عبده" قد ناهز الثلاثين؛ وتولى جمال الدين تعليم المنطق والفلسفة في الأزهر، فكان بين تلامذته ينهل من علمه، ويرتوي من فضله، وأدرك "جمال الدين" ما عليه "محمد عبده" من الذكاء الخارق، والفكر الناهض والعزم الوثاب، والتطلع إلى الإصلاح والتجديد فخصه بعطفه، وأخلص في توجيهه، وأقبل عليه ذلك التلميذ العبقري، فامتلأ من علمه وانتفع بهداه، حتى كان أسبق تلامذته، وأبرعهم علما وفضلا وأحرزهم شهادة العالمية سنة ١٢٩٤هـ، وقد قال فيه "جمال الدين" يوم توديعه لمصر: "لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده، وكفى به لمصر عالما".
مناصبه وتدريسه:
كان ميله إلى التربية والتعليم يملك عليه نفسه، وقد قال: "إنما خلقت لكي أكون معلما"، فأقبل على التدريس بالأزهر، وقرأ به دروسا متنوعة علوم شتى، وإلى جانب هذا كان يقرأ في بيته درسا في الأخلاق، والسياسة لطائفة من عشاقه، فقرأ لهم كتاب تهذيب الأخلاق "لابن مسكويه" المتوفى سنة ١٠٣٠م، وحاضرهم في السياسة معتمدا على كتاب "كيزو في تاريخ التمدن"١، ثم عين مدرسا للتاريخ بمدرسة دار العلوم، فألقى محاضرات في مقدمة ابن خلدون، "ولم يكن هذا النوع من التدريس بدء عهد جديد في مصر فحسب، بل كانت طريقة التدريس أيضا مبتكرة لا عهد للبلاد بها من قبل٢
стр. 334
وإذ كان مدرسًا للعلوم العربية في مدرسة الألسن الخديوية يجمع بين العمل فيها، والعمل في الأزهر، ودار العلوم وجه همه في درس العلوم العربية إلى تنقيح طرق التعليم والتدريس، وتهذيبها فقد كانت الغاية التي يرمي إليها إيجاد نابتة من المصريين تحيي اللغة العربية، والعلوم الإسلامية، وتقوم عوج الحكومة١.
وفي ٢٥ يونيه سنة ١٨٧٩م تنازل إسماعيل إلى ابنه توفيق، ونفي جمال الدين من مصر، وأقال محمد عبده من دار العلوم، ومدرسة الألسن وأمره بالاعتكاف في قريته لا يغادرها، وكان ما أصاب محمد عبده، إنما هو نتيجة لاتصاله بجمال الدين ولآرائه المتطرفة في الدين والسياسة تلك الآراء التي بشر بها في تدريسه، وأذاعها فيما كتبه في الصحف٢.
ولما عاد إلى البلاد رياض باشا ناظر النظار كان محمد عبده رئيسا لتحرير الوقائع المصرية في سبتمبر سنة ١٨٨٠م، فنهض بالوقائع ورفع الصحافة إلى أسمى مكان.
وقد أتيحت له بالإشراف على التحرير، والقيام على الصحف فرصة طيبة، فبث أفكاره، ونشر آرائه إذ كان أمام المطالبين بتقديم البلاد ورقيها، والمدافع عن الشورى والعامل على رفعة الإسلام، ومجد المسلمين والمناهض لاحتلال البلاد، والانتقاص من حقوقها وكرامتها، والعمل على تقيد سلطة الحكم بالشورى.
والحق أن محمد عبده كان شعلة إصلاح، ونهوض تفتحت عيناه على عقم الأزهر، وطريقه في الحياة فذهب النهج، وعبد الطريق واقتحم العقبات بإيمانه وعزمه، ولم يبال بما حثى على عطفيه من التهم والظنون، وقد عاش
стр. 335
ووكده طول حياته أن ينهض بالأزهر والوطن إلى مدارج الحياة الرفيعة، ومراقي العزة والكمال، وقد كان في الثورة العرابية، كما يقول اللورد كرومر روحا مدبرة للحركة، إلا أنه كان في رأيه منافيا للزعماء العسكريين، وحاول مخلصا بكل قواه أن يدير الحركة إلى ما فيه صلاح البلاد بأسلوب مثمر، وطريق منتج، وقد وصف السيد رشيد موقفه في دقة وإيجاز، فقال: "كان خصما للثورة العرابية، وإن كان الروح المحركة للحركة العقلية١"، ثم قال: إن الشيخ محمد عبده كان أول أمر هذه الثورة كارها لها منددا بزعمائها، وهو بينهم؛ لأنه كان يعلم أنها تحيط عمله الذي مضى فيه، وكل إصلاح تعمله الحكومة أو تنويه، وأنها تمهد الأجانب سبيل الاستيلاء على البلاد".
ولما أخفقت الثورة قبض عليه مع زعمائها، وسيقوا إلى المحاكمة فحكم عليه بالنفي ثلاث سنين بعد أن حبس ثلاثة أشهر، ومنع من العودة حتى تأذن له الحكومة بذلك٢، ويروي "جورجي زيدان" أنه نفي؛ لأنه أفتى بعزل الخديو "توفيق باشا"، وروى الرواية نفسها٣، وترى "الجورنال دي كير" أنه نشر الفتوى.
بارح "محمد عبده" مصر ميما وجهه شطر سورية، وبعد أن أقام نحو عام في "بيروت" كتب إليه "جمال الدين"، وكان في "باريس" أوائل سنة ١٨٨٣م، يدعوه للعمل معه فيما سماه "المسألة المصرية٤"، فلحق به حيث
стр. 336
مكث معه عشرة أشهر ترددًا خلالها على بلاد الإنجليز لمفاوضتهم في أمر "مصر" و"السودان"، وشرعا يعملان على تنظيم "جمعية العروة الوثقى" السياسية السرية لإثارة الأقطار الإسلامية لتتحد لمجدها ونهوضها، ثم أصدرا صحيفة باسم الجمعية لتنشر دعوتها، ولما أن تعطلت الصحيفة ذهب الأفغاني إلى "روسية"، و"محمد عبده" إلى تونس أواخر سنة ١٨٨٤، ثم رحل الثاني متنكرًا إلى كثير من الأقطار يبث الدعوة إلى الالتفاف حول العروة الوثقى١.
عودته إلى وطنه:
ولما عاد إلى وطنه شمله عفو الخديو "توفيق"، فعينه قاضيا في المحاكم الأهلية الابتدائية، وحن إلى التدريس ولكن الخديو أبى خوفا من تأثير أفكاره السياسية في التلاميذ٢، وقد أظهر من البراعة والعدل، والدقة في القضاء ما كان تاريخًا وحده، ثم عاد إلى التدريس بالأزهر، وألقى دروسا في التوحيد والبلاغة والمنطق، وتفسير القرآن.
علمه في الإفتاء:
ثم أسند إليه الخديو في ٣ يونيه سنة ١٨٨٩ منصب الإفتاء في مصر، فكساه ثوب الرفعه والجلال، وجعل للمنصب شأنا، ونفوذا لم يعرفا له من قبل، وظل متقلدا منصب الإفتاء إلى أن وافته المنية٣، وكانت فتاواه مطبوعة بطابع الاستقلال، والرأي الذاتي والتحرر من التقليد.
стр. 337
إصلاحه في الأزهر:
اتجهت نفس الإمام إلى إصلاح الأزهر منذ كان طالبا، ولما كان الأزهر منارة العلم في مصر، وفي العالم الإسلامي أجمع، وكان يعتقد أنه إذا أصلح الأزهر، فقد أصلح حال المسلمين١"، وكان يتمنى أن لو استطاع إصلاح الإدارة والتعليم فيه ووسع في مناهجه حتى تشمل بعض العلوم الحديثة، وتقوى وجوه الشبه بينه وبين غيره من الجامعات الأوروبية٢ -ولما عاد من منفاه استأنف جهاده، فسعى لإقناع الشيخ "محمد الأنبابي" شيخ الأزهر إذ ذاك بإدخال العلوم الحديثة في مناهجه، وقد واجه من المعارضة ما يدفع إلى اليأس لولا قوة إيمانه، وفطن إلى يواجهه من الكيد لتأييد الخديو لخطته، وظفر برضا "عباس" عن نهجه بعد أن انقبض "توفيق"، فوفق٣ إلى استصدار قانون تمهيدي، فألف مجلس لإدارة الأزهر من كبار شيوخه الذين يمثلون المذاهب الأربعة، ومثل الحكومة فيه الشيخ محمد عبده، وصديقه الشيخ عبد الكريم سلمان دون أن يكون لشيخ الأزهر، أو لمجلس إدارته رأي في انتخابهما٤، ومع تأييد الخديو له لقي من عنت الشيوخ ما حمله على بدل الجهد لاسترضائهم، فاستمالهم بزيادة رواتبهم، واستصدر قانون كسى التشريف -وكان مما عني به من وجوه الإصلاح اهتمامه بمساكن الطلاب، فزاد في عددها وجدد أثاثها، وجعلها ملائمة من الناحية الصحية، ثم وجه نظره إلى الشئون الإدارية، وزاد في مواد الدراسة والحساب والجبر، ومبادئ الهندسة، وتاريخ الإسلام والإنشاء، ومتن اللغة وآدابها وتقويم البلدان، وحدد أوقات الإجازات وقصر العطلة الصيفية، ونظم مكتبة الأزهر، واسترد ما غصب منها
стр. 338
وما بدد، وأنشأ في كثير من المعاهد مكتبات أخرى، ولما عاد إلى التدريس بالأزهر عمل على إحياء العربية الفصحى، وآدابها فاستعملها في دروسه، وخطبه وأحاديثه، وسعى لدى ديوان الأوقاف حتى قرر مبلغ مائة جنية مكافأة لأحد العلماء لتدريس أدب اللغة العربية الفصحى في الأزهر١ هذا، وقد غرس في نفوس تلامذته النابهين حب إصلاح الأزهر، والنهوض به، فقاموا من بعده على رسالته، وكان مجد الأزهر الحديث من جهدهم وسعيهم، فجزاه الله وجزاهم أبلغ الجزاء.
أدب الشيخ محمد عبده:
كان أدب الشيخ محمد عبده حلقة اتصال بين عهد الضعف والانحلال، والفراغ من المعاني والتخاذل، والتهالك على الصنعة اللفظية الذي كان طابع الفترة الأدبية الأولى من هذا العصر، وعهد القوة والجزالة، والتملؤ من المعاني، والاحتفال بالموضوعات، والإعراض عن الصنعة.
وأدب الأستاذ الإمام في جملته قد تدرج في مراحل مختلفة كان لكل منها صبغة خاصة.
ففي المرحلة الأولى:
حين كان شابا حدثا يختلف إلى دروس الطلب في الأزهر بدأ في أسلوبه السجع مع ركاكة، وتكلف وخضوع للاصطلاح العلمي كما بدت فيه آثر الكتب الأزهرية القديمة التي تظهر في تعبير القدماء والمناطقة، ويتضح ذلك في مقالته الأولى المنشورة بجريدة "مصر"، تحت عنوان فلسفة التربية إذ يقول متحدثا
стр. 339
عن التربية الصحيحة وأثر المربين في النفوس "أولئك هم المرشدون الحقيقيون، فإن رزقت الأمة بمثلهم فبشرها بالسعادة، وإن رزئت بمطبين لا أطباء بأن صعد على منابر النصح فيها الجهلة، والأغبياء والسفلة والأدنياء، فأنذرها بالفناء والشقاء، فإن المرشد الضال والنصوح الجاهل يودع النفوس رزائل الأخلاق باسم أنها فضائل، ويغرس فيها جراثيم الشر باسم إنها أصول الخير، ولربما كان مقصده حسنا، ولا يريد إلا خيرا، ولكن جهله يعميه عن سلوك طريقه، ويبعده عن اتخاذ رسائله، فتقع الأرواح في الجهل المركب، وهو شر من الجهل البسيط.
وفي المرحلة الثانية:
حينما زادت ثقافته الحديثة عن طريق الغرب، واتصل بالحياة الاجتماعية والصحف، واطلع على كثير من كتب الأدب كان ذلك تيارا جديدا نفع أدبه بروح التحرر من أغلال الصنعة اللفظية، واتجه إلى المعاني والموضوعات الحية، والأفكار الجديدة وهجر كثيرا من السجع والمحسنات البديعية، وكان مظهر ذلك ما جاء في بعض مقالاته في الوقائع المصرية، وكثير من رسائله، ومنها ما كتبه في الوقائع الصادرة بتاريخ ٩ فبراير سنة ١٨٨١ تحت عنون "منتدياتنا" العمومية وأحاديثها"، جاء فيه: "نواصل الليل بالنهار في اللهو واللعب بلغت منا الخرافات، والهذيانات مبلغا جسيما حتى استحوذت علينا، فأنستنا ذكر الحقائق النافعة، والمصالح المهمة وصارت تلك الأخلاط الفاسدة كملكات للنفس يتعسر زوالها إلا بذهاب الأرواح والأشباح، تعقد عندنا بالمجالس، ولكن على ذكر أنواع الخمور، والمسكرات يطرب المجتمعون فيها بذكر أوصاف الغيد الحسان، ويصرفون ثلثي الليل على قهاوين، ويشربون فيها من المواد الممزوجة بالعقاقير المسامة قدرا لا تسوغه طباع الوحوش الضارية، ولا الأسود الكاسرة، وفي خلال ذلك يتشاقون ويتخاصمون، حيث أن كلا منهم بفضل مألوفه على مألوفات صاحبه، ويعدد أوصافه ويذكر محاسنة، ويشرح مزاياه من حور عيون ورقة خصور وعذوبة منطق، وما شاكل ذلك.
стр. 340
وأما مجالس ذوي الكمالات من أهل المدن، فإنها وإن اتفق وتجردت عن الحديث في منكر، فهي لا تخلو من وحشة، فإنه على الأقل لا بد أن يتشرف المجلس، ولو زمنا قليلا بحلول الغيبة، أو النميمة المرافقين لنا بمرافقة الشخص لظله إلا إذا سمحت الصدقة، وكان زمن المجلس قليلا جدًّا لا يسع سوى التحية دون ردها، وأنهم لن يستطيعوا أن يبرهنوا على خلاف ذلك، فإني قائل إذا لم يجلسوا مستمدين الصمت، ومنصرفين كذلك فبماذا ينطقون؟ هل ينطقون بعلم شرعي، وقد جهلوه أو تجاهلوه؟ أو بعلم صناعي وقد عادوه، أم فن طبي وقد تناسوه، أم حديث عن منفعة عمومية وقد أغفلوها، أم استفسار عن حوادث سياسية، وقد زعموا الاشتغال بها عبثا؟
المرحلة الثالثة:
أما في هذه المرحلة، فقد تهيأ للأستاذ الأمام من الأحداث السياسية والاجتماعية ما أدى إلى نفيه، واغترابه، وتنقله بين بلاد الشرق والغرب، فاطلع على ألوان جديدة من حضارتها، واتصل بالحياة فيها وخالط المفكرين، فأكسبه كل ذلك مرانة فكرية، وبيانية هذبت أسلوبه، وصقلت تعبيره، وزادته تحررا من السجع والصنعة، وتوفرت له مادة الكتابة والتحرير، وجعل متجهه في الكتابة المعنى والفكرة يطنب في بسطها، وتوضيحها لا يلم إلا قليلا بالصناعة اللفظية، وقويت له الحجة والبرهان المنطقي، والأسلوب الجدلي لطول دفاعه عن الدين، وذوده عن الوطن والشعوب الشرقية جميعا، واستنهاضه العزائم حتى يسترد الشرق مجده المغصوب، وفي هذه الناحية تجلت مقدرته البيانية من قوة أسلوب، وجزالة تعبير وأحكام نسج، ودعم للحجة كما اتسعت أغراض الحديث لديه من تحرير في الاجتماع والدين، ورسائل إخوانية، وكتب يعبر فيها عن خوالج حسه المختلفة بأسلوب طلي فسيح جعل المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، يصف صاحبه في كتاب الحساب الأحمر، فيقول: "خلق فصيحا مبين اللهجة؛ لأن لسانه أعد لتفسير معجزة الدنيا في هذه اللغة، فكان لسانه ولا غرو معجزة في الألسنة، وكان له بيان ينبث من طبعه
стр. 341
المصقول بالشعاع الذي توامضك به المرآة إذا انقدحت جمرة الفلك عليها"، ومن أدبه في هذه المرحلة ما نقتطفه مما كتبه في جريدة "العروة الوثقى"، بعنوان "الشرف" ص٣٠٧ ج٢ تاريخ الإمام "خدع قوم بالأحلام، وغرتهم الأوهام ففرطوا في شئون بلادهم، وباعوا مجدهم الشامخ بتلك الأسماء التي لا مسمى لها، وزعموا وإن لم تطاوعهم ضمائرهم أنهم رقوا مكانة من الشرف، وإن كان خاصا بهم بعد ما علموا أن الرتب، والنياشين جاوزت حدها، ونالها غير أهلها، فلو أنهم أصغوا لما تحدتهم به سرائرهم، وتعنفهم به خواطر أفئدتهم، ورمقوا بأبصارهم ما يحيط بهم لعلموا أنهم في أحسن المنازل، وأبعد المزاجر وأدركوا خطأهم في معنى الشرف، وجورهم عن جادة الصواب في طلبة لو أحسوا بما رزئت به أوطانهم، وما لصق من الذل والعار بذراريهم لطرحوا الوشاحات، ونبذوا الوساءات ولبسوا أثواب الحداد، ونفروا خفافا، أو ثقالا لطلب الشرف الحقيقي.
الشرف حقيقة محدودة كشفتها الشرائع، وحددتها عقول الكاملين من البشر، وليس لذي شاكله إنسانية أن يرتاب في فهمها، إلا من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة ... من أتى عملًا من الأعمال له أثر من هذه الآثار فهو الشريف، وإن كان يسكن الخصاص والأكواخ، ويلبس الدلوق والأسمال، ويقتات بنبات البر ويبيت على تراب القفر، ويتوسد نشر الأرض، ويضرب في كل واد، ويتردد بين الربا والوهاد، هذا له حلية من عمله وزينة من فضله، وبهاء من كماله وضياء من جده يهدي إليه ضالة الألباب، وتائهة الأفئدة تعرفه المشاعر الحساسة ولا تنكسره، وتكتنفه ذرات القلوب المتطايرة إليه، ولا تنفصل عنه، له من روحه قصور شاهقة، وغرفات شائقة ومناظر رائقة، وجمال باهر ونور زاهر لا يكاد يخفى حتى يظهر، ولا يكاد يستر حتى يبصر، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه إلى أعلى عليين، حياة طيبة في القلوب، وغرة مشرقة في جبين الزمان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
стр. 342
ومن رده على "هانوتو" أحد وزراء فرنسا، وكتابها في العقائد١ ما هذا التمدن الآري الذي كانت عليه أوروبة عندما انتقص أطرافها المسلمون؟ هل كانت تلك المدنية هي المتسافك في الدماء، وإشهار الحرب بين الدين والعلم، وبين عبادة الله والاعتراف بالعمل؟ نعم هذا هو الذي كان معروفا عند الغربيين وقت ما ظهر الإسلام، وما حمل الإسلام إلى أوروبة؟ وما هي المدنية التي زحفت عليهم بها فردوها؟ زحف عليهم بما استفاد من صنائع الفرس، وسكان آسيا من الآريين، زحف عليهم بعلوم أهل فارس والمصريين الرومانيين واليونانيين، نظف جميع ذلك ونقاه من الأدران والأوساخ التي تراكمت عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية لذلك التاريخ، وذهب به ناصعا، يبهر به أعين أولئك الغافلين، والمتسكعين الذين كانوا في ظلمات الجهالة لا يدرون أين يذهبون.
إني أكيل "لمسيو هانوتو" أجمالًا بأجمال، والتفصيل لا يجهله قومه، وكثير من منصفيهم لم يستطع إلا الاعتراف به -إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين، فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كان يسطع ضوؤها من بلاد الأندلس على ما جاورها، وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها من قرون، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، واليوم يرعى أهل أوروبا ما نبت في أرضهم بعد ما سقيت بدماء أسلافهم المسفوكة بأيدي أهل دينهم في سبيل مطاردة العلم، والحرية، وطوالع المدنية الحاضرة".
ونستطيع أن نحكم على الطابع العام لأدب الأستاذ الإمام بأن السطوة، والجزالة والميل إلى الإطناب ما احتاج إلى الشرح والإفاضة مع تخفف من الصناعة اللفظية التي لا تكلف فيها، كما يشيع في كتابته الاستشهاد بالقرآن، والحديث والتمثيل بالمأثور من كلام الحكماء الشرقيين والغربيين.
стр. 343
أما أسلوبه العلمي التأليفي، فإنه يمتاز بالفصوح والسلاسة، والاطراد وحسن السبك وقوة البرهان، ومن ذلك ما كتبه في رسالة التوحيد بعنوان "القرآن".
جاءنا الخير والمتواتر الذي لا تتطرق إليه الريبة أن النبي ﷺ كان في نشأته، وأميته على الحال التي ذكرنا، وتواترت أخبار الأمم على أنه جاء بكتاب قال: إنه أنزل عليه، وأن ذلك الكتاب هو القرآن المكتوب في المصاحف المحفوظ في صدور من عني بحفظه من المسلمين إلى اليوم، كتاب حوى من أخبار الأمم الماضية ما فيه معتبر للأجيال الحاضرة، والمستقبلة نقب على الصحيح منها، وغادر الأباطيل التي ألحقتها الأوهام بها، ونبه على وجود العبرة فيها، حكى عن الأنبياء ما شاء الله أن يقص علينا من سيرهم، وما كان بينهم وبين أممهم، وبرأهم مما رماهم به أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم آخذ العلماء من الملل المختلفة على ما أفسدوا من عقائدهم، وما خلطوا في أحكامهم، وما حرفوا بالتأويل في كتبهم، وشرع للناس أحكاما تنطبق على مصالحهم، وظهرت الفائدة بالعمل بها والمحافظة عليها، وقام بها العدل وانتظم بها شمل الجماعة ما كانت عند حد ما قرره، ثم عظمت المضرة في إهمالها والانحراف عنها، أو البعد بها عن الروح الذي أودعته، فقامت بذلك جميع الشرائع الوضعية كما يتبين للناظر في شرائع الأمم، ثم جاء بعد ذلك بحكم ومواعظ، وآداب تخشع لها القلوب وتهش لاستقبالها العقول، وتنصرف وراءها الهمم انصرافها في السبيل الأمم.
نزل القرآن، عصر اتفق فيه الرواة، وتواترت الأخبار على أنه أرقى الأعصار عند العرب، وأغزرها مادة في الفصاحة، وأنه الممتاز بين جميع ما تقدمه بوفرة رجال البلاغة وفرسان الخطابة، وأنفس ما كانت العرب تتنافس فيه ثمار العقل ونتائج الفطن، والذكاء هو الغلب في القول، والسبق إلى إصابه مكامن الوجدان من القلوب، ومقر الأذعان من العقول، وتفانيهم في المفاخرة بذلك
стр. 344
مما لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه -تواتر الخبر كذلك بما كان منهم من الحرص على معارضة النبي ﷺ ، والتماسهم والوسائل قريبها، وبعيدها لإبطال دعواه، وتكذيبه في الأخبار عن الله، وإتيانهم في ذلك على مبلغ استطاعتهم، وكان فيهم الملوك الذين تحملهم عزة الملك على معاندته، والأمراء الذين يدعوهم السلطان إلى مناوأته، والخطباء والشعراء، والكتاب الذين يشمخون بأنوفهم عن متابعته، وقد اشتد جميع أولئك في مقاومته، وانهالوا بقواهم عليه استكبارًا عن الخضوع، وتمسكا بما كانوا عليه من أديان آبائهم، وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم، وهو مع ذلك يخطئ آراءهم ويسفه أحلامهم ويحتقر أصنامهم، ويدعوهم إلى ما لم تعهده أيامهم، ولم تخفق لمثله أعلامهم، ولا حجة له بين يدي ذلك كله إلا تحديهم بالإتيان بمثل أقصر سورة من ذلك الكتاب، أو بعشر سور من مثله، وكان في استطاعتهم أن يجمعوا إليه من العلماء، والفصحاء والبلغاء ما شاءوا ليأتوا بشيء من مثل ما أتى به ليبطلوا الحجة، ويفحموا صاحب الدعوة.
أثر الشيخ "محمد عبده" في أدب العصر:
سبق أن تحدثنا عن الأثر الملموس الذي كان للإمام في نهضة الصحافة، ولغتها وأنه كان عاملا قويا في تخليص الكتابة مما شابها من الضعف، والسجع المرذول والصناعة المستكرهة، وجعل ما أشرف عليه من الصحف تربة صالحة تنمو بها الكتابة ويتسع موضوعها، وتترامى آفاقها، وتتناول شتى شئون الإصلاح المساير للعصر ومقوماته، وهذا هو أدبه الذي ألقينا عليه نظرة دراسية موجزة يبين لك كيف سما به الشيخ "محمد عبده"، فهذب لغته وبسط موضوعه، وصقل أسلوبه وخلصه من قيوده وأغلاله، وكان في طليعة من نهضوا بالأدب في هذا العصر إلى مكان طيب.
والحق أن حركة الإصلاح التي أذكاها الإمام كانت ثورة مشبوبة اهتزت لها النفوس، وسايرتها الأمم العربية، وكان لها حظ قوي في بث روح النهضة، فهي
стр. 345
لم تمدها بالكتاب والعلماء القادرين فحسب، بل إنها خلقت جوا صالحا يمكن أن ينشأ في عهد الكتابة من جديد، وأن الجهود التي بذلها الشيخ "محمد عبده" في سبيل تحرير العقول في مصر من أغلال التقليد، وفي التوفيق بين دين الإسلام وثقافته، وبين ما وصلت إليه المدنية الحديثة سهلت على الأدب العربي في عصرنا الحاضر سبل التجديد، دون أن تنفصم الروابط التي وصلت بين حاضره وماضيه في الإسلام، وليس من شك في أن الجيل الحديث من كتاب المسلمين يدينون بهذا الفضل للأستاذ الإمام١.
عمله في جمعية إحياء الكتب العربية:
بينا في الحديث عن الأزهر الصحافة جهوده التي بذلها في إشرافه على "الوقائع المصرية"، لإحياء اللغة العربية، والنهوض بها إلى المستوى الذي بلغته عندما كانت الثقافة العربية في أوج مجدها٢.
ومما امتاز به ﵀ أنه كان شديد الغيرة على اللغة العربية دائم السهر على إحياء كتبها النافعة، ولم يكن هذا تطرفا منه في الحماسة للعلم، بل كان يرى "أن اللغة العربية هي أساس الدين٣، وأن حياة المسلمين بدون حياة لغتهم من المحال٤، وبجده وسعيه، ثم "للسيد رشيد رضا"، طبع كتابي "أسوار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" اللذين هما أنصع كتب البلاغة وأعذبها تأليفا، ولولا تصحيح الفقيد لهما، واستحضاره لنسختهما من الأقطار النائية لما تيسر طبعهما٥.
стр. 346
وقد أسست جمعية أحياء الكتب العربية في مصر سنة ١٣١٨ برئاسة الإمام لهذا الغرض النبيل، وكانت فاتحة أعمالها طبع كتاب المخصص "لابن سيده" في اللغة، وهو كتاب جليل القدر عظيم الشأن، وقد تولى ﵀ تصحيحه مع علامة اللغة المرحوم الشيخ "محمد محمود الشنقيطي"، وإن الفضل في خدمة "الشنقيطي" لهذا الكتاب راجع إلى فقيدنا، فإنا لولاه لما أقام في هذه البلاد.
نقلا عن حسن باشا عاصم١:
ثم كانت للإمام جهود مشكورة في استحضار نسخ مدونة "للإمام مالك" من فاس وتونس، وغيرهما من البلاد، وقد تولت الجمعية نسخ هذا الكتاب، وبغير فضل الإمام لم يتم نسخه والانتفاع به.
آثاره العلمية والأدبية:
١- شرح نهج البلاغة:
نهج البلاغة كتاب بضم ما جمع الشريف الرضي من كلام الإمام وغيره، وقد دفعه إلى شرحه رغبته في تحصيل الفائدة لشباب ذلك الزمان "الذين يتدافعون إلى نيل الأدب من لسان العرب، ويبتغون أنفسهم سلائق عربية وملكات لغوية، ففسر غريب الألفاظ، ووضح ما استغلق من معاني المفردات والجمل، وعلق على بعض مفرادته شرحا وبعض جمله تفسيرًا، وذلك الجهد الذي بذله الإمام في شرح هذا الكتاب قد أظهر ذوقه في تفهم أسرار البلاغة، وتضلعه في لغتها، وقد طبع هذا الكتاب في بيروت "سنة ١٣٠٢هـ-١٨٨٥م"، وفي طرابلس ثم طبع في مصر كثيرًا.
стр. 347
٢- شرح مقامات بديع الزمان الهمزاني:
احتفل الإمام بهذا الكتاب، فوضع غامضة وفسر مبهمة، وأخرجه للناس جم النفع قريب الفائدة، وهو مطبوع في بيروت "١٣٠٦هـ-١٨٨٩م"، ولم يعرف لغيره شرح لهذه المقامات.
٣- رسالة الرد على الدهريين:
كتبها بالفارسية "السيد جمال الدين الأفغاني"، ثم ترجمها الإمام إلى العربية بمساعدة "عارف أفندي أبي تواب" أحد أصدقائه من الأفغانيين، وقد طبعت للمرة الأولى في بيروت سنة ١٣١٣هـ -وطبعت للمرة الثانية في القاهرة "١٣١٢هـ-١٨٩٥م"، ثم تكرر طبعها وكان آخره سنة ١٣٤٤هـ-١٩٢٥م.
٤- الإسلام والرد على منتقديه:
وهو سلسلة مقالات نشرها في صحيفة "المؤيد" سنة ١٩٠٠ يرد بها على "المسيو هانوتو"، أحد وزراء خارجية فرنسا السابقين التي نشرها في صحيفة "دي باري"، وقد ترجمها إلى الفرنسية، وطبعة مرة ثانية بالعربية بعد أن أضيفت إليها مقالات أخرى للإمام، وذلك في سنة ١٣٢٧هـ ١٩٠٩م، وطبعت غير مرة، وكان آخر طبعها في سنة ١٣٤٣هـ ١٩٢٤م.
٥- الإسلام والنصرانية:
مجموعة مقالات ظهرت في "الأهرام" سنة ١٩٠١ردا على ما كان يكتبه "فرج أنطون" في مجلة الجامعة، ثم طبعت في القاهرة "١٣٢٠هـ ١٩٠٢م"، وصدرت الطبعة الثالثة سنة "١٣٤١هـ-١٩٢٢م".
٦- تاريخ إسماعيل باشا:
لم نر هذا الكتاب، ولكن "السيد رشيد رضا" الذي لم يره أيضا يذكر
стр. 348
أن أحد تلاميذ الإمام أخبره به، وقال: إن "السيد عبد الله نديم" كان قد أخذ من الفقيد نسخته في أثناء الثورة العرابية، ونشر منه فصولا في جريدة الطائف بتصرف، أو بغير تصرف، ولم أسمع منه ﵀ ذكرا لهذا الكتاب١.
٧- فلسفة الاجتماع والتاريخ:
كتاب ألفه أيام تدريسه مقدمة ابن خلدون في مدرسة دار العلوم، "وقد فقد هذا الكتاب عندما عزله توفيق باشا من المدرسة، ونفي السيد جمال وأخذت أوراقه، وكان طيب الله ثراه يقول: أتمنى لو يحفظ هذا الكتاب من وقع في يده، وينعيه لنفسه ولو بعد موتي لينتفع به الناس٢".
٨- نظام التربية والتعليم بمصر:
رسالة في أبلغ الطرق للتربية والتعليم نشرها صاحب تاريخ الإمام في باب لوائح التربية والتعليم من منشأته "صفحة ٥٣٣ ج١ طبعة ثانية".
٩- رسالة التوحيد:
تعد هذه الرسالة من أبلغ النماذج للغة التأليف في أسلوبها، وقوة حجتها قرأها الإمام دروسا طريفة تهافت عليها الناس، ويرى "السيد رشيد" أنها "لم ينسج ناسج على منوالها، ولم تسمح قريحة بمثالها" قد كانت ذات أثر عظيم في نفوس العلماء، والمفكرين "لا من المسلمين وحدهم بل صرح بعض المستقلين من نصارى سورية بالثناء عليها حتى قال بعضهم: إذا كان الإسلام هو ما بينته هذه الرسالة، فأنا أول مسلم٣، وقد ترجمت في الهند، "وأصبحت من الكتب التي تدرس في جامعة عليجرا وغيرها٤.
стр. 349
وقد كتب الإمام في تقديمه لهذه الرسالة وصفا تاريخيا موجزا لتطور العقائد في الإسلام، يمتاز من بين ما كتبه علماء الإسلام بقربه من المنهج النقدي الحديث، وكلامه عن تطور الفلسفة في هذه المقدمة يكشف عن رأيه فيها، ويصور أيضا نزعته العامة في التفكير١.
١٠- رسالة الواردات:
رسالة في الكلام أو التوحيد على نهج الصوفية، وأسلوبهم نشرها صاحب المنار في الطبعة الأولى للجزء الثاني من منشآت الإمام ثم طبعها مستقلة، وقد رجع الإمام عن بعض ما قرره فيها، كما يعلم من رسالة التوحيد له٢.
١١- رسالة في وحدة الوجود:
كتبها يبين بها مراتب الوجود وتعددها، ونظامها العام ووحدتها:
١٢- حاشية عقائد الجلال الدواني:
ألفها في علم الكلام وشرح مسائله، وتحرير الخلاف بين المتكلمين، وهي طبعة ذائعة طبعت في القاهرة "١٢٩٢-١٨٧٦"، ثم طبعت ثانية في سنة "١٣٢٢-١١٠٤".
١٣- شرح كتاب البصائر النصيرية:
شرح مختصر في المنطق أطلق عليه لفظ التعليقات، وهو مكتوب بأسلوب رفيع كان قد قرأه درسا في الأزهر، وطبع للمرة الأولى في القاهرة سنة ١٣١٦-١٨٩٦ مع تعليقات للإمام.
стр. 350
١٤- تفسير سورة الفاتحة:
طبع في القاهرة سنة "١٣٢٣هـ-١٩٠٥م"، وصدرت الطبعة الثانية في سنة "١٣٣٠هـ-١٩١١م".
١٥- تفسير سورة العصر:
نشر أولا في المنار، ثم طبع في القاهرة "١٣٢١هـ-١٩٠٣م"، وطبع بعد ذلك كثيرًا.
١٦- تفسير جزء عم:
نشر أولا في المنار، ثم طبع في القاهرة على انفراد سنة "١٣٢٢هـ-١٩٠٤".
١٧- القرآن الحكيم:
ويسمى تفسير المنار كان في نية الإمام أن يفسر القرآن كله، ولكن قضاء الله لم يمهد له فوصل ما فسره إلى الآية ١٢٥ من السورة الرابعة، ومما يتسم به تفسير الإمام سلاسة الأسلوب، وغزارة العلم، ومساوقته لروح العصر في حرية من البحث لا تخرج عن شرع الله بلغة مشرقة، وتعبير فصيح.
١٨- تاريخ أسباب الثورة العرابية:
نشر جزء منه في تاريخ الإمام ج١ ص٥٩، وما يليها هذا عدا ما خلده، من مقالاته الرائعة التي نشرها في الأهرام، والوقائع المصرية والعروة الوثقى، وثمرات الفنون، والمؤيد والمنار وغيرها.
стр. 351
الشيخ عبد الكريم سلمان:
المتوفى سنة "١٣٣٦هـ-١٩١٨".
نشأته وحياته:
ولد ﵀ في القاهرة يوم الخميس غرة شعبان سنة ١٢٦٥هـ، من أبوين ألباني الأصل، فقد وفد إلى مصر من "ألبانيا" جده لأبيه المرحوم "سلمان أفندي أغا" في عهد "محمد علي باشا"، ووظف بجنده، وكان ابنه "حسين أفندي" قد اتصل بأسرة من جنسه بقرية "جنبواي" من أعمال مركز "إيتاي البارود" بمديرية "البحيرة"، فأصهر إليها ولبث بهذه القرية على هوى منه، وزهد في وظيفته بما اشتراه من عقار في هذه الجهة، وقد رزق عدة بنين كان المرحوم الشيخ "عبد الكريم" ثانيهم سنا، وقد أصيب الشيخ "عبد الكريم" بالجدرى، وهو طفل، فكاد يذهب ببصره لولا أن القدر هيأ له أخاه في الطفولة، فبينما كان يعلبان على سطح الدار إذا بأخيه يقذف به، فيهبط من حالق وتشج جبهته وحاجبه، ويتدفق منها دم غزير انكشفت به غشاوة عن إحدى عينيه، فأبصر بها.
وقد حال ضعف بصره دون إلحاقه بالمدارس، فالتحق بكتاب القرية، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وأتم القرآن به ثم أشرب حب الأزهر، وتملكه هواه فتسلل خفية إليه، وقد التقى في طريقه إلى الأزهر برجل من قريته، فسأله الرجل عن مقصده فعي جوابه، وإذ ذاك عاد ب الرجل إلى القرية وأسلمه لوالده، ولم يشأ والده أن يصرفه عن حبه الأزهر، فأوفده إليه في سنة ١٢٨٨هـ، فانكب على العلم وطالعه برغبته وشوق، وكان معروفا بالذكاء والتفوق على الأقران، وجمعته صداقة الصبا بجمهرة من نابغي الأزهر كالطلاب "سعد زغلول"، و"محمد عبده"، و"إبراهيم الهلباوي"، وغيرهم.
стр. 352
وفي أواخر داسته بالأزهر، وفد إلى مصر "السيد جمال الدين الأفغاني"، فوصل بينهما "الشيخ محمد عبده"، وأكد ودهما فتلقى "الشيخ عبد الكريم" عن الأفغاني ما كان ينشده بمصر من العلوم، ودرب فيمن دربهم على الكتابة ومعالجة الشئون، ومنذ ذلك الحين شرع يكتب في الصحف، ويتناول النواحي الوطنية، والخلقية والاجتماعية، وذاع اسمه بين الكتاب النابهين، وكان قلمه يدر عليه اليسر والرغد، ونال شهادة العالمية من الدرجة الأولى في سنة ١٣١٥ هجرية.
أعماله:
اتجهت رغبة المرحوم "رياض باشا"، وكان ناظر النظار إلى إصلاح جريدة الوقائع المصرية، فقلب بصره باحثا عن نحارير الكتاب، وجهابذتهم فاختاره فيمن اختارهم لتحريرها "كسعد زغلول"، و"سيد وفا"، وغيرهما تحت رئاسة الشيخ "محمد عبده" سنة ١٨٨٠م، وكان "رياض باشا" قد اهتدى إليه بمقال كتبه قبل ذلك تناول فيه بالنقد بعض أعمال الحكومة، فدعاه على أثر ذلك، وخيره بين الكف عن الكتابة والتزام قربته، فآثر الثانية، ثم دعاه منها لهذا العمل، فكان أحد الذين سموا بلغة الوقائع، ونهضوا بتحريرها، وخلصوها مما كانت ترسف في أغلاله من السجع المرذول، والصناعة المستكرهة.
ولما حوكم "الشيخ محمد عبده" عقب الثورة العرابية، وقضى بنفيه إلى "الشام" حل "الشيخ عبد الكريم" محله في رئاسة الوقائع، وظل بها إلى أواخر سنة ١٨٩٧، وهي السنة التي ألغي فيها القسم الأدبي من الوقائع، فعادت إلى ما كانت عليه صحيفة أوامر وقوانين.
ثم عين في أول يناير سنة ١٨٩٨م عضوا بالمحكمة الشرعية العليا، وقد حصل على شهادة العالمية في فقه الأحناف؛ لأنه نشأ شافعي المذهب، ولا يتقلد
стр. 353
قضاء مصر إلا الحنفية، وقد أبدى ذكاء غريبا في دراسة فقهه الجديد، فإنه تضلع فيه، واستمكن في وجيز من الزمن.
وفي أول أبريل سنة ١٨١٠م عين مفتشا عاما بالمحاكم الشرعية، وطاف بمحاكم البلاد جميعها، وكتب تقريرا مبدعا بين فيه ما شاهده من علل، ونقص وأشار بكثير من ضروب الإصلاح والعلاج الإداري والفقهي، ثم لقي عنتا آثر به الاستقالة في نوفمبر سنة ١٩١٢م.
صلته بالشيخ محمد عبده:
وقد نشأ ملازما للشيخ "محمد عبده" متآخيا معه لا يغادر أحدهما الآخر منذ صباه، ولقد ضرب الشيخ "محمد عبده" في أثناء دروسه مثلا يصور به تلازمهما، فقال: "كأن يسأل السائل هل رأيت الشيخ "محمد عبده"؟ فتقول: ولا الشيخ "عبد الكريم سلمان"، وكان بينهما تقارب في الرأي، وتناسب في الفكر وتشابه في الشعور، وكأنهما أراد أن تدوم صلتهما في الآخرة كما دامت في الأولى، فابتنيا قبرا واحد ضم رفاتيهما، فما أبلغ ذلك وفاء.
لازم الشيخ "عبد الكريم" صديقه الإمام أكثر من عشر سنين بذلا فيها جهودا موفقة في خدمة الأزهر، وإصلاح شئونه, وكثيرا ما عاون الشيخ "عبد الكريم" زميله الإمام في مشروعاته المثمرة، وعاضده في أنجاحها على رغم ما يدبر له من كيد أعدائه، وأعداء الإصلاح، حتى أنجز في ظلالهما ورعايتهما للأزهر إصلاح واسع الأفق، فصله "الشيخ عبد الكريم" في كتابه الذي سماه "أعمال مجلس إدارة الأزهر"، وقد طبعه المرحوم "السيد رشيد رضا" مجردا من اسم صاحبه لما حواه من حقائق تتصل بالخديو إذ ذاك، ولما قدم الإمام استقالته من مجلس إدارة الأزهر قدم هو الآخر استقالته في الأسبوع نفسه١، ومما قاله الإمام في تقديره: "وأكننته كنى فأدنيته منى، وجعلته
стр. 354
في مكان النحو من ابن جني".
وما زال كذلك حركة دائبة في الإصلاح، وآية فذة في العلم والأدب حتى قبض ﵀ في يوم الجمعة السابع عشر من مايو سنة ١٩١٨ على أثر نوبة قلبية لم تملهه، وقد نقل جثمانه من الرحمانية إلى القاهرة في حفل رهيب سعى إليه سعد زغلول، وعلماء الأمة وعظماؤها، وأدباؤها وكبراؤها.
أخلاقه:
هذا وقد كان ﵀ أبلغ الأمثال في الإباء، والاعتزاز بالكرامة رحيما يرثي للمنكوبين، ويغدق خفيه على المعوزين، ويسعى لقضاء مصالح الناس، فلا ترد له كلمة ولا تنتكس له شفاعة، ويؤثر غيره على نفسه، ولو كان به خصاصة ويقدم سواه فيما هو أهل له، رجا صديقه الإمام، وسعدا يوما ما في تعيين بعض الأصدقاء، وقد توسط به من منصب كبير، قال له الإمام: إنني "وسعدا" ندخر هذا المنصب لك، وأنت أجدر الناس به، فقال: لا، لن أقبله إنما هو لصاحبي فقد أعطيته كلمة.
وبلغ من الرثاء للمحتاجين البائسين أنه كان يجمع من كثير من الأغنياء صدقة يوزعها عليهم ترفيها عنهم.
كتابته:
اشتغل ﵀ بالكتابة والتحرير في الصحف، وهو يطلب العلم في الأزهر، وبكر صيته بالكتابة الأدبية القيمة التي نشرها في "الوقائع المصرية" و"المقطم"، و"الجريدة" و"الآداب"، و"المؤيد"، وغيرها من الصحف.
стр. 355
ومما يذكر له بالفضل ما بذله من صادق الجهود في تلخيص الكتابة من ربقة السجع، والمحسنات، والزخرف، وكان أشد الناس بغضا للتهويل، والمبالغة ميالا إلى القصد والاعتدال في الكتابة، واضح الغرض، سهل العبارة، فصيح التعبير، مسلسل الفكرة، قوي الحجة، سليم المنطق.
وإننا لنجد في كتابته طرفا من السجع، ولكنه قليل ضئيل بالنسبة لما كتبه مما استرسل فيه، وأتى به طلقا مشرق الديباجة، أبلج الغرض مسايرًا لسجيته، وطبيعته التي لا تميل إلى السجع إلا أن وافاها عفوا دون طلب.
نماذج من كتابته:
كتب إلى كريمته "السيدة رابعة"، وقد انتقلت إلى منزل زوجها في بلد آخر، وكان يحبها حبا لم يطق معه توديعها.
عزيزتي رابعة، سلام عليك وعلى من تحبين.
وبعد:
فيعلم الله يا عزيزتي أنني ما سافرت لمنفعة أستجلبها، ولا لمضرة أتنكبها، ولكنني أشفقت أن أراك وأنت تبرحين بيتي إلى بيتك الجديد، وهذا لا يستغرب مع شيخوختي، وضعف عزيمتي، عن مقاومة التأثرات، ولقد أحسست اليوم عند خروجي بما عراك، ثم رأيته بعيني عندما قبلتك قبلة التوديع، ووجدت من نفسي هزيمة كبيرة أمام هذه الحالة، ولكنني عدت فآمنت بأن هذه سنة الدهر، وأدركت أن هذه الفرقة إنما هي فرقة الجسم، أما الصلة القلبية، والمودة الأبوية والشفقة والحنان، فكل هذا دائم لا يزول.
ولقد كنت أخفيت أمر سفري وجعلته لسبب، والحقيقة ما كاشفتك به، وهو خشية ذلك الموقف الخطير، والصدق يا عزيزتي هو أفضل الفضائل،