ولعلك تلاحظ أن حرصه على التاريخ أضعف الشعر الذي حواه، وذهب بالجمال الذي ألف في شعره.
وأرسل إليه أيضا مهنئا بعيد الفطر، فكان مما قاله:
مولاي عيد الفطر أورق روضه ... وجرت مياه سروره بحياضه
وسعى ليخدم منك أكرم ماجد ... وليستميح الجود من فياضه
فاهنأ به في ظل والدك الذي ... بالعدل داوى القطر من أمراضه
فبشيره بك قد أتى تاريخه ... العيد محمود بعز رياضه
....................... ... ١١٥ ٩٨ ٧٩ ١٠١٦
سنة ١٣٠٨
وهي أبيات ضعيفة واهية، وعسى أن يكون "التاريخ" هو المسئول عن تهافتها، وربما أودع شعره مسائل من العلم، وجوابا عنها وهي إذ ذاك نظم ليس فيه روح الشعر ولا روعته، ولكنك تجده مقبولا سائغا كما في سؤال وجهه المرحوم الشيخ "محمد الأمير"، وأجاب عليه فنسج "قراعة" برد السؤال والجواب، فقال في السؤال:
على قبر نعمان همت ديمة الرضا ... وعمت أهاليه وجملة حزبه
فهم حرموا عرسا إذا مس أمها ... بغير جماع بل بشهوة قلبه
فلما حمى حر الوطيس بقلبه ... وفار وفاض الماء من عين سكبه
نفوا عنه تحريما فما السر أرشدوا ... فتى في فتاويكم شفاء للبه
وقال في الجواب:
ألا أيها المولى الذي بحر فضله ... تزاجمت الألباب في ورد عذبه
سألت عن المعنى الدقيق وطالما ... كشفت الغطا عن مشكل الأمر صعبه
стр. 597
فخذ مدرك النعمان عني وإن أكون ... إذا ذكر الأتباع أضعف حزبه
همو أثبتوا تحريم عرس بمسه ... لابنتها اشتهاها بقلبه
لأن مساس البنت داع لوطئها ... وبالوطء داعي الجزء قام فخذ به
ولم يثبتوا التحريم إن كان مسه ... لها باشتهاء مع إفاضة عزبه
لتحقيقنا أن المراد بمسه ... إذن شهوة تقضي تدور بصلبه
وهذا الذي أدركته من كلامهم ... وأبصرتهم قد قرروه بكتبه
وقد يطول نفسه في الشعر، ويتدفق معينه كما في قصيدة الحج التي يقول في مطلعها:
على حقوق للمطي الرواسم ... تطالبنيها كل حين عزائمي
فقد بلغت ستة وسبعين بيتا
نثره:
ولقراعة النثر الرائع الرصين الذي يضارع أرقى الأساليب في فصاحة تعبيره، وروعة معناه وحسن رصفه، وصفاء مائة، وبعده من التكلف ونقائه من الطلاء والزخرف.
ومن ذلك ما كتبه إلى أستاذه الشيخ "الإنبابي" ينفي عن نفسه ما رمي به من عقوق، وما اتهم به من طعن.
كتابي إلى المولى أطال الله بقاءه، وأنا أحمد من جثا على ركبتيه وانتفع بعلمك، وأخذ عن تلامذتك، وعرف لك جزيل حقك، حين تفاقم الخطب واشتد الكرب، وشمخ بأنفه الحاسد، وصغر خده الشامت، وسيدي وقاه الله ما يكره -يعلم أن الأعراض هي الزجاج لا يجبر كسرها، ولا يرأب صدعها والدنس إن لحقها لا يغسل بالأشنان، ولا يزول بتقادم الزمان، ومولاي أعزه الله هو الوالد المبرور، والناقم المشكور والعاتب الذي نتوخي
стр. 598
رضاه والغاضب الذي نخشى أن يحر غضبه علينا غضب الله، وهو القدوة الذي يتبع في فعله، ويتيمن برأيه، ويرجع إلى قوله، فلا أظن أن يرضى بأن يمزق في مجلسه أديمي، ويستباح ما حرم الله من عرضي، وأقذف بما أوجب الله فيه الحد وينتهك من حرمتي ما الله يعلم أنني منه براء، ولو شاء لعاملني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ -الآية- "فوضح له الحق الذي لا يجهله والرشد الذي لا ينكره، وعلم أن من وسموا أنفسهم بتتبع العثرات، وكشف العورات إنما صنعوا هذا الصنيع حين علموا أن النقلة أمثالهم، والسفلة أشباههم أشاعوا عني لهذه الحضرة سابقا أني أسأت الأدب بشعر صنعته، وهجو قلته فانتهزوا هذه الفرصة الآن، وذهبوا مذهبا آخر يغبرون في وجه الحق، ويدفعون في صدور اليقين، والله من ورائهم محيط ... إلخ.
وإنه وإن كان السجع يتمثل في مثل هذه الكلمة تجد أنه سجع مطبوع لا يتسم بسمة التكلف والقصد، ولا يطلبه الكاتب على تكره واستعصاء، وقد يبذل جهدا في طلب السجع، ويحرص عليه لكن ذلك غير ملتزم في الموضوع كله، ولا ينفر الذوق منه، أو تنبو الأسماع عنه، كما قال في رسالة أرسلها لبعض أصدقائه الشيوخ يستعطفه، ويطلب مساعدة محتاج في طلبته.
أخي - أبى الله إلا أن أكاتبك إذا عرضت مهمة، وعنت حاجة، كلمة بالغة، وقدر لا مفر منه ومحنة منيت بها، وسمتني بميم الجفاء، الذي طالما كنت أنبو عنه، ولعل اعترافي بجنابتي يوصلني للإغضاء عنها، وهنا أعجل بعرض حاجتي.
رافع هذا "فلان" كاده الشيطان من "فلان" بالخبل الخابل، والبلاء النازل العاجل، والداهية التي تصفر منها الأنامل، فلم يستجب لراق ولم ينفع في سمه درياقي، فسدت في وجهه السبل وأعيته الحيل، إلا ما كان من الأمل في الأستاذ الأعظم شيخ الجامع الأزهر، فرغب إلي في مخاطبتكم فأجبته مستمنحا شافعا لجوابكم السابق، وواجب مساعدته بما في الوسع، وقد نبهتك ورقدت، ودعوتك للخير وما دعوناك له إلا أجبت والسلام.
стр. 599
الأزهريون أساتذة شعراء العصر
مدخل
...
الأزهريون أساتذة شعراء العصر:
كان جل شعراء العصر الحاملون لواء الشعر المعبرون به عن معاني الحياة حسبما تواتي لهم من القرائح، وتهيأ لهم من الأسباب من الأزهر، رضعوا أفاويقه واغتذوا بثقافته العربية، ومن الطبعي أن يكونوا وهم بهذه المثابة قدوة الناشئين، وإمام المبتدئين يهتدون بتراثهم، وينشأون على غرارهم وينزعون في قوسهم، ولو جهدوا في المخالفة وجدوا في المجافاة، وليس ينكر أثر المتابعة والاقتداء في الأفكار والأساليب، وشعراء الأزهر إذ ذاك زعماء يوجهون وقادة يتبعون، فليس بدعا أن يسايرهم غيرهم وأن يدرجوا على أساليبهم، ويمضوا في طريقهم صعدا، وإذا ساغ لفريق من الشعراء المعاصرين أن يتخطوا الأجيال، والعصور إلى شعراء الجاهلية، فيقلدوهم في طريقتهم، وينزعوا إلى محاكاتهم، ويديروا شعرهم على أسلوب العرب الضاربين في الفلا والبيد، فيتغنوا بالعيس ويخاطبوا النؤى ويسائلوا الدمن والأطلال، ويتشمموا الشيح والعرار على طول الزمن وترامي الأمد إذا ساغت المتابعة على انقطاع ما بين التليد والطارف، والماضي والحاضر، فأولى بها أن تكون بين معاصر ومعاصر وأولى بالتأثر أن يكون بالشاعر الذي يرى ويشاهد، ويقول ويسمع، ويغشى ناديه ويتلقى أدبه بالمشافهة والاستماع.
وإن الأبصار لتقلب في دواوين القدامى، وتغوص في آثار الراحلين على انقطاع الصلة طلبا للاقتداء والتماسا للمحاذاة، وأقل من ذلك عناء للشاعر أن يلي داعي المسايرة لشعر يطرق سمعه بالرواية المعاصرة، ويصافح إذنه من ألسنة قائليه، ويتهادى إليه في الصحف كلما سنحت فرصة، أو واتت مناسبة.
هذا وقد كان فريق من فحول اللغة والأدب في الأزهر أساتذة الرعيل الأول من نابهي الشعراء في هذا العصر الرافعين علمه المقيضين له أسمى وأرفع المنازل، أخذ هؤلاء الشعراء الذين تفاخر بهم العربية، وتباهي بهم
стр. 600
مصر حواضر الأدب في أزهى عصورها عن أساتذة من الأزهر، فانتفعوا بعلمهم واسترشدوا بنقدهم وتملأوا من روايتهم، ونزعوا منزعهم، وجروا مجراهم في تفهم الشعرا، واكتناه اللغة والتفطن لمواطن البلاغة، وتيسر لهم بهؤلاء الأساتذة ضروب من التوجيه وألوان من التشجيع، بل وجدوا منهم ما خلق من ملكاتهم الخصبة أسباب الخلود مما لا لولاه لظلوا مغمورين، وعاشوا غير مجلين.
وسنبين في هذا البحث كيف استمد هؤلاء من أساتذتهم الأزهريين حياتهم، وكيف نهلوا من فضلهم وعلوا.
стр. 601
المرصفي والبارودي:
كان الشيخ "حسين المرصفي" ذا شهرة بالعلم وصيت بالأدب، وكانت الزعامة قد انعقدت له في التوجيه والنقد، وغزارة العلم والبيان يؤمه كتاب وشعراء ويقصده علماء وأدباء، ويعرض أدبهم عليه فحول الأدب البيان.
"والبارودي" ممتلئ منذ نعومة أظفاره حبا للأدب، وإيثارًا للشعر وهوى للبيان، وما من شك في أن هواه هو الذي احتثه على "المرصفي" احتثاثا، واجتذبه اجتذابا يجد في درسه وتوجيهه، ونقده ما ينقع غلته ويروي صداه.
ولقد جهدت في تحديد الصلة التي كانت بين "المرصفي"، و"البارودي" وعنيت بها كيف نشأت وعلى أي وجه كانت، وأين كان الرجلان يلتقيان؟ ولكن جوابا عن شيء من ذلك لم يتيسر لي فيما قرأت واستقرأت، فقد يعرف كثير من الأدباء أن "للبارودي" صلة "بالمرصفي"، وأن للأول بالثاني انتفاعًا، فقد استفاض الحديث عن ذلك حتى تحدث الشاعر نفسه به، ولكن تحديد هذه الصلة وبدءها وكنهها غامض، فلعل "البارودي" ليساره، ونعمته كان قد سعى لاستقدام الشيخ في منزله، والانفراد به في كل مكان هادئ يمكن للتلميذ من الانتفاع بأستاذه، ويهيئ له أسباب النفع والتوجيه، ويجد من أستاذه كلما وفد إليه معلما يعلمه، وهاديا يهديه، ومهذبا يصقل أدبه ويجلو بيانه.
ويتحدث الأستاذ "الرافعي" عن صلة "البارودي" "بالمرصفي"، فيقول: ومن عجيب أمره "البارودي" ما تراه فيما يكتبه عنه الشيخ "حسين المرصفي" منذ ثلاثين سنة، وهو أستاذه١".
стр. 602
ويقول الأستاذ "عباس العقاد" أن "المرصفي" أستاذ البارودي، وحافظ وقدوتهما في الرأي والنقد، وتذوق الكلام١.
ويقول المفصل: "وأخذ عن "المرصفي" كبار المتأدبين في عصره من البارودي، فصاحبوه ولازموه، وعرضوا عليه بيانهم فهدى ونقح وهذب".
"والمرصفي" حين يتحدث عن "البارودي" يدل على أن "البارودي" "تلقى عنه وتعلم منه، فإنه يقول": إن "البارودي" لم يقرأ كتابا في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سنة التعقل، وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع
لبعض من له دراية، وهو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهة قصيرة هيئات التراكيب العربية، ومواقع الموفوعات منها والمنصوبات، والمخفوضات حسبما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن"، ولم نعرف أن "البارودي" اتصل بغير "المرصفي" ممن له دراية، أو قرأ بحضرته دواوين الشعر.
ويقول: وسمعته مرة يسكن ياء المنقوض والفعل المعتل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك، فقال: هو كذا في قول فلان، وأنشد شعرا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية: إنها غير شاذة، ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها، واقفا على صوابها وخطأها، مدركا ما ينبغي وفق الكلام وما ينبغي١.
"فالمرصفي" يتحدث عنه حديث خبير به، ويدل على أن "البارودي" كانت له معه دراسة، وانتفاع وأن "المرصفي" كان يراجعه، ويوجهه وينقده وما أظن إلا أن "البارودي" قرأ هذه الدواوين الضخمة عليه، وسمعه ينقدها ويعلق عليها، ويبدي رأيه فيها -"والبارودي" يقدر صلته بأستاذه، وبفي حق الوفاء له، يقول "المرصفي": وكان حرسه الله كتب لأبناء وده كتبا، وهو في
стр. 603
حرب الروس ولم تصل إليهم، وظن وصولها وتقصيرهم عن المبادرة بالإجابة، وقد وصل إلى أحد كتابين كتبهما لي يوم قدومه إلى مصر بعد مدة من كتابته١، ومطلع هذه الأبيات.
يا ناعس الطرف إلى كم تنام ... أسهرتني فيك ونام الأنام
ويقول فيها:
طال النوى من بعدكم وانقضت ... بشاشة العيش وساء المقام
مولاي قد طال مرير النوى ... فكل يوم مر بي ألف عام
إلى أن يقول في ختامها:
فتلك حالي لا رمتك النوى ... فكيف أنتم بعدنا يا همام؟
ويقول "المرصفي"، وقد شرفت عناية وده أسمى بهذه القصيدة التي يقول فيهما:
بلوت ضروب الناس طرا فلم يكن ... سوى "المرصفي" الحبر في الناس كامل
همام أراني الدهي في طي برده ... وفقهني حتى اتقتني الأماثل
أخ حين لا يبقى أخ ومجامل ... إذا قل عند النائبات المجامل
بعيد مجال الفكر لو خال خيلة ... أراك بظهر الغيب ما الدهر فاعل
طرحت بني الأيام لما عرفته ... وما الناس عند البحث إلا مخايل
فلو سامني ما يورد النفس حتفها ... لأوردتها والحب للنفس قائل
فلا برحت مني إليه تحية ... يناقلها عني الضحى والأصائل
ولا زال غض العمر ممتع الذرا ... مريع الفنا يطوى إليه المراحل
يقول "المرصفي": وعلى أن ليس من طبعي أن أقول الشعر، إما لفوت أوان تحصيل وسائله، ولم تكن إذ ذاك دواع ترشد إليه، وإما؛ لأن الاستعداد
стр. 604
الذي لا بد منه لم يكن في خليقتي أنطقني حبه بأبيات أجملت فيها صفته وهي:
زكا أميري طبعا واعتلى شرفا ... فدار حيث تدور الشمس والقمر
ونال ما نال عن كد الرجال فلا ... من عليه لشخص حين يفتخر
بفضله كل أهل الأرض معترف ... كما تصادق فيه الخبر والخبر
لا يجهل الرتبة العلياء يعمرها ... ولا يتيه بها ما أعظم الخطر
صحبته وهو سر في مخايله ... حتى تخير من أعلائه الكبر
فما أخذت عليه شبه بادرة ... ولا تخيلت أمرا منه يعتذر
أدامه الله نقني من فضائله ... ومن فواضله ما أنبت الشجر
стр. 605
الشيخ البسيوني وشوقي:
قل أن نتكلم عن انتفاع أمير الشعراء المرحوم "أحمد شوقي بك" بثقافة الأزهر، والأخذ من بعض من أساتذته نقدم بكلمة عن الشيخ "محمد البسيوني" أستاذه، فإن الحديث يدور عليه.
من هو "البسيوني"؟:
الشيخ "محمد البسيوني البيباني" ينسب إلى "بيبان" قرية من قرى "البحيرة"، ولد بها في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريبا، وبعد أن حفظ القرآن أشخص إلى القاهرة لطلب العلم في الأزهر، وما أن استقر به المقام بين جدرانه حتى طفق يدرس على أساتذته مختلف العلوم العقلية والنقلية، ولازم شيوخه بالأزهر سنين يقرأ عليهم أمهات الكتب في الفنون التي كانت تدرس إذ ذاك حتى حذقها، ولما نضجت كفايته، واكتملت مقدرته تصدر للتدريس، فكان معدودا من جلة الأساتذة، وامتاز الشيخ بنوح خاص في دراسة العلوم العربية، فكانت له طريقة في التدريس لم تكن
стр. 606
معهودة في ذلك العصر إذ يعمد إلى جوهر الموضوع، فيبرزه في أبهى حلة ويجليه الطلاب غاية التجلية باحثا في سره دون التعرض للضجة اللفظية، ولغط الكاتبين، وقد ظهر أثر هذه الطريقة في كتابه "حسن الصنيع" الذي ألفه في المعاني والبيان والبديع، وكتبه بأسلوب أدبي رقيق.
وجاوزت شهرته العلمية والأدبية المحيط الأزهري إلى أفق غير الأزهر، فأسندت إليه نظارة المعارف تدريس علوم اللغة العربية بالمدرسة التجهيزية "الخديوية".
واختاره الجالس على العرش الخديو "توفيق" إماما لحضرته ومدرسا لأنجاله، فقام بما عهد إليه خير قيام.
ثم أسند إليه مع عمله هذا تدريس اللغة العربية بمدرسة الإدارة التي سميت فيما بعد "مدرسة الحقوق"، وكان من بين تلامذته النابهين في هذه المدرسة المرحوم "أحمد زكي"، والمرحوم "أحمد شوقي بك"، وكان يدرس علوم البلاغة في مصنفه المسمى "حسن الصنيع".
ثم عين الشيخ "البسيوني" مفتيا للمعية السنية، وظل في وظيفته هذه إلى أن جاور ربه في ليلة الخميس ١٣ من ربيع الآخر سنة ١٣١٠هـ، الموافقة ٣ من نوفمبر سنة ١٨١٢م في عهد الخديو "عباس الثاني" رحمه الله تعالى.
شعره والعوامل المحيطة به:
في أثناء هذه الحقبة التي قضاها "البسيوني" في خدمة بيت الملك كان يقرض الشعر في مدح الخديو، كلما حل موسم أو أهل عيد، أو بدت فرصة وقلما نظم الشعر في غير هذه الأغراض.
ولم يكن من الميسور له وهو من رجال الملك، وخلصائه أن يتعرض في شعره إلى السياسة إلا بقدر يسير جدا، كما لم يكن من المستطاع وهو من رجال الدين أن يتحدث إلا قليلا عن اللهو والخمر والنساء، وما لا يتفق مع جلال الدين ووقار العلم، لذلك جاء شعره في دائرة ضيقة، فلم نعثر له على
стр. 607
شعر إلا في المدائح والتهاني، وغيرها مما تنشره له الوقائع المصرية مما كان يزجيه لصاحب العرش.
وفيما وقفنا عليه يهنئ بها الخديو "توفيق" بعودته من الإسكندرية إلى العاصمة بعد إخفاق الثورة العرابية، ووقوع الثوار في قبضته.
وفي هذه القصيدة يؤرخ العودة بسنة ١٢٩٩ هجرية، ويضفي على وليه حللا من الثناء، ثم يعرض إلى الثوار فينال منهم ويسفه أحلامهم، وإلى الثورة فيصف مآسيها وشرها، وأخيرا يكل أمر هؤلاء الخارجين على طاعة ولي الأمر في أسلوب جيد بالنسبة لعصره، ويقول في مطلعها:
رجوعك يا توفيق مصر هناؤها ... وشمس بهاها دائما وضياؤها
١٢٩٩هـ.
فأنت خديويها وأنت مليكها ... وأنت لها من كل سقم شفاؤها
وأنت لها حصن على رغم حسد ... وأنت لها بدر وأنت سماؤها
وما في إلا روضة وفكاهة ... وما أنت إلا حسنها وازدهاؤها
وأنت لها إنسان عين حياتها ... ولولا تلاقيها لخيف عناؤها
وما هي إلا جثة أنت روحها ... وما أنت إلا مجدها وملاؤها
وما مثلها إلا لمثلك ينتمي ... فيسمو بها بين الأنام انتماؤها
لبعدك كم قاست لعمري شدائدا ... فاضت إلى أن تستباح دماؤها
ولولا تلافيها لأصبح تالفا ... بقية أهليها وعز نماؤها
وأضحت لأرواح الرياح ملاعبا ... وما طاب فيها للمقيم هواؤها
ومنها:
على عصبة البهتان لا تأس إذ هوى ... بها في مهاوي الموبقات افتراؤها
فقد خلعت ثوب النجاة مذ اكتست ... ثياب الردى جهلا وبئس اكتساؤها
стр. 608
وحيث أبت إلا هواها سفاهة ... وساق لها الأخذ الوبيل شقاؤها
رأيت لها رأي الملوك فأصبحت ... وقد ساءها إصباحها ومساؤها
فإن شئت فاصفح أو إذا شئت فانتقم ... فمنك بقاها لو تشا وفناؤها
شوقي ثمرة البسيوني:
حين تولى الشيخ "البسيوني" تدريس اللغة العربية بمدرسة الإدارة "الحقوق"، كان بين تلامذتها، "أحمد شوقي بك"، "وأحمد زكي باشا" كما قلنا فانتفعا بعلمه وغنيا بثقافته، وتفطن الأستاذ إلى الموهبة الشابة في نفس شوقي، فأقبل عليها بالتوجيه، ويحدثنا "أحمد زكي باشا" في حفل تأبين شوقي الذي أقامته وزارة المعارف في ديسمبر سنة ١٩٣٢م، بأن الشيخ البسيوني أستاذهما في فنون البلاغة كان لا تخطئه النكتة البارعة اللاذعة، أو الساحرة الساخرة، وما لبث أن رأى في تلميذه شوقي بواكير العبقرية وبوادر المواهب الربانية، فأنشا يعرض قصائده على تلميذه شوقي بواكير العبقرية، وبوادر المواهب الربانية، فأنشا يعرض قصائده على تلميذه قبل أن يرسلها إلى المعية السنية، وإلى جريدة الوقائع المصرية وغيرها من الصحف العربية، وكان شوقي ببساطة التلميذ الناشيء يشير بمحو هذه الكلمة، وتصحيح تلك القافية، وحذف هذا البيت، وتعديل ذياك الشطر والأستاذ يغتبط بقوله، وينزل على رأيه.
ويقول "أحمد زكي باشا"، وأحسن ما أذكر لأستاذي البسيوني ﵀ أنه كان يتحدث بذلك إلينا، وإلى الفرق المتقدمة علينا، "وفيها أصحاب السعادة عثمان باشا مرتضى، وأبو بكر يحيى باشا، وعلي ثاقب باشا، وشاكر بك أحمد" دون أن تأخذه العزة بالإثم، وأن يغريه الكبرياء اللازم للمدرس بإنكار الفضل الذي منحه الله للدارس، فهذه أول سعادة أحرزها "شوقي".
أجل هذه أول سعادة أحرزها، فما من شك في أن إقبال الشيخ البسيوني على شوقي، وتنزله معه إلى هذا الحد قد ملأ نفسه ثقة بشاعريته، وإيمانا بموهبته وكان أول ما أخذه بيده إلى النهوض، وشجعه على المضي في سبيل مجده صعدا ناشئ يدني الأمل من نفس التلميذ، ويوطئ له أسباب المجد والسعادة مثلما
стр. 609
تفعله رعاية أستاذه البار الكريم الطيب النفس النزيه المسلك، الخبير بأسلوب التربية وطرق التشجيع.
على أن الأستاذ البسيوني تحدث بهذا النبوغ الباكر إلى صاحب العرش، وأفهمه أن بين أثواب هذا الفتى الناشئ براعة نادرة، وذكاء فذا، وأنه خليق بالرعاية العالية ليكون زهرة يتضوع شذاها في مشارق الأرض، ومغاربها وكانت هذه الشهادة من أكبر الأسباب التي حفزت الخديو "توفيق" في سنة ١٨٨٧ إلى إيفاد شوقي إلى باريس ليتم دراسته على نفقته الخاصة، ولتغذية مواهبه بروائع الغرب وبدائعه، وقد تحققت به وفيه الآمال، فكانت هذه ثانية السعادات.
ومن هنا نرى أن الأزهر ممثلًا في شخص الأستاذ "البسيوني"، هو الذي كشف عن هذه القوة الكامنة في نفس شوقي، وهو الذي تهدى بشاعرية أشد أبنائه وفراسته إلى عبقريته أكبر الشعراء، فوجهها التوجيه الصالح، وتعهدها حتى نمت وأزهرت وأنبتت نباتا حسنا، وأثمرت ثمرًا لا يفنى ولا يبيد.
وجميل حقا أن يتفطن شيخ أزهري لم ير مفاتن الغرب، ولم يكتحل بمشاهده ومجاليه، إلى ما يجب لشوقي أن يطلع عليه من روائع باريس وحضارتها، ومباهجها ومفاتنها، فيشير على ولي الأمر بإرساله إليها ليتسع أفقه، ويخصب خياله ويمتلئ خاطره بأسباب القول ودواعي الشعر.
فلا عجب إذن أن يكون شوقي أمير الشعراء من أفق الأزهر، وثمرة من ثماره أو فكرة من أفكاره.
اعتراف شوقي:
ولشوقي حديث آخر بصدد الأزهر يشهد بحسن تقديره لهذا المعهد العظيم، وإجلاله لمهبط أساتذته، فقد أقيم حفل لتأبين المرحوم "عاطف
стр. 610
بركات باشا" بمدرسة المعلمين العليا في الخميس الثالث عشر من صفر سنة ١٣٤٣هـ، الموافق الحادي عشر من شهر سبتمير سنة ١٩٢٤، وأرسل أمير الشعراء قصيدته لتلقي في الحفل، وكان مما قاله فيها:
وحارب دونها صرعى قديم ... كأن بهم على الزمن انقطاعا
إذ ألمح الجديد لهم تولوا ... كذي رمد على الضوء امتناعا
وكان في الحفل صفوة من رجال مصر، وجمهرة من شيوخ الأزهر منهم فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وفضيلة مفتي الديار المصرية إذ ذاك، فعدوا ذلك جرحا لكرامتهم وطعنة في صدورهم، وكتب أحد علماء الأزهر إذ ذاك مقالًا بعنوان "أمير الشعراء"، ورجال الأزهر -للحقيقة والتاريخ. "نشرته جريدة الأخبار بتاريخ ١٧ من صفر سنة ١٣٤٣هـ المواهفق ٦ من سبتمبر سنة ١٩٢٤"، وقد كانت براعته رمحا رد بينيا شك أمير الشعراء الذي نفى عنه الكاتب أن يكون كنادبة المسجي التي تجامل الحاضرين بذكر شيء من محاسن موتاهم، وقد ظهرت جريدة الأخبار بعد هذا المقال بيوم واحد، وفي صدرها حديث لأمير الشعراء ينفي ما فهمه صاحب المقال من تنكر شوقي للأزهر، ورجاله فكان مما قاله، "وما أنا من ينسى أن معظم أساتذة مدرسة القضاء نفسها في العلوم الشرعية بوجه خاص، كانوا من شيوخ الأزهر ورجاله، وليس من المعقول أن يكون هؤلاء الأفاضل حربا عليها، وهم في النهوض بها شركاء.
إن للأزهر عندي حرمة لا أحب أن يتشكك فيها الأستاذ، وأعتقد أن الأزهر قد سد فراغا كبيرا كان التعليم في مصر، والبلاد الشرقية جميعا لا يرجو له بدون الأزهر من سداد.
وسأظل فخورًا دائما بأن من أساتذتي شيوخا من صميم الأزهر الشريف، وكبار علمائه.
ذلك هو ما قاله شوقي تلافيا لما عساه أن يكون قد فهم من قصيدة التأبين.
стр. 611
وإفصاحا عن تقديره الأزهر الذي يفخر أمير الشعراء بأن فيه أساتذة من شيوخه.
على أن أمير الشعراء أراد أن يزيد في تأكيده تقدير الأزهر، وينفي عنه مظنة النيل من أبنائه، فالتمس إصلاح الأزهر في أقرب فرصة، ونظم آيته الكبرى التي قالها في نفس العام الذي أدلى فيه بحديثه عن الأزهر، ويقول فيها:
قم في فم الدنيا وحي الأزهرا ... وانثر على سمع الزمان الجوهرا
واجعل مكان الدر إن فصلته ... في مدحه خرز السماء النيرا
واذكره بعد المسجدين معظما ... لمساجد الله الثلاثة مكبرا١
واخشع مليا واقضي حق أئمة ... طلعوا به زهرا وما جوا أبحرا
كانوا أجل من الملوك جلالة ... وأعز سلطانا وأفخم مظهرا
زمن المخاوف كان فيه جنابهم ... حرم الأمان وكان ظلهم الذرا٢
من كل بحر في الشريعة زاخر ... ويريكه الخلق العظيم غضنفرا
ثم يقول:
يا معهدا أغنى القرون جدارة ... وطوى الليالي ركنه والأعصرا
ومشى على يبس المشارق نوره ... وأضاء أبيض لجها والأحمرا
إلى أن يقول:
عين من الفرقان فاض نميرها ... وحيا من الفصحى جرى وتحدرا
ما ضرني أن ليس أفقك مطلعي ... وعلى كواكبه تعلمت السرى
وهو يشير في هذا البيت إلى أنه، وإن لم يكن طلع في أفقه، ودرج في رحابه فقد اهتدى بأساتذته، وتعلم السرى على كواكبه ثم يقول:
لا والذي وكل البيان إليك لم ... أك دون غايات البيان مقصرا
стр. 612
شوقي وكتاب الوسيلة الأدبية:
وما دمنا بصدد انتفاع أعلام الشعر بأساتذة الأزهر، وجهودهم الأدبية في هذا العصر، فقد يطيب الحديث عن هذا الكتاب الذي نهل منه "شوقي"، و"حافظ" وكان الكتاب الأول الذي راض خيال شوقي، وصقل طبعه، وصحح نشأته الأدبية، كما كانت منه بصيرة "حافظ".
وليس سر هذا الكتاب ما فيه من فنون البلاغة، ومختارات الشعر والكتابة فقد كان ذلك في مصر قديما، ولم يخرج لها شاعر مثل شوقي، ولكن السر في هذا الكتاب من شعر "البارودي"؛ لأنه معاصر والمعاصرة اقتداء ومتابعة، وقد تقضت القرون الكثيرة، والشعراء يتناقلون ديوان المتنبي وغيره، ثم لا يجيئون إلا بشعر الصناعة والتكلف، ولا يخلد الجيل منهم إلا لما رأى في عصره، ولا يستفتح غير الباب الذي فتح له إلى أن كان البارودي، فجاء بذلك الشعر الجزل الذي نقله "المرصفي" بإلهام من الله تعالى ليخرج للعربية "شوقي وحافظ"، وغيرهما، فكل ما في الكتاب أنه ينقل روح المعاصرة إلى روح الأديب الناشيء، فتبعثه هذه الروح على التمييز وصحة الاقتداء، فإذا هو على ميزة وبصيرة، وإذا هو على الطريق التي تنتهي به إلى ما في نفسه ما فيه ذكاء وطبع، وبهذا ابتدأ "شوقي وحافظ" من موضع واحد، وانتهى كلاهما إلى طريقة غير طريقة الآخر١.
стр. 613
الشيخ محمد عبده وحافظ:
"حافظ" ﵀ أحد الشعراء الذين تفخر بهم العربية في هذا العصر، ولواء من ألوية الشعر الخفاقة في هذا الجيل، وقد كان هبة الإمام "محمد عبده" إلى الحياة، وغرسه الذي نما في رعايته.
فحين عاد "حافظ" من السودان إلى مصر واستقال من الجيش، اتصل بالشيخ "محمد عبده" وفرغ للأدب، فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، وكان شعره من قبل ظاهر المتكلف، واهن النسج مضطرب الفكرة لم تنضج موهبته، ولم تشرق عبقريته.
درس في مدرسة الشيخ "محمد عبده" من سنة ١٨٩٩م إلى سنة ١٩٠٥م، وهذا الإمام ﵀ كان من كل نواحيه رجلا فذا١، وكأنه نبي متأخر عن زمنه فأعطى الشريعة ولكن في عزيمته، ووهب له الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ولكن من قلبه، ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص لكان "حافظ" شاعرًا من الطبعة الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها الشعر المتين في وصف العظماء العظائم.
إلا أن حافظا وجد في الإمام ما هو أسمى من ذلك في النفس والجاذبية، وبهره منه ما هو عليه من ذوق الأدب والبلاغة، وحضر دروس الإمام في المنطق وأسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، فنضج منها أسلوبه المتكن، وذوقه الدقيق ولازمه وحضر مجالسه، فكانت مادة موضوعاته الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وكشف له من الشيخ عن آراء في الفكر والسياسة، والمسائل التي تشغل مصر والشرق، فطبع عليه متأثرا بها، وحضر نظرات عينية، وخرج
стр. 614
منها بروحانية قوية هي التي تتضرم في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية، وإحياء العربية وآدابها، وإذا ذكرت حسنات الشيخ، أو عدت للتأريخ وجب أن يقال أصلح، وفعل وفسر القرآن، وأنشأ حافظ إبراهيم.
على أن إذن الإمام هي التي أتمت ملكة الشعر في "حافظ"، فقد ألف أن يسمعه شعره، واعتاد أن يعرض على ذوقه الأدبي المصقول كل ما يقرضه، وصار ذلك طبعا في "حافظ" حتى إنه ليستحسن مواطن الأدباء والشعراء في المجالس، والأندية كي يسمعهم نظمه.
وكان المرحوم "مصطفى صادق الرافعي"، قد نظم أول عهده بالشعر قصيدة في مدح الإمام، وأنفذها إليه ثم لقي "حافظا" فقال "حافظ": إنه تلاها على الإمام وإنه استسحنها، فقال له الرافعي: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها فاضطرب شيطان الرافعي من الغضب وقال: إن الشيخ ليس بشاعر فليس لرأيه في الشعر كبير معنى، فقال له "حافظ": ويحك إن هذا مبلغ الاستحسان عنده، قال الرافعي -قلت "لحافظ": وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلًا، فأرضاني والله أن يكون بيني وبين "حافظ" "قليل"، وطمعت من يومئذ، وأنا أرى أن "حافظ إبراهيم" إن هو إلا ديوان الشيخ محمد عبده لولا أن هذا لما كان ذلك١.
стр. 615
منتدى للشعراء يقرضون شعرهم على أذنه الموسيقية التي يؤذيها نبو الوتر، وكذلك كان "قراعة" اتخذ من بيته كلما حل ناديا للأدباء والشعرا، وكان "عبد المطلب" ألصق الناس وأكثرهم ملازمة له، وهو يحدث بذلك في ديوانه إذ يقول: "وكانت بيني وبين الأستاذ الكبير الشيخ "عبد الرحمن قراعة" صداقة انعقدت بيننا منذ سنة ١٨٩٧م، وكنت من الذين يعرفون فضله في العلم والأدب، فلا غرو أن ترى لي فيه قصائد عدة".
أهديت إليه خلعة تشريف العلماء، فقلت أهنئه:
أجد عهدك بالتشبيب بالغيد ... وجد يجد يتحنان الأغاريد
ويقول في هذه القصيدة مادحًا "قراعة":
وللفصاحة من ألفاظه درر ... تعلو فرائدها من غير تنضيد١
تجلو المعاني للأسماع صافية ... تروي النفوس بمحلول ومعقود٢
وللبلاغة في أسلوبه نغم ... يغني الأديب بها عن نغمنا لعود
بكل معنى جرى حسن البيان به ... مع البلاغة جري الماء في العود
ويقول -وكان صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ "عبد الرحمن قراعة" جارا لي بسوهاج، فلما نقل إلى أسوان ونازعني الشوق إلى رؤيته كتبت إليه مشطر البيتين أمر على الديار ديار سلمى ... إلخ. وقد رد عليه "قراعة" بشعر رقيق لطيف، وفي ديوان "عبد المطلب" كثير من شعره الذي قاله في صديقه "قراعة".
ومن الطريف أن أو قصيدة في ديوان "عبد المطلب" في حرف الألف، وجهها إلى "قراعة" ردا على كتاب ورد منه، وأن الديوان يكاد يختم
стр. 616
بقصيدة قالها "عبد المطلب" في توديع الشيخ "قراعة" يوم نقل من سوهاج إلى أسوان في فبراير سنة ١٩٠٥م -ومما جاء فيها:
فيا قاضيا بالدين تجري فعاله ... ويرضاه في أحكامه العمران
ويا نائبا في دينه عن نبيه ... نيابة فضل لا تشان لشاني
ويأيها البحران كيف افترقتما ... وقد مرج البحرين يلتقيان
تقاسمتما منا قلوبا قد اغتذت ... بسوهاج من آدابكم ببيان
وغير هؤلاء كثيرا من ألوية الشعر في هذا العصر راض شعراء الأزهر، وأدباؤه بيانهم وصقلوا شعرهم، وهذبوا فكرهم، ووجهوهم إلى الأدب الناصح والبيان الكريم، من أمثال: "محمود صفوت الساعاتي"، "وحنفي بك ناصف" وغيرهما. فقد وجدوا من فحول البيان في الأزهر معينا لا ينصب وهدى لا يضل.
стр. 617
قراعة وعبد المطلب:
فضل الأزهر على المرحوم "محمد عبد المطلب" الشاعر معروف لا يجحد فقد اغتذى بثقافته في الصبا سبع سنين قضاها بين طلابه، وهي فترة ليست قصيرة في حساب ذوي الملكات والموهوبين، ثم التحق بمدرسة دار العلوم فدرس كتب الأزهر فيها، وتلقى العلم على أساتذه الأزهر بها كالشيخ "حسن الطويل" والشيخ "حسونه النواوي"، والشيخ "سليمان العبد"، وغيرهم من العلماء والأدباء الذين أمدوا هذه المدرسة بالحياة، ولولا أننا قصرنا حديث دراستنا على الأزهريين بدءا ونهاية لكان "عبد المطلب" أحد الذين نتناول حياتهم بالإسهاب، وشعرهم بالدراسة والتحليل، ولكنا نلمح إلى اغتذاثه بثقافة الأزهر، وانتفاعه بعد مرحلة الطلب به بعلم من شعرائه الأفذاذ، وهو المرحوم الشيخ "عبد الرحمن قراعة".
حين تخرج "محمد عبد المطلب" من مدرسة دار العلوم أصبح مدرسا بمدرسة سوهاج الابتدائية حيث قضى بها بضع سنين، ذاع صيته فيها بين كبار الحكام والأعيان، وتعطرت مجالسهم بخطبه وقصائده، واختصه منهم بصداقته علامتنا الفاضل الشيخ "عبد الرحمن قراعة" فاقتبس كثيرا من علمه وأدبه، وطيب أخلاقه وسجاياه١.
وانعقدت الصداقة بين الرجلين، والمرحوم الشيخ "قراعة" أديب كبير، وعالم فذ وشاعر ضخم، فكان ذلك قادحا فكر عبد المطلب، باعثا على نمو قريحته وببسط أفقه وتنشيط موهبته، ولا شك أن "قراعة" كان أسبق منه قرضا للشعر، وأكثر منه دراية بالعلم والأدب وفنونه، وهو بهذه المثابة أولى بتوجيه "عبد المطلب"، وتهذيب فكره وتقويم شعره، ولعلنا لا ننسى أثر المرحوم إسماعيل صبري باشا في ترويج الشعر، وتهذيبه وصقله، فقد كانت
стр. 618
خاتمة:
أما بعد:
فهذا بيان لأثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة، وعلى رغم الجهد الموفور الذي بذلته والبحث المضني الذي اضطلعت به أعد عملي هذا الذي أرضيت به ضميري، وأبنت به عن وفائي لمعهدي محاولة إن لم تبلغ الكمال، فقد قاربته وإن لم توف على التمام فقد شارفته، وحسب هذه البراعة أنها خطت في هذا البحث أول مكتوب، ونقشت في صفحته أول بيان.
ولعل من اليمن أن يكون فراغي من الحديث عن فضل الأزهر في مثل اليوم الذي تم فيه إنشاء الأزهر في التاسخ من شهر رمضان المبارك، فعسى أن يكون ذلك بشير خير، ويمن وفأل بركة وإسعاد.
وأسأل الله أن يجعل فضل الأزهر على العلم والأدب موصولا، وأن يظل أبناؤه للدين والأدب العربي أعضادا، وحماة يفيئون إلى رعاية الله.
стр. 619
الفهارس
فهرست الجزء الأول
...
الفهارس:
فهرس الجزء الأول:
صفحة الموضوع
ج المقدمة
١ أثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة
٧ الفاطميون في مصر
٨ إنشاء الأزهر
٨ تاريخ إنشاء الأزهر
٩ المعز وجوهر
١٣ المساجد الجوامع
١٦ الغرض من إنشاء الأزهر
١٦ تطور تسمية الجامع الأزهر
١٧ مكان الأزهر
١٧ عناية الفاطميين بالأزهر
٢٠ صلاة الجمعة في الأزهر
٢٢ تاريخ التعليم في الأزهر
٢٤ نشأة الحياة المدرسية في الأزهر
٢٧ تأثر الأزهر بإنشاء دار الحكمة
٢٩ طريقة التعليم في الأزهر
٣٢ مواد الدراسة في الأزهر
٣٥ الكتب التي كانت تدرس بالأزهر
٣٧ العصر الحديث
٣٨ الحملة الفرنسية على مصر وأثرها الفكري
٤١ صلة الأزهر بالحملة الفرنسية
٤٦ محمد علي باشا واستعانته بالأزهريين
стр. 620
صفحة الموضوع
٤٧ خلفاء محمد علي باشا
٥٣ كلمة عامة في فضل الأزهر
٥٧ الأزهر مصدر الثقافة
٥٩ اعتماد محمد علي في إنشاء المدارس على الأزهر
٥٩ الأزهر ومدرسة الطب
٦١ الأزهر ومدرسة الألسن
٦٣ إمداد الأزهر للمدارس الابتدائية، والتجهيزية والخصوصية
٦٥ فروع من دوحة الأزهر
٦٦ دار العلوم -الجامعة المصرية
٦٨ مدرسة القضاء الشرعي
٦٩ البعوث العلمية
٧٣ الأزهر والبعوث
٧٥ أثر المبعوثين من الأزهر في النهضة
٧٥ البعث الأول والثاني والثالث ... إلخ
٨٢ الترجمة والتأليف ونهوض الأزهر بهما
٨٥ أثر الأزهريين في الترجمة والتأليف
٨٦ إبراهيم النبراوي - أحمد حسن الرشيدي
٨٥ أبو السعود
٩٠ رفاعة بك ربافع الطهطاوي
١١٥ الأزهر والتحرير
١١٦ محمد عمر التونسي
١٢٠ محمد عمران الهراوي
١٢١ الأزهر والتصحيح
١٢٣ محمد فطه العدوي
стр. 621
صفحة الموضوع
١٢٧ أبو الوفا نصر الهويني
١٣٠ إبراهيم الدسوقي
١٣٧ مصححون آخرون أزهريون
١٤٠ لمحة تاريخية عن طباعة الصحافة بمصر
١٤٢ الأزهر والصحافة
١٤٤ الوقائع المصرية
١٤٦ تحرير القسم العربي بالوقائع المصرية
١٤٩ الوقائع في عهد الإمام
١٥٠ إنشاء قسم أدبي في الوقائع نفوذها الجديد
١٥٧ صحيفة وادي النيل
١٥٨ صحيفة روضة المدارس
١٦١ صحيفة أبو نظارة
١٦٣ صحف النديم
١٦٣ التنكيت والتبكيت - الطائف - الأستاذ
١٦٦ العروة الوثقى
١٧٠ الشيخ علي يوسف وصحفه
١٧١ مجلة الآداب - المؤيد
١٨٩ الأزهريون والصحف الحاضرة
стр. 622
فهرست الجزء الثاني
...
فهرس الجزء الثاني:
صفحة الموضوع
٣ الخطابة في العصر الحاضر
٦ الأزهر والخطابة
٨ الأزهر والخطابة السياسية
١٤ الأزهر والخطابة الدينية
١٦ الأزهر والخطابة القضائية
١٨ أشهر الخطباء السياسيين بالأزهر
١٨ السيد عبد الله نديم
٤٩ سعد زغلول
٧٦ أشهر الخطباء الدينيين من الأزهر
٧٦ الشيخ محمد مصطفى المراغي
٨٨ أشهر الخطباء القضائيين من الأزهر
٨٨ إبراهيم الهلباوي بك
٩٩ الكتابة في هذا العصر
٩٩ الكتابة الديوانية
١٠٠ الأزهر ولغة الدواوين
١٠٢ كتابة التأليف
١٠٣ الكتابة الفنية
١٠٦ الأزهر والنشر
١٠٨ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي
١١٦ عبد الله فكري "باشا"
стр. 623
صفحة الموضوع
١٢٦ الشيخ محمد عبده
١٤٦ الشيخ عبد الكريم سلمان
١٥٢ الشيخ عبد المجيد الشرنوبي
١٦٤ المنفلوطي
٢٥٥ الشيخ محمد شاكر
стр. 624
فهرست الجزء الثالث "
صفحة الموضوع
٣ الشيخ عبد العزيز البشري
٢١ أزهريون لغويون أدباء
٢٣ الشيخ حين قويدر الخليلي
٣٠ الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري
٤٠ الشيخ حسين المرصفي
٤٧ الشيخ حمزة فتح الله
٥٨ الشيخ سيد المرصفي
٧٤ الشيح حسين والي
٨٥ الشعر في العصر الحديث
٩٠ التجديد في الشعر
٩٣ شعراء الأزهر والتجديد في الشعر
٩٥ الثورة على الأوزان الشعرية
٩٧ نظر علماء الأزهر إلى الشعر
١٠٩ الصبغة العامة في شعر الأزهريين
١١٩ شعراء الأزهر
١٢١ السيد إسماعيل الخشاب
١٣٢ الشيخ حسن العطار
١٤٧ الشيخ علي الدرويش المصري
١٦٠ الشيخ محمد شهاب الدين المصري
١٧٠ السيد علي أبو النصر المنفلوطي
١٧٩ الشيخ علي الليثي
١٨٩ الشيخ عبد الرحمن قراعة
стр. 625
صفحة الموضوع
٢٠٢ الأزهريون أساتذة شعراء العصر
٢٠٤ المرصفي والبارودي
٢٠٧ الشيخ البسيوني وشوقي
٢١٥ الشيخ محمد عبده وحافظ
٢١٧ قراعة وعبد المطلب
٢٢٠ خاتمة
стр. 626
أهم مراجع البحث:
١- خطط المقريزي.
٢- الخطط التوفيقية لعلي "باشا" مبارك
٣- وفيات الأعيان لابن خلكان.
٤- صبح الأعشى للقلقشندي.
٥- السلوك في دول الملوك للمقريزي.
٦ عجائب الآثار في تراجم الرجال والأخبار للجبرتي.
٧- تاريخ الأزهر لمصطفى بيروم.
٨- كنز الجوهر في تاريخ الأزهر للشيخ سليمان رصد.
٩- تقويم النيل لأمين "باشا" سامي.
١٠- دائرة المعارف للبستاني.
١١- تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان "بك".
١٢- تراجم مشاهير أدباء الشرق لجورجي زيدان "بك".
١٣- المفصل في تاريخ الأدب العربي.
١٤- الوسيط في الأدب العربي.
١٥- الآداب العربية في القرن التاسع عشر للويس شيخو.
١٦- أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر لأحمد تيمور "باشا".
١٧- تاريخ التعليم في عهد محمد علي لأحمد عزت عبد الكريم.
١٨- المختار لعبد العزيز البشري.
١٩- المرآة لعبد العزيز البشري.
٢٠- الوسيلة الأدبية للعلوم العربية للشيخ حسين المرصفي.
стр. 627
٢١- أعيان البيان لحسن السندوبي.
٢٢- أشهر مشاهير أدباء الشرق لحسن السندوبي.
٢٣- مرآة العصر لإلياس زخوره.
٢٤- الإسلام والتجديد لتشار لزاد مس.
٢٥- تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي.
٢٦- الثورة العرابية لعبد الرحمن الرافعي.
٢٧- تاريخ الأستاذ الإمام للسيد رشيد رضا.
٢٨- البعثات العلمية للأمير عمر طوسون.
٢٩- تطور الصحافة المصرية لإبراهيم عبده.
٣٠- تاريخ الوقائع المصرية لإبراهيم عبده.
٣١- تاريخ الصحافة العربية للكونت دي طرازي.
٣٢- مصر للمصريين لسليم خليل النقاش.
٣٣- تجديد ذكرى أبي العلاء للدكتور طه حسين.
٣٤- حديث الأربعاء للدكتور طه حسين.
٣٥- شعراء مصر وبيئاتهم للعقاد.
٣٦- مراجعات في الآداب والفنون للعقاد.
٣٧- تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات.
٣٨- مذكرات الأدب العربي للأستاذ محمود مصطفى.
٣٩- رغبة الأمل من كتاب الكامل للسيد المرصفي.
٤٠- مقدمة ابن خلدون.
٤١- الأزهر لمحب الدين الخطيب.
٤٢- تاريخ الأزهر للدكتور عبد الواحد وافي
стр. 628
هذا عدا كتب أخرى تتصل بالبحث من بعيد، أو قريب وعدا جميع الصحف والمجلات التي هي سجل لآثار النهضة من مستهل نشأتها، وعدا الوثائق والمحفوظات، والمخطوطات المودعة في خزائن الكتب المختلفة، والدواوين الرسمية التي أودع فيها رسائل، ومكاتبات مما هو مرآة للحياة الثقافية في مظاهرها، ومراحلها المختلفة يضاف إليها دواوين الشعر، وآثار الأدباء والشعراء الذين تدور عليهم الرسالة ما طبع من هذه الآثار، وتلك المؤلفات وما لم يطبع.