← История

История · id 11748

الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

محمد كامل الفقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأنت باقي الكرما ... وخير سامي الرتب فاصرف إلى ما تشا ... من فضة أو ذهب حتى أعود ساعيا ... في جمع شمل الحسب ويكتب إلى "أدهم باشا" يشكو إليه ضيق يده، فيقول من قصيدة طويلة: فبادر إلى الشكوى وقل: إن صاحبي ... محا رسمه عصف الرياح الروامس وقد ضاقت الدنيا عليه وأظلمت ... وكان شهابا في الدياجي الدوامس فوسع عليه بالذي أنت أهله ... وخلصه من أشراك ضيق المنافس ولم يكن "شهاب" يقرض الشعر يطلب به بغلة، أو ينشد فضة أو ذهبا فحسب بل كان ينظمه كلما عرضت له حاجة أو دفعته مسألة، فإنه لينظمه ملتمسا به من أمين "جمرك" بولاق "علي بك حسيب" شيئا من السمن لندرته، فيقول له: ألية بالسمن أو بزبدة ... لله در أصلها الحليب لأعرضن الحال للفتى الذي ... رجاء من يرجوه لا يخيب وهكذا طوع الشعر فنظمه في حاجته ومسألته، وعبر به عن شكايته وأمله وأودعه مطامح نفسه جلت أو هانت. "وشهاب الدين" يخضع في شعره لما شاع في عصره من طلب الزينة، ونشدان الصنعة والجرى وراء الطلاء، فيغرى بالجناس وخاصة في مطالع القصائد، فيقول في مطلع قصيدة يوجهها إلى "عباس" ويستهديه "بغلة": أكؤس تجلي ببنت "الدوالي" ... أم شهي الرضاب فيه "الدوالي" فيوقع الجناس بين "الدوالي" بمعنى العنب، وكلمة "الدوالي" الثانية المركبة من "الدوا" مقصورا مضافا إلى اللام المقرونة بياء المتكلم.

стр. 562

ويقول في مطلع قصيدة يهنئ بها عباسا بنجاته من مرض. تاب الزمان وقال: إني "نادم" ... فادعوا الندامى والمدام و"نادمو" فقد أوقع الجناس بين "نادم" من الندم، وفعل الأمر "نادموا" من المنادمة. ويقول أيضا في مطلع قصيدة يهنئه بها على أثر عودته من الأستانة. شرح الصدور قدوم أعدل "وال" ... فأدر مدام الإنس صاح و"وال" فالجناس بين "وال" الأولى بمعنى راع، والثانية فعل أمر من الموالاة. ويولع بالتورية لا سيما في "شهاب" كنيته، فيستعملها في شعر طبعة حينا وعصية حينا، ومن ذلك قوله: هاك مني وصيفة بنت فكر ... مثلها خادم ومثلك يخدم حرست في سماء حسن حلاها ... "بشهاب" به الشياطين ترجم ويقول في مدحه "عباسًا الأول". هاك مني فريدة بنت فكر ... ما اعترتها يد الخنا بمساس لو أتاها الشيطان يسترق السـ ... ـمع رماها "شهابها" بانتكاس ويقول إذ يمدح الشيخ "أحمد الصائم" أحد شيوخ الأزهر. هذا شهابك بالمرصاد يثقب من ... يسمعون وترديهم قوافيه فقد استعمل كلمة "شهاب" موربا بها بين معنييها "كنيته"، "والشهاب الذي ترجم الشياطين به المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ . ويتناول المصطلحات العلمية متأثرا بها، فيقول: رطيب قوام أهيف القد لم تدع ... ليانة عطفيه قياسا لقائس فإن قسته بالبان فالفرق ظاهر ... وإن بالعوالي فهي غير موائس

стр. 563

فالقياس هنا من مطصلح علم المنطق. ويشير إلى علل الصرف، فيقول: علل الصرف في الضرورة تلغي ... كيف ذو الصحة اختيارًا يعل ويغرق في مصطلحات علم النحو فيوري بها ويقول: رأيت "حالا" "مضى" "فعل" ... "أبرز" في شأنه "الضمير" فكل هذه الكلمات مصطلحات نحوية ودى بها الشاعر عن معانيها النحوية وغير النحوية. ولشهاب الدين كتابا لطيفة يعبر بها مبتكرا لها، فهو يكنى عن المطر "بابن السحاب"، فيقول: زوجوها "بابن السحاب" فجاءت ... من دراري حبابها بذراري ويكنى عن "الخمر" ببنت الكرم" فيقول: "بنت كرم" عذراء شهد لماها ... كشذا المسك في مذاق العقار وعن القصيدة "ببنت فكر" و"وليدة فكر" و"وصيفة"، فيقول: هاك مني خريدة "بنت فكر" ... ما اعترتها يد الخنا بمساس ويقول خدا "وليدة فكر" راق منظرها ... كأن ريقتها ضرب من الضرب ويقول أرجو قبول "وصيفة" قد قلدت ... بحلاك عقدا لم تنله وصائف وشعر "شهاب الدين" من أوضح الشعر في هذا العصر وأسهله طريقا وأرقه حاشية، وهو أقل متكلفي الصنعة وطلاب المحسن تعقيدا وغموضا، وهذه المحسنات التي تشيع في شعر "شهاب الدين" لا تؤثر في جمال شعره كثيرا، فتراه على غير قليل من السلاسة والوضوح، وجمال المعنى -ومن رقيق شعره ما قاله متغزلا.

стр. 564

بروحي من لغصن البان شابه ... ومشروب الطلاب بلماه شابه مليح لم يخط له عذار ... وفي رقي له أبدا كتابه بدا العقد الفريد بفيه نظما ... وحكم في ديوان الصبابة ومر فلم أجد صبرا عليه ... وأحشائي ترى عذابا عذابه رمى قلبي بسهم قد مضى في ... رميته ولم يخطئ مصابه وراح وقد بدا برق الثنايا ... ودمعي هاطل يبدي انسكابه يلوح وجهه بدر ولكن ... عليه من ذوائبه سحابه بخد روضة يرعاه طرفي ... وقلبي بالجوى يصلي النهاية يدير من الحديث عتيق خمر ... فيسكرني ولم أطعم شرابه أراه في محاسنه عليا ... ولكن ما تنزل للصحابة سعيت فزرته فازاداد تيها ... وولى معرضا يولي اجتنابه أنا الجاني على نفسي لأني ... دخلت على عزيز الغاب غابه فبدلني بنوم الليل سهدا ... وعوضني الشجون على الدعابة سألقى منه غايات الأماني ... وسوف تكون عقباها عتابه ولا شك أن هذه الأبيات على حظ غير قليل من الجودة والرقة، والوضوح وخصب المعاني. ونظم الأبيات الآتية لترسم على مائدة الطعام: أيها السيد الكريم تكرم ... وتنازل ما شئت أكلا شهيا وتفضل بجبر خاطر من هم ... أتقنوا صنعه وخذ منه شيا وتحدث على الطعام وآنس ... واحدا واحدا بشوش المحيا واستزدهم أكلا وقل: إن هذا ... طاب نضجا وصار غضا طريا

стр. 565

فهلموا بنا ومدوا إليها ... أيديا باعها ينال الثريا ثم قل: يا أحبتي هل لكم في ... بعض شيء من النبيذ المهيا ولئن ساغ شربه للتمري ... وكلوا واشربوا هنيئا مريا وإذا ما أكلت ضيفا فأرخ ... أن هذا لرزقنا كل هنيا ................................ ... ٥١ ٧٠٦ ٣٨٨ ٥٠ ٦٦ سنة ١٢٦١هـ. وهذه الأبيات متوسطة الجودة إلا أنها طريفة الموضوع. آثاره: ديوان شعره: ديوان شعره الكبير الحجم الواقع في ٣٨٠ صفحة المشتمل على شعره الرقيق بالنسبة لعصره، وهو مرتب على حروف المعجم طبع بمصر سنة ١٢٧٧هـ. سفينة الملك ونفيسة الفلك: وهو كتاب جليل اشتهر الشهاب به أودعه كثيرا من الموالي والموشحات والأهازيج، والأزجال التي يتغنى بها، وقد جدد بهذا الكتاب دارس الغناء العربي، "وافتتح مغالقه بعد إيصادها من عهد الأصبهاني، ومن سار على نهجه ممن جاء بعده، وأوضح معالمه وأبان ما استعجم من آياته، فكان فيه المبرز من بين أدباء المتأخرين والمعلم الأخير الذي لم يأت مثله إلى الآن١، وهو مرتب

стр. 566

على ثلاثة أبواب -الأول في الموسيقى، والثاني فيما نظمه فيها، والثالث في الألحان- وقد طبع بمصر غير مرة، ولما أتمه سنة ١٢٥٩هـ، قال في تاريخه: هذي سفينة فن بالمنى شحنت ... والفضل في بحره العجاج أجراها وإذ جرت بالأماني فيه أرخها ... سفينة البحر باسم الله مجراها ............................... ... ٦٠٠ ٢٤١ ١٠٢ ٦٦ ٢٥٠ سنة ١٢٦٠هـ. وله رسالة في التوحيد ورسالة في الآوفاق

стр. 567

السيد علي أبو النصر المنفلوطي: المتوفى سنة ١٢٩٨هـ-١٨٨٠م نشأته وحياته: ولد بمنفلوط من أعمال مديرية أسيوط، وقدم إلى القاهرة صبيًّا، ثم التحق بالأزهر بطلب العلم فيه، وقد شب مفطورًا على حب الأدب والتزود من فنونه، فبرع في قرض الشعر يافعا، ونظم الأزجال حدثا، ولم يلبث أن ذاع صيته وتسامع الناس به، وكان طيب المفاكهة والمجالسة لطيف المسامرة والمؤانسة، حاضر الذهن قوي الجدل لا يغلب في حوار، ولا ينهزم في مناظرة وكانت له مطايبات حافلة بالنكت الأدبية مع الحشمة، والحذر بما تأباه النفوس الأبية١، فكانت له مكانة عند أولي الأمر، وذوي الجاه يجلون قدره، ويلبون شفاعته، اتصل بالبيت العلوي من عهد محمد علي إلى توفيق، ورحل إلى القسطنطينية رحلتين أولاهما في عهد "محمد علي" سنة ١٢٦٢هـ، حيث احتفل السلطان عبد المجيد بإعذار٢ أنجاله، وطلب من محمد علي أن يوفد للحفل وفدا من العلماء والأمراء، فكان الشاعر في طليعة الذين أوفدهم "محمد علي" إلى القسطنطينية، وقد مدح شيخ الإسلام بقصيدة استجادها إذ قدمها إليه، وبكى متأثرا ببعض أبياتها، ثم سأله هل قلت في القسطنطينية شيئا؟ فأجابه بأن له "بيتين يستحي أن يعرضهما "لكونهما من زيف الكلام"، فقال: نسمعهما إن شئت فقال: وكنا نرى مصر السعيدة جنة ... ونحسبها دون البلاد هي العليا فلما رأت دار الخلافة عيننا ... علمنا يقينا أنها لهى الدنيا فتبسم شيخ الإسلام، وقال له: "إن البيتين جيدان من جهة الأدب،

стр. 568

ولكنك في مدحك القسطنطينية فضلت مصر عليها؛ لأنك جعلت مصر هي العليا والقسطنطينية هي الدنيا، وفي علمك أن الدنيا تأنيث الأدون، فيفيد النظم أن القسطنطينية دون مرتبة مصر، فقال الشاعر مجيبا: "حب الوطن من الإيمان". وأما رحلته الثانية إليها، فكانت في عهد الخديو "إسماعيل" سنة ١٢٨٩هـ، حيث استصحبه إليها في خلافة السلطان عبد العزيز، وكان مقدمهما القسطنطينية مثقفا مع الاحتفال بعيد الجلوس، فأنشأ الشاعر قصيدة بليغة مطلعها: تبسمت الآمال عن لؤلؤ القطر ... ففاح شذاها في الحدائق كالعطر وكان مصراع تاريخها "جلوسك عيد الدهر أم ليلة القدر". ١١٩ ٨٤ ٢٤٠ ٤١ ٤٧٠ ٣٣٥ سنة ١٢٨٩هـ. ومما اتسم به أنه كان راجح العقل نافذ الرأي عالما بالأحوال السياسية خبيرا بشئون الأمم، محبا لتربية الأمة داعيا لتثقيفها ونضتها. وكان شعره شتيتا غير مجموع حتى قيض له المغفور لهما "محمد باشا سلطان"، و"وحسين بك حسني" ناظر المبطعة الأميرية إذ ذاك، فجمعا أشتاته وضما متفرقة وعهدا إلى المرحوم "محمد أفندي الحسني" رئيس مصححي المطبعة بجمعه في ديوان صدر بخطبة الأخير، وبترجمة للشاعر بقلم المرحوم "أحمد باشا خيري" ناظر المعارف العمومية في ذلك الحين. هذا عدا ماكان له من الطرف والملح والمواليا، والأزجال وغير ذلك مما عبثت به يد التفريط والإهمال. شعره: أقيس شعره بشعر عصره، فأراه شبيها به موافقا له يتجه متجه وينزع نزعته، وهو يميل إلى الجناس لكن في غير استكراه، ويطلبه لكن في غير

стр. 569

تكلف شديد، ويوري غير أنه لا يلحف في رجاء التورية، ولا يرتصد لطلبها، وتدور الصنعة في شعره غير مفتون بها، وإن تهيأت له فبغير إفراط ولا إسراف، أما التاريخ الشعري، فهو مغرى به متافت عليه، ملتزم له في الجمهرة العظمى في شعره، فمن تجنيسه قوله: في الحان قد جس معسول اللمي وترا ... فانهض لتسمع ألحان الصبا وترى فقد أوقع الجناس بين "الحان"، وهو محل بيع الخمر و" ألحان" الصبا جمع لحن، كما أوقعه بين الوتر الذي هو شرعة القوس، ومعلقها الواقع مفعولا والفعل المضارع و"ترى" مقرونا بوار العطف، ويبدو لك تكلفة الجناسين إلا أنهما أقرب إلى القبول، ومن تجنيسه أيضًا قوله: أبدًا تقلب فكرتي أبدى الأسى ... طوعا لأمر الدهر أحسن أو أسا فقد أوقع الجناس بين لفظ الأسى بمعنى الحزن، والفعل الماضي "أساء" محذوف الهمزة ليتم الجناس بحذفها، والجناس هنا مقصود للشاعر إلا أنه لم يبلغ من الثقل مداه، ومن تجنيسه أيضًا قوله: كم ذا أحاول نصحا بالعظات وفي ... ظني وجود سميع بالعهود وفي فالجناس بين حرف الجر "فى" مقرونا بالواو، ولفظ "وفى" الصفة المحذوف إحدى يائية، وهو أقل ثقلا من صاحبه الماضي، ومن جناسه المقبول قوله: رياض المجد أهدت نفح طيب ... فقلت مهنئا يا نفس طيبي ويغرب أن يلتزم الجناس في مطالع قصائده، وهو في هذا الموضع أكثر طلبا له واستشراقا إليه.

стр. 570

ومن التورية التي يستعملها في شعره: على مضض صبرت وكم أداري ... بتاريخ الغرام وأنت داري يجاذبني الهوى فأذوب وجدا ... ويسلبني النوى ثوب اصطباري وهذا لي دروا ما بي فلاموا ... كأن هوى الأحبة باختباري وإن سألوا عن اللآحي ودمعي ... اقبول كلاهما لا شك جاري فقد ورى يقوله "جاري" عن اسم الفاعل من جرى بمعنى سال، والاسم الذي هو بمعنى مجاور مضافا لياء المتكلم. ويقول في رجل يدعي العلم يسعى "النخلي": بروض الفضل أغصان ... خلت عن حلية الفضل سألناها أجابتنا ... دهتنا غلطة التخلي فيحتمل أن براد "الشجر" أو اسم الرجل، ومما يؤدي به قوله: حروف ودي وسائل ... والد مع جار وسائل أي أن قطرات دمعة الشبيهة بالحروف وسائل تترضى الحبيب، فقد جانس بين "وسائل" الأولى جمع وسيلة و"سائل" الثانية التي هي اسم فاعل من سال بمعنى جرى مقرونا بالواو، ثم في وسائل الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون اسم فاعل بمعنى جار، أو اسم فاعل من سأل بمعنى طلب. ومن شعره التاريخي قوله: يا من بطالعه الأسعى حوى شرفا ... يزين بدر علاه قبة الفلك أنت الذي بحلي الأخلاق زدت علا ... لا زلت ترقى بفضل المنعم الملك إسعاد نجمك إذ لاحت بشائره ... أرخت أوليت بكباشي وأنت زكى ...................... ... ٤٤٧ ٣٣٥ ٤٥٧ ٣٧

стр. 571

ولا شك أن هذا التاريخ أضعف هذا الشعر، وحال دون روعته وجماله، ولكنها سنة العصر الذي أغرق فته وغالى وله في تاريخ لحية. لماذا ازدهى روض المحاسن والبها ... وبدا به الريحان وهو شريف خط العذار كما تحب صحيفة ... تاريخها صان الجمال نظيف ................... ... ١٤١ ١٠٥ ١٠٤٠ سنة ١٢٨٦هـ وهو شعر ضعيف متهافت كما ترى، ومما لا أسيغه وصف الريحان بالشرف، ولست أدري متى يكون الريحان شريفا، أو غير شريف فلعل علم ذلك عند الشاعر، وقد يقصد أن الريحان وهو أخضر الأغصان يبدو كالعمائم الخضر التي هي سمة الأشراف. وقد يولع بالتاريخ، فيجعل في كل شطر تاريخا كما قال: بشير الهنا لا حب بيمن قدومه ... بدور بها نور البثائر قد صفا ٥١٢ ٨٧ ٤٣٩ ١٠٢ ١٥٥ ... ٢١٢ ٨ ٢٥٦ ٥٤٤ ١٠٤ ١٧١ سنة ١٢٩٥هـ. وشعره إذ ذاك لا روعة فيه، ولا تتنسم منه روح الشعر بحال، غير أنه يتناول كثيرا من الأغراض في شعره، ويتسع أفقه لألوان مختلفة من الشعر فيمدح، ويهنئ ويرثي ويعتب ويشكو ويشكر، ويتغزل ويصف وينصح، وتجد في شعره الحكم والمدائح النبوية، والقصائد الوطنية والخمريات بغير إغراق كما تجد فيه الوداع والحماسة، ويتناول الألغاز يكثر منها فيجيء شعره بها معمى مستغلقًا، ويطول نفسه في بعض القصائد حتى لتبلغ مائة بيت إلا أن شعره أقرب إلى شعر العلماء منه إلى شعر الفحول من الشعراء، وشعره وسط بين الإجادة، والغثاثة والضعف والقوة. فمما قاله متغزلا: إلى الأوطان يجذبني الهيام ... ولي قلب يقليه الغرام وفي دمعي غرقت ونار وجدي ... بتذكار الديار لها ضرام ولى في كل منزه حديث ... إذا كررته ناح الحمام

стр. 572

وما عندي من الأشواق خاف ... ولو أبديته لبكى الغمام ويوم وداعهم كانت حياتي ... مكابرة وللدمع انسجام أراهم أينما كانوا بقلبي ... وزفي نومي وهي يغني المنام وقائلة إلام تحن شوقا ... وتعلو جسمك المضني السقام أتحسب أن من تهواه باك ... عليك ولو أضر بك الهيام؟ فقلت له: فديتك إن نومي ... علي لبعدهم أبدا حرام وهل يجدي أخا الوجد المعنى ... إذا ضنوا بزورته اعتصام؟ دعيني فالنصيحة لو أفادت ... لضاع الحب وانقطع الملام كلفت بحبهم فألفت سهدي ... ولم يخطر على جفني المنام أهيم بهم ولي فيهم شجون ... إذا ظعنوا بقلبي أو أقاموا أخلائي احفظوا عني حديثا ... يسر به المقلد والإمام قتيل الشوق يحييه التداني ... وينعشه التواصل لا المدام فإن مر النسيم بكم سلوه ... فأخبار الهوى منه ترام وساعات الوصال كلمح طرف ... لدى المضني ويوم البعد عام هذه أبيات ساقها الشاعر متغزلًا، فجاءت من أجود ما قاله رقة وخفة روح ووضوح أسلوب لم يسع الشاعر فيها وراء صنعة لفظية، أو محسن من المحسنات البديعية، ولم يمس طرفا من ذلك إلا الجناس الذي شكه شكا، وتناوله برق في عجز البيت الأول بين "قلب" "ويقلبه". ومما قاله في شكوى الزمان: بشكوى الليالي كيف لا أتعلل ... وديمة دمعي دائما تتهلل رماني زماني في مكايد مكره ... وفي وهمه أني له أتذلل أكابد ما لا يستطاع من الأسى ... وأحمل منه فوق ما يتحمل وجربت أبناء الزمان بأسرهم ... فلم أر منهم من عليه يعول

стр. 573

وسالمت إخواننا بدا لي أنهم ... على نقض بنيان الصداقة عولوا فيا دهر ماذا تبتغي من مجرب ... وقد شاع في الآفاق أنك تجهل تقدم من لا يستحق وتزدري ... بمن هو أولى بالجميل وتعجل تبرأ من أهل المعارف والتقى ... وهم دولة الإسعادان كنت تعقل وقربت أرباب الجهالة للعلا ... كأنك لاستظارهم تتجمل فهذه الأبيات من أجود ما قيل في شكوى الزمان صدرت من الشاعر مصورة عبث الزمان به، وتجهمه له وما يكابده من أساه الذي لا يستطاع، وما يحمله مما يشق حمله، وما لقيه من إخوان جربهم فلم ير فيهم من عليه المعول، وما سالمهم لما بدا له من تعويلهم عن نقض الصداقة ونكث العهد، وكان جميلا من الشاعر ما بينه ومن جهل الزمان من تقديم من لا يستحق، والزرارية بمن هو أولى بالجميل، وبراءة الزمان من أهل المعارف والتقى، الذين هم دولة الإسعاد لو ك ان يعقل ذلك، وتقريب أرباب الجهالة، وإيثارهم بالعلا كأنه يتجمل لاستظهارهم، فهي أبيات صادقة في شكوي الليالي، وصدق التجربة، وغدر الإخوان وعبث الزمان، كل ذلك مسوق بأسلوب غير نازل، ورصف رصين لم يتهالك على محسن ولا زخرف. ومما قاله يمدح به النبي ﷺ . إذا هتف بمدحتك الموالي ... وأنشد شعره فيك البديع وحدث عنك من يروي حديثا ... وصاغ من الثنا ما يستطيع فما بلغوا اليسير ولو أطالوا ... وكيف وأنت في الأخرى شفيع؟ إليك شكايتي من كل ذنب ... وحصن حماك في حرز منيع ومن يرجوك يسعف بالأماني ... ومن قصد المشفع لا يضيع ملأت سرادقات الكون فضلا ... وجاهك سيدي جاه رفيع فمن للمذنبين سواك يرجى ... إذا ما استعظم الهول الفظيع؟

стр. 574

وهو شعر سهل رصين تتمثل فيه روح الشاعر المؤمن الذي يلتمس عند رسول الله ﷺ أن يكون له حرزا منيعا، وشفيعا يغفر به كل ذنب، وإن كان في نفسي شيء من اللفظ الأخير "الفظيع". وقال يعاتب بعض أصحابه: لعمرك ما البواتر كالعصي ... ولا الطرف المذلل كالعصي١ ولا فلق الصباح إذا تبدى ... لذي بصر يقابل بالعشي أراك رفعت أدنى الناس قدرًا ... وآثرت الدنى على علي شققت عصا الوفاق وبعت غبنا ... صواب الرأي بالخطأ الجلي وبدلت الأعزة من قريش ... وأبناء الأماجد بالبذي٢ ستعرف ما جهلت إذا التقينا ... وبان لك الجبان من الكمي٣ ولعل هذه الأبيات من أحسن شعره وأبلغه، وأحفلها بالتشبيهات المحكمة، وفيها جناس مقبول بين حرف الجر "على"، و"على" تورية لطيفة في لفظ "على" الذي يحتمل أن يكون وصفا مقابلا "للدنى"، وأن يكون مشيرا إلى اسم الشاعر "السيد علي" ومن رثائه قوله: أمطري أعيني الدوامي دواما ... إن غيث الكرام يأتي ركاما٤ واستمدي من حبة القلب دمعا ... فلعل الدموع تروي أواما٥

стр. 575

ومن المهد للجفون اكتحالًا ... ودعى عنك في الدياجي المناما واسكبي الدمع خفية وجهارا ... واستحلي من البكاء الحراما واقرئي في صحيفة الدهر سطرا ... نمقته يد القضا فاستقاما واكتبي ما جنته أيدي المنايا ... حيث لم تبق للأنام إماما فهذه من أصدق المرثيات، وأرقها وأخصبها معنى وأحلفها تصويرا للجزع والأسى، ولم يكن الشاعر منصرفا فيها إلى الطلاء اللفظي اللهم إلا ما يكلف به من الجناس في مطالع قصائده، فإنه أوقع الجناس المتكلف بين "الدوامي" و"دواما" و"الكرام" و"ركاما"، ولكنه لم يستنفد جمال الأبيات، ولم يذهب بروعتها.

стр. 576

الشيخ علي الليثي: المتوفى سنة ١٣١٣هـ-١٨٩٦م نشأته وحياته: هو، الشيخ "علي" بن "حسن" بن "علي"، ولد في بولاق مصر سنة ١٢٣٦هـ، وتوفي والده وهو حدث يافع، فانتقلت به أمه إلى جهة الإمام "الليث"، فكان يطلب العلم بالأزهر، ثم يعود إليها للمبيت بها، وظل على ذلك بضع سنين، ثم قدم إلى مصر الشيخ "السنوسي الكبير" قاصدا الحج، فاتصل به وحج معه، ولما رجع "السنوسي" إلى مصر لم يدعه، بل استصحبه إلى "جغبوب"، ولبث بها مدة يطب العلم ويفيد حتى فارق "السنوسي"، وعاد إلى مصر فاتصل بوالدة "عباس باشا" الوالي، فألحقته بوظيفة متواضعة في القصر، وازدلف إلى الأمير "أحمد باشا رفعت" بن "إبراهيم باشا الكبير"، فأدناه منه ومكنه من تقليب النظر في خزانة كتبه، فأفاد منها سعة أفق وخصب مادة. ومن الطريف أن سفره إلى المغرب كان سببا في اتهامه بمعرفة الكهانة، والعرافة حتى إذا ولي "سعيد باشا" على مصر أمر بنفي هؤلاء الذين يحتالون على الناس إلى السودان، فكان المترجم من بينهم، وقد ظل بالسودان حتى عفا الخديو عنه، فعاد إلى مصر. وقد طارت شهرة "الليثي" وذاع صيته، وعرف بحضور البديهة وحسن المنادمة، فلما ولي "إسماعيل باشا" على مصر قربه إليه، واتخذ منه ومن الشيخ "علي أبي النصر المنفلوطي" نديمين يستمتع بشعرهما، ويستطيب حديثهما. فلما عزل "إسماعيل" وخلفه "توفيق" درج على ما كان عليه سلفه من إيثار "الليثي"، وإجلاله واصطفائه حتى إذا شبت الثورة العرابية كان "الليثي" بين من خاضوا غمارها، وأججوا جمراتها، ولكن "توفيقا" شمله بعفوه وصفح عن زلته، وهش له إذا تبرأ بقصيدته التي يقول في مطلعها:

стр. 577

كل حال لضده يتحول ... فالزم الصبر إذ عليه المعول بل إنه بعد أن تبرأ من الفتنة العرابية، وأبان عذره في مسايرة العرابيين زاد قربا من نفس "توفيق"، وأحله مكانة ترمقها الأبصار، وترنو إليها العيون فقد شيد لنفسه قصرا "بحلوان"، وكان يتردد عليه مرتين في كل شهر، فيركب من حلوان سفينة بخارية تقله إلى ضيعة "الليثي" "شرق اطفيح"، فيؤاكله ويقيم عنده، ومن ثم عني "الليثي" بهذه الضيعة، فغرس بها أطيب الكروم والأشجار، وأقام بها قصرًا أنيقا يكون للأمير وأتباعه نزلًا. وقد كانت هذه الضيعة مقصد الأدباء، وكعبة للشعراء والعلماء يجدون فيها غذاء للروح والجسد من ثمار، وفاكهة وطيب مفاكهة، وقد كان مسرفا في كرمه حتى أن ضيفانه ليقيمون عنده أيامًا وأشهرًا. ولما نزل بمصر "السلطان برغش" ملك "زنجبار" انتدبه الخديو "إسماعيل" لمرافقته ومجالسته، فاتراح السلطان لخلقه، وخفة روحه وعذوبة حديثه، حتى إنه لما عاد إلى بلاده كان يمنحه الهدايا الفاخرة كل عام مما تمتاز به هذه البلاد من عنبره وغيره، فيكون لأصدقاء "الليثي"، وخلطائه من هدايا السلطان نصيب. وإذ قضى "إسماعيل" تقلص العطف الكريم الذي كان "الليثي" في ظلاله، وانقبض "عباس" عنه، ولم يكن "لليثي" من خصب جنابه بعض ما كان له من "إسماعيل"، فعكف على ضيعته يشتغل زرعها، ويدمن الاطلاع في مكتبته الضخمة التي ما زال يضم إليها من الأسفار النادرة، وأمهات الكتب الأدبية ما طبع منها، وما نسخ حتى كان من أوفى الخزانات، وأحفلها علما وأدبا، ولم يزل كذلك إلى أن تآمرت عليه العلل، فناء بها أشهرا حتى قضى في العاشر من شعبان سنة ١٣١٣هـ، فانطوت به صفحة من الأنس والصفاء، وطول المتاع. منادمته: كان "الليثي" خفيف الروح، عذب الحديث، حسن المحاضرة، سريع

стр. 578

البديهة، مواتي الجواب، معروفا بطيب السمر ورقة المنادمة حتى أطلق عليه "سيد الندماء". والمنادمة فن دقيق يعتمد على مواهب وفطر خاصة، ويحتاج في تناوله إلى لباقة وكياسة، وتفطن إلى مواطن النكتبة وموقعها من النفوس، وتفرس فيما يطيب من القول، ويلذ لسامعه، هذا إلى سرعة البديهة، والحذق في معرفة الطبائع والبصر بمختلف الأخلاق، وتمييز كل موقف من صاحبه، والتملؤ من أدب المفاكهة والإلمام بما يهش له السامع في شتى أحواله، وما يرفه به عن نفسه إذا غشيها الملال. على أن النديم قد تحاك حوله الدسائس لتصرف عن جمال نكتته، وتصد عن التبسم والبشاشة له، وقد يرتصد له بعض الخبثاء، فيفسد عليه غرضه بالتصريح أو بالإيماء، فإذا لم يكن حاضر البديهة، ومواتي الجواب لبقا في الأخذ بالشيء والإنصراف عنه، قادرًا على أن ينتقل من حديث إلى حديث، ومن مقام إلى مقام فشل في جر السرور، والمفاكهة الذي يهيئه، ويشرق الأنس منه. وقد كان ذلك من مواهب "الليثي" في منادمته، فإنه ليجمع إلى طلاقة لسانه، وفيض خاطره وحلاوة حديثه، وحسن بصره بمواطن الحديث، وتهديه إلى ما يحسن أن يأخذ به من القول، وما يدع روائع من الأدب، وأطايب من البيان يصرفها في كل مجلس، ويديرها في كل مناسبة، ويعرضها إذا استشرقت لهما الأسماع، واهتزت لها العواطف والوجدانات، فيملأ النفوس أنسا وراحة والقلوب -بهجة ولذة. ولا نحسب أن من شعراء الجيل الحاضر شاعرا يمثل مدرسة الندماء، كما كان يمثلها الشيخ "علي الليثي" الذي ارتقى في هذه الصناعة حتى نادم "إسماعيل" "وتوفيقا"، وبقي من نوادره، ودعاباته ما يذكره المتأدبون والمعنيون بأخبار القصور حتى في أقصى الصعيد١.

стр. 579

وقد بلغ من شغف "إسماعيل" به أن أعد له، ولصاحبه الشيخ "علي أبو النصر المنفلوطي" قاعة خاصة بديوانه يجلس بها كأنه أحد رجال القصر الذين توكل إليهم أعمال، كما قلنا من قبل أن "توفيقا" كان ينزل بضيعته حبا لمنادمته، وإيثارًا لمفاكهته. ولم يؤثر فيما تقل إلينا عن نوادر "الليثي"، ونكاته أنه فرط في كرامته، أو أغضى على هيبته على ما تتحيف به هذه الصناعات من أقدار، فقد ظل "عالما" من علماء الأزهر لم تجرح هذه الصناعة كبرياءه، ولم تتدل به إلى ما يتدلى إليه المضحكون والممالثون. وقد خلف "الليثي" من نوادره وأدبه الضاحك الباسم ما فيه أبلغ المتع واللذاذات، وما هو في هذا الأدب الرقيق غرة وجمال، ولكن ذهب أشتانا لم يعن بجمعه، أو يخلد بإيثاره، وكان في مثله لوحواه كتاب ما تستروح به نفوس، وتبتهج به صدور، وتتبدد كآبة ويذهب ملال. طرف من نوادره: كان أحد الكبراء يفرغ بالمدية تفاحة ليشرب فيها، فانقصفت المدية خلال ذلك فرنا إلى "الليثي"، كأنما يطلب القول منه فإذا به يرتجل البيتين. عزت على الندماء حتى أنهم ... تخذوا لها كاسا من التفاح ولدي اتخاذ الكأس منه بمدية ... لان الحديد كرامة للراح وهما آية على صفاء ذهنه وحضور بديهته، واستجابة الشعر له. ودخل يوما معه الشيخ "علي أبو النصر المنفلوطي" على الخديو "إسماعيل"، وهو منقبض، وكان الرجلان طويلي القامة دميمي الخلقة فاحمي السواد، فلما أبصرهما "إسماعيل" أخذ يقلب فيهما الطرف، وينظر إلى طولهما وعرضهما فما أن رآه "الليثي" كذلك حتى شرع يقلب كفا على كف، فقال له "إسماعيل": ما بالك تفعل هذا؟ قال: "أفكر في أمر أقوله إذا صفح عنه مولاي مقدما" قال: "قد صفحت فقل" قال: "أراني أستغرب ما الذي أعجب به مولاي في

стр. 580

مدخنتين مثلي وزميلي هذا"، فضحك الخديو وسرى عنه. ولما أمر "إسماعيل" أن يكتب على حجرات القصر لافتات تشير إلى وظيفة من فيها أشار "المهردار"، أحد كبار رجال القصر بأن يكتب على حجرة الشعراء التي كان "الليثي بها": ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ، وإذ سأل الليثي عمن أشار بذلك قيل له أنه "المهردار"، فأراد أن ينتقم لنفسه فانتهز فرصة جلوسه مع الخديو، وحضور المهردار، وقال للخديو: إن حادثة وقعت لي اليوم فقال: ما هي فقال: صغتها زجلا، قال: ما هو؟، قال: لي طاحونه في البلد ... غلبت منها وعقلي دار عقلت فيها الطور عصى ... علقت فيها المهردار ومر به كبير من رجال القصر فحياة تحية الغربيين بخفض رأسه، فلم يرقه ذلك فهر رأسه كمن يقول: لا فشكا الأول للخديو زراية "الليثي" به، فلما سأله الخديو عما صنع معه، قال: يهز رأسه كأنه يقول: تناطحني فقلت له: لا. شعره: خلف "الليثي" ديوان شعر ضخم لدى صهره الأستاذ "محمد سعودي" الخبير، ولكنه أبى أن يطبعه لعلم أهله، وخاصته بأن الشاعر لعن من يقوم على طبعه، ولعل "الليثي" فعل ذلك تحرجا من نشر ما عسى أن يكون قد تورط فيه كشأن أكثر الشعراء من دعابة، أو غلو في مديح أو ذم أو نحو ذلك، فلقد كان في الرجل تقية وورع، فهو يخشى حسابه على ما نظم، ولو كانت هذه الثروة الشعرية لشاعر غيره ممن يغربهم المظهر، والشهرة لجاز أن يحرص على طبع شعره وتدوينه، والمفاخرة به. ولو تهيأ لنا الاطلاع على هذا الديوان، والتفرس فيما حواه من شعر، وفيما بين دفتيه من قصائد نظمها في أغراض مختلفة، وألوان متنوعة لاستطعنا أن ندرس شعره دراسة بحث، وتقص ولكن احتجاب ديوانه ألقى على شعره ستارا كثيفا من الغموض والإبهام، وجعل الحكم عليه مقرونا بالعناء، والجهد

стр. 581

وذلك مما دفعنا دفعا إلى مراجعة الصحف القديمة والمجلات المعاصرة له، وتتبع الكتب الأدبية المختلفة بما عساه أن يضم طرفا من شعره وجانبا من خبره، ونستطيع بعد أن تعبت أناملنا من التصفح والتقليب، وبعد العثور على جمهرة من قصائده المتنوعة أن نحكم على شعره جملة بأنه في المنزلة الوسطى من منازل الشعر١. وكان القدر الأعظم من شعره في المدائح، فلقد اصطفاه "إسماعيل"، وخلع عليه لقب "شاعر الخديو" ولازمه ونادمه، كما أدناه "توفيق" وأحله مكانة من نفسه، وقد دعاه ذلك إلى أن ينظم فيهما مدائحه ملتمسا لها شتى المناسبات آية على ولائه ودليلا على وفائه، كما مدح المطصفين لهذين الأميرين من ذي جاه أو شفاهة أو حظوة لديهما، وكان "الليثي" حريصا في هذه المدائح وخاصة ما لإسماعيل وتوفيق على أن يجودها، ويكسوها حلة من الروعة وجمال الشعر، ولكنه على كل حال يدور فيها جميعا مع تباين أسبابها على معان متقاربة وطريقة متشابهة، فهو يبدأ بالغزل متأنفا في صوغه لينتقل منه إلى مدح الأمير حاشدا من معانيه، وألوانه ما شاء له الأسلوب، وما واتته القريحة واستتبع مدحه الأميرين الذي هو ثمرة لصلته بهما، وحدبهما عليه أن يقول مهنئا أو مواسيا، أو معزيا، فإن وفاءه الباعث على الإطراء والمديح هو نفسه الدافع على قرض الشعر في كل ما جل أو هان من مختلف المناسبات. ولقد جهدت فيما تتبعته من الشعر كي أعثر على المنادمة في شعره، وأتبين أثر هذا الفن لأرى ما أبدع منه في نظمه، فلم يواتني منه شيء، فلعلها كانت منادمة مجلس وسمر يصورها حديثا يرويه، وقصة يسوقها ونكتة يرسلها ونادرة يفاكه بها، وبديهة مواتية لا تستلزم الشعر أسلوبا ولا أداة.

стр. 582

نماذج من شعره: مما قاله في عيد جلوس الخديو "عباس الثاني": خل الملام فقلبي ليس بالسالي ... يا عاذلا لج في لومي لتضلالي دعني ووجدي وما ألقاه من وصب ... أبيت أرعى الدياجي بائس الحال ظننت لومك يثني قلب ذي شجن ... هيهات لومك لم يخطر على بالي أنا الوفي وقلبي ليس يشغله ... عما عليه انطوى تنميق عذال أرح فؤادك واحذر ما أكابده ... أما نظرت إلى سقمي وإعلالي دمع يسيل وقلب ذاب من كمد ... وفكرة شتتها لوعة البال عدتك حالي لا ذقت الهوى أبدًا ... ولا رمتك اللواحي فيه بالقال إلى أن قال: قد قال لي القلب لكم حملتني نصبا ... من الغرام وقد ضاعفت أثقالي هلا التفت وألزمت اليراع بما ... يخف عني به وجدي وبلبالي فقلت: يا قلب صادفت المراد فذا ... عيد جلوس الخديو المفرد العالي عباس مصر الذي ضاءت بغرته ... أرجاؤها وغدت روضا لحلال صفو النفوس بتشريف النفوس بدا ... كالبدر يعطي ائتناسا عند إهلال فادخل بنا في تهانيه بموسمه ... وإن تعاظم فاسلك نهج إجمال ثم قال: هذا الأبي الذي أمضت عزائمه ... ما أوهن اللب من قول وأفعال زند الشبيبة يوري رأي مكتهل ... منه ويهدي لرشد عند تسآل فيه لرائيه إيناس ومرحمة ... وكم لراجيه منه نور آمال فهذه أبيات تبتدئ بالغزل على عادة الشعراء، ثم تنتقل إلى ذكر الممدوح

стр. 583

بما شاع المدح به، وما ألف نظم الإطراء فيه، وهي وإن كانت أقرب إلى التوجيد في نظمها، وصوغها لا تحمل من روعة الشعر، والطابع الشخصي ما يسمو بصاحبها إلى مصاف المجيدين. ومما قاله في ليلة عرس: لله ليلات أنس عن سنا سفرت ... وبالمراد إلى أسمى حمى وصلت كأنها ليلة القدر التي نزلت ... فيها الملائك والدنيا بها ابتهجت سرت بحسن صفاها مصر وازدهرت ... يا طيب عين بمرآها قد اكتحلت فما رأى مثلها الرائي فقد شرفت ... في خير دار بها الأفراح قد رسمت دار بسدتها الأمجاد واردة ... مثل الظماء فكم علت وكم نهلت إن شئت قل جنة أو جنة وجنى ... فيها الغياث وفيها الغيث مذ نبتت نعم سويداك أو سود العيون بما ... يروح الفكر فاللذات قد حضرت وارع المثاني وراع العنب ليب بها ... فيوسف الحسن أعطاها الذي طلبت إلى أن يقول: ولا أصرح بالداعي ولي أمل ... يشيده من حلى أوصافه كملت فاهنأ فهذا القران السعد أرخه ... شمس البهاء بمحمود الصفا اقترنت ........................... ... ٤٠٠ ٣٩ ١٠٠ ٢٠٢ ١١٥١ سنة ١٨٩٢م. فهذه مظاهر للحسن والسرور والأنس، والبهجة حشدها الشاعر حشدا ونظمها بصورة تقليدية لا أرى فهيا روحا للشعر العذب الرائع على أنه عنى فيها بالزخرف والطلاء، فأشار إلى الاقتباس في "ليلة القدر" التي نزلت فيها الملائك، وجنس بين "جنة" و"جنى" و"الغياث" و"الغيث"، و"سويداك" و"سواد العيون" و"ارع" و"راع"، وبذل لذلك شيئا من جهده وطلبه، ثم ختم أبياته بالتاريخ الذي فتن به معاصروه والسابقون عليهم، وحرص

стр. 584

عليه هو أيضًا، ومن ولوعه بالمحسنات البديعية، وتكلفها وسعيه لها ما قاله للشيخ "الإنباني" ينفي ما وشى به إليه. نبئت أني قد ذكرت بحضرة ... تسمو بكوكب عصره "الإنبابي" وعذلت أن لم أهد ساحة مجده ... غرر التهاني عذل من أنبابي ولقد نبا بي عن سمو مقامه ... عز المهابة وازدحام الباب فغدوت أدعو الله أن يرقى إلى ... أسمى المعالي في أعز جناب كيما يعز الدين منه بناصر ... وتقر عين الشافعي بمهاب فبمثله الإسلام يظهر نوره ... وتقوم حجته على المرتاب لا زال شيخ المسلمين محجبا ... بمهابة الإعزاز والإرهاب حتى يقول العلم سدت مؤرخا ... بولي الأزهر شيخه الإنبابي .................... ... ٤٨ ٢٤٤ ٩١٥ ٩٧ سنة ١٣٠٤ فقد كلف بالتجنيس في قوله "الإنبابي" فأدارها غير مرة مما "نبا" بها، ووضها موضع القلق، كما شد الجناس في قوله "بمهابة" والإرهاب وختمه بالتاريخ كدأبه. ومن أبياته الرقيقة ما قاله حين زارته سائحة أمريكية، وهو في ضيعته بالصف. وزائرة زارت على غير موعد ... غريبة دار تنتحي كل مورد تبدى لنا وقت الظهيرة نورها ... ونحن على روض زها بالتورد من اللاء لم يدخلن مصر لحاجة ... سوى رؤية الآثار في كل مشهد لها في أميريكا انتساب ودارها ... ببستن إذ تعزى لمسقط مولد فحيت وقالت والمترجم بيننا ... لنا: فاذنوا نحظى يروضكم الندي فقلنا ونور البشر أزهر ببيننا ... على الرحب والإقبال مشكورة اليد

стр. 585

ودارت أحاديث التساؤل بيننا ... فجاءت بدر من حديث منضد إلى أن قال: عن البحر حدث إذ وردنا وقد غدا ... بصفو يصافينا فيا طيب مورد سفينتنا تعلو على فلك السما ... بما حل فيها من شموس وفرقد١ هناك مراد العين والسمع والهوى ... مع العفة العلياء في كل مقصد فقمنا وودعنا القلوب فهل درت ... بما نابنا عند الوداع الممهد٢

стр. 586

الشيخ عبد الرحمن قراعة: المتوفى سنة "١٣٤٩هـ-١٩٣٠م" نشأته وحياته: ولد بأسيوط قرابة سنة ١٨٢٥م من أسرة عريقة في العلم والدين، فحفظ القرآن في صباه وكان والده أحد علماء الأزهر يحب الأدب، ويقرض الشعر وقد نظم في النحو خمسمائة ألف بيت تدارك فيها ما فات ابن مالك في ألفيته مما نبه إليه الشراح من قيود، وشروط وغيرها، فتأثر "عبد الرحمن" بأبيه واتجه متجهه، وتلقى العلم عنه في صغره، ولقي من رعايته وتوجيهه ما غذى قريحته بالأدب، وطبع ملكته على حبه. ولما أصاب حظا من الثقافة الناشئة ألحقه والده بالأزهر، فانتظم في عقده وتلقى فنونه على أساتذته من أمثال الشيخ "حسن الطويل"، والشيخ "محمد الإنبابي" والشيخ "الأشموني" وأضرابهم، وقد قضى فترة في الطلب ناهزت عشر سنين، وكانت شهرته بالأدب قد ملأت الأذهان، وطوف صيته في ربوع الأزهر وخارجه، ووسم بالشعر الرصين والنثر المحكم، حتى كان علما بين شعراء الأزهر وأدبائه في ذلك الحين، وكان قد تقدم لامتحان العالمية، فحدثت في الأزهر فتنة كان من أثرها أن عين المرحوم الشيخ "محمد الإنبابي" شيخا للأزهر بعد سابقه المرحوم الشيخ "محمد المهدي العباسي"، ويقول بعض الرواة: إن "الإنبابي" غضب على قراعة ونفاه من القاهرة إلى أسيوط؛ لأنه أنشأ قصيدة هجاه بها قال في مطلعها: خذوا حذركم فالأمر قد جاء بالضد ... لقد ظهر الدجال واختبأ المهدي ومما قاله الرواة - إن قراعة كان صديقا للمهدي، وكان المهدي يؤثره ويوليه حبه، فنظم قراعة هذا الشعر ولاء للمهدي، وزراية بالإنبابي، فأجرى

стр. 587

معه تحقيق كانت نتيجته النفي إلى أسيوط التي ظل بها قرابة أربعة عشر عاما كان يرسل فيها قصائد الاعتذار، والتنصل للإنبابي حتى عين الشيخ "حسونه النواوي وكيلا للأزهر، فاستوفده إلى القاهرة. وقد رجعت في تحقيق ذلك إلى أسرته والأدنين منه ومن خالطوه، لأجلو الأمر واستوضح غامضه، فقيل: إن قراعة لم ينظم هذه القصيدة بل نحلها له خصوم الإنبابي اعتمادا على شهرة قراعة بالشعر وطلبا لذيوعها له، أما هو فبرئ منها لم يخط فيها حرفا، كيف وهو تلميذه المنتفع بعلمه المغتذى بثقافته؟ على أن فيما وجهه قراعة إلى الإنبابي من شعر ونثر ما يدل على نقاء صفحته، وبراءته من هذا الشعر، هذا ولم يكن ارتحال قراعة إلى بلده جزاء وعقوبة، وإنما كان انصرافا منه لكدر الجو من الدس والسعاية، ومهما يكن من شيء، فإن القصيدة سواء نظمها، أو نسبت إليه سارت على الألسن، وطوفت في الآفاق وعلقت بالأذهان. وإذ ارتحل "قراعة" إلى أسيوط هذه الفترة الطويلة أكب على دراسة الأدب ونظم الشعر، وتوفر على التفسير والحديث، فتمكن من دراستهما واجتمع بجمهرة من علماء الأزهر الذين رحلوا إلى أسيوط وطنهم، فاتصل بهم وكان بيت أبيه شبيها بندوة أدبية، ودرس علمي يجمعهم، فعلا في هذا الندى صوته وتألق بين رواده نبوغه، فكان فيمن يفدون إلى هذا المجلس المرحوم "محمد بك أبو شادي" الذي أنشأ جريدة الظاهر فيما بعد، وكان من أبرع المحامين بأسيوط، كما كان منهم المرحوم "عبد الله هاشم" الأديب المطلع الذي وصفه "قراعة"، فقال: "أخذ هاشم نهايتنا فجعلها بداية له"، والمرحوم "حسين بك فهمي" الأديب أحد كبار محامي أسيوط، "وإمام بك فهمي" أحد أعلامهم أيضا، وما زالت شهرة "قراعة" تنمو، وتتطاير حتى كثر عشاقه، وأقبل عليه أنصار الأدب من كل حدب، فإذا بيته مقصد كل عظيم، وأديب من رجال القضاء والإدارة والتعليم، ومما قرأه على عشاقه في هذه الفترة

стр. 588

كتاب "الكشاف" للزمخشري "والنسائي" في الحديث، كما قرأ عليهم كتاب "الأغاني" على طوله واتساع جنباته. بقى "قراعة" في أسيوط حتى استدعاه الشيخ "حسونه النواوي"، وكيل الأزهر إلى القاهرة فتقدم للامتحان، ونال شهادة العالمية، ثم اشتغل بتدريس الفقه والنحو في الأزهر حتى إذا وجهت العناية الخاصة إلى تدريس الأدب في الأزهر تولى تدريس مقامات الحريري، فجمع في شرحها بين اللغة، والأدب بأسلوبه العذب وبيانه الرائع، وكان "السيد مصطفى المنفلوطي" أحد من غشى درسه الأدبي. ولم تطل هذه الفترة حتى عين مفتيًا شرعيا بمدينة سوهاج، فمكث بها عدة سنين عقد في أثنائها بأحد مساجدها درس التفسير الذي كان يلقيه بطريقة جذابة مشوقة، وأمه كثير من رجال العلم والأدب، واتخذ من بيته منتدى أدبيا يضم كثيرا من الأدباء، مثل المرحوم "الشيخ محمد عبد المطلب" الشاعر الذي لازمه، وانتفع به وبتوجيهه الأدبي، ولقي منه تشجيعا ورعاية، وكان أكثر عشاقه ملازمة له وترددًا عليه، كما كان من عشاقه أيضا، والمصاحبين له المرحوم "محمد أبو النعمان بك"، والمرحوم "يحيى أبو بكر باشا"، وكانا أديبين من أعلام القضاء الأهلي امتازا بمراعاتهما في تطبيق أحكام القانون موافقته، أو قربه لأحكام الشريعة الإسلامية، كما كان منهم المرحوم "أحمد أفندي عبد الباري طاهر" الأديب الذي كان مدرسًا بمدرسة سوهاج مع زميله الشيخ "محمد عبد المطلب. ومما اقترحه الأدباء أن يشرح قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي مطلعها: أمن آل أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر وقد أفاض "قراعة" في شرحها ونقدها، والتعليق عليها فقام هؤلاء بطبعها والاحتفاظ بها. ثم نقل إلى وظيفة قاض بمديرية أسوان في فبراير سنة ١٩٠٥م، وظل بها إلى سنة ١٩٠٦م، حيث نقل قاضيا بمديرية المنصورة، فرئيسا لمحكمة بني سويف

стр. 589

الكلية الشرعية، ثم عين عضوا بمحكمة مصر العليا، فمديرا للأزهر والمعاهد الدينية، وقد بذل جهده في الإصلاح ما استطاع إليه سبيلًا. وكان أول ما عمله منذ شغل هذا المنصب أن سعى لمنح الشيخ "سيد بن علي المرصفي، عضوية جماعة كبار العلماء، فكان ذلك إنهاضا للأدب ويدا تشجع على المضي فيه "ولا يؤخذ إلا من مصادره". ثم أصبح مفتيا للديار المصرية، وذلك هو آخر ما تولاه من أعمال، وما أسند إليه من مناصب، حتى لستأثر الله به سنة ١٣٤٩هـ، الموافقة ١٣٩١م. شعره: الشيخ "عبد الرحمن قراعة" شاعر مطبوع مشرق الديباجة متلاحم النسج متين السبك رائع التشبيه جزل العبارة رقيق المعنى واضح الغرض، يتدفق فيضه، ويجري بيانه في رقة وسلاسة ووضوح، فلا تعقيد في لفظه ولا التواء في غرضه ولا إغراب في معناه. وكان الشعر قد طوع له وأرخى له عنانه، وأسلس قياده فهو بوافيه على غير تكره وينقاد له وكلما، خطرت له خاطرة، أو بدت له بادرة، أودع ذلك شعره الرصين الفخم، وكم كان للعربية من هذه الثروة الضخمة من نفع وجدوى ولقراء الأدب وعشاقه من لذة ومتاع، لو مكنت لهم رواية شعره جملة والوقوف على ما خلفه جميعا، ولكن شعره تفرق بددا، وذهب شتيتا، فلم يجمعه أو يطلبه من الصحف والمجملات، وصدور الناس حريص عليه، وكل ما رأيته في ذلك كتيب صغير جمع طرفا من نثره، وشعره بعنوان "عبد الرحمن قراعة كأديب". وأيا ما كان فإنا لم نحكم هذا الحكم على شعره، إلا بدراستنا ما عثرنا عليه، وبتقليب النظر في كل ما تيسر لنا من مصادر مختلفة نثق بها. فمما قاله يبرئ نفسه مما رمى به لدى أستاذه الشيخ "محمد الإنبابي": أما آن أن تنسى الرباب وزينبا ... وتقلع عما كان في زمن الصبا

стр. 590

ألا تعتبر إذ كنت أجرد أمردا ... ودهم الليالي قد تركنت أشيبا ضلال وغي أن يلج بك الهوى ... فتقتعد الأخطار للهو مركبا إذا لم يكن شيب الفتى رادعا له ... فإن عناء أن تلوم وتعتبا وإن أحق الناس باللوم من دعا ... سواه إلى طرق الرشاد ونكبا تركت التصابي ضنة بمناقبي ... وصونا لعرض أن يشان ويثلبها وما أنا من طعن الحسود بآمن ... على أنه ما قال إلا ليكذبا أبت همتي أني أقارف سبة ... على مثلها لم ألف عما ولا أبا جزى الله بالحسنى عداتي فإنهم ... إذا حاولوا نقصي أزيد تأدبا ورب صديق قد تجنبت سخطه ... وآثرت ما يهوى خبيثا وطيبا تحرش بالعدوان في وقت حاجتي ... إليه وطبع المرء قد كان أغلبا وألب أعدائي بما وصلت له ... يداه ومنهم صار أنكى وأحربا ومن ضرسته الحادثات بنابها ... رأى أهوان الأشياء صديقا تألبا ومن خبر الأيام لم ير باقيا ... تمر به الأيام إلا تقلبا سأضرب صفحا عن مساويه أنني ... مقبل لعثرات الصديق إذا كبا وأدرك بالصبر الجميل مآربي ... فإن فات منها مأرب نلت مأربا وأركب متن الرمح في طلب العلا ... إذا لم أجد إلا الأسنة مركبا وأطرح كل الناس إن علقت يدي ... بحبل أمام الدين شرقا ومغربا ملاذي وأستاذي وكهي ومعقلي ... ووالد روحي البر إن شاء أو أبى "محمد الإنبابي" أبدى الورى يدا ... وأقومهم في نصرة الحق مذهبا وأوضحهم عند الدراية حجة ... وأعذبهم عند الرواية مشربا إلى أن يقول: خدمتك بالمدح الذي أنت فوقه ... وما أبتغي إلا رضاك مطلبا لعلك بالعفو الذي أنت أهله ... تمن علي من لم يكن لك مذنبا وهب أنني قارفت ما زعم العدا ... فاعراضك الماضي كفاني مؤبا حنانك إن الدهر صوب سهمه ... إلي فأصماني بما كان صوبا

стр. 591

وخلفني عن ساقة القوم بعد ما ... سبقتهمو نفسا وأصلا ومنصبا وصبرني ما بين أهلي ومعشري ... غريبا لفقدي ما ألفت معذبا فخذ بيدي تحمد صنيعك إنني ... رأيتك للمعروف أدنى وأقربا وكف يد الأيام عني فإنها ... لعمرك أبقت في نابا ومخلبا بمن أحتمي منها إذا أنت لم تجب ... ندائي وبعد الغيث لم ألف معتبا فكن يا رعاك الله بالموضع الذي ... عهدنك فيه أن تجيب وتطلبا ودم سالما للدين تحمي ذماره ... وللمجد توري زنده بعد ما خبا فهذه الأبيات من خير ما قيل في براءة النفس والتنصل من الذنب، وطلب الرضا والتماس العفو، وهي تجلو عليك صورًا كريمة من خلق الشاعر وغير سجاياه، فقد أبت همته أن يقارف سبة لم يقترف مثلها عمه، أو أبوه وهو يدعو بمجازاة الحسنى أعداءه، ويزيد معهم تأدبا كلما حاولوا انتقاصه، وما أروع تأثر النفس بما قصه من صديق تجنب سخطه، وآثر هواه إن خبيثا أو طيبا جازه في وقت حاجته، فأذاه بالتحرش بالعدوان، وألقى في نفوس أعدائه، وصار أشد منهم حربا وأنكى إيلاما، ويعرج بعد ذلك بنفس مكلومة، وقلب جريح إلى أبلغ العظات وأروع الحكم محدثا عن الصديق، والزمان متذرعا بالصبر يدرك به مآربه التي لا بد هو موف على طرف منها، ساعيا إلى العلا ولو كان مركبها الأسنة. ثم يتجه إلى أستاذه، فيخاطبه بكل ما يلين عطفه، ويلفت إليه قلبه ملتمسا منه صفحا لم يكن عن ذنب، وإذ يفترض نفسه مذنبا، فإنما يستعطفه بأبلغ الأساليب تأثيرا في النفس، فقد يكفيه مؤدبا إعراض أستاذه الماضي عنه، ثم يعرض عليه ما قد أصابه من فعل الوشاة، وما تخلف به عن ساقة القوم، وقد سبقهم بنفسه وأصله ومنصبه، وما زال يكرر له هول ما أصابه، وشدة إعراضه عنه، وتنكره له حتى أوفى على الغاية التي لا يصلها إلا الشعراء الفحول في قوة أسلوب، وبلاغة تصوير، وإشراق ديباجة، وحسن عبارة.

стр. 592

وإنك لتقرأ شعره، فتحس بروح الشاعر تطل عليك من خلال قصيدة، وتصافحك عاطفته الرقيقة، ويتمثل لك صدق إحساسه، حتى لتنطبع على شعوره، وتشاركه فيما ذهب إليه: واستمع إليه إذ يرثي صديقه "محمد سلطان باشا"، فيقول: كفى بي حزنا أنني صرت ناعيا ... لنفسي نفسا في فناها فنائيا فيا دمع أنجدني فما لي منجد ... سواك فأنى قد فقدت اصطباريا ويا حزن لا ترحل فما لك موطن ... تقيم به إلا صميم فؤاديا ويا حسرتى في كل يوم تجددي ... ويا لوعتي لازدت إلا تماديا ويا كبدي حزنا وبؤسا تقطعي ... ويا جلدي إن كنت لا زلت واهيا ويا صرف هذا الدهر جهدك إنني ... أمنت الذي قد كنت من قبل حاشيا فانظر كيف بلغ به الأسى مداه، وصور بك فجيعته بموت صديقه الذي نعاه لنفسه التي فناؤها في فنائه، وكيف استنجد بالدمع بعد أن فقد اصطباره واستبقى الحزن ليقيم بفؤاده، وأوصى الحسرة أن تتجدد، واللوعة أن تزيد تماديا، والكبد أن تتقطع حزنا وبؤسا، والجلد أن كان لا يزال واهيا، صرف الدهر أن يجهد ما شاء فقد أمن ما كان يخشاه "إن الذي تحذرين قد وقعا"، ثم انظر إلى هذه المعاني الرقاق التي يصور بها غفرانه زلات الدهر ما دام لم يكف عن صاحبه، وإغضاءه جفنه على القذى ما دام "أبو سلطان" باقيا: غفرت لك الزلات قبل؛ لأنني ... بكفك عن شخص العلا كنت راضيًا وأغضيت عما فات جفني على القدى ... لأن "أبا سلطان" قد كان باقيا ثم يمضي الشاعر، فيصور عظم الخطب فيه، وبلاغة الخسران بفقده فيقول: لك الويل كل الويل يا هر إنما ... تعطلت مما منه قد كنت حاليا عدوت على روض العلا فتركته ... هشيما ومن بعد الضارة ذاويا وأقفرت ربعا كان بالفضل آهلا ... فأصبح -لا كفران لله- خاليا

стр. 593

إلى أن يقول: فقدنا الندى لما فقدناه والحجا ... وفصل القضايا والتقى والمعاليا وكنت أرى نفسي وقيا فمذ قضى ... ولم أقض قد أيقنت أن لا وفا ليا وهذا المعنى الأخير من أبلغ المعاني الشعرية، وأروعها وأصدقها دلالة على الوفاء. ومما قاله يهنئ به الشيخ "محمد عبده" إذ عين في الإفتاء. بهديك للفتيا إلى الحق تهتدي ... ومن فيض هذا الفضل نجدي ونجتدي نمت بك للعلياء نفس أبية ... وعزمة ماض كالحمام المجرد ورأى رشيد في الخطوب وحنكة ... وتجربة في مشهد بعد مشهد وعلم كنور الشمس لم يك خانيا ... على أحد إلا على عين أرمد فضائل شتى في الأفاضل فرقت ... ولكنها حلت بساحة مفرد إلى أن يقول: أمولاي يا مولاي دعوة مخلص ... تقول فيصغي أو تؤم فيقتدي لكل زمان من بنيه تجدد ... لما أبلت الأهواء من دين أحمد وقد علم الأقوام أن محمدا ... مجد هذا الدين في اليوم والغد فهذا شعر رائق عذب سائغ مقبول، لا نبو فيه ولا قلق ولا غموض، ولا التواء وكان صديقه الشيخ "محمد عبد المطلب" قد أرسل إليه إذ نقل إلى أسوان شطر البيتين المشهورين: أمر على الديار ديار سلمى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا فكتب إليه "قراعة" هذا التشطير الرائع الرقيق فقال: أقضي الوقت أجمعه ادكارا ... لمن عنهم ترحلت اضطرارا

стр. 594

وأطفئ بالمدامع نار قلبي ... فتذكي أدمعي في القلب نارا وأطلب الاصطبار وأين مني ... منال الاصطبار ولا اصطبارا وألتمس الديار على التنائي ... كما قد كنت ألتمس الديارا ديار سكينة وأبى سكين ... ألا يا نعم ذاك الجار جارا١ رعى الله الوفاء ومن رعاه ... دنا أو شط راعيه مزارا ولا قرت عيون فتى يوالي ... جهارًا ثم لا يوفى سرارا ليهنك أن عهدك عهد صدق ... وإنك خير من حفظ الذمارا٢ وإنك إن تمر بدار ليلى ... أحاد فقد مررت بها مرارا أمر بخاطري ومناي إني ... أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ... فأمسح بالدموع لها ثرارا وما همي الركون إلى الأماني ... ولكن حب من سكن الديارا وأرسل إلى صديق له يمدحه ويشكره إذ بعث إليه خطابا رقيقا حين كان عليلًا. شقيق الروح أهداني "سلامه" ... فألبسني به حلل السلامة فلم أر قبله أبدًا سلاما ... إذا وافى العليل شفى سقامه سكرت بطيب رياه فلولا ... تقاه لقلت أهداني المدامة فيا لك ناظما عقدا ثمينا ... يد الأفكار قد نسقت نظامه لقد أحرزت غاية كل سبق ... فما "عبد الحميد" وما "قدامه" إذا همت دعاة المجد يومًا ... بمكرمة تكون لك الزعامة ومن يحكي "سليمان" إذا ما ... دجى ليل الخطوب جلا ظلامه

стр. 595

عزائمه تفل يد الليالي ... إذا امتدت لبغي أو ظلامة يسدد سهمه نحو المعالي ... فيدركها فما أمضى سهامه إلى أن يقول: كتابك للعليل وفي فوافي ... على قلبي الهنا وروى أوامه به عبرت عن حالي فشوقي ... على أشواقكم أبدا علامه به ابتدأ الشفا مما أقاسي ... وأرجو الله مولانا تمامه فهذه القطعة من أطايب الشعر، ورقراقه وأكثره ماء وأعذبه مذاقا، وقد استهل الأبيات بالتورية في لفظ "سلامه" هن معنيها سلام الصديق مضافا إلى الضمير، وسلامة التي هي بمعنى العافية -وختم الأبيات ببراعة المقطع في قوله "تمامه". ومن توريته اللطيفة ما كتبه على مسجد اليوسفي الذي أنشأه بأسيوط صديقه "أحمد شكري باشا"، إذ قال: مسجد اليوسفي تم بناه ... وفق أمر الخديو توفيق مصر فأقيموا الصلاة لله فيه ... واشكروا من بناه "أحمد شكر" فقد روي بأحمد شكر عن معنييه اسم صديقه وأبلغ الشكر. وقد يستعمل التاريخ في شعره لكلن بقلة كما في قوله يهنئ "محمود بك رياض" مدير أسيوط إذ ذاك. رياض المجد محمود رضاها ... ومن يحمي العدالة لا يهاض إلى أن يقول: تلقيا البشائر أرختنا ... يديم العدل محمود رياض .................................. ... ٦٤ ١٣٥ ٩٨ ١٠١١

стр. 596

ولعلك تلاحظ أن حرصه على التاريخ أضعف الشعر الذي حواه، وذهب بالجمال الذي ألف في شعره. وأرسل إليه أيضا مهنئا بعيد الفطر، فكان مما قاله: مولاي عيد الفطر أورق روضه ... وجرت مياه سروره بحياضه وسعى ليخدم منك أكرم ماجد ... وليستميح الجود من فياضه فاهنأ به في ظل والدك الذي ... بالعدل داوى القطر من أمراضه فبشيره بك قد أتى تاريخه ... العيد محمود بعز رياضه ....................... ... ١١٥ ٩٨ ٧٩ ١٠١٦ سنة ١٣٠٨ وهي أبيات ضعيفة واهية، وعسى أن يكون "التاريخ" هو المسئول عن تهافتها، وربما أودع شعره مسائل من العلم، وجوابا عنها وهي إذ ذاك نظم ليس فيه روح الشعر ولا روعته، ولكنك تجده مقبولا سائغا كما في سؤال وجهه المرحوم الشيخ "محمد الأمير"، وأجاب عليه فنسج "قراعة" برد السؤال والجواب، فقال في السؤال: على قبر نعمان همت ديمة الرضا ... وعمت أهاليه وجملة حزبه فهم حرموا عرسا إذا مس أمها ... بغير جماع بل بشهوة قلبه فلما حمى حر الوطيس بقلبه ... وفار وفاض الماء من عين سكبه نفوا عنه تحريما فما السر أرشدوا ... فتى في فتاويكم شفاء للبه وقال في الجواب: ألا أيها المولى الذي بحر فضله ... تزاجمت الألباب في ورد عذبه سألت عن المعنى الدقيق وطالما ... كشفت الغطا عن مشكل الأمر صعبه

стр. 597

فخذ مدرك النعمان عني وإن أكون ... إذا ذكر الأتباع أضعف حزبه همو أثبتوا تحريم عرس بمسه ... لابنتها اشتهاها بقلبه لأن مساس البنت داع لوطئها ... وبالوطء داعي الجزء قام فخذ به ولم يثبتوا التحريم إن كان مسه ... لها باشتهاء مع إفاضة عزبه لتحقيقنا أن المراد بمسه ... إذن شهوة تقضي تدور بصلبه وهذا الذي أدركته من كلامهم ... وأبصرتهم قد قرروه بكتبه وقد يطول نفسه في الشعر، ويتدفق معينه كما في قصيدة الحج التي يقول في مطلعها: على حقوق للمطي الرواسم ... تطالبنيها كل حين عزائمي فقد بلغت ستة وسبعين بيتا نثره: ولقراعة النثر الرائع الرصين الذي يضارع أرقى الأساليب في فصاحة تعبيره، وروعة معناه وحسن رصفه، وصفاء مائة، وبعده من التكلف ونقائه من الطلاء والزخرف. ومن ذلك ما كتبه إلى أستاذه الشيخ "الإنبابي" ينفي عن نفسه ما رمي به من عقوق، وما اتهم به من طعن. كتابي إلى المولى أطال الله بقاءه، وأنا أحمد من جثا على ركبتيه وانتفع بعلمك، وأخذ عن تلامذتك، وعرف لك جزيل حقك، حين تفاقم الخطب واشتد الكرب، وشمخ بأنفه الحاسد، وصغر خده الشامت، وسيدي وقاه الله ما يكره -يعلم أن الأعراض هي الزجاج لا يجبر كسرها، ولا يرأب صدعها والدنس إن لحقها لا يغسل بالأشنان، ولا يزول بتقادم الزمان، ومولاي أعزه الله هو الوالد المبرور، والناقم المشكور والعاتب الذي نتوخي

стр. 598

رضاه والغاضب الذي نخشى أن يحر غضبه علينا غضب الله، وهو القدوة الذي يتبع في فعله، ويتيمن برأيه، ويرجع إلى قوله، فلا أظن أن يرضى بأن يمزق في مجلسه أديمي، ويستباح ما حرم الله من عرضي، وأقذف بما أوجب الله فيه الحد وينتهك من حرمتي ما الله يعلم أنني منه براء، ولو شاء لعاملني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ -الآية- "فوضح له الحق الذي لا يجهله والرشد الذي لا ينكره، وعلم أن من وسموا أنفسهم بتتبع العثرات، وكشف العورات إنما صنعوا هذا الصنيع حين علموا أن النقلة أمثالهم، والسفلة أشباههم أشاعوا عني لهذه الحضرة سابقا أني أسأت الأدب بشعر صنعته، وهجو قلته فانتهزوا هذه الفرصة الآن، وذهبوا مذهبا آخر يغبرون في وجه الحق، ويدفعون في صدور اليقين، والله من ورائهم محيط ... إلخ. وإنه وإن كان السجع يتمثل في مثل هذه الكلمة تجد أنه سجع مطبوع لا يتسم بسمة التكلف والقصد، ولا يطلبه الكاتب على تكره واستعصاء، وقد يبذل جهدا في طلب السجع، ويحرص عليه لكن ذلك غير ملتزم في الموضوع كله، ولا ينفر الذوق منه، أو تنبو الأسماع عنه، كما قال في رسالة أرسلها لبعض أصدقائه الشيوخ يستعطفه، ويطلب مساعدة محتاج في طلبته. أخي - أبى الله إلا أن أكاتبك إذا عرضت مهمة، وعنت حاجة، كلمة بالغة، وقدر لا مفر منه ومحنة منيت بها، وسمتني بميم الجفاء، الذي طالما كنت أنبو عنه، ولعل اعترافي بجنابتي يوصلني للإغضاء عنها، وهنا أعجل بعرض حاجتي. رافع هذا "فلان" كاده الشيطان من "فلان" بالخبل الخابل، والبلاء النازل العاجل، والداهية التي تصفر منها الأنامل، فلم يستجب لراق ولم ينفع في سمه درياقي، فسدت في وجهه السبل وأعيته الحيل، إلا ما كان من الأمل في الأستاذ الأعظم شيخ الجامع الأزهر، فرغب إلي في مخاطبتكم فأجبته مستمنحا شافعا لجوابكم السابق، وواجب مساعدته بما في الوسع، وقد نبهتك ورقدت، ودعوتك للخير وما دعوناك له إلا أجبت والسلام.

стр. 599

الأزهريون أساتذة شعراء العصر مدخل ... الأزهريون أساتذة شعراء العصر: كان جل شعراء العصر الحاملون لواء الشعر المعبرون به عن معاني الحياة حسبما تواتي لهم من القرائح، وتهيأ لهم من الأسباب من الأزهر، رضعوا أفاويقه واغتذوا بثقافته العربية، ومن الطبعي أن يكونوا وهم بهذه المثابة قدوة الناشئين، وإمام المبتدئين يهتدون بتراثهم، وينشأون على غرارهم وينزعون في قوسهم، ولو جهدوا في المخالفة وجدوا في المجافاة، وليس ينكر أثر المتابعة والاقتداء في الأفكار والأساليب، وشعراء الأزهر إذ ذاك زعماء يوجهون وقادة يتبعون، فليس بدعا أن يسايرهم غيرهم وأن يدرجوا على أساليبهم، ويمضوا في طريقهم صعدا، وإذا ساغ لفريق من الشعراء المعاصرين أن يتخطوا الأجيال، والعصور إلى شعراء الجاهلية، فيقلدوهم في طريقتهم، وينزعوا إلى محاكاتهم، ويديروا شعرهم على أسلوب العرب الضاربين في الفلا والبيد، فيتغنوا بالعيس ويخاطبوا النؤى ويسائلوا الدمن والأطلال، ويتشمموا الشيح والعرار على طول الزمن وترامي الأمد إذا ساغت المتابعة على انقطاع ما بين التليد والطارف، والماضي والحاضر، فأولى بها أن تكون بين معاصر ومعاصر وأولى بالتأثر أن يكون بالشاعر الذي يرى ويشاهد، ويقول ويسمع، ويغشى ناديه ويتلقى أدبه بالمشافهة والاستماع. وإن الأبصار لتقلب في دواوين القدامى، وتغوص في آثار الراحلين على انقطاع الصلة طلبا للاقتداء والتماسا للمحاذاة، وأقل من ذلك عناء للشاعر أن يلي داعي المسايرة لشعر يطرق سمعه بالرواية المعاصرة، ويصافح إذنه من ألسنة قائليه، ويتهادى إليه في الصحف كلما سنحت فرصة، أو واتت مناسبة. هذا وقد كان فريق من فحول اللغة والأدب في الأزهر أساتذة الرعيل الأول من نابهي الشعراء في هذا العصر الرافعين علمه المقيضين له أسمى وأرفع المنازل، أخذ هؤلاء الشعراء الذين تفاخر بهم العربية، وتباهي بهم

стр. 600

مصر حواضر الأدب في أزهى عصورها عن أساتذة من الأزهر، فانتفعوا بعلمهم واسترشدوا بنقدهم وتملأوا من روايتهم، ونزعوا منزعهم، وجروا مجراهم في تفهم الشعرا، واكتناه اللغة والتفطن لمواطن البلاغة، وتيسر لهم بهؤلاء الأساتذة ضروب من التوجيه وألوان من التشجيع، بل وجدوا منهم ما خلق من ملكاتهم الخصبة أسباب الخلود مما لا لولاه لظلوا مغمورين، وعاشوا غير مجلين. وسنبين في هذا البحث كيف استمد هؤلاء من أساتذتهم الأزهريين حياتهم، وكيف نهلوا من فضلهم وعلوا.
следующие страницы →