← Общие книги

Общие книги · id 11749

حقوق الإنسان في الإسلام لجمل الليل

طاهر أحمد مولانا جمل الليل

Полный текст (60 стр.). Показаны 36–60 · переход к 41.

стр. 36

٥- وحددت صلاحيات الحاكم، وقيدت، ولم تترك سلطاته مطلقة في رقاب العباد. بل يقول مولانا جل شأنه، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] ، فضمن سبحانه نصرة الملوك بهذه الشروط الأربعة، كما قال الإمام بدر الدين بن جماعة في تحرير الأحكام "باب الإمامة"، وعن علي ﵁: "إمام عادل خير من مطر وابل"١. ٦- وتخضع شروط اختبار الحاكم في الأدبيات الإسلامية لعناية ومظاهر، ذلك ما نجده من تدقيق في أحكام البيعة والحكم والخلافة، حتى لتعد فصلا ثابتا في أبواب فقه الأحكام الشرعية والسياسية. ومثال على ذلك كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة، والذي يقول: "لو كانت شروط الخلافة في جماعة صالحة لها، قدم أهل الحل والعقد أصلحهم للناس، فإن عقدت للفضول جاز عند أكثر العلماء، ولو كان أحدهم أعلم مثلا والآخر أشجع مثلا: فالأولى أن يقدم منهما من يقتضيه حال الوقت". ٧- وفي الباب الثاني من كتابه: "فيما للخليفة والسلطان وما عليه مما هو مفوض إليه" يحصي ابن جماعة عشرة حقوق للسلطان والخليفة على الأمة، ولهم عليه عشرة حقوق. أما حقوق السلطان العشرة: فالحق الأول: بذل الطاعة له إلا أن يكون معصية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، وقال النبي ﷺ : "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية".

стр. 37

الحق الثاني: بذل النصيحة له سرا وعلانية. قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة"، قالوا: لمن؟ قال رسول الله ﷺ : "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ١. الحق الثالث: القيام بنصرته. والحق الرابع: أن يعرف له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره. والحق الخامس: إيقاظه عند غفلته. والحق السادس: تحذيره من عدوه. والسابع: إعلامه بسيرة عماله. والثامن: إعانته. والتاسع: رد القلوب النافرة عنه إليه. والحق العاشر: الذب عنه. ٨- وأما حقوق الرعية العشرة على السلطان: فالأول: حماية بيضة الإسلام. والحق الثاني: حفظ الدين. والثالث: إقامة شعائر الإسلام. والرابع: فصل القضايا والأحكام. قال رسول الله ﷺ : "كل راع مسئول عن رعيته". والحق الخامس: إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه. والسادس: إقامة الحدود الشرعية. والسابع: جباية الزكوات، والثامن: النظر في أوقاف البر. والحق التاسع: النظر في قسم الغنائم. والعاشر: العدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وفي كلام الحكمة والتي أوردها الإمام بدر الدين ابن جماعة: "عدل الملك حياة الرعية، وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه". ٩- وهكذا اهتدى الفكر السياسي الإسلامي إلى تنظيم هذه العلاقة الخطيرة الشأن بين الحاكم والمحكوم؛ لتقوم العلاقة بينهما على الثقة والانسجام, وتبتعد عن أي توتر. ١٠- وتأتي الشورى كتعبير عن حق المشاركة في تسيير الأمور، والتي يعبر عنها بحقوق الترشيح والانتخاب، بعد أن كثر الناس وتعقدت المؤسسات وتوسعت البنى. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال الحسن:

стр. 38

وكان الله غنيا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن للأمة١، وعنه: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم٢، وقيل: من كثرت مشاورته، حمدت إمارته٣. ولأن المشورة تطييب لقلوب الرعية وإشعار لهم بحق المواطنة، وتشعرهم بأن البلاد لهم، وليسوا مجرد كائنات تحيا على هذه الأرض. والحكماء يعدون المشورة من أساس المملكة وقواعد السلطنة٤. وما زالت المشاروة من عادات الأنبياء، حتى إن إبراهيم الخليل ﵊ أمر بذبح ولده، ومع ذلك لم يدع مشاورته مع صباه٥. وقيل: من طلب الرخصة عند المشورة أخطأ رأيه، أو في المداواة زاد مرضه، أو في الفتيا أثم٦. وقيل: أصدق الخبر تصدقك المشورة٧. ويتضح لنا أن عنصر المشاركة الإيجابية الفاعلة من قبل المواطن في شئون السياسة حق مكفول في الفقه الإسلامي، وإذا سلمنا بأن المشاركة هي أرقى أنواع الحقوق السياسية، وعلى حد تعبير أحد الحقوقيين عنها فهي: "الحقوق السياسية أو الدستورية، وهي السلطات المقررة للأشخاص باعتبارهم أعضاء في هيئة سياسية والتي تمكنهم من الاشتراك في الحكم. وأهم هذه الحقوق هي حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تولي الوظائف العامة"٨. ١٢- وكما لاحظ صاحب كتاب "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي" فالشورى لم تقرر نتيجة لحال الجماعة، فقد كان العرب في أدني درجات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة نظرية الشورى،

стр. 39

لأنها قبل كل شيء من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل١. ١٣- ويرى أحد المفكرين العرب أن الشورى لها أهمية عظيمة، لذا قرنت بفرض الصلاة والصدقة واجتناب الفواحش، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٧-٣٨] ٢.

стр. 40

حقوق الإنسان المدنية مدخل ... حقوق الإنسان المدنية: ١- ينبني المجتمع المدني على قاعدة أساسية، ألا وهي القضاء، فالقضاء ضمان للعدل، والعدل ركيز العمل المنتج والإبداع والعمران، ولما كان الإسلام حريصا على إرساء قيم التحضر، فقد ارتكنت قوانينه التشريعية على قواعد قضائية راقية تضمن حق الإنسان، وتصون حياته وحريته. ٢- رغم بشاعة جرم الزنا، لما يشكله من اعتداء على الأعراض واختلاط في الأنساب، إلا أن الشارع القرآني لم يعاقب عليه إلا بعد ثبوت ارتكابه بأربعة شهود عدول، واعتبر الشاهد الواحد غير كاف وأنزل فيه عقوبة الجلد فيما لو جاء يعلن ذلك وحده، وكذلك فعل مع الشاهدين، وكذلك فعل مع الشهود الثلاثة، واعتبر أقل الشروط للثبوت، أربعة شهود صادقين غير متهمين. وأن يروا ذلك العمل بشكل لا شك فيه، ولا يكتفى فيه برؤية المتهمين عاريين وملتصقين١. كل هذا التدقيق كان صيانة لحق الإنسان "حتى لو كان مجرما" في محاكمة عادلة لا تنقصه شيئا من حقوقه. ٣- وتزيد على ذلك ما لم ينته إليه المقننون المحدثون، وقد نص عليه القرآن الكريم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ، ويستدل بهذه الآية على تنفيذ العدل بلا تمييز في تطبيقه بسبب الحقد والعداء.

стр. 41

٤- ولا بد من الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية اتجهت في نظامها القانوني المحكم إلى تعزيز الشهادة حتى لا تكون عرضة للاتهام. ولذلك عززت شهادة الرجل الواحد بشهادة رجل آخر، ضمانا لحقوق الإنسان "المحاكم", وكذلك عززت شهادة المرأة بشهادة امرأة أخرى١. ٥- وبعد ضمان إجراءات التقاضي العادلة، يأتي تنفيذ الأحكام "الحدود"، وقد تحفظت منظمات حقوقية عديدة على ما سمته "العقوبات الجسدية" في حالات السرقة، والزنا، والسكر، وهي أحكام مطبقة في الإسلام بشروط معروفة، ويزول الاستنكار عندما نعلم أثر هذه العقوبات في اجتثاث الجريمة بمجرد الإعلان عنها، وبمقارنة نسبة الجرائم في مجتمع مسلم يطبق الحدود وآخر يتجاهلها. ٦- وإذا ابتعدنا عن القضاء كمظهر من مظاهر المجتمع المدني الراقي، نجد أن الحرية المدنية بمعانيها الأخرى متوفرة في الإسلام والتي تضمن تواجد المرء في مجتمع تواجدا مثمرا. وتعني في أحد تعريفاتها: أهلية الإنسان لتحمل الالتزامات والتمتع بالحقوق، كإجراء العقود والتملك والتصرف وغيرها٢. ولم يميز الإسلام في ذلك الحق بين مسلم وذمي، وامرأة ورجل, فقد ظلت المرأة المسلمة تمارس حقها في التصرف بمالها، بيعا وشراء وتوريثا وعقودا، مستقلة عن زوجها متمتعة بشخصيتها الخاصة.

стр. 42

المساواة: ١- من الحقوق الأساسية التي شرعها الإسلام المساواة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ١. ويقول أيضا جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] . ٢- وقد طبق رسول الله ﷺ ذلك بقوله وفعله، لأن هذا المبدأ اعتبر أصلا في أصول الإسلام, فقال ﷺ في خطبة الوداع: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب". وقد غضب غضبا لم ير مثله على وجهه الشريف، عندما سمع أبا ذر الغفاري يحتد على بلال ويعيره بلونه قائلا: يابن السوداء! فزجره الرسول ﷺ , ورده بقوله: "يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية, إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" ٢. فاستجاب أبو ذر لأمر رسول الله ﷺ ، ووضع خده على الأرض، وأقسم أن يطأه بلال برجله توبة وتكفيرا عما صدر عنه من أخلاق جاهلية. ٣- ويؤكد الإسلام نبذه لأي شكل من أشكال التمييز بين بني البشر، يقول

стр. 43

القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] ١. فنادى بذلك رسول الله ﷺ قائلا: "الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، كلكم لآدم وآدم من تراب". فالإسلام جعل من بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي دعاة وقادة وحكاما، حتى قال رسول الله ﷺ عن سلمان إنه من أهله وآل بيته. وتقوم المساواة في الإسلام في جميع النواحي الحياتية، فهناك التسوية بين الناس في الحقوق المدنية والمسئولية والجزاء، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . ٤- ويقول الرسول ﷺ : "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ٢. ٥- ويظل قول عمر ﵁ في رسالته إلى أبي موسى الأشعري مثلا للإنسانية، إذ يقول يوصيه: "ساو بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك".

стр. 44

وضرب ﷺ بنفسه مثلا للمساواة في العمل حتى شارك أصحابه في بناء المسجد النبوي، وقال: "ما أكل أحد طعاما خيرا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من كد يده". ٦- كذلك سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . ويقول أيضا: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [النساء: ٧] . ٧- كذلك سوى الإسلام بين المسلمين وغيرهم، فأعطى للذميين في المجتمع الإسلامي نفس الحقوق التي للمسلمين، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ١. ويقول ﷺ : "من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار". "من آذى ذميا فإني خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" ٢. ٨- وتقدم النبي ﷺ إلى المسلمين بالمثال عن نفسه، وذويه فقال بما هو بيان وتأكيد للتشريع وهو يتحدث إلى ذويه: "لا يأتين الناس إلي بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ٣. ثم يجيء عمر فيقيم الحد على ولده في ذنب ألم به، ويأمر بالقصاص من ابن عمرو بن العاص، ويأمر كذلك بالقصاص للأعرابي الذي لطمه ابن الأيهم، وهو من الأيهم وهو من أمراء الغساسنة أثناء طوافهما بالكعبة، فيقتص الأعرابي ويلطم الأمير.

стр. 45

٩- فالمساواة إذن حق إنساني مقرر في الإسلام قبل أن تقرره المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فاجتمعا على ضرورة التسوية بين بني البشر، وإنهاء ما ثبت في الأحقاب السابقة من تمييز لا يليق بعصرنا الحاضر١.

стр. 46

حقوق الإنسان الاقتصادية: ١- ينظم الإسلام وظيفة رأس المال، ويحميه بكل ما يمنعه من السيطرة والاستغلال، ويحول دون تضخم الثروات وتجميعها في يد واحدة بما قرره من إرث ووصية، وزكاة وصدقات، وكفارات. ٢- وقد عرضت الزكوات على الناس في عهد عمر بن عبد العزيز، فلم تجد من يقبلها لكفاية الناس وعدم حاجتهم، فقد أرسى الإسلام دعائم العدالة الاقتصادية الاجتماعية، إذ أدان الرسول الله ﷺ المسلم: إذ بات شبعان وجاره جائع، وهو يعلم بذلك، وإن "من له فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له"، وعلى أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، و "لا يموت الناس على أنصاف بطونهم"، كما نادى عمر في عام المجاعة و "أيما عرصة أمست وفيها جائع فقد برأت منها ذمة الله ورسوله"، وحتى ذهب عبد الله بن عمر في شرح قول الرسول ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه" بأن من ترك أخاه المسلم يجوع ويعرى، وهو قادر على طعامه وكسوته، فقد ظلمه وأسلمه، وقد أكد هذا المعنى ابن حزم في "المحلى" بقوله: "وفرض على الأغنياء، من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، وإن لم يقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف مثل ذلك، وبمسكن يقيهم من المطر والصيف وعيون المارة". ٣- كما جعل الإسلام على بيت المال الإنفاق على القاصرين عن المكسب كالشيخ الفاني، والمرأة التي لا تجد من ينفق عليها، ولا فرق بين المسلم والذمي في ذلك، وقصة عمر مع الذمي الضرير معروفة مشهورة. ٤- وبعد أن كفل الإسلام حق الجماعة، وضمن حقوق الآخرين في المال

стр. 47

شدد في نفس الوقت، ويتوازن على حرمة المال الخاص وحذر من إتلافه، ففي البخاري: قال رسول الله ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله"، إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة١.

стр. 48

حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق: ١- ولم يكتف الإسلام بالأمر المكتوب في قرآنه المجيد، بل حض عمليا على تنفيذ ما يأمر به، ووضعه موضع الفعل، ومن ثم وضع الوسائل الكفيلة بجعل حقوق الإنسان واقعا ملموسًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] . ٢- ومن الأمور المهمة التي نبدأ بالتنويه إليها، والتي حرص الإسلام على إحقاقها، حقوق غير المسلمين: "فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا" -على حد القول الشريف- فالحقوق الإنسانية إذن لا تقتصر على مواطني الدولة المسلمين فقط، بل تمتد لتشمل كل من يعيش في دار الإسلام. ٣- وفي التاريخ الإسلامي مواقف مشرقة فيه الخلفاء من الصحابة والتابعين، ومن قبلهم إمامهم ﷺ . فالإسلام أمر بالبر بسائر الناس مهما اختلف المسلمون معهم في الدين والعرق والأوطان، كما نص على ذلك القرآن الكريم، ما لم يقاتلونا في الدين أو يخرجونا من ديارنا، وقد قال ربنا في ذلك: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . وبذلك وضع القرآن أعظم قواعد التعاون الإنساني مقرونا بعرض البر من جانب واحد هو الإسلام، منطلقا في ذلك من حرية العقيدة، وعدم جواز الإكراه فيها، ومنفتحا بموجب العقيدة الإسلامية على كل إنسان، وبخاصة المسيحيين على اختلاف مذاهبهم، حيث يجهر المولى في قرآنه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] .

стр. 49

٤- ومن مواقف الماضي الإسلامي: هذا الموقف الذي يدل على بر الإسلام بالعالم المسيحي، ويعود الحادث إلى كنيستهم الأم في القدس حين انتصار الإسلام، واندحار بيزنطة. وذلك أن الحرب التي شنها البيزنطيون على المسلمين، وما انتهت إليه من نصر للمسلمين لم ينقص شيئا من بر الإسلام والمسلمين بالكاثوليك خاصة وبالمسيحيين عامة، وقد ظهرت هذه الحقيقة كأروع ما تكون بالعهد الذي أعطاه الخليفة عمر بن الخطاب بعد دخوله القدس بناء على طلب بطرك الكنيسة الكاثوليكية في القدس صفرونيوس، حيث قال: "أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبانهم، وألا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من خيرها، وألا يسكن معهم أحد من اليهود". وذلك في ميثاق مكتوب وموقع منه إلى بطرك الكنيسة صفرونيوس، وقضى بذلك على كل ما يمكن أن يكون من مخاوف لدى المسيحيين من الفاتحيين المسلمين، وظل المسلمون على الوفاء بهذا العهد حتى يومنا هذا، مما قد انفرد به الإسلام على الدوام في تاريخ حروب الأديان المنتصرة١.

стр. 50

٥- وبينما يحفل التاريخ القديم بمجازر عنصرية وطائفية لا نجد من الإسلام إلا تسامحا تجاه أبناء الديانات الأخرى، وأما العناصر العرقية، فقد ذوبها الإسلام في بوتقته، وصهرها صهرا، فما عادت النزعات الجنسية تجرؤ على أن تطل برأسها البغيض إلا في أزمنة الفتن "كالشعوبية"، أو حرب الخليج الأولى "بين العراق وإيران"١. ٦- ولم نسمع في تاريخ الإسلام الممتد في الوجود عبر أربعة عشر قرنا عن تصفية طائفية كما يفعل في المسلمين البورمانيين سكان بورما، أو عن تطهير عرقي كما يحدث في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب، أو كما حدث من قبل في أفران الغاز التي تصبها الحكم النازي الهتلري لليهود، أو كما نجد من بطش الصهاينة بالأخوة الفلسطينيين في فلسطين ولبنان، حيث يسومونهم القصف والتهديد، والتشريد بأسلوب أقل ما يوصف بأنه منتهك لحقوق الإنسان، بالإضافة

стр. 51

إلى أن في مجرد سلبهم حقهم في وطنهم، والعيش على أرضهم طغيان ما بعده طغيان. وكل هذا الذي يحدث وحدث في الاتحاد اليوغسلافي "السابق"، أو في الهولوكست الألماني، أو في الضفة الغربية، وقطاع غزة لا يمت بصلة إلى قيم هذا الدين الذي يدعو إلى حفظ حقوق الإنسان، واحترام انتمائه المتمايز. أين هذا من التطبيق الإسلامي العمري إذ يعلمنا عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- درسا في التسامح والاعتراف بالهوية المغايرة للآخرين، ويأمر برفع الجزية عن يهودي كهل أثقلته الحاجة، وصار يسأل الناس إلحافا، ولم يسعد هذا الخليفة الفاروق؛ لأنه لا يجوز كما عبر "أن نستخدمه شابا ونضيمه كبيرا". ٨- أما فيما يظهر للأجنبي عن الإسلام من قيد على المرأة المسلمة في حرمة زواجها من غير مسلم، واعتبار ذلك مخالفا للمادة السادسة عشرة من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، فنقول -والله أعلم-: إن الإعلان العالمي يعطي للرجل أو المرأة متى بلغا سن الزواج الحق بالتزوج بدون قيد للحرية في الزواج بسبب الدين، وإنما ينطلق الإسلام في ذلك التحريم من مبدأ وجوب حماية الأسرة من الانحلال بسبب الاختلاف في الدين عند عدم احترام الزوج بموجب عقيدته لمقدسات زوجته؛ لأن المرأة في الأسرة هي أحد عنصريها الأكثر حساسية بسبب شعورها بالضعف أمام الرجل. ٩- ويتفرع عن تلك الحالات الثلاث التالية المختلفة في أحكامها، ولكنها كلها تنطلق من منطلق واحد هو الذي شرحنا في الفقرة السابقة، وهذه الحالات هي: أولا: زواج المسلم من امرأة وثنية لا تؤمن بالله مطلقا حرمه الإسلام؛ لأن عقيدة المسلم لا يمكن أن تحترم بحال من الأحوال مقدسات هذه الزوجة أو معتقداتها، مما يعرض الأسرة عندئذ للانحلال والخصام، والإسلام يعتبر الطلاق من أبغض الحلال إلى الله، ولذلك لا يشجع عليه، لذا كان من المنطقي تحريم هذا الزواج.

стр. 52

يقول تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ، والسبب كما تقول الآية أيضا: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١] . ثانيا: زواج المسلم من امرأة مسيحية أو يهودية، فقد أباحه الإسلام١. يقول تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] . لأن الإسلام يقدس السيد المسيح بصفته رسولا من الله ولد بمعجزة خارقة، ويقدس أمه السيدة مريم، ويبرئها مما اتهمها به اليهود، وكذلك يقدس موسى، ويعتبره رسول الله إلى بني إسرائيل، ويقول تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . ثالثا: زواج غير المسلم من المسلمة حرمة الإسلام، يقول تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] . ١٠- أما فيما يتعلق بحرمة تغيير الدين الإسلامي قيد يخالف المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي أعطت لكل شخص الحق في تغيير دينه، فيقول: إن منطلق الإسلام هنا أيضا لا ينطلق من حيث إنه قيد للحرية بقدر ما هو رفع لمكيدة يهودية حدثت في صدر الإسلام حين أعلن جميع عرب المدينة إسلامهم، واتحدت كلمتهم بعد خصومة مسلحة بينهم حاكها اليهود اللاجئون، ففكر اليهود عندئذ بخبث على أن يدخل بعضهم في الإسلام، ثم يرتد عنه ليشكك العرب في دينهم ويضللهم في معتقدهم، فتولد عن ذلك الحكم في منع تغيير المسلم لدينه مع العقوبة عليه، حتى لا يدخل أحد في الإسلام إلا بعد

стр. 53

سبق بحث عقلي وعلمي ينتهي بالعقيدة الدائمة، وذلك ليقطع الطريق على المضللين، وأمثالهم من الدخول في الإسلام تحت طائلة العقوبة، استئصالا لعوامل الفساد في الأرض ممن دأبوا على الفساد في الأرض١. ١١- في سياق الحديث عن التطبيق المعاصر لحقوق الإنسان في الإسلام نسوق المملكة السعودية، كمثال من أبرز أمثلة التطبيق الإسلامي الحديث، فنشير إلى ما يعتبره البعض انتهاكا لحق الإنسان في التنقل فيما يعتبرونه تضييقا على غير المسلمين في الحجاز؛ لأنهم يمنعون من دخول مدينة مكة، فنقول: إن المدينة؛ ولأنها مقدسة قداسة خاصة عند المسلمين لما يؤدي فيها من شعائر، وجبت المحافظة عليها نظرا لكثرة زوارها من جهة، وحفاظا عليها من جهة أخرى حتى لا تحدث مواجهات بين المسلمين، ومن يعتبرونهم خارج ملة الإسلام، وذلك إنما كان حرصا على راحة الناس، وطمأنينتهم أثناء تأدية المناسك والزيارة. ولذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ٢. كما أن الحرص على بعض الأماكن ورعايتها، ورقابتها رقابة خاصة يجوز حدوثه في أماكن وأبنية أخرى دنيوية، كالبيت الأبيض والكرملين وقصور الرؤساء ومباني الوزارات والهيئات، فما بالك بأماكن وردت فيها أحاديث تدعو لصيانتها، وألا يدخلنها كافرا أبدا٣. ١٢- وفي المقابل يمتلئ التاريخ بأمثلة التسامح الإسلامي.. وقد أوردنا كما ورد في كتب السيرة، وأدبياتها العديد على ذلك. كما يشهد الواقع على استمرارية نهج التسامح، واعتبار حقوق الأقليات.

стр. 54

وإذا انتقلنا إلى الحقوق الثقافية للإنسان في المجتمع المسلم، فلا مناص من الاستشهاد بجوستاف لوبون الذي قال: "إن النشاط الذي أبداه العرب في الدراسة كان مدهشا جدا، ولئن ساواهم في ذلك كثير من الشعوب، فلم يكن منهم فيما أظن من سبقهم. وكانوا إذا استولوا على مدينة، وجهوا عنايتهم في الدرجة الأولى إلى تأسيس وإقامة مدرسة". وقال أيضا: "وعدا مدارس التعليم البسيطة، فإن المدة الكبرى مثل بغداد، والقاهرة وطليطلة وقرطبة.. إلخ كان فيها جامعات علمية مجهزة بالمخابر، والمراصد، والمكتبات الغنية، وباختصار كانت هذه الجامعات مجهزة بكل المواد الضرورية للبحوث العلمية، وكان في أسبانيا "الأندلس" وحدها سبعين مكتبة عامة، وكانت مكتبة الخليفة الحكم الثاني في قرطبة تحتوي كما ذكر المؤلفون العرب على ستمائة ألف مجلد، كان فيها أربعة وأربعون مجلدا للفهرست فقط. وقد لوحظ بحق أن شارل الحكيم لم يستطع بعد أربعمائة سنة من التاريخ هذا أن يجمع في مكتبة فرنسا الملكية أكثر من تسعمائة. ويقول جوستاف لوبون أيضا في كتابه "حضارة العرب": "لقد بلغ شغف العرب بالتعليم مبلغا عظيما جدا، حتى إن خلفاء بغداد كانوا يستعملون كل الوسائل لجذب العلماء والفنيين في العالم إلى قصورهم".

стр. 55

خلاصة وخاتمة: ١- وهكذا يتبين لنا -وبعون الله وفضله- كيف أن حقوق الإنسان كانت من الهموم الرئيسة التي انكب عليها التفكير منذ قرون.. وذلك لما يتمتع به الإنسان من كرامة، ومكانة في هذا الكون. ومن أن لكلمة "حق" دلالات متعددة، إلا أن الدلالة التي كنا نسعى إليها لم تعدم من يشير إليها سواء من أصحاب المعاجم العرب، أو الحقوقيين أو الفلاسفة. كذلك كان لمفهوم "الإنسان" معنى شموليا عند المسلمين، فيما عنيت المواثيق، والاتجاهات الأخرى بجانب واحد منه. ٢- ولم تكن الإشكالية الرئيسية في تحديد المعاني للكلمتين "حق إنسان"، ولكن كانت فيما طرأ على التفكير في مضمون الكلمتين من تغير، وتطور عبر العصور، فلكل حضارة نظرة إلى الحقوق الإنسانية تفاوتت بين الأحقاب المتوالية مرورا بعصور القدامى من يونان، ورومان وعرب، ثم أوروبيو العصور الوسطى والحديثة.. بل كان لكل رؤيته، حسب درجة التطور الفكري والاجتماعي، والإنساني، والأخلاقي. ولكل قوم نهجهم، ولكل حضارة رؤية لهذه الحقوق وفق مبادئ تختص بها. فأما التطوير الأوروبي المعاصر فقد اعترف للإنسان بحقوقه على أساس أنها "طبيعية لشخصه المفرد الذي يستحق هذا"، وعلى أساس هذا التبويب كانت صياغة حقوق الإنسان. وأما في الإسلام، فالحقوق تأخذ بعدا آخر؛ لأنها حق إلهي قرره خالق الإنسان، وضمنه في التكاليف الشرعية التي يؤجر عليها المؤمن ويحاسب.

стр. 56

٣- وترتكز الحقوق الإنسانية في الإسلام على مبادئ العدل، والكرامة الإنسانية والمساواة والمصلحة العامة، وهو مبدأ تجاهلته الشرائع الأخرى، والتفت إليها الإسلام. ٤- وحقوق الإنسان في الإسلام والمواثيق الدولية، وضعت تحت عناوين رئيسية، كالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية والمدنية والاقتصادية والمساواة، فأما الحقوق الثقافية، فهي في الإسلام مرتبطة برؤية أشمل وجب التنويه إليها لمعرفة مكانة الحقوق الثقافية من التشريع الإسلامي. وتشمل هذه الحقوق الحق في العلم والتربية والاجتهاد. أما الحقوق الاجتماعية، فقد كلفت خصوصا للفئات الضعيفة في المجتمع كالمرأة والطفل والرقيق "كنموذج تاريخي"، بالإضافة للحقوق الاجتماعية العامة الأخرى، كعدم التمييز والحرية والخير. والحقوق المدنية كانت مكفولة للمرء في المجتمع المسلم ليتصرف بملء إرادته، بلا تهديد أو حيف، متمتع بأهليته القانونية والاجتماعية والمدنية. وبالنسبة لحقوق الإنسان السياسية كانت لنا وقفة مع النظام السياسي الإسلامي، والذي أفاض الفقهاء في شرحه، فأقاموا بناء ضخما من التحليلات الفقهية السياسية؛ كتنظيم أمور البيعة والإمامة وشروطها والشورى، وقواعدها وأهميتها. وحقوق الإنسان الاقتصادية كلفها الإسلام موازنا بين حق الملكية للفرد، وحق المجتمع في الانتفاع. وكانت المساواة حقا عاما إنسانيا هاما؛ سواء بين الرجل والمرأة، أو بين الأجناس المختلفة والطبقات الاجتماعية، وبين المسلم وغير المسلم. ٥- وقد ضرب رسول الله ﷺ الأمثلة الرائعة بنفسه على المساواة التي يبتغيها، ومن هنا كان التطبيق تصديقا للتنظير في مجال الحقوق. ٦- وتسير بنا عناصر هذا البحث لتزيدنا فخرا بديننا العظيم الذي وجدناه

стр. 57

يتفوق على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان -رغم تقدمها واتساع أفقها-. وجدنا التشريع الإسلامي في مجال تلك الحقوق يتميز بالشمول والاتساع والبقاء والأحكام.. ويتميز من قبل ومن بعد بمصدريته الإلهية السماوية. وكما قال المولى سبحانه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . صدق الله العظيم.

стр. 58

المراجع: ١- القرآن الكريم. ٢- صحيح البخاري، دار نشر مصطفى الحلبي، القاهرة. ٣- مختار الصحاح، للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، الهيئة المصرية العامة للكتاب. ٤- نظرية الحق، للدكتور سامي مدكور، دار الفكر العربي. ٥- الناس والحق، يوسف القرضاوي، مكتبة المنار، الكويت. ٦- المعجم العربي الأساسي، دار لاروس، باريس. ٧- المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي. ٨- الفقه الإسلامي وأدلته، للدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر. ٩- النظريات السياسية في الإسلام، محمد ضياء الدين الريس، مكتبة دار التراث ١٩٧٩م. ١٠- كفاية الأخيار في جل غاية الاختصار، للإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي، الجزء الثاني، دار إحياء التراث الإسلامي، قطر. ١١- قصة الفلسفة اليونانية، تصنيف أحمد أمين وزكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة. ١٢- الثورة الفرنسية، حسن جلال، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ١٩٢٧م.

стр. 59

١٣- الحكومة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي، الدار السعودية. ١٤- أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي. ١٥- خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، "فكرة الإسلام عن الله والإنسان والكون والحياة"، سيد قطب ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٧م. ١٦- حال الأطفال في العالم سنة ١٩٩٠م، تقرير اليونيسيف. ١٧- حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، وقائع ندوات سعودية، رابطة العالم الإسلامي ١٩٧٧م. ١٨- الأدب الإغريقي، أحمد عثمان، عالم المعرفة، الكويت ١٩٨٨م. ١٩- الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة، البهي الخولي، دار القرآن الكريم ١٤٠٠هـ. ٢٠- الإسلام بين شبهات الضالين وأكاذيب المفترين، يوسف القرضاوي، أحمد العسال. ٢١- تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، للإمام بدر الدين بن جماعة. ٢٢- النظام السياسي في الإسلام، الدكتور محمد عبد القادر أبو الفارس، دار القرآن الكريم. ٢٣- التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة. ٢٤- أحكام التركات والمواريث، للإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي. ٢٥- المدونة الكبرى، مالك بن أنس، دار صادر. ٢٦- الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، محمد محيي الدين عبد الحميد.

стр. 60

٢٧- المغني في الفقه الحنبلي، لابن قدامة، دار القلم. ٢٨- روح الدين الإسلامي، عفيف عبد الفتاح طبارة. ٢٩- الكتاب الأسود "تقرير منظمة العفو الدولية" السنوي -إمنستي عن حقوق الإنسان في العالم سنة ١٩٨٨م، لندن. ٣٠- مختصر ابن أبي جمرة للبخاري، حاشية محمد بن علي الشافعي الشنواني. ٣١- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. ٣٢- الدستور القرآني والسنة النبوية في شؤون الحياة، محمد عزة دروزة. ٣٣- المساواة في الإسلام، علي عبد الواحد وافي، دار المعارف ١٩٦٢م. ٣٤- الإسلام عقيدة وشريعة، محمود شلتوت، دار القلم. ٣٥- السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي. ٣٦- مع القرآن الكريم، عبد العزيز سرحان وآخرون، المقاولون العرب. ٣٧- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج المغني، للشربيني. ٣٨- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على المذهب الشافعي، الجزء السادس. ٣٩- الفقه الميسر، محمد عيسى عاشور، دار القرآن.