← Общие книги

Общие книги · id 11749

حقوق الإنسان في الإسلام لجمل الليل

طاهر أحمد مولانا جمل الليل

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات الاستفتاح ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ استفتاح: خلق الله الإنسان وكرمه بالعقل واللسان، وجعله خليفة في الأرض، وأسجد له ملائكته الكرام، ولعن الله إبليس الذي عصى أمر ربه ورفض السجود لهذا المخلوق الجديد "الإنسان". ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . مما يدل على تكريم المولى سبحانه لهذا الآدمي وعنايته به. ولما كان هذا هو حال الإنسان بالنسبة لربنا، فقد أوجب عليه واجبات وتكاليف: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وفي نفس الوقت أوجب له الخالق الرحيم حقوقا محفوظة تضمن للتكاليف أن تنفذ, وتضمن للخير أن يستقر في المجتمعات والنفوس, ولا يتحول البشر إلى وحوش متصارعة في غابة الدنيا. وحقوق الإنسان نزلت بها الشرائع السماوية، وآخرها ومنتهاها كان مع الإسلام "الدين الخاتم"، ومنها ما كان من نتاج قرائح البشر الذين اجتهدوا بفضل من الله في هذا المجال، وأكثرها ذيوعا ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة، والذي تبنته الجمعية العامة لها في قرارها المرقم "٢١٧" في العاشر من ديسمبر سنة ١٩٤٨م، وتلاه العديد من المواثيق والبيانات من منظمات وهيئات أخرى.

стр. 2

تمهيد ومقدمة: ١- الحق ضد الباطل، والحق أيضا واحد الحقوق -هكذا ورد في مختار الصحاح للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي- وجاء أيضا "حاقَّه" خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحق، فإذا غلبه قيل: "حقَّه" والتحاقّ: الاختصام١, مما يدل على ما للكلمة من دلالات أو معانٍ لغوية. ٢- أما في مجال الاختصاص, فاستعمالاتها شتى: استعملها رجال الفلسفة دالة على إحدى القيم العليا الثلاث: الحق، والخير، والجمال. واستعملها علماء الأخلاق فيما للإنسان على غيره، وهو ما يقابل الواجب؛ ولهذا قالوا: كل حق يقابله واجب. واستعملها علماء القانون في معنى آخر، يشمل الحق العيني، والحق الشخصي، حتى إن دراسة القانون بكل فروعه لتسمى دراسة "الحقوق"٢. واستعمل القرآن الكريم كلمة الحق فيما يقابل الباطل والضلال, قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] . وكأننا مع كل معنى من معاني الكلمة المعجمية أمام دلالة للفظة يصعب تجاهلها؛ فمثلا فيها الثبوت والصدق؛ لأنها واجبة ومنطقية.

стр. 3

وفي التنزيل الكريم: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] . وفي المعجم العربي الأساس الذي أصدرته المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم عن دار "لاروس": حق الأمر: صح، وحق عليه الأمر: وجبه "يحق على المظلوم أن يجاهد في وجه الظلم"١. وأحق الله الحق: أظهره وأثبته: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] . فهل يوجد حقيقة بعد ذلك الحق؟ ٤- أما عند الفقهاء، فالحق هو الحكم الثابت شرعا عند بعض المتأخرين. والأستاذ الشيخ علي الخفيف يعرفه بأنه المصلحة المستحقة شرعا. ويعرفه الأستاذ مصطفى الزرقاء بأنه اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفا٢. ٥- ما مصدر الحق في الشرع الإسلامي؟ منشأ الحق في الشريعة الإسلامية: هو إرادة الشرع، فالحقوق في الإسلام منحة من الخالق الذي يعرف بقدرته وحكمته مصلحة العباد، ومن ثَمَّ كانت قواعد الحقوق الإنسانية ومبادئها في الإسلام تقوم على مراعاة مصلحة الغير وعدم الإضرار بمصلحة الجماعة, للإضافة إلى كونها في حيز الفرد نفسه، فليس الحق مطلقا وإنما هو مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الآخرين٣. ٦- وتنقسم الحقوق إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول هو حقوق الله، وهي الحقوق التي تتعلق بواجبات العبادة أو الصالح العام للأمة، ولا سيما الحدود التي شرعها الله، أما القسم الثاني وهو ما يسمونه: حقوق العباد، والثالث وهو

стр. 4

الحقوق المشتركة بين الله والعباد١. ٧- أما صاحب "كفاية الأخيار" فيقسم الحقوق إلى ضربين: "حق الله، وحق الآدمي"٢.

стр. 5

تطور فكرة حقوق الإنسان: ١- الحق الإنساني في حياة أفضل هدف بشري، وظل هذا المسعى الإنساني نحو إحقاق الحقوق أملا يراود بني البشر، خصوصا كلما عصفت بهم المحن، وازدادت الرغبة في ذلك أيضا مع توسع المجتمع وارتقاء الاجتماع البشري، وصيرورته أكثر تعقيدا، فكانت الحقوق الشخصية تطمسها مطالب الجماعة، وتحدّ منها مصلحة القبيلة. ثم جاءت المدن بنظامها البديع، وتشابك المعيشة بها، فحطمت بأسلوب الحياة فيها كثيرا من فردية الإنسان وتفرده. وكلما اتسعت المدينة وامتدت ذراعها صرخ الإنسان ينادي بحضوره باحثا عن نفسه، خصوصا بعد أن ترافق هذا وتعقد الاقتصاد، وشاع استغلال الإنسان للإنسان. ٢- في الفكر الاجتماعي القديم لا يتعدى مفهوم الإنسان عند الفلاسفة اليونانيين دائرة معينة من البشر هم الأحرار والمقاتلون. ويخرج عن هذا المفهوم قطاعات واسعة من البشر تشمل العبيد والنساء والصناع. نرى هذا عند أرسطو- مثلا- والذي كان يرى أن المرأة بالنسبة للرجل كالعبد لسيده، أو كنسبة العامل باليد للمفكر، أو البربري للإغريقي١. أما أفلاطون فهو عندما يتحدث عن أفعال الإنسان يؤكد أن مراجعها ثلاثة: الشهوة والعاطفة والعقل، وهذه القوى الثلاث موجودة عند كل إنسان؛ فمن الناس من يكون شهوة متجسدة، ومنها تتكون العمال.

стр. 6

ومن الناس من يضفي عليه جانب الشعور كالمحارب، ومنهم فريق ثالث قليل العدد يستمتع بالتفكير فقط وهم رجال الحكمة١. ٣- ولكن رسول الله ﷺ توَّج حياته -بعد بضعة قرون من حضارة اليونان- بخطبة ضمنها مبادئ راقية، ما زالت تعد هدفا للبشرية ترنو للوصول إليه. يقول رسول الله ﷺ : "أيها الناس, إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ٢ , في بلدكم ٣ هذا، ألا هل بلغت, اللهم فاشهد". "أيها الناس، إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى" ٤. ٤- ويتواصل التفكير الإسلامي في حقوق الإنسان بعد وفاة رسول الله ﷺ فالمرجعية القرآنية، وسنته الشريفة ظلتا ملهمتين للأجيال المسلمة التالية في هذا المجال. فوجدت صياغة الحقوق مع مطلع القرن الهجري الجديد "الجاري" من المجلس الإسلامي الدولي بيانا عالميا بإقرار حقوق للإنسان مستمد من القرآن والسنة٥. ولقد تضمن البيان ثلاثة وعشرين حقا من الحقوق التي كفلها الإسلام, وهي: حق الحياة، والحرية والمساواة، والعدالة، والمحاكمة العادلة, والحماية من تعسف السلطة، والحماية من التعذيب، وحماية العِرْض والسمعة، واللجوء والأقليات، والمشاركة في الحياة العامة، وحرية التفكير والاعتقاد والتعبير، والحرية الدينية والدعوة والبلاغ، والحقوق الاقتصادية, وحماية الملكية، وحق

стр. 7

ومن الناس من يضفي عليه جانب الشعور كالمحارب، ومنهم فريق ثالث قليل العدد يستمتع بالتفكير فقط وهم رجال الحكمة١. ٣- ولكن رسول الله ﷺ : توج حياته- بعد بضعة قرون من حضارة اليونان بخطبة ضمنها مباديء راقية، ما زالت تعد هدفا للبشرية ترنو للوصول إليه. يقول رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا٢ في بلدكم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد". "أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى"٤. ٤- ويتواصل التفكير الإسلامي في حقوق الإنسان، بعد وفاة رسول الله ﷺ فالمرجعية القرآنية، وسنته الشريفة ظلتا ملهمتين للأجيال المسلمة التالية في هذا المجال. فوجدت صياغة للحقوق مع مطلع القرن الهجرية الجديد "الجاري" من المجلس الإسلامي الدولي بيانا عالميا بإقرار حقوق للإنسان مستمد من القرآن والسنة٥. ولقد تضمن البيان ثلاثة وعشرين حقا من الحقوق التي كفل الإسلام وهي: حق الحياة، والحرية، والمساواة، والعدالة، والمحاكمة العادلة والحماية من تعسف السلطة، والحماية من التعذيب، وحماية العرض والسمعة، واللجوء والأقليات، والمشاركة في الحياة العامة، وحرية التفكير والتفكير والتعبير، والحرية الدينية والدعوة والبلاغ، والحقوق الاقتصادية وحماية الملكية، وحق

стр. 8

العامل وواجبه, وكفاية الفرد من مقومات الحياة، وبناء الأسرة، وحقوق الزوجة والتربية، وخصوصيات الفرد وحمايتها، وحرية الارتحال والإقامة١. ٥- وهكذا نجد الخطوط العريضة للبيان عن الحقوق الإنسانية كما يلي: - دار الإسلام واحدة, وهي وطن كل مسلم. - الناس جميعا سواسية أمام الشريعة. - ليس لأحد أن يلزم مسلما بأن ينفذ أمرا مخالفا للشريعة. - الأوضاع الدينية للأقليات يحكمها المبدأ القرآني: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ . - لا يجوز انتزاع ملكية نشأت عن كسب حلال إلا للمصلحة العامة. - لا يجبر الفتى, أو الفتاة على الزواج ممن لا يرغب فيها. - للزوجة أن تطلب الطلاق في حدود الشرع. - سرائر البشر إلى خالقهم وحده, وخصوصياتهم حمى. ٦- وفي قرن متأخر -أي منذ القرن السادس عشر- انتبهت أوروبا إلى البحث في القانون الدولي، الذي أصبح فيما بعد هو الإطار الذي ظهرت وتمت بداخله فكرة حقوق الإنسان، إلى أن أصبحت اتفاقية أوروبية تعرف باسم اتفاقية روما "صدرت سنة ١٩٥٠م, ثم انتهت إلى إصدار ما يعرف باسم مواثيق حقوق الإنسان سنة ١٩٦٨م". ٧- فـ"الماجنا كارتا" الذي رفعه الملك جان في بريطانيا عام ١٢١٥م لم يكن إلا نتيجة ما قام به الإقطاعيون من تذمر. فكانت "الماجنا كارتا" كعهد أو ميثاق بين الملك والأمراء ينظم العلاقات

стр. 9

بينهم، ولكن جاءت موادّه متقدمة في صالح الأمراء بقدر أكبر، بينما لم تشتمل على ما يشير إلى حقوق عامة الشعب، رغم ما لُوحظ في وقت لاحق فيها من حقوق في التحقيق في القضاء, كحق التظلم من الحبس, والتحكم في فرض الضرائب. ٨- ثم يأتي بعد ذلك ميثاق "توم بين" "١٧٣٧-١٨٠٩م" الخاص بحقوق الإنسان، فيثير في عقول الناس الإحساس بهذه الفكرة العظيمة خصوصا حول عام ١٨٩١م. ثم جاء إعلان حقوق الإنسان الذي ظهر إبان الثورة الفرنسية ١٧٨٩م ليكون من أهم منجزاتها، إذ كان ثمرة من ثمار الفلسفات الاجتماعية التي سادت القرن الثامن عشر، خصوصا من أفكار جان جاك روسو صاحب "العقد الاجتماعي" ومونتسكيو وديدرو. وقد تضمن هذا العهد الجديد النابع من باريس الحقوق الفطرية فيما يختص بحكم الشعب والحرية والإخاء والمساواة والملكية، كما شمل حقوق التصويت والانتخاب والتشريع، وتحكم الرأي العام ورقابته على فرض الضرائب, والتحقيق القضائي في الجرائم، وإعمال آلية العدالة. وقد سعى لتضمين هذه الحقوق في الدستور؛ لتصبح أكثر إلزاما وعملية. ٩- ثم ينتقل التفكير في حقوق الإنسان إلى العالم الجديد, فتظهر الإصلاحات العشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد احتوت على معظم المبادئ التي تضمنتها الفلسفة الديمقراطية البريطانية. وتوسع التفكير الإنساني في الحقوق تلك لتتبناه المنظمة الدولية، فتوافق سنة ١٩٤٨م في ديسمبر على قرار بمنع قتل الإنسان أو فعل ما من شأنه التأثير على حياته ووجوده البشري. ويبقى من هذا الميثاق التاريخي "الإعلان العالمي" أهدافه التي تؤكد تساوي البشر رجالا ونساء في العزة والكرامة والأهمية والحقوق الإنسانية الأساسية. وتؤكد المادة "٥٥" من هذا الإعلان على أن الأمم المتحدة سوف تزيد من حمايتها, واحترامها العالمي لحقوق الإنسان وحرياته.

стр. 10

ويتضح من هذا العرض السريع أن حقوق الإنسان في الغرب لا تاريخ لها, ولا وجود لها قبل قرنين أو ثلاثة, كما أنها بالرغم من كثرة ترديدها ليس لها قوة تنفيذية١. وعلى سبيل المثال؛ ظلت الحقوق الاقتصادية للإنسان مجهولة لدى العالم الأوروبي، ولم يعرفها إلا حديثا، إذ إن المطالبة بها والاعتراف لم يبدأ إلا مع الحركات الاشتراكية الحديثة في أوروبا، منذ القرن التاسع عشر، حيث ارتبطت دائما حقوق الإنسان في أوروبا وغيرها بالحقوق السياسية والحريات العامة، ولم تظهر هذه منذ أربعة عقود عند صدور الإعلان العالمي الذي تضمن بعض المواد الخاصة بها. أما الاعتراف بهذه الحقوق فلم يتم إلا سنة ١٩٦٦م عند صدور الميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأما قبل هذا فلم تكن هذه الحقوق معترفا بها إطلاقا، حتى في البيان الذي أصدرته الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩م, إذ لم يتضمن مع تقدمه مادة واحدة تتعلق بالحقوق الاقتصادية٢.

стр. 11

المبادئ التي انبنت عليها حقوق الإنسان: أرسل الله رسله، وحملهم -سبحانه- رسالته من أجل مصلحة الإنسان؛ ذلك لأن رحمة الخالق -جل وعلا- شاءت ألا تترك هذا المخلوق سادرا في غيه، فأبت عليه رأفة المولى إلا أن يكون إنسانا حقيقيا راقيا ليس كسائر المخلوقات الدنيا، بل ليرتقي في الخلق والقيم. ١- الكرامة الإنسانية: وهذه هي أولى المبادئ التي ينبني عليها حق الإنسان في الإسلام، حقه في الحياة الراقية البعيدة عن الحيوانية والتدني في الطبع والسلوك. فتغليظ العقوبة في الزنا -خاصة للمحصن- ليس قسوة من الرحمن الرحيم، بل زجرا للمرء من اقتراف تلك الأفعال المشينة التي تهبط بآدميته. ومن هنا كان السعي إلى تقنين هذه الممارسة "الجنس" بالصور المشروعة المنظمة فقط, فيقول تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] . ويقول عن المؤمنات: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] . ويحذر: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] . ٢- حق الإنسان في التوبة، والتطهر من الدنس: هذا الحق الذي يُسْلَبُه الإنسان في الأنظمة التشريعية الأخرى. إذ جاء مجرم إلى رسول الله ﷺ يطلب إنزال عقوبة الرجم فيه، فصرف وجهه ﷺ عنه لا يريد السماع منه؛ لأنه عمل جرى في السر ولم يخرق به النظام العام، ولا اعتدى فيه على الآداب العامة، وإن مثل ذلك متروك إلى المجرم نفسه ليستغفر الله فيما بينه وبين ربه. ولكن المجرم عاد مرة ثانية يجدد الاعتراف بالجريمة ويطلب إنزال العقوبة به؛ لتكون التوبة أدل

стр. 12

على الإخلاص فيها إلى الله وعلى عدم التمكن من العودة إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة، فصرف رسول الله ﷺ وجهه عنه مرة ثانية، ثم عاد مرة ثالثة فصرف وجهه مرة ثالثة، ثم عاد مرة رابعة فسأله: "أبك جنون؟ أو لعلك قبلت أو غمزت أو لمست؟ " قال: لا. وهكذا كان رسول الله ﷺ يلقنه التراجع عن الاعتراف بالانصراف عن سماعه أولا، وبالتشكيك في الفعل ثانيا، ولكنه أصرَّ على طلب العقوبة فلم يجد عندئذ بدا من الأمر بإيقاعها فيه بناء على إصراره على الاعتراف. ولقد ندم بعد بدء تلقي العقوبة فهرب، فتبعه المأمورون بإنفاذ العقوبة حتى قتلوه، وقال لهم رسول الله ﷺ قولته المشهورة: "هلا تركتموه فيتوب أو يتوب الله عليه" ١. ٣- فالإنسان في نظر القرآن: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] و ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] . من أجل ذلك حرم الإسلام الانتحار واعتبره جريمة عظمى في حق الإنسان، بدليل خطورة العقاب الأخروي, وباعتبار أن روحه ليست ملكا له؛ لأنها ليست من صنعه، وإنما هي ملك لبارئها وخالقها، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: "ونفس المكلف داخلة تحت هذا الحق -أي: حق الله تعالى- إذ لا يجوز له أن يعتدي على نفسه بالإتلاف"٢. ٤- وهذا يفضي إلى مبدأ آخر من المبادئ التي يرتكز عليها حق الإنسان في الإسلام, وهو مبدأ اتحاد عنصري الحق والواجب وتلازمهما، فالاعتقاد بثبوت هذه الحقوق الأساسية يكون أولا بالشرع والتكليف. ٥- فالحق في الحياة: وهو حفظ النفس, من الحقوق الأساسية المقررة في الشرع الإسلامي، وتعني عصمة الشخصية الإنسانية في عناصرها المادية، وهي سلامة الجسم بجميع أعضائه من الإتلاف، والمعنوية أي: الكرامة والأفكار الذهنية والمعتقدات وغيرها. وقد اعتبر الإسلام حياة الإنسان المقصد الأول الذي ترجع إليه سائر المقاصد الأساسية بعد المحافظة على الدين؛ لتوقفها جميعا

стр. 13

على الإنسان وحفظ نفسه في أعلى مراتب التكليف. واعتبر بالتالي إزهاق النفس عمدا وعدوانا أعظم جريمة في الكون، لا بالنسبة للمعتدى عليه أو ذويه فحسب، بل بالنسبة للإنسانية كلها، وقرر القرآن أن جريمة القتل دون حق هي بمثابة قتل الناس جميعا، وإحياءها في حكم إحياء الناس جميعا. يقول تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . ومن هنا كان حق الحياة حقا وواجبا في آن واحد؛ لارتباطه بالتكليف والأمانة التي حملها الإنسان لعمارة الدنيا واستخلاف الله في الأرض، وتطبيقا لسننه في الكون. حرم الإسلام على الإنسان الاعتداء على نفسه أو إزهاقها أو السماح لغيره بشيء من ذلك، اللهم إلا إذا كان ذلك لتحقيق قصد شرعي؛ كجهاد العدو، أو المحافظة على حياة، كبتر عضو مريض يتوقع منه السريان لبقية البدن، والتعرض لخطر محقق. ٧- يقول تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] . ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] . ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ -أي: يطعن بها نفسه- بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". ٨- ومن المبادئ التي يرتكز عليها التشريع الإسلامي عموما: صلاح

стр. 14

المجتمع؛ فمعظم التهم التي يشدد الإسلام في العقوبة عليها هي التهم التي تؤثر في المجتمع تأثيرا سلبيا بل هَدَّاما، كالزنا الذي يؤدي إلى انهيار الأسرة واختلاط الأنساب، وكالسرقة والاعتداء على الغير مما أشار إليه الشارع الإسلامي. فحقوق الإنسان كما وصلت إليه وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الجمعية العامة للأمم تحفظ الحقوق الفردية وتنص عليها، بينما الإسلام يوازن بين الحقوق الفردية وحق المجتمع الذي -هو أيضا مجموع الأفراد- وجب التنويه إلى حقوقه أيضا صيانة للصالح العام. ٩- وقد ثبت بالاستقراء والنصوص أن الشريعة الإسلامية قد اشتملت أحكامها على مصالح الناس، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] , ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] . والمصالح المعتبرة هي المصالح الحقيقية، وهي ترجع إلى أمور خمسة: حفظ الدين, وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال؛ لأن هذه الأمور الخمسة بها قوام الدنيا التي يعيش فيها الإنسان١. ١٠- والحرية عنصر مهم من عناصر الحياة الإنسانية المحترمة في الإسلام. وهل التوحيد إلا تحرير للإنسان؟ ولذلك كانت حرية الاعتقاد حقا من حقوق الإنسان في الإسلام بادر المسلمون بتطبيقه؛ إعمالا لتعاليم دينهم كمبدأ حيوي. يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ويقول تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] . ويقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . والعدل اسم من أسماء الله الحسنى، وكما يقولون: "العدل أساس الملك"؛

стр. 15

لذا كان مبدأ أساسيا ترتكز عليه الشريعة السمحة في إقرار حقوق الإنسان الأساسية. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] .

стр. 16

حقوق الإنسان الثقافية: ١- لا بد لنا إذا أردنا فهم أبعاد الحقوق الثقافية للإنسان في الإسلام من أن نلفت النظر إلى أن نظرة الإسلام إلى "الحقوق الثقافية للإنسان" إنما هي نظرة جزئية من أصل "نظرة كلية" هي نظرة الإسلام إلى "الله والكون والإنسان". ٢- ونحن لسنا في مقام شرح النظرة الكلية للإسلام، ولكن ارتباط "النظرة الجزئية" بتلك "النظرة الكلية" حول الله والكون والإنسان يوجب علينا الإشارة إليها بالقدر الذي لا بد منه، وذلك من أجل تحديد "خصائص الحقوق الثقافية في الإسلام"، والكشف عن أبعادها في حياة الإنسان. ٣- فالإنسان في إطار هذه النظرة الكلية واجب عليه باسم الدين النظر في السموات والأرض وفي نفسه، وذلك من أجل هدف سامٍ مفروض عليه، ألا وهو الإيمان بالله إيمانا علميا مؤسسا على اليقين المنطقي. ويلي الإيمان بهذه الحقيقة الأولية الإيمان بعظمة هذا الخلق وبديع صنعه، فالاعتراف بهذا إقرار بحكمة إيجاد هذا الكون ونظامه، ودلالته على خالق قادر عليم حكيم، مستحق للعبادة وحده. ومن ثم تأتي معرفة ثالثة، هي أن الإنسان جزء من هذا الكون الواسع، ولكنه يشغل مكانا متقدما بفضل ما أنعم الله به عليه من عقل، وتكريم، وتسخير ما في السموات والأرض له، ولم يعد مسخرا لها. ومن هنا يأتي الأمر الإلهي للإنسان بالتعمير، والنهي عن الإفساد، والذي يترافق مع السماح بالتمتع بالطيبات، ولكن بنظام يحافظ على هيبة الإنسان وتعلقه بالله، ويحفظ الكرامة والعدل والمساواة والسلام.

стр. 17

٤- وبذلك نرى أن النظرة الكلية للإسلام بصدد الكون١ تفرض على الإنسان العلم, وتجعله حتما موجبا مثابا عليه المرء؛ لأنه إذن مرتبط بحقيقة عليا وحكمة سماوية. ٥- هذا المفهوم الإسلامي للعلم اعتبره فريضة، وعده أساسا لكرامة الإنسان، وذلك أن القرآن الكريم رفع شأن العلم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] , وقوله أيضا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . ٦- وعلى أساس من هذه النظرة الكلية لله والكون والإنسان تكون الحقوق الثقافية؛ فالإسلام يوسع من آفاق العيش ويجعله متصلا بحكمة علوية، ويجرده من المادية البحتة تنزيها للإنسان. ولذلك نجد رسولنا -صلوات الله وسلامه عليه- يقول: "العالم والمتعلم شريكان في الخير, ولا خير في سائر الناس" أي: لا خير فيمن عداهما. ٧- ولما كان العرب في معظمهم عند ظهور الإسلام أميين لا يقرءون ولا يكتبون، بدأ الإسلام بمعالجة مشكلة الأمية وفرض العلم على كل مسلم ومسلمة، وقال النبي ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٢، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ، من أجل تفتح إنساني واعٍ على الكون وحقائقه، والوجود وأبعاده. ٨- ولذلك لما وقع في أيدي المسلمين بعض الأسرى القرشيين الوثنيين إبان موقعة بدر، جعل رسول الله ﷺ فدية الكثير منهم تعليم الأميين من المسلمين, وجعل شرط إطلاق أحدهم من الأسر تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، مع ملاحظة حاجة المسلمين للمال في هذا الوقت.

стр. 18

٩- ويمضي رسول الله ﷺ يتوعد تارة، ويعد تارة أخرى، ويقول: "العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس" ١. ويقول مفضلا الزيادة في العلم على الزيادة في العبادة، ويؤكد أن: "ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى، وما استقام دينه حتى يستقيم عقله". أو في رواية أخرى: "حتى يستقيم عمله". وتشجيعا للاجتهاد والبحث العلمي يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٢. وفي هذا إقرار بالحرية العلمية في أوسع نطاق. ثم أحاط هذه الحرية بسياج يصونها بالقول النبوي الشريف: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر, فليقل خيرا أو ليصمت" ٣. ١٠- هذا من جانب الإسلام. أما من ناحية المواثيق الدولية الصادرة لحماية الحقوق الإنسانية، فنجد: أ- "الميثاق الدولي لحقوق الإنسان" الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة في ١٠ ديسمبر ١٩٤٨م. ب- "الاتفاقية الدولية في شأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" الصادرة عن حكومات المجموعة الأوروبية بروما بتاريخ ٤ نوفمبر ١٩٩٠م، ثم البروتوكول رقم "١" المضاف إلى هذه الاتفاقية والموقع في باريس بتاريخ ٣ مارس ١٩٥٣م. جـ- "تصريح عن حقوق الطفل" الصادر في هيئة الأمم المتحدة, الجمعية العامة في ١٠ نوفمبر ١٩٥٩.

стр. 19

د- "اتفاقية حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية" الصادرة في ١٦ ديسمبر ١٩٦٦م. ١١- وتنص هذه الاتفاقيات الدولية الخاصة بالحقوق الثقافية للإنسان على ما يلي: أولا: ما جاء في الفقرة الأولى من المادة "٢٦" من الميثاق الدولي لحقوق الإنسان, ونصها: "كل شخص له حق في التربية". ثانيا: ما جاء في الفقرة الثالثة من هذه المادة, ونصها: "إن الآباء لهم الحق في المقام الأول في اختيار نوع التربية لأولادهم". ثالثا: ما جاء في الفقرة الثانية من هذه المادة أيضا, ونصها: "إن التربية يجب أن تهدف إلى التفتح الكامل لشخصية الإنسان، وإلى دعم الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية". رابعا: ما جاء في الفقرة الأولى من المادة "١٣" من الاتفاقية الدولية في شأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونصها: "إن الدول المشتركة في هذه الاتفاقية تعترف بحق كل إنسان في التربية، وتتفق على أن التربية يجب أن تهدف إلى التفتح الكامل لشخصية الإنسان والشعور بكرامته، وإلى دعم احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كما تتفق أيضا على أن التربية يجب أن تجعل كل إنسان أهلا للقيام بدور نافع في مجتمع حر". خامسا: ما جاء في الفقرة "٣" من المادة السابقة، ونصها: "إن الحكومات المشتركة في هذه الاتفاقية تتعهد بأن تحترم حرية الآباء والأوصياء الشرعيين في الاختيار لأولادهم المدارس الحكومية، وفي ضمان التربية الدينية والأدبية لأولادهم, وفقا لعقائدهم الخاصة". سادسا: ما جاء في الفقرة "٢" من البروتوكول رقم "١" المضاف إلى اتفاقية حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الصادرة عن الجماعة الأوروبية, ونصها: "لا يجوز أن يرفض حق أحد في التعليم، وإن الدولة ستحترم في ميدان

стр. 20

التربية والتعليم حق الآباء في ضمان التربية والتعليم, وفقا لعقائدهم الدينية والثقافية". سابعا وأخيرا: ما جاء في الفقرة الثانية من المبدأ السابع من "تصريح حقوق الطفل", ونصها: "إن المصلحة العليا للطفل هي المرشد لأولئك الذين يحملون مسئولية تربيته وتوجيهه، وخصوصا أهله". ومن الملاحظ أن هذه البنود تحوي "حقوقا خاصة" ليست "فروضا عامة" كما أن هذه الحقوق الخاصة معبر عنها بصيغة سلبية، كمثل قوله: "لا يجوز....". وبالتالي يحق لأي إنسان في ظل هذه المواثيق أن يتنازل عن حقه "الخاص" -لأنه خاص- وتنازله هذا لا يشكل جرما؛ لأنه لا يمس إلا شخصه. وفي هذا إضعاف لهذا الحق الذي هو ضرورة حياتية مهمة. وهذه النزعة الشخصية لا تلتفت إلى ما تتميز به علوم الحياة من شمول, وما يتميز به العلم -خصوصا في الحاضر- من اجتماعية، كما أن هذه النظرة "الفردية" لا توصل العلم بمتعلقاته العلوية، وتجرده من حكمته، وتحرمه من امتداده التعبدي. وهذا الامتداد الروحي بعد مهم في النزوع العلمي؛ إذ هو الكفيل بإنقاذه من أمراض "المجتمعات العلمية" كالأنانية والمادية والسيطرة. هذه العلل التي قد تحول العلم من أداة لخدمة الإنسان وعمارة الكون إلى وسيلة من وسائل الدمار، وسببا لشقاء الإنسان وتعاسته وضياعه. وقد رأينا الأمثلة على ذلك كثيرة عبر التاريخ، إذ شاهدنا كيف حول حاكم مستبد التكنولوجيا العسكرية التي كدسها في ترساناته إلى وسيلة إرهاب للآخرين، فجرّ الوبال على الآخرين وعلى العالم وعلى شعبه. وهذا كان أثرا ومثالا على النهوض العلمي المجرد من روحه الإلهية، والتي ينبغي أن تكون منطلقا لكل تحديث وتقدم، ولكل تفكير في حقوق الإنسان، فما بالك بمن افتقد الاثنين: الحكمة السماوية، والحقوق الإنسانية:

стр. 21

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢, ٤٣] . والفرق واضح بين الإسلام والمواثيق الدولية، ففي حين تجعلها المواثيق حقوقا خاصة، يجعل الإسلام حقوق المرء الثقافية فروضا، وبالتالي لا يجب التنازل عنها١. وكذلك يجعل الإسلام هذه الفريضة على عاتق الفرد والجماعة, فكلاهما مسئول عن تنفيذها. كما تتمتع هذه الحقوق في الإسلام بضمانات جزائية، فهي ليست مجرد توصيات لا ضامن لها، ومن ثم يصبح من حق ولي الأمر المسلم إنفاذ هذه الحقوق. ولذلك انتبهت المجموعة الأوروبية لهذا النقص في حماية الحقوق الإنسانية، فأحدثت محكمة لحماية حقوق الإنسان, كما اعتمدت الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في وقت لاحق محكمة على نفس المنوال. أما من ناحية "اختبار النظام المعرفي التربوي" للأبناء, فقد جعل في أيدي أولياء أمور الطفل؛ ليختاروا له المناسب من القيم والمناهج بخلاف الأنظمة الأخرى الاجتماعية، حتى الديمقراطية الغربية التي تفرض على الدارسين نظما مناسبة للسياسة القائمة، وتتفق -أو على الأقل لا تختلف- مع أمزجة القائمين على الأمر، ففي هذا مصادرة للعقول؛ لأنها تخضع الجميع لقيمها الخاصة.

стр. 22

حقوق الإنسان الاجتماعية مدخل ... حقوق الإنسان الاجتماعية: ١- يمكن تلخيصها بما أجملته نصوص الشريعة الإسلامية فيما يلي: أ- كرامة الإنسان عملا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] . ب- عدم التمييز في الكرامة وفي الحقوق الأساسية ما بين إنسان وآخر، بسبب العراق، أو الجنس، أو النسب، أو المال؛ عملا بما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وعملا بقول رسول الله ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى"، وقوله أيضا: "النساء شقائق الرجال" ١. ج- النداء بوحدة الأسرة الإنسانية، والإعلان بأن خير بني الإنسان عند الله هو أكثرهم نفعا لهذه الأسرة؛ عملا بقول رسول الله ﷺ : "الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله". د- حرية الإنسان في عقيدته، وعدم جواز ممارسة الإكراه فيها؛ عملا بما جاء في القرآن الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وعملا بقوله أيضا: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] مستنكرا استعمال الضغط على الحريات. هـ- حرمة وحصانة البيت المسلم، وحماية حرية الإنسان في منزله؛ عملا بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . و فرض الحجر الصحي في حالات الأمراض المعدية منذ أربعة عشر قرنا, وذلك مبالغة في حماية الصحة العامة؛ عملا بقوله ﷺ : "إذا سمعتم

стр. 23

بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليها، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها" ١. ٢- ولكن عند الحديث عن الحقوق الاجتماعية سنجد أن الكلام عن المرأة يشكل حيزا مهما؛ لما تحتله مكانة المرأة من أهمية ذات دلالة في المجتمع، ولما أثاره وضعها في الإسلام من تقولات وسوء فهم. ولذلك نقول: أعلن الإسلام أن النساء شقائق الرجال، وأن لهن من الحقوق مثل ما عليهن، إلا ما جعل للرجال من حق في رئاسة الأسرة وتحمل مسئولياتها ولما بني عليه تكون الرجال. وما هذا في الحقيقة إلا عبء ثقيل وضع على الرجل. ٣- وتدعم هذه الحقوق الإنسانية للمرأة النصوص القرآنية الكثيرة بصراحتها معلنة: أولا: وحدة خلق الإنسان بنوعيه من نفس واحدة، كما جاء في مطلع سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] . ثانيا: وحدة ما على النساء من حقوق نحو الرجال وما على الرجال من حقوق نحو النساء، إلا ما جعل مناسبا للطبيعة البيولوجية لكلا الجنسين، وما يترتب على هذا اجتماعيا؛ عملا بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] , وعملا بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . فالقوامة مشروطة بالإنفاق الذي هو سبب التفضيل. ٤- ولا يمكن إدراك أبعاد هذه الإنجازات في مجال حقوق المرأة إلا بالإشارة الوجيزة إلى ما كان عليه وضع المرأة قبل الإسلام، وفي عالم حضارات الإنسان في تلك الأزمان. ٥- ففي شريعة الرومان، كان العرف الشائع في تلك "الحضارة" عدم الاعتراف بأية حقوق للمرأة.

стр. 24

كما أن وضعها "بسبب جنسها" جعلها تحت الوصاية الدائمة، لا فرق في المرأة بين صغرها أو بلوغها سن الرشد، فهي تحت وصاية الأب أولا، والزوج ثانيا، ولا تملك أية حرية في تصرفاتها، وهي في ذلك -في الجملة- موروثة لا وارثة١. والنتيجة, فالمرأة الرومانية كانت شيئا من الأشياء التابعة للرجل؛ وهي لذلك فاقدة لكل شخصيتها، ومحرومة من كل اعتبار لحرية تصرفاتها. ٦- وحتى في أدبيات الإغريق، وهم أصل الحضارة الرومانية -والأوروبية عامة- لا نجد ذكرا حسنا للنساء، سواء في جمهورية أفلاطون أو محاوراته, أو في كتابات وآثار تلاميذه الفلسفية وعلى رأسهم أرسطو. بل هن رمز للخراب والدمار، كما صورتها الأقاصيص التي دارت حول حرب طروادة، فهيلين هي السبب في إضرام نيران تلك الحرب التي أحرقت الناس والبلاد, أو هي عنوان على القسوة والانتقام والاضطراب, فنفوسهن تمتلئ بالنزوع الغرائزي، فهن لسن كالرجال بحكمتهم وإخلاصهم للواجب. هكذا نقرأ عن كلتمنسترا وألكترا وأنتيجون في سائر أساطيرهم الممسرحة ليوربيس وأسخيلوس وسوفكليس بشكل عام٢. وكان ديموستين خطيب اليونان الشهير يقسم النساء إلى قسمين: قسم هن الخليلات للعناية براحة الرجال، وقسم هن الزوجات ليلدن الأولاد الشرعيين. ٧- وفي العصور الوسطى ثارت الشكوك حول إنسانية المرأة وطبيعة روحها، وقد عقدت مؤتمرات في روما للبحث حول المرأة وروحها، وهل تتمتع بروح كروح الرجال، أو أن روحها كروح الحيوانات مثل الثعابين والكلاب؟ بل إن أحد هذه الاجتماعات في روما قرر أنه لا روح لها، ولن تبعث بالتالي. ٨- أما في قبائل جزيرة العرب الجاهلية, فقد وصلت المرأة إلى وضعية

стр. 25

مزرية؛ فقد كانت عارا يحرص أولياؤها الذكور على التخلص منها ووأدها حية ساعة ولادتها، وذلك بسبب الفقر، والخوف من السمعة الاجتماعية السيئة والمترتبة على انحرافها. ولقد وقفت دعوة سيدنا محمد ﷺ عند ظهورها ضد هذا الوضع الأليم، وجاهر القرآن الكريم به في آياته المتعددة وفي سياقات مختلفة؛ فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨, ٥٩] . وقال أيضا جل من قائل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨, ٩] ، وقال مرة أخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] . ٩- أما الإسلام فقد جاء محرما وأد البنات، ومعطيا للمرأة كرامتها وإنسانيتها وكامل أهليتها في جميع حقوقها وتصرفاتها, تملكا وبيعا وشراء وزواجا من غير وصاية عليها أو تحديد، خلافا لكثير من أوضاعها التي لا تزال قائمة في بعض قوانين العلم الحديث. ١٠- فلا فرق في الإسلام بين الذكر والأنثى في الأهلية -حتى في أهلية الولاية لكل منهما على الآخر- فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] . بل ذهب رسول الله ﷺ في رفع شأن المرأة, فقال: "الجنة تحت أقدام الأمهات" ١. وسأل سائل رسول الله, ﷺ : يا رسول الله, من أحق بحسن صحبتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك" , قال: ثم من؟ قال: "أبوك" ٢.

стр. 26

ولكن هناك بعض الملاحظات التي يثيرها المتشككون على مساواة المرأة في الحقوق للرجال في شريعة الإسلام, وهذه الشبه تنحصر في الأمور الآتية: أولا: عدم مساواة المرأة للرجل في نصاب الشهادة. ثانيا: عدم مساواة المرأة للرجل في الميراث. ثالثا: استئثار الرجل بإيقاع الطلاق. رابعا: تعدد الزوجات. خامسا: الحجاب. ١٢- أما فيما يتعلق بعدم مساواة المرأة للرجل في نصاب الشهادة عملا بما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] , فليس ذلك من موضوع حقوق الإنسان, وإنما هو من موضوع الأعباء التي يدعى لتحملها الإنسان ويتوجب عليه أداؤها، وعملا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وفي كل الأحوال, فقد قبلت أحكام الإسلام شهادة المرأة في كل الأمور، والتي قد يعظم أحدها ويصبح ذا أثر كبير. ١٣- أما فيما يتعلق بعدم مساواة المرأة للرجل في الميراث فهو زعم يناقض المبدأ الأصلي في المساواة الثابت في القرآن فيما بين حقوق النساء والرجال، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: من الحقوق. ١٤- فالقول بعدم مساواة المرأة للرجل اعتمادا على ما جاء في القرآن الكريم من الجهر بأن للذكر مثل حظ الأنثيين, فهذا ليس مطلقا في كل الأحوال، وإنما يصح في بعض الحالات لأسباب تتعلق بالعدل بين الجنسين، وقد نص القرآن العزيز على: أولا: المساواة في الإرث بين الأم من ولدها المتوفى, إذا كان للمتوفى فروع ذكور.

стр. 27

ثانيا: نص التشريع الإسلامي أيضا على المساواة في الإرث بين الأخت والأخ لأم, إذا لم يكن لأخيهما المتوفى أصل مذكر ولا فرع وارث. ١٥- ثالثا: يعدل عن هذا المبدأ "المساواة في الإرث بين الجنسين" أحيانا؛ تحقيقا للعدالة, وفي حالات نظمها الشرع وحددها كما يلي: أ- في حال وجود أولاد للمتوفى، فتبرز قاعدة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] , وتشبهها حالات مماثلة قعّدها الفقهاء. ب- في حالة الزوجين، فالزوج يرث عن زوجته ضعف ما ترثه هي منه١. أما العلة في ذلك -والله أعلم- فهي مسئولية الإنفاق عند الاقتضاء، وهذه المسئولية غالبا تقع على عاتق الرجل ووفقا للقاعدة الشرعية: "الغنم بالغرم"، وهذا ينطبق على كل حالات التمييز الاقتصادي الذي قد يلاحظ في حالتي الميراث السابقتين وأمثالهما من حالات التعصيب. ومن قبل ومن بعد أية تعليلات, نورد قوله تعالى الحكيم العليم: ﴿آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] . ١٦- وأما استئثار الرجل بإيقاع الطلاق وقصر هذا الحق عليه دون المرأة, فهذا يعود إلى طبيعة الزواج في الإسلام لكونه عقدا مبنيا على التراضي العلني، ويقوم على العطاء المتبادل وفقا للأحكام الشرعية٢. ولكن المرأة امتازت على الرجل باستحقاق المهر لها؛ وبالتالي فإن فسخ العقد "إيقاع الطلاق" من قبلها سيعد إضرارا بالطرف الآخر, ومن هنا كان تضييق هذا الفعل "الطلاق"٣. ١٧- وأما تعدد الزوجات فقد كان بابا مفتوحا على مصراعيه قبل الإسلام،

стр. 28

ومنذ الديانة اليهودية, فقد كان حقا مباحا ولا زال في العصر الحاضر، ولكن بصور غير شرعية ولاإنسانية؛ لأنها تضر بحقوق المرأة الاجتماعية هي وأولادها. أما إصلاح الإسلام الاجتماعي لهذا الوضع، فقد جعله محددا بأربع زوجات؛ لتكون العلاقات مبنية على الوضوح والحلال لضمان مصلحة الزوجة والأبناء، وكما قيد هذا الحق للرجال أيضا بضرورة العدالة بين الزوجات في الحقوق، وجعل للزوجة في ذلك حق مراجعة القضاء عند عدم العدل: يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] . ١٨- أما موضوع الحجاب فهو قد يبدو انتقاصا من حق المرأة عند البعض, الذي يرى أن من الحق للمرأة ارتداء ما تبغي، ونقول: إن هذا الأمر متعلق بأمرين: أولا: "تحريم العري" على كل من الرجال والنساء. ثانيا: "فرض الحشمة والحياء" في الظهور بين الناس على كلا الجنسين حماية للأخلاق العامة. وهذا ما ميز الإنسان على الحيوان باصطناع اللباس حماية لهيبته؛ ولذا كان ستر العورة أولى خطوات الإنسان المتحضر تمييزا لنفسه عن الحيوانية المتوحشة. وقد أقر الإسلام هذه المفاهيم الحضارية، حيث ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . ومن ثم حدد محل العورة للرجل والمرأة، والحدود الدنيا في لباسهما في الصلاة والمعيشة اليومية١. فليس من الإنسانية في شيء أن تعرض المرأة جسدها -ولو بإرادتها- وتختزل نفسها من إنسان خلقه الله وكرمه، إلى جسد يقضي فيه الشهوانيون

стр. 29

وطرهم, وليت شعري لهذا قمة الاستعباد والاسترقاق. ١٩- والقرآن الكريم يجعل للمرأة حق المشاركة وإبداء الرأي في رضاع ابنها وفطامه وتربيته: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] . والسنة تجعل للأم رأيا في زواج بناتها: "آمروا النساء في بناتكم" وتجعل الرأي الأخير للبنت نفسها: "البكر تستأذن وإذنها صمتها، والثيب أحق بنفسها" ١. هذا بالإضافة إلى مظاهر الاستقلالية الاقتصادية التي تتمتع بها المرأة في التشريع الإسلامي. ٢٠- ولو انتقلنا إلى القانون المدني الفرنسي "قانون نابليون" في الفصل "٢٧١" وجدناه يقرر: أن المرأة المتزوجة لا يجوز لها أن تهب, ولا تنقل ملكيتها، ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغيره بدون اشتراك زوجها في العقد، وموافقته عليه موافقة كتابية. وهذا مما يدل على أن المرأة افتقدت أهليتها وشخصيتها واستقلاليتها حتى في أكثر التشريعات تقدما، بل وفقدت في العرف الجاري اسمها ونسبها العائلي الخاص، وصارت من متعلقات زوجها! فيما ظل التاريخ يذكر لنا عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر, وغيرهما من أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن- مع اقترانهن بخير الناس. ٢١- بل يرى البلاذري في "فتوح البلدان" أن الشفاء العدوية كانت كاتبة في الجاهلية، وكانت تعلم الفتيات، وأن حفصة بنت عمر تعلمت منها القراءة والكتابة، قبل زواجها بالرسول ﷺ فلما تزوجها طلب إلى الشفاء أن تتابع تعليمها وتثقيفها, وأن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها الكتابة.

стр. 30

الرق: ١- مبحث الرق في الإسلام لم ينقض عهده بعد لسببين: أ- سبب واقعي ألا وهو تصفية الرق بكافة صوره, تلك العمليات التي لم تتم بعد في أرجاء المعمورة، فما زالت تجارة الرقيق منتشرة في كثير من البلدان التي تعاني من الفقر الشديد في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ونشأت بالتالي شبكات دولية على اتصال بالعالم الأوروبي تنظم ترحيل المسترقين إلى مسترقيهم، لتنهض بالتالي تجارة مربحة على أشكال مختلفة عن تجارة العبيد التقليدية. وبالإضافة إلى وجود علاقات عبودية في أماكن بأفريقيا نوهت إليها منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، وخاصة منظمات العفو الدولية سنة ١٩٨٨م والمنظمة العربية لحقوق الإنسان بالقاهرة١. ب- سبب بحثي تاريخي: وذلك ليعلم الدارسون منهج الإسلام في معالجة الأمور الاجتماعية، وأسلوبه في تغطية هذه القضية الإنسانية الحيوية المهمة التي ظلت عبئا على ضمير العالم أحقابا. ٢- فحق حرية الإرادة الإنسانية من أهم الحقوق؛ لأن المؤمن يعتقد أن إرادته لا تملك إلا من قبل خالقه جل شأنه. ولكن كيف كان موقف الإسلام من هذا الوضع؟ ما كان الرق مجرد عادة اجتماعية وأخلاقية بغيضة، بل كان نظاما اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا راسيا بين الناس، ولذا كان هدمه بقرار مفاجئ ذا عواقب وخيمة، ومن ثم سعى الإسلام إلى معالجة الأمر بفتح باب العتق على مصراعيه في كل حادث من حوادث الشخص. وحبب رسول الله ﷺ الناس في إعتاق الرقيق وحسن معاملتهم، فعن أبي بردة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:

стр. 31

الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران، ومؤمن من أهل الكتاب الذي كان مؤمنا، ثم يؤمن بالنبي ﷺ فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله، وينصح لسيده فله أجران"١. ويؤدبها: يعلمها الأخلاق الحميدة، ويحسن: أي يرفق.

стр. 32

الطفولة والأبناء: ١- وتأتي التوصية الإسلامية على الأبناء، وحرص الدين على رعاية النشء دليلا على عنايته بحقوق الفئات الضعيفة في المجتمع، ومنهم الصغار. ٢- فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب في ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصابه من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"، فبايعناه على ذلك١. ٣- ويشرح الشنواني قوله ﷺ : "ولا تقتلوا أولادكم" بأنه كانت الجاهلية تفعل ذلك عند المجاعة، خصوصا الإناث. وقال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد، لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية به آكد، أو لأنه كان شائعا فيهم، وهو وأد البنات، أو قتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم٢. ٤- وهكذا بدأ الإسلام بإقرار حق الحياة للأبناء، ثم أتبعها بالحقوق الأخرى كحق النفقة، ومن قبل ذلك اختيار الاسم المناسب والأجمل، والرعاية الصحية، واحتساب نفقة للأم المطلقة الحاضنة، إذ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وقال النبي ﷺ : "وإذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فصدقة" ٣. وقوله: "على أهله" أي عياله من زوجة وولد٤.

стр. 33

وقوله: "يحتسبها" أي يريد بها وجه الله تعالى. وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني امرأة معها ابنتاها تسألني، فلم أجد شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها, ثم قامت فخرجت، ودخل النبي ﷺ فحدثته، فقال: "من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار". ٥- ووقع في حديث أنس عند مسلم: "من عال جاريتين"، ولأحمد في حديث أم سلمة: "من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذاتي قرابة محتسبا عليهما"، والذي وقع في أكثر الروايات بلفظ الإحسان. وفي رواية عبد المجيد: "فصبر عليهن"، ومثله في حديث عقبة بن عامر في الأدب المفرد، وزاد: "وأطعمهن وسقاهن وكساهن"، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: "فأنفق عليهن وزوجهن وأحسن تأديبهن"، وفي حديث جابر عند أحمد، وفي الأدب المفرد: "يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن". زاد الطبراني: "ويزوجهن"، وله نحوه في حديث أبي هريرة في الأوسط والترمذي١. ويقول جل شأنه في تلك المعاني: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع" رواه الترمذي من رواية ناصح. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ : "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" رواه ابن ماجه٢.

стр. 34

حقوق الإنسان السياسية: ١- لأن السياسة هي التي تسوس الناس، ولأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، كانت حقوق الإنسان السياسية من علامات النهوض والتماسك والترقي في المجتمعات. والأمة الإسلامية لم تعدم -من خلال الفقه- من ينظم ويقعد القواعد والتنظيرات للسياسة. فالأمة في الإسلام هي صاحبة السلطة، فهي التي تختار حاكمها، وهي التي تقدم له المشورة، وتنصح له وتعينه وتقيله إذا انحرف أو جار. والخليفة في الإسلام ليس نائبا عن الله، بل هو وكيل الأمة. أخرج الإمام أحمد عن أبي مليكة: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله. قال: أنا خليفة رسول الله. ٢- فللناس في المجتمع الإسلامي -على الحاكم- حق النصح والإرشاد، وله عليهم السمع والطاعة في المعروف. فأبو بكر الصديق ﵁ حين ولي الخلافة خطب خطبته الشهيرة فقال: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني، القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". وعمر بن عبد العزير حين ولي الخلافة وبايعه الناس قام يخطبهم فقال: "إنما أنا كأحدكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملا". ويروي لنا الإمام البخاري عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: "لقد علم قومي أن حرفتي لم تعجز عن مئونة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال, وسأحترف للمسلمين" "أي أعمل كمستخدم عندهم".

стр. 35

ويدخل العالم الجليل أبو مسلم الخولاني على معاوية أمير المؤمنين, فيقول له في صراحة: السلام عليكم أيها الأجير، ويقول جلساؤه: قل السلام عليك أيها الأمير، فيقول أبو مسلم: السلام عليك أيها الأجير، فيعيدون قولهم، ويعيد قوله، وهنا يقول معاوية: دعوا أبا مسلم فهو أدرى بما يقول. وهذا مما يدل على ما رسا في السياسة الإسلامية من مسئولية كل مسلم في مقابل الحاكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأينا بالتالي في التاريخ الراشد كيف تخطّئ امرأة خليفة على المنبر، فلا يجد غضاضة أن يعلن على الناس: أصابت امرأة وأخطأ عمر. ٣- واعتبر الإسلام التزام الصمت والموقف السلبي من الشر والمنكر، وعدم محاولة كفه ومنعه اعتبره ذنبا عظيما في حق المجتمع. ولذلك ذكر القرآن الكريم أن سبب انحطاط بني إسرائيل هو عدم تناهيهم عن المنكر: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] . واعتبر الإسلام ذلك السكوت سببا من أسباب سخطه، لذا كثيرا ما نطالع في القرآن الكريم الآيات التي تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحث عليه١. ٤- ويرى التنظير الإسلامي في السياسة نصب الإمام ضرورة لحماية حقوق الناس ورعاية مصالحهم، فيجب نصب إمام يقوم بحراسة الدين وسياسة أمور المسلمين، وكف أيدي المعتدين، وإنصاف المظلومين من الظالمين، ويأخذ الحقوق من مواقعها، ويضعها جمعا وصرفا في مواضعها، فإن بذلك صلاح البلاد وأمن العباد، وقطع مواد الفساد، لأن الخلق لا تصلح أحوالهم إلا بسلطان يقوم بسياستهم، أو يتجرد لحراستهم٢.

стр. 36

٥- وحددت صلاحيات الحاكم، وقيدت، ولم تترك سلطاته مطلقة في رقاب العباد. بل يقول مولانا جل شأنه، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] ، فضمن سبحانه نصرة الملوك بهذه الشروط الأربعة، كما قال الإمام بدر الدين بن جماعة في تحرير الأحكام "باب الإمامة"، وعن علي ﵁: "إمام عادل خير من مطر وابل"١. ٦- وتخضع شروط اختبار الحاكم في الأدبيات الإسلامية لعناية ومظاهر، ذلك ما نجده من تدقيق في أحكام البيعة والحكم والخلافة، حتى لتعد فصلا ثابتا في أبواب فقه الأحكام الشرعية والسياسية. ومثال على ذلك كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة، والذي يقول: "لو كانت شروط الخلافة في جماعة صالحة لها، قدم أهل الحل والعقد أصلحهم للناس، فإن عقدت للفضول جاز عند أكثر العلماء، ولو كان أحدهم أعلم مثلا والآخر أشجع مثلا: فالأولى أن يقدم منهما من يقتضيه حال الوقت". ٧- وفي الباب الثاني من كتابه: "فيما للخليفة والسلطان وما عليه مما هو مفوض إليه" يحصي ابن جماعة عشرة حقوق للسلطان والخليفة على الأمة، ولهم عليه عشرة حقوق. أما حقوق السلطان العشرة: فالحق الأول: بذل الطاعة له إلا أن يكون معصية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، وقال النبي ﷺ : "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية".

стр. 37

الحق الثاني: بذل النصيحة له سرا وعلانية. قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة"، قالوا: لمن؟ قال رسول الله ﷺ : "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ١. الحق الثالث: القيام بنصرته. والحق الرابع: أن يعرف له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره. والحق الخامس: إيقاظه عند غفلته. والحق السادس: تحذيره من عدوه. والسابع: إعلامه بسيرة عماله. والثامن: إعانته. والتاسع: رد القلوب النافرة عنه إليه. والحق العاشر: الذب عنه. ٨- وأما حقوق الرعية العشرة على السلطان: فالأول: حماية بيضة الإسلام. والحق الثاني: حفظ الدين. والثالث: إقامة شعائر الإسلام. والرابع: فصل القضايا والأحكام. قال رسول الله ﷺ : "كل راع مسئول عن رعيته". والحق الخامس: إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه. والسادس: إقامة الحدود الشرعية. والسابع: جباية الزكوات، والثامن: النظر في أوقاف البر. والحق التاسع: النظر في قسم الغنائم. والعاشر: العدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وفي كلام الحكمة والتي أوردها الإمام بدر الدين ابن جماعة: "عدل الملك حياة الرعية، وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه". ٩- وهكذا اهتدى الفكر السياسي الإسلامي إلى تنظيم هذه العلاقة الخطيرة الشأن بين الحاكم والمحكوم؛ لتقوم العلاقة بينهما على الثقة والانسجام, وتبتعد عن أي توتر. ١٠- وتأتي الشورى كتعبير عن حق المشاركة في تسيير الأمور، والتي يعبر عنها بحقوق الترشيح والانتخاب، بعد أن كثر الناس وتعقدت المؤسسات وتوسعت البنى. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وقال الحسن:

стр. 38

وكان الله غنيا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن للأمة١، وعنه: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم٢، وقيل: من كثرت مشاورته، حمدت إمارته٣. ولأن المشورة تطييب لقلوب الرعية وإشعار لهم بحق المواطنة، وتشعرهم بأن البلاد لهم، وليسوا مجرد كائنات تحيا على هذه الأرض. والحكماء يعدون المشورة من أساس المملكة وقواعد السلطنة٤. وما زالت المشاروة من عادات الأنبياء، حتى إن إبراهيم الخليل ﵊ أمر بذبح ولده، ومع ذلك لم يدع مشاورته مع صباه٥. وقيل: من طلب الرخصة عند المشورة أخطأ رأيه، أو في المداواة زاد مرضه، أو في الفتيا أثم٦. وقيل: أصدق الخبر تصدقك المشورة٧. ويتضح لنا أن عنصر المشاركة الإيجابية الفاعلة من قبل المواطن في شئون السياسة حق مكفول في الفقه الإسلامي، وإذا سلمنا بأن المشاركة هي أرقى أنواع الحقوق السياسية، وعلى حد تعبير أحد الحقوقيين عنها فهي: "الحقوق السياسية أو الدستورية، وهي السلطات المقررة للأشخاص باعتبارهم أعضاء في هيئة سياسية والتي تمكنهم من الاشتراك في الحكم. وأهم هذه الحقوق هي حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تولي الوظائف العامة"٨. ١٢- وكما لاحظ صاحب كتاب "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي" فالشورى لم تقرر نتيجة لحال الجماعة، فقد كان العرب في أدني درجات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة نظرية الشورى،

стр. 39

لأنها قبل كل شيء من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل١. ١٣- ويرى أحد المفكرين العرب أن الشورى لها أهمية عظيمة، لذا قرنت بفرض الصلاة والصدقة واجتناب الفواحش، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٧-٣٨] ٢.

стр. 40

حقوق الإنسان المدنية مدخل ... حقوق الإنسان المدنية: ١- ينبني المجتمع المدني على قاعدة أساسية، ألا وهي القضاء، فالقضاء ضمان للعدل، والعدل ركيز العمل المنتج والإبداع والعمران، ولما كان الإسلام حريصا على إرساء قيم التحضر، فقد ارتكنت قوانينه التشريعية على قواعد قضائية راقية تضمن حق الإنسان، وتصون حياته وحريته. ٢- رغم بشاعة جرم الزنا، لما يشكله من اعتداء على الأعراض واختلاط في الأنساب، إلا أن الشارع القرآني لم يعاقب عليه إلا بعد ثبوت ارتكابه بأربعة شهود عدول، واعتبر الشاهد الواحد غير كاف وأنزل فيه عقوبة الجلد فيما لو جاء يعلن ذلك وحده، وكذلك فعل مع الشاهدين، وكذلك فعل مع الشهود الثلاثة، واعتبر أقل الشروط للثبوت، أربعة شهود صادقين غير متهمين. وأن يروا ذلك العمل بشكل لا شك فيه، ولا يكتفى فيه برؤية المتهمين عاريين وملتصقين١. كل هذا التدقيق كان صيانة لحق الإنسان "حتى لو كان مجرما" في محاكمة عادلة لا تنقصه شيئا من حقوقه. ٣- وتزيد على ذلك ما لم ينته إليه المقننون المحدثون، وقد نص عليه القرآن الكريم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ، ويستدل بهذه الآية على تنفيذ العدل بلا تمييز في تطبيقه بسبب الحقد والعداء.
следующие страницы →