← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1174

جزء في بيع أمهات الأولاد

ابن كثير

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم إنَّ الحمدَ لله نَحمدُه ونستعينُهُ ونستغفِرُهُ، ونعوذُ بالله مِنْ شرور أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا، مَنْ يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فهذا عِلْقٌ نفيس، ودُرٌّ نضيد، سَلَكَهُ ابنُ كَثير، بكَثيرٍ من التحرير، ونَظَمه نظمَ الحاذقِ الخبير، تناول فيه مسألةَ بَيْعِ أُمَّهات الأولاد، فحرَّرها تحريرًا علميًّا بليغًا، وكان ﵀ قد ألَّف هذه الرسالة أولًا مختصرةً مقتضبة، ثم لم يرفع عنها نظرَه، ولم يضع قلمَه، وما زال يُعْمِل فيها فِكْره، ويجمع لها جَراميزه، ويرصِّعُها بِدُرَرِ الفوائِد، وغُرَرِ الشَّوارد، وجواهر القلائد، ويزيدُ

стр. 2

فيها ويَنْقُص، وينقِّحُ ويهذِّب، ويصحِّحُ ويُضَعِّف، ويَرُدُّ وينتقد، حتى استقام له عُودها، وأينعتْ على يديه ثمرتها، فرَحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً. وكنتُ قد وقفتُ على رسالته هذه منذ عشر سنوات، في أثناء قيامي بفَهْرسة كتاب «الكواكب الدَّراري» لابن عُرْوة الحنبلي، فوجدتُّ أنَّ ابن عُروة قد نقل (إبرازتين) (١) للكتاب، تُمثِّلُ كلُّ إبرازة منهما تأليفًا مستقلًا للكتاب، فأرجأتُ تحقيقها ونشرها؛ أملًا في الحصول على نُسَخٍ خطيَّة أُخرى؛ لأنَّ تحقيق أي كتاب على نُسْخة واحدة دَحْضٌ مَزِلَّة، وعُرْضة للخَطَلِ، فلا ينبغي نَشْره على نُسخة فريدة؛ ما أمكن الحصول على نُسِخٍ أخرى. ولكن؛ لم أُوَفَّق في الحصول على نُسْخة خطية أخرى؛ طِيلة هذه المدة، مع طول البحث والتنقيب في فهارس المكتبات، فلا غَرْوَ إذنْ أن عدَّها جمهرةٌ ممن تخصَّص في ابن كثير ودَرَسَ تراثه مِنْ كتبه المفقودة أو المجهولة (٢). _________ (١) انظر (ص ١٨). (٢) صرَّح بذلك الدكتور مسعود الرحمن خان الندوي في مقالةٍ له في مجلة «صوت الجامعة» الصادرة عن الجامعة السلفية (بنارس -الهند)، جمادى الأولى/ ١٣٩٣؛ باسم «مؤلفات ابن كثير المجهولة»، وفي كتابه «الإمام ابن كثير، سيرته ومؤلفاته ومنهجه في كتابه التاريخ» (ص ١٤٢)، والدكتور محمد الزُّحيلي في كتابه «ابن كثير الدمشقي الحافظ المفسر المؤرخ الفقيه» (ص ٣٤١). واكتفى كلٌّ من الدكتور عدنان بن محمد ابن عبد الله آل شلش في كتابه «الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث رواية ودراية» (ص ١٠٧)، والدكتور محمد بن عبد الله ابن صالح الفالح في كتابه «حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم» (ص ٥٩) بذكرها= = ضمن مؤلفات ابن كثير دون أن يُذْلُوا بأي معلومات عنها. كذا وقع منهم التوارد على ذلك!! والرسالة ذكرها الأستاذ ياسين محمد السواس في «فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية -المجاميع» (١/ ١٩٦ - ١٩٧).

стр. 3

لذا؛ رأيتُ -والحالةُ هذه- تحقيقَ ونَشْرَ هاتين الإبرازتين اعتمادًا على ما نقله ابن عُرْوة. وهما نُسختان متقنتان على كلِّ حال، يروي ابنُ عُرْوة الإبرازةَ الأخيرةَ منهما عن شيخه ابنِ كثير مباشرة. موضوعها: موضوع الرسالة يُنْبِيءُ عنه اسمُها، وهو مسألة بيع أُمَّهات الأولاد (١)، وهي مسألةٌ فقهية شائكة، وقع فيها الخلاف مِنْ لدن عصر الصحابة، وتشعَّبت فيها الآراءُ والمذاهبُ حتى بلغَتْ ثمانيةَ أقوال، كما ستجده مبسوطًا في هذه الرسالة، وادُّعِيَ فيها الإجماعُ من الطرفين، ومع أصحاب كلِّ قولٍ أدلَّة أثرية ونظرية، لها حظٌّ وافرٌ من النظر والاعتبار، فلم يكن استخلاص القول الرَّاجح من بين كل هذه الأقوال بالأمر اليسير، ويحتاج الترجيح فيها إلى عالمٍ نِحرير متمكِّنٍ في علوم الاجتهاد وآلاته، وهذا ما تكشَّف عنه ابن كثير ﵀ رحمة واسعة. ولم يقتصر على هذه المسألة فقط؛ بل أردفها ببعض الأحكام المتعلِّقة بأُمَّهات الأولاد خلاف البيع، مثلُ: _________ (١) أُمُّ الوَلَد: هي الجارية التي ملكها السيد ملكًا شرعيًّا، وحملت منه في ملكه حملًا تخلَّق بخَلْق الآدمي، سواءٌ أسقطتْهُ، أو وضعتْهُ لوقته في ملكه.

стр. 4

ما إذا أولد السيدُ الجاريةَ في مِلْك غيره، ثم ملكها، فهل تصير أُمَّ ولد؟ وحكمِ أولادِ أُم الولد الذين حَدَثوا بعد ولادتها لسيدها؟ وحكم إجارة أُم الولد؟ وحكم أُمِّ ولد الكافر إذا أسلمتْ؟ وبماذا تتربَّص أُم الوَلَد إذا مات عنها سيدها؟ وحكم قَرْض الإماء؟ … إلخ. وهذه المسألة قد عمَّت بها البلوى من عصر الصحابة ﵃ إلى عهدٍ قريب؛ حيث أُلْغِيَ نظام الرِّق. وقد يقول قائل: أَمَا وقد أُلْغِيَ هذا النِّظام، ولم يَعُدْ لهذه المسألة تطبيقٌ عملي ظاهر في عصرنا، فما فائدةُ إخراجِ هذه الرسالة، بل ما فائدة بحثها أصلًا؟ فنقول: أولًا: هذه المسألة مِنْ شَرْع الله ، وقد أفرد لها الفقهاءُ كافَّةً أبوابًا في كُتُب الفقه التي ألَّفوها، وليس من طُرُقِ نَسْخِ الأحكام الشرعيَّة عدمُ وجود تطبيق ظاهر لها في بعض العصور. بل إن الفقهاء بحثوا في كتبهم مسائل لم يكن لها تطبيق في عصرهم، وقد أضحى لها تطبيق عملي في عصرنا هذا. ثانيًا: إنَّ نظام الرِّقِّ لم يُلْغَ إلا منذ نصف قرن تقريبًا (١)، وليست هذه _________ (١) كان نظام الرق مَعمولًا به عند جميع أُمم الأرض، بصفته نظامًا مشروعًا ومتعارفًا عليه = إلى أن أصدر مجلس الثورة الفرنسي في عام (١٧٩١ م) قرارًا بإلغاء الرِّقِّ من جميع المستعمرات الفرنسية، وعندما تولَّى نابليون الحكم لاحظ انخفاض صادرات المستعمرات الفرنسية التي تعتمد على اليد العاملة الزنجية، فأصدر قرارًا عام (١٨٠٢ م) بالعودة إلى استرقاق الزنوج، فثار الزنوج في المستعمرات الفرنسية، ولكن نابليون قمع ثورتهم وأعادهم إلى الرِّقِّ! وفي عام (١٨٨٤ م) صدر قرار في فرنسا بإلغاء الرِّق مرة أخرى، تماشيًا مع قرارات مشابهة اتخذتها كل من بريطانيا، ثم البرتغال، ثم هولندا، ثم الدانمارك عام (١٨٦٠ م). وظل نظام الرِّقِّ معمولًا به في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن أصدر أبراهام لنكولن في عام (١٨٦٣ م) إعلانًا بتحرير الرَّقيق في ولايات الجنوب الأمريكي. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقَّعت الدول المشتركة في عصبة الأمم اتفاقية تقضي بملاحقة تجارة الرقيق والمعاقبة عليها. وفي عام (١٩٤٨ م) أصدرت هيئة الأمم المتحدة إعلانًا عالميًّا يحظر الرِّقِّ وتجارة الرقيق، وقد التزم بهذا الإعلان أكثر دول العالم. انظر «الموسوعة العربية العالمية» (١١/ ٢٥٨). وتجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية قد حفظت حقوق الرقيق، وجفَّفت منابع الرِّقِّ، وفي المقابل يسَّرت سُبُل العِتْق، وحثَّث عليه. وانظر في هذه المسألة: كتاب «الرِّق في الإسلام»، وهو ردٌّ على الكاردينال الفرنسي لافيجري، كتبه بالفرنسية أحمد شفيق باشا، وعرَّبه: أحمد زكي باشا. وكتاب «شُبهات حول الإسلام» (ص ٣٠ - ٥٥) للأستاذ محمد قطب. جزاهم الله خيرًا.

стр. 5

بالمدة الطويلة في عمر الأمم، ويبقى احتمال عودة العمل بهذا النظام قائمًا في أيِّ وقتٍ مِنْ الأوقات، وخصوصًا مع التقلُّبات الفِكْرية والاقتصادية والاجتماعيَّة السريعة لأُمَمِ الأرض هذه الآونة. ثالثًا: إنَّ في نَشْر هذه الرسالة إحياءً لأثرٍ نفيسٍ من آثار عَلَمٍ فَذٍّ من أعلام

стр. 6

هذه الأُمَّة، وَضَعَ اللهُ له القَبُولَ عند الموافق والمُخالف، ونَفَعَ بكتبه، ونحن نرى الهيئاتِ والمنظَّماتِ العِلْمية العَالمية تسعى حثيثًا لنشر كُتُبِ ومؤلَّفاتِ العلماء القدماء في العلوم التطبيقيَّة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك ونحوها، على الرغم من أنَّ كثيرًا من نظرياتهم وتطبيقاتهم أثبت العِلْمُ الحديث خطأها، ومع ذلك يُهتَمُّ بتحقيقها ونشرها (١). رابعًا: إن نَشْر هذه الرسالة (بإبرازتيها) يُسلِّطُ الضوءَ على جانب مُهمٍّ من فِقْهِ ابن كثير ﵀، ويَرْصُدُ تطوره، الأمر الذي يَهُمُّ الدَّارسين والمتخصِّصين في ابن كثير كثيرًا. خامسًا: إن ابن كثير ﵀ لم يقتصر في هذه الرسالة على مسألة بيع أُمَّهات الأولاد فقط؛ بل تطرَّق إلى مسائل عِدَّة في عِلْمَي الأصول والمصطلح، وذكر الأقوال فيها، وحرَّرها ورجَّح ما قَوِيَ دليلُهُ الأثري أو النظري لديه. _________ (١) تقوم الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا على إصدار أعمال عدد من العلماء القدماء أمثال «جاليليو» في إيطاليا، و «نيوتن» في إنجلترا، و «جاوس» في ألمانيا، و «ديكارت»، و «لابلاس» و «لاجرانج» في فرنسا، وغيرهم. وكذلك أصدرت مجموعة الأعمال الكاملة لعالم الرياضيات «أويلر» عن طريق الاستعانة بإمكانيات ست دول، ونشرت الهيئات العلمية المسؤولة الأعمال الكاملة للعالم «برنوللي» في نحو خمسة وأربعين مجلدًا، وقد يُدْهَش المرءُ لطول الوقت الذي يستغرقه إنجاز هذه المشروعات، ناهيك عن ضخامة التكلفة، فقد استغرق إصدار أعمال عالم الرياضيات «كوشي» أكثر من خمسين سنة (!). انظر كتاب «أهمية التراث العلمي العربي» للدكتور أحمد فؤاد باشا، عن دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة.

стр. 7

سادسًا: تُعدُّ هذه الرسالة نُمُوذجًا عمليًّا يُحتذى به للمنهج الفقهي السَّلفي في البحث والترجيح. سابعًا: إنَّ نشر هذه الرسالة إثراء ورِفْد للمكتبة الإسلامية عامة، ولِتُراث ابن كثير ﵀ خاصة. إثبات نسبة الكتاب لمؤلِّفه: هذه الرسالة ثابتة النسبة لابن كثير ﵀، والدلائل متوافرة ومتضافرة على ذلك، فمنها: ١ - جاء في المخطوط التصريح بنسبة هذه الرسالة لابن كثير في موضعين (ق/ ١٩٣/ أ) و (ق/ ٢٠٢/ ب). ٢ - أن ابن عروة الحنبلي ﵀ قد نقل كِلتا الإبرازتين في كتابه العظيم «الكواكب الدراري»، جاءتِ الأولى منهما روايةً عن ابن كثير مباشرة، والثانية نقلًا مجردًا، وقد يكون وِجادة. وفي نقل ابن عروة لهذه الرسالة عددٌ من الفوائد والميزات أشرتُ إلى بعضها في غير هذا الموضع (١). هذا؛ والنسخةُ التي انتهت إلينا من «الكواكب الدراري» هي نُسخة ابن عُروة نفسه، وجُلُّها بخطِّ الحافظ النَّاجي ﵀ -وناهيك به- وقد قرأها _________ (١) انظر مقدمة تحقيقنا لكتاب «شرح قصيدة غرامي صحيح» لشمس الدين محمد بن أحمد ابن عبد الهادي.

стр. 8

على ابن عُرْوة مباشرة، ثم أوقفها ابن عُرْوة على المكتبة العُمَريَّة (١) بالصَّالحية في مدينة دمشق. ٣ - أحال عليها ابن كثير في كتابين من مؤلَّفاته: فقال في «البداية والنهاية» (٢): «وقد أفردنا لهذه المسألة -وهي بيع أمهات الأولاد- مُصنَّفًا مفردًا على حِدَته، وحكينا فيه أقوالَ العلماء؛ بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال، وذكرنا مُستَنَدَ كلِّ قول، ولله الحمدُ والمِنَّة». وقال في «مسند الفاروق» (٣) معلِّقًا على أثر عمر بن الخطَّاب ﵁: «أيما وَليدة وَلَدَتْ من سيدها، فإنه لا يبيعها … »؛ قال: «وقد تقصَّيتُ ذلك كله في جُزءٍ مُفرَد، وبيَّنتُ اختلاف الأئمة في هذه المسألة، وتحصَّل من أقوالهم قريب من ثمانية مذاهب، ولله الحمدُ والمِنَّة». _________ (١) كُتب على ظَهْرية المجلد التاسع والثلاثين من «الكواكب» الوقفية التالية: «وقفه الشيخ علاء الدِّين أبو الحسن علي بن حسين بن عروة الحنبلي، تغمَّده الله برحمته، ونفعنا بمحبته». وإلى أعلى الصفحة كُتب «عُمرية» أي: المكتبة العُمَرية. (٢) (٨/ ٢٣٠) فصل: في ذِكْر سراريه ﵇. (٣) مخطوط دار الكتب المصرية (ص/ ١٧٣) وهو بخط ابن كثير نفسه، وقد سقط هذا النصُّ من مطبوعة «مسند الفاروق» بتحقيق: عبد المعطي قلعجي، لذا أحلتُ إلى المخطوط، ولم يقتصر السقط على هذا النص فحسب، بل تجاوزه إلى نصوص أُخرى قد تصل بمجموعها إلى شطر الكتاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والكتاب حُقق في جامعة أم القرى في رسالة دكتوراه، مقدَّمة من الدكتور: مطر أحمد آل ناصر الزهراني عام (١٤٠٩)، ولم يُنشَر إلى تاريخه، وقد فرغ من تحقيقه أخونا الشيخ إمام علي، يسَّر الله له نَشْره.

стр. 9

٥ - نَقَل فيها ابن كثير عن شيخه الحافظ المِزِّيِّ في غير موضع، في المتن والحواشي. ٦ - ذَكَرها ونقل منها الصنعانيُّ في «سبل السلام» (١)، فقال: «وأفاد الحافظ ابنُ كثير الكلامَ على هذه المسألة في جزء مُفْرَد، قال: وتلخَّص لي عن الشافعي فيها أربعة أقوال، وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال». المؤلفات في المسألة: سبق ابنَ كثير إلى إفراد هذه المسألة بالتصنيف الإمامُ الحافظُ، أبو بكر، محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيِّد النَّاس، الظَّاهري اليَعمَري، الأندلسي الإشبيلي، خطيب تونس وعالم المغرب، المعروف بابن سيِّد الناس، المُتَوفَّى في سنة (٦٥٩ هـ). وهو جدُّ الحافظ أبي الفتح اليَعمَري (٢) الشافعي، رحمهما الله تعالى. _________ (١) (٣/ ١٢) كتاب «البيوع، باب: شروطه وما نهي عنه». (٢) تنبيه: نسب هذا الكتاب «جواز بيع أمهات الأولاد» للحافظ أبي بكر محمد بن أحمد ابن سيد الناس اليَعمَري كلٌّ من: الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (١/ ٥٠٨)، وابن كثير في رسالتنا هذه، والسبُّكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٩/ ٢٦٩)، والصفدي في «الوافي بالوفيات» (٢/ ٨٦)، وبدر الدين الزركشي الشافعي في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ٤٥٧) … وخالفهم ابن قاضي شهبة فنسبه في «طبقات الشافعية» (٢/ ٢٩١) إلى الحفيد أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن سيد الناس! وتابعه ابن العماد في «الشذرات» = = (٦/ ١٠٨)، وهذا وهمٌ منهما بلا ريب! بل قد نص السبكيُّ في «طبقات الشافعية الكبرى» (٩/ ٢٦٨) في ترجمة الحفيد أبي الفتح أن هذا الكتاب لجده، وكأنه فعل هذا كي لا يلتبس أحدهما بالآخر.

стр. 10

قال الذهبي (١): ألَّف مجلَّدًا في بيع أمَّهات الأولاد. قال السُّبْكي (٢): ولجده [أي: جد أبي الفتح، وهو الحافظ أبي بكر] مُصنَّف في منع بيع أمهات الأولاد في مجلَّدٍ ضخم يدلُّ على عِلْم عظيم. قال الصَّفدي (٣): رأيتُ له كتابَ جوازِ بيع أمَّهات الأولاد دَلَّني على سَعَة عِلْمه، وسَيَلان ذِهنه. ونقل منه بدرُ الدين الزركشيُّ الشافعي في كتابه: «النُّكت على مقدمة ابن الصلاح» (٤). ولم يُشر ابنُ كثير إلى كتابه هذا في متن الإبرازاة الأولى لرسالته في بيع أُمَّهات الأولاد، وكأنه لم يكن قد اطَّلعَ عليه وقتئذ، ثم لم يلبثْ أن وقف عليه فأفاد منه فوائدَ علَّقها على حاشية نسخته (الإبرازة الأولى). ثم لما استأنف تصنيفها وصياغتها من جديد، أفاد منه بشَكْلٍ مباشر في المتن والحواشي، وذَكَرَهُ وأثنى عليه في المتن والحاشية، تصريحًا وتلويحًا، _________ (١) طبقات الحفاظ (١/ ٥٠٨). (٢) طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٦٨). (٣) الوافي بالوفيات (٢/ ٦٨). (٤) (١/ ٤٥٢ و ٤٥٧).

стр. 11

فقال في الإبرازة الأخيرة (١): «واختاره [أي: القولَ بجواز بيع أمهات الأولاد] من المتأخِّرين العلامةُ أبو بكر، محمد بن أحمد بن سيِّد الناس، اليَعمَري الأندلسي، خطيب تونس، وصنَّف في ذلك مجموعًا مفيدًا، أجاد فيه وأتقن، وحرَّر فأحسن، وقد احتجَّ لهذا القول: بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس». وتعقَّبه في تجهيله لبعض الرواة، كما في حاشية (ق/ ١٩٤/ أ) (ص ٦٠). منهج ابن كثير فيها: انتهج ابنُ كثير ﵀ في هذه الرسالة منهجَ الفِقه المقارن، المتعمِدَ على عَرْض الأقوال في المسألة، وشرحها، وبيانِ أدلتها ووجهِ الاستدلال من كل دليل، ومناقشةِ أدلَّة كل فريق، ثم الترجيح وَفْقَ ما تقتضيه قواعد الترجيح وأصوله، حتى ولو خالف القولُ الذي رجَّحه المؤلِّفُ مذهبَه الفِقهي؛ فإنَّ ابن كثير رجَّح قولًا هو خلافُ مذهبه الشافعي، بل خلافُ المذاهب الأربعة، وهذا دليل ظاهر على انْعِتاق ابن كثير من رِبْقة التقليد، وتحرُّره العِلمي القائم على اتِّباع الدليل، ونَبْذِ التعصُّب المذهبي، ولا يخفى أن البحث والترجيح بهذه الطريقة يحتاج إلى تمكُّن الباحث من علم الحديث، والفقه، والأصول، واللُّغة، وغيرها من علوم الاجتهاد. ويذكِّرُنا ابنُ كثير في موقفه هذا بشيخه ابن تيمية وموقفِهِ من مسألة _________ (١) (ص ٩٥).

стр. 12

الطلاق التي خالف فيها جماهيرَ العلماء؛ إذ بَيْنَ القضيتين تطابقٌ كبير، فمِن أوجه التطابق: أنَّ أُمَّهات الأولاد كُنَّ يُبعن على عهد رسولِ الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر ﵁، وشطر من خلافة عمرَ بن الخطاب ﵁، ثم مَنَع عُمرُ ﵁ الناسَ من بيعهنَّ، وتبعه الجمهورُ على ذلك. وكذلك مسألة الطلاق: كان على عهد رسولِ الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر ﵁، وشطر من خلافة عمرَ بن الخطاب ﵁، التطليقات الثلاثة في المجلس الواحد تُحسَبُ واحدةً، ثم أمضى عُمرُ ﵁ الثلاثَ على الناس، وحُسبت عليهم ثلاثًا، وتبعه الجمهورُ على ذلك. أن مسألة بيع أُمَّهات الأولاد مما تعمُّ بها البلوى ويترتَّب عليها صلاح البيوت والأسر، وكذلك مسألة الطلاق الثلاث سواء بسواء. إلا أنه لم يُشنَّعْ على ابن كثير ﵀ في هذه المسألة كما شُنِّع على شيخه ابن تيمية ﵀ في مسألة الطلاق من قبلُ، ولم تأخذ مسألةُ بيع أُمَّهات الأولاد البُعْدَ السياسي والفكري -والتاريخي أيضًا- الذي أخذته مسألة الطلاق، على الرغم من أن العصر واحد، والبيئة العلمية والفِكرية واحدة!! بدأ ابن كثير رسالتَه بحصر الأقوال في المسألة، فسَرَدها سردًا محرَّدًا عن نسبة هذه الأقوال لأصحابها، محاولًا الاستيعاب. ثم عاد فذكر أصحاب القول الأول من لدن عصر الصحابة إلى عصره هو، وباستيعاب عجيب أيضًا.

стр. 13

ثم ذَكَرَ من حَكَى الإجماع عليه. ثم ذكر أدلَّة هذا القول على سبيل الإجمال، فقال: «وقد احتُجَّ عليه: بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والمعنى». ثم شرع في التفصيل، فبدأ بالأدلَّة من القرآن، فإذا ذَكَرَ الدَّليل، عقَّبه بذكر وجه الاستدلال منه. ثم ثنَّى بذِكْرِ الأدلَّة من السُّنة، فقسمها إلى قسمين، فقال: «ففي المسألة أحاديث منها صريحة في أسانيدها نظر، وصحيحة تدلُّ باللازم، ولنتكلم على كلِّ من القسمين». فيظهر من هذا: اهتمامه البالغ بالتفريغ والتقسيم، والإجمالِ ثم التفصيل، وهذا من حُسْن التصنيف، ودِقَّة الفهم، وله دورٌ مهم في توضيح المسألة وتقريبها للأفهام، ورسوخها في الأذهان. ثم يذكُرُ الأحاديثَ، فينقلها من مصادرها الأصلية بإسنادها، ثم يخرِّجها من بقية المصادر، مفصِّلًا الأسانيد بذكر الموافقة والمخالفة، وبيان العِلَل، وإنْ وَجَدَ إعلالًا لبعض الأئمة المتقدِّمين ذَكَره، وقد يتتبع بعضهم إذا وجد مجالًا للتتبُّع والانتقاد، انظر مثلًا: (ص ٥٤) تتبعه للبيهقي، و (ص ١٢٠) تتبعه للدارقطني، أي: أنه لا يقلِّد في الحديث أيضًا. وإن عَرَضَ له أثناء البحث مسألة أو قاعدة في علم المصطلح أو الأصول، عَكَف عليها وذَكَر الأقوال فيها وحقَّقها، وبيَّن الراجح منها، كي يبني ترجيحه على أصول صحيحة، كما فعل بمسألة المرسل (ص ٦٢)،

стр. 14

ومسألة الإجماع السكوتي (ص ٧٩)، ومسألة قول الصحابي: «كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ (ص ١٠٠)، ومسألة تخصيص الحديث بمذهب الصحابي (ص ١٠٥). وهو مع هذا لا يذهب بعيدًا باستطراده في بَحْثِ هذه القواعد والضوابط وتحقيقِها، بل سَرْعان ما يعود إلى ما كان بصدده، ولعلَّ هذا كي لا ينسى القاراء أصلَ المسألة المُرادِ تحقيقُهَا. وإذا لم يكن وَجْهُ الدلالة ظاهرًا من الحديث، بَيَّنَهُ وناقش استدلالهم به، وذكر ما يَرِدُ عليه. وإذا نقل قولًا ولم يجدْ لأصحابه دليلًا، تكلَّف هو توجيه القول، فيقول مثلًا (ص ١١٦): «وكأن وجه هذا القول» … واتَّسم منهجه بالرجوع إلى عددٍ كبير من المصادر والمراجع في مختلف العلوم كالحديث والفقه والأصول والتاريخ، وبعضُ هذه المراجع نادرة، ولا تُعرَف إلا عند خواصِّ أهل العِلم، مثل «فوائد المنتجِالي»، و «جزء الأمالي والقراءة»، وكتاب «وفاة النبي ﷺ »، وكتاب «مناصيص الشافعي»، ونحوها، مما يعكس ثقافة ابن كثير الموسوعية. مراحل تأليف الكتاب: ثمة أمر مهمٌّ ينبغي التنبيه عليه، وهو أن كثيرًا من المؤلِّفين يعودون إلى كتبهم مرة أخرى بعد إخراجها للناس، بالتَّنْقيح والتَّهذيب، وتوسيع مضمونها، وإضافة الفوائد إليها، وما إلى ذلك، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ يفرضه

стр. 15

التطور الفِكْري والمَعرفي للمؤلِّف، ثم يخرجونه للناس مرةً ثانية، وقد يتكرَّر هذا الأمر مرة ثالثة ورابعة. وقد اصطُلِح على تسمية كلِّ إخراجة منها «إبْرَازة»، وهي تُقابل في عصرنا هذا الطبعة أو النشرة (١). فينبغي لمن يتصدَّى للتحقيق والنشر أن يُراعي هذا الأمر ويتنبَّه له، ولا يمزج الإبرازاتِ المختلفةَ بعضَها ببعض، ويلفِّق بينها؛ لأنه -لو فعل- لأحدث شيئًا لم يكن موجودًا، وتصرَّف بالنصِّ بما ليس هو مخوَّلًا فيه، وهذا لا يتفق مع الأمانة العلمية. وقد نقل لنا ابنُ عُرْوة إبرازتين للكتاب، تُمثِّل كل إبرازة منهما تأليفًا مستقلًّا للكتاب، الأُولى يرويها عن شيخه ابن كثير مباشرة، والثانية وِجَادة فيما يظهر، أما الأُولى فهي مُسْهَبَةٌ مطوَّلة، والثانيةُ مختصَرة موجَزة، وبعد دراسة الإبرازتين، ترجَّح لي أن الإبرازة المُسْهَبة المطوَّلة هي الأخيرة التي تُوفي عنها ابنُ كثير؛ للأمور التالية: أولًا: أن الإبرازة المُسْهَبة يرويها ابنُ عُرْوة عن ابن كثير مباشرة، قال في مقدِّمتها: «أنبأني العلَّامة الحافظ المُكْثِر أبو الفداء عماد الدِّين إسماعيل بن عُمر بن كثير القرشي البصراوي الشافعي: الحمدلله … »، وصيغة «أنبأني» _________ (١) انظر «أصول نقد النصوص ونشر الكتب» للمستشرق الألماني جوتهلف برجستراسر (ص ٢٦)، و «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» للدكتور أيمن فؤاد سيد (٢/ ٣٦٤)، وللدكتور كمال عرفات نبهان رسالة دكتوراه غير مطبوعة إلى حينه أسماها «العلاقات بين النصوص في التأليف العربي» (ص ٩٧).

стр. 16

هذه الأصلُ فيها أنها نصٌّ في السماع (١)، وقد تُستعمل في الإجازة، وخصوصًا عند المتأخِّرين، وليس ذلك مِنْ منهج ابن عُرْوة الحنبلي في كتابه هذا؛ لأنه يهتم كثيرًا بتفصيل صيغ التَّحمُّل، ويميِّز السماع عن الإجازة، وحيث يروي بالإجازة يَنُصُّ عليها، ففي المجلد الثالث والثمانين من الكواكب -وهو المجلد نفسه الذي نقل فيه هذه الرسالة- نقل ابن عُرْوة (ق ٩٥/ أ) طرفًا من رسالةٍ أخرى لابن كثير وهي رسالته في حديث كفَّارة المجلس، فقال: «أخبرني الشيخ الإمام العلامة الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عُمر بن كثير إجازة، قال … ». وفي آخر هذه الرسالة «بيع أمهات الأولاد» نقل ابنُ كثير أثرًا عن سعيد بن المسيب من «جزء الأمالي والقراءة» للحسن بن علي بن عفَّان العامري، فقام ابن عُرْوة برواية هذا الأثر من طريق الجزء المذكور، وذلك عن شيخه ابن كثير بالإجازة، ونصَّ عليها، فقال: «أخبرني بذلك شيخنا الشيخ الإمام العلامة الحافظ أبو الفداء عماد الدِّين إسماعيل بن عمر بن كثير إجازةً». ويبدو لي أن رواية ابن عُرْوة لهذا الأثر بالإسناد المتصل منه إلى سعيد بن المسيب إقحامٌ منه في هذه الرسالة؛ لأن ابنَ كثير نَقَل هذا الأثر بإسناده ومتنه من الجزء المُشار إليه كعادته في نقل الأحاديث والآثار، وليس من _________ (١) انظر «تدريب الراوي» للسيوطي (٢/ ٥٣).

стр. 17

منهجه في مصنفاته إسناد الأحاديث والآثار من طريقه (١)، بعكس شيخه المِزِّيِّ، أو الحافظ الذَّهبي، أو ابن حَجَر. فابن عُروة إذنْ يروي هذه الرسالةَ عن شيخه ابن كثير سماعًا أو قراءة، ثم أقحم في نهايتها أثرًا يرويه بالإجازة عن ابن كثير؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى: إنَّ ابن عُرْوة أخذ عن ابن كثير بِأَخَرَةٍ ؛ لأن ابن كثير تُوفِّيَ سنة (٧٧٤ هـ)، ونصَّ الحافظُ ابن حَجَر على أن ابن عُروة وُلِد قبل الستين (٢)، وهذا التحديد يفيد التقريب، أي: أنه قريب من الستين، فيكون إدراكه لابنِ كثير في آخر عمره. وعليه؛ تكون الإبرازة التي رواها للكتاب هي في آخر عُمُرِ ابن كثير، سواءٌ قلنا: إن روايته لها بالقِراءة أو بالإجازة. ثانيًا: نصَّ ابنُ كثير في مقدمة الإبرازة المُسْهَبة التي رواها ابنُ عُروة على أن في مسألة بيع أمهات الأولاد ثمانية أقوال، في حين نصَّ في الإبرازة المختصرة على أن الأقوال في مسألة بيع أمهات الأولاد خمسة، ثم استدرك قولين في آخر الرسالة أحدهما من عنده، وعندما ذكر رسالته هذه في «مسند الفاروق» -وهو من كتبه المتأخرة- نصَّ على أنه تحصَّل لديه ثمانية أقوال. ثالثًا: لم يتطرَّق ابنُ كثير لذِكْرِ مؤلَّف الحافظ ابن سيِّد الناس في الإبرازة المختصَرة، بل نَقَل منه بعض الفوائد على حاشية النسخة، وفي المقابل ذكر في متن الإبرازة المُسْهَبة أنَّ لابن سيِّد الناس «مجموعًا مفيدًا [في مسألة بيع _________ (١) وإن كان يفعل ذلك أحيانًا، ولكن على نُدرة. (٢) «إنباء الغمر» (٣/ ٥٢٧).

стр. 18

أمهات الأولاد]، أجاد فيه وأتقن، وحرَّر فأحسن … »؛ فالظاهر أن ابن كثير لما ألَّف الإبرازة الأولى، وهي المختصرة، لم يكن قد وقف بَعْدُ على مصنَّف ابن سيد الناس المذكور، ثم وَقَفَ عليه بَعْد ذلك، فاستفاد منه، ونَقَل منه فوائدَ علَّقها على حاشية نُسخته، ثم أعاد النظر في مؤلَّفه كلِّه، وقام بصياغته من جديد، وأضاف إليه ما تجمَّع لديه من فوائد ومناقشات وتحقيقات تتعلَّق بالمسألة حَصَلتْ عنده في أثناء بحثه ومطالعته، ولا يبعد أن يكون ابن عُروة وَقَفَ على هذه النُّسخة الخاصة بابن كثير، بدليل أنه نقلها بحواشيها، وهذه الحواشي لابن كثير قطعًا؛ لأنه يُصرِّح بالنقل عن شيخه المزي، بلفظ «شيخنا». وبعبارة أخرى: إنه أعاد تأليفه مرةً أخرى. وأخرجَهُ للناس من جديد؛ فالفرق بين النسختين كبير، ولا يمكن إيضاحُهُ في الحواشي بإيجاز، لذا؛ أرى أنَّ من المفيد نَشْرَ الإبرازتين جميعًا؛ كي يقف الباحث على التطور العِلْمي والفِقْهي والفِكْري للحافظ ابن كثير، على أنَّ الإبرازة الأولى (المختصَرة) لا تخلو من فائدة، ليست في الإبرازة المُسْهَبة. وليس هذا هو الكتابَ الوحيد الذي أبرزه ابنُ كثير غير مرَّة، بل هذا الأمر ينسحب على كثير من كتبه، ومنها تفسيره المشهور الذي وضع الله له القَبُول عند الموافق والمخالف، وطبَّقت شهرته الآفاق، أبرزه ابن كثير أكثر من مرة (١). وكذلك «مسند الفاروق»، وفيه بحث ليس هذا موضعَهُ. _________ (١) انظر مقدمة تحقيق «تفسير القرآن العظيم» لعبد العزيز غنيم، ومحمد أحمد عاشور، ومحمد إبراهيم البنا (١/ ٧)، ط. الشعب.

стр. 19

دراسة المخطوط المعتمد في التحقيق: اعتمدتُّ في تحقيق هاتين الإبرازتين على نُسْختين خطيتين، نقلهما ابن عروة الحنبلي تِباعًا في كتابه العظيم «الكواكب الدراري»، في المجلد الثالث والثمانين منه (٨٣)، وأصله محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم (٥٧٨) عام. فنَقَلَ ابنُ عروة الإبرازةَ الأخيرة، وهي التي وقعت له بالرواية، وتقع من ورقة (١٩٣/ أ) إلى منتصف الورقة (٢٠١/ أ)، ثم أردفها بالإبرازة الأولى من ورقة (٢٠١/ أ) واستغرقت إلى نهاية الورقة (٢٠٤/ ب). ناسخ المجلد: هو إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، وهو الحافظ الناجي نفسه (١). وهنا عندنا وقفة: الحافظ الناجي ﵀ نسخ جُلَّ مجلدات الكواكب، وخطه من نمط نستعليق، وهذا النمط (نستعليق) كان شائعًا عندهم في ذلك العهد؛ لجماله وسُهُولته، وهو وإن كان ناسخ المجلد إلا أنه لم ينسخ هذه الرسالة بعينها، لأن خطَّها مختلف، وبعيد كل البعد عن خط الحافظ الناجي الجميل، وبعيد أيضًا عن أسلوبه المتقن في النسخ، فهو -أي: الحافظ الناجي- يكتب بانسجام تام، وبنمط واحد، وعلى وتيرة واحدة، وبأسطر متساوية ومتوازية _________ (١) انظر ترجمته في «الضوء اللامع» (١/ ١٦٦).

стр. 20

ومستقيمة، ويُراعي تساويَ بدايات ونهايات الأسطر. وصف المخطوط: أما خط ناسخ هذه الرسالة فهو رديء، ولم يتبع الناسخ فيه أي نمط من أنماط الخطوط الشائعة في تلك الأيام فيما نعلم. بدايات الأسطر منضبطة نوعًا ما، أما نهاياتها فغير منضبطة، ولا متساوية، ولا متوازية، والمسافات بين السطور متباينة مما أدَّى إلى اختلاف كبير في عدد الأسطر بين صفحة وأخرى، والكلمات متراصَّة بحيث يعسر إضافة أي لَحَق بينها، وليس له قاعدة مضطردة في رسم الحروف والكلمات، وهذه الأمور من شأنها أن تُفْقِدَ النصَّ النواحي الجمالية فيه. ويضع علامة اللَّحَقَ (العطفة) متعطفة دائمًا إلى جهة اليمين، ثم يكتب اللَّحَق -في الغالب- على جهة الشمال. الناسخ يكتب بقلم ثخين، وبمِدادٍ داكن وثقيل، وبعد مضي مِئات السنين ما زالت الكتابة في غاية الوضوح، ومحافظة على بريقها. ولا يهتم كثيرًا بإعجام الحروف، بل كثيرًا ما يترك بعض الحروف المعجمة مهملة. ويستخدم أحيانًا علامة الإهمال على بعض الحروف المهملة كالسين. ويضع الناسخ الدوائر المنقوطة بغرض المراجعة، لا للدلالة على نهاية الكلام. ويستخدم نظام (التعقيبة) للمحافظة على ترتيب الصفحات، وهذا

стр. 21

النظام كان يستخدم آنذاك عوضًا عن ترقيم الصفحات في عصرنا هذا. وله أكثر من طريقة للضرب على الخطأ، منها أنه يخط خطًّا أفقيًّا على الكلام الخطأ، بحيث يُقرأ الكلام من تحته، وهذه طريقة معروفة. وله طريقة أخرى خاصة. وهي أنه يحكّ أو يكشِط الكلمة الخطأ مِنْ الورق، وهذه الطريقة مذمومةٌ عندهم؛ لأنه لا يمكن للقاراء قراءة الكلمة المُزَالة، مما يُفقد الثقة بالمخطوط (١)، ولكنه تلافيًا لهذا المحظور كان يُراعي في أثناء كَشْطِ الكلمة ألَّا يُزيلها بشكل كامل، بل يترك أثرًا لها، بحيث يتمكَّن القاراء من قراءتها بعد الكَشْط (٢). وهذا منهج خاص به. والمخطوطُ مقابَلٌ، ومراجَعٌ، ومصحَّحٌ على ابن عُرْوة نفسِهِ. ومن دقَّة الناسخ أنه ميَّز بين الكتاب والحواشي التي عليه، فلم يُقْحِمها في المتن، بل مازَ بينها وبين اللَّحَق، فكتب في الحاشية الرمز التالي (حشـ) قبالة الكلام المراد التعليق عليه، ثم يكتب التعليق، وتقدَّم بيان أن هذه التعليقات والحواشي لابن كثير نفسه. ثم وجدت الحافظ الناجيَ قد نَصَّ في قَيْد فراغ بعض مجلدات الكواكب أنه استنتج بعض إخوانه بعض الكراريس منه، كما في المجلد (٤١/ ق ٢٤٣/ أ)، والمجلد (١٢٠/ ق ٢٤٤/ أ)، بل إن هذا المجلد (٨٣) _________ (١) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص ١٧٠ - ١٧١. (٢) انظر مثلًا: (ق/ ١٩١/ أ)، السطر (٧) حيث كشط «لا»، و (ق/ ١٩٨/ ب) السطر (١)، حيث كشط «ال» من كلمة «الولد»، وأضاف «هـ» فوق الدال من الكلمة نفسها.

стр. 22

تناوبت على نسخه عدة خطوط متباينة، وإن كان للحافظ النَّاجي القَدْر الأكبر من النسخ، وهذه الرسالة تندرج ضمن الكراريس التي عَهِد بها لبعض إخوانه بلا شكٍّ، ولعل مَرَدَّ هذا إلى ضخامة حجم الكتاب غير المألوفة، فكان لا بُدَّ من أن يَستعين ببعض إخوانه في هذه المهمَّة الشاقة. ولم أجده نصَّ على اسم أحد ممن ساعده في النسخ. وهو وإن لم ينسخ الرسالة بنفسه إلا أنه ساهم في مراجعتها وتصحيحها، لأنه ختم الأسطر الأخيرة من هذه الرسالة بخطِّه، حيث لم تتسع هذه الورقة الأخيرة لما تبقَّى من الرسالة وهو قليل، ومع حرص الحافظ الناجي أن يختم الرسالة بهذه الورقة، وهي نهاية الكراس، أكمل ما تبقى منها على الحاشية بعد أن ضرب على التعقيبة، فاستدارت (الكتابة) حول النص الأصلي فيما يُشبه الإطار. وكذلك فعل في أكثر الكراريس التي عهد بنسخها إلى أصحابه؛ إذ نجد بعض اللَّحَق والتصحيح في الحاشية بخطه المميز. تاريخ النسخ: فَرَغَ الناسخُ مِنْ نَسْخِ المجلد يوم الأحد، رابع شهر رجب، سنة تسع وعشرين وثمانمِئة من الهجرة النبوية (٨٢٩ هـ)؛ كما جاء في قيد الفراغ (ق ٢٣٥/ ب). تاريخ القراءة: بعد أن فرغ الحافظ النَّاجي من نسخ المخطوط أو استنساخه، قرأه على مؤلِّفه ابن عُرْوة في عدة مجالس في الجامع الأموي، على عادة ابنِ عُرْوة، حيث كان يصلِّي الجمعة في الجامع الأموي، ثم يُقرأ عليه

стр. 23

كتابه هذا بعد صلاة الجمعة (١)، ولم يكن الحافظ النَّاجي مهتمًا بتأريخ شيء من مجالس القِراءة هذه، إلا ما وَرَدَ في قَيْد السماع في الورقة (ق ١٠٧/ أ) من هذا المجلد (٨٣) إذ نصَّ على تاريخ القراءة على خلاف عادته، وذلك بمناسبة مجيء عَرَفة يوم الجمعة، فقال: «بلغ … قراءة على مرتِّبه أمتع الله تعالى به، في الجامع الأموي يوم الجمعة، وكان يومَ عَرَفة، سنة اثنين وثلاثين وثمانمِئة، وسمِع ولدي محمد وابن عمِّه وجماعة غيرهما»، ورسالتنا هذه قُرِئت بعد هذا المجلس بمجلسين، كما تفيده قيود السماع والقراءة على حواشي المجلد، فيكون تاريخ قراءتها هو (يوم الجمعة، الموافق للثالث والعشرين من ذي الحجة، من عام اثنين وثلاثين وثمانمِئة (٨٣٢ هـ) أي: قبل وفاة ابن عروة ﵀ بخمس سنوات، والله أعلم. _________ (١) انظر «شذرات الذهب» (٧/ ٢٢٢).

стр. 24

ترجمة المؤلِّف الحافظ ابن كثير (١) هو الإمام الحافظ، أبو الفِداء، عمِاد الدِّين، إسماعيل بن عُمر بن كَثير بن ضَوء بن كَثير، القرشي، البُصروي، الدمشقي، الشافعي. وُلِدَ سنة إحدى وسبعمِئة (٧٠١ هـ) كما أخبر عن نفسه (٢)، في قرية مَجْدَل _________ (١) انظر في ترجمته «المعجم المختص» (ص ٧٤ - ٧٥)، و «تذكرة الحفاظ» (٤/ ١٥٠٨) كلاهما للذهبي، و «الدرر الكامنة» (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، و «إنباء الغمر بأنباء العمر» (١/ ٣٩) كلاهما لابن حجر، و «ذيل تذكرة الحفاظ» للحسيني (ص ٥٧)، و «إرشاد الطالبين» (مشيخة ابن ظهيرة) (٣/ ١٤١٠)، و «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي (١١/ ١٢٣)، و «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣ - ١١٥)، و «ذيل طبقات الحفاظ» للسيوطي (ص ٣٦١). وقد أفرد ترجمته بالتصنيف غير واحد، منهم: ١ - الدكتور مسعود الرحمن خان الندوي في كتابه «الإمام ابن كثير سيرته ومؤلفاته ومنهجه في التاريخ»، وهو كتاب مفيد معجب، وإن الناظر فيه ليلمس الجهد الذي بُذل فيه، وفيه بعض الأوهام، وقد استفدت منه. ٢ - والدكتور محمد الزحيلي في كتابه «ابن كثير الدمشقي الحافظ المفسر المؤرخ الفقيه». ٣ - والدكتور عدنان بن محمد بن عبد الله آل شلش في كتابه «الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث رواية ودراية». ٤ - والدكتور محمد بن عبد الله بن صالح الفالح في كتابه «حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم». فجزاهم الله خيرًا. (٢) «البداية والنهاية» (١٨/ ١٥).

стр. 25

القرية شرقيَّ مدينة بُصْرَى من بلاد حوران، ثم انتقلت به أسرته إلى دمشق سنة (٧٠٧ هـ) بعد وفاة والده فيها، وعمره إذ ذاك ست سنوات. نشأ في دمشق، وسمِع من: الحجَّار ابن الشِّحنة، والمِزِّي، والذَّهبي، وابن الفِركاح، وابن جماعة، وعلم الدِّين البِرْزَالي، وابن الزَّرَّاد، وإسحاق بن إبراهيم الآمدي الحنفي، والقاسم ابن عساكر، وابن الرضي، وطائفة. وأجاز له من مصر: أبو الفتح الدُّبُوسي، وأبو بكر الواني، وبدر الدِّين الختني، ومن بغداد ابن الدواليبي. صَحِب شيخَ الإسلام ابن تيمية ﵀ منذ الصِّغَر، وأحبَّه، وقرأ عليه كثيرًا، ولازمه فأكثرَ عنه، وانتفع بعلومه، وامتُحِنَ بذلك، وأُوذي. يقول ابنُ كثير: وجلستُ يومًا إلى القاضي صدر الدِّين الحنفي بعد مجيئه من مصر، فقال لي: أتحبُّ ابنَ تيمية؟ فقلتُ: نعم. فقال لي وهو يضحك: والله لقد أحببتَ شيئًا مَليحًا. وكان عمره وقتها ثمان سنوات. ولازم الحافظَ المِزي، وأخذ عنه كثيرًا، وانتفَعَ به، وتخرَّج عليه، وسَمِع منه أكثرَ تصانيفه. وتزوَّج من ابنته أَمَةِ الرحيم زينب. ثناء العلماء عليه: قال عنه شيخه الذهبي: الإمام الفقيه، المحدِّث الأوحد البارع … فقيه متقن، ومُحدِّث محقق، ومفسِّر نقَّاد، وله تصانيف مفيدة، يَدْرِي الفقه، ويفهم العربية والأصول، ويحفظ جملةً صالحةً من المتون والتفسير، والرجال وأحوالهم، سمِع منِّي، وله حفظ ومعرفة.

стр. 26

وقال الحسيني: الشيخ الإمام، الحافظ المفيد البارع … أفتى ودرَّس وناظر، وبرع في الفقه والتفسير والنحو، وأمعن النظر في الرجال والعِلل. وقال ابن حبيب الحلبي الدمشقي: إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سَمِع وجَمَع وصنَّف، وأطرَبَ الأسماعَ بأقواله وشَنَّف، وحدَّث وأفاد، وطارتْ أوراقُ فتاواه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العِلم في التاريخ والحديث والتفسير. وقال تلميذه ابن الجزري: الإمام، مؤرِّخ الإسلام، حافظ الشام. وقال ابن ناصر الدين: ثقة (١) المحدِّثين، عُمدة المؤرِّخين، عَلَم المفسِّرين. وقال الحافظ إبراهيم بن محمد بن محمود النَّاجي (٢): الإمام العلامة، الحافظ المحقق (٣). وقال الشيخ محمد بن محمد الخَيضري الشافعي: الشيخ العلَّامة، الحافظ القدوة، المتقِن المُحقِّق (٤). أشهر مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم. _________ (١) «ثقة» كذا في مطبوعة الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ٩٢)! والوجه عندي: «بقية». (٢) وهو ناسخ كتاب الكواكب الدراري الذي حفظ لنا رسالة ابن كثير هذه كما تقدم بسطه. (٣) «جزء في عدم صحة ما نُقل عن بلال بن رباح من إبداله الشين في الأذان سينًا». (ص ٢٣). (٤) المرجع السابق (ص ٢٨).

стр. 27

والبداية والنهاية. واختصار علوم الحديث لابن الصلاح. وجامع المسانيد والسنن. ومسند الفاروق. وفاته: تُوفِّي في شهر شعبان من سنة أربع وسبعين وسبعمِئة (٧٧٤ هـ)، ودُفن -بناءً على وصيته- في تُرْبة شيخِه، شيخ الإسلام ابن تيميَّة، بمقبرة الصوفية، خارج باب النصر بمدينة دمشق، وكانت له جِنازة حافلة مشهورة، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 28

ترجمة راوي الكتاب ابن عُرْوة الحنبلي (١) هو أبو الحسن، علي بن الحسين بن عروة، المَشرقي، ثم الدمشقي الحنبلي، ويُعرف بابن زَكْنون. وُلِد قبل سنة (٧٦٠ هـ). وكان في بداية أمره جَمَّالًا، ثم أعرض عن ذلك، وحفِظ القرآن، وتفقَّه. سمع من: ابن المُحِبِّ، ويحيى بن عمر الرَّحَبي، وعمر بن أحمد الجرهمي، والحافظ ابن كثير. انقطع إلى الله تعالى في مسجد القَدَم (٢)، واعتنى بتحصيل نفائس الكُتُب. ورتَّب «المسند» للإمام أحمد على أبواب البخاري، وسمَّاه: «الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري»، وفرغ منه في تسعة عشر (١٩) مجلدًا، ثم شَرَحه في (١٢٧) سبعة وعشرين ومئة مجلَّدٍ. ثار بينه وبين الشافعية شرٌّ كبيرٌ، وأُوذِيَ بسبب الاعتقاد. قال ابن حَجَر: كان زاهدًا عابدًا قانتًا خيِّرًا، لا يقبَلُ لأحدٍ شيئًا، ولا يأكل إلا مِنْ كَسْب يده. _________ (١) انظر «إنباء الغمر» (٣/ ٥٢٧)، و «الضوء اللامع» (٥/ ٢١٤)، و «الجوهر المنضد» (ص ٩٥ - ٩٩)، و «السحب الوابلة» (٢/ ٧٣٢)، و «شذرات الذهب» (٧/ ٢٢٢). (٢) وهو مسجد أثري قديم، في الجهة الجنوبية لمدينة دمشق، وما زال قائمًا إلى عصرنا هذا، وكان لشيخنا المحدِّث ريحانة الشام عبد القادر أرناؤوط ﵀ دَرْس فيه.

стр. 29

وفاته: تُوفِّي يوم الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة (٨٣٧ هـ) بمنزله في مسجده، وهو مسجد القَدَم، ودُفِن فيه (!) (١). ﵀ رحمة واسعة. _________ (١) هذا من فعل الرعاع والعوام الجهلة من أهل محلته في عصره، أما هو فكان أوصى ﵀ أن يُدفن بسفح جبل قاسيون المشرف على دمشق عند الموفق ابن قُدامة، فلما عَلِم أهلُ محلَّته ذلك؛ لبسوا السلاح، وقالوا: نقاتل من يخرج به من أرضنا، نحن رضينا به حيًّا عندنا فكيف نخرجه بعد موته من أرضنا؟! وقامت فتنة كبيرة، فلما رأى وصيُّه ذلك أمر بدفنه في محلته، فدفنوه في مسجده! راجع تعليقات الدكتور عبد الرحمن العثيمين -حفظه الله- على «الجوهر المنضد» (ص ٩٥ - ٩٩).

стр. 30

المنهج المتبع في التحقيق: ١ - نَسختُ المخطوط، ثم قابلتُ منسوختي بالمخطوط مرارًا. ٢ - خرَّجتُ الأحاديث والآثار، ومنهجي في ذلك: أنني إذا وجدتُ أحدًا من أهل العلم قد استوعَبَ تخريج الحديثَ وشفى فيه؛ فإنني أخرِّجه تخريجًا مختصرًا، وأُحيل إلى المصدر الذي خرَّجه بتوسُّع، وإنْ لم أجد فإنني أتعنَّى تخريجَهُ، وإذا اقتضى الحالُ التوسُّعَ توسَّعتُ. ٣ - حَرَصتُ على توثيق الأقوال والمسائل الفقهية الواردة في الكتاب ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا، وقد فرض عليَّ ذلك أمرٌ، وهو كون المخطوط المعتمد في التحقيق فريدًا؛ بغية تلافي السقط والتصحيف إن وُجِدا، وقد وُجِدَ شيء من ذلك. ٤ - صحَّحت بعضَ الأخطاء الواردة في المتن (١)، واستدركتُ بعض الأسقاط، اعتمادًا على توثيق النصوص والأقوال التي نقلها ابن كثير، ونبَّهتُ في الحاشية على ما في الأصل. ٥ - ترجمتُ لبعضِ الأعلام غير المشهورين. ٦ - قدَّمتُ للكتاب بدراسة عن الكتاب والمخطوط، وعرَّفت فيها بالمؤلِّف والراوي عنه باختصار، وأحَلْتُ على مصادر ترجمتهما لمن أراد التوسُّع. _________ (١) إن ترجُّح عندي أن الخطأ من الناسخ أصلحته، أما إن ترجَّح أنه من المؤلف أبقيته ونبَّهت في الحاشية.

стр. 31

وبعد فراغي من التحقيق تفضل الأخوان الكريمان: وِئام رشيد بدر، وحُسني حسنين بمراجعة العمل، فجزاهما الله خيرًا، وشكر سعيهما. وبعدُ -أخي القاراء الكريم- هذا جهدُ العاجزِ الفقير؛ إلى مولاه العلي القدير، أقدِّمه لك، وأضعه بين يديك؛ لعَلِّي أظفر منك بدعوةٍ صالحة تنفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، فإن صادف ذلك عندك قَبولًا ووجدتَ فيه نفعًا، فالحمدُ لله، وإلا؛ فأستغفرُ الله، ثم إني أعتذر إليك، وعُذْري أني بذلت جهدي، وأفرغت وسعي، والوهم والغفلة والقصور مِنْ لوازم طبيعة البشر، وصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبينا وحبيبنا وقُرَّة أعيننا محمد وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين. قيَّده عمر بن سليمان الحَفْيان غفر الله له ولوالديه الرياض في غُرَّة صَفَر من عام ١٤٢٦ هـ

стр. 32

النصُّ المُحقَّق

стр. 33

جُزْءٌ في بَيْعِ أمُّهْاتِ الأولاد الإبْرَازَةُ الْأَخِيْرةُ تأليفُ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي (المتوفى ٧٧٤ هـ) تحقيق عمر بن سليمان الحفيان

стр. 34

[بسم الله الرحمن الرحيم] قال المؤلِّف (١)، الشيخُ الإمام، العلامةُ الحافظ، علاءُ الدين، أبو الحسن (٢)، علي بن حسين بن عُروة: أنبأني العلامةُ الحافظُ المُكْثِرُ، أبو الفِداء، عمادُ الدين، إسماعيلُ بنُ عُمرَ بنِ كثير، القُرشي، البُصراوي، الشافعي: الحمدُ لله ربِّ العالمين، مِلءَ السماواتِ والأَرَضِين، حمدًا كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيه؛ كما يحب ربُّنا ويرضى دائمًا مُستمِرًّ (٣) إلى يوم الدِّين، وصَلَّى اللهُ على سيِّد المرسَلين، وإمام المتقين، محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ إلى المكلَّفين، ورضِي الله عن أصحابه وأتباعِهِ خيرِ الأُمم أجمعين. أما بعدُ: فقد اختلفَ العلماءُ ﵃ في جواز بَيْعِ أُمِّ الولد على أقوالٍ؛ بعد اتِّفاقهم على أنها لا تَعْتِقُ بمجرَّد الاستيلاءِ (٤) في حياة سيِّدِها؛

стр. 35

قاله أبو عُمرَ ابنُ عبد البَرِّ (١)، رحِمهُ اللهُ تعالى: أحد الأقوال: أنه لا يجوزُ بَيْعُها البتَّةَ. الثاني: أنه يجوز بيعُها مطلقًا. الثالث: أنه يجوز لسيدِها بيعُها حياتَهُ، فإذا مات عَتَقَتْ. الرابع: أنها تُباع في الدَّيْن. الخامس: أنها تُباع، ولكن إنْ كان ولدُها موجودًا عند موتِ أبيهِ سيدِها حُسِبتْ من نصيبه؛ إن كان ثَمَّ مشاركةٌ له في التَّرِكة. السادس: أنه يجوز بيعُها بشرط العِتق، ولا يجوز بغيره. السابع: أنها إنْ عفَّتْ واتَّقتْ لم يجز بيعُها، وإن فَجَرَتْ أو كَفَرَتْ جاز بيعُها. الثامن: الوقف في ذلك. أما القول الأول: فهو المشهور عن أمير المؤمنين عُمرَ بن الخطَّاب ﵁ الذي صار إليه في أثناء خِلافته (٢)، وعُثمانَ بن عفَّان (٣)، وعليٍّ في أول أمره (٤)، وجابر بن عبد الله (٥).

стр. 36

وقاله: الحسنُ البصري (١)، ومحمدُ بن سيرين (٢)، والزُّهريُّ (٣)، وعُمرُ بن عبد العزيز (٤)، والشَّعْبيُّ (٥)، وحمَّادُ بن أبي سُليمان، وعطاءٌ (٦)، ومجاهدٌ (٧)، وسالمُ بن عبد الله (٨)، وإبراهيمُ النَّخَعي (٩)، ويحيى بن سعيد

стр. 37

الأنصاري، وأبو الزِّناد، وربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وابنُ شُبْرُمة، والأوزاعيُّ، والليثُ، والحسنُ بن صالح بن حَيٍّ، والثوريُّ، ومالكٌ (١)، وأبو حنيفة (٢)، والشافعيُّ (٣) على الصحيح من الأقوال عنه، وأحمدُ بن حنبل (٤)، وإسحاقُ بن راهويه (٥)، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام، وأبو يوسف، وزُفَر، وأبو ثَوْر، وابنُ حَزْم (٦) وغيرُه من الظَّاهرية (٧). وقد حكاه غيرُ واحدٍ إجماعًا: كالخطَّابي، وابن بطَّال، والبيهقيِّ، وأبي عُمر بن عبد البَرِّ، وأبي الوليد الباجي، والغزالي، والبَغَوي، وغيرِهم، كما سأذكرُهُ (٨) إن شاء الله تعالى. وقد احتُجَّ عليه: بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والمعنى:

стр. 38

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢] ممن رُوي أنه احتجَّ بها: عُمرُ بن الخطَّاب ﵁؛ كما قال أبو عُمر، أحمد بن سعيد بن حَزْم الصَّدَفي المُنْتجِالي (١) في «فوائده»: أخبرنا أبو القاسم (٢)؛ عبد الله بن محمد بن جعفر القَزْويني، حدَّثنا محمد بن مُسلِم -يعني: ابن وَارَة- حدَّثنا يحيى بن يعلى بن الحارث، ثنا أبي، حدَّثنا غَيْلان بن جامع، عن إبراهيم (٣) بن حرب، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند عُمرَ بن الخطَّاب؛ إذ سَمِع صوتَ صائحةٍ؛ فقال: يا يَرْفَأُ، انظرْ ما هذا الصوتُ؟!

стр. 39

فانْطَلَقَ، فنَظَرَ، ثم جاء فقال: جاريةٌ من قُريش تُباعُ أُمُّهَا. فقال عُمرُ: ادْعُ لي المهاجرين (ق ١٩٣/ ب) والأنصار. فلم يكنْ إلا ساعةٌ حتى امتلأتِ الدَّارُ والحُجْرة، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فهل تعلمونه فيما جاء (١) به محمدٌ القطيعةَ؟ قالوا: لا والله! قال: فإنها قد أصبحتْ فيكم فاشية، قال: ثم قرأ: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]. ثم قال: أيُّ قطيعةٍ أقطعُ أن تُباع أمُّ امراءٍ منكم، وقد أوسعَ اللهُ! قالوا: فاصْنَعْ ما شئتَ. فكتب في الآفاق: لا تُباع أمُّ حُرٍّ؛ فإنها قطيعةٌ، وإنه لا يصلُحُ أو يَحِلُّ. وقد روى البيهقيُّ عن الحاكم، عن عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتُوْيَهْ الفارسي، عن يعقوب بن سفيان، ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، بسنده مثله (٢). وقد احتجَّ عِكرمةُ مكولى ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، قال: «وعُمرُ مِنْ

стр. 40

أُولي الأمر، وقد حَكَمَ بِعِتْقِهنَّ» رواه سعيد بن منصور (١): حدَّثنا سفيان، حدَّثني الحَكَم بن أَبان، عن عِكْرمة. وسيأتي (٢) إسنادُ ذلك عن عُمرَ ﵁. وأما السُّنَّة: ففي المسألة أحاديثُ؛ منها صريحةٌ في أسانيدها نَظَرٌ، وصحيحةٌ تدلُّ باللازم، ولْنتكلَّم على كُلٍّ مِنْ القسمين: القسم الأول: روى الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجَهْ، مِنْ حديث شَريك بن عبد الله القاضي، عن حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عبَّاس، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما رَجُلٍ وَلَدَتْ أَمَتُهُ منه؛ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه» (٣).
следующие страницы →