← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1174

جزء في بيع أمهات الأولاد

ابن كثير

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقاله: الحسنُ البصري (١)، ومحمدُ بن سيرين (٢)، والزُّهريُّ (٣)، وعُمرُ بن عبد العزيز (٤)، والشَّعْبيُّ (٥)، وحمَّادُ بن أبي سُليمان، وعطاءٌ (٦)، ومجاهدٌ (٧)، وسالمُ بن عبد الله (٨)، وإبراهيمُ النَّخَعي (٩)، ويحيى بن سعيد

стр. 37

الأنصاري، وأبو الزِّناد، وربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وابنُ شُبْرُمة، والأوزاعيُّ، والليثُ، والحسنُ بن صالح بن حَيٍّ، والثوريُّ، ومالكٌ (١)، وأبو حنيفة (٢)، والشافعيُّ (٣) على الصحيح من الأقوال عنه، وأحمدُ بن حنبل (٤)، وإسحاقُ بن راهويه (٥)، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام، وأبو يوسف، وزُفَر، وأبو ثَوْر، وابنُ حَزْم (٦) وغيرُه من الظَّاهرية (٧). وقد حكاه غيرُ واحدٍ إجماعًا: كالخطَّابي، وابن بطَّال، والبيهقيِّ، وأبي عُمر بن عبد البَرِّ، وأبي الوليد الباجي، والغزالي، والبَغَوي، وغيرِهم، كما سأذكرُهُ (٨) إن شاء الله تعالى. وقد احتُجَّ عليه: بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والمعنى:

стр. 38

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢] ممن رُوي أنه احتجَّ بها: عُمرُ بن الخطَّاب ﵁؛ كما قال أبو عُمر، أحمد بن سعيد بن حَزْم الصَّدَفي المُنْتجِالي (١) في «فوائده»: أخبرنا أبو القاسم (٢)؛ عبد الله بن محمد بن جعفر القَزْويني، حدَّثنا محمد بن مُسلِم -يعني: ابن وَارَة- حدَّثنا يحيى بن يعلى بن الحارث، ثنا أبي، حدَّثنا غَيْلان بن جامع، عن إبراهيم (٣) بن حرب، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند عُمرَ بن الخطَّاب؛ إذ سَمِع صوتَ صائحةٍ؛ فقال: يا يَرْفَأُ، انظرْ ما هذا الصوتُ؟!

стр. 39

فانْطَلَقَ، فنَظَرَ، ثم جاء فقال: جاريةٌ من قُريش تُباعُ أُمُّهَا. فقال عُمرُ: ادْعُ لي المهاجرين (ق ١٩٣/ ب) والأنصار. فلم يكنْ إلا ساعةٌ حتى امتلأتِ الدَّارُ والحُجْرة، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فهل تعلمونه فيما جاء (١) به محمدٌ القطيعةَ؟ قالوا: لا والله! قال: فإنها قد أصبحتْ فيكم فاشية، قال: ثم قرأ: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]. ثم قال: أيُّ قطيعةٍ أقطعُ أن تُباع أمُّ امراءٍ منكم، وقد أوسعَ اللهُ! قالوا: فاصْنَعْ ما شئتَ. فكتب في الآفاق: لا تُباع أمُّ حُرٍّ؛ فإنها قطيعةٌ، وإنه لا يصلُحُ أو يَحِلُّ. وقد روى البيهقيُّ عن الحاكم، عن عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتُوْيَهْ الفارسي، عن يعقوب بن سفيان، ثنا يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، بسنده مثله (٢). وقد احتجَّ عِكرمةُ مكولى ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، قال: «وعُمرُ مِنْ

стр. 40

أُولي الأمر، وقد حَكَمَ بِعِتْقِهنَّ» رواه سعيد بن منصور (١): حدَّثنا سفيان، حدَّثني الحَكَم بن أَبان، عن عِكْرمة. وسيأتي (٢) إسنادُ ذلك عن عُمرَ ﵁. وأما السُّنَّة: ففي المسألة أحاديثُ؛ منها صريحةٌ في أسانيدها نَظَرٌ، وصحيحةٌ تدلُّ باللازم، ولْنتكلَّم على كُلٍّ مِنْ القسمين: القسم الأول: روى الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجَهْ، مِنْ حديث شَريك بن عبد الله القاضي، عن حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عبَّاس، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما رَجُلٍ وَلَدَتْ أَمَتُهُ منه؛ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه» (٣).

стр. 41

ورواه الدارقطني (١) عن ابن عُقدة، عن أحمد بن [تميم بن عبَّاد المَرْوَزي، ثنا حامد بن آدم، ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان] (٢)، عن حسين بن عبد الله، بسنده، نحوه. هذا حديث لا يصحُّ رَفْعُهُ مِنْ هذا الوجه؛ لأنَّ حسين بن عبد الله هذا: تَرَكه أحمدُ بن حنبل (٣)، وعليُّ ابن المديني (٤). وقال ابن معين (٥): ليس به بأس. وقال مرَّةً هو (٦) وأبو حاتمٍ الرَّازي (٧): ضعيف. زاد أبو حاتم: يُكْتَبُ حديثُهُ، ولا يُحتجُّ به.

стр. 42

وقال أبو زُرْعة (١): ليِّن الحديث. وقال الجُوزْجاني السَّعدي: لا يُشتغل بحديثه وقال محمد بن سعد (٢): لم أرَهُمْ يحتجُّون بحديثه. وقال البخاري: يُقال: إنه يُتُّهم بالزندقة. وقال النَّسَائي (٣): متروكٌ. وقال مرَّةً: ليس بثقةٍ. وقال أبو جعفر العُقيليُّ (٤): له غيرُ حديثٍ لا يُتابَعُ عليه. وقال ابن عَديٍّ (٥): هو ممن يُكتب حديثه، فإني لم أجد في أحاديثه حديثًا منكرًا قد جاوز الحَدَّ. حديث ثاني (٦): قال ابن ماجَهْ أيضًا: حدَّثنا أحمد بن يوسف، حدَّثنا أبو عاصم، عن أبي بكرٍ -يعني: النَّهْشَلي- عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس ﵁ قال: ذُكِرَتْ أمُّ إبراهيم عند النبيِّ ﷺ فقال: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» (٧).

стр. 43

كذا وقع في رواية ابن ماجَهْ: «عن أبي بكر، يعني: النَّهْشَلي» وليس كذلك! وإنما هو عن أبي بكر بن أبي سَبْرةَ، كذاك هو مصرَّحٌ به في رواية الدارقطني والبيهقي (١). وكذا قاله شيخُنَا المِزِّيُّ في «تهذيبه» (٢)، وهو متروك بمرَّةٍ، قال فيه الإمام أحمد (٣): كان يضع الحديثَ. وشيخُهُ حسين بن عبد الله هو المتقدم. (ق ١٩٤/ أ) فهو أضعفُ مِنَ الذي قبلَهُ. قال البيهقيُّ (٤): وقد روى هذا الحديث أبو أويس، عن حسين بن عبد الله، إلا أنه أرسَلَهُ. كذا قال! وقد رواه الدارقطني (٥) من حديث عبد الحميد بن أبي أويس، عن أبيه، عن حسين، عن عِكرمة، عن ابن عباس، فَرَفَعَهُ. ومن حديث عبد الحميد (٦) -أيضًا- عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن حسين متَّصِلًا مرفوعًا.

стр. 44

وقال الدارقطني (١): حدَّثنا أبو عُبيد القاسم بن إسماعيل، ثنا زياد بن أيوب، ثنا سعيد بن زكريا المدائني، عن أبي سارة (٢)، عن ابن أبي حسين، عن عِكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا. قلت: أبو سَارَةَ (٣) هذا؛ قال بعض الحُفَّاظ (٤): هو ابن أبي سَبْرة (٥). وابن أبي حسين هو حسين المتقدِّم. وقال قاسم بن أَصْبَغ (٦) في «مصنَّفه»: عن منصور بن محمد (٧)، عن

стр. 45

عُبيد الله بن عَمرو الرَّقِّي، عن عبد الكريم الجَزري، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: لما ذُكرتْ ماريَةُ أمُّ إبراهيم قال رسولُ الله ﷺ : «أَعْتَقَها وَلَدُها» (١). وقد صحَّح هذا الحديثَ أبو محمد بنُ حَزْمٍ في «كتابه» (٢)، وهو عُمْدته

стр. 46

في هذه المسألة. ورواه الدارقطني (١) من حديث الحسين بن عيسى الحَنَفي، عن الحَكَم ابن أَبان، عن عِكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا. ورواه ابن عُيينة (٢)، عن الحكم بن أبان، عن عِكرمة، عن عُمرَ؛ قولَهُ. وهذا هو الصحيحُ بلا شكٍّ. وكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٣)، عن وكيع، عن الثَّوْري، عن أبيه، عن عِكرمة، عن عُمرَ أنه قال في أُمِّ الولد: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا، وإنْ

стр. 47

كان سِقْطًا». ورواه خُصيف (١)، عن عِكرمة، عن ابن عباس، عن عُمرَ؛ قولَه. قال البيهقيُّ (٢): «فرجع الحديثُ إلى قول عُمرَ، وهو الأصلُ في ذلك». وصَدَقَ رحمةُ الله عليه. حديث ثالث: قال الدارقطني (٣): حدثَّنا محمد بن الحسن النقَّاش، حدَّثنا الحسن بن سُفيان، حدَّثنا مُصَرِّف بن عَمرو، حدَّثنا ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم الإفريقي، عن مسلِم بن يَسار، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عُمرَ أَعتَقَ أُمَّهاتِ الأولاد، قال عُمرُ: أعتقَهُنَّ رسولُ الله ﷺ . ورواه عبد الملك بنُ حبَيب (٤) في كتاب «الواضحة» فقال: حدَّثني

стр. 48

المقراء (١)، عن ابن أنَعْمُ، عن مُسلِم بن يَسار، عن ابن المسيّب؛ فذكر نحوَهُ. عبد الرحمن بن أَنْعُم ضعَّفه غيرُ واحدٍ من الأئمة كالبخاري وغيره، كما هو مبسوطٌ في موضعه (٢). وسعيدُ بنُ المسيّب لم يسمعْ من عُمرَ شيئًا على الصحيح عند الأئمة (٣)، وقيل: سَمِعَ منه نَعْيَ النُّعمان بن مُقَرِّن (٤)، وقولَهُ عند رؤيةِ البيت (٥)؛ كما رواه سعيد بن منصور.

стр. 49

فهذا حديث لا يَثبتُ رَفْعُهُ، والله أعلم. وقد رواه الثوريُّ في «الجامع» (١) عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن مُسلِم بن يَسار قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيّب عن عِتْقِ أُمَّهاتِ الأولاد؟ فقال: إنَّ الناس يقولون: إنَّ أوَّل مَنْ أَمَرَ بعِتْقِ أُمَّهات الأولاد عُمر بن الخطاب، وليس كذلك، ولكنَّ رسول الله ﷺ أوَّل من أعتقَهُنَّ، ولا يجعلهن في ثُلث، ولا يستَسْعَيْن (٢) في دَيْن. وقال عبد الملك بن حَبيب في «كتابه»: حدثني الأُوَيْسي (٣)، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن مُسلِم بن يَسار، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ رسول الله ﷺ أَمَرَ بعِتْقِ أُمَّهاتِ الأولاد، وقال: «لا يُجعلنَ في (ق ١٩٤/ ب) وصية، ولا يُجعلنَ في دَيْن». وهذا معلولٌ من أربعة أوجه:

стр. 50

أحدها: أن جماعة من المالكية تكلَّموا في ابن حَبيب؛ كَسحْنُون (١) وغيره، واتَّهموه في نَقْله (٢). الثاني: أن إسماعيل بن عيَّاش ضعَّفه بعضُ الأئمة في نفسِه. الثالث: روايته (٣) عن غير الشاميين لا تُقبل على الصحيح عند الأئمة من ثلاثة الأقوال: قَبُولِهِ مطلقًا، وعدمِهِ مطلقًا، والتفصيلِ بين ما رواه عن أهلِ الشام فيُقبل، أو لا فيُردُّ؛ وعليه جمهور الأئمة (٤). ومُسلِمُ بن يَسار (٥): مِصريٌّ، إمامٌ في العلم، وحديثه ليس هو في الصَّحيح. الرابع: إرساله لو صحَّ إلى سعيد، والمرسَلُ قد عِلُم ما فيه من النزاع،

стр. 51

كما هو مقرَّر في موضعه (١)، وقد حُكِي فيه الإجماعُ من الطرفين، فَنَقَلَ بعضُ الحُفَّاظ من المتأخِّرين إجماعَ المحدِّثين على ردِّهِ؛ وليس كما زعم، فإن الإمام أبا عبد الله الشافعي نَصَرَ في كتاب «الرسالة» (٢) أنه يَقبل مُرسلَ كِبَارِ التابعينَ، وكذا غيرُه من الأئمة المالكية والحنفية؛ قَبِلوا المرسلَ مطلقًا، وحتى زعم بعضُهم أنه أقوى مِنْ المُسنَدِ! وهذا في غاية المبالغة، وهو بعيدٌ. وقال قائلون: إنكارُ كونِ المُرسَلِ حُجَّةً بدعةٌ حدثتْ بعد المِئَتَيْنِ أيام الفِتنة. وهذا لا يصح أيضًا؛ لأنَّ جماعةً من الأئمة قبْل المِئَتيْنِ رَدُّوا المرسلَ؛ كابن المبارك وغيرِه. وهذا الشافعيُّ ﵀ لا يَقبلُ كلَّ المرسلات، وإنَّما له تفصيلٌ؛ مختلَفٌ فيه عنه. والصحيح الذي حكيتُهُ عنه في «الرسالة». حديث رابع: قال الدارقطني (٣): حدثَّنا أبو بكر الشافعي: حدَّثنا القاسم بن زكريا المقراء، حدَّثنا محمد بن عبد الله المُخرِّمي، ثنا يونس بن محمد -من أصل كتابه- حدثنا عبد العزيز بن مُسلِم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عُمر: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بَيْع أُمَّهاتِ الأولاد. وقال: «لا يُبعنَ، ولا يُوهبنَ، ولا يُورَثنَ، يَستمتعُ منها سيِّدُها ما دام حَيًّا، فإذا

стр. 52

مات هي حُرَّةٌ». ثم رواه الدارقطني (١) من حديث عبد الله بن جعفر المدائني (٢) -والد عليّ، وهو ضعيفٌ (٣) - عن عبد الله بن دينار، مثله. فهذا الحديث مَنْ نَظَرَ فيه حَكَمَ بصحَّتِه بادِاء الرَّأي؛ لأنَّ إسنادَه الأول

стр. 53

رجاله ثقات، لكنه غَلَطٌ بلا شكٍّ، يُبَاهِلُ مَنْ ذاق طَعْمَ هذه الصناعة على أنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ؛ فإن الدارقطنيَّ رواه (١) أيضًا عن أبي بكر الشافعي، عن القاسم بن زكريا، عن محمد بن عبد الله المُخرِّمي، ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا عبد العزيز بن مسلِم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عُمرَ، عن عمر، قولَه. وهذا هو الصحيح. وكذا رواه الثَّوريُّ (٢)، وسليمان بن بلال (٣)، وغيرهما، عن عبد الله بن دينار، عن (٤) ابن عُمر، عن عُمر. ورواه فُلَيح بن سُليمان (٥)، عن عبد الله بن دينار، عن [ابن عمر، عن] (٦) عُمرَ. قال البيهقي (٧): وقد رَفَعَهُ بعضُهم عن عبد الله بن دينار، وهو وَهَمٌ (٨) لا يحلُّ روايته.

стр. 54

وقال الإمام مالك ﵀ في «الموطأ» (١): عن نافع، عن عبد الله ابن عُمر، عن عُمرَ بن الخطاب ﵁ قال: «أيُّما وَلِيدةٍ وَلَدَتْ من سيدها فإنه لا يَبيعُها، ولا يَهَبُها، ولا يورِّثُها، وهو يَستمتِعُ منها، فإذا مات فهي حُرَّة». وكذا رواه عبيدُ الله بن عُمر (٢)، وأخوه (ق ١٩٥/ أ) عبدُ الله بن عُمر (٣)، وعُمرُ بن محمد (٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٥)، عن نافع. فعلمتَ أنَّ الحديث مِنْ قول عُمرَ ﵁ ومَن رَفَعَهُ فقد وَهِمَ لا محالة (٦)؛ ولهذا قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: «إذا وطاء الرجُلُ بالمِلْكِ فولَدَتْ له فهي مملوكةٌ بحالها، لا تَرِثُ، ولا تورَّث إلا أنه لا يجوز لسيدها بيعُها، ولا إخراجُها من مِلْكِه بشيءٍ غير العِتْق، وإنها حُرَّة إذا مات

стр. 55

من رأس المال … »، إلى أن قال: «وهو تقليدٌ لعُمرَ بن الخطَّاب». كذا نَقَلَهُ البيهقيُّ (١). فعلمتَ من هذا: أن الشافعي ليس عنده في هذه المسألة سِوى قول عُمرَ بنِ الخطاب، فلو كان فيها حديثٌ مرفوعٌ لم يَعْدِل عنه إلى التقليد، مع شِدَّةِ حِرْصه على ذلك، وهو كما قال فيه إمامُ الأئمَّة محمد بن إسحاق بن خُزيمة: «قَلَّ سُنَّةٌ لم تبلُغِ الشافعيَّ» (٢). وتقدم (٣) قولُ البيهقيِّ: «فرجَعَ الحديثُ إلى قول عُمرَ، وهو الأصلُ في ذلك». فليس فيما تقدَّم حديثٌ يصِحُّ رَفْعُهُ، والله أعلم.

стр. 56

حديث خامس: قال الحسن بن زياد اللُّؤلُؤيُّ: عن أيوب بن عُتْبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سُئل عن أُمِّ الولد فقال: «يَستمتِعُ بها صاحبُها حياتَهُ، فإذا مات فهي حُرَّةٌ». لكن قال أبو حاتم الرازي في «كتاب العلل» (١) فيما رواه ابنُه عبدُ الرحمن عنه: «هذا حديثٌ باطلٌ لا أصلَ له»، يعني: من هذا الوجه؛ لضعف الحسن بن زياد، وشيخِهِ أيوبَ بن عُتْبة، والله أعلم. القسم الثاني من الأحاديث: وهو ما ليس صريحًا في المسألة، ولكن قد احْتَجَّ به بعضُ الفقهاء فيها بوجهٍ من وجوه الاستدلال، وهو أحاديث: الحديث الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسولَ الله، إنا نصيبُ سَبَايا، ونحِبُّ المال، فكيف ترى في العَزْلِ؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا عليكم ألَّا تفعلوا؛ فإنه ليست نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أن تخرجَ إلا وهي كائنةٌ»، أخرجه الشيخان (٢): البخاريُّ ومسلمٌ من حديث محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن مُحَيريز، عنه. ووجه الدلالة منه: أنه لو لم يكن الحَمْلُ مُبطِلًا للثَّمن -وهو المال- لم يُقِرَّهم ﵇ على هذا الاعتقاد. هكذا وجَّهَهُ القاضي عبد الوهَّاب المالكي،

стр. 57

ونحوه للقاضي أبي الوليد بن رُشْد الجَدِّ، وغيرهما ممن صنَّف في الأحكام وغيرها. وأُجيب عن هذا: بأنهم كرهوا أن تنقُصَ عليهم أثمانهنَّ؛ فإن الأَمَةَ إذا وَلَدَتْ تتغيَّر هيئتُها كما هو المعهود من النساء، فتنقُصُ بذلك قيمتُها. أو أنهم إذا أحبلوهنَّ؛ طال عليهم بيعُهُنَّ؛ لانتظار مُدَّة الحَمْل ومُدَّة الفِطام بعدَهُ، وكذا مدَّة بلوغ الولد؛ لئلا يُفرَّق بينهما. وأحسن من ذلك: ما جاء في رواية «الموطأ» (١) عن أبي سعيد قال: «خرجنا مع رسولِ الله ﷺ إلى غزوة بني المُصْطَلِق، فأصبنا سَبْيًا مِنْ سَبْي العرب، فاشتهينا النِّساءَ، واشتدَّتْ علينا العُزْبَة، وأحببنا الفِداء، فأردنا أن نَعْزِلَ، فسألنا عن ذلك … » وذَكَرَ الحديثَ. والحديثُ يفسِّر بعضُه بعضًا، ووجه (ق ١٩٥/ أ) هذا ظاهر؛ فإنهم كرهوا أن يَحمِلنَ منهم فيتعذَّر عليهم فِداهنَّ، ورَدُّهنَّ إلى أهليهنَّ؛ لأن أولادهم ينعقدون مسلمين، ويُخشى مِنْ رَدِّهم في بطون أمهاتهم الكفرَ عليهم؛ فلذلك سألوه ﵇ عن العَزْل، ولا يبقى فيه دلالة في المسألة المعينة بحال. وقد يَحتجُّ بهذا الحديث مَنْ يجوِّز وَطْءَ المملوكة الكافرة، سواء كانت مشرِكة أو كتابيَّة، وهو قولُ بعض الناس. ومَن مَنَعَ مِنْ ذلك أجاب بجوابين:

стр. 58

أحدهما: أن هذا الحديث محمولٌ على وَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ منهنَّ. وهو بعيدٌ؛ لقوله: «وأحببنا الفِداء» إذ يمتنع ردُّها إلى الكفَّار وقد أسلَمتْ؛ اللَّهم إلا أن يُقال: كان هذا قبل تحريم ذلك؛ فإن غزوة بني المُصْطَلِق كانت قبل الحُديبية التي حُرِّم فيها ردُّ المسلمة إلى الكفَّار، وحينئذٍ فيقوى هذا الجواب. الثاني: جواب أبي الوليد بن رُشدٍ حيث قال: يحتمل أن بني المُصْطَلِق كانوا يدينون بدِين أهل الكتاب. وهو بعيدٌ جدًّا؛ إذ هو خِلاف المعلوم مِنْ السِّيَرِ والتواريخ. مع أنَّ الجواب الأول أسدُّ، والله أعلم. قلت: ويتعيَّن حَمْلُ حديث أبي سعيد هذا على أنهم أحبُّوا الفِداء لا البيع؛ لأن النَّسائي روى عن أبي سعيد أنهم كانوا يبيعون أُمَّهات الأولاد على عهد رسولِ الله ﷺ ، كما سيأتي بيانه (١) -إن شاء الله- في دليل القول الثاني. الحديث الثاني: قال البخاريُّ ومسلمٌ: عن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس. ومسلم عن يحيى بن يحيى. ثلاثتهم عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دينارًا ولا درهمًا، ما تَرَكْتُ بعد نفقةِ نِسائي ومَؤُونَةِ عامِلي

стр. 59

فهو صَدَقَةٌ» (١). وروى هذا الحديثَ: أبو بكر الصديق (٢)، وعُمرُ بن الخطَّاب (٣)، وعُثمانُ، وعليٌّ، والعباسُ، وعبدُ الرحمن بن عَوف، والزبيرُ بن العوَّام، وسعدُ بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشةُ (٤)، ﵃ أجمعين. وكذا الحديث الثالث: وهو ما رواه البخاريُّ (٥)، من حديث أبي إسحاق السَّبيعي، عن عَمرِو بن الحارث -أخي جويريَةَ بنت الحارث أمِّ المؤمنين- قال: «ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ عند موتِه دينارًا، ولا دِرْهمًا، ولا عبدًا، ولا أَمَةً». قالوا: وماريَةُ أُمُّ ولدِ رسولِ الله ﷺ قد عاشتْ بعدَه على الصحيح، كما ذكر الواقديُّ (٦) وغيره (٧)؛ مِنْ أنها ماتت أيام عُمرَ سنة [ست] (٨) عشرة،

стр. 60

وحُشِدَ (١) الناسُ في جنازتها، ومع هذا لم تُبَعْ في تَرِكَةِ رسولِ الله ﷺ حتى يُجعَل (٢) في صدقته، فدلَّ على أنها عَتَقَتْ بموته ﵊. والجواب: قد كان لرسول الله ﷺ أربعون مولًى (٣) ما بين ذَكرٍ وأنثى -لولا الإطالة لسردْناهم ولله الحمد- قد ذكر أنه أعتق منهم على التعيين بضعةَ عَشَرَ، فمِن أين لكم عِتْقُ الباقين؟ وكيف لم يُبع أحدٌ منهم في تَرِكته؛ ليُجعلَ في صدقته؟ فما كان جوابَكُم عن ذلك؛ فهو جوابٌ لنا في ماريَة سواء. الثاني: (ق ١٩٦/ أ) يحتمل أنه ﵇ نَجَّزَ عِتقَهَا في حياته، وإذا احتَمَل الدليلُ واحتَمَل؛ سقطت الدلالةُ منه، بل لو ادُّعيَ القطعُ في ذلك لكان صحيحًا، والحُجَّةُ: حديث عَمرِو بن الحارث المتقدِّم (٤): «ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ عند موته دينارًا، ولا درهمًا، ولا عبدًا، ولا أَمَةً» فدلَّ على أنه نَجَّزَ عِتْقَ الجميع في حياته؛ لقوله: «عند موته». وهذا هو اللائقُ بحاله ﷺ ، والذي يُظَنُّ به، وإذا أعتق العبيدَ منهم والإماءَ؛ فَلَأَنْ يُعتِق أُمَّ ولدِه أَولى وأحرى؛ وحينئذٍ: فلا يبقى فيما ذكرتم دليلٌ، والله أعلم.

стр. 61

هذا؛ وقد ذكر أبو الحسن بن المُغَلِّس (١) أنها ماتتْ قبل وفاة رسول الله ﷺ بقليل؛ وعلى هذا: فتسقط الدلالة بمرَّةٍ. وأيضًا: فأبو بكر الصِّديق ﵁ كان ممن يرى بيع أُمَّهات الأولاد كما سيأتي (٢)، فلولا أنه ﵇ نجَّز عِتْقَ ماريَة في حياته لَبِيْعتَ. اللَّهُمَّ إلا أن يُقال: إنه يمتنع بيعها لمعنًى آخر، وهو أنها تحرُمُ على غيرِهِ ﷺ كما يحرُمُ نساؤه على غيره ﵅؛ وحينئذٍ: فتبقى هذه خصوصيةً في ماريَة من دون أُمَّهات الأولاد، فلا يدلُّ امتناعُ بَيْعها على امتناع بَيْع أُمَّهات الأولاد، والله أعلم. حديث رابع: عن العِرْبَاض ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسُنَّتي، وسُنَّة الخلفاءِ الراشدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ … » الحديث. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيُّ وصحَّحه، والحاكمُ في

стр. 62

«مستدركه» (١) وقال: هو على شرط الشيخين، ولا أعلمُ له عِلَّة. حديث خامس: عن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «اقْتَدُوا باللَّذَين مِنْ بعدي: أبي بكرٍ، وعُمرَ». رواه ابنُ ماجه، والترمذيُّ وحسَّنه، وصحَّحه ابنُ حِبَّان (٢). ورواه الترمذيُّ (٣) من حديث ابن مسعود، ولا يثبُتُ (٤). قالوا: وأمير المؤمنين عُمر ﵁ أَحدُ من أُمِرنا بالتمسُّكِ بسُنَّتِهِ

стр. 63

من الخلفاء الراشدين، وأَحدُ الشيخين المنصوص على (١) الاقتداءِ بهما، وقد صحَّ عنه أنه حَكَمَ بعِتْق أُمَّهاتِ الأولاد؛ فوجب المصيرُ إلى قوله. وأُجيب: بأن ذلك فيما لم يصحَّ عندنا فيه سُنَّةٌ عن رسول الله ﷺ ، وقد صحَّ لنا فيما سنذكره (٢) أنهنَّ كُنَّ يُبَعْنَ في حياته، يبلغه ذلك ولا يُنكِرُهُ، وهذا مقدَّم على قول كلِّ أَحدٍ من الناس. وأيضًا: فقد خالفه مَنْ هو أجلُّ منه، وهو الصِّدِّيق، كما سيأتي (٣). وكذا خالفه عليٌّ ﵁ في آخر أمْرِه، ورجع إلى بيعهنَّ، كما سنذكره (٤)؛ إن شاء الله. وإذا اختلف الصحابةُ تخيَّرنا، ولم نَعْدُهُمْ؛ كما قال الإمامُ الحَبْرُ أبو حنيفة (٥) ﵀. وأما ذِكْر حكايةِ الإجماعِ على هذا القول: فقال أبو سليمان الخَطَّابي (٦) فيما رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن ابن

стр. 64

سيرين، عن عَبيدة السَّلْماني قال: كتب إليَّ عليٌّ، وإلى شُرَيحٍ (ص ١٩٦/ ب) يقول: «إني أُبْغِضُ الاختلافَ، فاقْضُوا كما كنتم تقضون -يعني: في أُمِّ الولد- حتى يكون الناسُ جماعةً، أو أموتَ كما مات صاحباي» (١). قال: واختلافُ الصحابة إذا خُتِمَ بالاتفاق، وانقرضَ العصرُ [عليه] (٢) صار إجماعًا. ومثل هذا سواء قال البغوي في «شرح السنة» (٣). وقد أُجيب عن هذا بأجوبة: أحدها: أن البخاري روى هذا عن عَبيدة (٤)، وليس فيه ذِكْرُ أُمِّ الولد،

стр. 65

فلعلَّ بعضَ الرواة فسَّره مِنْ عنده. الثاني: أنه أمرهم ألَّا يَحكموا بما يُخالِف حُكْمَ أهلِ الشام في المسائل الاجتهادية؛ لِئَلا يُؤدِّيَ إلى الفُرْقة والاختلاف بين الأئمَّة وقد يَترُكُ الإنسانُ الراجحَ لمصلحةٍ أرجحَ منه، وذلك كما في حديث عائشة أنه ﵇ قال لها: «لولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عَهْدُهم بجاهلية؛ لنقضتُ الكعبةَ، فجعلتُ لها بابين … » الحديثَ، وهو في «الصحيح» (١). فهذا رسولُ الله ﷺ قد تَرَكَ ما كان فيه مصلحةٌ لمصلحةٍ أرجح؛ فصار ذلك سُنَّة. ويمكن جواب ثالث: وهو أنَّ عَليًّا ﵁ لما كان قد خَطَبَ الناسَ فقال: «إنَّ عُمر ﵁ استشارني في بَيْعِ أُمَّهات الأولاد، فرأيتُ -أنا وهو- أنها عَتيقة، فقضى به عُمرُ حياتَهُ، وعُثمانُ بعدَهُ، فلما وُلِّيتُ رأيتُ أنها رقيقٌ». ورواه الشافعي (٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٣)، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عَبيدة السَّلْماني، عنه. ورواه سعيد بن منصور (٤)، عن أبي عَوانة، عن مُغيرة، عن الشَّعبي،

стр. 66

عن عَبيدة، عنه. ورواه محمد بن سيرين (١)، عن عَبيدة، وزاد: فقلتُ له: «رأيُكَ ورأيُ عُمرَ في الجماعة أحبُّ إليَّ مِنْ رأيكَ وحدَكَ في الفتنة». وهذا يقوله عَبيدة لعليٍّ كالمشورة عليه؛ لا أنه يَرُدُّ عليه اجتهادَهُ، إلا أنه يقول له: رأيُكَ ورأيُ عُمرَ في ذلك الوقتِ أحبُّ إلينا في وقت هذه الفتنة مِنْ رأيك الآن؛ فإنه مما ينفِّرُ الخواطِرَ عليك إذا رأوكَ خالفتَ عُمرَ، فلما تبيَّن عليٌّ ما قاله عَبيدة، وأنه رأيُ رُشْدٍ، كَتَبَ إليه وإلى شُرَيحٍ أن يحكما بما كانا يَحكمان به، وألَّا يُغيِّراه؛ لِئَلَّا يختلف الناسُ على عليٍّ رضي الله [عنه] وأرضاه. وعلى هذا: فلا يلزم منه رجوعُ عليٍّ عن بَيْعِ أُمَّهات الأولاد؛ وهذا ظاهرٌ -إن شاء الله- لمن تأمَّله، ولله الحمد، فلم ينختم (٢) اختلاف الصحابة بالاتفاق. وأيضًا: فإن ابن الزبير كان يبيعهنَّ في أيامه في حدود سنة سبعين؛ بعد موت عليٍّ بثلاثين سَنَة، وهو قولُ أبي سعيد، وابن عبَّاس، وقولُ الصِّدِّيق، كما سيأتي بيانه (٣)؛ إن شاء الله.

стр. 67

فكيف يكون في المسألة إجماعٌ مِنْ الصحابة أو مِنْ غيرهم؟! وقال أبو الحسن علي بن خلف بن بطَّال (١): «والعلماءُ مُجمِعون على أنه لا يجوز بَيْعُ أُمِّ الولد وهي حامل، فإذا وضعت فهي على الأصل الذي اتفقوا عليه في مَنْع البيع، ولا يجوز الانتقال عنه إلا باتفاق آخر». قال: «وأئمة الفتوى بالأمصار متفقون على أنه لا يجوز بَيْعُ أُمِّ الولد، وإنما خالف ذلك أهلُ الظَّاهر وبِشْرٌ المرِّيسيُّ، وهو شذوذٌ لا يُلتفت إليه». ومثل كلامه في استصحابِ الإجماعِ حكاه الحافظُ أبو عُمر ابنُ عبد البَرِّ (٢)، إلا أنه عارضه بنظيره من جهة القائلين بجواز (١٩٧/ أ) البيع، وهو أنه كان يجوز بيعُها قبل أن تحمِلَ بالاتفاق، فبعد وَضْعها يجب أن يجوز استصحابًا (٣) لذلك الاتفاق الذي لا يجوز العدول عنه إلا باتفاق آخر، ولم يوجد. وأما قول ابن بَطَّال: «إنه لم يُخالِفْ فيه إلا أهلُ الظَّاهر وبِشْرٌ» فكلامٌ باطلٌ؛ لأن جماعة من الصحابة يقولون بالجواز كما سيأتي (٤). وهو قولٌ عن أبي عبد الله الشافعي في القديم، كما سيُذْكَرُ في موضعه (٥)، وليس كلُّ أهلِ الظاهر ذهبوا إليه كما قال، ولو لم يخالف في المسألة إلا الظَّاهريَّة لم ينعقدِ

стр. 68

الإجماع على أحد أقوال العلماء، ولا يضرُّهم موافقةُ بِشْرٍ المرِّيسيِّ لهم إذا كان قولهم حقًّا. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): «يحتمل أن يكون عُمرُ ﵁ بَلَغَهُ عن النبي ﷺ أنه حَكَم بعتقِهنَّ بموت ساداتهنَّ نَصًّا، فاجتمع هو وغيره على تحريم بيعهنَّ، ويحتمل أن يكون هو وغيره استدلُّوا ببعض ما ذكرنا [هـ]، وما لم نذكره مما يدلُّ على عِتقهنَّ، فاجتمَعَ هو وغيرُهُ على تحريم بيعهنَّ، فالأَولى بنا متابعتهم فيما اجتمعوا عليه قبل وقوع الاختلاف، والله أعلم». وهذا الكلام يدلُّ على أنه وقع الاتفاق على تحريم بيعهنَّ في زمان عُمر، ثم حَدَثَ اختلافٌ بعدَهُ. وكأنه ضِدُّ كلام الخطَّابي. ونَحْوَ ما سَلَكَهُ البيهقيُّ قد قال بعضُهم؛ فادَّعى إجماعًا سكوتيًّا على ذلك أيام عُمرَ بنِ الخطاب، وهو يفتقر إلى ثلاثة أشياء: أحدها: اشتهاره في الصحابة. الثاني: عدم مخالفتهم لذلك. الثالث: الدليل على كونه حُجَّة. أما الأول: فمُسَلَّمٌ؛ فإنه قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، عن زيد بن وهب، قال: «باع فينا عُمرُ أُمَّهاتِ الأولاد، ثم ردَّهنَّ حَبالى من

стр. 69

تُسْتَر» (١)، ومثل هذا يشتهر. وأما أنه [لم] (٢) يُخالَفْ؛ فغير مُسَلَّم؛ لأنه أكثر ما فيه سكوتهم، وقد يكون عن أسباب وموانع كثيرة؛ أرجاها هنا هَيبةُ عُمر ﵁ قال محمد ابن إسحاق، عن الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله، قلت لابن عباس: هلا أشرتَ بقولكَ -يعني: تَرْكَ العَوْل- على عُمرَ؟ فقال: «إنه كان رجُلًا مَهيبًا» (٣). وكذلك لما نهاهم عن مُتعة الحجِّ انتهوا (٤)، فلم تكن تُفعَل في زمانه مع أن الكتاب والسُّنَّة دالَّان عليها. وله ﵁ في هذا اجتهادٌ وعملٌ صالح، هذا مع أنَّا لا نُسلِّم أنهم سكتوا، فإنه لم ينقرض عصرُهم حتى خالفوه؛ كعليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ الزبير، وأبي سعيد.

стр. 70

وأيضًا: فقد تقدَّمه الإجماعُ في عصر الصِّدِّيق كما سيأتي (١)، وانقرَضَ في عصره، وإلى أن رأى عُمر عِتقَهُنَّ في نصف إمارته أزيَدَ من ثلاثين ألف صحابي في الغزوات، وبتقدير أنه لم يُخالَفْ في زمانه، بل سكتوا كلُّهم، وأنَّ انقراض العصر ليس بشرطٍ في صِحةِ انعقادِ الإجماع؛ فلا نُسلِّم كون الإجماع السكوتي حُجَّة، وما الدليل على ذلك؟! وهذه المسألة فيها خمسة أقوال للأصوليين، هي خمسة أوجه في مذهب الشافعي: أحدها: أنه إجماع وحُجَّة، وهو المذهب؛ قاله أبو إسحاق الشيرازي (٢) وغيره (٣). والثاني: (ق ١٩٧/ ب) لا هذا ولا هذا، وهو قولٌ للشافعي، كما سأذكره، وهو المشهور من قول الخُراسانيين، واختيار الغزالي (٤).

стр. 71

الثالث: أنه حُجَّة، ولا يُسمَّى إجماعًا (١). والرابع: إن كان صادِرًا من مُفْتٍ فهو حُجَّة، وإن كان من حاكم فليس بحُجَّة؛ لأنهم كانوا لا يرون الخروجَ عليهم، والإنكار عليهم فيما رأوه (٢) لا وَجْه له، وهذا اختيار ابن جرير (٣). وقيل: عكسه. وهو بعيدٌ، والله أعلم. الخامس: أنه حُجَّة بشرط انقراض العصر، وهو اختيارُ أبي علي الجُبَّائي (٤)، وهو قويٌّ؛ لاحتمال أن بعض المجتهدين لما بَلَغَه ذلك لم يكن نَظَرَ في المسألة، أو نَظَرَ ولكنه يحتاج إلى تَرَوٍّ، أو أدَّاه اجتهادُه إلى الوقف، أو خالف؛ ولكنه هابَ القائلَ لذلك، كابن عباسٍ مع عُمرَ في تَرْكِ العَوْلِ، وقد كان ابنُ عباس بعد ذلك يُبَاهِلُ على أنه لا يعال الفرائض، وهذا هو الأظهر في هذه المسألة، والله أعلم. والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقوله:

стр. 72

﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ فلو كان منكَرًا لا متنع سكوتُهم كلِّهم مع انقراضِ عصرهم، ولَمَّا سكتوا عن آخرهم دَلَّ على رضاهم به، وتسويغهم له. فأما مسألة أمهات الأولاد: فليست كذلك؛ لأنهم قد خالفوه فيها، كما سيأتي (١) عن عليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأبي سعيدٍ، وغيرِهم. وهذا عليٌّ ﵁ خَطَبَ الناسَ، وذكر أنه كان هو وعُمرُ قد رأيا أنَّ أُمَّهاتِ الأولاد يَعْتِقنَ بموت السَّادات، ثم رأى عليٌّ -لما وُلِّيَ- إرقاقَهنَّ، فلو كان ما تقدَّم في زمان عُمرَ ﵁ حُجَّةً لما خالفه عليٌّ، وهو أَحدُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين ﵁ ودَلَّكَ هذا على أنَّه وعُمرَ لم يَريا ذلك عن نصٍّ بلغهما عن النبيِّ ﷺ كما قاله البيهقيُّ (٢)، وإنما كان ذلك رأيًا رأوه مِنْ عند أنفسهم؛ ولهذا استجاز (٣) عليٌّ الرجوعَ عنه. وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خَلَف الباجي (٤): «مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وجماعة الفقهاء من الصحابة والتابعين: أن أُمَّ الولد لا يجوز أن يملكها غير سيدها ببيعٍ ولا هِبةٍ، ولا غير ذلك، ولا تُسلَّم في جِناية، ويضمن سيدُها الجِنايةَ.

стр. 73

والدليل على ذلك: إجماعُ الصحابة ﵃؛ روى الشَّعبيُّ عن عَبيدة السَّلماني، قال: خطبنا عليٌّ فقال: رأى أبو بكر وعُمرُ عِتْقَ أُمهات الأولاد حتى مضيا، ثم رأى عُثمان ذلك، ثم رأيتُ أنا -بَعْدُ- أن يُبعنَ في الدَّين. قال عَبيدة: فقلتُ لعليٍّ: رأيُكَ ورأيُ أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمان في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك في انفرادك في الفرقة. فقَبِلَ منِّي وصدَّقَني». كذا نقل هذا الأثر! وقد رواه الشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسعيد ابن منصور من طُرق عن عَبيدة (١)، وليس في شيءٍ منها ذِكْرُ أبي بكر، بل ولا تُعرف في شيءٍ من الروايات، وكذا زيادة قول عَبيدة: «فقَبِلَ منِّي وصدَّقني» لا يُعرف أيضًا. وأما حكايته عن الشافعي أنها لا تُباع، فعن الشافعي في هذه المسألة أربعة أقوال، قال المُزني في «مختصره» (٢): «قَطَعَ الشافعيُّ في خمسةَ عَشَرَ كتابًا بعِتق أُمَّهاتِ الأولاد، ووقف في غيرها». هذان قولان، وحكى الغزاليُّ (ق ١٩٨/ أ) وغيرُه عن القول القديم أنها تُباع مطلقًا، وعن كتاب «المَنَاصيص» (٣) أنها تُباع حياةَ سيدِها، وتَعْتِق بموته.

стр. 74

وحكايتُهُ الإجماعَ على أن جنايتها مضمونةٌ على سيدِها غيرُ مُسَلَّم؛ فقد حكى القاضي عبدُ الوهَّاب في كتاب «الإشراف» (١) الخلافَ في ذلك عن أبي ثَور. وقال الغزاليُّ في «الوسيط» (٢): «مذهب العلماء قاطبةً في هذه الأعصار أنَّ مَنْ استولد جاريتَهُ عَتَقَتْ عليه بموته، ولم يجز بيعُها قبل الموت، وللشافعي قولٌ قديم -وهو مذهب عليٍّ-: أنه يجوز البيعُ، فإن لم يتَّفق عَتَقَتْ بالموت. وقيل: معنى قول (٣) القديم: أنها لا تَعْتِق، بل الاستيلاد كالاستخدام بإرضاع الولد. لكنِ اختلف الأصحابُ في أنه لو قضى قاضٍ ببيع أُمَّهات الأولاد هل يُنْقَضُ قضاؤه؟ وكأنهم يرون الاتفاقَ بعد الاختلاف قاطعًا أثرَ الخلاف (٤)». هذا كلامه! وهو ظاهرٌ في حكاية إجماعٍ بعد خلافٍ، وفيه نِزاع لو كان الإجماع قوليًّا، والصحيحُ أنه لا يُعدُّ إجماعًا، بل الغزاليُّ ممن اختار امتناعَ ذلك (٥) تَبَعًا للإمام أحمد (٦)، وأبي الحسن الأشعري (٧)؛ كذا حكاه عنه الإمامُ

стр. 75

جمال الدين أبو عَمرو بن الحاجب في «مختصره» (١)، وقال هو في هذه المسألة: «والحق أنه بعيد إلا في القليل؛ كالاختلاف في أُمِّ الولد، ثم زال». هذا لو كان الإجماعُ المحكيُّ قوليًّا، فكيف وما هو إلا سُكوتي؟! والغزاليُّ ممن اختار أنه لا يُعدُّ إجماعًا، ولا حُجَّةً، كما تقدَّم (٢)، وقد قال الإمام أبو عبد الله الشافعيُّ في «رسالته المِصرية» (٣): «ما لم يُعلم فيه خِلاف فليس إجماعًا». وقال في «مختلف الحديث» (٤): «لم يدَّعِ الإجماعَ -فيما سوى جمل الفرائض التي كُلِّفَتْهَا العامَّةُ- أحدٌ من الصحابة ولا التابعين، ولا القرنِ الذين بعدهم، ولا القرن الذين يلونهم، ولا عالمٌ علمته على ظهر الأرض، ولا أحدٌ نسبته عامَّةٌ إلى عِلم، إلا حديثًا من الزمان».
следующие страницы →