← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11750

شرح شافية ابن الحاجب - ركن الدين الاستراباذي

ركن الدين الأستراباذي

Полный текст (1 184 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول المقدمة: أحمد الله حمد الشاكرين وأصلّي وأسلّم على المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فقد خرجتُ من بعض قراءاتي في مجال العربية وفنونها -في مرحلة الماجستير- بانطباع أثار دهشتي واستثار شفقتي وغيرتي؛ إذ وقفت على عالم مُحقق مدقق، لا يقل عن أشهر النحاة تمكنا ورسوخ قدم في مجال لغتنا العربية وآدابها -تأليفًا وشرحًا- قد غُمِطَ حقّه، وأُهمل ذكره، فلم يحظ من جانب من أتوا بعده من المؤلفين والمعنيين بكتابة السير والتراجم إلا بأسطر قليلة لا تكاد تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، بالغرم مما قدمه للغة الضاد من أياد بيض، وما أسهم به في إثراء المكتبة العربية من مصنفات خطية ظلت حبيسة جدران دور الكتب والمكتبات قرابة ثمانية قرون، ألا وهو عالم أستراباذ الجليل ركن الدين الحسن بن محمد الأستراباذيّ، النحويّ، اللغوي، الأديب المتوفّى "٧١٥هـ": حسنة طَبَرَستَانَ وَأوْحَدُ ذلك الزمانِ، على حدِّ تعبير ياقوت الحموي ﵀. وعندما عقدت النيّة لإعداد رسالة لنيل درجة العالمية العالية الدكتوراه استخرت الله العلي القدير في أن أجعل من ركن الدين موضوعًا لرسالتي، ومن جهوده النحوية والصرفية محورًا يدور

стр. 2

حوله بحثي ودراستي. وقد ارتأيت أن أشفع دراستي هذه بإخراج واحد من أهم كتبه إلى دائرة الضوء، إتمامًا للفائدة من جانب وإبرازًا لجهوده في الميدان الصرفي من جانب آخر، ليكون موضوع الرسالة: "ركن الدين الحسن الأستراباذيّ وجهوده النحوية والصرفية، مع تحقيق كتابه شرح شافية ابن الحاجب". وقد نوقشت الرسالة في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام "١٩٩٢م" ونال بها صاحبها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى. وقد ارتأيت الآن -وأنا بصدد نشر الرسالة- أن أفصل بين قسميها جاعلًا كل قسم منهما في كتاب مستقلّ؛ الكتاب الأوّل وسمتهُ بـ"ركن الدين الحسن الأستراباذيّ وجهوده النحوية والتصريفية". والكتاب الثاني جعلته خاصًّا بتحقيق كتابه: "شرح شافية ابن الحاجب" ودراسته. وها هو الكتاب الثاني، وقد جعلته في قسمين؛ القسم الأول خاصّ بالدراسة وفيه فصلان يسبقهما تمهيد؛ تحدثت في التمهيد عن عصره وحياته العلمية. وفيه ألقيت الضوء على الحالة السياسية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في عصره. وجعلت الفصل الأول خاصًّا بعالمنا ركن الدين، وجعلته في مبحثين: الأول "نشأته وحياته"؛ وفيه سقت ترجمة ضافية له تناولت فيها اسمه ولقبه وكنيته ومولده، ونشأته، وحياته، وموطنه، وتنقلاته، ومكانته العلمية والثقافية، ومذهبه الفقهي، وشيوخه وتلاميذه، ثم

стр. 3

انتقلت إلى المبحث الثاني فتحدثت عن آثاره وبينت الموجود منها, وأشرت إلى المفقود، وأفردت حديثًا لآثاره النحوية والصرفية التي وصلت إلينا. وجعلت الفصل الثاني للكتاب المحقّق، فجاء في مبحثين: أولهما لدراسة الكتاب، والثاني لتوثيقه والحديث عن مخطوطاته وبيان منهجي في تحقيقه. وأما القسم الثاني فهو خاص بتحقيق الكتاب. وختمنا الكتاب بمجموعة الفهارس الفنية اللازمة لتحقيق الكتاب. ولا يفوتني في هذه المقّدمة أن أشير إلى نقطة مهمة، تتعلق بعالمنا ركن الدين، حيث يلتبس الأمر على كثير من الناس فيظن أغلبهم أن ركن الدين ورضي الدين شخص واحد، معتمدين على أن كلًّا منهما قد شرح مقدمتي ابن الحاجب.

стр. 4

وأبادر فأقول: إن ركن الدين الأستراباذي ليس هو رضي الدين الأستراباذي، ولا يجمع بين العَلَمين سوى نسبتهما إلى بلدهما "أستراباذ" من بلاد فارس وما وراء النهر، تلك البقعة العلمية الحافلة بالعلماء، والتي أخرجت خلقًا كثيرين من أهل العلم في كل عصر. وبعد: فها أنذا أقدم هذا الكتاب إلى كل من يهمه البحث في اللغة العربية وعلومها، وآمل أن أكون قد وفقت في إخراجه على الوجه المرجوّ؛ فإن كنت قد وفقت فيما سعيت إليه فذلك من توفيق الله عز شأنه وتجلت مشيئته، وإن كانت الأخرى فحسبي أني قد حاولت وكنت صادق العزيمة. وأختم كلمتي هذه بأن أضرع إلى الله العليّ القدير ... داعيًا أن يوفقنا للعمل لوجهه الكريم في كلّ ما هو خير للإسلام والمسلمين واللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم ... إنه سميع مجيب. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. د. عبد المقصود محمد عبد المقصود الرياض: التاسع من شهر صفر ١٤٢٥هـ

стр. 5

الدراسة: ركن الدين الأستراباذي: حياته وآثاره التمهيد: عصر ركن الدين الأستراباذي أ- الحالة السياسية في عصره: شهد بداية القرن السابع الهجري مولد عالم جليل من علماء الدولة الإسلامية هو: ركن الدين الحسن بن أحمد الأستراباذي النحوي اللغوي الأديب. عاش في عصر١ كان العالم الإسلامي آنذاك يموج بالفتن والقلاقل والاضطرابات ويعمه الخراب والدمار؛ حيث كان أكثره تحت سيطرة المغول سلالة جنكيز خان، حيث امتد سلطان هؤلاء المغول فيه من حدود الهند شرقا إلى سوريا غربا وسيطروا سيطرة كاملة، فيما عدا فترات قصيرة كانت السيادة المؤقتة في فارس والعراق للفرس والترك. وكانت العراق وفارس في سلطة الدولة الألخانية، وهي مغولية ثم صارت الأمور إلى الدولة التيمورية، وهي مغولية أيضًا، وتخلل ذلك فترات صارت الأمور فيها إلى دولتين فارسيتين: "الجلابرية، والمظفرية" وأخريين تركيتين هما: "القراقيونلية، والأقاقيونلية".

стр. 6

وكانت تركستان وأفغانستان في قبضة الشغطائية، ثم صارت الأمور إلى التيمورية، وكلتاهما مغولية١. والذي حدث أن هؤلاء التتار٢ قد زحفوا كالجراد بقيادة جنكيز خان على أواسط آسيا وغربها منذ عام ٦٠٦هـ، فملكوا كثيرًا من البلاد، وقتلوا ما لا يحصى من أهلها حتى بلغوا خراسان فانتزعوها من ملكها خوارزم شاه عام ٦١٧هـ، بعد أن أفنوا عددًا كبيرًا من مسلميها، ثم عبروا نهر جيحون، وقصدوا مدينة بلخ، وساروا إلى نيسابور فملكوها لضعف أهلها عن مقاومة هؤلاء التتر الكفرة المخربين, وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم وسبوا نساءهم وخربوا المنازل، ثم سارت طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كما فعلوا بغيرها وخربوها، ولم يسلم من شرهم وفسادهم شيء، كما قال المؤرخ ابن الأثير٣.

стр. 7

وبعد جنكيز خان جاء حفيده هولاكو خان، فاتجه إلى الدولة العباسية ومقرها بغداد وذلك في سنة ٦٥٤هـ، وفي طريقه عرج على قلعة الموت ففتحها، وأخذها منهم، وقتل من فيها ثم استولى على الريّ، ثم عرج على مدينة بخارى، وكذلك مدينتي سمرقند وبلخ فأحدث بها وبأهلها من الدمار والهلاك والخراب ما أحدث بغيرها، ثم قصد بغداد سنة ٦٥٦هـ، فمكن له الوزير الشيعي ابن العلقمي١ وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله٢ من دخول بغداد والاستيلاء عليها وزلزلة الأرض تحت أرجل الخليفة المستعصم٣ وذلك نظرًا للخلاف الذي كان قائمًا بينه وبين الخليفة، أو لنقل: الخلاف الكبير الذي كان قائمًا آنذاك بين الشيعة وأهل السنة, فلما استولى هولاكو على بغداد أباحها لجنده أربعين يومًا، وقتل منها، كما يقول بعض المؤرخين ما يقرب من مليوني مواطن، وخرب عمرانها، ورمى كتبها في نهر دجله٤. وقد وصف سير توماس أرنولد ما قام به المغول من ضروب الوحشية في غزواتهم للبلاد الإسلامية بقوله: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد هولًا من غزوات

стр. 8

المغول؛ فقد انسابت جيوش جنكيز خان انسياب الثلوج من قُنن الجبال واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدنية وثقافة، ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية، وكانت تقوم فيها قبل ذلك القصور الفخمة المحاطة بالحدائق الغناء والمروج الخضراء، فبعد أن تحول جيش المغول عن مدينة هراة خرج أربعون من أهلها من مخبئهم فرارًا من الموت، وكان هؤلاء التعساء هم البقية الباقية من سكانها الذين كان يربو عددهم على المائة ألف، ووقفوا مهطعين مقنعي رءوسهم يبكون أطلال مدينتهم، وقد أخذ الهلع والفزع من نفوسهم كل مأخذ١. والواقع أن غزو المغول للشرق الأدني سنة ٦١٧هـ هو أعظم كارثة حلت بالإنسانية. ويصف المؤرخ ابن الأثير هَوْل تلك الحادثة بهذه الكلمات: "لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارها لذكرها؛ فأنا أقدم رِجلًا وأؤخر أخرى، ومن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، إلا أنني حدثتني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال

стр. 9

قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم إلى الآن لم يتبلور بمثلها لكان صادقًا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فهذه الحادثة استطار شررها وعم ضررها، وصارت في البلاد كالسحاب استد برتهُ الريحُ"١.

стр. 10

ب- الحالة الاقتصادية والاجتماعية في عصره: قلنا إن هجوم التتار على المجتمع الإسلامي كان هجوما مدمرًا ومخربًا اجتاح كل شيء أمامه من أخضر ويابس: خربوا الحضارات، وهدموا القصور والمنازل، وفتشوا البيوت وأخذوا ما فيها من أموال وغيره، وشردوا أهلها، وأصبح المجتمع الإسلامي الخاضع لسيطرتهم يعاني من أزمات طاحنة، وتدهورت حالة أفراده الصحية وغير الصحية، وعم هذا المجتمع الخراب والدمار. أما عن حال المجتمع الإسلامي في مصر وشبه الجزيرة العربية، ذلك المجتمع الجديد الذي وفد إليه علماء المشرق الفارون من وجه التتار، ذلك المجتمع الذي وقاه الله شر هجمات التتار المخربين، فكان الوضع فيه مختلفًا؛ حيث كان أكثر غنى وثراء ولكنه كان مُقسمًا إلى طبقات اتسعت الهوة بينها؛ فهناك طبقة رجال الدولة،

стр. 11

وهي الطبقة المرفهة المنعمة، وهي طبقة سلاطين المماليك والأمراء وأتباعهم من جند المماليك، وهناك طبقة التجار، ثم طبقة الباعة، ثم طبقة الفلاحين، ثم طبقة الفقراء، وهم جُلُّ الفقهاء وطلاب العلم، ثم طبقة الحرفيين والأجراء، ثم طبقة المتسولين١. هذا وقد انتشر التصوف في المجتمع الإسلاميّ بعد سقوط بغداد وتعددت الطرق الصوفية وانتشرت انتشارًا عريضًا، وتغلغلت في أوساط الشعب والخاصة على السواء، وتعددت أسماؤها وأسماء رجالها وشيوخها، وشاعت فلسفة احتقار الدنيا في كتابات العلماء ورجال الدين والكُتاب، ورجال الأدب. والتصوف في صورته الاجتماعية مظهر من مظاهر الانصراف عن الحياة الدنيا لحقارتها وخستها، كما يقول تاجُ الدين السُبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ٢، والإحساس بحقارة الحياة الدنيا يتزايد في أوقات الشدة والضيق، ولا شك أن ما كان فيه العالم الإسلامي آنذاك هو أقصى درجات الشدة والضيق٣.

стр. 12

جـ- الحالة العلمية والفكرية والثقافية في عصره: ظلَّت بغدادُ زُهاء خمسة قرونٍ العاصمةَ الروحيَّةَ والفكرية للمسلمين قاطبة ولكل الناطقين بلغة الضادِ، ينزِح إليها العلماء من أبناء الأوطان الأخرى يشهدون حلقاتها ودروس علمائها ومناظرات أدبائها ومحاورات ظرفائها، ومسابقات شعرائها، ومفاكهات أئمة المجالس فيها، وامتلأت مكتباتها ودور كتبها بذخائر علمية نفيسة، وأصبحت بغدادُ -بحق- دارة العلم وهالة الأدب -كما يقال- واستمرت على هذه الحال إلى أن وقعت فريسة في يد التتار في عام ٦٥٦هـ -كما قلنا- ففرقوا أهلها وقتلوا علماءها وشردوا من نجا منهم من القتل، وألقوا بكتبها في نهر دجلة. وعندما اكتسح التتارُ الممالك الإسلامية خربوا الحضارات، وهدموا العمارات، وكانت هذه العمارات نتيجة حضارة قرون، وكانت الكتب التي ألقوا بها في نهر دجلة نتيجة ثقافة قرون, والحضارات والعلوم إنما تبنى على ما قبلها، وتؤسس على ما سبقها، وهي كالماء للنبات الغض فإذا حرم النبات الغض الماء ذبل وجف بعد قليل، وكذلك كان العلم والحضارة الإسلاميان، هذا فضلًا عما أصيبت به الثقافة من نكبات للعلماء، فإذا بقي شيء من العلم فقليل يكفى للتقليد ولا يبعث على التجديد١. وبعد هذه الكارثة العظيمة التي حلت ببغداد وبخارى ونيسابور والري وسمرقند وبلخ، وغيرها من مدن العلم والأدب، انتقل العلم وانتقلت مراكزه إلى القاهرة، وأصبحت القاهرة خليفة بغداد، وعُقد لها لواء الزعامة الفكرية والثقافية منذ منتصف القرن السابع الهجري

стр. 13

وتوافد عليها علماء المشرق والمغرب من أمثال ابن خلكان الإربلي، وابن مالك الأندلسي، وابن منظور الإفريقي، وابن خلدون المغربي، وغيرهم. وقد شعر علماء ذلك العصر بنقص الكتب في أيامهم، فقال الإمام السيوطي في المزهر١ بعد ذكر حكاية الصاحب بن عباد، لما دعي للذهاب إلى بعض الملوك فاعتذر بمشقة الانتقال؛ لأنه يحتاج إلى ستين بعيرًا ينقل عليها كتب اللغة التي كانت عنده: "وقد ذهب جُلٌ الكتبِ في الفتن الكائنة بين التتر وغيرهم؛ بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا يجيء حمل جمل واحد". وإذا كان السيوطي ﵀ يبالغ في ذلك إلا أنه إن دل على شيء فإنما يدل على مقدار قلق العلماء لضياع الكتب بالفتن، ويدل أيضا على كثرة الكتب التي ضاعت، سواء بالحرق أو بإلقائها في نهر دجلة. وكان إحراق الكتب قد بدأ في المملكة الإسلامية قبل ذلك بسبب التنازع بين الفرق الإسلامية؛ فكل فرقة تحاول إحراق كتب الأخرى؛ كإحراق السلطان محمود الغزنوي لكتب المُعتزلة، وناهيك عمّا أحرق من كتب العلماء المتهمين بالزندقة والفلسفة، وهي كثيرة، ولعل بينها ما ليس مثله بين ما بقي كما قال جرجي زيدان٢. أما التتار فبالغوا في الإحراق والتخريب؛ قال ابن تغري بردي: "وخربت بغداد الخراب العظيم، وأُحرقت كتبُ العلم التي كانت بها

стр. 14

في سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا، قيل: إنهم بنوا بها جسرًا من الطين والماء عوضًا عن الأجر١. وإذا كان الغزو المغولي للشرق الأدني قد نتج عنه ذلك الركودُ العلمي والأدبي، إلا أنه كان ركودًا مؤقتًا؛ حيث أخذ النشاط يدب في هذين الميدانين، وذلك بعد أنْ استقر المغول في البلاد التي فتوحها؛ ويرجع ذلك إلى أن بعض المؤلفات العلمية قد نجت من أيدي المغول وبخاصة ما كان منها في المدن الجنوبية من البلاد الخوارزمية. ثم أخذ المغول يتقبلون آراء المسلمين وأفكارهم، ورغبوا تدريجيا في اعتناق المدنية الإسلامية. ليس هذا فحسب، بل وجدنا الكثيرين من سلاطينهم قد اعتنق الإسلام، مثل أبغا بك، وغازان، وأبي سعيد وغيرهم، وبرز كثير من العلماء والأدباء بفضل تشجيع المغول لهم، ومن أشهر هؤلاء في عهد هولاكو العلاّمة نصير الدين الطوسيُّ أستاذ ركن الدين الأستراباذي. وقد امتاز الطوسيُّ بأبحاثه في علم الفلك فشجعه المغول وبنوا له مرصدا عظيمًا في مراغة بأذربيجان، ومكتبة بجانبه, يقال إنها كانت تحوي أربعمائة ألف من المجلدات. وقد امتاز الطوسيُّ أيضًا بمؤلفاته القيمة في الجبر والهندسة والطبيعة والحكمة والأخلاق وآلات الرصد، كما اشتهر بترجمة كثير من الكتب اليونانية في مختلف العلوم، وكان من أكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا.

стр. 15

وقد حاول الطوسيُّ جاهدًا أن ينقذ حياة أكبر عدد من العلماء وأن يحفظ أكبر عدد من الكتب الباقية، لذلك اتخذ من مرصد مراغة حجة لجمع الجم الغفير من العلماء وحمايتهم من القتل، واستخلاص الكتب وحفظها والعناية بها، وكان من نتيجة ذلك أن انقلب الأمر وعاد المغول بعد ذلك مسلمين منافحين عن الإسلام. ونبغ في هذا العصر علماء كثيرون من بينهم: ابن مالك "ت ٦٧٢هـ"، ومحي الدين النووي: "ت ٦٧٦هـ"، ورضي الدين الأستراباذي: "ت ٦٨٦هـ"، وجمال الدين بن منظور الإفريقي: "ت ٧١١هـ"، وركن الدين الأستراباذي: "ت ٧١٥هـ", وابن آجروم الصنهاجي "ت ٧٢٣هـ", وأبو حيان "ت ٧٤٥هـ"، وتقي الدين السبكي: "ت ٧٥٦هـ"، وابن خلدون المغربي المتوفى سنة ٨١٨هـ، ومجد الدين الفيروزابادي المتوفى سنة ٨١٧هـ. وغيرهم. وبالجملة يمكن القول بأنه بالرغم مما حَلَّ بالأمصار الإسلامية من خراب ودمار على أيدي التتار، فإنّ سند التعليم كان لا يزال قائمًا كما قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى١.

стр. 16

د- الحياة الدينية في عصره: كانت الحياة الدينية في بلاد المشرق العربي آنذاك أوفر حظًّا من غيرها من الحَيَوات؛ نظرًا لأن المماليك كانوا يدينون بالدين الإسلاميّ وكانوا يعرفون مدى تأثير الروح الدينية على الناس في الشرق العربي فقد أرادوا أن يتخذوا من الدين دعامة قوية يشجبون عليها كلّ مساوئهم؛ فكانوا يبالغون في الظهور بالمظاهر الدينية؛ من بناء المساجد والزوايا، والاحتفال بالأعياد الدينية وإقامة الموالد والاهتمام ببناء الأضرحة للأولياء. وكان العلماء النازحون من الأقطار الإسلامية يتفاعلون مع هذا الجو الديني ومع هذه الطبيعة الدينية، وبخاصة أن هؤلاء العلماء المضطهدين الفارين من وجه التتار، والذين كانوا يدينون بالدين الإسلامي الحنيف، كانوا متمسكين غاية التمسك بأصول دينهم ومقررات شريعتهم الإسلامية الغراء، يدافعون عن الإسلام والمسلمين وخاصة في تلك الأوقات العصيبة التي يقفون فيها أمام أعدائهم ممن لا دين لهم ولا خلاق. في ظل هذا الجو السياسي المائج بالفتن والقلاقل والاضطرابات، وفي ظل هذه الحياة الاجتماعية والاقتصادية القاسية ... وفي ظل هذه البيئة العلمية الناضجة بالتنافس المزدهرة بالتأليف الحافلة بالموسوعات عاش عالمنا الكبير، ركن الدين الحسن بن أحمد الأستراباذي، وسنرى في السطور التالية -إن شاء الله تعالى- مدى التفاعل بينه وبين بيئته مؤثرًا ومُتأثرًا.

стр. 17

الفصل الأول: ركن الدين: نشأته وحياته وآثاره المبحث الأول: نشأته وحياته أ- اسمه ونسبه: هو السيّد أبو الفضائل ركن الدين، أبو علي الحسن بن أحمد١ ابن شرفشاه٢ العلوي٣ الحسيني٤ الأستراباذي٥. تلك هي رواية العاملي، وقد اخترتها من بين الروايات الكثيرة وهي مع كثرتها نراها تأتلف حينًا وتختلف أحيانًا؛ فتارة تقف عند الأب، وأخرى تقف عند الجّد الأوّل، وثالثة تقف عند الثاني من الأجداد، وهي بين هذه وتلك تضطرب اضطرابًا شديدًا، ولا تكاد تستقر على حال حتى تفجأنا باختلاف يسير أو كثير في صيغ الأسماء وفي الكُنَى والألقاب إلى آخر ما هنالك من خلاف. والآن -وبعد هذا الإيجاز- آن لنا أن نُدْلِفَ إلى بيان الروايات حسب الترتيب الزمني.

стр. 18

اضطراب الروايات في زاوية الأسماء وما يتعلق بها من الكنى والألقاب: ١- فياقوت الحموي "ت ٦٢٦هـ" وهو أقرب المؤرخين زمنًا إلى ركن الدين، بل عاصره في فترة من حياته، كما سنحقق ذلك عند تحقيقنا للسنة التي ولد فيها ركن الدين -إن شاء الله تعالى- أقول: إن ياقوت لا يذكر إلا الكنية، ويأتي باسم الرجل واسم والده، ثم ينسبه إلى بلده أستراباذ، فيقول في معجم الأدباء١: "الحسن بن أحمد الأستراباذي "أبو علي"". وسلك مسلكه السيوطي "ت ٩١١هـ"٢، وحاجي خليفة "ت ١٠٦٧هـ"٣. وحذا حذو هؤلاء من المحدثين عمر رضا كحالة في كتابه "معجم المؤلفين"٤. ويلاحظ أن هؤلاء جميعًا لم يذكروا اللقب وهو "ركن الدين"، غير أننا رأينا حاجي خليفة "ت ١٠٦٧هـ" في موضع آخر من كشف الظنون٥ يصرح بذكر اللقب، ليس هذا فحسب، بل وجدنا الأب عنده اسمه "محمد" وليس "أحمد"، يقول: "مرآة الشفاء،

стр. 19

في الطب، للفاضل ركن الدين الأستراباذي، الحسن بن محمد١ وهو في النقل الثاني يحذو حذو بعض المتقدمين مما سنذكرهم الآن. ٢- كل أولئك قد وقفوا عند الحلقة الأولى في سلسلة النسب، فلم يذكروا الجد الأول لركن الدين، على حين نرى تاج الدين السبكي "ت ٧٧١هـ"، وهو قريب عهد بركن الدين يطفر طفرة تقف به عند الجد الثالث، فيقول: "الحسن بن شرف شاه، السيد ركن الدين أبو محمد، العلوي الحسيني الأستراباذي٢؛ حيث صرح بنسبته إلى الجد الأول "علي"، وثنى بالجد الثاني وهو "حسين"، ولم يرد ذكر الجد الثالث. فقوله "العلوي": نسبة إلى جده الأول "علي"، وقوله: "الحسيني": نسبة إلى جده الثاني "الحسين". وبماثله مسلك المقريزي "ت ٨٤٥هـ"، غير أنه قدم ذكر "الحسيني" على "العلوي"، وأتى بلفظة "الدين" بين جزأي لقب الجد الأول، فقال: "السيد الإمام العلامة ركن الدين، أبو محمد الحسن بن شرف الدين شاه الحسيني العلوي الأستراباذي٣. ويماثله أيضًا مسلك ابن حجر العسقلاني "ت ٨٥٢هـ"، غير أنه اكتفى بذكر لقب الجد الأول ولم يصرح باسمه، وكذلك لم يذكر كنية المترجم له؛ يقول: "الحسن بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي

стр. 20

ركن الدين١. ويلاحظ أن السبكي "ت ٧٧١هـ"، والمقريزي "ت ٨٤٥هـ"، وابن حجر "ت ٨٥٢هـ" قد أسقطوا الأب وهو "أحمد"، ولعلهم لم يعمدوا إلى الإسقاط، وإنما جنحوا إلى الإيجاز في سلسلة النسب، كما يحدث في كثير من الأحيان قديمًا وحديثًا ثم جاء ابن العماد الحنبلي بعد ابن حجر بما يقرب من قرنين ونصف القرن "ت ١٠٨٩هـ" فاقتفى أثره وحذا حذوه، في أحد قوليه٢، غير أنه ههنا جود الحسن من "ال". ٣- أما المجموعة الثالثة من الروايات النسبية فهي تختلف عما سبقها من روايات في اسم والد ركن الدين؛ حيث صرحت بأن اسمه "محمد" بدلًا من "أحمد"؛ يقول ابن تغري بردي "ت ٨٧٤هـ": "الشيخ الإمام العلامة السيد ركن الدين حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي٣. ويلاحظ أنه قد أسقط الكنية "أبا علي" وأيضًا جرد الحسن من "ال". وقد حذا حذوه جماعة من المتأخرين، هم: حاجي خليفة "ت ١٠٦٧هـ"، كما ذكرنا، وابن العماد الحنبلي "ت ١٠٨٩هـ"

стр. 21

في القول الآخر١. وإسماعيل باشا البغدادي "ت ١٣٣٩هـ"٢ والزركلي "ت ١٣٩٠هـ"٣، حيث جاء اسم الوالد عددهم "محمدًا" بدلًا من "أحمد". ليس هذا فحسب، بل وجدنا البغدادي "ت ١٣٣٩هـ" يضيف لقبًا أمام الوالد محمد؛ حيث يقول: "ركن الدين، الحسن بن رضي الدين محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي الشافعي"٤. هذه زاوية من زوايا اضطراب الروايات في اسم ركن الدين ونسبه تمخضت عن تقسيمها ابتداء إلى مجموعات ثلاث، بعد أن انتهجنا فيها المنهج التاريخي، وسنتناول بقية الزوايا بالمقارنة والتحليل بعد أن نفرغ من متعلقات هذه الزاوية التي تتصل بأسماء الآباء؛ أعني اسم الوالد:

стр. 22

أحمد هو أم محمد: جاء في سلسلة النسب -كما رأينا- تارة لفظ "أحمد"، وأخرى لفظ "محمد"، وذلك في اسم والد ركن الدين، وثالثة أسقط ذكره، فأيهما هو الصحيح؟ وأبادر فأقول: إن والد ركن الدين هو "أحمد"، فيما أرجح، فإن قيل ما السبيل إلى هذا الترجيح؟ قلنا إن أول من ترجم لركن الدين هو ياقوت الحموي "ت ٦٢٦هـ"، وقد عاصره حيث ترجم له في حياته، ثم توفي ياقوت وعمر ركن الدين بعده إلى أن توفي سنة ٧١٥هـ، ولا يستبعد أن يكونا قد تقابلا في الفترة التي تعاصرا فيها، ولا شك أن ترجمة المعاصر لمعاصره أكثر ضبطًا وتأكيدًا من ترجمة المتأخرين. وجاء السبكي "ت ٧٧١هـ" بعد وفاة ركن الدين بقليل، فلم يذكر اسم والد الركن، لعله لم يقف عليه، أو ربما يكون قد أسقطه اختصارًا، ثم جاء بعده بقليل المقريزي "ت ٨٤٥هـ" فحذا حذوه ولم يذكره, وهذا عين ما فعله ابن حجر "ت ٨٥٢هـ" الذي عاصر المقريزي. لكنا وجدنا ابن تغري بردي "ت ٨٧٤هـ" الذي عاصر ابن حجر والمقريزي يعز عليه أن يسقط الوالد من سلسلة النسب فأتى بلفظة "محمد" ربما لم يطلع على معجم الأدباء وما ذكره فيه ياقوت "ت ٦٢٦هـ"، وربما جاء بهذا الاسم من مصدر مشكوك فيه. ثم جاء حاجي خليفة "ت ١٠٦٧هـ" وتابه ابن تغري بردي في ذلك في أحد قوليه -كما ذكرنا- وأيضًا حذا حذو ابن تغري بردي: ابن العماد "ت ١٠٨٩هـ" وإسماعيل البغدادي "ت ١٣٣٩هـ"، وخير الدين الزركلي "ت ١٣٩٠هـ". ولكن السيوطي "ت ٩١١هـ" يأتي بعد ياقوت "ت ٦٢٦هـ" بنحو ثلاثة قرون لكي يتبنى ما قاله ياقوت ويصرح بأن والد ركن الدين اسمه "أحمد"، يقول: "الحسن بن أحمد الأستراباذي أبو علي اللغوي الأديب الفاضل، أوحد زمانه، شرح الفصيح والحماسة. قاله ياقوت١. ويحذو حَذو السيوطي في ذلك حاجي خليفة في القول الآخر، وكذلك كحالة في معجم المؤلفين٢، الذي يحيل من أراد الوقوف على ترجمة ركن الدين إلى معجم الأدباء٣.

стр. 23

ب- ألقابه: وردت في ترجمة صاحبنا ركن الدين الحسن الأستراباذي التي تناولتها كتب التراجم ألقاب عدة ارتبطت جميعها به، وعرف بها، وقد أطلقت عليه إما للدلالة على مسقط رأسه، وإما للإحاطة بمذهبه الديني، وإما للدلالة على مكانته العلمية، كما أن منها ما كان يطلق تيمنا وتفاؤلًا، كما أن منها ما كان يطلق للدلالة على سلسلة نسبه، وها هي ألقابه التي وقفت عليها. - ركن الدين: وهذا اللقب أثبته كثير من كتب التراجم١، حيث أثبته السبكي٢ "ت ٧٧١هـ" والمقريزي٣"ت ٨٤٥هـ" وابن حجر "ت ٨٥٢هـ" وابن تغري بردي٤ "ت ٨٧٤هـ" وحاجي خليفة٥ "ت ١٠٦٧هـ",

стр. 24

وابن العماد١ "ت ١٠٨٩هـ" وإسماعيل البغدادي٢ "ت ١٣٣٩هـ" والزركلي٣ "ت ١٣٩٠هـ". وقد حذا حَذو هؤلاء من المعاصرين -في إثبات هذا اللقب- كل من العاملي٤ وبروكلمان٥ وآلورد٦. ولعل هذا اللقب من الألقاب التي كانت تطلق على أصحابها تيمنا وتفاؤلًا شأنها شأن ألقاب أخرى كـ"بدر الدين وشمس الدين وجمالد الدين وكمال الدين وزين الدين" ونحوها. - السيد: وهذا اللقب أثبته السبكي٧ وتابعه في ذلك المقريزي٨ ثم ابن تغري بردي٩، ثم جاء بعد ذلك ابن العماد١٠ ثم العاملي١١ وأثبتوا هذا اللقب. - العلوي:

стр. 25

نسبة إلى جده الأدنى علي بن الحسين الملقب بشرف الدين شاه١ وهذا اللقب أثبته السبكي٢، وتابعه المقريزي٣، وأثبته من المحدثين العاملي في أعيان الشيعة٤. - الحسيني: وهذا اللقب نسبة إلى جده الأعلى الحسين الأستراباذي. وهذا اللقب أثبته المؤرخون الثلاثة الذين أثبتوا لقب "العلوي" في الفقرة السابقة، يضاف إليهم ابن تغري بردي٥، وابن العماد٦ وإسماعيل البغدادي٧. وخير الدين الزركلي٨. - الأستراباذي: وهذا اللقب نسبة إلى مسقط رأسه "أستراباذ". وسوف نفرد لها حديثًا يخصها. - الشافعي: وهذا اللقب نسبة إلى مذهبه الفقهي، وقد صرح به إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين٩.

стр. 26

جـ- كنيته: يكنى ركن الدين بثلاث من الكنى، هي: أبو الفضائل، أبو علي أبو محمد، وذلك على النحو التالى: - أبو الفضائل: وهذه الكنية تدل على مكانة ركن الدين العلمية وأنه جمع الكثير من الفضائل؛ فهو إمام متقدم علامة في علوم اللغة والأدب، وأيضًا علّامة في العلوم العقلية والنقلية، وغيرها. وهذه الكنية أثبتها العاملي في أعيان الشيعة١، وجاءت أيضًا في فهرس دار الكتب٢ عند الحديث عن شرح الشافية لركن الدين؛ حيث جاء ما نصه: "شرح الشافية، لأبي الفضائل ركن الدين الحسن بن محمد بن شرف شاه العلوي الأستراباذي سنة ٧١٥هـ". - أبو علي: وهذه الكنية أثبتها ياقوت٣، وتابعه في ذلك الإمام السيوطي٤ وحاجي خليفة٥، وعمر رضا كحّالة٦، وهذه من الكنى التي

стр. 27

تطلق تيمنًا وتفاؤلًا؛ كان يقال لمن اسمه إبراهيم "أبو خليل" ولمن اسمه يعقوب "أبو يوسف" ولمن اسمه عمر "أبو حفص" وهكذا. - أبو محمد: وهذه الكنية أطلقها السبكي في ترجمة ركن الدين١. وتابعه المقريزي٢، ثم ابن العماد٣. ولعله كان يكنى باسم ابنه الأكبر كما يحدث في كل العصور أن يكنى الشخص باسم ابنه الأكبر، هذا ترجيح فقط؛ لأنه لم يرد نص عمن ترجموا له بقطع بذلك، ولم تذكر كتب التراجم التي ترجمت له شيئًا عن أبنائه. وبناًء على ما تقدم من ذكر اسم صاحبنا ركن الدين ونسبه وألقابه وكناه يمكننا -على وجه من الاطمئنان- أن نذكر اسمه كاملًا شاملًا لكل ما سقناه بعد تمحيصه وتجريده؛ فنقول، هو: السيد أبو الفضائل ركن الدين أبو علي -وقيل: أبو محمد- الحسن بن أحمد بن شرف الدين شاه علي بن الحسين الأستراباذي الشافعي.

стр. 28

د- أسرته: لم تذكر لنا كتب التراجم التي ترجمت لركن الدين شيئًا عن والده ويبدو أن والده لم يكن من ذوي الجاه والسلطان والمكانة العلمية المرموقة ليذكر وتتناوله الكتب، بدليل أن المؤرخين الذين أوردوه قد اختلفوا حوله؛ فبعضهم ذكره "أحمد"، وبعضهم محمدًا كما ذكرنا. ولم يرد ذكر أيضًا بشأن أولاده، غير أن بعض المؤرخين أثبت من كناه أبا محمد ورجحنا أنه اسم واحد من أولاده. أما عن جده الأدنى فهو: شرف الدين علي بن الحسن الأستراباذي١؛ جاء في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة٢ للشيخ أغابزرك الطهراني "ت ١٣١٢هـ" ما نصه: "الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة، للشيخ شرف الدين بن علي النجفي، كما ذكره في أمل الآمل، يأتي بعنوان: تأويل الآيات الطاهرة، وأنه للسيد شرف الدين علي الحسيني الأستراباذي". أما عن جده الأعلى "الحسين" فلم تقف على شيء من أخباره غير ما جاء من إثبات كتب التراجم لاسمه والنص على نسبة ركن الدين إليه؛ وذلك بإثباتها لقب "الحسيني" ضمن سلسلة النسبة.

стр. 29

هـ- ميلاده: إن كتب التراجم التي بين أيدينا والتي تُرجمت لركن الدين لا تحدثنا عن السنة التي ولد فيها، غير ما جاء في بعضها على سبيل التلميح لا التصريح. أقول: إن كتب التراجم يمكن تصنيفها بالنسبة إلى موقفها من ميلاد ركن الدين إلى ما يلي: أ- بعضها لم يتعرض لميلاده، لا بالتصريح ولا بالتلميح، وذلك هو القسم الأكبر. ب- بعضها تتعرض له بالتلميح دون التصريح؛ بأن تذكر تاريخ الوفاة ثم تذكر عمر ركن الدين حين الوفاة، فكأنها أعطتنا تاريخ الميلاد وإن لم تأت به صريحًا، مع العلم أن ثمة اختلافًا كبيرًا في ذلك بين هؤلاء المؤرخين. جـ- بعضها الآخر ورد به تصريح بتاريخ الميلاد، وذلك في القليل النارد. وإليك البيان مع اضطراب أقوال المؤرخين: أما القسم الأول الذي لم يتعرض لميلاده إطلاقًا، لا بالتصريح ولا بالتلميح، فمنهم: ابن تغري بردي، وحاجي خليفة، وإسماعيل البغدادي والعاملي، وعمر كحّالة. وأما القسم الثاني، ذلك الذي ذكر تاريخ الميلاد بالتلميح، فإليك بيان ما جاء فيه: ١- ذكر السبكي "ت ٧٧١هـ" في طبقات الشافعية الكبرى أن ركن الدين توفي سنة ٧١٥هـ عن سبعين سنة١. وتابعه في ذلك المقريزي "ت ٨٤٥هـ" في كتابه السلوك٢ ثم ابن حجر "ت ٨٥٢هـ" في الدرر الكامنة٣. فعلى هذا يكون ميلاد ركن الدين سنة ٦٤٥هـ.

стр. 30

٢- ذكر السيوطي "ت ٩١١هـ" نقلًا عن صلاح الدين الصفدي "ت ٧٦٤هـ" أن ركن الدين عاش بضعًا وسبعين سنة. وهذا يعني أنه ولد قبل سنة ٦٤٥هـ. ٣- وذكر العيني في عقد الجمان أن ركن الدين قد بلغ الثمانين, ويعني ما قاله العيني أن ركن الدين ولد سنة "٦٣٥هـ". ٤ ويضطرب ابن قاضي شهبة "٨٥١هـ"؛ حيث يذكر أنه توفي بالموصل في المحرم سنة "٧١٥هـ"، أو سنة ٧١٨هـ، عن نَيِّف وسبعين سنة، أو أنه جاوز الثمانين١، وعلى ما قاله ابن قاضي شهبة يكون ركن الدين قد ولد سنة ٦٣٥هـ، على رأي، أو ما بين هذا التاريخ و٦٤٥هـ على الرأي الآخر. ٥- وقد اضطرب أيضًا ابن العماد الحنبلي "ت ١٠٨٩هـ" في حديثه عن السنة التي توفي فيها ركن الدين، حيث إنه قد ترجم له تحت حوادث سنة ٧١٥هـ، ثم عاد فترجم له تحت أحداث سنة ٧١٨هـ، ولم يذكر شيئًا عن مولده ولا عن عمره الذي عاشه، غير أنه صرح بأنه قد شاخ٢. وهذه الشيخوخة تبدأ بعد الثمانين إلى ما لا نهاية. وأما القسم الثالث فنراه يصرح بالسنة التي ولد فيها والسنة التي

стр. 31

توفي فيها، وقد تفرد بهذا الزركلي في أعلامه؛ حيث يقول وهو بصدد ترجمته: "ابن شرف شاه "٦٤٥-٧١٥هـ": حسن بن محمد بن شرف الحسيني الأستراباذي ركن الدين"١. والزركلي من المُحدثين، حيث توفي سنة ١٣٩٠هـ، وأراه قد اختار الرأي القائل بأن ركن الدين توفي سنة ٧١٥هـ، عن سبعين سنة، ثم قام بعملية حسابية صغيرة، وهي طرح سبعين سنة من تاريخ الوفاة وهو "٧١٥هـ" فكان الحاصل أنه ولد سنة ٦٤٥هـ. لكن، وقد اضطربت الروايات التاريخية هكذا، ما الذي نرجحه بالنسبة إلى السنة التي ولد فيها ركن الدين؟ موقفنا من الروايات السابقة: أبادر فأقول: إنني لا أتفق مع كل هذه الروايات، بل أطرحها جميعًا وأرجح أن ركن الدين ولد قبل أسبق رواية قيلت بشأن مولده "وهي رواية العيني التي نستخلص منها أنه ولد سنة ٦٣٥هـ". أقول أرجح أنه ولد قبل هذا التاريخ بنحو من ربع قرن. فإن قيل من أين أتيت بهذا التحديد، وما السبيل إلى هذا الترجيح؟ قلنا: إن أسبق رواية قيلت بشأن مولده هي رواية "٦٣٥هـ"، كما ذكرنا، ثم تعددت الروايات التي نستخلص من بعضها هذا التاريخ ومن بعضها الآخر "٦٤٥هـ"، وبعضها يتأرجح بين التاريخين. فإذا كان الأمر كذلك ورجحنا واحدة من تلك الروايات التي تبدأ -عن

стр. 32

طريق عملية حسابية- بسنة "٦٣٥هـ" وتنتهى بسنة "٦٤٥هـ" فماذا نقول إذا علمنا أن ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦هـ قد ترجم لركن الدين موضوع البحث، حيث جاء في معجم الأدباء "٨/ ٥" ما نصه: "الحسن بن أحمد الأستراباذي، أبو علي: النحوي، اللغوي, الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان، وله من التصانيف: كتاب شرح الفصيح، وكتاب شرح الحماسة". فإن قيل: قد يكون المراد عند ياقوت شخصًا آخر غير الحسن بن أحمد الأستراباذي موضوع البحث؟ أقول: إنني وضعت هذا الاحتمال أمام عيني وذهبت لأستشير كل كتب التراجم، وأبحث عن علماء أستراباذ المتقدمين والمتأخرين، الشافعية والشيعة، ممن سبقوا عالمنا بقليل ولهم شرح الحماسة والفصيح، ولكنني بعد جهد جهيد زال ما في نفسي من شك وتأكدت من أن المراد عند ياقوت هو عالمنا المترجم له، وأن ركن الدين هذا قد شرح الفصيح والحماسة, وقد نصت كتب التراجم التي أتت بعد وفاته على أنه شرح هذين الكتابين من بين مؤلفاته، وقد نقل السيوطي "ت ٩١١هـ" ترجمته عن ياقوت "ت ٦٢٦هـ"، وجاء كحالة بعد ياقوت بما يقرب من ثمانية قرون لينقل ترجمة ركن الدين عن ياقوت أيضًا ويحيل إلى معجم الأدباء "٨/ ٥" من بين كتب التراجم التي أشار إليها. لذا أرى أن ركن الدين قد عاصره ياقوت "ت ٦٢٦هـ" في

стр. 33

شطر من حياته، وكان ركن الدين شابًا يافعا عرف عنه النبوغ المُبكر في عصره وطارت شهرته، وأنه قد شرح هذين الكتابين في وقت مبكر من حياته، ربما لا يكون قد بلغ العشرين من عمره آنذاك، وهما أول مصنفاته، وصل ذكره وذكر كتابيه إلى ياقوت فترجم له قبل وفاته، وكان ركن الدين لا يزال شابا في مقتبل العمر فأثار ذلك إعجاب ياقوت، وقال عنه: "حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان". ثم توفي ياقوت سنة "٦٢٦هـ" وكان ركن الدين لا يزال آنذاك حيا، بدليل أن ياقوت لم يذكر تاريخ وفاته ولا حتى مولده. وأرى كذلك أن أصحاب الروايات السابقة التي حددت تلميحًا سنة ميلاده لم يكونوا قد اطلعوا على ترجمة ياقوت له، وإلا كانوا قد رجحوا ما رجحناه. ويؤيد ما رجحناه أيضًا بشأن ميلاد ركن الدين وأنه كان من المعمرين ما قاله ابن العماد الحنبلي؛ حيث نص على أن ركن الدين "قد شاخ"١. ومرحلة الشيخوخة -كما نعلم- تبدأ من بعد الخمسين إلى ما لا نهاية٢، وليس بغريب في أي زمن أن يعيش المرء "١١٥" عامًا، أو "١٢٠" عامًا أو نحو ذلك، وعلى هذا يكون ركن الدين قد ولد سنة ٦٠٠هـ، أو حول هذا التاريخ، وهذه

стр. 34

نتيجة قد سلكنا في إثباتها سبيل الظن والترجيح، وذلك بعد معايشة تامة لكتب التراجم جميعها، وبعد جهد جهيد في تقصي أخبار ركن الدين والوقوف على ترجماته. ومما استرعى انتباهي أثناء تَجوالي وتَطوافي بين كتب الطبقات أنني وجدت السيوطي ﵀ ينقل ترجمته لركن الدين عن ياقوت، ويصرح بذلك عقب الترجمة، بقوله: "قاله ياقوت"١، ثم في موضع آخر يذكر نقلًا عن صلاح الدين الصفدي أن ركن الدين عاش بضعا وسبعين سنة, ولم يقف أمام هذه المسألة ليحققها, ولم يلفت انتباهه أنه على ما نقله عن الصفدي يكون قد ولد بعد وفاة ياقوت, فكيف يترجم ياقوت لمن يأتي بعد وفاته؟ كان من المتوقع أن يحقق السيوطي هذه القضية غير أنه -كما عهدنا عنه ﵀ لا يكلف نفسه في كثير من الأحيان سوى عناء النقل فقط.

стр. 35

و موطنه: ونقصد بموطنه مسقط رأسه حيث ولد ونشأ وقضى طفولته وصباه حتى شب عن الطوق, وبدت عليه معالم النبوغ والتفوق. وكتب التراجم التي بين أيدينا والتي ترجمت لركن الدين لا تحدثنا عن المكان الذي ولد فيه، ولكنا نرجح أنه ولد في مدينة "أستراباذ" بفتح الهمزة وكسرها١؛ وذلك لإجماع المؤرخين على نسبته إليها. - أستراباذ: مدينة كبيرة مشهورة أخرجت الكثيرين من أهل العلم في كل فن، وهي مدينة في شمال فارس، من أعمال طبرستان في بلاد مازندران بين سارية وجرجان. وتقع بالقرب من الجانب الجنوبي الشرقي من بحر قزوين، وتبعد عن البحر من جهة الشرق ثلاثة وعشرين ميلًا، وهي على ارتفاع ٣٨٠ قدمًا على سطح البحر على سفح جبال شاهقة الارتفاع مغطاة بالغابات الكثيفة، وهي فرع من جبال البرنس، وعلى حافته واد متسع تكثر المستنقعات في كثير من أرجائه، وتقل الزراعة فيه على الرغم من خصوبته، وينتهى بصحراء التركمان الرملية "قُرَه قُمْ". ويفسر البعض معنى "أستراباذ" بمدينة النجوم؛ إذ "أستروستاره" بمعنى "نجم" في الفارسية. والبعض الآخر يفسر معناها بمدينة أو مكان البغال "أستروستر" بالفارسية: البغل؛ إذ يقال إنه لم يسكنها في أول عهدها سوى أصحاب البغال والحمير٢.

стр. 36

ونقل ياقوت عن ابن البناء أن "أستراباذ" كَورة بنسا من نواحي خراسان١. وقيل: أستراباذ كَورة بالسواد يقال لها كَرخ مَيْسان٢. وقد يطلق عليها: أستراد، وستراباذ٣. واستاراباذ٤. إلا أن الأشهر والأكثر "أستراباذ"٥.

стр. 37

ز- نشأته وحياته العلمية: إن الفترة الأولى من فترات حياة ركن الدين يكتنفها غموض تام، بل هي مجهولة تمامًا, إذ إن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن مولده أو نشأته الأولى، أو حياته حتى سنة "٦٦٧هـ" وهي السنة التي رحل فيها إلى مراغة بأذربيجان، ويبدو أنه بدأ حياته بدراسة القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية بأستراباذ وبعد أن حَصَّل كل ما يمكن تحصيله في موطنه، تاقت نفسه إلى المزيد من العلم فرحل إلى مراغة سنة ٦٦٧هـ، حيث كانت مراغة آنذاك مركزًا هاما من مراكز العلم والثقافة خاصة بعد سقوط بغداد. وفي مراغة التقى بالعلامة نصير الدين الطوسي وعمل تحت لوائه وتتلمذ عليه وصار من أكبر تلاميذه حتى عينه الطوسي معيدًا في حلقته، وذلك بعد أن حصل منه علومًا كثيرة١ يقول ابن رافع في "ذيل تاريخ بغداد": "قدم مراغة، واشتغل على مولانا نصير الدين وكان يتوقد ذكاء وفطنة، وكان المولى قطب الدين حينئذ في ممالك الروم، فقدمه النصير، وسار رئيس الأصحاب بمراغة، وكان يجيد دروس الحكمة"٢. وقد كان نصير الدين الطوسي هذا من أبرز علماء المسلمين في عصره في بلاد خوارزم شاه، وطارت شهرته في الآفاق، وكانت شهرته في جميع العلوم، وخاصة في الهيئة والفلك والنجوم والأرصاد، وكانت شهرته في علم النجوم والرصد قد بلغت مسامع

стр. 38

هولاكو، فأراد أن يكون هذا العالم الجليل ضمن حاشيته، ليستعين به وبخبرته في النجوم، فاحتل مكانة مرموقة عنده، وحيث إنه برع في العلم الذي يهتم به سلاطين المغول، وهو علم الرصد والنجوم، فكان هولاكو يطيعه ويضع الأموال الطائلة تحت تصرفه، فاستغل الطوسي ذلك وأرسل إلى علماء المشرق والمغرب يدعوهم إلى مراغة وابتنى لهم فيها مرصدًا كبيرًا، ومكتبة ضخمة بلغت محتوياتها زهاء "٤٠٠.٠٠٠" مجلد من المخطوطات معظمها من المنهوبات من خزائن بغداد والشام والجزيرة العربية. وكان ركن الدين واحدًا ممن لبوا دعوة الطوسي للتلمذة عليه، والعمل تحت لوائه في الميدان العلمي. وكان ركن الدين مبجلًا عند التتار وجيهًا متواضعًا، يقال إنه كان يقوم لكل واحد حتى للسقاء، وتخرج به جماعة من الأفاضل١، ٢.

стр. 39

ح- رحلاته: ١- رحيله إلى بغداد: رحل ركن الدين مع أستاذه الطوسي إلى بغداد، وذلك في عام ٦٧٢هـ، فلما مات الطوسي في هذه السنة رحل ركن الدين إلى الموصل١. ٢- رحيله إلى الموصل: ترك ركن الدين بغداد متوجهًا إلى الموصل وذلك لما مات أستاذه وفي الموصل احتل مكانة علمية مرموقة وصار عالم المَوْصل المتفرد٢ ودرس للشافعية٣ وولي التدريس بالمدرسة النورية، وبالموصل صنف غالب مؤلفاته٤ يقول السيوطي: "ولما توجه النصير إلى بغداد سنة ٦٧٢هـ لازمه فلما مات النصير في هذه السنة صعد إلى الموصل واستوطنها ودرس بالمدرسة النورية بها وفوض إليه النظر في أوقافها"٥.

стр. 40

ط- أخلاقه وصفاته: كان ركن الدين وجيهًا حليمًا متواضعًا، يقال إنه كان من شدة تواضعه يقوم لكل واحد حتى للسقاء٢. ويقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى١: "وكان جليل القدر معظمًا عند ملوك الزمان حسن السمت والطالع, حكي أنه كان مدرسًا بماردين بمدرسة هناك تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه امرأة يومًا، فسألته عن أشياء مُشْكِلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: أنت عَذَبَتُكَ٣ واصلة إلى وَسَطِكَ وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة لو علمت كل مسألة أُسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور".
следующие страницы →