ونقل ياقوت عن ابن البناء أن "أستراباذ" كَورة بنسا من نواحي خراسان١.
وقيل: أستراباذ كَورة بالسواد يقال لها كَرخ مَيْسان٢.
وقد يطلق عليها: أستراد، وستراباذ٣. واستاراباذ٤.
إلا أن الأشهر والأكثر "أستراباذ"٥.
стр. 37
ز- نشأته وحياته العلمية:
إن الفترة الأولى من فترات حياة ركن الدين يكتنفها غموض تام، بل هي مجهولة تمامًا, إذ إن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن مولده أو نشأته الأولى، أو حياته حتى سنة "٦٦٧هـ" وهي السنة التي رحل فيها إلى مراغة بأذربيجان، ويبدو أنه بدأ حياته بدراسة القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية بأستراباذ وبعد أن حَصَّل كل ما يمكن تحصيله في موطنه، تاقت نفسه إلى المزيد من العلم فرحل إلى مراغة سنة ٦٦٧هـ، حيث كانت مراغة آنذاك مركزًا هاما من مراكز العلم والثقافة خاصة بعد سقوط بغداد. وفي مراغة التقى بالعلامة نصير الدين الطوسي وعمل تحت لوائه وتتلمذ عليه وصار من أكبر تلاميذه حتى عينه الطوسي معيدًا في حلقته، وذلك بعد أن حصل منه علومًا كثيرة١ يقول ابن رافع في "ذيل تاريخ بغداد": "قدم مراغة، واشتغل على مولانا نصير الدين وكان يتوقد ذكاء وفطنة، وكان المولى قطب الدين حينئذ في ممالك الروم، فقدمه النصير، وسار رئيس الأصحاب بمراغة، وكان يجيد دروس الحكمة"٢.
وقد كان نصير الدين الطوسي هذا من أبرز علماء المسلمين في عصره في بلاد خوارزم شاه، وطارت شهرته في الآفاق، وكانت شهرته في جميع العلوم، وخاصة في الهيئة والفلك والنجوم والأرصاد، وكانت شهرته في علم النجوم والرصد قد بلغت مسامع
стр. 38
هولاكو، فأراد أن يكون هذا العالم الجليل ضمن حاشيته، ليستعين به وبخبرته في النجوم، فاحتل مكانة مرموقة عنده، وحيث إنه برع في العلم الذي يهتم به سلاطين المغول، وهو علم الرصد والنجوم، فكان هولاكو يطيعه ويضع الأموال الطائلة تحت تصرفه، فاستغل الطوسي ذلك وأرسل إلى علماء المشرق والمغرب يدعوهم إلى مراغة وابتنى لهم فيها مرصدًا كبيرًا، ومكتبة ضخمة بلغت محتوياتها زهاء "٤٠٠.٠٠٠" مجلد من المخطوطات معظمها من المنهوبات من خزائن بغداد والشام والجزيرة العربية. وكان ركن الدين واحدًا ممن لبوا دعوة الطوسي للتلمذة عليه، والعمل تحت لوائه في الميدان العلمي. وكان ركن الدين مبجلًا عند التتار وجيهًا متواضعًا، يقال إنه كان يقوم لكل واحد حتى للسقاء، وتخرج به جماعة من الأفاضل١، ٢.
стр. 39
ح- رحلاته:
١- رحيله إلى بغداد:
رحل ركن الدين مع أستاذه الطوسي إلى بغداد، وذلك في عام ٦٧٢هـ، فلما مات الطوسي في هذه السنة رحل ركن الدين إلى الموصل١.
٢- رحيله إلى الموصل:
ترك ركن الدين بغداد متوجهًا إلى الموصل وذلك لما مات أستاذه وفي الموصل احتل مكانة علمية مرموقة وصار عالم المَوْصل المتفرد٢ ودرس للشافعية٣ وولي التدريس بالمدرسة النورية، وبالموصل صنف غالب مؤلفاته٤ يقول السيوطي: "ولما توجه النصير إلى بغداد سنة ٦٧٢هـ لازمه فلما مات النصير في هذه السنة صعد إلى الموصل واستوطنها ودرس بالمدرسة النورية بها وفوض إليه النظر في أوقافها"٥.
стр. 40
ط- أخلاقه وصفاته:
كان ركن الدين وجيهًا حليمًا متواضعًا، يقال إنه كان من شدة تواضعه يقوم لكل واحد حتى للسقاء٢.
ويقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى١: "وكان جليل القدر معظمًا عند ملوك الزمان حسن السمت والطالع, حكي أنه كان مدرسًا بماردين بمدرسة هناك تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه امرأة يومًا، فسألته عن أشياء مُشْكِلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: أنت عَذَبَتُكَ٣ واصلة إلى وَسَطِكَ وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة لو علمت كل مسألة أُسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور".
стр. 41
ى- مكانته العلمية وثقافته:
كان ركن الدين ﵀ نحويا، صرفيا، لغويا، أديبا، فقيهًا. يضاف إلى ذلك أنه كان عالمًا في المنطق والطب وعلم الكلام، وله تصانيف مفيدة في كل هذه المجالات، سوف نتحدث عنها في موضعها من هذا المبحث, إن شاء الله تعالى.
وهذا يعني أنه كان على جانب عظيم من الثقافة والاطلاع. قال صاحب أعيان الشيعة: "كان تلميذ المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين، ومن أخص أصحابه ومثله في التحقيق وكان علامة في العلوم العقلية والنقلية"١.
стр. 42
وقال كحّالة في معجم المؤلفين١: "عالم مشارك في النحو والتصريف والفقه والمنطق والطب والكلام والأصول".
وسوف تبرز مكانته العلمية بصورة أوضح من خلال ما سوف نعرضه من آراء للعلماء فيه، وذلك في موضعه من بحثنا هذا إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: من أين استمد ركن الدين ثقافته؟ قلنا: إنه اشتغل على النصير الطوسي وحصل منه علومًا كثيرة، لدرجة أنه صار معيدًا في درس أصحابه.
يضاف إلى هذا أنه قد شغف بمصنفات ابن الحاجب ﵀ وعلى وجه خاص بالكافية وشرحها، وبالشافية، ومختصر ابن الحاجب في علم الأصول وهو المعروف باسم: "مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل".
ومؤلفات ابن الحاجب هذه قد طارت شهرتها وعمّت الآفاق في كل الأوقات وخاصة في عصر ركن الدين الذي هو عصر ابن الحاجب "ت ٦٤٦هـ"، فتبناها ركن الدين، وتتلمذ عليها، وصار تلميذًا لابن الحاجب بواسطة مؤلفاته هذه.
стр. 43
ك- مذهب ركن الدين الفقهي:
وعده واحدًا من أكابر علماء الشافعية، وتابعه في هذا المقريزي "ت ٨٤٥هـ"، ونص في كتابه السلوك على أنه كان مدرسًا للشافعية.
وتابعهما في ذلك إسماعيل البغدادي في كتابه هدية العارفين. يضاف إلى ذلك أنه شرح واحدًا من أهم كتب الشافعية، وهو كتاب الحاوي الصغير في فقه الشافعية للقزويني "ت ٦٦٥هـ"١.
وأيضًا نجده يستشهد بكلام الإمام الشافعي؛ حيث أورد له شاهدًا في الوافية٢ بعد أن استشهد به في البسيط٣، وهو قول الشافعي ﵀:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد٤
- صلة ركن الدين بالمذهب المالكي:
اتصل ركن الدين بالمذهب المالكي عن طريق الإمام ابن الحاجب "ت ٦٤٦هـ" حيث إن المعروف عن ابن الحاجب أنه اشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك ﵁-٥ وفيه صنف غالب مؤلفاته, ومن بينها كتابه منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل ومختصره؛ وهما كتابان في أصول الفقه المالكي. وقد تناول ركن الدين هذا المختصر الأصولي بالشرح،
стр. 44
وسمي شرحه: حل العقد والعقل في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل. ومن هنا جاء اتصال عالمنا ركن الدين بمذهب الإمام مالك ﵀.
- اتصاله بالشيعة:
إن أحدًا لم يذكر إن ركن الدين الأستراباذي كان متشيعًا؛ بل كان الرجل سلفيا من أهل السنة يتبع مذهب الإمام الشافعي كما ذكرنا. إذن فمن أين جاء اتصاله بالشيعة؟
أقول: إنه اتصل بالشيعة من الطرق التالية:
أ- تلمذته على نصير الدين الطوسي "ت ٦٧٢هـ"، وكان النصير الطوسي شيعيا تحدد مذهبه السياسي بتميزه الشديد للاثنى عشرية، مما بوأه مقعد الزعامة للشيعة الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه في علوم شتى١.
ب- ألف كتابًا أسماه "نهج الشيعة" ألفه باسم السلطان إدريس بهادرخان٢، وواضح أنه ألفه لكسب رضا هذا السلطان الشيعي.
جـ- محاولة علماء الشيعة جاهدين أن يستخلصوه لأنفسهم، فيجعلوه من أعيان الشيعة، ويترجم له العاملي في كتابه أعيان الشيعة٣.
ولعل الذي دفع العاملي ليترجم لركن الدين في أعيان الشيعة أنه
стр. 45
عرف من أخباره أنه كان تلميذ الخواجه الطوسي المفضل ومن أخص أصحابه، ومثله في التحقيق على حد تعبيره١.
يضاف إلى ذلك ما عرف عن أسرته؛ حيث كان جده الأدنى علي بن الحسن شرف الدين شاه، من علماء الشيعة، ذكر ذلك صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة٢.
وكذلك ما عرف عن ركن الدين من أنه كان فارسي الأصل.
وبلاد فارس كانت مرتعًا للشيعة بوجه عام، وإن كانت مدينة "قُم" مركزًا للعصبية الشيعية منذ زمن بعيد٣، وهي في بلاد فارس تضاهي الكوفة في العراق٤.
خلاصة القول في عقيدته وهواه:
بعد ما ذكرناه حول عقيدته ومذهبه الفقهي والأدلة التي ذكرناها تأييدًا لما ذهبنا إليه يمكننا القول بأن ركن الدين كان مسلمًا متدينًا ورعا تقيا سلفيا يتبع مذهب أهل السنة على مذهب الإمام الشافعي،
стр. 46
وليس شيعيا بالرغم من صلته بالمتشيعين. ويؤيد ذلك أننا نراه يستشهد بالحديث النبوي الشريف على القواعد النحوية وأيضًا بكلام الصحابة مثل: عمر بن الخطاب وابن الزبير ﵄ وأيضًا يستشهد بكلام لابن عباس ﵁ كما سنوضح في الفصل الخاص بالشواهد النحوية، ولم نره يستشهد بكلام للإمام علي ﵁ بعكس عالم آخر هو الرضي الأستراباذي الذي عاصره وظهرت نزعته الشيعية بصورة كبيرة من خلال ما استشهد به في مواطن كثيرة من كلام الإمام علي كرم الله وجه.
стр. 47
ل- شيوخ ركن الدين وتلاميذه:
أولًا: شيوخه:
لم تذكر لنا كتب التراجم التي ترجمت لركن الدين من شيوخه سوى العلامة نصير الدين الطوسي وسيف الدين الآمدي، وكذلك لم يشر ركن الدين في مؤلفاته التي وصلت إلينا إلى واحد من شيوخه الآخرين. ولكنني أرجح أنه تتلمذ أيضًا على الإمام ابن الحاجب.
فإن قيل: ما السبيل إلى هذا الترجيح. قلنا: إننا لو تأملنا ميلاد كل من الطوسي وابن الحاجب وركن الدين، وكذلك تاريخ وفاتهم، لوجدنا أنهم تعاصروا؛ فالطوسي ولد سنة ٥٩٧هـ، وتوفي سنة ٦٧٢هـ، وابن الحاجب ولد سنة ٥٧١هـ، وتوفي سنة ٦٤٦هـ، وركن الدين رجحنا أنه ولد حول سنة ٦٠٠هـ تقريبًا؛ حيث ترجم له ياقوت المتوفى سنة ٦٢٦هـ، وتوفي سنة ٧١٥هـ، وكان من المعمرين،
стр. 48
وقد شاخ على حد عبارة ابن العماد الحنبلي. وقد تعرف الطوسي على كافية ابن الحاجب وشرحها، ومن هذا الشرح نسخة في الأسكوريال ثان رقمها "١٩١"١. وأيضًا تعرف ركن الدين على الكافية وشرحها ثلاثة شروح، وشرح الشافية شرحًا واحدًا، وشرح مختصر المنتهى الأصولي له أيضًا. أقول: فكيف عثر الطوسي وركن الدين على مؤلفات معاصرهم ابن الحاجب في زمن يصعب فيه نشر الكتب وتداولها وطباعتها إلا أن يكونوا قد تقابلوا وتدارسوا هذه الكتب؟.
وعلى كل فهذا مجرد ظن وترجيح وإن لم يكن ركن الدين قد تتلمذ مباشرة على ابن الحاجب فقد تتلمذ عليه بطريق غير مباشرة، أعني: تتلمذ على كتبه التي تبناها وجمعها وقرأها وأفاد منها ودرسها وشرحها، وهذا مما لا شك فيه. ويؤكد اهتمامه بجمع كتب ابن الحاجب وبخاصة نسخ الكافية وشرح المصنف لها ما قاله في الوافية٢ حيث قال ما نصه: "اعلم أني وجدت نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه كان "على الأفصح" بعد قوله: "والآخر الهمزة". وكان فيها بدل قوله: "ومن ثم لم يجز": "ومن ثم ضعف"، وهو قريب من الأول، لكن شرح المصنف يوافق ما ذكرناه أولًا.
وعلى كل فسوف نعده واحدًا من شيوخه الذين تتلمذ على كتبهم إن لم تكن تلمذة مباشرة، وفي سطور موجزة نقدم ترجمة مختصرة
стр. 49
للطوسي ولابن الحاجب، ولنبدأ بالطوسي؛ حيث لا شك في أنه تتلمذ عليه مباشرة:
١- نصير الدين الطوسي:
هو أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن أشهر علماء القرن السابع الهجري، فيلسوف، فلكي، إذ كان رأسًا في العلوم العقلية وعلامة بالأرصاد والمجسطي والرياضيات. وهو إخباري متعدد الجوانب، وهو سياسي شيعي. ولد بطوس في الحادي عشر من جمادى الأولى ٥٩٧هـ/ الثامن عشر من فبراير سنة ١٢٠١م. ودرس علوم اللغة من نحو وصرف وأدب بعد دراسته للقرآن الكريم، وتوفي ببغداد في الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٦٧٢هـ/ السادس والعشرين من شهر يولية سنة ١٢٧٤م.
وكانت منزلته عالية عند هولاكو، فكان هولاكو يطيعه فيما يشير به عليه، حتى بنى له مرصدًا عظيمًا في مراغة، واتخذ خزانة ملأها بالكتب التي نهبت من بغداد والشام وشبه الجزيرة العربية، اجتمع فيها من الكتب نحو أربعمائة ألف مجلد وقرر منجمين لرصد الكواكب وجعل أوقافًا تقوم بمعاشهم، وكان هولاكو يمده بالأموال. وصحبه في غزو بغداد. وقيل إن الطوسي هذا هو الذي أشار على هولاكو بقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله، بعد دخول بغداد، وساعده
стр. 50
في ذلك الوزير ابن العلقمي١.
وقد تحدد مذهبه السياسي بتحيزه الشديد للاثنى عشرية مما بوأه مقعد الزعامة للشيعة الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه في علوم شتى٢.
وللطوسي مصنفات كثيرة جدا في كل فروع المعرفة جاوزت المائة بين كتاب ورسالة ومقالة، في مختلف المواضيع، وباللغتين العربية والفارسية، حيث صنف في الحكمة والفلسفة والهيئة والنجوم والرياضيات والطبيعيات والعلوم الدينية وعلوم العربية وغيرها.
ومن مؤلفاته التي لا تحصى: شرح كافية ابن الحاجب٣، وشكل القطاع، وتجريد العقائد، وتلخيص المحصل، ورسالة في الموسيقي شرحها، وغير ذلك٤.
٢- السيف الآمدي:
هو: علي بن علي بن محمد بن سالم التغلبي، الإمام أبو الحسن سيف الدين الآمدي المشهور صاحب التصانيف الكثيرة. ولد بـ"آمد" سنة ٥١١هـ وتوفي بها سنة ٦٣٦هـ. وقد نص السيوطي٥.
стр. 51
على أن ركن الدين قد أخذ عنه.
وللرجل مصنفات مفيدة منها: الباهر في علم الأوائل والأواخر، وأبكار الأفلاك في أصول الفقه، والحقائق في علوم الأواخر، وإحكام الأحكام في أصول الفقه، وغير ذلك١.
٣- ابن الحاجب:
هو أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، جمال الدين الدوني٢ الكردي الأصل، المشهور بابن الحاجب، وقد اشتهر بذلك؛ لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي. ولد بإسنا بصعيد مصر سنة ٥٧٠هـ، ونشأ بالقاهرة ثم هاجر إلى دمشق، ومات بالأسكندرية سنة ٦٤٦هـ، وله مؤلفات كثيرة جدا وعظيمة في مختلف المجالات، تدل على غزارة علمه ودقه فهمه، من بينها المقدمة الكافية في النحو، والشافية في الصرف، وشرحمها والإيضاح في شرح المفصل للزمخشري، ومنتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصره المعروف بمختصر المنتهى الأصولي، وغير ذلك مما يضيق المقام عن حصره٣.
стр. 52
ثانيًا: تلاميذه
لم تذكر لنا كتب التراجم من تلاميذ ركن الدين سوى تاج الدين الأردبيلي، وإن كنت أرى أنه تتلمذ على يديه كثير من أهل العلم والفضل، بدليل قول ابن حجر وهو بصدد ترجمته: "وتخرج به جماعة من الفضلاء"١.
تاج الدين الأردبيلي:
هو تاج الدين، أبو الحسن، علي بن عبد الله أبي الحسن٢ ابن أبي بكر، الأردبيلي، التبريزي، الشافعي، عالم جامع لأنواع العلوم؛ النحو الفقه، التفسير، الحديث، الأصول، الحساب، الهندسة، الكلام، الطب.
стр. 53
ولد في أردبيل بآذربيجان سنة ٦٧٧هـ١، وسكن تبريز، ورحل إلى بغداد فمكة حاجا، فمصر، وتوفي بالقاهرة في رمضان سنة ٧٤٦هـ، أخذ النحو والفقه عن عالمنا ركن الدين الأستراباذي٢، وقرأ عليه شرحه للكافية، وله شيوخ في مختلف العلوم والفنون.
وله مؤلفات كثيرة منها: حاشية على شرح الحاوي الصغير للقزويني في الفقة الشافعي. ومبسوط الأحكام، ومختصر علوم الحديث لابن الصلاح والتذكرة في الحساب. وغير ذلك كثير٣.
стр. 54
م- وفاته:
اختلف المؤرخون حول السنة التي توفي فيها عالمنا ركن الدين وكذلك حول الشهر الذي توفي فيه، والأكثرون على أنه توفي سنة ٧١٥هـ، وهذا ما ذكره السبكي "ت ٧٧١هـ" في طبقات الشافعية الكبرى١ والمقريزي "ت ٨٤٥هـ" في السلوك٢ وابن حجر "ت ٨٥٢هـ" في الدرر الكامنة٣، وتابعهم في
стр. 55
التصريح بهذا التاريخ إسماعيل البغدادي "ت ١٣٣٩هـ" في هدية العارفين١. وهناك من عين الشهر الذي توفي فيه في هذه السنة "٧١٥هـ"؛ حيث ذكر ابن تغري بردي أنه توفي في صفر سنة ٧١٥هـ٢، وهو عين ما أثبته العيني في عقد الجمان.
وذكر ابن رافع في ذيل تاريخ بغداد أنه توفي في الرابع عشر من صفر سنة ٧١٥هـ.
وقد اضطرب المتأخرون في تحديد السنة التي توفي فيها؛ حيث ترجم له ابن العماد مرة تحت وفيات "٧١٥هـ" وأخرى تحت وفيات "٧١٨هـ". وذكر حاجي خليفة أنه توفي سنة "٧١٥هـ"٣. وهذا ما نص عليه عمر كحّالة في معجم المؤلفين٤.
ونحن نرجح أنه توفي سنة ٧١٥هـ. وهو الرأي الذي عليه الأكثرون من المتقدمين الذين هم أقرب زمنًا إليه، وكانت وفاته في مدينة الموصل في الرابع عشر من شهر صفر عند مشهد الكف وكانت جنازته مشهودة، ﵀ رحمة واسعة٥.
стр. 56
ن- آراء العلماء فيه:
عرف القدماء مكانة ركن الدين، وكذلك المحدثون، فكان له من الثناء والتقدير والإعجاب من هؤلاء وأولئك، ما رأيناه يتفق في جملته مع شخصيته وعبقريته، وسنورد بعض ما قيل فيه، وفاء بحقه ومشاركة في التقدير والإعجاب من جهة، واستيفاء للبحث من جهة أخرى، مع الوقوف عند بعض النصوص ومناقشتها كلما دعا الأمر إلى ذلك ثم التعقيب عليها في النهاية لإبداء رأينا الخاص في مثل هذه الآراء مدحًا أو قدحًا.
والآن أكتفي بهذه العجالة، وأدلف إلى ما نحن بصدده من البيان:
فهذا ياقوت الحموي "ت ٦٢٦هـ"، ذلك الذي عاصره، يصفه بقوله: "النحوي، اللغوي، الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان"١.
ويقول السبكي "ت ٧٧١هـ": "وكان جليل القدر، معظما عند ملوك الزمان، حسن السمت والطالع"٢.
وقال المقريزي "ت ٨٤٥هـ" في السلوك٣: "عالم بالموصل
стр. 57
ومدرس الشافعية ... وتقدم عند التتار، وتوفرت حرمته، وبرع في علوم المعقولات وكان يجيد الفقه وغيره".
وقال ابن حجر "ت ٨٥٢هـ": "كان من كبار تلامذة النصير الطوسي وكان مبجلًا عند التتار، وتخرج به جماعة من الفضلاء"١.
وقال ابن تَغْري بَرْدي "ت ٨٧٤هـ": "الشيخ الإمام العلامة السيد ركن الدين: كان إمامًا مصنفًا عالمًا بالمعقول"٢.
ويقول إسماعيل بن علي الذي شرح أبيات شواهد الوافية، وسماه "كشف الوافية في شرح الكافية": "وكان كتاب الوافية، للسيد العلامة، قدوة العلماء والمتبحرين، زبدة المتقدمين والمتأخرين ركن الملة والدين -أسكنه الله تعالى بحابيح جناته- دستورًا في هذا الفن؛ إذ به يعرف أكثر مسائله، ومشهورًا؛ إذ كل واحد يستضيء بنور معالمه مع ما للطلبة من الحرص عليه وقراءته والشغف بدراسته"٣.
وبصفه ابن العماد الحنبلي "ت ١٠٨٩هـ" بأنه كان "علامة متكلمًا، نحويا"٤.
ويقول العاملي: "كان تلميذ المحقق الخواجة نصير الدين، ومن أخص أصحابه، ومثله في التحقيق. وكان علامة في العلوم العقلية والنقلية"٥.
стр. 58
وجدير بركن الدين أن يكون موضع تقدير الجميع؛ فهو من عرفت علمًا وخلقًا وتدينًا، وتواضعًا، ولعل ياقوت الحموي "ت ٦٢٦هـ" قد اكتشف مواهبه المبكرة واتصل به عن قرب وعرف عنه من العلم والفضل أكثر مما عرفناه بكثير، فأطلق عليه عبارته المشهورة التي حفظها التاريخ الطويل وسوف يحفظها للأجيال اللاحقة إن شاء الله، وهي عبارته التي يصف فيها ركن الدين بقوله: "النحوي، اللغوي، الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان".
وقد أعجب العلماء بنحو ركن الدين، لدرجة أننا نرى بعضهم من شدة إعجابه بما كتبه ركن الدين تشحذ قريحته، فينشد شعرًا يصرح فيه بأنه من أراد نحوًا مهذبًا فعليه بكتاب المتوسط، لركن الدين، ويصرح ثانية بأن من يريد نحو الأعالي فعليه بمقال ركن الدين في المتوسط, استمع إليه وهو يقول عن كتاب المتوسط:
يا من يهذب منطقا بالنحو خذ ... بالحاجبية وامش في المتوسط
إن النتيجة لا يفوز بصدقها ... من لم يفز يوما بخير أوسط
لا تطلب الأعلى فإن مناله ... صعب ولا ترض المذل فتسقط
فالخير في وسط الأمور وإنني ... شاهدت كل النفع في المتوسط
يا قاصدا نحو الأعالى جاهدًا ... في النحو خذ منه بوجه أحوط
بالحاجبية خذ وثق في حلها ... بمقال ركن الدين في المتوسط
هذا إلى أنني لست أزعم أن صاحبي ركن الدين مبرأ من كل عيب، فما هو بمعصوم ولقد أخذت عليه أنه كان -مع دقته الشديدة-
стр. 59
غير دقيق في مسألتين اثنتين: إحداهما١: تتعلق بنسبة رأي إلى صاحبه، حيث ذكر أن عيسى بن عمر، وأبا العباس المبرد، كانا يريان أن المؤنث إذا سمي باسم مذكر، على ثلاثة أحرف ساكن الوسط، مثل زيد ونحوه، يمنع الصرف فقط. ولكني رأيت أنهما يجوزان الأمرين في هذه المسألة، مع ترجيح الصرف.
والثانية٢ تتعلق بنسبة قراءة إلى صاحبها، وهي قراءة قوله تعالى: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِِ، رِجَالٌ"٣. ببناء "يُسَبَّحُ" للمفعول، فقد نسب هذه القراءة لعاصم وابن عامر. والحق أنها قراءة ابن عامر وأبي بكر، أما قراءة حفص التي رواها عن عاصم فهي ﴿يُسَبِّحُ﴾ بالبناء للفاعل.
وسوف نتحدث عن هذين المأخذين في موضعهما من البحث إن شاء الله تعالى٤.
وعلى كل فمأخذ في كتاب البسيط على ضخامته، ومأخذ آخر في كتاب الوافية لا يقللان بحال من الأحوال من شأن عالمنا الكبير.
فلست إذن بالغاوي ولا المتعصب، ولكنها بموضوعية شديدة الصورة التي انطبعت في نفسي وذهني، بعد دراسة الرجل دراسة فاحصة واعية
стр. 60
فيما أحسب.
وفي نهاية المطاف أعود فأقول: رحم الله أبا علي، لقد كان شخصية قوية في جبين التاريخ أحبها الجميع فأثنوا عليه ثناء حارا مستفيضًا، وأعترف أني مستريح الآن، بعد أن كشفت النقاب عن شخصية كهذه عرفها القدماء فاعترفوا بفضلها، ولم يكن المحدثون يعرفونها فبعضهم ظنه الرضي، وبعضهم لم يظنه شيئًا.
стр. 61
- المبحث الثاني: آثاره "الموجود منها والمفقود "
حفظ التاريخ لركن الدين أسماء بعض آثاره، فذكر له ياقوت في معجم الأدباء اثنين من المؤلفات١ وارتفع بها السبكي إلى سبعة٢، وذكر المقريزي من تلك السبعة ستة فقط٣، وذكر ابن حجر سبعة من هذه المؤلفات٤، وأما ابن تغري بردي فقد ذكر ثمانية مؤلفات، وأردف ذلك بعبارة: "وعدة تصانيف أخر ذكرناها في غير هذا الكتاب"٥. وأما صاحب أعيان الشيعة فقد بلغ بها ستة عشر مصنفًا٦.
ومما لاحظته أن العديد من كتب التراجم كانت تردف ما تقوله بشأن هذه المؤلفات بالعبارة التقليدية التي درج عليها المترجمون حينما يقولون "وغير ذلك" فليتهم ذكروا كل ما وقفوا عليه وأراحوا من جاء بعدهم من عناء كثير.
وقد رأيت أن أتتبع آثاره في كل ما وقع تحت يدي من كتب التراجم وغيرها فوجدتها بلغت العشرين، بالرغم من أن معظم المراجع التاريخية -عدا ما ذكرناه- لا يكاد يشير إلا إلى النزر
стр. 62
اليسير من آثار ركن الدين، وأحيانًا يطوي الحديث فلا يصرح بكثير أو قليل. على أن جل هذه الآثار قد عدت عليها العوادي فطواها الزمن فيما طوى من ذخائر، ولم يصل إلينا إلا كتب أربعة قمنا بدراستها وتحليلها في كتابنا الموسوم بـ"ركن الدين الأستراباذي وجهوده النحوية والتصريفية" لكي نكشف النقاب عن جهود الرجل في الميدانين، النحوي والصرفي.
وقد حاولت جاهدًا أن أتعرف تاريخ تأليف كل كتاب على حدة ليكون تاريخ الإنتاج أساس هذا الترتيب، ولكن عبثًا حاولت، وحين عز علي ذلك عمدت إلى ترتيبها حسب أحرف الهجاء. هذا وسأحاول جاهدًا أن أوثق نسبة كل كتاب إلى ركن الدين، وذلك بذكر المراجع التي أشارت إليه، وبالنصوص التي نقلت منه، كلما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وإليك هذه الآثار:
١- الاختيارات النحوية:
صنفه ركن الدين وأهداه للسلطان الملك المظفر صاحب ماردين. ذكره العيني في "عقد الجمان"١.
والكتاب مفقود بحثت عنه كثيرًا وفتشت عنه في جميع المكتبات العامة، لكن دون جدوى.
٢- البسيط:
ويسمى "الشرح الكبير": وهو شرح مطول على الكافية.
стр. 63
لابن الحاجب. وهو واحد من شروح ثلاثة له على الكافية.
٣- حل العُقَد والعَقل في ضرح مختصر منتهى الوصول والأمل:
وهو شرح على كتاب: مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام ابن الحاجب. وهو كتاب في أصول الفقه المالكي.
وقد ذكره المقريزي في "السلوك"، وابن حجر في "الدرر الكامنة"١، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"٢ والبغدادي في "هدية العارفين"٣.
وجاء في كشف الظنون "ص١٨٥٣" ما نصه: "ومن شرحه -يعني: مختصر المنتهى لابن الحاجب- السيد ركن الدين الأستراباذي. أوله: أما بعد حمد الله خالق الصور والأشباح ... إلخ سماه: حل العقد والعقل في شرح مختصر الوصول والأمل، ذكر في أوله اسم السلطان الملك المظفر قرأ أرسلان بن السيد نجم الدين الغازي الأرتقي الذي تولى الملك على ماردين سنة ٦٥٣هـ وكانت وفاته سنة ٦٩١هـ والكتاب من الذخائر المفقودة.
٤- حواش على التجريد، للطوسي:
стр. 64
وهي حواش على كتاب: تجريد العقائد، لنصير الدين الطوسي ويعرف أيضًا بتجريد الكلام. ذكره العاملي في أعيان الشيعة١.
وهذه الحواشي جمعها في كتاب، وهو مفقود:
٥- حواش على كليات القانون:
ذكره العاملي في أعيان الشيعة٢، وهو مفقود.
٦- الزينية:
وهي مقدمة في النحو ذكرها العيني في عقد الجمان٣. وتابعه العاملي في أعيان الشيعة٤ وهذه المقدمة من الذخائر العلمية المفقودة.
٧- شرح الحاوي الصغير:
وهو شرح على كتاب "الحاوي الصغير"٥، للإمام عبد الغفار بن الكريم بن عبد الغفار نجم الدين، المعروف بالخطيب القزويني المتوفى سنة ٦٦٥هـ. وهو كتاب في الفقه على المذهب الشافعي.
стр. 65
وذكر ابن حجر العسقلاني أن ركن الدين شرح الحاوي شرحين١ وذكر إسماعيل البغدادي في هدية العارفين: أن هذا الشرح في أربعة مجلدات٢.
وذكر هذا الشرح أيضًا السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"٣ والمقريزي في "السلوك لمعرفة دولة الملوك"٤ وهو بعد مفقود.
٨- شرح ديوان الحماسة:
وهو شرح على ديوان الحماسة الذي جمعه أبو تمام، حبيب أوس الطائي "ت ٢٣١هـ"٥.
وهذا الشرح مفقود، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء"٦ والسيوطي في "بغية الوعاة"٧، وإسماعيل البغدادي في "هدية العارفين"٨، وكحّالة في "معجم المؤلفين"٩.
стр. 66
وهذا الشرح صنفه ركن الدين في مرحلة مبكرة من حياته، أي: قبل سنة ٦٢٦هـ، التي توفي فيها ياقوت الحموي. وهذا يؤكد ما رجحناه بشأن ميلاده، وأنه كان من المعمرين١.
٩- شرح شافية ابن الحاجب:
وهو شرح على مقدمة ابن الحاجب في التصريف، والمعروفة بالشافية، وسوف نفرد لهذا المصنف حديثًا خاصا في موضعه من هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
١٠- شرح شمسية المنطق:
وهو شرح على كتاب "الشمسية" في المنطق لأستاذه وشيخه نصير الدين الطوسي. ومن الشمسية نسخة خطية بمدرسة يحيى باشا بالموصل برقم "١٩".
وشرح ركن الدين ذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وقال: "وقد وقفت عليه"٢. وهو بعد مفقود.
١١- الشرح الصغير على كافية ابن الحاجب:
وهو شرح ثان له على الكافية، لمصنفها العلامة ابن الحاجب وهو شرح مختصر، اختصر به مصنفه شرحه الكبير.
١٢- شرح فصيح ثعلب:
وهذا الكتاب شرح فيه مصنفه ركن الدين كتاب "الفصيح" في
стр. 67
اللغة لإمام العربية أبي العباس، أحمد بن يحيى ثعلب "ت ٢٩١هـ"١.
وذكره ياقوت في "معجم الأدباء"٢، والسيوطي في "بغية الوعاة"٣، وحاجي خليفة في "كشف الظنون"٤، والبغدادي في "هدية العارفين"٥. وكحالة في "معجم المؤلفين"٦. وهو من الكتب المفقودة.
١٣- شرح قواعد العقائد، للغزالي:
стр. 68
وهو شرح لكتاب "قواعد العقائد"١ تأليف حجة الإسلام، أبي حامد بن أحمد الغزالي "٤٥٠هـ-٥٠٥هـ". وذكره صاحب "النجوم الزاهرة"٢، وحاجي خليفة في "كشف الظنون"٣ والبغدادي في "هدية العارفين"٤. وهو مفقود أيضًا.
١٤- شرح قواعد العقائد النصيرية:
وهو شرح لكتاب "قواعد العقائد النصيرية" في علم الكلام، تأليف شيخه الخواجة نصير الدين الطوسي، كتب ركن الدين شرحه لولد أستاذه الطوسي في حياة الأستاذ، ذكر ذلك العاملي في أعيان الشيعة٥. وهو مفقود.
١٥- شرح المطالع في المنطق في مجلدين:
ذكر ذلك السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"٦، وكذلك ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"٧. وهو بعد مفقود.
١٦- شرح المعالم في أصول الدين:
اختصر ركن الدين المعالم في أصول الدين، وشرحه. قال
стр. 69
السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: "وقد وقفت عليه"١ ولكنه لم يصل إلينا.
١٧ مرآة الشفاء في الطب:
ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون"٢، والبغدادي في "هدية العارفين"٣. وهو من الآثار المفقودة.
١٨- نهج الشيعة:
ألفه باسم السلطان إدريس بهادر خان. ذكر ذلك العاملي في "أعيان الشيعة"٤. وهو مفقود لم يصل إلينا.
١٩- الوافية في شرح الكافية "المتوسط":
وهو شرح ثالث على كافية ابن الحاجب، ويعرف بين الدارسين بالمتوسط.
٢٠- له كتاب جمع فيه أسئلة كان قد سألها شيخه الطوسي:
وأجاب عنها. ذكر ذلك العاملي في "أعيان الشيعة"٥.
والكتاب من الآثار المفقودة.
стр. 70
ما وصل إلينا من مصنفاته:
وصل إلينا من مؤلفات عالمنا ﵀ المصنفات التالية:
١- كتاب البسيط، وهو شرح كبير على كافية ابن الحاجب.
٢- كتاب الوافية في شرح الكافية، وهو معروف بين العلماء باسم المتوسط.
٣- شرح شافية ابن الحاجب في الصرف.
وفي هذه العجالة نقدم تعريفًا مفصلًا بهذه المصنفات ونذكر مخطوطاتها ونعرف بأماكن وجودها، وننص على ما طبع منها، ومكان طبعته وسبب تأليفها، وأيضًا نلقي الضوء على ماهية كل مُؤَلَّف ومحتواه ونكشف النقاب عن أهم ما يمتاز به بين مؤلفات العربية ومصنفاتها.
стр. 71
١- كتاب البسيط:
وهو شرح كبير صنفه الإمام ركن الدين الأستراباذي على كتاب "الكافية"١ لصاحبه الإمام ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
وهو شرح كبير حاول فيه ركن الدين -على حد تعبيره- تفسير مشكلات الكافية وشرح معضلاتها، وإيضاح إشاراتها ورموزها، وإبراز ما تحتها من دفائن وكنوز بعبارات واضحة وألفاظ لائحة جلية.
-توثيق اسم الكتاب:
стр. 72
اسم هذا الكتاب هو "البسيط"، غير أننا قد نجده أحيانًا يطلق عليه اسم "الشرح الكبير". فما حقيقة هاتين التسميتين؟
أبادر فأقول: إن اسمه هو كتاب "البسيط" كما جاء في كشف الظنون١ وكذلك في هدية العارفين٢، وفي أعيان الشيعة٣.
وكذلك جاء هذا الاسم عنوانًا للكتاب على غلاف ثلاث نسخ خطية: الأولى محفوظة في المكتبة الأزهرية تحت رقم "٦٣٦" ٤٣٢٩.
والثانية: محفوظة كذلك في المكتبة الأزهرية تحت رقم "٦٣٤" ٤٣٢٧، والثالثة: محفوظة في الخزانة التيمورية بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، تحت رقم "٣٢٩".
ولأجل أنه شرح كبير على الكافية نرى من يكتفي بأن يطلق عليه اسم "الشرح الكبير"؛ إذ إن للرجل على الكافية ثلاثة شروح: كبير ومتوسط وصغير. وهذه التسمية أطلقها صاحب النجوم الزاهرة٤ وكذا صاحب طبقات الشافعية الكبرى٥.
ومثل ذلك جاء على غلاف نسخة محفوظة بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية تحت رقم ٥٦٣/ هـ.
هذا ولم يرد في مقدمة المؤلف ولا في آخره شيء عن تسمية
стр. 73
الكتاب.
- توثيق نسبته إلى ركن الدين:
هذا الكتاب ذكره جمهرة من المترجمين ونسبوه إلى ركن الدين، نذكر من هؤلاء: السبكي١، والمقريزي٢، وابن حجر٣، وابن تغري بردي٤، وحاجي خليفة٥، والبغدادي٦، والعاملي٧.
وجاء في التعريف بالكتاب في فهرس الكتب الموجودة في المكتبة الأزهرية "٤/ ١١٦" ما نصه: البسيط: وهو شرح للعلامة السيد ركن الدين حسن بن شرف شاه الحسيني العلوي المعروف بالأستراباذي المتوفى سنة ٧١٥هـ على الكافية لابن الحاجب, وهو المعروف بالشرح الكبير، وأوله: أما بعد حمد الله المتفرد ... إلخ".
وكذلك جاء على غلاف مخطوطات الكتاب الثلاث: "كتاب البسيط لركن الدين الأستراباذي على كتاب الكافية". وجاء على غلاف النسخة الرابعة ما نصه: الشرح الكبير لركن الدين على الكافية الحاجبية.
стр. 74
وقد ذكره ركن الدين نفسه -هو بصدد التقديم لكتابه الوافية؛ حيث قال: "وبعد: فإني بعد أن شرحت كتاب الكافية في النحو مع إيرادات وأجوبة وأبحاث كثيرة شرحته ثانيًا مقتصرًا على حل ألفاظه وشرح معانيه والإشارات إلى تحليلات تركيباته ومبانيه إلا نادرًا، مع ذكر علل أكثرها".
ونختم هذه المسألة بتوثيق ركن الدين لكتابه هذا في مقدمة كتابه؛ حيث قال: "أما بعد حمد الله المتفرد بالعز والجبروت والمتوحد بالملك والملكوت الواجب الذي لا يحول حوله الإمكان والقيوم الذي هو منزه عن الزمان والمكان، الكامل الذي تتوجه إليه الرغبات ... فإن كتاب الكافية في النحو المنسوب إلى الإمام العلامة جمال الدين أبي عمرو عثمان بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب المغربي ﵀ وجعل الجنة مثواه- كتاب صغير الحجم كثير العلم لاشتماله على جل أقوال النحويين، مع زيادات شريفة وأبحاث نفيسة وقواعد لطيفة وضوابط كلية استقل بإبداعها مصنفه، لكن لما كان في عباراته انغلاق وفي ألفاظه إيجاز صعب على الطالبين فهم مقاصده وعسر على المبتدئين استخراج مطالبه، مع أن مؤلفه ﵀ شرحه شرحًا أشكل من الكتاب، ولولا ذلك الشرح لما أمكن تحليل الكتاب. فالتمس مني وألح المجلس الرفيع وهو المولى العالم الفاضل ربيب الدولة ورئيس الملة وقدوة الحكماء والأطباء، الفاضل، قبلة الأكابر والفضلاء الأماثل -بلغه الله مطالبه وجعل في الدارين مآربه
стр. 75
- فسر مشكلاته وشرح معضلاته وإيضاح إشاراته ورموزه، وإبراز ما تحته من دفائنه وكنوزه، بعبارات واضحة وألفاظ لائحة، فأبيت عن ذلك لقصوري واعترافي بعجزي عن فهم ما أودعه فيه من النكت والغرائب التي خلت منها مصنفات القوم في هذا الفن. لكن لما كرر الالتماس وأكثر الإلحاح وكلفني تكليفًا لا يمكن المحيص عنه، استخرت الله تعالى وشرعت فيما التمسه مني وكتبت ما وصلت إليه قريحتي وذهني، وسألته أن يهديني سواء السبيل وأن يجنبني طرق الأباطيل.
- مخطوطاته:
يوجد لهذا الكتاب أربع نسخ خطية؛ ثنتان بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة وثنتان بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية. وهاك وصفًا عاما لهذه النسخ الأربع:
أ- في المكتبة الأزهرية:
١- نسخة في مجلد بقلم تعليق قديم كتبت سنة ٧٠٣هـ -أي: في حياة المؤلف- بخط علي بن موسى بن منصور الشهرستاني، وعنوانها: "البسيط، لركن الدين الأستراباذي". وهي نسخة خطية محفوظة بالمكتبة تحت رقم "٦٣٦/ ٤٣٢٩" وعدد لوحاتها "٢٠٨" لوحة، باللوحة صفحتان، مسطرتها ١٧ سطرًا، وبهامش بعض أوراقها حواش. وآخرها قوله: "وليكن آخر كلامنا هذا الفصل وبه يتم الكتاب