← Язык

Язык · id 11751

دراسات لغوية في أمهات كتب اللغة

إبراهيم محمد أبو سكين

Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف: الحمد لله رب العالمين، نزل الكتاب بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على نبيه أفصح الخلق أجمعين. وبعد فهذه دراسة لغوية في أمهات كتب اللغة، الصاجبي والخصائص، والمزهر، دراسة موضوعية مبسطة محاولًا الإيجاز والاختصار قدر المستطاع. والله نسأل أن يسدد خطانا "وينير بصائرنا لنهتدي إلى خدمة العربية لغة القرآن". والله ولي التوفيق. المؤلف: أ. د/ إبراهيم محمد أبو سكين

стр. 2

الدراسات اللغوية العربية نشأتها وتدرجها الدراسات اللغوية مدخل ... الدراسات اللغوية العربية نشأتها وتدرجها: الدراسات اللغوية: مفهوم الدراسات اللغوية قديمًا هو ذلك النشاط اللغوي التقعيدي Normative الذي يستهدف معرفة صحيح الكلام وجيده كتابة ونطقًا، ووضع "قواعد" تميز صحيح الكلام من خطئه، وجيده من رديئه، قواعد "متعلقة بهجاء اللغة و"نحوها" ومفرداتها و"بلاغتها" وما أشبه هذا، "قواعد" تعلم الناشئة صحة الكلام وجودته، وتتخذ مقياسًا للحكم على الصواب والخطأ، والجيد والرديء. وهو كذلك معرفة عدد كبير من اللغات، الحية أو القديمة، فضلًا عن التبحر في اللغة القومية، هذه المعرفة التي تسمى بالإنجليزية Polyglattisn وبالفرنسة Playglattisinal والتي ينظر الناس إلى صاحبها بعين الإكبار والتقدير.

стр. 3

والحق أن علم١ اللغة بالمفهوم الحديث ليس هذا ولا ذاك فعلم لا يدرس اللغة للكشف عن الكيفية التي يجب أن يكون عليها الكلام، وعن الكيفية التي يحسن بها الكلام، ولتعليم هاتين الكيفيتين، إنما وظيفته دراسة اللغة ذاتها، بالكشف عن خواصها ومميزاتها، وتسجيل هذه الخواص والمميزات كما هي في صورة قواعد ونظم عامة، وليس معنى هذا أن تدريس اللغة بالطرق التقليدية لا يفيد من البحث اللغوي الحديث، بل إن الأمر على العكس من ذلك، فهذا البحث اللغوي الحديث، قادر -بل قد يكون مما يفرضه الواجب عليه- أن يقدم للمشتغلين بتدريس اللغات توجيهات وإرشادات تيسر عليهم عملهم، وتصحح منه جوانب ووجوها، ويقدم له أصولًا خالية من النظرة الفلسفية والافتراضات الذهنية والتأويلات التعسفية.

стр. 4

ثم إن العالم اللغوي ليس من يتقن عددًا من اللغات فقد يجيد الإنسان لغات كثيرة ولا معرفة له بشيء عن "اللغة"، فعلم اللغة ليس معناه معرفة أكثر من لغة. فقد يكون الإنسان لغويًّا ناجحًا ومع ذلك لا يعرف إلا لغته القومية، فالدراسات اللغوية "علم" أما معرفة عدة لغات فهي صفة يتصف بها بعض الناس، وميزة من المميزات وهي واجبة في جوانب الدرس اللغوي كالمقارنة بين عدد من اللغات، وكالدراسة التطورية للغة من اللغات، ولكن هذه المعرفة وسيلة من وسائل اللغوي، وليس غاية من غاياته١. وفي موضع آخر يشرح الدكتور السعران قول دي سوسير أن علم اللغة يدرس اللغة "في ذاتها" فهو أنه يدرسها من حيث هي لغة، يدرسها كما هي، يدرسها كما تظهر فليس للباحث

стр. 5

فيها أن يغير من طبيعتها، كما أنه ليس للباحث في موضوع أي علم من العلوم أن نغير من طبيعته، فليس له أن يقتصر في بحثه على جوانب من اللغة مستحسنًا إياها، وينحي جوانب أخرى استهجانًا لها، أو استخفافًا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب. وبما أن علم اللغة "يدرس اللغة" من أجل ذاتها "فمعناه أنه يدرسها لغرض نفسها، يدرسها دراسة موضوعية تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته أن يحقق أغراضًا تربوية مثلًا، أو أية أغراض عملية أخرى. أنه يدرسها هدفًا إلى "ترقيتها" أو إلى تصحيح جوانب منها أو تعديل آخر، إن عمله مقصور على أن يصفها ويحللها بطريقة موضوعية١.

стр. 6

ويهتم الدكتور السعران بموقف المتخصصين في المسائل اللغوية بصدد هذا العلم فيذكر أن معظم هؤلاء يفهمون منه أنه "الصرف أو النحو أو الاشتقاق وتمييز الكلام الفصيح من غير الفصيح، ومعرفة الشوارد النادرة وحواشي الكلام ومعرفة معاني الكلمات أو تأليف المعجمات أو معرفة اللغات المذمومة وما أشبه هذا١. وذلك كما جاء في فقه اللغة للثعالبي أو ما عرض له ابن جني في الخصائص أو ما جاء في المزهر للسيوطي. بل قد يذهب بعضهم إلى أبعد من هذا ويتوهم أن علم اللغة مقصور على البحث في الثروة اللفظية: الألفاظ المفردات من حيث جمعها، والتأمل والبحث في أصولها وفروعها، وما يطرأ عليها من تغيير أو تطور أصولها وفروعها، وما يطرأ عليها من تغيير أو تطور وكذلك خلط كثيرون بين علم اللغة وبين الفيلولوجيا. ومرجع هذا الخلط، ما أسند لعلماء الدراسات المقارنة من مسئولية تدريس الدرس في جامعاتنا، ومن هنا قالوا: إن الدراسات اللغوية معرفة عدد كبير من اللغات وذلك لسيطرة هذه الفكرة عليهم لما درجوا عليه من الدرس المقارن.

стр. 7

دواعيها: قال أبو الطيب: واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعراب؛ لأن اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي ﷺ ، فقد روينا أن رجلًا لحن بحضرته فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضل، وقال أبو بكر: لِأَنْ أقرأ فأسقط أحب إلَيَّ من أن أقرأ فألحن١. وقال ياقوت: "مر عمر بن الخطاب ﵁ على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضبًا وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم٢.

стр. 8

وكتب كاتب لأبي موسى الأشعريّ إلى عمر فلحن فكتب إليه عمر: "إن أضرب كابك سوطًا واحدًا"١. وانتشرت جرثومة اللحن حتى أعدت الخاصة حتى صاروا يعدون من لا يلحن قال الأصمعيّ: "أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبيّ وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية والحجاج أفصحهم"٢. وانتقلت جرثومة اللحن من الحاضرة إلى البادية قال الجاحظ: "قالوا وأول لحن سمُع بالبادية هذه عصاتي"٣. وتحت تهديد خطر "ذيوع اللحن حاول العرب أن يحافظوا على لُغتهم نقية خالصة من الشوائب، وأن يقيموا حولها الأسوار، يقول الدكتور تمام حسان: "فلقد نشأت دراسة اللغة العربية الفصحى علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي

стр. 9

سموها "ذيوع اللحن" وعلى الرغن من أن تسمية هذه الظاهرة المذكورة لا تشير إلا إلى الخطأ في ضبط أواخر الكلمات بعد إعطائها العلامات الإعرابية الملائمة أشعر بميل شديد إلى الزعم بأن الأخطاء اللغوية التي شاعت على ألسنة الموالي وأصابت عدواها ألسنة بعض العرب لم تكن مقصورة على هذا النوع من أنواع الأخطاء، فأكبر الظن أن هذا الذي سموه "لحنًا" كان يصدق على أخطاء صوتية كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد" ويفصله ما يروى من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي وسعد الزندخاني وغيرهما، كما كان يصدق على الخطأ الصرفي الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة في الإلحاق أو الزيادة على الخطأ النحوي الذي كان يتعدى بمجال العلامة الإعرابية أحيانًا إلى مجالات الرتبة والمطابقة وغيرهما، وعلى الخطأ المعجمي الذي يبدو في اختيار كلمة أجنبية دون كلمة عربية لها المعنى نفسه، ويصدق على جميع هذه الأنواع من الخطأ أنها أخطاء في المبنى

стр. 10

أولًا وأخيرًا ولو أدت في النهاية إلى خطأ في المعنى لم يكن نتيجة خطأ في القصد١. ويقول أحمد عبد الغفور عطار: "ومن الأسباب التي دعت إلى تأليف كتب اللغة والمعجمات كثرة الأمم ذات الألسنة غير العربية التي دخلت في الإسلام واتخذت العربية لغتها وخشي العلماء أن يدخل في لغة القرآن ما ليس من كلام العرب"٢. كما وجدت ظاهرة أخرى لها خطرها في تاريخ اللغة العربية تلك هي مبدأ "تنقية٣ اللغة العربية" الذي حمل راية المحافظة على خلوص اللغة، وقد برهن الأمويون على أنهم حماة المبادئ العربية القديمة. فقد روي أن عبد الملك "حكم ٦٥-٨٦هـ" كان يحذر أبناءه من اللحن فإن اللحن في منطلق الشريف أقبح من

стр. 11

آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس. ويروى أن هذا الخليفة لم يكن يستعمل صيغًا ملحونة حتى في المزاح وأنه كان يقدر الدقائق اللغوية حق قدرها، فحينما غير الشاعر الخارجي أبو المنهال عتبان بن وصيلة بيته: "ومنَّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ" إلى "وَمِنَّا أميرَ المؤمنينَ شبيبُ". نال على هذا التغيير في الجواب استحسان الخليفة حتى أطلق سراحه ومما هو جدير بالذكر أن مذهب تنقية اللغة والمحافظة على فصاحتها تعدى العرب إلى طبقة الموالي الملحة في التسامي والتعالي والتي كانت في سبيل طموحها إلى محاكاة الطبقة السائدة فيما تفعل، تجاري هذه أيضًا في الناحية اللغوية وتحتضن حركة تنقية اللغة العربية بما في ذلك من إعلاء شأن اللغة البدوية الخالصة، وكلما أخذت سلامة اللغة تصير أمرًا

стр. 12

من أمور التربية والتعليم، قويت آمال غير العرب في أن يستبدلوا -بالصبر والاجتهاد- عربية فصحى من عربية اللهجات الدارجة في محيطهم وقديمًا تملك الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠هـ وهو ابن أحد أسارى الحرب من مدينة ميسان، أزمة العربية بحيث كان رجال ضليعون، كأبي عمرو بن العلاء ورؤبة، لا يجدون غضاضة في أن يضعوه إلى جانب الحجاج وكان تلاميذه المجتهدون يكتبون عبارات أستاذهم، لا لما تحتويه من علم فحسب بل لصياغتها اللغوية كذلك وكثيرة هي الأخبار والروايات التي تطلب في وصف دقة إحساسه تجاه الأخطاء اللغوية١. واستتبع هذا المذهب الذي يرى أن العربية الفصحى هي العربية النقية من الشوائب التي لم تخالطها لغة أخرى، أنهم رأوا أن أفصح اللغات هي لغات البدو، البعيدين عن الاختلاط في أواسط البيداء، وإذن فالطريق

стр. 13

إلى الحكم على سلامة اللغة وفصاحتها ونقائها هو قياسها على لغة هؤلاء البدو، والسبيل إلى تعلم الفصحى هو معاشرتهم وقد حدث ذلك فعلًا، وقد واصل الخلفاء والكبراء ما اعتادوا عليه من تنشئة أبنائهم في البادية. "فهذا سليمان بن عبد الملك الذي كان يحسن الإشادة بقيمة الجمال اللغوي وذلك لأنه تأدب أدبًا رفيعًا، وكذلك كان أخوه مسلمة رفع الثقافة وكان يكره عمرو بن مسلم، أخا قتيبة بن مسلم؛ لأنه كان يلحن في كلامه، كما روى أنه كان يمقت السائلين الذين يلحنون في لغتهم"١. ولم يكن كل الناس قادرين على إيفاد أبنائهم إلى البادية فظهرت فئة من المربين الفصحاء يتولون تنشئتهم، منهم من اختص بأبناء شريف معين، ومنهم من فتح كتابًا أو مدرسة للتعليم، وأشهر هؤلاء المدربين، الضحاك بن مزاحم وعامر الشعبي مربيًا أولاد عبد الملك

стр. 14

ابن مروان ومحمد بن مسلم الزهري "مربي أبناء هشام بن عبد الملك"١. وظهرت فئة أخرى من العلماء لم يكن همها الأول التدريس بل العلم، من أمثال أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه، وأراد هؤلاء العلماء الاتصال باللغة في أنقى صورها فارتحلوا إلى البوادي التي تعيش فيها القبائل العربية الفصيحة التي لم تختلط بالأجانب، ونهلوا من معارفهم، ودونوا ما سمعوا، وأشهر هؤلاء أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد والكسائي. وسيبويه٢ وتلاميذهم٣. يضاف إلى ما سبق ظاهرة أدبية أثرت تأثيرًا كبيرًا في الدراسات اللغوية، إذ عرف عن بني أمية حبهم الشديد للأدب وخاصة معاوية وعبد الملك بن مروان، فقربوا إليهم الأدباء والعلماء وعقدوا لهم المجالس

стр. 15

الخاصة، يعرضون للأمور الأدبية ويتبادلون فيها الآراء شارحين ناقدين، وحاول العلماء أن يهيئوا أنفسهم لإرضاء رغبات الخلفاء فجمعوا شعر الفحول والقبائل، ودونوها، وقد روي عن حماد الراوية أنه تأهب لمقابلة الخليفة الوليد بالنظر في "كتاب قريش وثقيف"؛ لأنه كان يعتقد أن الخليفة سائلة عن أشعار القبائل التي هو على صلة بها١. وكان السبب المباشر الذي أظهر الدراسات اللغوية هو٢ العناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه، فكانت العناية بالقرآن دافعًا دينيًا لطائفة القراء الذين أدركوا ضرورة الانتفاع بهذه الدراسة في ضبط القراءة وضبط أصولها، وتوضيح آيات القرآن فما اتصل بالقرآن من علوم كان أولها ظهورًا وما ابتعد عنه كان من آخرها وليس من شيء أكثر صلة به من محاولة فهمه بإدراك

стр. 16

غريبه ومشكله، فتفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب١. ويقول الدكتور السعران: "نشأت الدراسات اللغوية عند العرب خدمة للقرآن الكريم"٢. وكان للحديث الشريف نصيبه في إظهار الدراسات اللغوية فقد اتجهت هذه الدراسات إلى العناية بغريب الحديث كما عنيت بغريب القرآن. وآخر الظواهر الجديرة بالتسجيل وكانت سببًا في نشأة الدراسات اللغوية لمعاصرتها الدراسات اللغوية ومدها إياها بالروافد ظاهرة التدوين العلمي، فقد نظم العلماء أنفسهم فرقًا كل فرقة تغزو الجهل أو الفوضى في ناحيتها٣. اجتمعت هذه العوامل جميعًا فأثمرت الدراسات اللغوية.

стр. 17

نشأتها: بدأ العلماء إذا يضعون القواعد التي تضبط اللغة، والتي تعين على فهمها وآدائها للمعاني، والتي تيسر على الدارسين لها من غير أبنائها طرق تعلمها وإجادتها، بدءوا بالدراسة العميقة والملاحظة الدقيقة، والسماع من العرب الخلص والأخذ عنهم، إلا أن ذلك لم يتهيأ لهم دفعة واحدة وإنما بدأت الدراسة تضع الخطوط العامة لا الفروع الدقيقة غير أن الدافع الديني جعلهم يقبلون على هذا العلم ويفرعون له، ويعطونه من عنايتهم واهتمامهم ما أسرع في نموه، وما هيأ له أن يكتمل وينضج في فترة قصيرة. ١- فعني المسلمون منذ القرن الأول الهجرة بتدقيق الكتابة العربية وتقييد "الحروف الكتابية" بـ

стр. 18

"الشكل" صونا لكلام الله عن أن يصيبه التحريف. ٢- وفي هذا الوقت بدأت المحاولات وتوالت للكشف عن القواعد التي يسير عليها الكلام العربي، ولوضع هذه القواعد في قوالب تتخذ للتعليم. ويبرز في هذه المحاولات اسم أبي الأسود الدؤلي، ومن وليه من نحاة البصرة والكوفة إلى أن يأتي الخليل بن أحمد الفراهيدي. وللخليل شأن جليل في كثير من جوانب الدراسات اللغوية، فقد استخرج أوزان الشعر العربي وأحكام قوافيه، وخطا بالمحاولات النحوية والصرفية السابقة خطوات كبارًا تبدو آثارها في كتاب تلميذه سيبويه ووضع -أو الأرجح أنه أوحى بطريقة وضع- أول معجم شامل لمفردات العربية وهو المعروف بـ"العين" وقد شارك الخليل في وصف أصوات اللغة العربية ثم أتى تلميذه سيبويه بوصف لها أدق من وصفه وأكمل.

стр. 19

٣- ثم كان كتاب سيبويه أقدم كتاب وصلنا في النحو العربي والذي اتخذ أساسًا لما وليه من دراسات نحوية١. ولقد امتزج النحو بالدراسات اللغوية، فقد كان مزيجًا من النحو والصرف واللغة والأدب وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية؛ لأن هذه الفروع كانت متداخلة آخذًا بعضها بحجز بعض لقرب الوشيجة بينها في الغرض والمقصد، فكان الأديب حينذاك نحويًّا صرفيًّا لغويًّا، والنحويّ أديبًا صرفيًّا وهكذا، وكان ذلك في الطور الأول: طور الوضع والتكوين وهو الذي بدأ بأبي الأسود وانتهى إلى أول عصر الخليل بن أحمد، ولقد أخذت هذه الفروع تمتاز بعضها من بعض في البحث والتدوين من أوائل الطور الثاني تدريجيًّا حتى اشتهر بعض العلماء بالنحو وأشير إلى آخر باللغة ودواليك٢.

стр. 20

فكان البحث في النحو في الأدوار الأولى للثقافة العربية ممتزجًا باللغة والأدب، وكان كذلك يمتزج بعلم القراءات في معظم الأحوال، فكان كثير من العلماء تشمل ثقافتهم وبحوثهم هذه الفروع الأربعة ثم اقتضت طبيعة التدرج والتعمق في البحث أن تستقل هذه الفروع بعضها عن البعض الآخر. ويقول الشيخ محمد الطنطاوي: "نعم قد تقلص عن كتب النحو من أوائل هذا الطور -الطور الثاني- ما لا يتصل به هذا الاتصال الوثيق كمباحث اللغة والأدب والأخبار على أن الخليل وهو غرة جبين هذا الطور قد جمع اللغة والنحو فإنه ذكر في كتاب العين مقدارًا كبيرًا من النحو بجانب اللغة"١. ٤- وكانت عناية علماء العربية بمفردات الكلام العربي -وكانوا يسمون هذا "علم اللغة"- عناية بالغة منذ القرم الأول للهجرة وظلت هذه العناية متواصلة،

стр. 21

فكان جمع المفردات الخاصة بموضوع معين، ككتاب الشجر أو المطر إلخ، أو جمع المفردات الغريبة كغريب القرآن، وغريب الحديث، وحوشى الكلام أو جمع "الأضداد" أو التأليف في "الترادف" والاشتراك اللفظي١. وعني العرب من قديم ببيان الكلمات الأعجمية الأصل الدخيلة على الكلام العربي، ونصوا على ما في لغة القرآن الكريم من الأعجمي، ولهم في "المعرب" تصانيف كثيرة من أشهرها كتاب المعرب للجواليقي، ومن عنايتهم بمفردات اللغة تأليفهم في مصطلح العلوم والفنون٢. ثم بلغ التأليف اللغوي القمة عندما صنف العلماء المعجمات التي تشمل أكبر عدد من مفردات اللغة على ترتيب خاص مصحوبة بشرح المعنى، وكان القرن

стр. 22

الأول للهجرة بداءة التأليف اللغوي، وفي القرن الثاني بدئ بتأليف المعجمات١. ٥- وعني علماء العربية بالبحث في أسباب فصاحة "الكلمة" وبلاغة الكلام إلخ. وقد اتصلت البلاغة بالمنطق كما اتصل النحو به أيضًا ولذلك أصابها العقم لما غلبه عليها الاتجاه المنطقي الفلسفي٢.

стр. 23

مصادرها: للدراسة اللغوية مصادر عني النحاة البصريون بالأخذ عنها وجملة هذه المصادر هي: أ- القرآن١ الكريم فهو أصدق مرجع وأصح مصدر يرجع النحاة إليه في تقنين القواعد واستخراج الأصول. ب- الشعر الجاهلي والإسلامي، وقد استشهدوا بشعر جرير والفرزدق والعجاج ورؤبة وأبي النجم، وعنوا أيضًا ببشار بن برد فاستشهدون بشعره٢. ويذهب السيوطي في الاقتراح إلى أن إبراهيم بن هرمة آخر من يحتج به٣ فهم يستشهدون على وجه التقريب بأشعار المحدثين الذين عاشوا حتى منتصف القرن الثاني للهجرة. ج- فصحاء العرب، وهم سكان البادية الذين لم يتأثروا بلغات أجنبية وهم قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين٤. وسأل الكسائي الخليل عن مصادر علمه فقال: من بوادر الحجاز ونجد وتهامة٥.

стр. 24

د- الأمثال وما جرى مجراها من أساليب قصيرة حفظها الاستعمال وشاعت على الألسنة كقول حاتم الطائي حين كان أسيرًا في بني عنزة مكان الأسير الذي فداه بنفسه، ولطمته أمه فقال: "لو ذات سوار لطمتني"١ وقول العرب: "أشأم من براقش"٢. أما الحديث فلم يجوز اللغويون والنحاة الأولون -كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد وسيبويه من البصريين والكسائي وهشام والفراء وغيرهم من الكوفيين- الاستشهاد به٣. وجاءت مدرسة الكوفة وهي مدينة في نشأتها لأعمال البصريين الأولين ولا يعني ذلك أنهم مقلدون وناقلون، فقد برز في دراستهم اللغوية طابعهم العلمي الخاص، فغيروا في الأصول التي تلقوها وعدلوها،

стр. 25

وكانت لهم زيادات فيها، بل لقد حاولوا إعادة النظر فيها، ورجعوا إلى مصادرها الأولى. فهذا أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي سنة ١٨٩هـ يرحل إلى البوادي١ ويقضي فيها زمنا طويلًا، يسمع من أعرابها ويدون ما يسمع، بعد أن تلقى أصول الدراسة اللغوية عن الخليل بن أحمد، فلم يتقبل النتائج التي وصل إليها أستاذه وغيره، على أنها نتائج مقطوع بصحتها، وجملة مصادرهم هي: ١- الدراسات اللغوية البصرية: كما تلقوها عن عيسى بن عمر والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب. ٢- لغات الأعراب التي اعتمد عليها البصريون: وهي لغات الأعراب بالبوادي، ولقد نقل البصريون واحتجوا بلغات "قيس وتميم وأسد فإن هؤلاء هم الذين

стр. 26

عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم"١. ٣- لغات أخرى أبى البصريون الاستشهاد بها: وهي لهجات عرب الأرياف، الذين وثقوا بهم، كأعراب سواد الكوفة من تميم وأسد، وأعراب سواد بغداد من أعراب الحليمات الذين قدموا بغداد وضربوا خيامهم في قطر بل "قرية من متنزهات بغداد اشتهرت باللهو والخمر". وجاء في بغية الوعاة "وعن الأصمعي: أخذ الكسائي اللغة عن أعراب من الحطمة ينزلون بقطر بل، فلما ناظر سيبويه استشهد بلغتهم عليه، وقال ابن

стр. 27

درستويه: كان الكسائي يسمح الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه فأفسد بذلك النحو"١. وجاء في نشأة النحو نقلًا عن أخبار النحويين البصريين قال أبو زيد: قدم علينا الكسائي البصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما وأخذ منهم نحوًا كثيرًا، ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحليمات فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن، فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله٢. وقد اقتفى الكوفيون طريق الكسائي فعولوا على شعر الأعراب بعد أن امتزجوا وتأشبوا "اختلطوا" بالمتحضرين ولان جفاؤهم، ومن أجل هذا كان البصريون يفتخرون على الكوفيين، فيقول الرياشي البصري: "نحن نأخد اللغة عن حرشة الضباب وأكلة

стр. 28

اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز١. ولا يعني قبول الكوفيين لهجات قد رفضها البصريون، أنهم لم يكونوا يتشددون في قبول اللغات التي كانوا يعتمدون عليها في دراستهم اللغوية فقد استهجنوا لهجات كما جاء في قول الفراء: "كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغاتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ من ذلك: الكشكشة، والكسكسة، والعنعنة، والفخفحة، والوكم، والوهم، والعجعجة.. إلخ"٢.

стр. 29

٤- الشعر العربي: سبق أن قلنا أن علماء اللغة الأقدمين استشهدوا بالشعر الجاهلي والإسلامي واحتجوا به، بل لقد تجاوزوا ذلك حتى استشهدوا بشعر كثير من المحدثين الذين وثقوا بفصاحتهم، وكان آخر من يحتج به عندهم إبراهيم بن هرمة "والذي توفي في النصف الثاني للهجرة"١. والشعر العربي كان أيضًا من مصادر الكوفيين جاهليه وإسلاميه ومحدثه فاحتجوا به وبنوا عليه قواعدهم ودراستهم اللغوية. بل لقد وافقوا البصريين في علمه بفضل الأوراق المطمورة من عهد النعمان بن المنذر نقل ابن جني عن حماد الراوية الكوفي "قال أمر النعمان فنسخت له أشاعر العرب في الطنوج "الكراريس" ثم دفنها في قصره الأبيض فلما كان المختار بن عبيد الثقفي قيل له: إن تحت القصر كنزًا فاحتفره، فأخرج

стр. 30

تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة"١. إلا أنه مما يؤخذ على البصريين والكوفيين عدم فصلهم بين الشعر والنثر في تقعيد القواعد، وخلطوا بين الشعر والنثر، فلقد قعدوا بعضهم قواعدهم على أبيات من الشعر، مع أن للشعر لغته الخاصة به يقتضيها الأسلوب الشعري من الخضوع للوزن والقافية، وينتج عن ذلك اضطراب النحاة في بعض أحكامهم. ٥- القراءات: والقراءات مصدر مهم من مصادر النحو الكوفي، ولكن البصريين كانوا قد وقفوا منها موقفهم من سائر النصوص اللغوية وأخضعوها لأصولهم وأقيستهم، فما وافق منها أصولهم، ولو بالتأويل قبلوه، وما أباها رفضوا الاحتجاج به، ووصفوه بالشذوذ، كما رفضوا

стр. 31

الاحتجاج بكثير من الروايات اللغوية، وعدوها شاذة تحفظ، ولا يقاس عليها"١. ويرجع اعتبار القراءات مصدرًا لغويًّا للكوفيين إلى: أن الكوفة كانت مهبط الصحابة، وأن مؤسس هذه المدرسة وأستاذهم إمام من أئمة القراءات وهو الكسائي، وأن طابع الكوفيين في دراستهم ديني ومن مظاهر هذا عنايتهم بالقرآن، وصلة الكسائي به واضحة كل الوضوح، وصلة الفراء به واضحة أيضًا فهو صاحب: "معاني القرآن" الذي يشهد بعنايته بالأعمال القرآنية"٢. ومن المصادر اللغوية التي أهملها النحاة الأولون "الحديث"٣. ولقد استمد العلماء ملاحظاتهم الصوتية من مصادر مختلفة فاستمدوها من المحاولات التي قاموا بها لوضع

стр. 32

الكتابة العربية وللإصلاحات الكثيرة التي أدخلوها عليها، وذلك كالإصلاح المنسوب إلى أبي الأسود الدؤلي والخاص بوضع نقط تمثل الحركات القصيرة والتنوين، وكان ذلك قبل وضع "النحو" العربي، وكالإصلاحات التي تلت هذا والتي أضافت إلى الكتابة العربية علامات لخصائص صوتية أخرى. فلقد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي "١٠٠-١٧٤هـ" طريقة أخرى للشكل وهي التي عليها الناس ذلك بأنه جعل للفتحة ألفا صغيرة مضطجعة فوق الحرف، وللكسرة رأس ياء صغيرة تحته وللضمة واو صغيرة فوقه فإذا كان الحرف المحرك منونا كرر الحرف الصغير فكتب مرتين فوق الحرف أو تحته ووضع للتشديد رأس شين بغير نقط هكذا "س" وللسكون رأس خاء بلا نقط هكذا "ح" وللهمزة رأس عين "ع" ولألف الوصل رأس صاد هكذا "ص" توضع فوق ألف الوصل وللمد الواجب ميما صغيرة مع

стр. 33

جزء من الدال هكذا "مد" والذي تطور إلى "مد" فكان مجموع ما وضع الخليل ثماني علامات هي الفتحة والكسرة والضمة والشدة والسكون والهمزة ولو صلة المد وقد تفنن أتباع الخليل فأدخلوها بعض تعديلات على هذه العلامات حتى صارت كما هي الآن هكذا: ر، ر، ر، ر، ر، ر، ر، ر وكذلك استمد العلماء ملاحظاتهم الصوتية واللغوية من كتاب العين المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي، وفي المقدمة تصنيف للأصوات العربية حسب موضع النطق، أحس الخليل أنه لا بد كي يضع معجمًا جامعًا لمفردات اللغة العربية، أن يرتب مواده، على أساس معين. وقد اختار أن ترتب "المواد" على أساس "الحروف" التي تتكون منها، واختار أن ترتب "الحروف" على أساس مخارجها فبدأ من أقصاها في الحلق متقدمًا إلى الشفتين.

стр. 34

يقول الشيخ١ الطنطاوي: إن كتاب العين هو الأساس لكتب اللغة، ثم كان سيبويه ذلك الكتاب الجامع الذي اتخذ مصدرًا للدراسات اللغوية بعد سيبويه. ولقد أورد سيبويه في كتابه تصنيفًا للأصوات العربية ووصفًا لها في باب الإدغام، وكان تصنيف سيبويه ووصفه للأصوات العربية دقيقان كل الدقة بالنسبة إلى عصره وقد تناقلتها التآليف العربية من بعده. ويرى الدكتور محمود السعران أن أخذ العرب أصول تصنيف الأصوات ووصفها عن الهنود أو أخذهم في الميادين اللغوية عامة أو تأثرهم بهم أمرًا محتملًا نظرًا، ويستند هذا الاحتمال على دعامتين: الأولى: لأن تصنيف الأصوات ووصفها ظهر عند العرب دفعة واحدة لا على سبيل التدرج، وظهر عند سيبويه كاملًا. الثانية: أن دوائر البحور الشعرية التي وضعها الخليل صاحب علم العروض نجد شبيهًا لها عند الهنود من قبل٢.

стр. 35

أهدافها: ١- كان الهدف الأول من أهداف الدراسات اللغوية هو خدمة القرآن الكريم؛ لأنهم كانوا يخشون أن ينتقل الفساد من اللغة إلى القرآن فيناله التحريف والتغيير وبذلك يضيع ذلك الدستور الإسلامي العظيم، ثم لا يؤمن أن يضيع معالم الدين بعد، بل إن مصيرها بعده محكوم عليها بالزوال والضياع. ٢- وكان الهدف الثاني الحفاظ على اللغة العربية من أن يدخلها اللحن أو التحريف، فقد يظل القرآن سليمًا نقيًّا؛ لأنهم حريصون على سلامته، وقد يظل الحديث كذلك سليمًا نقيًّا، ولكن اللغة إذا أفسدت أو

стр. 36

حرفت أو بعدت عن أصلها الذي منه نبعث، وإذا تحولت بمرور الزمن واختلاف الألسن والبلاد شيئًا جديدًا، فإنها حنيئذ لن تعين على فهم القرآن والحديث؛ لأن لغتهما ستصبح شيئًا مستغلقًا مبهمًا وستكون على فرض حفظها، واستيعابها مجرد ألفاظ تلقى، وعبارات تقال دون أن يكون لها أثرها المرجو منها. ٣- وكان الهدف الثالث وهو معرفة صحيح الكلام وجيده كتابة ونطقًا ووضع "قواعد" تميز صحيح الكلام من خطئه وجيده من رديئة، "قواعد" متعلقة بهجاء اللغة و"نحوها" ومفرداتها و"بلاغتها" وما أشبه هذا قواعد تعلم الناشئة صحة الكلام وجودته وتتخذ مقياسًا للحكم على الصواب والخطأ، والجيد والرديء. يقول الدكتور تمام حسان: "إن الغاية التي نشأ النحو العربي من أجلها هي ضبط اللغة وإيجاد الأداة التي تعصم اللاحنين من الخطأ"١.

стр. 37

٤- الهدف الرابع فهم ما استغلق معناه من كتاب الله وحديث رسوله فكان تدوين غريب القرآن وأول من يعزى إليه كتاب غريب القرآن١ هو عبد الله بن عباس "المتوفى سنة ٦٨هـ". ثم كان تدوين غريب الحديث ولم يبدأ بالتدوين في هذا الفرع من اللغة مع نظيره "غريب القرآن" بل تأخر كثيرًا، وإن كان من المحتمل أن للكلام فيهما بدأ في وقت واحد، فقد رأينا كتابًا في غريب القرآن ينسب إلى عبد الله بن عباس، ولكننا لم نجد كتابًا في غريب الحديث ينسب إلى هذا الحبر أو أحد معاصرية أو تلاميذه المباشرين، وإنما عزا أكثر الباحثين الكتاب الأول في غريب الحديث إلى أبي عبيدة٢ معمر بن المثنى "المتوفى سنة ٢١٠هـ".

стр. 38

٥- الهدف الخامس ضبط اللغة وحصرها، وكان هذا هدف الخليل بن أحمد عندما أخذ في تأليف معجم العين١. ٦- الهدف السادس فهم المعاني الوضعية والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب والتمكن من التفنن في الكلام، فقد جاء في كشف الظنون: "واعلم أن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين؛ لأن منهم من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظًا ويطلب معناه، ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ، فلكل من الطريقين قد وضعوا كتبًا ليصل إلى مبتغاه". وذكر أن غاية علم اللغة الاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني الوضعية والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب"٢.

стр. 39

٧- الهدف السابع -ويختص بدراسة الأصوات، وهو تجويد القرآن وترتيله ترتيلًا حسنًا، وتحصين اللغة العربية ضد أصوات طارئة حملتها عناصر أجنبية إلى البيئات العربية، وقد اختلطت هذه العناصر بالعرب وشاركوهم في حياتهم ولغتهم، ولم تستطع أن تتخلى عن الرواسب اللغوية المتبقية من لغاتها الأصلية التي نشأت عليها. هذه هي أهم أهداف الدراسة اللغوية بمعناها العام.

стр. 40

اتجاهاتها: كانت الظروف التي دعت إلى نشأة الدراسة اللغوية العربة العامل الرئيسي في تحديد اتجاه هذه الدراسات وفلسفة منهجها، ولقد سبق أن قلنا إن دراسة اللغة العربية الفصحى نشأة علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي سموها "ذيوع اللحن" وهذا اللحن كان يصدق على أخطاء صوتية كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد" ويفصله ما يروي من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي وسعد الزندخاني وغيرهما١. ومثل ذلك ما ورد عن عبيد الله بن زياد من أنه كان ينطق الهاء بدلًا من القاف ... "٢. وما ورد عن المدنيين من نطقهم ممزوز بدلًا من مخصوص٣، كما يصدق على الخطأ الصرفي في الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة أو في الإلحاق أو الزيادة وذلك كما ورد عن المدنيين من أنهم كانوا يقولون: اشترنج بلال من شطرنج٤.
следующие страницы →