حرفت أو بعدت عن أصلها الذي منه نبعث، وإذا تحولت بمرور الزمن واختلاف الألسن والبلاد شيئًا جديدًا، فإنها حنيئذ لن تعين على فهم القرآن والحديث؛ لأن لغتهما ستصبح شيئًا مستغلقًا مبهمًا وستكون على فرض حفظها، واستيعابها مجرد ألفاظ تلقى، وعبارات تقال دون أن يكون لها أثرها المرجو منها.
٣- وكان الهدف الثالث وهو معرفة صحيح الكلام وجيده كتابة ونطقًا ووضع "قواعد" تميز صحيح الكلام من خطئه وجيده من رديئة، "قواعد" متعلقة بهجاء اللغة و"نحوها" ومفرداتها و"بلاغتها" وما أشبه هذا قواعد تعلم الناشئة صحة الكلام وجودته وتتخذ مقياسًا للحكم على الصواب والخطأ، والجيد والرديء.
يقول الدكتور تمام حسان: "إن الغاية التي نشأ النحو العربي من أجلها هي ضبط اللغة وإيجاد الأداة التي تعصم اللاحنين من الخطأ"١.
стр. 37
٤- الهدف الرابع فهم ما استغلق معناه من كتاب الله وحديث رسوله فكان تدوين غريب القرآن وأول من يعزى إليه كتاب غريب القرآن١ هو عبد الله بن عباس "المتوفى سنة ٦٨هـ".
ثم كان تدوين غريب الحديث ولم يبدأ بالتدوين في هذا الفرع من اللغة مع نظيره "غريب القرآن" بل تأخر كثيرًا، وإن كان من المحتمل أن للكلام فيهما بدأ في وقت واحد، فقد رأينا كتابًا في غريب القرآن ينسب إلى عبد الله بن عباس، ولكننا لم نجد كتابًا في غريب الحديث ينسب إلى هذا الحبر أو أحد معاصرية أو تلاميذه المباشرين، وإنما عزا أكثر الباحثين الكتاب الأول في غريب الحديث إلى أبي عبيدة٢ معمر بن المثنى "المتوفى سنة ٢١٠هـ".
стр. 38
٥- الهدف الخامس ضبط اللغة وحصرها، وكان هذا هدف الخليل بن أحمد عندما أخذ في تأليف معجم العين١.
٦- الهدف السادس فهم المعاني الوضعية والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب والتمكن من التفنن في الكلام، فقد جاء في كشف الظنون: "واعلم أن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين؛ لأن منهم من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظًا ويطلب معناه، ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ، فلكل من الطريقين قد وضعوا كتبًا ليصل إلى مبتغاه".
وذكر أن غاية علم اللغة الاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني الوضعية والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب"٢.
стр. 39
٧- الهدف السابع -ويختص بدراسة الأصوات، وهو تجويد القرآن وترتيله ترتيلًا حسنًا، وتحصين اللغة العربية ضد أصوات طارئة حملتها عناصر أجنبية إلى البيئات العربية، وقد اختلطت هذه العناصر بالعرب وشاركوهم في حياتهم ولغتهم، ولم تستطع أن تتخلى عن الرواسب اللغوية المتبقية من لغاتها الأصلية التي نشأت عليها.
هذه هي أهم أهداف الدراسة اللغوية بمعناها العام.
стр. 40
اتجاهاتها:
كانت الظروف التي دعت إلى نشأة الدراسة اللغوية العربة العامل الرئيسي في تحديد اتجاه هذه الدراسات وفلسفة منهجها، ولقد سبق أن قلنا إن دراسة اللغة العربية الفصحى نشأة علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي سموها "ذيوع اللحن" وهذا اللحن كان يصدق على أخطاء صوتية كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد" ويفصله ما يروي من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي وسعد الزندخاني وغيرهما١.
ومثل ذلك ما ورد عن عبيد الله بن زياد من أنه كان ينطق الهاء بدلًا من القاف ... "٢.
وما ورد عن المدنيين من نطقهم ممزوز بدلًا من مخصوص٣، كما يصدق على الخطأ الصرفي في الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة أو في الإلحاق أو الزيادة وذلك كما ورد عن المدنيين من أنهم كانوا يقولون: اشترنج بلال من شطرنج٤.
стр. 41
وعلى الخطأ المعجمي كما ورد أيضًا عن المدنيين من أنهم كانوا يستعملون خربوز الفارسية "المعربة إلى خربر" بدلا من "بطيخ".
وهذا الخطأ المعجمي يبدو في اختيار كلمة أجنبية دون كلمة عربية لها نفس المعنى، وعلى الخطأ النحوي الذي كان يتعدى في بعض الأحوال مجال العلامة الإعرابية إلى مجالات الرتبة والمطابقة وغيرهما.
فمن ثم كانت اتجاهات الدراسات اللغوية إلى هذه النواحي: الدراسات الصوتية، والدراسات الصرفية، والدرسات المعجمية، والدراسات النحوية.
ويصدق على هذه الأخطاء التي عالجتها الدراسات اللغوية أنها أخطاء في المبنى أولًا وأخيرًا ولو أدت في النهاية إلى خطأ في المعنى لم يكن نتيجة خطأ في القصد، ومن هنا اتسمت الدراسات اللغوية العربية بسمة الاتجاه إلى المبنى أساسًا، ولم يكن قصدها إلى المعنى إلا تبعًا لذلك وعلى استحياء.
стр. 42
وحين قامت دراسة "علم المعاني" في مرحلة متأخرة عن ذلك في تاريخ الثقافة العربية كانت طلائع القول في هذه الدراسة كما كانت في بداية دراسة النحو من قبلها تناولا للمبنى المستعمل على مستوى الجملة لكن لا على مستوى الجزء التحليلي كما في الصرف ولا على مستوى الباب المفرد كما في النحو، ومن هنا رأينا عبد القاهر في دلائل الإعجاز يتكلم في النظم والبناء والترتيب والتعليق كلها أمور تتصل بالتراكيب أكثر ممل تتصل بالمعاني المفردة١.
стр. 43
تشعبها:
أنشأت الدراسات اللغوية مزيجًا من النحو والصرف واللغة والأدب والأصوات وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية؛ وذلك لأن هذه الفروع كانت متداخلة آخذًا بعضها بحجز بعض -كما قلنا- لقرب الصلة بينها في الغرض والهدف، فكان الأديب حينذاك لغويًّا صرفيًّا نحويًّا، والنحوي أديبًا لغويًّا صرفيًّا، ثم أخذت هذه الفروع تمتاز بعضها من بعض في البحث والتدوين من أوائل الطور الثاني الذي يبدأ من عهد الخليل بن أحمد وأبي جعفر الرؤاس إلى أول عصر المازني البصري وابن السكيت الكوفي، أخذت تمتاز بعضها عن بعض تدريجيًّا حتى اشتهر بعض العلماء بالنحو واشتهر آخرون باللغة وهكذا.
وتقلص عن كتب النحو من أوائل هذا الطور ما لا يتصل به اتصالًا وثيقًا كمباحث اللغة والأدب والأخبار، على أن الخليل وهو غرة جبين هذا الطور قد جمع بين اللغة والنحو فإنه ذكر في كتاب العين الذي هو الأساس لكتب اللغة مقدارًا كبيرًا من النحو١.
أما الصرف فلقد أخذ العلماء يعالجون مسائله استطرادًا وفي خلال دراستهم لمسائل النحو منذ أواخر القرن الأول الهجري، ثم أخذت مسائل الصرف تنفصل
стр. 44
شيئًا فشيئًا عن مسائل النحو وتدريس على حدة حتى تكون منها علم متميز.
غير أن هذا العلم لم يستقل تمام الاستقلال عن النحو، فلا تزال طائفة كبيرة من مسائله ممتزجة بالنحو، ولم ينفك الباحثون إلى عهد قريب ينظرون إلى الشعبتين نظرتهما إلى علم واحد ويعالجون مسائلهما في مؤلفات واحدة، ولكن جرت عادة معظمهم أن يفرد لكل منهما أبوابًا على حدة١.
وكان علم الأصوات في بدايته جزءًا من النحو، ثم انفصل عن النحو وسمي بعلم التجويد.
يقول الدكتور مهدي المخزومي: كانت العناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه دافعًا لطائفة القراء الذين أدركوا ضرورة الانتفاع بهذه الدراسة في ضبط القراءة وضبط أصولها، فأخذوا هذه البحوث الخاصة بالأصوات وما بني عليها من بحوث التضعيف والإدغام
стр. 45
والمخالفة والإمالة والإبدال وأضافوا إليها أحكامًا ووضعوا لها مصطلحات جديدة، وكان لديهم مما أخذوه ومما استخرجوه علم جديد سموه علم التجويد.
وإذا بحثت في أصول هذا العلم ومسائله عرفت أنها أصول ومسائل لا تخرج عن كونها في الأصوات ومخارجها وصفاتها وأحوالها المختلفة.
يقول بركستراسر: "كان علم الأصوات في بدايته جزءًا من النحو ثم استعاره أهل الأداء والمقرئون وزادوا فيه تفصيلات كثيرة مأخوذة من القرآن الكريم"١.
وهكذا انفصلت الدراسات الصوتية عن النحو التي كانت مبثوثة في كتاب سيبويه مختلطة بالنحو أخذها القراء للاستفادة منها في تلاوة القرآن وترتيله ترتيلًا حسنًا وتوسعوا فيها، وزادوا فيها أشياء جديدة اقتبسوها من القرآن والروايات التي كانوا يتناقلونها خلفًا عن سلف
стр. 46
وكانوا من هذا وذاك علمًا مستقلًا لا علاقة له بالنحو وسموه علم التجويد.
وهكذا تفرعت الدراسات اللغوية إلى فروع مختلفة، يقول قائلهم معددًا علوم العربية:
نحو وصرف عروض بعده لغة ... ثم اشتاق وقرض الشعر إنشاء
كذا المعاني بيان خط قافية ... تاريخ، هذا لعلم العرب إحصاء
يقول الدكتور كمال بشر: فهذه العلوم المذكورة تقابل فروع علم اللغة بالمعنى الحديث، بل تزيد عليها، فقرض الشعر بمعنى التعبير عما في النفس شعرًا، والإنشاء -ويبدو أن المقصود به كتابة الأدب نثرًا والتاريخ-كلها علوم لها مجالاتها الخاصة بها ولا يعرض لها علم اللغة الحديث في قليل أو كثير.
أما أوزان الشعر وموسيقاه -وقد أشير إليها هنا بالعروض والقافية- وقد أصبحت محل اهتمام اللغويين المحدثين لارتباط أنماطها ونماذجها التي صيغت وفقًا لها
стр. 47
ببعض القوانين الصوتية العامة، وبخاصة تلك التي تحدد تكوين المقاطع وتركيبها في هذه اللغة.
وعلم المعاني المشهور بضمه إلى علوم البلاغة أن هو إلا دراسة لغوية تدخل في إطار علم النحو بمعناه الدقيق، وقد نعته بعضهم "بالنحو العالي".
وعلم البيان في بعض أبوابه أو معظمها يدخل في نطاق الدرس اللغوي الحديث، فالمجاز بأنواعه والكناية في بعض صورها يعرض لها علم الدلالة أو السيمانتيك على أساس أنها أمثلة لتعدد المعنى وتنوعه أو على أساس أنها صور للتغير الذي يصيب معاني الكلمات والعبارات، ويقصد بالمصطلح "لغة" في البيتين السابقين البحث في المفردات ودراستها وجمعها على نحو ما في المعجم والرسائل اللغوية، وهو بهذا المعنى يرادف المصطلح الآخر "متن اللغة" في أصل إطلاقه.
أما "الاشتقاق" المذكور هنا فالمقصود به البحث في أصول الكلمات وما تفرع عنها، وربط هذه الفروع
стр. 48
بتلك الأصول من حيث اللفظ والمعنى معًا، على نحو ما يجري في تلك الأبواب المعروفة بالاشتقاق الكبير والاشتقاق الأكبر، وهي أبواب برع فيها جماعة من اللغويين نستطيع أن نطلق عليهم اسم "المدرسة الاشتقاقية" التي من راودها ابن دريد وابن فارس وابن جني، وهذا النوع هو الأساس لبحوث أوسع وأشمل، أطلق عليها أيضًا اسم آخر هو "فقه اللغة"١ وفقه اللغة وقرينه من اللغة يمثلان جوانب معينة من البحث يعتد بها علم اللغة الحديث.
وليس المقصود "بالخط" في البيتين فن الخط، بمعنى تحسين الكتابة وتجويدها، وإنما المراد به الرسم والإملاء وكلاهما يمثل نقطة مهمة من نقاط المباحث الصوتية في العرف الحاضر.
стр. 49
ويرى الدكتور كمال بشر أنه بالرغم من هذا الحصر الشامل أن فرعًا مهمًّا من فروع علم اللغة قد أهمل ذكره في البيتين السابقين ذلك الفرع هو علم الأصوات، ونرى كما يرى الدكتور بشر أن السبب في ذلك هو:
١- لم تخصص في القديم أعمال مستقلة للدراسات الصوتية، فهذا هو الخليل بن أحمد يعرض لها في مقدمة كتاب العين كمقدمة لعمله المعجمي، وهذا سيبويه يلحق دراساته الصوتية بآخر بحوثه اللغوية فصارت كما لو كانت شيئًا إضافيًّا أو تذييلا لجملة أعماله.
٢- جاء على اللغويين وقت أهملوا فيه النظر في أصوات اللغة نظرًا جادًّا، وتركوا أمر هذه الدراسة إلى علماء التجويد والأداء القرآن، ظنًّا منهم أنها دراسة خاصة بهؤلاء القوم١.
стр. 50
الصحابي في فقه اللغة لأبي فارس أحمد بن فارس
...
الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس أحمد بن فارس:
هو أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب القزويني، من أعلام اللغة العربية في القرن الرابع الهجري.
ولد في أوائل القرن الرابع الهجري، وتوفي في الرِّي في شهر صفر سنة ٣٩٥هـ ودفن بها.
وولد بقرية "كرسف" أو "جياناباذ" وهما قريتان من رستاق الزهراء ولم يوجد دليل ثابت على أن ابن فارس من أصل عربي، ولذلك رجح بعض العلماء أنه كان فارسي الأصل؛ لأنه قضى معظم حياته في بلاد غير عربية وهي قزوين وهمذان والرِّي.
أساتذته:
كان ابن فارس نحويًّا على طريقة الكوفيين وقد تعلم العلم عن أبيه فارس بن زكريا سنة ٣٦٩هـ وعن "أبي
стр. 51
الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان توفي سنة ٣٤٥هـ وهو كثيرًا ما حدث ابن فارس في "الصاحبي" عنه. ومن أساتذته أيضًا علي بن عبد العزيز المكي توفي سنة ٢٨٦هـ وأبو عبد الله أحمد بن طاهر المنجم توفي ٣٦٠هـ وكان يقول عنه ابن فارس: "ما رأيت مثل أبي عبد الله أحمد بن طاهر. ولا رأى مثل نفسه".
ومنهم أبو القاسم سليمان بن الطبراني توفي سنة ٣٦٠هـ.
تلامذته:
تتلمذ على ابن فارس كثيرون نذكر منهم: ابن خالويه بالشام، وابن علاف بفارس، وأبو بكر الخوارزمي بخرسان وبديع الزمان الهمذاني بهمذان، والصاحب بن عباد بالرِّي.
مكانته العلمية:
لقد كان ابن فارس يتمتع بعقلية فذة، ومكانة مرموقة بين علماء عصره، ولقد ألف المجمل في اللغة، وهو مع اختصاره جمع شيئًا كثيرًا، والصاحبي في فقه اللغة، ومقاييس اللغة يعدا مفخرة من مفاخر التأليف اللغوي، وغير ذلك كثير.
стр. 52
الصحابي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها " لماذا سمي بالصحابي "
لماذا سمي بالصحابي
...
الصحابي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها:
لماذا سمي بالصحابي؟:
لقد أسماه ابن فارس بالصاحبي نسبة إلى الوزير الصاحب بن عباد؛ لأنه أودعه خزانته يقول ابن فارس: وإنما عنونته بهذا الاسم لأني لما ألفته أودعته خزانة "الصاحب" الجليل كافي الكفاة، عمر الله عراص العلم والأدب والخير والعدل بطول عمره، واقتصر السيوطي على تسميته باسم "فقه اللغة" في أكثر من موضع من كتابه المزهر، وسماه البعض فقه العربية.
ويعد ابن فارس أول من أطلق على الدراسات اللغوية اسم فقه اللغة١ بتسميته هذا الكتاب رغم أن العلماء قبله ألفوا في هذه البحوث كالأصمعي وابن السكيت وغيرهما.
стр. 53
مباحث الصحابي
...
مباحث الصاحبي:
إذا نظرنا في كتاب الصاحبي وجدنا أن ابن فارس قسم علم العربية إلى قسمين:
١- قسم فرعي وهو معرفة أسماء الأشياء وصفاتها كجمل وفرس وطويل وقصير وبعض الناس شغل بالفرع فلا يعرف غيره.
٢- قسم أصلي: ومن مباحثه البحث في أولية اللغة ومنشئها، وتشمل مباحث علم النحو الصرف والبلاغة والتجويد وغيرها مما يساعد على فهم كتاب الله وسنة رسوله.
يقول ابن فارس في مقدمة كتابه: "إن لعلم العرب أصلًا وفرعًا: أما الفرع فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا "رجل" و"فرس" و"طويل" و"قصير" وهذا هو
стр. 54
الذي يبدأ به عند التعليم. وأما الأصل فالقول على موضوع اللغة وأوليتها ومنشئها، ثم على رسوم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتنان تحقيقًا ومجازًا.
والناس في ذلك رجلان: رجل شغل بالفرع فلا يعرف غيره، وآخر جمع الأمرين معًا، وهذه هي الرتبة العليا؛ لأن بها يعلم خطاب القرآن والسنة، وعليها يعول أهل النظر والفتيا؛ وذلك أن طالب العلم العلوي يكتفي من أسماء "الطويل" باسم الطويل، ولا يضيره١ أن لا يعرف "الأشق"٢ و"الأمق" وإن كان في علم ذلك زيادة فضل.
ولو أنه لم يعلم توسع العرب في مخاطباتها لعي بكثير من علم محكم الكتاب والسنة، لا تسمع قول الله جل ثناؤه ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
стр. 55
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ١ إلى آخر الآية؟ فسر هذه الآية في نطقها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشي من الكلام وإنما معرفته بغير ذلك مما لعل كتابنا هذا يأتي على أكثر بعون الله تعالى.
والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول أن متوسمًا بالأدب لو سئل عن "الجزم"٢ و"التسويد"٣ في علاج النوق فتوقف أو عي به أو لم يعرفه لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصا شائعًا؛ لأن كلام العرب أكثر من أن يحصى، ولو قيل له: هل تتكلم العرب في النفي بما تتكلم به في الإثبات، ثم لم يعلمه لنقصه ذلك في شريعة الأدب عند أهل الأدب؛ لأن ذلك يردي دينه أو يجره لمأثم.
كما أن متوسمًا بالنحو لو سئل عن قول القائل:
стр. 56
لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كاذب من يقولها
فتوقف أو فكر أو استمهل لكان أمره في ذلك عند أهل الفضل هينًا، لكن لو قيل له مكان، لهنك "ما أصل القسم، وحكم حروفه وما الحروف الخمسة المشبهة بالأفعال التي كون الاسم بعدها منصوبًا وخبره مرفوعًا فلم يجب لحكم عليه بأنه لم يشام صناعة النحو قط.
فهذا الفصل بين الأمرين. والذي جمعناه في مؤلفنا هذا مفرق في أصناف العلماء المتقدمين ﵃ وجزاهم عنا أفضل الجزاء وإنما لنا فيه اختصار مبسوط أو بسط مختصر أو شرح مشكل أو جمع متفرق١.
وكتاب الصاحبي يضم مباحث عدة:
أ- بعضها يهم الباحث في فقه اللغة وهذه المباحث هي التي ابتدأ بها الكتاب. كالكلام على نشأة
стр. 57
اللغة وبيان أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها، وأنه لا يحيط بها إلا نبي، والكلام على لغات العرب المختلفة. وبيان فصيحها ومذمومها، ومظاهر اختلافها، وبيان أن اللغة العربية قياس وتطور اللغة بمجيء الإسلام، وغير ذلك من المباحث المهمة التي لا غنى عنها لدارس فقه اللغة.
ب- أما بعضها الآخر فمباحث نحوية وصرفية وصوتية وبلاغية.
стр. 58
نشأة اللغة وتطورها
مدخل
...
نشأة اللغة وتطورها:
لم يحظ أي موضوع لغوي بالنظر فيه، والكتابة عنه. واختلاف المذاهب فيه مثل ما حظى به هذا الموضوع ومع هذا فلم يصل الباحثون فيه إلى رأي سديد يقتنع به الباحث، وسنذكر أولًا رأي ابن فارس في هذا الموضوع يقول ابن فارس: باب القول على لغة العرب أتوقيف أم اصطلاح؟
أقول إن لغة العرب توقيف ودليل ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١، فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها وهي هذه التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى خصيف عن مجاهد قال: علمه اسم كل شيء. وقال غيرهما: إنما علمه أسماء الملائكة. وقال آخرون: علمه أسماء ذريته أجمعين. والذي نذهب إليه
стр. 59
في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس. فإن قال قائل: لو كان ذلك ما تذهب إليه لقال: "ثم عرضهن أو عرضها" فلما قال: "عرضهم" علم أن ذلك لأعيان بني آدم أو الملائكة؛ لأن موضوع الكناية في كلام العرب يقال لما يعقل "عرضهم" ولما لا يعقل "عرضها أو عرضهن" قيل له: إنما مثال ذلك والله أعلم؛ لأنه جمع ما يعقل وما لا يعقل فطلب ما يعقل، وهي سنة من سنن -العرب، أعني "باب التغليب". وذلك كقوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ١ فقال: "منهم" تغليبًا لمن يمشي على رجلين وهم بنو آدم.
فإن قال: أفتقولون في قولنا سيف وحسام وعضب إلى غير ذلك من قوله توقيف حتى لا يكون شيء منه مصطلحًا عليه؟ قيل له كذلك تقول: وعلى صحة ما نذهب إليه إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحًا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم أولى منافي الاحتجاج لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق.
стр. 60
رأي ابن فارس في تطور اللغة:
يقول ابن فارس:
ولعل ظانا يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد. وليس الأمر كذا، بل وقف الله آدم ﵇ على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، وانتشر من ذلك ما شاء الله، ثم علم من بعد آدم ﵇ من عرب الأنبياء صلوات الله عليهم نبيًّا نبيًّا ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فآتاه الله من ذلك ما لم يؤته أحدًا قبله،
стр. 61
تمامًا على ما أحسنه من اللغة المتقدمة ثم قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت.
فإن تعمل اليوم لذلك متعمل وجد من نفاذ العلم من ينفيه ويرده. ولقد بلغنا عن "أبي الأسود" أن امرأ كلمه ببعض ما أنكره أبو الأسود فسأله أبو الأسود عنه فقال: "هذه لغة لم تبلغك" فقال له: يا ابن أخي لا خير لك فيما لم يبلغني "فعرفه بلطف أن الذي تكلم به مختلف. وخلة أخرى أنه يبلغنا أن قومًا من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه فكنا نستدل بذلك على اصطلاح كان قبلهم. وقد كان في الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وهم البلغاء والفصحاء، من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به. وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم.
стр. 62
ومعلوم أن حوادث العالم لا تنقضي إلا بإنقضائه ولا تزال إلا بزواله وفي ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب١.
فابن فارس يرى أن اللغة توقيفية من عند الله علمها لآدم عن طريق الوحي أو الإلهام بأن علمه الله ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، ثم علم بعد آدم من الأنبياء صلوات الله عليهم نبيا نبيًا ما شاء الله أن يعلمون حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فآتاه الله من ذلك ما لم يؤته لأحد قبله زيادة على ما أحسنه من اللغة المتقدمة وتكملة له. ثم قر الأمر قراره فلم نعلم لغة وجدت بعد ذلك.
وقد ذهب إلى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني هيراكليت، وفي العصور الحديثة طائفة من العلماء وعلى رأسها الأب فرانسو لامي المتوفى عام ١٧١١م في كتابة "فن الكلام"٢.
стр. 63
أدلة القائلين بالتوقيف
الأدلة النقلية
...
أدلة القائلين بالتوقيف:
يعتمد القائلون بالتوقيف على أدلة نقلية من القرآن الكريم والكتب المقدسة وأخرى عقلية ونسوقها إليك فيما يأتي:
الأدلة النقلية:
١- قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ ويعتمدون كما سبق في قول ابن فارس على تفسير ابن عباس الذي يفسر الأسماء بأنها أسماء كلها من دابة وأرض وسهل وجبل وحيوان.
٢- قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٢ والألسنة اللحمانية
стр. 64
غير مرادة لعدم اختلافها؛ ولأن بدائع الصنع في غيرها أكثر، فالمراد منها اللغات.
٣- قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ١ فذم قومًا في إطلاقهم أسماء غير توقيفية، وذلك يقتضي كون البواقي توقيفية٢.
وهذه الأدلة السابقة يستدل بها أصحاب هذا الرأي من المسلمين.
٤- أما علماء اليهود والنصارى فيستدلون على هذا الرأي بما ورد في الفقرتين التاسعة عشرة والعشرين من الفصل الأول من سفر التكوين وهما يدلان على أن الله تعالى بعد أن خلق الحيوانات والطيور والدواب عرضها على آدم ليرى كيف يسميها فوضع أسماء لهذه المخلوقات.
стр. 65
الأدلة العقلية:
١- إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة العرب كما سبق في قول ابن فارس ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحًا لم يكن العرب في الاحتجاج بأقوالهم بأولى منافي الاحتجاج لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق. ولم يقل أحد من العلماء بهذه المساواة وهذا يدل على أن اللغة التي وصلت إلينا توقيفية ليس لنا أن نغير أو نبدل فيها.
٢- ما روى عن أبي الأسود -كما سبق في قول ابن فارس- أن امرأ كلمه ببعض ما أنكره أبو الأسود فسأله أبو الأسود عنه فقال: "هذه لغة لم تبلغك" فقال له: يا ابن أخي لا خير لك فيما لم يبلغني فعرفه بلطف أن الذي يتكلم به مختلق مخترع.
٣- ما سبق من قول ابن فارس: أنه لم يبلغنا أن قومًا من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على
стр. 66
تسمة شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على اصطلاح كان قبلهم. وقد كان في الصحابة ﵃ من البلغاء والفصحاء، وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم. وهذا يدل على أن اللغة توقيف من صنع الله وأنه لا يد للإنسان فيه.
٤- لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة يعود إليه الكلام، ويلزم إما الدور والتسلسل في الأوضاع وهو محال، فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف١.
стр. 67
مناقشة الأدلة:
يمكن أن نقول في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يحتمل أن تكون علم بمعنى أقدر أي أن الله أقدر آدم على النطق بهذه الأسماء، وجعل فيه القدرة على إيجادها بنفسه ويمكن أن يكون معناه ألهم كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ ١ الآية والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال. ومع اختلاف المفسرين في معنى "الأسماء" نرى ابن فارس ومن لف لفه يتمسكون بتفسير ابن عباس.
فإن اعترض عليهم معترض بأن الضمير في عرضهم للعاقل ولو كان الأمر كما تدعون لقال عرضهن أو عرضها ردوا عليه بأن ذلك من باب التغليب ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢ فقال منهم فغلب العاقل على غير العاقل، وما ذكر من أن اللسان المراد منه اللغة نقول: بأن مجاز يعارضه مجازات أخرى كأن يكون المراد مخارج الحروف أو القدرة عليها فلم يثبت الترجيح وذم الله القوم؛ لأنهم سموا
стр. 68
الأصنام آلهة واعتقدوها كذلك١ ونقول: بأن الاصطلاح لا يستدعي تقدم اصطلاح آخر بدليل تعليم الوالدين الطفل دون سابقة اصطلاح هناك، أما ما ورد بسفر التكوين من أن الله بعد أن خلق الحيوانات والطيور والدواب عرضها على آدم ليرى كيف يسميها فوضع آدم أسماء لهذه المخلوقات فيرد عليه بعض الباحثين بقوله: إن هذه القصة تحوي نوعًا من السذاجة وفيها أيضًا شيء من الطرافة ومن البعيد أن نتصور أن الله أحضر هذه الحيوانات وهذه الطيور أمام آدم كما يحضرها شخص لشخص آخر كما هو ظاهر القصة، ثم تساءل كيف حصلت هذه التسمية لكل هذه الحيوانات وتلك الطيور في مشهد قصير بهذه الصورة التي تروى بها القصة؟ "١.
ولقد أنكر بعض الباحثين مذهب التوقيف بناء على تفسير أصحابه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ بتعليم الله آدم بطريق مباشر أسماء جميع
стр. 69
الأشياء المحيطة به عن قرب أو عن بعد والموجودة في عصره والتي ستوجد في العصور المقبلة ويعللون سبب هذا الإنكار بقولهم: قد يوافق العقل أن الله علم آدم بالقوة أو بالفعل أسماء ما يحيط به من أشياء وما كان قريبًا منه، ولكن من الصعب بل من المستحيل أن يوافق على أنه علمه أسماء ما ليس محيطًا به. وما كان بعيدًا عنه إذا ما الفائدة المترتبة على هذا التعليم وما الهدف منه؟ ثم لنا أن نتساءل هل يستطيع آدم أن يحيط بأسماء كل الأشياء حاضرها ومستقبلها؟ الجواب أظنه بالنفي فآدم بشر عادي له مقدرة محدودة وإمكانات معينة١.
وهذا لا يخالف ما ذهب إليه ابن فارس فلقد ذهب ابن فارس إلى أن الله علم آدم ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء الله.
стр. 70
رأي ابن فارس في تطور اللغة:
فابن فارس يرى أن اللغة لم تأت دفعة واحدة وفي زمان واحد بل يذهب إلى أن اللغة في تطورها واكتمالها كانت توقيفية أيضًا فيقول: ثم علم بعد آدم ﵇ من عرب الأنبياء -صلوات الله عليهم- نبيًّا نبيًّا ما شاء أن يعلمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فأتاه الله -جل وعز- من ذلك ما لم يؤته أحدًا قبله تمامًا على ما أحسنه من اللغة المتقدمة ثم قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت فإن تعمل اليوم لذلك متعمل وجد من نقاد العلم من ينفيه ويرده١ وهذا يعطينا صورة عن تصور ابن فارس لنشأة اللغة وتطورها، فاللغة نشأت عنده مع الإنسان الأول وأنها نالت الرعاية عبر السنين حتى وصلت إلى أوج عظمتها في عهد النبي ﷺ .
стр. 71
باب الأسباب الإسلامية
مدخل
...
باب الأسباب الإسلامية:
إن ما يصيب الكائنات من تبدل وتحول قد يصيب أيضًا الألفاظ فتتغير من ناحية معناها، فقد تنتقل الكلمة من معنى إلى معنى آخر أو تضيف إلى معناها معنى آخر جديدًا دون أن تترك المعنى الأول فتتعدد المعاني التي تدل عليها الكلمة ولقد عقد ابن فارس باب وضح فيه هذا التغيير الذي يصيب بعض الكلمات سماه باب الأسباب الإسلامية يقول فيه:
كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائهم وقرابينهم، فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت فعفى الآخر الأول، وشغل القوم، بعد المغاورات والتجارات وتطلب الأرباح والكدح للمعاش في رحلة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد
стр. 72
والمعاقرة والمياسرة بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتفقه في دين الله ، وحفظ سنن رسول الله ﷺ . مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام. فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشئوا عليه كأن لم يكن وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي بما دون وحفظ حتى الآن.
إلى أن قال: "فكان مما جاء في الإسلام -ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. وأن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا، وكذلك الإسلام والمسلم، إنما عرفت منه إسلام الشيء ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء. وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر. فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما
стр. 73
أظهروه وكان الأصل من نافقاء اليربوع. ولم يعرفوا في الفسق إلا قولهم: "فسقت الرطبة" إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأن الفسق الإفحاش في الخروج عن طاعة الله جل ثناؤه. ومما جاء في الشرع -الصلاة وأصله في لغتهم الدعاء. وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود، وإن لم يكن على هذه الهيئة فقالوا:
أو درة صدفية غواصها ... بهج متى برها يهل ويسجد١
وقال الأعشى:
يراوح من صلوات المليـ ... ـك طورًا سجودًا أو طورًا جؤارا٢
стр. 74
والذي عرفوه منه أيضًا ما أخبرنا به علي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال. قال: "أبو عمرو" أسجد الرجال: طأطأ رأسه وانحنى "قول حميد بن ثور"١:
فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأربابها
وأنشد: فقلن له: أسجد لليلى فأسجدا٢.
يعني البعير إذا طأطأ رأسه لتركبه.
وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد والمواقيت والتحريم للصلاة والتحليل منها.
وكذلك الصيام أصله عندهم الإمساك ويقول شاعرهم:
خيل صيام وأخرى غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما٣
стр. 75
تم زادت الشريعة النية، وحظرت الأكل والمباشرة وغير ذلك من شرائع الصوم.
وكذلك الحج، لم يكن عندهم فيه غير القصد، وسبر الجراح. ومن ذلك قولهم:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا١
ثم زادت الشريعة ما زادت من شرائط الحج وشعائره.
وكذلك الزكاة، لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء. وزاد الشرع ما زاده فيها مما لا وجه لإطالة الباب بذكره.
وعلى هذا سائر ما تركنا ذكره من العمرة والجهاد وسائر أبواب الفقه فالوجه في هذا إذا سئل الإنسان عنه أن يقول في الصلاة اسمان لغوي وشرعي ويذكر ما كانت العرب تعرفه، ثم ما جاء الإسلام به، وهو قياس