← История

История · id 11754

تطور الصحافة المصرية 1798 - 1981

إبراهيم عبده

Полный текст (366 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل في مراجع البحث: توافرت علي دراسة تاريخ الصحافة المصرية منذ خمسة وأربعين عامًا، وكلما نشرت كتابًا في جانب من هذا التاريخ، شجعتني نتيجة البحث المنشور على كشف المستور في جانب آخر، وقد كان هذا الكتاب الذي أقدم طبعته الرابعة اليوم لقراء العربية والمعينين بشئون الصحافة جامعًا لكل جوانب تاريخ الصحافة في مصر، وهو -في طبعته هذه- مستكمل كثيرًا مما فاتني في طبعاته الأولى، وجدير بأن يكون في مكتبة طلاب هذه الناحية من التاريخ. وسوف يجد فيه قراءه تاريخًا للصحافة المصرية منذ نزل بونابرت وادي النيل في سنة ١٧٩٨ إلى تاريخ نشره في سنة ١٩٨٢، وقد استعرضت في هذه الفترة الطويلة ما أصاب الصحافة المصرية من تطور ملحوظ في موضوعها وشكلها، وراعيت في تفاصيل الكتاب الدقة المستندة إلى الوثائق والأسانيد التي بدونها يفقد كل كتاب قيمته العلمية، وأشرت إلى ذلك كله في هوامش المتن. وإن التعرض لتاريخ الصحافة يقتضي في بعض الأبواب أن نفصل في تاريخ صحيفة على اعتبار أنها مثل لمئات أو عشرات من نظيراتها، سواء كانت صحيفة شعبية أو رسمية، وسواء كانت صحيفة للسياسة أو الآداب أو الفنون أو التجارة أو الزراعة أو ما إلى ذلك من جوانب النشاط الفكري الذي قطعته مصر في أكثر من مائة وثمانين عامًا. وقد شهدت مصر في هذه الحقبة الطويلة مئات الصحف التي عالجت كل موضوع يدور بخلد إنسان، سواء كان صحفًا عربية أو فرنجية، وقد رأيت زيادة للفائدة المرجوة من نشر هذا الكتاب أو أضمنه ثبتًا بأسماء الصحف

стр. 2

التي صدرت في مصر، منذ عرفت مصر الصحافة إلى اليوم، وذلك ليكون هذا الثبت في خدمة من يريد الرجوع إلى الصحف نفسها سعيًا وراء دراسة تاريخية أو أدبية أو اجتماعية أو غير ذلك من الدراسات. وسوف يرى القارئ أيضًا أننا تعرضنا بكثير من التفصيل لشخصيات خالدة في تاريخ الصحافة المصرية فشرحنا ما أدته من خدمات للصحافة، وما تركته من آثار لا تزال واضحة في نهج صحافتنا المعاصرة، وهذه أيضًا ناحية من تاريخ الصحافة لم تكن معروفة أو واضحة قبل دراسة هذا البحث وكشف دخائله، وتفسير النصيب الكبير الذي كان لهؤلاء الصحفيين الممتازين. وتعتبر دراسة هذا التاريخ دراسة لتاريخ مصر الحديث في أوضح صوره، دراسة الرأي وتطوره، والفكرة وتعددها، والمزاج وتباينه، والغرض والاختلاف من أجله، أى بمعنى أوضح مصاحبة الكيان المصري ممثلًا في نظام الحكم والحكومات المتعاقبة والجماعات الظاهرة، والأفراد المتفوقين، منذ نشأ هذا الكيان على عهد الفرنسيين وحملتهم إلى أيامنا الحاضرة؛ وهذا وضع من شأنه أن يفرض علينا الرجوع إلى مطولات الكتب والمحفوظات العربية والفرنجية، والبحث فيما خلفته لنا الأجيال من الوثائق الرسمية والفردية، سواء كانت عربية أو تركية أو فرنجية، ثم تطبيق ذلك كله على ما جاء في الصحف جيلًا بعد جيل، ومن هذا المزاج خلصنا إلى تاريخ الصحافة المصرية قسمناه إلى فصول وعرضناه هذا العرض الذي أرجو أن أكون قد وفقت إليه. أم الكتب العربية التي رجعنا إليها في هذا البحث فليس فيها كتاب يشمله أو ينصب عليه وحده، وإن كانت هناك كتب عنيت بالصحافة المصرية، ككتاب فيليب دي طرازي عن "تاريخ الصحافة العربية" وهو مؤلف عرض فيه صاحبه في أجزائه الأربعة لتاريخ الصحافة عامة في الشرق والغرب وقد نثر في الجزأين الأول والثاني كثيرًا من أخبار الصحافة المصرية ورجالها.

стр. 3

في نشأتها الأولى، فنجح في ذكر بعض الحقائق التي لا تبنى تاريخًا وإن كانت من مواده الأولية، ثم أخطأ في كثير من الحوادث وحمل الصحف أوصافًا لم تكن لها، وميز الصحفيين المصريين الذين عرض لهم بمزايا لم تؤثر عنهم، وهو بذلك يعتمد على نشاطه الشخصي وتقديره الذاتي للحوادث والأخبار، غير أن الجزء الرابع من تاريخ جاء أقرب إلى الكمال من أجزائه الثلاثة الأولى، فقد نشر فيه أسماء الصحف المصرية ومواعيد صدورها منذ عرفت الصحافة في مصر إلى سنة ١٩٢٩ وقد حرص على ذكر الصحف العربية وحدها، كما أنه ظن في مراجعته لوثائق إدارة المطبوعات المصرية أن الأمرب بترخيص الجريدة أو الموافقة على إصدارها معناه ظهور الجريدة في مصر، وهذا غير صحيح؛ لأن كثيرًا من الصحف المرخصة لم تصدر ولم تعرف طريقها إلى المطبعة. ثم إنه أراد أن يكمل نقص إدارة المطبوعات فعاد إلى دار الكتب المصرية وهنا اعتمد على البيان الذي قدم إليه من الدار المذكورة؛ وهو بيان ناقص؛ لأن بعض الصحف القديمة التي اشترتها الدار لم يكن قد رصد بعد في سجلاتها، كما أنني وجدت صحفًا في دار الكتب بالمصادفة أو بإيحاء من أصحاب التجارب القدماء، وقد اكتفى طرازي بهذا الجهد، وأغفل مكتبة طلعت حرب باشا المحفوظة في بنك مصر بالقاهرة، ومكتبة المجمع العلمى، حيث تحفظ بعض الصحف القديمة التي خلت من نظير لها في دار الكتب وأغفلتها سجلات إدارة المطبوعات. وقد حاور غير فيليب دي طرازي التخصص في بحث هذا التاريخ أو علاج أمره فكتب إلياس عطارة الحبي كتابين أحدهما "تكوين الصحف في العالم" سنة ١٩٢٦، والثاني "تاريخ تكوين الصحف المصرية" سنة١٩٢٨ فأما الكتاب الأول فقد احتفل بأقوال العظماء وأحاديثهم عن الصحافة وقدرها في حياة الشعوب، وعنى الثانى بالصحافة المصرية عناية تشبه في الإيجاز

стр. 4

والتفصيل ما كتبه طرازي في جزأيه الأولين، غير أن عطارة الحلبي أرخ للصحافة المصرية المعاصرة لزمنه تاريخًا لحمته الغرض وسداه الإيحاء. ثم نشر كاتبان مؤلفًا "في الصحافة" هما يوسف محمد دسوقي "من حملة شهادات التربية العالية"، ومحمد كامل دسوقي من المحامين، وقد عرضا لمعاونات الصحافة عامة ومعاوناتها في مصر خاصة: كالمطبعة ومكتبة الصحيفة ثم ذكرًا موجزًا لنشاطها والمحاولات التي بذلت في سبيل النقابات الصحفية، وأشارا إلى بعض الصحفيين المعاصرين والصحف التي عالجوا فيها سياستهم وقد اعتمدا على الاجتهاد والملاحظات الشخصية. ثم إذا فرغنا من المؤلفات التي اتصلت بالصحافة اتصالًا مباشرًا على الصورة التي شرحناها رجعنا إلى الكتب الكثيرة المتباينة التي كتبت باللغة العربية أو عربت عن مصر وتطور حياتها السياسية والفكرية، وقد نشرت في آخر البحث ثبتًا لبعض منها، وهي كتب إن صدقت في تقرير الوقائع والحوادث فقلما كانت تعرض للصحافة المصرية عرضًا عميقًا أو تمسها مسًّا أصيلًا، وإنما كانت تذكرها عابرة ولا تقف عندها أو تعني بتفصيل لها. ومن خير الكتب التي رجعنا إليها من وجهة نظر وطنية كتب عبد الرحمن الرافعي بك فقد حرص المؤلف في تاريخه عن الحركة القومية على الإشارة إلى الصحافة في كل جزء من هذا التاريخ، وهي وإن كانت إشارات خفيفة لم يقف الرافعي عندها طويلًا إلا أن فيها تقريرًا صادقًا لبعض حوادثها، وقد اعتمد الكاتب على الصحف نفسها في تقرير وشرح هذه الحوادث، وقد لاحظنا لأن عنايته بالصحافة المصرية أخذت في الوضوح منذ عالج التاريخ السياسي لمصر في عهد إسماعيل إلى أيام مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس والأيام الأولى لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢. أما الكتب العربية الأخرى التي رجعنا إليها فقد كانت عنايتها بالصحافة

стр. 5

دون عناية الرافعي بها وإن كان بينها كتاب سليم خليل نقاش "مصر للمصريين" الذي عنى بحوادثها ومحاكماتها خلال الثورة العرابية وبعدها، وكتاب محمود رشيد رضا عن تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده" في ثلاثة أجزاء حفلت بكثير من الوقائع التي تمس الصحافة المصرية من قريب كلما عرض المؤلف للأستاذ الإمام في المطبوعات أو في صحيفة الوقائع المصرية أو في المنفى في باريس، هذا إلى الكتب القليلة التي ذكرت بعض الفصول عن شئون الصحافة وهي تعرض للقوانين واللوائح ككتاب أحمد محمد حسن بك وإيزيدور عن "مجموعة القوانين واللوائح المعمول بها في مصر". وقد رجعنا إلى ما كتب المعاصرون أو المعنيون بهذه الشئون في الصحف والمجلات المصرية وتاريخها، ومن أهم هذه الدوريات مجلة الهلال التي عنيت في سنواتها الأولى بتأريخ بعض جوانب الصحافة المصرية في أعدادها الأولى، كذلك نشرت مجلة الأجيال لميخائيل بن أنطون بحثًا في سنة ١٨٩٧ عن "الصحافة في القطر المصري" وهو بحث ناقص ويشوبه كثير من الأخطاء التاريخية، ثم أرخت مجلة الشباب سنة ١٩٣٦ في مقالات متتابعة للأستاذ أمين عبده المحامى حوادث الصحف والصحفيين المصريين منذ بدأ الاحتلال البريطاني لمصر، وهي من أهم المقالات التي صورت صحافة ذلك الوقت من الناحيتين السياسية والاجتماعية. أما الكتب الفرنجية التي بحثت موضوعنا في شيء من التفصيل فمن أهمها كتاب عن Le Journal Origines Evolution et Role La Presse Periodique لمؤلفه " G. Weill"، وهو من أحسن المؤلفات التي بحثت نشأة الصحافة الأجنبية وتطورها، وأفادتنا في المقدمة التي صدرنا بها هذا البحث، ثم عرض " Munier" في كتاب " La Presse En Egypte ١٧٩٨ -١٩٠٠" صورة حية للصحافة الفرنجية المصرية في الفترة التي بحثها الكتب؛ لأن مؤلفه عاش أهم عهود هذه الصحفة وخبرها بنفسه وعمل في

стр. 6

بعضها وإن لم يعالج الصحف العربية إلا بإيجاز لا يغني الباحث في هذه الناحية. وقد نشر الدكتور محمد صبري مؤلفًا عن La Genese de L,Esprit National Egyptien، وقد عنى فيه بتاريخ الصحافة المصرية وخاصة في عهد الخديو إسماعيل، وهو لا يصورها أو يشير إليها فقط بل يعتمد اعتمادًا كاملًا في تحقيقه العلمي على ما نشرته هذه الصحف، وهو فيما نعلم أول مؤرخ لناحية من نواحي النشاط المصري يجعل من الصحافة الشعبية مرجعًا له وحجة يعتمد عليها، فقد كان العهد بالاعتماد على الصحف وقفًا على الوقائع المصرية وحدها. وإذا كان الدكتور صبرى قد نشر ملخصًا لا بأس به عن نشأة الصحافة الشعبية وأقر وجودها في الحياة المصرية سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية فإن " Baignieres" أرخ للصحافة الهزلة المصرية أجمل تأريخ في كتابه: " L,Egypte Satirique" وهو يكتب صحيفة يعقوب بن صنوع صاحب مجلة "أبو نضارة" في مصر وباريس، وهو خير ما كتب عن يعقوب وخير ما كتب عن الصحافة الهزلية، بل خير ما كتب عن الصحافة المصرية في جانب من أهم جوانبها، ثم يعرض هارتمان في كتابه " The Arabic Press of Egypt" للصحافة العربية متأثرًا الطرق العلمية الصحيحة، غير أن الحقائق في بحثه كانت غير كاملة، كما أنه قرر في غير تحفظ أن النصيب الأوفر في نشأتها يعود إلى الشاميين وليس للمصريين حظ يماثل حظهم من الدأب والاجتهاد في جميع مراحل نشاطها، وقد وقف بنا إلى نهاية القرن التاسع عشر وقفة بدأ التاريخ الصحفي المصري يأخذ بعدها صورة واضحة ملأت نشاط المصريين في جوانب الحياة المصرية جميعًا. ثم يؤرخ قرياقص ميخائيل في كتابه " Copts and Moslems Under British Control" للصحافة المصرية ونصيبها في الخلاف القبطي الإسلامي، وهو يصور هذا الجانب تصويرًا بديعًا حقًّا وإن كان الغرض فيه ظاهرًا

стр. 7

والغاية منه معروف، فهو شديد الميل إلى الصحافة القبطية من غير تحفظ، يزرى بالصحف المصرية الأخرى سواء كانت صحفًا إسلامية أو صحفًا تميل إلى الجانب الإسلامي، ومن الكتب التي راقني فيها جهد صاحبها كتاب كمال الدين جلال وهو رسالة تقدم بها إلى إحدى جامعات ألمانيا عن: " Entstehung Und Entwicklung der Tagesqresse in Egypten" ويمتاز هذا الكتاب باعتماد صاحبه على الطرائق العلمية الحديثة، وقد وفق في فصله الأول عن الصحافة خلال الحملة الفرنسية، غير أن اعتماده في تأريخ الصحافة المصرية كان قائمًا على الكتب الغربية والفرنجية التي أشارت إليها إشارات خاطفة، وهنا يخلو تاريخه من حقيقته المنشورة في الصحف نفسها أو في الوثائق المعروضة هنا وهناك. وتخصص اثنان من المصريين في علاج شئون الصحافة من وجهة النظر القانونية، فتقدم أولهما -محمد فؤاد- إلى جامعة باريس برسالة عن " Le Regime de La Presse En Egypte" وهي بحث سطحي غالب فيه العنصر الذاتي القواعد العلمية الصحيحة، وافتقد فيه كاتبه كثيرًا من الوثائق والقوانين واللوائح التي تمس الصحافة منذ عرفت في مصر إلى سنة ١٩١٢، ولم يعن إلا بعودة قانون المطبوعات في سنة١٩٠٩ ومع ذلك فقد خلت هذه العناية من العمق الذي رأيناه في رسالة زميله عبد المجيد صادق رمضان التي نال بها درجة الدكتوراه من جامعة باريس في سنة ١٩٣٥ عن: Evolution de Le Legislation Sur La presse En Egypte وهو هنا أفضل المراجع التي عدنا إليها في دراسة تطور التشريع الخاص بالمطبوعات في مصر، وخاصة الفترة التي بدأت بصدور قانون المطبوعات المصري في سنة ١٨٨١ إلى سنة تقديم رسالته، أما الفترة السابقة على هذا التشريع المصري فيعتورها شيء من النقص مرجعه فيما نعتقد امتناع الوثائق عليه، وهي الوثائق التي كان يحتفظ بها قسم المحفوظات التاريخية بسراي عابدين أيام الملكية، وفيما هذه الكتب التي عرضنا لها عدنا إلى الكتب

стр. 8

الفرنجية المختلفة التي كتبت عن مصر من وجهة نظر أجنبية، وهذه الكتب عرضت عرضًا خفيفًا للصحافة المصرية والتزاماتها ومتاعبها، وتكاد هذه الكتب تجمع -والكتب الإنجليزية بالذات- على نقد الصحافة نقدًا لاذعًا، ويمثل هذه المؤلفات " Cromer" في كتابه " Modern Egypt"، أما المراجع الأجنبية الأخرى فقلما كانت تعنى بهذا التاريخ، ولم تذكر حوادثه إلا عرضًا. وإذا كانت الكتب التي نشرت عن مصر الحديثة باللغات الأجنبية قد أشارت في غير تفصيل وفي غير احتفاء إلى الصحافة المصرية فإن الوثائق الرسمية وخاصة مكاتبات القناصل عنيت بأمور هذه الصحافة وأحداثها، وكان أقل القناصل اعتناء بشئون الصحافة المصرية القنصل الأمريكي وإن اعتمد على لومونيتور إجيبسيان، ونظيراتها من الصحف الشبه رسمية، وكذلك كان شأن القنصلين الإنجليزي والفرنسي في الكتب الزرقاء والصفراء " The Blue Books & Livres Jaunes" غير أن المعتمد البريطاني بعد الاحتلال الإنجليزي أفرد لنا في تقاريره لحكومته فصولًا قصيرة وطويلة، تصور حياتها من وجة نظر إنجليزية، وقد أصاب كاتبها أحيانًا في تقرير بعض مسائلها. وقد عرض بعض المؤرخين للصحافة المصرية في المجلات العلمية كيعقوب أرتين باشا في مجلة المجمع العلمي سنة ١٩٠٥ حيث نشر بحثًا لا بأس به عنوانه " Etude Statistique Sur Le Presse Egyptienne" غير أن معظم ما كتب في المجلات العلمية عن صحافة مصر كان خاصًّا بالصحف الرسمية وقد أشرنا إلى ذلك في ثبت المراجع. وأخيرًا رجعنا في تاريخ الصحافة المصرية إلى الوثائق التركية والعربية، وخاصة إذا اتصل البحث بالصحف الرسمية، وبإغفال هذه الوثائق ما كان للبحث أن يستقيم منذ نشأت الصحافة المصرية في كنف الحكومة في عهد محمد علي إلى أيام الخديو إسماعيل، وعن هذه الوثائق وضح لنا شيء كثير

стр. 9

من جهد الحكومة وتقديرها للصحافة والصحفيين، وظهر لنا مدى العلاقة التي تربط الدولة بالمطبوعات والصحف خاصة في عهدي سعيد وإسماعيل وقد أشرنا إلى هذه الوثائق في هوامش المتن كلما أعوزنا البرهان أو الدليل. عرضت الكتب صورة للعصر وللتاريخ إجمالًا، وحددت الوثائق العربية والفرنجية والتركية جانبًا كبيرًا من البحث، وخاصة ما تصل منه للصحافة الرسمية، ثم عدنا في آخر الأمر إلى الصحف نفسها، عربية وفرنجية، لنستكمل الحقائق من مصادرها الأولى، ولنؤرخ لهذا الموضوع من جدوله الأصيل، ولنزاوج بين الحقائق العلمية المنشورة في الكتب والوثائق الرسمية بين الاتجاهات الصحفية المتباينة، ثم نستخرج من هذا كله الصورة الصادقة لتطور الصحافة المصرية منذ نشأتها إلى اليوم، وقد نشرنا ثبتًا في نهاية هذا البحث يشتمل على أسماء الصحف التي صدرت أو صدر بها الترخيص، واعتمدنا على الصحف المهمة منها في تصوير هذا التاريخ، وأشرنا إلى ذلك في مكانه. ونختم هذا الفصل القصير يذكر الدور التي قصدناها لتطبيق بحثنا وفي مقدمتها دار المحفوظات بالقلعة والمحفوظات التاريخية بسراى عابدين١ ودار الكتب المصرية والمجمع العلمى المصري ومكتبة جامعة القاهرة ومكتبة وزارة الخارجية وإدارة المطبوعات المصرية٢، ومكتبة طلعت حرب باشا، وكذلك وجب التنويه بالمساعدات القيمة التي تفضل بها المشرفون على هذه الدور فكان حرصهم على إبراز الحقائق لهذا البحث حرص العارف بقدر العلم وهو حرص يشكرون عليه، ويستوجب مني التقدير والاعتراف بالجميل.

стр. 10

مقدمة: لا يستطيع شعب من الشعوب المتحضرة أن يمضي حياته اليومية من غير صحف، هذه ظاهرة اجتماعية حديثة لا يمترى فيها أحد، والصحافة في ذاتها وسيلة لا غاية، اهتمت بها الحكومة الحديثة كما حصرت عليها شعوبها مهما تختلف هذه الحكومات ومهما تتفاوت هذه الشعوب في إدراك حياتها السياسية وتناول شئونها الاجتماعية، فالحكومة النازية أو الفاشية تحرص، كما تحرص الحكومة الديمقراطية على هذه الوسيلة وتعمل على التمكين لها؛ لأن وراءها غايات قد تتشعب ومآرب قد تتباين، أما الوسيلة نفسها فقد فرضت وجودها على المذاهب السياسية والاجتماعية والاقتصادية جميعًا بلا استثناء. وحظ مصر من هذه الوسيلة كحظ غيرها من الجماعات المتحضرة، وكما دعت الحاجة إلى نشأة الصحف في أوربا منذ عدة قرون، كذلك أملت النظم الجديدة على مصر الحديثة أن تنشئ صحفًا تعددت أغراضها وتباينت أهدافها وإن يكن عمرها أقل من قرنين من الزمان للظروف السياسية والاجتماعية التي حالت دون النشاط الصحفي وأخرته عن أوربا زهاء ثلاثة قرون. وقد عرفت الصحف في أوربا بعد أن ظهرت الطباعة بفترة طويلة إذ اقتصر فن جوتنبرج خلال قرن على طبع أوراق الدفاتر وكراسات الأعمال التجارية وما إلى ذلك من الأشياء التي تمت إلى الحياة العملية ولا ترتبط بالصحافة والصحف، غير أنه قد لوحظ في تلك الفترة أن من بين الكراسات التي طبعتها المطبعة في صدر عمرها كراسات تحمل الأنباء للناس، والأنباء كما نعلم أهم عناصر الصحيفة، وقد سبقت إذاعة الأنباء فن الطباعة، فكانت تلقى في أول الأمر مشافهة ثم مضى أصحابها بنسخونها، فلما عرفت الطباعة صارت تذاع بعد طبعها في كراسات خاصة١.

стр. 11

ولم تكن إذاعة الأخبار المخطوطة من وظائف الحكومات بل تخصص بعض الأفراد لنسخ الأخبار المهمة ليقف على مضمونها النبلاء، وكان لهذه الطريقة أهمية خاصة في غضون القرن الخامس عشر في إيطاليا، وقد ساعدت الحياة الفكرية والتجارية والاجتماعية على نشاط هذه الطريقة الإخبارية، فإيطاليا في ذلك الوقت شعب راجت تجارته وزكت علومه ومعارفه وسيطر تفكيره على معظم أرجاء أوربا، فكان طبعيًّا أن يتحسس نبلاؤه وأغنياؤه ومفكروه أخبار دويلات أوربا والبلاد الأجنبية خارج القارة بما يحمله التجار وما تنقله أخبار السفن من أحاديث وروايات، فوجد أشخاص يحققون لهم هذه الرغبة، وكان هؤلاء يدفعون ثمنها بسخاء، وكان البندقية قطب الدائرة، دائرة العلوم والتجارة ودائرة الأخبار المنسوخة أيضًا، ولم يكن نشاط تجار الأخبار المخطوطة يقف عند البندقية بل كان لهم عملاء وحرفاء في المدن الإيطالية والألمانية من التجار ورجال المال، وقلد الألمان وغيرهم الإيطاليين في هذه الصناعة الجديدة. وفي القرن السادس عشر ظهر الخبر المطبوع فلم يقض على الخبر المنسوخ وذلك لندرة المطابع أولًا وهي في أكثرها محتكرة من الحكومة أو رجال الدين كما أن ناشري الأخبار المخطوطة كانوا قلة قادرة صقلتها المرانة فتمسكت بمستواها العالي في أخبارها وأسلوبها، وتبع ذلك تمسكها بعملائها وحرفائها، ولما انتشرت الطباعة وأصبح الخبر المطبوع سهل النشر يسير التناول هبط مستواه ولم يعد يليق إلا بالعامة، كما أن المطبوعات جميعًا كان موضع رقابة خاصة من السلطات كما كانت موضع شكوكها وتضييقها، ففضل العظماء الأخبار المنسوخة وهي أخبار لا تخضع لرقابة رقيب ولا يعنيها أكان في الحكم سلطة استبدادية أم سلطة عادلة، لذلك كان أخبارها أصدق وأقرب إلى الحقيقة، ولهذه الصحف المخطوطة آثار في المكتبة الأهلية بفيينا وبعضها الآخر في مكتبة الفاتيكان. ولقد لقي مذيعو الأخبار من البابوات والحكومات المختلفة ضيقًا وحرجًا

стр. 12

شديدين فصودرت أموالهم وبترت أيديهم وقطعت ألسنتهم ونصبت المخانق لكثير منهم، ولم يوهن نشاط مذيعي الأخبار المخطوطة والمطبوعة أو يفتر بالرغم من هذه القسوة التي ذكرنا بعض أمثلتها، واضطرت السلطات آخر الأمر إلى الرجوع عن هذه القسوة، بل جعلت تترضى بعض المخبرين المحترفين وتكلفهم العمل لحسابها فنفقت سوق هذه التجارة في أوربا عامة وروما خاصة. لكن الخبر المنسوخ لم يعمر طويلًا بل أخذ يتقهقر أمام الخبر المطبوع بانتشار الطباعة واعتدال ثمنه وتساهل الحكومات وتنازلها عن رقابته، فتلونت الأخبار وتباينت، وظهرت شعرًا ونثرًا، ولم تعد الأخبار وقفًا على الحوادث العادية المتواضعة، بل كان للحروب والحوادث الطبيعية والمشاكل الدولية أثر في ترويج هذه الصناعة بما كانت تذيعه المطابع في الأنباء المثيرة، كما عمدت بعض الأوراق الخبرية إلى نشر فيض من الحوادث المنقولة عن أوراق دول أخرى، وقد كبرت أوراق الخبر رويدًا ثم حثيثًا، فإذا هي دوريات تظهر كل ستة أشهر ثم دوريات تظهر كل شهر ثم كل أسبوع ثم كل يوم: وقد شهد القرن السابع عشر مولد هذه الدوريات جميعًا في فرنسا وانجلترا، وفي غيرهما من البلاد الأوربية ومضت هذه النهضة قدمًا وعبرت البحار إلى أمريكا الشمالية، بينما مضى الشرق في عزلته وتزمته، فلم يعرف الطباعة إلا بعد أن عرفت أوربا الكتب المطبوعة والصحف السيارة في المدن والمقاطعات المختلفة. وكان من الأمور الغريبة حقًّا ألا تشارك مصر دويلات أوربا في تقدير الطباعة وتكريم الصحافة، وألا تمر بها الأدوار الصحفية التي مرت بأوربا، وأن تكون آخر بلاد الشرق الأدنى معرفة بالمطبعة وأقلها احتفالًا بها، ذلك أن مصر أبقت على تراث فكري كاد يندثر بسقوط الدولة العربية وتفرق كلمتها، وقد حملت علم النهضة ولم يقف نشاطها في العلوم والفنون بالرغم من غشاوات الجهل التي أعمت بعض حكامها، وبالرغم من نوبات الفتور التي مست الحياة الفكرية المصرية آنًا بعد آنٍ منذ عهد الفاطميين إلى أيام

стр. 13

المماليك البحرية والبرجية "الشراكسة" وقد ظهر فيها كثير من العلماء الأدباء والمؤرخين كالقلقشندي وابن هشام، وابن خلكان وابن تغري بردي وغيرهم من فطاحل العلم والتاريخ، وقد اتصلت مصر في عصورها الوسطى بممالك البحر المتوسط وجنوب أوربا وجمهورياته المهمة للمتاجرة معها، وكان معها واسطة العقد بين الشرق والغرب، وكان يرجى لها التوفيق إلى كل جايد تعرفه أوربا في ذلك الوقت. وكانت جمهورية البندقية وغيرها من البلاد الأوربية لاستقبال النهضة الحديثة، وفي هذه الفترة عرفت الطباعة في مدن إيطاليا والمدن الحرة الآخرة وكان الأمل واسعًا في أن يستفيد أعظم عملاء أوربا من هذا الحديث الجديد لو استمر الاتصال قائمًا وعرف المصريون قدره، غير أن مركز مصر قد تدهور بعد كشف رأس الرجاء وسلوك التجارة سبيلها عن طريقه، فانقطعت الصلة بين مصر وعملائها إلى حد بعيد، وأقفلت الأبواب دون الإحساس بخطر المطبعة زهاء ثلاثة قرون كان مصر قد بلغت فيها التقهقر والاضطراب مبلغًا تقوضت فيه دعائم الحياة السياسية والاقتصادية، وانطفأت الذبالة الباقية من حضارة الأمس، وشغلت بنزوات حكامها وقاست من جهلهم وعسفهم ما قاست حتى انقطع ما بينها وبين كل جديد من أسباب، وأهمل شأن المدارس والتعليم وبيعت الكتب وانتهبت، وتخربت دور الفن وعماراته، وكانت مصر آخر من عرف المطبعة بين دويلات السلطنة المهمة". وإلى أوربا يرجع الفضل في صناعة الحروف الشرقية والعربية، عنوا في أول الأمر باللغة العبرية وحروفها لأنها لغة الإنجيل والتوراة، وقاموا بنشرهما في إيطاليا، ثم مضوا ينشرون كتبًا دينية مختلفة، ثم اتجهوا إلى العلم فنشروا باللغة العربية بعض كتبه، وفي مستهل القرن السابع عشر احتدمت المنافسة بين روما وباريس وليدن ولندن على طبع الكتب العبرية والعربية، وأحس الشرق هذه المنافسة فجلب إليه الطباعة من الغرب ليقوم هو أو يساهم على الأقل

стр. 14

في نشر آثاره وتعاليمه، وقد أوحت بذلك أيضًا الفكرة الدينية، لذلك بدأت المطبعة في الشرق أول ما بدأ تنشر كتبًا دينية باللغة العبرية ثم كتبًا أخرى باللغة العربية، وتخلصت أخيرًا من الاتجاه الديني، ومضت تذيع المؤلفات والتراجم العلمية والأدبية. ولقد سبقت الأستانة جميع بلاد الشرق في معرفة الطباعة، وإلى اليهود يعود الفضل في نشر هذه الصناعة، فقد أنشأ أحدهم مطبعة عبرية في عاصمة الخلافة لتنشر كتبهم وتعاليمهم الدينية ولتغنيهم عن المخطوطات التي كانت تكلفهم أجرًا كبيرًا وجهدًا عسيرًا، وكان هذا اليهودي ينشر بين آن وآخر كتبًا في التاريخ والعلوم بجانب كتب الدين اليهودي وتعاليمه، وقد بدأ عمله هذا في أواخر القرن الخامس عشر١ ولم تعرف الأستانة الحروف العربية إلا في أواخر القرن الثامن عشر أي بعد أن قطعت المطبعة العبرية من وجودها في الشرق أكثر من قرنين من الزمان، وقد نشط اليهود في بلدان الشرق الأخرى فأنشئوا المطابع هنا وهناك. أخذت الطباعة تنتشر في بلاد الشرق الأدنى، وقد بدأت كما رأينا في الأستانة وحروفها عبرية، غير أن هذا الشرق ولغته الفضلى اللغة العربية، عني عناية خاصة بحروفها، فأنشأ أحد البطارقة مطبعة عربية في حلب في أوائل القرن الثامن عشر حوالي سنة ١٧٠٢ وقيل: إن حروفها في بخارست وهي أول مطبعة عربية في الشرق، ثم أنشئت في الأستانة المطبعة العربية الثانية وقد لقي إنشاؤها عنتًا شديدًا من الحكومة ورجال الدين فقد أفتى العلماء بأن المطبعة رجس من عمل الشيطان، إلى أن قيض الله لها بعض المصلحين، واستطاع الصدر الأعظم بمعاضدة بعض هؤلاء العلماء أن يستصدر من السلطان فرمانًا عاليًا موقعًا عليه بالخط الشريف في سنة ١٧١٢ بالإذن لسعيد أفندي "وقد صار صدرًا أعظم فيما بعد" بإنشاء المطبعة وطبع جميع أنواع الكتب.

стр. 15

إلا كتب التفسير والحديث والفقه والكلام١. تم عرفت الطباعة العربية في قرية الشوير من أعمال لبنان في دير من أديرتها المعروفة حوالي سنة ١٧٣٢، وقد نافس الأرثوذكس أصحاب الشوير الكاثوليك وأنشئوا ببيروت مطبعة عربية قلدوا فيها حروف مطبعة الشوير سنة ١٧٥٠. في أصغر القرى عرف بعض أمم الشرق المطبعة على حين جهل المصريون هذا الفن، إلى أن جاءت الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨، فعرضت بين بضاعتها مطابعها العربية واليونانية والفرنسية، وقد ناسب نشاط المطبعة الفرنسة قدر الحملة، فلم تعمل مطابع الفرنسيين على غرار المطابع الشرقية الأخرى بحيث يكون جهدها منصبًا على نشر الكتب والتعاليم الدينية وحدها بل كان الاحتلال الفرنسي يرمي إلى أشياء مهمة من وراء مطابعه، فقد بدأ عملها قبل أن يبدأ الجيش عمله، نشطت وهي في البحر والحملة في طريقها إلى مصر، فأعدت المنشورات العربية وأذاعت أوامر القائد العام، ففيها إذن جزء للدعاية وجزء آخر للأوامر الإدارية والحكومية، حتى إذا استقرت في مصر فتحت صدرها للكتب المؤلفة والمترجمة لعلماء الحملة وأدبائها، ثم أضافت إلى ذلك شيئًا جديدًا لم تعرفه مطابع الشرق الأدنى، وانفردت به مصر أول الأمر، وكانت بمعرفته سباقة لبلاد الشرق جميعًا، ذلك إخراج الصحف، فعن طريق هذه المطابع عرفت مصر الصحيفة، أو الدورية في صورتها الكاملة، ومنذ ذلك الوقت يستطيع المؤرخ أن يحدد نشأة الصحافة في مصر٢. أنشأ الفرنسيون صحيفتين في مصر، إحداهما يقال لها كورييه دو ليجيبت Courrier De L Epypte والثانية يقال لها لاديكاد إجيبسين La Decade Egyptienne. فتاريخ إنشاء الصحف في مصر إذن يجب أن يحدد بالحملة الفرنسية.

стр. 16

ولا يجوز للمؤرخ أن يحدد تاريخ الصحافة المصرية بإنشاء هاتين الصحيفتين؛ لأنهما صحيفتان أجنبيتان وإن ظهرتا في مصر، وإذا كان لكل صحيفة فكرة ولكل جريدة هدف وغاية، فأهداف هاتين الدوريتين تجعلنا نقرر أنهما ليستا من الصحافة المصرية في شيء اللهم إلا المكان الذي صدرتا فيه وهو القاهرة. صدرت جريدة: "كورييه دون ليجيبت" بعد الاستيلاء على القاهرة مباشرة في ٢٨ أغسطس سنة ١٧٩٨ "فريكتيدور سنة ٦ جمهورية" في حجم كتاب وسط باللغة الفرنسية، وتقطع اللغة التي صدرت بها "لو كورييه" الصلة التي بينها وبين المصريين، فالمصريون في ذلك الوقت لم يكن لهم بهذه اللغة ولا بأصحابها عهد موصول لأسباب لا تغيب عن دارس هذه الحقبة من التاريخ المصري. وقد حملت هذه الصحيفة أخبار مصر الداخلية وهي الأخبار المحلية في القاهرة والأقاليم، وكان القصد من نشر هذه الأخبار أن يعرف الفرنسيون في القاهرة ما يجري لدى زملائهم في ريف مصر وأقاليمه حيث توزعت فصائل الجيش الفرنسي، وفي ذلك يقول الجبرتي: إن "القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم وأماكن أحكامهم، ثم يجمعون المتفرق في ملخص يرفع في سجلهم بعد أن يطبعوا منه نسخًا عديدة يوزعونها في جميع الجيش حتى لمن يكون منهم في غير المصر من قرى الأرياف فتجد أخبار الأمس معلومة للجليل والحقير منهم .... "١. فهدف "كورييه" إذن هو الجنود الفرنسيون أو الجالية الفرنسية التي ينبغي أن تعرف عن طريقها أخبار مصر وشئونها فقد انقطعت الصلة بين فرنسا

стр. 17

وجنودها في مصر، وهذه حقيقة يعلمها قادة الحملة وأعلامها، لذلك هيئوا هذه الصحيفة لجنودهم، على أن تنشر بين آن وآن أخبار فرنسا التي تجيئها خلسة بالرغم من حصار الأسطول الإنجليزي للشواطئ المصرية١. كما أنها لم تغفل أنباء سوريا وفلسطين وأخبار أوربا مطولة أو مختصرة على أنها في هذه الأنباء جميعًا كان تخضع لامتحان من الرقابة الشديدة٢. وأضافت هذه الصحيفة كثيرًا من القصص الغريبة عن مصر ترفيهًا لقرائها وتسلية لهم، وكانت إعلاناتها جميعًا بلا استثناء إعلانات تهم الفرنسيين وحدهم. وصدرت لاديكاد إجيبسين في أول أكتوبر سنة ١٧٩٨ "فانديمير سنة ٧ جمهورية" وحمل العدد الأول منها افتتاحيته، وهي تقرر اتجاه الصحيفة وهدفها، فهي صحيفة علمية لدراسة شئون مصر، ونشر المسائل الخاصة بالحياة المصرية، واجتماعية وأدبية واقتصادية، وهي صحيفة المجمع العلمي المصري، ويتكون من جماعة من علماء الحملة الفرنسيين ليس بينهم مصري، فهي بمعنى أوضح وثيقة رسمية أو سجل لنشاط الحملة العلمي، تصدر في القاهرة للفرنسيين المقيمين فيها الذين تعنيهم شئون الأدب والاقتصاد أكثر مما تعنيهم شئون الحرب أو أخبار المدن والأقاليم وصور الحياة المصرية العارضة. ويستطيع المؤرخ للصحافة المصرية أن يحكم في اطمئنان بأن الجريدتين الفرنسيتين اللتين صدرتا في القاهرة خلال الحملة الفرنسية لا تمثلان الصحافة المصرية في شيء ولا تعتبران دعامة لها، وقد شرحنا مبلغًا في تقرير هذه الحقيقة من قوة وصدق، وإنما هما صحيفتان أنشأتهما الظروف وحدها، وهي ظروف بعضها طارئ كما حدث في إصدار "لو كورييه"، وبعضها عرف عن تصميم سابق أدلته هذه الجماعة الضخمة من العلماء والأدباء والشعراء التي صحبت الحملة لتبحث وتنقب وتدرس وتقرر وتثبت هذا كله في مجلة

стр. 18

حتى لا يفوت بونابرت فضل غزو الحياة المصرية بدراسة تاريخها وآثارها وأمراضها وإنتاجها كما كان يرجو غزو مصر وتثبيت العلم الفرنسي فيها، وقد نجد في الأولى وأخفق في الثانية. ولم يحاول بونابرت إنشاء صحيفة عربية في الوقت الذي أنشأ فيه الصحيفتين الفرنجيتين، وهي أجدى عليه وعلى صحبه من جند ومدنيين وعلى فرنسا نفسها في توجيه المصريين وتعميم الحضارة الجديدة التي حملها معه إلى وادي النيل، وهو يكاد يؤمن بهذه الفكرة، فكرة الصحيفة العربية فقد جعل من المطابع العربية إحدى الوسائل التي تصله بالمصريين بما كان يذيعه من منشورات على الجماهير المصرية تلصق "في مفارق الطرق ورءوس العطف وأبواب المساجد"١. ولم تساعده المطبعة العربية في الاتصال بالمصريين وحدهم، بل كثيرًا ما طبع لأمراء الحج وزعماء العرب وغيرهم في الشرق الأدنى المنشورات والكتب ليكفوا عن قتاله ويصلوه بالود والمعروف٢ وقد كان يستطيع أن يستغنى عن هذا كله بصحيفة ينشرها في مصر فيقرؤها المصريون ويوزعها في البلاد الشرقية ويضمن بها داعية لا ينكر أثره، وأكبر الظن أن ظروفه الحربية وافتقاده المعاونين من المصريين، حال كل ذلك دون تحقيق هذه الفكرة الجميلة، فلما توالى الجنرال منو مكانه، وكان قد أشهر إسلامه وأذاعه بين المصريين خيل إليه أن أمور مصر قد استقرت له، وأن عليه أن يقارب بين أفكار المصريين والفرنسيين، وقد رأى دعاة السوء يحاولون إفساد ما يعمل له من تمكين الصلة بين الشعبين، فاستوضح من صديقه دجنت " Desgenettes" كبير أطباء الحملة أمر الاضطراب الذي يسود العلاقات المصرية الفرنسية جماعة من الفرنسيين المستشرقين وبعض العلماء المصريين، وتوظف هذه الجريدة في تنوير عقول العامة الذين يعدون الإصلاح الفرنسي في مصر

стр. 19

خرافة من الخرافات، فأمر منو بإصدار جريدة التنبيه " L Avertissement" في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٠٠ "فريمير سنة ٩ جمهورية" على أن توزع في جميع أنحاء القطر المصري وفي بلاد اليمن والشام وداخل إفريقيا، وتقوم المطبعة الأهلية بنشرها، ويجيز أمور النشر فيها علماء الديوان حتى لا ينشر ما قد يفسد الغاية منها أو يسيء إلى التقاليد والعادات المتبعة في مصر، على أن يشرف على تحريرها الشيخ الخشاب أحد أعلام الأدب في ذلك الوقت وسكرتير الديوان، فتكون صحيفة إخبارية تنشر أنباء الحكومة وحوادث الديوان المصري وتذيع بعض الحوادث الأوربية والأسيوية العامة كما تعنى بالأدب والفنون والعلوم، ويكون مراقبها العام رئيس إدارة العدل في مصر. ويعنينا من أمر هذه الجريدة أنها لو صدرت لكانت بحق أم الصحف المصرية جميعًا غير أن الأمل المعقود بظهورها لم يتحقق؛ لأن الظروف المحيطة بمصر إذ ذاك لم تسمح بإخراجها فبقي مرسوم إنشائها معطلًا ولم يعمل به١.

стр. 20

الصحافة الرسمية في مصر: ولي محمد علي شئون مصر في سنة ١٨٠٥ في جو لم يعرف الولاة العثمانيون له شبيهًا من قبل، فقد كان للشعب المصري دخل في هذه التولية فهو الذي طلبها وألح في طلبها، وأقر السلطان هذه الرغبة الشعبية، فآذنت هذه الحالة الجديدة بكتابة صفحة جديدة في تاريخ مصر، ومضى الوالي الجديد يرتب أموره على هذه الحقيقة التاريخية، أي أنه ربط مستقبله وحياته بمستقبل مصر وحياتها، ولم تستطع أساليب الدس في الآستانة وكل مشاكل الأرناءود في القاهرة أن تحول دون ولاية محمد علي لمصر سنة بعد أخرى، ثم قامت الأزمات بين السلطان وواليه وتدخلت الدول العظمى لتصفية الأزمة التركية المصرية تصفية نهائية في سنة ١٨٤٠ وقررت لمحمد علي على ما أقره المصريون من قبل وجعلت له ملك مصر مدى حياته على أن يليه من بعده أعقابه جيلًا بعد جيل. شهد مصر قبل ولاية محمد علي احتلالًا أجنبيًا مهما يكن أمره فقد برق في حياة المصريين وشغلهم بجديد لم يكن يعرفه الشعب المصري، سواء في الإدارة العامة أو في تفاصيل الحياة المصرية المتباينة، وأصبحت البلاد في مفترق الطرق بعد هذا الاحتلال، يعوزها الاستقرار حتى تتبين ما كان ينوى الفرنسيون صنعه، لذلك لم تختلف كثيرًا الأساليب التي اتبعها محمد علي عن الأساليب التي فرضها الاحتلال الفرنسي، ومن هنا نشأت حاجته إلى الفرنسيين فاستعان بهم لإنشاء مصر الحديثة. وقد قطعت الحوادث التاريخية في عهد محمد علي بأنه كان مجددًا لمصر في جميع ما صنع في إدارته لها، وأنه كان يدعم نظامه الجديد بما يمكنه من التقدم ويهيئ له أسباب النضج والاستواء، فقد رأى تنظيم مصر إداريًّا في سنة ١٨١٣ فقسم كل مديرية إلى أقسام وعين لكل قسم ناظرًا ولكل مديرية

стр. 21

أو مديريتين مأمورًا أو متصرفًا١ وذلك توطئة للعناية بأهم المصالح المصرية وهي الزراعة فأنشأ ديوانها بعد التنظيم الإداري بسنتين٢ واستتبع ذلك حفر الترع٣ وإنشاء الفابريقات٤ فالتنظيم الإداري تدفع إليه رغبة "تسهيل عمارة القطر وتقدم زراعته"٥ ولم يكن الباشا يرحم عاملًا أو موظفًا يسيء إلى مصالح الإدارة أو الزراعة ولا يقبل تعلة أو اعتذارًا بل يدفن المهمل حيًّا في الأرض التي أهملها أو في المصنع الذي أساء إليه ليكون عبرة لأقرانه الأحياء فهو يريد بذلك أن تنظم حسابات الأقاليم والمصالح وشئونها الإدارية بحيث يقدم إليه ملخص عنها في نهاية كل شهر أو في نهاية كل سنة، أو في فترات أقل من الشهر والسنة، وهي طريقة جديدة في نظام مصر الإداري والمالي، يعرف بها الباشا حال البلاد آنًا بعد آن. وكان هذا الملخص يقدم له كتابة في صورة تقرير يقال له: "الجرنال" وقد رأى محمد علي أن مدة الشهر والعام قد تخفى عليه ما يجب أن يظهر، وقد تجعل هذه المدة قصرت أو طالت مجالًا للعب عماله وتكاسلهم٦ فأصدر المسئولون أمرًا بأنه "في اليوم الأخير من كل أسبوع ترد إلى جنابه العالي كشرف الأقاليم البحرية والقبلية بمقدار المال المتحصل وكميات الغلال والأصناف الأخرى حيث يعلم منها نشاط المأمورين أو تكاسلهم ... " وتبين له بعدئذ أن

стр. 22

من الأمور ما لا يحتمل الانتظار سبعة أيام، فأصدر أمره بجواز عرض "الجرنالات يوميًّا أو في أي ساعة إلى الباشا للنظر في الشئون المستعجلة"١. وهذه التقارير التي كانت ترفع إليه في كل عشرة أيام أو في الفترات الأخرى التي عينها وحددها كانت تطبع في مطبعة القلعة تقدم إليه بعد طبعها، وقد أنشأ لذلك "ورشة مخصوصة بطرفة كما عين كتابًا مخصوصين .. "٢. ويضم هذا الديوان الكبير نخبة من الكتاب الذين يجيدون اللغتين العربية والتركية٣ وكان محمود أفندي "جرنال ناظرى" أن ناظر التقارير التي ترفع للوالي يستقبل تقارير الأقاليم ويعدها للعرض على الباشا حيث يقضي فيها بأمر ما٤ وكان للمدن المصرية الكبيرة دواوين على غرار الديوان الرئيسي في القاهرة، يرأسها ناظران عامان للتقارير، أحدهما في الوجه القبلي والثاني في الوجه البحري يتلقيان أخبار المدن والأقاليم، كل فيما يخصه ثم يرسلانها إلى القاهرة٥، وفي القاهرة يتولى ديوان الجرنال العام بحثها وتبويبها وعرضها على الباشا، ثمه يبلغ قرار الوالي إلى المجالس وما إليها٦. انتظمت أمور الجرنال وتشعبت مواده، بعد أن قامت المطبعة مقام النسخ، لذلك حرص عليه الباشا حرصًا شديدًا، فكان إذا رأى تهاونًا في

стр. 23

إصداره أو تكاسلًا في إخراجه اعتبر ذلك خللًا "للمصلحة" إذ "إن فائدة الجرانيل هي مطالعتها وتحرير الاستعلامات بما يلزم للإجابة عنها في وقته" لذلك يعاقب الباشا موظفي الجرنال المهملين منهم فيجازيهم "كنص القانون بالضرب ٣٠٠نبوت" إذ إن اضطراب نظام الجرنال "قد أوجب اغبرار خاطره" ثم يقول في حاشية أمره "إن عدم تقديمهم الجرنال حال بينه وبين معرفة معاملتهم للعباد وأنه لا يليق تأخير المصالح لأجل راحة أنفسهم وبقاء عباد الله في التعب فيلزم المبادرة لترك برزخ الاستراحة وإرسال الجرانيل في أوقاتها المقررة .... "١. استمرت الأقاليم والمصالح ترسل إلى ديوان الخديو أخبارها وملخصًا وافيًا عن أحوال البلاد الزراعية والإدارية الأخرى، وقد يبدو من هذا العرض لماهية "الجرنال" وديوانه أنه كان وقفًا على الوالي دون حكومته وأن مطبعة القلعة كانت تقوم بخدمة هذا التقرير الخاص بمحمد على وحده، يبد أن فورني سكرتير بروكي في مطبعة بولاق يحدثنا عن هذا الديوان ويوضح لنا قيمة تقريره، ويعرض صوره لعلها أفضل الصور التي وصل إليها جرنال الخديو قبيل إنشاء الوقائع المصرية٢. يذكر فورني أنه كان يطبع من الجرنال كل يوم مائة نسخة باللغتين العربية والتركية متضمنًا الأخبار الرسمية الحكومية وبعض قصص من ألف ليلة وليلة. وكان هذا التقرير الذي يمكن تسميته بالجريدة الرسمية مع شيء من التجاوز يرسل إلى رجالات الدولة ومأموريها الذين يعنيهم أن يقفوا على أحوال البلاد والنظام الجديد فيها، وفي ذلك تقول الوقائع المصرية في افتتاحية العدد الأول: "ووضع ديوان الجرنال قاصدًا من وضعه أن ترد الأمور الحادثة الناتج منها

стр. 24

النفع والضرر إلى الديوان المذكور وأن ينتخب ويتنقح فيه منها ما منه ينتج النفع والإفادة حتى إذا ظهر عند المأمورين نوعًا النفع والضرر ينتخب ما منه تصدر المنفعة ويجتنب ما منه يحصل الضرر، وهذه الإرادة الصالحة الصادرة من حضرة سعادة ولي النعم وإن كانت قد جرت في ديوان الجرنال إلى الآن إلا أنها لم تكن عمومية"١. تتفق مقدمة الوقائع كما رأينا مع تقرير فورني، فليس جرنال الخديو تقريرات خاصة بالوالي تقدم إليه كما كان الأصل في إنشاء الديوان وجرناله، بل تطور هذا الجرنال الخاص فأصبح هاديًا للمأمورين بما يذاع فيه من أخبار البلاد، خيرها وشرها، حتى يرى هؤلاء المأمورون أوامر الوالي وإرشاداته فيقبلوا على تنفيذ ما يرى تنفيذه ويجتنبوا ما نهت عنه أوامره، هو خلاصة لنشاط الحكومة وأعمال الموظفين واجتهاد العمال، ينشر في مائة نسخة توزع على رجال الدولة المسئولين في انتظام، لذلك بقيت هذه الجريدة التي ارتبط تاريخها بإنشاء النظم الجديدة وقفًا على المأمورين وحدهم؛ لأن نشاط الحياة المصرية على الإطلاق، سجلت نشاط الحكومة في نشأتها الحديثة الأولى وأدت وظيفتها على أحسن ما تؤدى الوظائف في الصحف الرسمية. أنفق محمد علي زهاء أربعين عامًا في حكم مصر باذلًا أقصى الجهد في تنظيم الحكومة المصرية، فعنى ترتيب البلاد إداريًّا ورعاية "مصالح الزراعة والحراثة وباقي أنواع الصنايع التي باستعمالها يتأتى الرخاء والتيسير" ثم فكر "في نظام القرى والبلدان ورفاهية سكانها وراحتهم" فإذا نجح في ذلك كله "وضع ديوان الجرنال" على الصورة التي شرحناها وللغاية التي بيناها، ثم وجد الباشا في نهاية الأمر أن جرنال الخديو قد أدى وظيفته، وأن القواعد والنظم التي وضعها لحكومته قد أثرت في المصريين ومست حياتهم مسًّا عميقًا

стр. 25

وأن قصر الأخبار على مأمورية ورجال دولته دون شعبه ليس من أصالة الرأي في شيء، فلما "لاح هذا الشيء في ضمير الذات السنية" أمر بطبع شئون الحكومة والمحكومين معًا في جريدة تنشر "عمومًا وقد سميت واشتهرت بالوقائع المصرية". وتقول الوقائع المصرية في خطتها التي أذاعتها افتتاحية العدد الأول: "أراد ولي النعم أن الأخبار التي ترد إلى الديوان المذكور -ديوان الجرنال- تتنقح وينتخب منها ما هو مفيد وتنشر عمومًا مع بعض الأمور التي ترد من مجلس المذاكرة السامي والأمور المنظور بها في ديوان الخديوي، والأخبار التي تأتي من أقطار الحجاز والسودان ومن بعض جهات أخرى" فكأن ديوان الجرنال باق وإن سمي بعد إنشاء الجريدة قلم الوقائع١ بيد أن اختصاصاته قد توسعت، فقد كان جرنال الخديو يعني بالتقارير التي تأتي من الأقاليم، أما المجالس العليا كديوان الخديو ومجلس المذاكرة السامي - وهي من آثار التنظيم الجديد للحكومة سنة ١٨٢٦، فأخبارها شيء لا يتصل بشئون الجرنال وديوانه، وهذه المجالس تبلغ من الأهمية مكانًا يجعل قراراتها وأخبارها متصلة بالشعب وحياته، فيها تقرر مصائره وعنها تصدر كافة القرارات التي لها قوة القانون، فإذا نشرت على المصريين أخبارها كان ذلك عملًا له خطره في إذاعة حوادث الدولة الكبار. وقد يجد مؤرخو الصحافة المصرية كثيرًا من النتائج في نشر الوقائع المصرية وخاصة بعد أن أذاعت افتتاحيتها مجمل ما ستحتوي عليه أعدادها، وهي موضوعات طيبة حقًّا، بالإضافة إلى تقريرها حقيقة مهمة وهي أنها ستنتشر لكافة الناس، فوزعت على العلماء٢ وعلى تلاميذ المدارس٣ والذوات

стр. 26

الملكية والجهادية١ وأرسلت إلى كريت والشام وبلاد العرب والسودان٢ وقرأها المبعوثون في أوربا٣ ولكن هؤلاء جميعًا لم يتجاوز عددهم ستمائة قارئ٤، وذلك في أعظم أوقات الحكومة خطرًا يوم كان جيوشها تحارب في الشام وهي في أشد الحاجة إلى الدعاية والإعلان، ومصدر هذه القلة في عدد قراء الوقائع أسباب كثيرة من أهمها أن مجال الاشتراك فيها لم يبح على إطلاقه بل قرر الباشا أن من له حق الاشتراك فيها من بلغ مرتبه في كل شهر ألف قرش فأكثر٥ ومن الثابت أن كثيرين ممن كانوا يتقاضون مرتبًا أقل من ألف قرش كان في استطاعتهم قراءتها والاستفادة منها، وقد تحدد عدد المشتركين في الوقائع أو القارئين لها، وبذلك لم يطلق توزيعها على الصورة التي اتبعت مع مثيلاتها من الصحف الرسمية في الدول الأخرى، كذلك تحددت أخبارها، فإن إشارة افتتاحية الوقائع إلى "بعض الأمور التي ترد من مجلس المذاكرة السامي والأمور المنظورة بها في ديوان الخديوي" يدلنا على أنه ليس كل ما يدور في هذه المجالس يصبح حقًّا مباحًا لقرائها، بل تقتصر على نشر ما من شأنه ألا يخل بسرية هذه المجالس، وكذلك كان الشأن في الأخبار العادية الأخرى التي درجت الجريدة الرسمية على نشرها فهذه أيضًا كانت لا تنشر إلا بعد امتحان قاس من ديوان الخديو وبعد رقابة عنيفة من الحكومة ومحمد علي نفسه٦.

стр. 27

كانت النظم الجديدة من أهم الأسباب التي دعت إلى إصدار الوقائع كجريدة للحكومة المصرية، فإن الوالي كان يريد أن يرى المصريون أو خاصة المصريين بمعنى أوضح المثل التي رسمها لسياسته العامة، فهو قد احتكر الأرض وأصبح التاجر الأول والصانع الأول في مصر، ومعظم هذا النظام غريب على المصريين، له حسناته وله سوءاته، وقد فرض على البلاد فرضًا، فلا أقل من إذاعة النتائج الطيبة التي سينتجها فعلًا هذا النظام، والوقائع المصرية وسيلته عند الراضين والساخطين على السواء، وهو ينشئ القناطر والجسور ويشق الترع وهذا يكلف الناس جهدًا فوق طاقتهم، ويتخلله شيء من ظلم الجماهير بتسخيرها في الحفر والشق وتعبيد الطرق، فلا أقر من أن تكتب المقالات تصف كفاح الحكومة من أجل عمران مصر، ثم هو ينشئ مصانع النسيج ومعامل الغزل ودور الصناعات الحربية بجانب المدارس على اختلاف أنواعها ويرسل البعوث هنا وهناك ويهيئ أحواض السفن لبناء أسطوليه التجاري والحربي فيربط مصر بأوربا بعد أن انقطعت الصلات عدة قرون، ثم يأمر فينشر هذا كله في صحيفته وهي الميدان الفسيح لمدحه والثناء عليه، وهكذا تعطي الوقائع المصرية بمقالاتها وأخبارها صورة للحكومة العادلة القادرة المجددة. وهو يريد أن يرى الناس جزاء المجد أو المهمل فيأمر بنشر أخبار الموظفين ترقيتهم وعزلهم، ثم يأمر بنشر القضايا المهمة التي تتصل بالشرع والعرف مع ذكر الحكم والقصاص، ثم يؤكد على المحرر بأن يذيع بين آن وآن ما رمم من المساجد وما أنشئ من المؤسسات الخيرية إلى غير ذلك من الأخبار التي تتصل بالزرع والحيوان١ ثم لا يغيب عن صفحاتها بعض الأدب وأخبار السياسة الخارجية وشئون الدول الاجتماعية لعل فيها عظة وعبرة لقرائها.

стр. 28

ويعين لخدمتها بعض رجالات العصر كرفاعة رافع الطهطاوي وأدهم بك مدير المدارس غير بعض السوريين الذين ولًّاهم شئونها الصغرى في التحرير والإدارة كأحمد فارس الشدياق والسيد شهاب الدين باشمصحح مطبعة بولاق١. وقد اقتسمتها اللغتان التركية والعربية وتغلبت الأولى مرة والثانية مرة أخرى إلى أن صدرت كل منهما في صورة منفصلة. وعلى هذا النحو نشرت أقدم الصحف المصرية ومضت قدمًا كأول مثال للصحيفة المصرية بالمعنى المفهوم، وهي نظائرها من الصحف الرسمية في أوربا التي تخصصت للأوامر الرسمية والقوانين واللوائح فقط. ارتبط تاريخ الصحافة الرسمية في مصر بالنظم الجديدة التي قررها ولي النعم، فقد شاهدنا كيف أنتج نظامه الإداري الأول الجرنال فأصبح جريدة رسمية يومية لكبار موظفيه ومأموريه، ثم رأى الباشا أن يعدل نظمه ويؤسس حكومته من جديد، واستلهم في ذلك القواعد الفرنسية التي اتبعت في مصر خلال الاحتلال الفرنسي فأسس في سنة ١٨٢٦ مجالس الدولة وأنشأ الوزارات في صورة دواوين وعدل التقسيم الإداري، كما أنشأ مع نظامه هذه المدارس، وأخذت مطبعة بولاق تزحم في تلك الفترة بكتبها في كثير من العلوم والفنون، كما عقب على نشاطه الإداري والتعليمي بتنظيم زراعي لا بأس به٢ وقد تبع إنشاء النظام الجديد كثير من التغيير والتبديل في مصالح الحكومة واختصاصاتها، وبذلك أنشأ محمد علي أول نظام ثابت لحكومة مصر وكانت قد حرمت النظام والاستقرار عدت قرون، وارتبط إنشاء الوقائع المصرية بهذا النظام وأصبحت لسانًا له وصدى لآماله الكبار.

стр. 29

ولعل أعظم ما بهر المؤرخين وشغلهم في تاريخ محمد علي النظم العسكرية التي أدخلها في مصر وكون جيشه بمقتضاها، فقد كتب المؤرخون عن هذه النظم مجلدات ضخمة أحدثها ما نشره الجنرال فيجان العسكري الفرنسي المعروف١، ويتبين لنا قدر هذا الجيش إذا عالجنا خدماته للوالين فيه قضى على المماليك وزعمائهم، وطرد الإنجليز في سنة ١٨٠٧، وفتح بلاد العرب وأراح السلطان من مشاكل الجزيرة العربية، كما استعان به في فتح السودان وكريت واليونان والشام أخيرًا، وهو القوة التي ارتكز عليها في سياسته الخارجية إزاء الباب العالي ودول أوربا، فلا غرو إن رأى المؤرخون أن العسكرية المصرية في عهده فرضت النظام على شعبه وخلقت حسًّا وطنيًّا لم يكن معروفًا من قبل ووضعت أساس الاستقلال المصري٢ وأنها في رأي آخر مكنته من "أن يلعب في مصر برغم موارده المحدودة دور أمة قوية السلطان"٣. هذا رأي بعض المؤرخين في النظام العسكري وآثاره في مصر، غير أن مؤرخ الصحافة الرسمية لا يعنيه من هذا شيء بقدر ما يعنيه الأثر الذي خلفه الجيش المصري في الصحافة المصرية، وقد قامت الوقائع بنشر أخبار هذا الجيش٤ وفسحت صدرها لذكر تقدمه وانتصاراته. ولما كان جرنال الخديو لم يعد يحتمل نشاط الدولة بعد اتساعها وتنظيمها الجديد كذلك لم تستطع الوقائع المصرية أن تنفرد وحدها بتسجيل التفاصيل التي تتصل بالجيش وهو يكتب صحيفته الرائعة في حروب الشام، وهذه

стр. 30

التفاصيل من شئونه الخاصة، لذلك اختص الجيش بجريدة له سميت "الجريدة العسكرية" وإن مضت الوقائع المصرية تنشر تنقلاته وترقيات ضباطه وتصور أفعاله المحيدة، بيد أنها لم تتمكن من أن تلم بكل ما يتصل بحياة جيش يبلغ زهاء ثلاثمائة ألف جندي وضابط١. وقد طبعت هذه الجريدة العسكرية في مطبعة ديوان الجهادية في مستهل حملة الشام سنة ١٨٣٣، وقد أنكرتها الوثائق والمراجع قبل هذا التاريخ، ولعل حوادث الجيش وجرائم الآلايات لم تكن تحتمل تخصيص صحيفة له قبل تنظيمه وازدياد جنده هذه الزيادة التي قلما تجارى في تلك الظروف. وقد فصلت إحدى الوثائق قدر هذه الصحيفة حيث قالت: إنها "الجريدة الخاصة بنشر الجرائم التي تقع في الآلايات" وأنه يصدر منها "شهريًّا خمس عشرة نمرة الجاري طبعها في مطبعة ديوان الجهادية"٢ وقد شكا حضرة صاحب الدولة الباشا السر عسكر٣ من التهاون الملحوظ في نشر هذه الجريدة العسكرية، فقرر مجلس شورى الجهادية التنبيه على "أحمد أفندي ناظر مطبعة ديوان الجهادية؛ لأن يبذل جهده حتى لا يقل عدد ما يطبع خاصًّا بالجرائم العسكرية من خمس عشرة نمرة في كل شيء" وتكليف "ثابت أفندي كاتب مجلس شورى العسكرية بأن يختار من بين المستخدمين في شورى الجهادية موظفًا قديرًا ويوليه مهمة تسليم ما يرد إلى المجلس من أعداد الجريدة العسكرية وإرسال أعداد هذه الجريدة بالبريد إلى الديوان الخديوي" ثم يكلف مجلس شورى الجهادية "الأفندي وكيل مأمور الديوان الخديوي" بأن يعني بإرسال الجريدة إلى الجهاد المختصة مرتين في كل أسبوع.

стр. 31

ولم نوفق إلى الحصول على نسخة من الجريدة العسكرية حتى نصورها في الصورة اللائقة بها، ولكن في استطاعتنا أن نقرر من تسمية هذه الجريدة أنها كانت تنشر تفاصيل هذه الجرائم والقصاص الذي نزل بمرتكبيها، وأنها قياسًا على ما كان يحدث في أمر توزيع الجرنال والوقائع نرجح أنها كانت توزع على ضباط الجيش، ولعلها كانت تقرأ على الجنود أو يفسر لهم ما فيها، وأكبر الظن أن حياة هذه الجريدة لم تستقم على ما كان يهوى دولة السر عسكر فإن الجنود المصرية لم تكن خلال حرب الشام في حالة تسمح باستقرار ينتج صحيفة تصدر خمسة عشرة مرة في كل شهر؛ لأن الحواديث والجرائم التي تقع في الجيش كان يتعذر نقلها في انتظام إلى مصر من حدود الأناضول أو من أعماق السودان لتنتظم أمور الجريدة وحوادثها، وفي ذلك شكا دولة السر عسكر كما رأينا. ونحن نرجح أن عمر هذه الجريدة لم يطل لأن الوثائق التي اتصلت بالجيش ونظامه وحروبه وظفره أنكرتها إنكارًا تامًا فيما خلا تلك الوثيقة التي أشارت إليها، وعندي أن معاهدة لندن وقد حدت من نشاط العسكرية في مصر قد حالت دون استمرار الجريدة واضطلاعها بالأعباء التي حدثتنا عنها وثيقة مجلس شورى الجهادية أو لعلها تطورت إلى شيء يشبه الغازتة العسكرية المعروفة بأخبار الترقيات والتنقلات بين صفوف الجيش، وهو عمل صحفي هادئ تدعو إليه الحاجة وليس له موعد معلوم. أثبت جرنال الخديو والوقائع المصرية والجريدة العسكرية أن ولي النعم كان يؤمن بقدر الصحافة وخطرها في المسائل العامة التي كان يكرس حياته من أجلها، وقد أدى جرنال الخديوي وظيفته من حيث تمثيله للنظم القديمة، كما أدت الوقائع المصرية رسالتها من حيث أنها كانت أكثر عمومية وأوسع إدراكًا لمعنى الجريدة بصفتها الرسمية والعامة كما أنها كانت لسانًا طيبًا لإصلاحاته وتنظيماته التي أدخلها في سنة ١٨٢٦، وهكذا كان الغرض من الجريدة العسكرية، فقط ارتبط وجودها باتساع الجيش اتساعًا لم يكن معهودًا من قبل.

стр. 32

وقد يبدو غريبًا ألا تكون للشئون الزراعية أو التجارية جريدة مماثلة لصحف النظم الإدارية والعسكرية، مع أن هذه الشئون قد شغلت الدولة كما شغلها الجيش وتجديده، فقد حفلت محفوظات عابدين بمئات الأوامر واللوائح والقوانين التي تتصل بتقوية جسور النيل وتنظيم البلاد الواقعة على شاطئيه والعناية بالري وزراعة الأثمار وغرس الأشجار، ومراقبة مياه المحمودية، ونظام بيع المحصولات وما إلى ذلك من الموضوعات التي تتصل بالزراعة والتجارة١. وأهم الوثائق التي تنتظم أغراض الباشا في التجارة والزراعة تبدو من أمره الخطير بإنشاء بنك في الإسكندرية "مثل بنوكة الممالك المتمدنة ويكون له امتياز وسلطة في تسعير العملة المصرية والعملة الأجنبية والأوراق وتسعير سائر أصناف الزراعة والتجارة الجاري الأخذ والعطاء فيها سواء كانت بالمزايدات أو بالممارسة أو بالإعلانات، وفتح اعتمادات وقبول التحاويل والرجع الميرية لما فيه من إزالة الضرر واتساع نطاق التجارة"٢. وفي انتظام شئون الزراعة واتساع المجال في الحياة التجارية كما رأينا ما يبرر إنشاء صحيفة لهما تكون على غرار ما كان للجيش، ولعل الوالي قد وجد في الوقائع كفاء لهذا بما اعتادت نشره من هذه الأخبار، ولعل الفترة التي تحرجت فيها الأمور بينه وبين السلطان، وهي تقع بين سنتي ١٨٣٣ - ١٨٤٠ لم تتح له الانصراف التام إلى مثل هذه الشئون الجزئية إن صح التعبير، فقد كان كل شيء في خدمة الجيش، فإذا انجلت الأمور عن معاهدة لندن واستقرت الأحوال بين القاهرة والأستانة انصرف جهد الحكومة عن الجيش

стр. 33

واتجه إلى الإصلاح الداخلي وفي مقدمته الزراعة وحياة الفلاح، وهو ولي نعمته كما يقول هو١. وفي ذلك العهد -عهد الهدوء والاستقرار- صدرت لائحة زراعة الأراضي وقد ضمنها الوالي جملة دلت على القصد منها فقد قال في مقدمتها "إن رفاهية الأهالي هي من الزراعة"٢، ثم توسع في إنشاء الترع والقناطر وأهمها القناطر الخيرية، ولم يكن ابنه وخليفته إبراهيم باشا بأقل منه اهتمامًا بالزراعة، فقد توفر عليها يرعى مختلف شئونها٣ فليس غريبًا إذن أن يكون محمد علي قد فكر في إصدار جريدة للزراعة والتجارة وحال مرضه دون إتمام هذا المشروع، ومن ثم أخذ ولده إبراهيم على عاتقه أن يصدر هذه الصحيفة فأمر بإنشائها في ٤ ذي القعدة سنة ١٢٦٤هـ، وجاء في أمره: "حيث استنسب عندنا في هذه الدفعة ترتيب جرنال يحتوي على الإعلانات الملكية والأخبار التجارية لأجل الحصول على الفوائد العمومية واستصوب أن يرسل منه لكل كافة البنادر والقرى صورته الآتى نظيرها أدناه ليحصل لكل أحد فائدة من الجرنال المذكور، وربما أن الحصول على ذلك كما يجب فهو منوط لإرسال الإفادات والكشوفات والإعلانات المقتضى جلبها لديوان المدارس جمعة بجمعة بدون توقف"٤. ثم يبدي الوالي العناية بهذا الموضوع والغيرة على نجاحه حتى يطبع في كل أسبوع ويوزع في البلاد والقرى كافة، ويشتمل الجرنال على "الأشياء التي تباع في ظرف كل جمعة بساحات وسواحل محروسة مصر وإسكندرية والبنادر الكبار بالأقاليم المذكورة. أعني يكون مشتملًا على

стр. 34

الأسعار التجارية في بيع الغلال والأبذار والأصناف وأجناس الحيوانات المباعة في المدة التي هي من ابتدى يوم السبت لغاية يوم الخميس"، ثم يفرض نشر أخبار المبيعات التي ترسل "إلى البلاد الخارجية بحرًا" على أن يتولى ديوان المدارس هذه الأخبار بوساطة المديرين ومن إليهم ألقيت أمور الدواوين. فإذا فرغ من أخبار التجارة وتفاصيلها ذكر البند الثاني أنه يجب أن تنشر في هذا الجرنال "الأعمال التي تفيد الزراعة وأخبار الأطيان المزروعة زيادة عن العادة ببذل الجهد أو طرق مخصوصة لتربية الحيوانات أو زراعة تقاوي نظيفة أو زراعة أنواع النبات التي لم تعرفها مصر أو غرس أشجار نافعة مثمرة أو غير مثمرة" كما ينبغي ألا تفوت الجريدة "مشاهدات أطباء المديريات عن الصحة والأمراض والعلل النادرة الوقوع والأدوية وأوجه العلاج". ثم يقرر الأمر في بند ثالث الموضوعات الأخرى التي يجب أن تنشرها الجريدة وهي "أوصاف وفوائد البدء في الترع والجسور والأبنية والعمارات الميرية وعدد الأنفار والصناع وما صرف عليهم وحوادث كسور القناطر وكذلك أخبار الأضرار والخسائر التي تنزل بالغيطان من طغيان المياه ونشر المجهودات التي بذلت لإصلاح الحال". هذا مجمل لأهم ما جاء في أمر إبراهيم باشا بإنشاء الجريدة، وقد علقت الوقائع في ١٢ ذي القعدة سنة ١٢٦٤هـ على ذلك الأمر بقولها "لما كان أمر التجارة والزراعة أساسًا للرفاهية والثروة وقد أراد الجناب الخديوي أن يطبع "جرنال جمعي" في شأن على البلاد والقرى كافة زيادة على نسخ الوقائع المعتاد نشرها في كل أسبوع لتعلم أرباب التجارة والزراعة بمطالعته ما يتحصل من الرواج ويكون وسيلة إلى استحصال الفوايد العامة" ثم ذكرت الوقائع في ٣ ذي الحجة من نفس السنة أنه " ........ بودر إلى الشروع في طبع الجرنال المذكور من الآن، طبق مراد الآصفي على الشأن١، وسينشر في كل يوم جمعة

стр. 35

بدون انقطاع، وقد حررت في هذا الأسبوع أول نسخة منه وطبعت، وعلى كافة المديريات نشرت". ويبدو من الأمر الخديوي أن فكرة إنشاء هذه الصحيفة ليست جديدة فقد ذكر أنه استنسب عند إبراهيم باشا في "هذه الدفعة" ترتيب هذا الجرنال ومعنى هذا كما يدل منطوق أمره أن هناك محاولات قد بذلت مرة على الأقل قبل "تلك الدفعة" التي تقرر فيها إنشاء الجريدة، وأن هذه المحاولات غالبًا مابذلت في عهد والده محمد على الذي نرجح أن صحته لم تطاوعه في المضي نحو تحقيق هذا المشروع الصحفي، وهكذا نشرت جريدة التجارة والزراعة في عهد خلفه "زيادة على نسخ الوقائع المعتاد نشرها في كل أسبوع" كما تقول الجريدة الرسمية في تعليقها على تلك الصحيفة، وقد وزعت الجريدة على كافة المديريات، وسمتها الوقائع في كثير من أعدادها "الجرنال الجمعي" كما نقلت عنها بعض محتوياتها، ولم يطل عهدها فقد كفت الوقائع عن ذكرها بعد وفاة إبراهيم باشا، ولم نعثر على نسخة منها، وأكبر الظن أنها نشرت خمس مرات فحسب منذ صدر الأمر بإنشائها إلى يوم وفاة منشئها في ١٤ ذي الحجة سنة ١٢٦٤هـ. بلغت الصحافة الرسمية مكانة سامية في عهد إبراهيم باشا، فلما خلفه على شئون مصر عباس الأول تغيرت الحال، وتغيرت نظم الحكم الداخلية كلها على وجه التقريب، وأثرت أخلاقه الخاصة فيما صنعه جده العظيم، فقد كان سيئ الظن بالناس شديد التطير عزوفًا عن كل جديد، فأقصى معظم الخبراء الذين استعان بهم محمد علي من فرنجة ومصريين١،وأقفل معظم المدارس بدرجاتها جميعًا بحجة الاقتصاد أو بدافع من طبيعة الحرص فيه.

стр. 36

ثم أغلق المصانع والمعامل وهي نتيجة لحاكم لا يؤمن بأثر التعليم، وأفسد عامدًا خير ما صنعه جده لوحدة البلاد، فشابَ مصرية الجيش بلون من الجنود الأرناءود وهم فئة عابثة حاول جده مدة سنوات حكمه التخلص منها والقضاء عليها١. هذه العقلية التي أشرنا إلى بعض تصرفاتها في إنجاز لم تحتمل بالطبع أية صحافة مهما يكن لونها، وآية ذلك أن الجريدة التجارية الزراعية اختفت فجأة ولم يعد لها ذكر لا في الوقائع المصرية ولا في الوثائق المختلفة، والوقائع نفسها لقيت من الضيق في عهد عباس الأول ما حجبها عن القراء معظم أيام حكمه. وتدلنا إحدى الوثائق على مدى فهمه لوظيفة الصحيفة الرسمية فهو يأمر بأن يقتصر توزيع الوقائع على "الحائزين على رتبة فريق ورتبة ميرميران ورتبة ميرلوا ورتبة ميرالاي فقط"٢، ومعنى ذلك أن الستمائة نسخة التي كانت توزع على المشتركين من الموظفين والعلماء وتلاميذ المدارس وأعيان المصريين، قد انخفضت إلى بضع عشرات النسخ لعدد محدود من كبار ضباط جيشه، ومصدر هذا كله أن الوالي قد علم أن الجريدة ترسل "لجماعة أمية وسفلة مثل حسن أغا وكيل الخراج، وفيض الله أغا الطاهي، وموسى اليهودي الألاتي "المهرج" ثم يصور الأثر الذي تركته قراءة هؤلاء للوقائع في كتابه إلى مجلس الأحكام "فلما رأيت ذلك خجلت من نفسي ورأيت أن إرسال الجريدة إلى أمثال فيض الله أغا وحسن أغا من الأمية والجهلة الذين لا يعرفون معنى الجريدة ولا سيما موسى اليهودي الألاتي، فقد عددت إرسال الجريدة لهم ذلًا زائدًا"٣.

стр. 37

هاله أن تقرأ هذه الطبقة صحيفة الحكومة من أمثال وكيل الخراج وموسى الموسيقي، وهو اتجاه يجري في برج نظامه العام، ويتفق تمامًا مع تفكيره وترفعه عن عامة الناس، فبينما كان جده يفرضها فرضًا ويخلق لها القراء خلقًا، ويأبى هو أن تنحدر إلى أمثال هؤلاء من الأمية والسفلة، وكانت الصحيفة في أعدادها القليلة التي صدرت في عهده تعبر عن قصد الباشا تمام التعبير، فلم نعد نقرأ فيها مقالًا ذا قيمة أو خبرًا في طلاوة العبارة أو جدة المعنى. ولم يكن حظ الوقائع والصحف الرسمية القديمة في عهد سعيد بأحسن من حظها في عهد سلفه وإن بدأ سياسته فيها بدء حسنًا فقد ذكر بعد توليه الحكم بثمانية أيام في أمر له إلى مدير المدارس أنه "لما كان جودت أفندي محرر الوقائع من أهل العلم وأصحاب الاجتهاد كان الواجب المتبع لدينا في ترقية الموظفين أن نرقي أمثاله فاعلموا أننا منحناه رتبة القائمقام وقيدوا له مرتب القائمقامية وجرايتها ابتداء من تاريخ أمرنا وأصرفوهما له كلما استحقهما طبق الأصول"١ وهذا الأمر يعني أن والي مصر الجديد سيعني على القليل بالصحيفة الرسمية، ولكنه على عادته المعروفة من التقلب وقف عن تحقيق هذه النهضة الصحفية المرجوة في عهده، وتاريخه حافل بهذا التقلب الملحوظ، فبينما يمنع الفلاحين حق ملكية الأراضي الرزاعية ويتجاوز عن الضرائب المتأخرة عليهم ويلغي نظام الاحتكار٢ نجده يمعن فيما صنعه سلفه من تغليق المدارس وينصرف عن الجيش ويحوله إلى عمال لشق قناة السويس٣ بعد أن اهتم به في أول الأمر، وكان الأمر عظيمًا في أن تجني مصر في عهده كثيرًا من نعمة الهدوء والاستقرار، ولكنه لا يستقر على اتجاه فلا عجب إذن إن لقيت.

стр. 38

الصحافة الرسمية في أول عهده تشجيعًا ملحوظًا آيته ترقية محررها ثم نراه يردها إلى الجمود المطلق الذي تجاوز في آثاره أسوأ مما صنعه سلفه عباس. أراد سعيد باشا أن يتخلص من مطبعة بولاق وتكاليفها كما تخلص من المدارس التي أنشئت في عهد والده محمد علي، وذلك بعد أن أدت المطبعة واجبها أحسن الأداء منذ إنشائها متخطية كثيرًا من الصعاب، بيد أنها في عهد لقيت عناء أثر في نشاطها واضطرب إلى التوقف فاحتجب جهدها من يوليو سنة ١٨٦١ إلى ١٩ أغسطس سنة ١٨٦٢ ثم عادت إلى الحياة في فتور لتطبع بعض ما كانت الحكومة في حاجة إليه من الكتب والدفاتر، ثم أنعم بها على صديقه عبد الرحمن رشدي بك مدير الوابورات الميرية وملكه العقار والآلات١. تعطلت الوقائع المصرية سنة كاملة بوقف مطبعة بولاق كما رأينا ثم عادت إلى الحياة بعد تمليك رشدي بك للمطبعة، وأذن له الخديو إسماعيل -وكان قد تولى الحكم بعد منحة سعيد لرشدي بك بشهرين تقريبًا -"بنشر وإعلان الوقائع الرسمية الخاصة بالأهالي والحكومة على أصلها" ثم أعاره بعض الموظفين القادرين على أداء الخدمة الصحفية في الجريدة الرسمية٢ "فأطلقت الجريدة من العقال وجالت في ميدان المقال، وشرعت تنشر الأخبار المصرية والأجنبية لكن في هيئة غير رسمية"٣. بقيت الوقائع المصرية في كنف رشدي بك زهاء ثلاثة أعوام حتى وافت سنة ١٨٦٥ فإذا الخديو إسماعيل يشتري المطبعة الأميرية من صاحبها٤ ويضع

стр. 39

الصحافة الرسمية تاريخًا يبز تاريخها في عهد أسلافه جميعًا، ويجدد في مناحيها ويخلق في أنواعها، فيبدأ بالوقائع ويقول في أمره لنظارة المالية: "إن من المسلّم به أن للجرائد منافع ومحسنات عند الأهالي ولدى الحكومة، ولذلك فإنني أرغب في إدخال جريدة الوقائع المصرية في عداد الجرائد المعتبرة" ودخلت الوقائع فعلًا في عداد الجرائد المعتبرة، وفاقت في عهده تاريخها السابق فنشرت من الأخبار قديمها وحديثها ونقلت عن الصحف الغربية خير ما فيها، ونشطت البرقيات بين صفحاتها، وعنيت بالبلاد الشرقية وأمورها، كما خصصت مكانًا رحبًا لأخبار الداخل وتفاصيلها، ولم تسقط من حسابها الأمور التجارية والمسائل الاقتصادية والأبواب الاجتماعية والأدبية، وفتحت صدرها للإعلانات كباب من أبواب رزقها، كما نصبت نفسها لسانًا يدافع عن الحكومة وتصرفاتها ويهاجم خصومها من الصحف الأجنبية في مصر أو الصحف الغربية في بلادها، ونظم الخديوي أمورها وعين لها خيرة العمال والمحررين وبذل لهم في سخاء لم يعهده محرورها من قبل١. ويشاء الخديوي أن يجعل لسنة ١٨٦٥ شرف النهضة الصحفية الرسمية فتصدر الحكومة صحيفتين أخريين، صدى لنهضة عميقة في الطب والجيش، فقد أقبل إسماعيل والمدارس مغلقة ودور العلم معطلة، فشاء أن يرد إليها الحياة في غير تردد، وعنى عناية خاصة بمدرسة الطب فكان تقدمها سريعًا حتى جاوز عدد طلابها المائة، ولم تكن وقفًا على الشعب المصري وحده بل فتحت صدرها للطلاب من البلاد الشرقية٢ غير من ضمت من طلاب الصيدلة والقابلات المصريات، وإلى جانبها قامت مدرسة الطب البيطري يشرف عليها جميعًا فئة من أعلام الطب المصريين والأجانب على السواء. رأى الخديوي إسماعيل أن يكون للنشاط الطبي في مصر أثر يخلد فعاله

стр. 40

ويعاونه على نشر أفضل المسائل الطبية كما يكون مجالًا يتبارى فيه الأطباء بإنشاء الموضوعات المفيدة، فأصدر مجلة "يعسوب الطب" وهي أقدم الصحف الطبية في الشرق كله، على أن تشرف عليها الحكومة المصرية، وتمدها بالمال، وقد قامت المطبعة الأميرية بطبعها، ومضى يحررها محمد علي باشا الحكيم كبير الأطباء المصريين، وهي ترجو -كما تذكر خطتها- "أن تقدم لمطالعيها من رياض الطب وأزهاره ما يغنيهم عن الرجوع إلى مطولات الكتب وشروحها أو المجلات الأجنبية وفصولها الطوال كما يجني اليعسوب وهو أمير النحل في دولته موارد العسل من أزاهير الرياض، وكان شعار المجلة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. وكانت موضوعاتها طريفة تغري بالقراءة حقًّا١ فلم تتعرض للمسائل الصحية الجافة، وكانت تعالج الموضوعات العلمية في أسلوب يدركه القارئ العادي، وقد ساهم في تحريرها الأطباء المصريون والفرنجة، ومنح الشيخ إبراهيم الدسوقي علاوة على راتبه مائة وخمسين قرشًا مقابل قيامه بتصحيح قصول الأطباء الأجانب٢، ومن أهم ما حملته هذه المجلة الفصول التي كتبتها القابلة جليلة تمرهان، وهي فيما نعلم أول مصرية تكتب في الصحف موضوعًا وموضوعًا فنيًّا بالذات، وأكبر الظن أن المجلة كانت توزع على الأطباء وطلاب الطب في مصر جريًا على ما اتبع مع مثيلاتها وطلبًا لتحقيق الفائدة منها. وكذلك أصبحت الجريدة العسكرية المصرية الصحيفة الرسمية الثانية التي أنشأتها حكومة إسماعيل في سنة ١٨٦٥ باستثناء الوقائع المصرية، ومن سقط القول أن نقدم لإنشائها بحديث عن النهضة العسكرية في ذلك الوقت، فذلك أمر يعرفه كل من درس عصر إسماعيل وألم بأطرافه وعدد المدارس التي أنشئت لتعليم الفنون العسكرية وما أنشئ معاونًا لها من المدارس، غير البعثات الحربية
следующие страницы →