← История

История · id 11754

تطور الصحافة المصرية 1798 - 1981

إبراهيم عبده

Полный текст (366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم أغلق المصانع والمعامل وهي نتيجة لحاكم لا يؤمن بأثر التعليم، وأفسد عامدًا خير ما صنعه جده لوحدة البلاد، فشابَ مصرية الجيش بلون من الجنود الأرناءود وهم فئة عابثة حاول جده مدة سنوات حكمه التخلص منها والقضاء عليها١. هذه العقلية التي أشرنا إلى بعض تصرفاتها في إنجاز لم تحتمل بالطبع أية صحافة مهما يكن لونها، وآية ذلك أن الجريدة التجارية الزراعية اختفت فجأة ولم يعد لها ذكر لا في الوقائع المصرية ولا في الوثائق المختلفة، والوقائع نفسها لقيت من الضيق في عهد عباس الأول ما حجبها عن القراء معظم أيام حكمه. وتدلنا إحدى الوثائق على مدى فهمه لوظيفة الصحيفة الرسمية فهو يأمر بأن يقتصر توزيع الوقائع على "الحائزين على رتبة فريق ورتبة ميرميران ورتبة ميرلوا ورتبة ميرالاي فقط"٢، ومعنى ذلك أن الستمائة نسخة التي كانت توزع على المشتركين من الموظفين والعلماء وتلاميذ المدارس وأعيان المصريين، قد انخفضت إلى بضع عشرات النسخ لعدد محدود من كبار ضباط جيشه، ومصدر هذا كله أن الوالي قد علم أن الجريدة ترسل "لجماعة أمية وسفلة مثل حسن أغا وكيل الخراج، وفيض الله أغا الطاهي، وموسى اليهودي الألاتي "المهرج" ثم يصور الأثر الذي تركته قراءة هؤلاء للوقائع في كتابه إلى مجلس الأحكام "فلما رأيت ذلك خجلت من نفسي ورأيت أن إرسال الجريدة إلى أمثال فيض الله أغا وحسن أغا من الأمية والجهلة الذين لا يعرفون معنى الجريدة ولا سيما موسى اليهودي الألاتي، فقد عددت إرسال الجريدة لهم ذلًا زائدًا"٣.

стр. 37

هاله أن تقرأ هذه الطبقة صحيفة الحكومة من أمثال وكيل الخراج وموسى الموسيقي، وهو اتجاه يجري في برج نظامه العام، ويتفق تمامًا مع تفكيره وترفعه عن عامة الناس، فبينما كان جده يفرضها فرضًا ويخلق لها القراء خلقًا، ويأبى هو أن تنحدر إلى أمثال هؤلاء من الأمية والسفلة، وكانت الصحيفة في أعدادها القليلة التي صدرت في عهده تعبر عن قصد الباشا تمام التعبير، فلم نعد نقرأ فيها مقالًا ذا قيمة أو خبرًا في طلاوة العبارة أو جدة المعنى. ولم يكن حظ الوقائع والصحف الرسمية القديمة في عهد سعيد بأحسن من حظها في عهد سلفه وإن بدأ سياسته فيها بدء حسنًا فقد ذكر بعد توليه الحكم بثمانية أيام في أمر له إلى مدير المدارس أنه "لما كان جودت أفندي محرر الوقائع من أهل العلم وأصحاب الاجتهاد كان الواجب المتبع لدينا في ترقية الموظفين أن نرقي أمثاله فاعلموا أننا منحناه رتبة القائمقام وقيدوا له مرتب القائمقامية وجرايتها ابتداء من تاريخ أمرنا وأصرفوهما له كلما استحقهما طبق الأصول"١ وهذا الأمر يعني أن والي مصر الجديد سيعني على القليل بالصحيفة الرسمية، ولكنه على عادته المعروفة من التقلب وقف عن تحقيق هذه النهضة الصحفية المرجوة في عهده، وتاريخه حافل بهذا التقلب الملحوظ، فبينما يمنع الفلاحين حق ملكية الأراضي الرزاعية ويتجاوز عن الضرائب المتأخرة عليهم ويلغي نظام الاحتكار٢ نجده يمعن فيما صنعه سلفه من تغليق المدارس وينصرف عن الجيش ويحوله إلى عمال لشق قناة السويس٣ بعد أن اهتم به في أول الأمر، وكان الأمر عظيمًا في أن تجني مصر في عهده كثيرًا من نعمة الهدوء والاستقرار، ولكنه لا يستقر على اتجاه فلا عجب إذن إن لقيت.

стр. 38

الصحافة الرسمية في أول عهده تشجيعًا ملحوظًا آيته ترقية محررها ثم نراه يردها إلى الجمود المطلق الذي تجاوز في آثاره أسوأ مما صنعه سلفه عباس. أراد سعيد باشا أن يتخلص من مطبعة بولاق وتكاليفها كما تخلص من المدارس التي أنشئت في عهد والده محمد علي، وذلك بعد أن أدت المطبعة واجبها أحسن الأداء منذ إنشائها متخطية كثيرًا من الصعاب، بيد أنها في عهد لقيت عناء أثر في نشاطها واضطرب إلى التوقف فاحتجب جهدها من يوليو سنة ١٨٦١ إلى ١٩ أغسطس سنة ١٨٦٢ ثم عادت إلى الحياة في فتور لتطبع بعض ما كانت الحكومة في حاجة إليه من الكتب والدفاتر، ثم أنعم بها على صديقه عبد الرحمن رشدي بك مدير الوابورات الميرية وملكه العقار والآلات١. تعطلت الوقائع المصرية سنة كاملة بوقف مطبعة بولاق كما رأينا ثم عادت إلى الحياة بعد تمليك رشدي بك للمطبعة، وأذن له الخديو إسماعيل -وكان قد تولى الحكم بعد منحة سعيد لرشدي بك بشهرين تقريبًا -"بنشر وإعلان الوقائع الرسمية الخاصة بالأهالي والحكومة على أصلها" ثم أعاره بعض الموظفين القادرين على أداء الخدمة الصحفية في الجريدة الرسمية٢ "فأطلقت الجريدة من العقال وجالت في ميدان المقال، وشرعت تنشر الأخبار المصرية والأجنبية لكن في هيئة غير رسمية"٣. بقيت الوقائع المصرية في كنف رشدي بك زهاء ثلاثة أعوام حتى وافت سنة ١٨٦٥ فإذا الخديو إسماعيل يشتري المطبعة الأميرية من صاحبها٤ ويضع

стр. 39

الصحافة الرسمية تاريخًا يبز تاريخها في عهد أسلافه جميعًا، ويجدد في مناحيها ويخلق في أنواعها، فيبدأ بالوقائع ويقول في أمره لنظارة المالية: "إن من المسلّم به أن للجرائد منافع ومحسنات عند الأهالي ولدى الحكومة، ولذلك فإنني أرغب في إدخال جريدة الوقائع المصرية في عداد الجرائد المعتبرة" ودخلت الوقائع فعلًا في عداد الجرائد المعتبرة، وفاقت في عهده تاريخها السابق فنشرت من الأخبار قديمها وحديثها ونقلت عن الصحف الغربية خير ما فيها، ونشطت البرقيات بين صفحاتها، وعنيت بالبلاد الشرقية وأمورها، كما خصصت مكانًا رحبًا لأخبار الداخل وتفاصيلها، ولم تسقط من حسابها الأمور التجارية والمسائل الاقتصادية والأبواب الاجتماعية والأدبية، وفتحت صدرها للإعلانات كباب من أبواب رزقها، كما نصبت نفسها لسانًا يدافع عن الحكومة وتصرفاتها ويهاجم خصومها من الصحف الأجنبية في مصر أو الصحف الغربية في بلادها، ونظم الخديوي أمورها وعين لها خيرة العمال والمحررين وبذل لهم في سخاء لم يعهده محرورها من قبل١. ويشاء الخديوي أن يجعل لسنة ١٨٦٥ شرف النهضة الصحفية الرسمية فتصدر الحكومة صحيفتين أخريين، صدى لنهضة عميقة في الطب والجيش، فقد أقبل إسماعيل والمدارس مغلقة ودور العلم معطلة، فشاء أن يرد إليها الحياة في غير تردد، وعنى عناية خاصة بمدرسة الطب فكان تقدمها سريعًا حتى جاوز عدد طلابها المائة، ولم تكن وقفًا على الشعب المصري وحده بل فتحت صدرها للطلاب من البلاد الشرقية٢ غير من ضمت من طلاب الصيدلة والقابلات المصريات، وإلى جانبها قامت مدرسة الطب البيطري يشرف عليها جميعًا فئة من أعلام الطب المصريين والأجانب على السواء. رأى الخديوي إسماعيل أن يكون للنشاط الطبي في مصر أثر يخلد فعاله

стр. 40

ويعاونه على نشر أفضل المسائل الطبية كما يكون مجالًا يتبارى فيه الأطباء بإنشاء الموضوعات المفيدة، فأصدر مجلة "يعسوب الطب" وهي أقدم الصحف الطبية في الشرق كله، على أن تشرف عليها الحكومة المصرية، وتمدها بالمال، وقد قامت المطبعة الأميرية بطبعها، ومضى يحررها محمد علي باشا الحكيم كبير الأطباء المصريين، وهي ترجو -كما تذكر خطتها- "أن تقدم لمطالعيها من رياض الطب وأزهاره ما يغنيهم عن الرجوع إلى مطولات الكتب وشروحها أو المجلات الأجنبية وفصولها الطوال كما يجني اليعسوب وهو أمير النحل في دولته موارد العسل من أزاهير الرياض، وكان شعار المجلة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. وكانت موضوعاتها طريفة تغري بالقراءة حقًّا١ فلم تتعرض للمسائل الصحية الجافة، وكانت تعالج الموضوعات العلمية في أسلوب يدركه القارئ العادي، وقد ساهم في تحريرها الأطباء المصريون والفرنجة، ومنح الشيخ إبراهيم الدسوقي علاوة على راتبه مائة وخمسين قرشًا مقابل قيامه بتصحيح قصول الأطباء الأجانب٢، ومن أهم ما حملته هذه المجلة الفصول التي كتبتها القابلة جليلة تمرهان، وهي فيما نعلم أول مصرية تكتب في الصحف موضوعًا وموضوعًا فنيًّا بالذات، وأكبر الظن أن المجلة كانت توزع على الأطباء وطلاب الطب في مصر جريًا على ما اتبع مع مثيلاتها وطلبًا لتحقيق الفائدة منها. وكذلك أصبحت الجريدة العسكرية المصرية الصحيفة الرسمية الثانية التي أنشأتها حكومة إسماعيل في سنة ١٨٦٥ باستثناء الوقائع المصرية، ومن سقط القول أن نقدم لإنشائها بحديث عن النهضة العسكرية في ذلك الوقت، فذلك أمر يعرفه كل من درس عصر إسماعيل وألم بأطرافه وعدد المدارس التي أنشئت لتعليم الفنون العسكرية وما أنشئ معاونًا لها من المدارس، غير البعثات الحربية

стр. 41

إلى فرنسا١ والبعثه الحربية من فرنسا، وهيئة أركان حربه من الأمريكيين، ومطبعة الجيش ومكتبته ومتحفه. وإذا استقام أمر الجيش على هذه الصورة التي عرضناها في إنجاز فمن الطبعي أن يصدر الخديوي صحيفة تكون عنوانًا له "فقد اقتضت مروءته -أي مروءة الخديوي- وتعلقت عنايته بأحداث هذه المجموعة العلمية الدورية المسماة بالجريدة العسكرية المصرية بحيث تطبع وتنشر بوجه الانتظام على طرف حكومته العلية، إذ كان الغرض الأصلي منها أن تنشر بالخصوص على سائر الضباط الجهادية وضباط الصفوف والعساكر بالجيوش المصرية وعلى تلامذة المدارس الحربية، ولا تختص بالاشتمال على بنود تتعلق بأنواع العلوم والفنون العسكرية المتحصلة عند الملل المتأخرين والأمم المعاصرين فقط، بل يندرج فيها أيضًا فوائد جليلة وإرشادات جميلة مما لا بد منه لكل إنسان متمدن، ولا بأس به لكل حاذق متفنن من المعارف النافعة والفنون المتنوعة، مع ما ينضم لذلك من تحلية هذه المجموع بإدراج يوميات محصل ما يحصل في سائر أقطار الدنيا من الحوادث الكبيرة البوليتيقية أي السياسة والوقائع الشهيرة العسكرية". ثم تستمر الجريدة في إعلان خطتها وتبيان أغراضها فتعلن أنها ستظهر "في كل شهر مرة فهي شهرية قمرية، فكل من أراد من المستخدمين الميرية وضباط الجيوش المصرية وغيرهم من أصحاب المعارف الخصوصية وأرباب المناصب العلمية أن يودع فيها فائدة مناسبة من معلوماته، أو نادرة مقبولة من تأليفاته ليساعد المعنيين بها على دوام تحريرها، ويجاهد مع الرفقاء في سبيل العلم والمصلحة العامة على تمام تسطيرها فليوجه من فضله إلى حضرة ناظر عموم المدارس المصرية ما استنسب إدراجه في ضمن سطورها واستصوب

стр. 42

استيداعه في طي منشورها حيث كان المعول الأعلى على حضرته في عموم إدارة أمورها"١. فهي إذن تختلف أشد الاختلاف مع الجريدة العسكرية في عهد محمد علي إذ كانت الأولى للجرائم العسكرية وحدها، أما جريدتنا هنا فليست جريدة ضيقة المعنى محدودة الغرض، وهي ليست مقصورة على الشئون العسكرية بل "يندرج فيها أيضًا فوائد جليلة ....... من المعارف النافعة والفنون المتنوعة" وهي تفسح صدرها لكل كاتب غير ضباط الجيش المصري من "المستخدمين الميرية وغيرهم من أصحاب المعارف الخصوصية وأرباب المناصب العلمية". ولم تشغل الجريدة العسكرية المصرية أقلام الكتاب والضباط المصريين وحدهم بل عنيت صفحاتها بمقالات المعلمين والضباط الأجانب حتى إن معظم أعدادها كان وقفًا على أقلام هؤلاء الأجانب وخاصة "مرشير بك Mircher رئيس الإرسالية العسكرية الفرنساوية في مصر" وكانت الخرائط التي تنشرها الجريدة العسكرية المصرية حدثًا جديدًا في تاريخ الصحافة المصرية. وزاملت الجريدة العسكرية أخرى مشابهة لها وإن صدرت بعدها بعدة سنوات٢ عقب تأليف هيئة أركان الحرب المصرية، وهي هيئة عسكرية كانت على أفضل صورة مماثلة لما كانت عليه جيوش أوربا، ضمت إليها فئات من الميكانيكيين والمهندسين والخبراء في علم طبقات الأرض، كما خصصت لها جماعة لوضع المصورات الطوبوغرافية الدقيقة عن مصر والسودان وغيرهما، وكانت أعمال الكشف أهم أغراض هذه الجماعة الأخيرة٣، إذا كانت الجريدة العسكرية قد جاوزت حدودها فأذنت لكل صاحب علم أن فن أن يعرض معارفه على صفحاتها مهما يختلف الموضوع عما يوحي به

стр. 43

اسمها، فإن زميلتها "جريدة أركان حرب الجيش المصري" لم يسمح بهذا اختصاصها فإن "القصد من إنشائها تقدم الجيوش المصرية في الفنون الحربية، واطلاعهم على الوقائع والحوادث العسكرية التي تقع في البلاد الأجنبية"١. وهي صحيفة الضباط وحدهم لا يؤذن لغيرهم بالنشر فيها أو الاطلاع عليها فقد تعطلت فترة من الزمن فإن أسباب احتجابها "تفرق الضباط الذين هم روح حياتها وواسطة حسن إدارتها في الأقطار السودانية والبلاد الحبشية شهورًا متداولة وأيامًا متطاولة"٢، فهي صحيفة تحمل صفتها حقًّا وتربط بينها وبين هيئة أركان الحرب أغراض متماثلة واتجاهات معينة، فعنيت بالمسائل الحربية العلمية التي من شأنها أن تفتق أذهان الضباط وتوسع أفقهم العسكري وتضيف إلى معلوماتهم شيئًا جديد في أسلوب رائع يشرف على تهذيبه الشيخ حسن الطويل مصحح ديوان الجهادية٣ وهي آنق طبعًا في أجزائها المتأخرة حين طبعت في مطبعة عموم أركان حرب بعد أن قامت بنشرها فترة طويلة مطبعة وادي النيل، وجريدة أركان حرب ليست صحيفة علمية عسكرية فقط، بل فيها من المعاني الوطنية فصول عن وقائع الجيوش المصرية المظفرة في الشام وبلاد العرب وكريت وغيرها كما حفلت أعدادها الكثيرة بألوان من المصورات المختلفة وأحدث الصور لآلات الحرب في ذلك الوقت. وإذا كانت رعاية إسماعيل للطب والصحة العامة أنتجت يعسوب الطب ونهضته في الجيش وأقسامه استحدثت في عالم الصحافة الرسمية جريدتين، فإن عنايته بالتعليم وهو من أظهر مفاخر عصره كان قمينًا بأن تكون له صحيفة تعبر عن هذا النشاط الذي أخذ يدب في المدارس وقد أغلقها بعض أسلافه ولم يبقَ إلا على فئة منها لا تغني ولا تثمر، فأعاد إسماعيل تأليف ديوان المدارس بحيث يضطلع في تنظيمه الجديد بالشئون التي ألقيت على عاتقه.

стр. 44

أنشأ الخديو شتى المدارس التي كان لها فضل النهضة الأدبية والفكرية في عصره وفي عصور خلفائه من بعده، فشهدت مصر لأول مرة مدرسة الهندسة في سنة ١٨٦٦ وعوض عن مدرسة الحقوق بمدرسة الألسن التي لم يستسغ وجودها عباس الأول وشغل ديوان المدارس بأمر اللغة العربية، كما لاحظ الخديوي نفسه إهمالها في مصالح الحكومة، فرأى من ناحيته أن يرد لها اعتبارها فأمر بأن "المكاتبات التي تتداول من الآن فصاعدًا بكافة الدواوين والمصالح الميرية التي بداخل جهات الحكومة تكون باللغة العربية"١. ولما كانت لغة الداوين في ذلك الوقت ركيكة العبارة ضعيفة الأسلوب شاء الخديوي أن يقود أمر إصلاحها في مصر، دواوينها ومدارسها فأمر بإنشاء مدرسة دار العلوم. ولم يقف نشاطه عند هذا الحد من التجديد فأوحى إلى إحدى زوجاته أن تتولى أمر تعليم البنات فأنشأت لهن مدرسة كان عدد طالباتها أربعمائة فتاة٢ ثم افتتحت مدرسة أخرى في العام التالي، ولم يبق من أنواع المدارس نوع إلا أقام الخديوي صرحه، فأسس مدارس للصناعة والمساحة والمحاسبة والزراعة، هذا بجانب ما أنشئ من المدارس الحرة التي لقيت عطفه وبره كمدارس الأقباط والمدارس الأوربية المختلفة. أتكون هذه النهضة العلمية الضاربة في كل علم، الآخذه بكل فن من غير وسيلة تعبر عنها كما عبرت عن جزء منها يعسوب الطب؟ ما كان يمكن للصحافة الرسمية اكتمال من غير إنشاء الروضة لمدارسها، وهي مجلة أنشأها علي مبارك باشا في سنة ١٨٧٠ في وقت كان يلي فيه شئون التعليم، فهي صحيفة ديوان المدارس تنفق عليها الحكومة، وكان الغرض من إنشائها النهوض باللغة العربية وإحياء آدابها ونشر المعارف الحديثة، وقد ألقيت مقاليد أمورها إلى

стр. 45

أستاذ الصحافة الرسمية في القرن التاسع عشر رفاعة رافع الطهطاوي محرر الوقائع في عهد محمد علي وناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل، يعاونه في إصدارها جهابذة العصر في العلوم والآداب والفنون المختلفة. ورئيس التحرير أديب اختصمت فيه ثقافة الشرق والغرب، فهو من حفاظ القرآن ومن تلاميذ القضابي والعطار، درس في الأزهر ثم اختير إمامًا لأول بعثة علمية أرسلها محمد علي إلى فرنسا، وهناك استغل المكان والزمان، فأفاد المستشرقين واستفاد منهم، وعاد إلى مصر ليقود أجيال المثقفين. ورفاعة الطهطاوي هذا أديب لمع اسمه زهاء أربعين عامًا في القرن التاسع عشر، فكان معلمًا وشاعرًا وناثرًا ومترجمًا، وعليه اعتمدت النهضة الثقافية، ومن بحره شربت النخبة التي سيطرت على أجيال مصر المتتابعة، وقد جاء اختياره لتحرير "روضة المدارس" اختيارًا موفقًا بدا أثره في إنشائها ومعانيها١. وقد كانت روضة المدارس ميدانًا رحيبًا من ميادين الأدب يتبارى فيه أولئك الجهابذة بموضوعاتهم الطريفة وأساليبهم الرفيعة في الأدب والاجتماع والتاريخ والفلك والرياضيات وكانت تصدر حافلة بذلك مرتين في كل شهر. وقد أمر إسماعيل بتوزيعها مجانًا "على التلاميذ" فعودتهم ملكة المطالعة والبحث، وفتحت صحائفها للنابغين منهم فكان ذلك يشجعهم ويدفع هممهم إلى البحوث والمجهودات المستقلة عن دروسهم، وهي أول صحيفة احتفت بعلم من أعلام الشعر في القرن الماضي فنشرت الشعر الحديث الرقيق "للشاب النجيب إسماعيل أفندي صبري" "هو إسماعيل باشا صبري فيما بعد" وهو أحد تلامذة مدرسة الإدارة. وقد أغنتنا افتتاحيتها عن الطواف برياضها لتسجيل غايتها وتبيان أغراضها، فهي تذكر وظيفة مصر في ذلك العصر، عصر إسماعيل "المتكفل بسمو

стр. 46

درجتها ونمو بهجتها وتقويم صعدتها وتمكين نجدتها" هذا الأمير الذي استحق ثناءها؛ لأنه رد إلى ديوان المدارس مكانته، وهو ديوان كل ما يرجوه "اعتمادًا على مساعدة العناية الخديوية تعميم العلوم وتتميم المعارف، وانتشار الفنون وإكثار اللطائف، ومداولتها بين جميع أبناء الوطن، وتسويتهم في الورود على مستعذب هذا المشروع الحسن". ثم تضيف المقدمة إلى ذلك أن الإرادة الخديوية شاءت أن تصدر صحيفة باسم "روضة المدارس" تصبح مجالًا لأنفس المواد العلمية "بحيث تكون فيها الفوائد المتنوعة والمسائل المتأصلة والمتفرعة أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعاينها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة واضح الإشارة، وألفاظ فصيحة غير حوشية ولا متجشمة لصعب التراكيب". ثم تبين لنا الغرض من إنشائها بقولها: "إن المرام من ظهورها بهذه الصورة هو أن تنكشف للعامة مخدرات العلوم وترفع حجبها المستورة وتستضيء بنورها أرباب العقول السليمة وأصحاب الطبائع المستقيمة، وخصوصًا بين أبناء المدارس، حتى تتسع دائرة معقولهم ومنقولهم، ويبعثهم على ازدياد اهتمامهم إذا علم كل منهم أن ما يظهر من أعمالهم المستحسن، ويشهر من أشغاله الدائرة على الأفئدة والألسنة سيقيد بهذه الصحيفة" أما موضوعاتها فهي "رسائل مؤلفة جديدة ونبذ مصنفة مفيدة من فنون وعلوم مختلفة ومسامرات من مستحسن الحكايات والأخبار مقتطفة، وبعض تراجم من لغات أجنبية". وسيكون كتابها من خيرة عمال ديوان المدارس ويصبح تحريرهم في الروضة من أهم وظائفهم، لذلك "صار كل منهم برسم عضو تأسيس يتشكل به جسم هذه الصحيفة مندوبًا من طرف الديوان" وكان أظهر من عمل فيها أبو السعود أفندي الذي اختير لترجمة مقالات الأساتذة الأجانب المنشورة في الروضة، وقد عنيت إلى جانب ما ذكرنا بشئون المدرسين، تنقلاتهم وترقياتهم١

стр. 47

وقد استغرقت بداية الصيف من كل عام أخبار الامتحانات المدرسية وحفلاتها كما ازدحمت بعض أعدادها بروائع من الشعر وقصائد المديح في الخديو إسماعيل، وشغلت بعض سطورها بالإعلانات، وهي إعلانات شديدة الصلة بوظيفتها كفتح المدارس وبيع الكتب والحاجة "إلى خوجات" وما إلى ذلك. هذه هي الروضة التي بلغنا بها آخر مراحل النشاط الصحفي الرسمي في عهد الخديو إسماعيل، وهي نهاية موفقة كما كان البدء موفقًا في الوقائع المصرية ويكاد يكون عهد الخديوي خاتمًا لنشاط الصحافة الرسمية في مصر، فيما خلا مجلة شهرية علمية طبية نشرتها الحكومة في أواخر سنة ١٨٨١، وقد أذاعت الأهرام في محلياتها أن الأطباء الذي درسوا الطب في أوربا "شرعوا يفكرون في إصدار جرنال طبي وأنهم عرضوا الأمر على رئيس النظارة فسهل لهم وقرر معاونتهم بإحالة نفقة الجرنال على الحكومة، وأن أعضاء الجمعية الطبية انتخبوا لرئاسة تحريره الدكتور حسن بن محمود"١. وإلى أن عين الشيخ محمد عبده محررًا للوقائع لم نشهد جديدًا في الوقائع المصرية عما كانت عليه قبل عزل إسماعيل وتولية توفيق، فإذا أخذ الأستاذ الإمام مكانه في تحريرها في ٩ أكتوبر سنة ١٨٨١ تغير تاريخها كله، وأبت أن تعطي صورة للصحيفة الرسمية -لولا وظائف محرريها في الدولة ونشرها في مطبعة حكومية- فهي قد جاوزت وظيفتها وتخطت حدودها وأصبحت صحيفة رأي وفكرة قبل أن تكون صحيفة حكومية تخرج لنشر القوانين وتسجيل الحوادث الرسمية، فهي في ذلك الوقت من حيث سعادة مصر أو شقاؤها طمأنينتها أو قلقلها، تقدمها أو تأخرها، صورة حية لهذه الآمال والآلام، فإن كانت تاريخ مصر مجموع حوادث شعب له حياة سياسية وأدبية وعقلية، فقد تغير سير الجريدة الحكومة وتحريرها أيام الشيخ وأصبح لها مكان رفيع من تلك

стр. 48

الحوادث ومقام سام من ذلك التاريخ، فهو قد أحدث للجريدة نظمًا رفعت من قدرها وقومت تاريخها، وبدلت غايتها وسار بها رويدًا ثم حثيثًا إلى الصحافة الحرة المعاصرة، وإن ردها الاحتلال البريطاني إلى رسميتها الأولى ومقامها القديم. لم تشهد السنوات الأخيرة من عهد إسماعيل صحفًا رسمية أخرى، بل إن الصحف الرسمية بدأ يعتورها الانحلال لعدة أسباب، فهي قد بدأت في أوائل عهد الخديوي يوم أخذت الحكومة على عاتقها شئون الحياة السياسية والاجتماعية وتصويرها في صحف تصدرها هي وتملي عليها اتجاهها وتخضعها لرقابتها، ثم خرجت هذه الشئون في نهاية عصر إسماعيل من يد الحكومة حيث ظهر رأي عام لم يعد يحتمل هذه الصحافة المحدودة أن يكتفى بأفقها الضيق، فنشأت صحف شعبية ملأت الفضاء، وخنقت بشبابها الصحافة الرسمية القديمة، ومن هذا الأسباب أيضًا أن حكومة إسماعيل قبضت يدها على البذل لهذه الصحافة بعد الأزمة المالية التي أخذت بخناق الدولة في جميع دواوينها ومصالحها، ومن بينها ديوان المدارس وصحيفته والجيش ومجلتاه والطب ويعسوبه. ويجب بنا ونحن نشيع هذه الجرائد الرسمية ونكتب صحيفتها التاريخية أن نذكر أفضالها على الحياة المصرية في جيمع جوانبها، فأما أقدمها وهي الوقائع المصرية فلم تعثر في حياتها إلا لمامًا، ولم يعرف في تاريخ الصحف الشرقية جريدة بقيت على الزمن وتخطت أحداث الحياة ومضت قدمًا كصحيفة الوقائع ولم يعرف في تاريخ الصحافة الرسمية جريدة شغلت الحياة الفكرية كالوقائع الرسمية، فقد كانت معلمًا لأدباء الشرق ولمفكري مصر الكثيرين، تحنوا على طلاب العلم ومبعوثي الدولة١ فتفتح لهم صدرها وتسمح للعامة بنشر مقالاتهم وآرائهم فيها.

стр. 49

وإذا كان الصحافة في عمومها مدرسة للتعليم والتثقيف فإن الوقائع بقيت زهاء أربعين عامًا وهي وحدها هذه المدرسة، تذيع على المصريين بعض الأدب والاجتماع والسياسة أحيانًا، وكان ظل هذه المدرسة يمتد مرة إلى بلدان أوربا حيث يقرؤها الطلاب المبعوثون في دولها الكبيرة، ومرات أخرى على كريت والشام وبلاد العرب والسودان حيث تطالعها الجاليات المصرية من جند وضباط ومدنيين، ولا يذكر تاريخ الصحافة الرسمية في العالم كله جريدة حكومة تنقد الحكومة ورجال الدولة١ نقدًا ينغص عليهم حياتهم كما كانت تنقد المسئولين في مصر قبيل الثورة العرابية نقدًا لاذعًا أفاد جوانب الحياة المصرية ومكن للإصلاح في إدارات الدولة مصالحها٢ الأمر الذي نقلها إلى مصاف جرائد الرأي التي تصدر عادة عن الأفراد والجماعات. والوقائع المصرية فوق ما ذكرنا تعتبر مصدرًا خطيرًا من مصادر التاريخ المصري الحديث، وكل مؤرخ لنواحي هذا التاريخ لا يعود إلى الوقائع ولا يكمل حقائقه من صفاحتها يعتبر مؤرخًا ناقصًا غير محقق لأنه لم يستق تاريخه من جدوله الأصيل، ويعتبر بحثه -مهما يكن جهده فيه- بحثًا تنقصه الدقة التاريخية وتعوزه الحقيقة الأولى المنشورة في الوقائع المصرية في أسلوب الأوامر والأحكام والقوانين وفي بعض المقالات المهمة التي تصور طبائع الشعب ومثله في الحياة. ولا يستطيع مؤرخ الصحافة المصرية أن يزعم للصحافة الرسمية أثرًا مباشرًا في توجيه الرأي العام أو خلقه، بيد أنه يستطيع أن يجزم بأن هذه الصحافة عاونت على تهيئة الأفكار وتثقيف العقول وتنوير الأذهان ولفت النظر إن صح التعبير، فجريدة أركان حرب الجيش تذكر كثيرًا من مواقف الجيش المصري المخلدة في أيام محمد علي وإبراهيم، وتصور لضباطها موقف ضباطه في الذود عن الوطن والدفاع عن حرمته وكيف طرد الإنجليز في سنة ١٨٠٧،

стр. 50

وهي لا تذكر ذلك اعتباطًا أو لمجرد الذكرى في عددها السادس من المجلد الأول في سنتها الثانية بل تعلق قائلة: "وإذا قدر الله بغزو هذه الديار مرة أخرى فليتذكر ضباط الجيش المصري غزوة سنة ١٨٠٧، وليكن كل ضابط مصممًا على المدافعة والذود عن وطنه ولا يرتكب العار في التسليم كما ارتكبه أمين أغا، بل يدافع بنفسه وبعساكره عن كل نقطة يتجه الهجوم إليها، كما فعل على بك السلانكلي الذي اكتسب الفخر والشرف ومنع العدو وصده عن الوطن". وكانت الصحف الرسمية عمومًا مدرسة لصحفيي مصر فيما بعد، فمن تلاميذها كما ذكرنا رفاعة الطهطاوي، وهذا له مدرسته التي ضربت بسهم صائب في الصحافة الشعبية كعثمان جلال في نزهة الأفكار وأبي السعود أفندي في وادي النيل وولده أنسي في روضة الأخبار وصالح مجدي وعبد الكريم سليمان وأحمد عبد الرحيم في الوقائع والشيخ محمد عبده في العروة الوثقى. والصحف الرسمية مهما يكن عدد قرائها قليلًا لها أثر عميق في مقومات النهضة العلمية الحديثة، فقد عودنا العهد القديم أن يكون الأزهر وحدهم رجال العلم القارئين له الكاتبين فيه، ولكن الصحافة الرسمية أشركت معهم بل قدمت عليهم فئة أخرى غير رجال الدين من التلاميذ والموظفين والضباط والمعلمين، فلم تعد القراءة أو الإنشاء وقفًا على الأزهريين أو احتكارًا لهم، كما نزعت المطبعة في أوربا احتكار الكنيسة للعلم والمعرفة، وتولت الصحف الرسمية في كثير من المواقف الدفاع عن الحكومة وشرح سياستها وتعداد أفضالها ومآثرها، ودحض ما يراه الأجانب من السوء في تصرفاتها كما حدث يوم تولى الطهطاوي تحرير الوقائع واشتدت المشاكل على مصر قبيل معاهدة لندن وبعدها، وأعادة الصحيفة الرسمية سيرتها في أوائل عهد إسماعيل، بل جعلت سياستها، ليس مجرد الدفاع عن الحكومة، بل مهاجمة خصومها في صحافتهم المنشورة في مصر أو الذائعة في أوربا.

стр. 51

فبهذا وبغيره من مقالات الصحف الرسمية رأت المجموعة القارئة في ذلك العصر شيئًا جديدًا لم تعتده، كما هيأت للطلاب والكتاب والمدرسين فرصة المنافسة بالاطلاع والإفادة والإنشاء في غير موضوع واحد، والإعلان عن الأكفاء والمجودين في شتى العلوم والفنون، وأتاحت الفرصة للشعر والشعراء في الروضة أو في الوقائع، ونشرت فيها الكتب تباعًا، وهي كتب للعلم أو الحكاية التهذيبية كما ترجمت الفصول الطوال وأرخت بذلك لعصر الترجمة أجمل تأريخ، ومجمل القول في أسلوب هذه الصحف إنها زخرت أحيانًا بنوع من السجع الذي يزدحم بالفواصل ويشغل بالجناس، وبعضه يثقل على السمع وينبو عن الفهم ويخرج على آداب اللغة العربية فلا يعد من أساليبها المرضية. وأفضل ما في تاريخ الصحافة المصرية الرسمية أنها نشأت مصرية خالصة، ليس لغير المصريين فضل في إنشائها أو تقدمها أو ارتقائها، بل كان لها هي الفضل على البلاد الشرقية بما علمت من رجالها أصول الإنشاء والتحرير، حتى عادوا بعد قليل يقودون النهضة الصحفية في الشرق، وفي مقدمتهم أحمد فارس الشدياق صاحب "الجوائب" التي عظم شأنها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكان لها في تاريخ الشرق وتياراته السياسية أثر وأي أثر، كما كانت وثيقة الصلة بالخديوي إسماعيل١. وإذا كانت المطبعة صاحبة فضل على الصحافة الرسمية في مصر فإن الصحافة نفسها تقارضها هذا الفضل وتبادلها هذا المعروف، فإنّ إنشاء الوقائع استتبع توسيع مطبعة بولاق أول الأمر٢، ثم فرض أخيرًا إنشاء مطبعة خاصة بها في عهد محمد علي وقبيل الاحتلال الإنجليزي كما أوحت الصحف العسكرية بإنشاء مطبعة الجهادية وروضة المدارس بالتمكين لمطبعة الحكومة من التقدم والارتقاء.

стр. 52

الصحافة الشعبية في مصر (١): نشأت الصحافة الشعبية في مصر نشأة غريبة عنها، إذ تولى زمامها رجل دخيل في عهد سعيد باشا، وقد دعت ميول الوالي الجديد في سياسته الداخلية إلى نشر هذه الصحيفة، وهي الميول المعروفة عنه، المأثورة عن أيامه، فقد خول سعيد الفلاح حتى الملكية العقارية للأراضي الزراعية، وسن لذلك قانونًا مشهورًا باللائحة السعيدية١ ثم وجد الوالي شعبًا ينوء بالضرائب، وعليه التزامات حربية ثقيلة أساءت إلى النشاط الزراعي، فعين الضرائب وربطها وألغى المكوس والجمارك الداخلية، ثم خفف الخدمة العسكرية وحفظ للجيش نقاوته من العناصر الأجنبية واحتفظ بطابعه الوطني٢ ثم ألغى الوالي متأخرات الضرائب٣ ومحا فريضة العين واستبدل بها نقدًا بعد إلغاء نظام الاحتكار٤ ويعتبر بره بالفلاح انقلابًا اجتماعيًّا خطيرًا. فقد نال كما رأينا حق الملكية العقارية وأجيزت ملكية الحاصلات ومنح سلطة التصرف في بيعها وتقدير ثمنها، ولهذا أثره العميق في شعب كان ولا يزال ملك الأرض عنده غايته الأولى والأخيرة، فهدأت نفوس الفلاحين واستقرت أمورهم بعد أن كانت حياتهم لا تستقر على حال من القلق، يهربون من قرية إلى قرية أو من القرى إلى الصحراء خوف الإذلال والكرباج. وقد استعان سعيد بالمصريين بدلًا عن الأتراك وفي وظائف الدولة ودوائر أعماله٥ كما حارب بعنف الأرستقراطية التركية التي كانت تسيطر في الجيش

стр. 53

والإدارة، وأسس مجالس لبحث المشروعات التي تعود على البلاد بالفائدة، وأنشأ الوزارات المختلفة١ كما أنشأ شركات الملاحة، ومد خطًّا حديديًّا، وأشاع بين المدن أسلاك البرق الحديثة، وشرع في شق قنال السويس كما شق غيرها من القنوات الداخلية٢. لم تكن هناك حروب كحروب محمد علي تفرق بين الأسرة وعائلها أو تقتضي تجنيد الأفراد السنين الطوال، وكانت سبل المعيشة هينة لينة حتى على أفقر الناس وأكثرهم إملاقًا، وفي هذا العهد قامت الحرب الأهلية في أمريكا فحالت دون استثمار قطنها وأفادت مصر من ذلك فائدة عظيمة، وبلغ ثمن قطنها ثلاثة أمثال الثمن القديم٣. فهذه السياسة المشربة بروح العطف من الوالي، وهذا الرعد -مهما يكن حكم التاريخ فيه- قد أنعش حياة المصريين الأدبية والمادية، وإلى جانب هذه اللغتات من الوالي سعيد يجب أن يذكر أن الموافقة على امتياز قناة السويس في سنة ١٨٥٤ كان عملًا لايقره السلطان، إذ لم تؤخذ فيه مشورته، وهو عمل فيه من استقلال الرأي وحرية العمل ما يزلزل قواعد التبعية للدولة العثمانية. حقًّا لم يكن هناك رأي عام بالمعنى المفهوم ليحس هذه السياسة العليا، وإن كان هناك موجة من الرضاء والاطمئنان إلى العيش في ظل هذا الوالي، لذلك ساءت سياسة سعيد الداخلية والخارجية الدولة العثمانية، كما ساءت الأتراك في مصر وملأت قلوبهم حقدًا عليه، فكان خصومه أحرص منه على مخاطبة الشعب المصري عن طريق الصحف، فقد أحس الباب العالي أن هيبته في نفوس المصريين قد هون من شأنها سعيد الذي لفت المصريين إلى جوانب من الحياة رضية لم يعتادوها من قبل ومن شأنها أن تصرفهم إلى حب واليهم والركون إليه، وهذا مما يهدد مكانة الدولة العلية في مصر.

стр. 54

ولم يفكر سعيد في دعم سياسته العامة بتجديد الوقائع والعمل على انتشارها كما فعل أبوه من قبله أو خلفه من بعده، وكذلك لم توح الساعة لفرد من الأفراد بأن يأخذ على عاتقه هذه المهمة، فبقيت الدوائر الرسمية والشعبية خلوًا من صحيفة قد تفيد في الدعاية أو تشير برأي فيما يصنع الوالي أو تبين مواضع الخطأ والصواب في سياسته، ولكن الحكومة التركية على جهلها بقيم الصحافة ومعاييرها لم تفوت الفرصة، فأرسلت إسكندر أفندي شلهوب إلى مصر فأصدر مجلة السلطنة " Alsultana" وهي صحيفة أسبوعية كان الغرض من إصدارها باللغة العربية أن تلفت المصريين إلى واجباتهم نحو الباب العالي وماله عليهم من حقوق١، ثم تذيع من وقت لآخر الأخطاء التي تركبها الحكومة المصرية٢ وهي أخبار في رأي الدولة تبين للمصريين أنهم منساقون إلى أمور خطيرة، كما أن من غايات هذه المجلة أن تنال من هيبة الأسرة العلوية في أسلوب ملتو لا يسيء إساءة علنية. هذه هي الصحيفة التي يعتبرها البعض الصحيفة الشعبية الأولى التي تشهدها البلاد، وعندي أنها صحيفة شبه رسميه كواد النيل وإن لم تنسب للحكومة المصرية، غير أن بما أكده المعاصرون في كتبهم كانت صحيفة شبه رسمية لحكومة السلطان التركي، ومن حق مصدرها أن ينشرها في أي بلد من بلاد السلطنة ما دام ينتسب بالرعوية إلى السلطان كما تفيد اللوائح والقوانين السارية في الدولة العلية وممتلكاتها إذ ذاك، ولكنها ليست صحيفة مصرية لا من كتابها ولا في اتجاهها وأغراضها، ومهما يكن أمر هذه الصحيفة فقد أخفقت ولم تبلغ القصد الذي أرادته، إذ إن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا على قدر من التعليم يسمح لها بالبقاء أو الرواج، فلم يعد لشلهوب ولا لجريدته أي أثر في تفكيرهم فاحتجبت بعد بضعة أعداد٣.

стр. 55

ومنذ صدرت مجلة السلطنة في سنة ١٨٥٧ لم تشهد مصر صحيفة أخرى مماثلة إلا بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، فقد رأينا الوالي الجديد يهتم بالصحف الرسمية اهتمامه المأثور، ثم يهتم بالصحف في خارج مصر، وخاصة في باريس والأستانة، فيدفع لها من ماله، ويبسط لها يده كل البسط١؛ ذلك لأن إسماعيل وُوجِهَ في أول حكمه باتفاقية القناة التي عقدها سلفه فأراد تعديلها، وقام وزيره نوبار بحملة موفقة في فرنسا وفي صحفها ضد الاتفاقية، انتهت بتعديل كثير من الشروط المجحفة٢. ثم كانت له حاجات عند السلطان في وراثة العرش فَرَشا رجال دولته وصحفيي الأستانة، فرنجة وأتراكًا٣ وأخذ بره هذا بالصحف والصحفيين ينتقل من باريس إلى عاصمة الدولة ثم مر ببلاد الشرق الأدنى، وأخيرًا وضح أثره في صحافته الرسمية على الصورة التي شرحناها في فصل سابق. تولى إسماعيل حكم مصر والناس يرون شئونهم العامة والخاصة ملكًا لحاكمهم أو من يوليه أمورهم، وكان شقاؤهم أو سعادتهم موكلين إلى عدله أو ظلمه وليس لأحد منهم رأي بيديه أو إرادة يتقدم بها لعلم ما، وكانوا بعيدين عن معرفة حال الأمم الأخرى سواء كانت إسلامية أو أوربية، ومع كثرة بعوث محمد علي لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات الأسفار والبعوث العلمية. ومع أن هذا الرأي صحيح من حيث انطباقه على صدر حكم الخديوي فإن إسماعيل أسس لهم مع ذلك مجلسًا تشريعيًّا في سنة ١٨٦٦ هو مجلس شورى النواب الذي شغل إنشاؤه الصحف الأجنبية٤ وكان من حق هذا المجلس أن يعلم حالة المصريين وأن يقرر فيها القرارات وهي في الواقع لا ترفع إلى

стр. 56

الخديوي على أنها قرارات بل تقدم إليه على أنها رغبات له أن يفصل فيها بالرفض والقبول. وهذا المجلس لا يستطيع بحكم لائحته أن يؤثر تأثيرًا فعليًّا في اتجاهات الحكومة والتزاماتها١؛ وذلك لأن حاكم مصر في ذلك الوقت وإن كان قد عمل على نهضة بلاده إلا أنه عاش فيما يختص بالحكم ونظمه بوحي من عصور الحكومات المطلقة، لذلك لم توحِ اللائحة ولا الوالي ولا نفسية الأعضاء بأن يجرؤ المجلس على فهم وظيفة النيابة كما هي الحال في أوربا، فبقي أداة طيعة لحاكم مصر لا يقوى على معارضته أو لعله لم يعرف بعد كيف يأخذ المعارضة. ذكرنا هذه الإلمامة بشئون مصر العامة، ثم أشرنا إلى مجلس شورى النواب؛ لأنه حدث جديد غير معروف في مصر، هو شيء يتصل بأبهة الملك وتقليد أوربا فكان غريبًا حتى على عقول أعضائه "أولئك العمد الذين يأتون في بلادهم ويختمون على لوائح لا يعرفون ما فيها بل ولم يعرفوا ما عزى إليهم من الأقوال"٢. وإذا كان المفروض أن يكون في مصر مجلس للشورى يجتمع وينفض على هذا النحو فإن الصحافة الرسمية لا يجوز أن تكون معبرًا عن هذا المجلس الشعبي، ومن هنا بدأ إسماعيل يرى وجوب إنشاء صحيفة شعبية تمثل المجلس أو اتجاه هذا المجلس أو تساير الفكرة في وجود هذا المجلس فأوحى إلى أبي السعود أفندي بأن يصدر جريدة "وادي النيل". قد يظن بعض المؤرخين أن جريدة وادي النيل صحيفة شعبية بالمعنى المفهوم ففيليب دي طرازي يذكر في كتابه أنها "مجلة سياسية علمية أدبية أنشأها سنة ١٨٦٦ عبد الله أبو السعود ناظر المدرسة الكلية التي أسسها محمد على الكبير في القاهرة وهي أول صحيفة عربية تناولت مثل المباحث التي كانت تنشرها في القطر المصري وصدرت مرتين في الأسبوع، وعباراتها صحيحة

стр. 57

وأفكارها سليمة، وساعدها الخديو إسماعيل؛ لأنها كانت تخدم أفكاره بإخلاص واعتدال دون أن تتعرض للمسائل الدينية"١. فالفكرة إذن في إنشاء هذه الصحيفة هي خدمة الخديوي بإخلاص وتحقيق سياسته في اعتدال، وما كان يمكن أن تمثل جريدة "وادي النيل" الصحافة الشعبية في غير هذا الحيز الضيق من الحرية؛ ذلك لأن صاحبها موظف في الحكومة له مآثر وخدمات في الصحافة الرسمية، وهو من تلامذة رفاعة رافع رأس هذه الصحافة٢ فلا غرو إن أوحى إليه إسماعيل بإصدار وادي النيل، فذكرت الوقائع المصرية خبر إنشائها في محلياتها٣، وحيتها إحدى الصحف الفرنسية المعاصرة في مدينة الإسكندرية قائلة: "قد حدثت صحيفة مصرية جديدة بمدينة القاهرة تسمى وادي النيل، وقد أوضح منشئها وناظرها أبو السعود أفندي فيما أورده من بيان الغرض المقصود بإنشاءها أنه التزم بأن ينشر فيها الأخبار النافعة للديار المصرية سواء كانت ترد من أوربا أو من الأقاليم المصرية"٤. ويبدو من العددين النادرين اللذين حصلنا عليهما٥ أن وادي النيل محاولة لا بأس بها كأول صحيفة وطنية في مصر، وقد ازدحمت معظم صفحاتها بأخبار الخديو ورجال حكومته، ولولا أنها أعلنت شعبيتها لظن متصفحها أنها صحيفة رسمية، فهي صورة للوقائع في تفكيرها واتجاهها، يعرف أسلوبها الأدبي رواية الخبر ويتعلق محررها بالسجع، فهي تحاكي الوقائع وتخطو على أثرها في الشكل والموضوع معًا.

стр. 58

وكانت جريدة "وادي النيل"١ دارًا واسعة للنشر، إذ تولت مطبعتها في حي باب الشعرية نشر "جريدة أركان حرب الجيش المصري" وهي صحيفة رسمية كانت تصدرها الدولة -كما ذكرنا من قبل- لضباطها حافلة بأمتع البحوث والموضوعات، كما أن "روضة الأخبار" كانت تطبع في مطابع وادي النيل، هذا إلى جانب الكتب الكثيرة التي نشرت فيها. وأبو السعود أفندي صحفينا الأول في صحافة مصر الشعبية شاعر مبدع يصوغ القوافي، وناثر مفتن يجيد البيان، ومترجم من عيون المترجمين في عهده لم تستغن عنه صحيفة شعبية أو رسمية، كاتبًا لها أو مترجمًا لفصولها، وهو في صحيفته قد جعل الصحافة المصرية في مفترق الطرق، إذ عند صحيفته خلصت تلك الصحافة من رسميتها وبدأت تتجه إلى هذا اللون الحر من الصحافة التي نعرفها اليوم. ويعتبر جهد أبي السعود الصحفي محاولة لا بأس بها فصحيفته أو صحيفة وطنية شعبية في مصر، وقد زحم معظم صفحاتها بأخبار الخديوي ورجال حكومته وتولى فيها مناقشة ما اعتادت نشره جريدة "الجوائب" التي كانت يصدرها في الأستانة زعيم الصحافة العربية في ذلك العصر الأديب أحمد فارس الشدياق صاحب المؤلفات الممتعة في الأدب والتاريخ والاجتماع، وكان خلافهما واتفاقهما في المسائل الأدبية والمباحث العلمية خير ما في صحافة الشرق الأدنى خلال تلك الفترة من تاريخ الصحافة العربية. وكان الخديوي إسماعيل يؤثر صحيفة وادي النيل وصاحبها بالعطف والرضاء، فهي لسانه عند خاصة دولته من قرائها الذي وجدوا فيها متاعًا ولذة، ووجدوا فيها أيضًا جديدًا من شئون الصحافة كأخبارها الطريفة الصادقة التي أمر الخديوي بأن تنشر فيها، ولذلك كان قدرها محفوظًا عند الناس لعلمهم بصلات صاحبها وقربه من ذوي السلطان، وقد عاونتها الحكومة بالمال أيضًا.

стр. 59

فخصصت لها في إحدى السنوات إعانة قدرها ثمانية وعشرون ألف قرش. وقد سار على درب أبي السعود أفندي كاتبان معروفان في عصر إسماعيل بعلو الهمة وواسع الدراسة، والدراسة الغربية بالذات، وهما إبراهيم المويلحي وعثمان جلال١ فأنشئا مجلة "نزهة الأفكار" صحيفة سياسية أسبوعية، وكانا جديدين حقًّا على الصحافة المعاصرة في سنة ١٨٦٩ فصدرت جريدتهما غريبة عن الوسط الصحفي، بعيدة عما يقره الخديوي من آراء، فلم يحتمل هذا التجديد في الرأي والمعاني، فهو يريد صحافة حرة ولكن بمقدار، وهذان شابان قد غرتهما مظاهر التجديد الذي أخذ يدب في الحياة المصرية فظنا أن لقلميهما حرية الكتابة على ما يهويان، لكن إسماعيل، بإيعاز من ناظر حربيته، أمر بمصادرة الصحيفة بعد عددها الثاني٢. بدأت الصحافة الحرة في مصر، لا هي شعبية ولا هي رسمية في جريدة وادي النيل، ثم تخلصت من رسميتها ومضت على سجيتها شعبية حرة في نزهة الأفكار، ووقف دون تقدمها حكم مطلق لا يحول دون بطشه بحرية الرأي حائل، غير أن هذه الصحافة على قلتها قد غيرت من القول المشاع بأن الصحف المصرية بدأت في كنف أهل لبنان وبجهد أبناء الشام، فهاتان الصحيفتان ومحرروهما -من علمنا- قد ردتا هذا الرأى وأبطلتا هذا الزعم وأوضحتا أن نشأة الصحافة الشعبية في مصر كانت بأيد مصرية خالصة. لم يكن إسماعيل في أول الأمر يريد صحافة تعبر عن مصر أكثر مما كان يعبر عنها مجلس شورى النواب، يريدها صحافة موالية في جيدها حبل من رقابته ما بقيت يدها ممدودة لنعمته، صحافة هادئة تكون في خدمته لتستحق عطفه

стр. 60

عليها واحتفاءه بها، وقد كان له أبلغ الأثر في نهضتها، ومساعداته الأدبية والمادية للقائمين عليها غير منكورة، وقد فتح صدره وصدر بلاده للصحفيين الشاميين بعد أن جربت الصحافة المصرية بجهد المصريين وأقلامهم، فأقبل هؤلاء على اصطناع القلم واتخذوا الصحافة حرفة لهم حتى كان أكثر أصحاب الصحف من أهل الشام والبلاد المجاورة لها١ كصابونجي والنحلة، وحموي وشعاع الكوكب، وتقلا والأهرام. وكان لبعض هذه الصحف مواقف كريمة أخذت فيها جانب الخديوي ودافعت عن استقلال مصر، فقد بدأت العلاقات بينه وبين السلطان حين استوزر نوبار باشا وكلفه الدفاع عن وجهة نظر مصر في بعض المسائل المصرية في أوربا فاتصل نوبار بالحكومة الأوربية وتحدث معها في أمر إنشاء المحاكم المختلطة فأذاعت السفارة العثمانية في صحف فرنسا أنها تحذر المسئولين وعامة الناس من معاملة شخص يسمى نوبار باشا ويدعي لنفسه لقب وزير الخارجية المصري؛ لأن مصر كلها ليس لها صفة دولية ولا حق لها في تعاقد دولي، فكان أن ردت الصحف المصرية على السفارة التركية وأخذت تناقشها الرأي وتؤكد حق مصر في مصالحها الخاصة؛ لأن مصر لا يمكن أن تنزل إلى مكان الولايات العثمانية الأخرى وقد سبق لها أن أمضت عقد قنال السويس دون تدخل تركيا أو وصايتها٢. ولما كانت الصحافة الشعبية في نشأتها الأولى يقوم على تحريرها جماعة من الشاميين، وهي حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، لذلك وجب علينا أن نبحث -قبل التأريخ لهذه الصحافة- إلى أي مدى بلغت هذه الحقيقة التاريخية من التقدير والاعتبار؟ فلويس شيخو يقرر: "أنه كان للسوريين في هذه الحركة نصيب عظيم حتى كان أكثر تلك المنشورات ومنشئيها من أهل سورية وزاد

стр. 61

عددهم في مصر بعد ضغط الدولة العثمانية على المطبوعات حتى أناف على ثلثي الكتبة المصريين فتقدموا على غيرهم بما عرفوا به من النشاط والتفنن والحق يقال: إن أكبر مجلات القطر المصري كالمقتطف وأعظم جرائده كالأهرام كان يحررها السوريون"١. وهذا القول على ما فيه من صدق لا يخلو من المبالغة، فالسوريون حقًّا كان لهم في مصر فضل على فني التمثيل والصحافة، وكان نشاطهم ملحوظًا في هذين الفنين وله عند المؤرخ واجب التقدير، ولكن ليس معنى هذا أن الصحافة المصرية ما كان لها أن تظهر وتستوي لولا وفود هؤلاء إلى مصر، فقد ظهرت جريدتا وادي النيل ونزهة الأفكار في الشق الأول من حكم إسماعيل قبل ظهور أي جريدة سورية في مصر بعدة سنوات، فإن مصر وحدها هي التي هيأت للسوريين هذه الفرصة، فقد كان واليها يشترك بمئات النسخ ويقوم موظفو حكومته بمساعدة هذه الصحف في تحصيل اشتراكاتها من الأهالي ومن بينهم من فرضت عليه هذه الاشتراكات مع جهله بالقراءة والكتابة٢. وللخديوي في هذا تاريخ معروف أثبتته الوثائق فقد كان حفيًّا بالصحف المصرية على اختلاف جنسيات أصحابها وتباين أغراضها، وقد أمد بعضها بإعانات مالية كبيرة، فاهتمام الحاكم المصري بالصحافة قد سمح للسوريين بأن يجدوا مجال النشاط والعمل ممهدًا في مصر. ولا يمكن لمؤرخ الصحافة المصرية أن يغفل من حسابه في بحث هذه الحقيقة التاريخية الكتاب الوافدين على مصر أو المقيمين فيها من أبنائها المصريين، أولئك الذين ملئوا صحف المتمصرين وجالوا فيها بأقلامهم وألقوا إليها بما امتازت به عقولهم من عمق وفهم كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأبي السعود أفندي وغيرهم ممن له في كل صحيفة من صحفهم ذكر سواء كانت جادة في

стр. 62

وظنيتها أو هازلت في رسالتها، ولولا هذه البيئة الحرة لما استطاعوا إلى النجاح سبيلًا. وإلى جانب هذه الحقيقة يجب أن نذكر أن الحرية -حرية القول والكتابة- قد عزت في بلاد الدولة العثمانية جميعًا حيث ضغطت الحكومة على المطبوعات وطبقت قوانينها العنيفة التي أفلتت منها مصر بتشجيع واليها وإهماله لها، وقد استطاعت صحف الشاميين وغيرهم أن تعيش وتتقدم بمعاضدة بعض الدول الأجنبية ماديًا وأدبيًا مهما لقيت من عنت الحاكم أحيانًا فقد كانت لتدخل قناصل الدول في مصر وحمايتهم لهذه الصحف أثر كبير في بقائها ونجاحها، وهذه ميزة لم تتحقق للمصريين إلا في النادر من أصحاب الصحف الشعبية الأولى. فالبيئة المصرية، والبيئة المصرية وحدها من بلاد السلطنة هي التي كانت تتمتع بحرية منقطعة النظير لا توجد في سوريا ولبنان، والطبيعة المصرية والتفكير المصري سمحا بوجود صحافة تقرأ لأن النهضة المصرية كانت أوسع مدى مما عليه بلاد الشرق جميعًا، وظروف الحياة المصرية بخديوها وأزماتها، واضطراب الأفكار فيها تجديد في شتى الميادين، كل أولئك جعل مصر تحتمل في سعة آدابًا وصحفًا وسياسة، وقد فرضت شخصيتها المعنوية المتميزة وجودها على الدولة العلية مستمدة هذا الوجود من تاريخ حافل وذكريات يحسب لها في مقومات الشعوب ألف حساب، وقد ثبت أن الصحف الوطنية الخالصة التي ظهرت بجانب الصحف الشامية في مصر لم تكن أقل منها نضجًا أو أثرًا في نفوس الناس وتهذيب الرأي العام وأن مصر "لو لم يكن في ربوعها الحرية وفي أمرائها الأريحية والتنشيط"١ كما يقول شيخو لما قصدها فرد من هنا أو هناك. ومجمل القول إن مصر كانت في ذلك العهد أمة لها رأي عام مهما يكن

стр. 63

أمره فقد كان يفرض وجود صحافة بدأت لينة ثم تطورت من أحداث الزمن. والصحفيون السوريون مهما يقض التاريخ في مكانتهم من الصحافة المصرية لم يكونوا شرًّا على البلاد فقد أخصب جهدهم وآتى أكله في الأرض الطيبة التي تغذيهم طبيعتها وتسموا بهم إلى وضع كانوا فيه أكرم الأمثال. وقد سمح إسماعيل بوجود الصحافة الشعبية للمصريين والشاميين والأجانب على السواء وأجاز لبعضها البقاء وأغلق من تجاوزت حدودها، ولم يكن في النصف الأول من حكمه يسمح بصحافة لا تماثل في اتجاهها وتفكيرها الوقائع المصرية، فأباح لمحمد أنسي بن عبد الله أبي المسعود في سنة ١٨٧٥ نشر جريدته "روضة الأخبار" في القاهرة على أن تنشر ثلاث مرات في الأسبوع وهي على مثال الجريدة الرسمية، وقد تخصصت للسياسة والعلم والأدب والزراعة والتجارة وأعانها الخديوي بالمال١ وأذن لها بنقل أخبارها من الوقائع المصرية وترجمة موضوعاتها من جريدة ليفانت هيرالد٢ Leveant Herald التي تصدر في القسطنطينية وتعمل لحساب الخديوي ثم هي تشغل صفحاتها جميعًا بمدح ولي النعم وإن بحثت قليلًا في الشئون الدولية٣ وترجمت بعض الكتب التي ألفت عن مصر. وفي نفس هذه السنة يتقدم سليم تقلا، وهو شامي ناثر وله حظ في قرض الشعر٤ "يلتمس التصريح إليه بإنشاء مطبعة تسمى "الأهرام" كائنة بجهة المنشية بالإسكندرية يطبع فيها جريدة تسمى الأهرام تشتمل على

стр. 64

التلغرافات والمواد التجارية والعلمية وكذا بعض الكتب كمقامات الحريرى وبعض ما يتعلق بالصرف والنحو واللغة والطب والرياضيات والأشياء التاريخية والحكمة والنوادر والأشعار والقصص الأدبية وما يماثل ذلك من الأشياء الجائز طبعها" وقد رخصت الخارجية بإنشاء جريدة الأهرام١ على ألا يتعرض صاحبها "للدخول مطلقًا في المواد البولوتيقية وامتثاله لقانون المطبوعات" وصدر الأمر لمحافظ الإسكندرية "بعدم المعارضة للخواجة المذكور في إنشاء المطبعة المحكي عنها"٢. وقد مثلت روضة الأخبار وجريدة الأهرام الحقبة الثانية من حياة الصحافة الشعبية، وهي حقبة تتميز بالهدوء الداخلي الذي لم تتعقد أثناءه الأحوال المادية كل التعقيد، كانت الأولى صحيفة الخديوي من غير شك وهي تؤرخ الحياة المصرية من وجهة النظر الرسمية في تلك الفترة، وكانت الثانية تمثل اتجاهًا آخر فهي جريدة وطنية غير أن تعطي فرنسا ومثلها مكانًا طيبًا٣ وأشاعت عند قرائها هذه المثل في كل عدد من أعدادها تقريبًا، ويلمح قارئ الأهرام في نشأتها الأولى شيئًا من الضيق والتبرم بالسياسة الإنجليزية٤ وقد عنيت بالأخبار الداخلية العادية التي لا توحي باتجاه سياسى خاص وإن ازدحمت بالمقالات الاجتماعية وهي مقالات استقبلها الخاصة في مصر بمزيد التقدير والإعجاب٥.

стр. 65

تختم روضة الأخبار والأهرام١ الحلقة الثانية من نشاط الصحافة الشعبية، كانت الحلقة الأولى تجربة غير ناضجة تولي شئونها المصريون وحدهم فماتت إحدى الصحف وهي وادي النيل لعوامل يقتضيها الفن الصحفي وكانت خلوًا منه، كجدة الأخبار وهي في أخبارها رجع الصدى للصحيفة الرسمية فلم تغر الناس بشرائها أو التعلق بها، وقضت "نزهة الأفكار"؛ لأنها تجاوزت الغرض من ظهورها ورأت الحكومة أن البحوث التي تطرقها أبعد مما تحتملها الظروف السياسة والاجتماعية في سنة ١٨٦٩، ومع أن روضة الأخبار سبقت صحيفة الأهرام في الظهور ولقيت من عطف الخديوي وبره الشيء الكثير، وحفلت بالموضوعات الأدبية وترجم لها أبو السعود أفندي، فإن نشاطها حده الجهل بفنون الصحافة، وحدته هذه الرسمية التي طغت على صفحاتها، ولم يسلم من هذه الأزمة المتوالية للصحافة الشعبية غير جريدة الأهرام فهي شيء جديد حقًّا بما حملت من برقيات الأنباء الخارجية التي زخرت بها

стр. 66

والموضوعات الأدبية والاجتماعية الطريفة التي ساهم في كثير منها شيوخ الكتابة في ذلك العصر كالشيخ محمد عبده١. ولم تكن الحكومة راضية كل الرضا عن الأهرام وسياستها في سنة ١٨٧٦ فلفتت نظر محررها إلى أنها كثيرًا ما خرجت عن جادة الصواب، إلا أن محرر الأهرام كان لبقًا في دفاعه إذ أكد لمدير المطبوعات أنه فيما يتعلق بالأخبار الداخلية فإنه ينقلها عن الوقائع والمونيتور وكلتاهما رسمية "أما المقالات السياسية فإنما ينقلها عن الجورنالات الشهيرة الحالية من التعصب والمقبولة من الحكومة كالليفانت هرالد والفارد الكسندرى" ثم هو يؤكد انقياده للحكومة ويذكر مدائحه لها ودفاعه عما تنشره الجرائد التي تطبع في لندن"٢. ومن كتاب صاحب الأهرام نتبين مقدار الحرية التي منحتها الصحافة الشعبية، فصاحب الأهرام يكاد يكون لسانًا للحكومة وهو مع ذلك لم ينج من المؤاخذة على ما نشر من أنباء حرصت الحكومة على عدم إفشائها في الصحف العربية، لذلك تنذر الحكومة سليم تقلا أفندي بأنه محظور عليه نشر الأخبار والمقالات السياسية بما في ذلك النقل عن الصحف الأجنبية سواء كانت حكومية أو غير حكومية ثم تحرمه حتى من التعليق على الأخبار العادية في الإسكندرية وإلا تعرضت صحيفته ومطبعته للعقوبة الشديدة٣. وفي هذا الجو من التضييق على حرية القلم تخطت الأهرام جميع العقبات بلباقة فاقت نزهة الأفكار وباجتهاد لم تبلغه وادي النيل وبذكاء أعوز روضة الأفكار وبحس صحفي نزل بصاحبيها يومًا إلى مرتبة العمال وصفافي الحروف لتصدر صحيفتهما في موعدها ولا تختفي عن قرائها٤.

стр. 67

الصحافة الشعبية في مصر (٢): لقد رأينا كيف ظهرت الصحافة الشعبية في مصر أول ما ظهرت، مماثلة من حيث الشكل والموضوع للصحافة الرسمية المعاصرة لها، معينة بتافه الأخبار ناشرة لقديم الأدب المحفوظ في بطون الكتب، وكل ما كان يدور بين السلطات المصرية العليا وبين الدولة العلية أو دول أوربا كان باطنه أكثر من ظاهره، وكان ما يباح نشره من المسائل المهمة يستوجب رقابة الحكومة ويخضع لوحيها، ولم تكن حالة مصر الاجتماعية والسياسية حتى سنة ١٨٧٦ تسمح بأكثر من هذه الصحف وأهمها صحيفة الأهرام، فقد فقدت الصحافة الشعبية منذ إنشائها حتى تلك السنة أهم عناصر الشعبية فيها، وهي إبداء الملاحظة وإسداء النصح، والنقد والمعارضة إذا استوجبت الظروف ذلك. لم يكن في الحياة المصرية رأي عام في تلك الفترة من حكم عاهلها إسماعيل، فقد عاشت مصر في عهد محمد علي كما تعيش القرية في كنف شيخ محنك ذكي أرسل البعوث إلى أوربا فعاد معظمها وتولى مصالح الدولة ودواوينها، وبدأت تتكون في مصر طبقة وسطى لم يظهر أثرها في عهده، وبدأت هذه الطبقة تتفوق في الصناعة والزراعة ومنازل الحرب وبيوت العلم في عهد سعيد وخلال حكم إسماعيل، وانتقلت مقاليد الأمور في عمومها من الأتراك إلى المصريين، وأيقظت هذه الطبقة البلاد يقظة سريعة موفقة، ولم يكن ينقصها إلا التنظيم وشيء من الشجاعة لتستقيم لها الأمور، غير أن الخديوي وإن كانت هذه الطبقة أهم أدوات حكمه أبى أن يرفع أحد عقيرته بنقد الحكومة أو معارضتها وإلا كان نصيبه العقاب الشديد.

стр. 68

وفي هذه اللحظة قامت الحرب التركية الروسية وكان لها آثار بعيدة المدى على تفكير الناس واتجاه الصحافة الشعبية، فقد كانت هذه الحرب أول مسألة خارجية اهتم بها المصريون؛ لأنها تتصل بأمر الدولة صاحبة السيطرة عليهم وهي في كفاح مع دول أخرى، وكان الأجانب في مصر يتناولون الصحافة الأوربية الواردة من الخارج وفيها من تفاصيل الحرب ودقة الأخبار ما يخرى بقراءتها، وهؤلاء الأجانب أصحاب مصالح عند خاصة المصريين وعامتهم فكانوا يتحدثون إليهم بهذه التفاصيل. ولم تجد الصحف الشعبية بدًا من إرواء ظمأ قرائها بنشر تفاصيل هذه الحرب، فقلدت الصحافة الغربية وانطلقت في إيراد الحوادث ونشرها، وظهر من بين السطور ميلها إلى ما كانت تأتي به العساكر الروسية من ضروب الشجاعة، كما ظهر ازدراؤها لما كان ينسب إلى الجنود العثمانية من التهاون، واختلفت الناس في أمر هذه الصحف واستقبلوها بين منفر ومحبذ، وقد نشأ عن هذه الحرب، أن استحدثت صحف لنشر أخبارها، ونشطت هذه الصحف الجديدة في رواية الأخبار والتعليق عليها ومعارضة الصحف القديمة في الرأي والمذهب حول هذه الحرب، واشتدت المنافسة بينها، وكان المجادلات الصحفية في ذلك الوقت أول حدث في تاريخ الصحافة الشعبية، وبذلك تغير الاتجاه الصحفي التقليدي في الاقتصار على تافه الأخبار وعنها. وأهم ما أثر عن هذه الحرب١ أنها لفتت الصحف المصرية إلى الدول

стр. 69

الأجنبية وخاصة ما كان متصلًا بالسلطان والدولة العثمانية، فأخذت تنشر عن أحوال الأمم الأخرى التفاصيل الغريبة وتشرح سيرتها السياسية والاجتماعية والمالية وتقارنها بما عليه مصر من سوء الأحوال١ وقد أخذت جريدة الوطن٢ وهي من آثار تلك الحرب تملأ صفحاتها الكبيرة بأنبائها شارحة تاريخ الروس وجغرافية بلادهم باحثة أسباب الحرب مشيرة إلى موقف الروس من الدويلات العثمانية في أوربا الشرقية وأحقية هذه الشعوب بالحرية التي تسعدها والدستور الذي تلح في طلبه والمذاهب السياسية الجديدة التي تقف تركيا دون تحقيقها، وقد أصبحت جريدة الوطن سجلًا لأطوار الحرب الروسية التركية بما نشرت من مقالات عن أسباب الحرب وأدوارها وختامها والمعاهدات التي تمت في نهايتها٣ وهي بحوث تدل على منتهى العمق والفهم، وقد أثرت هذه الحرب في الأخبار الداخلية فقلت في صفحاتها قلة ملحوظة. ومما أثر عن هذه الحرب أيضًا جريدة "مصر" لأديب إسحاق فقد صدرت في ٣٠ يوليه سنة ١٨٧٧ ويبدو من العددين النادرين اللذين حصلنا عليهما أن عنايتها بالحرب الروسية التركية قد مالت فيها إلى جانب السلطان وهي في أحدهما تتحدث عن الحرب وأطوارها وأمل روسيا في "الحيادة" من الدول وموقف الباب العالي من ذلك كله ثم تذكر في ثانيهما خيبة الأمل التي لاحقت جنود الخليفة وتصور هذه الخيبة في ألم وحسرة٤. ولم تكن الأهرام أقل حماسة لأخبار هذه الحرب، فقد انتهزت هذه الحرية التي أباحتها الحكومة وأخذت تندد بآثار الحرب في مصر ثم مضت تدعو المواطنين إلى مساعدة جرحاها من المصريين، وفي هذه المقالات تنشر

стр. 70

أعنف الأحاديث عن الظلم والظالمين وحكم الفرد وآثاره حتى تنبهت الحكومة إلى أن هذه الأحاديث تتجه إليها مباشرة ولا تتعلق بالحرب وظروفها فقط١ فأنذرت الأهرام وهو الإنذار الوحيد في غضون هذه الحرب، واستكتبتها الحكومة تعهدًا بألا "تدرج المواد الموجبة لتهييج الأفكار الأهلية عن أحوال الحرب الحاضرة"٢. وإذا رجعنا صحف ذلك العهد، رسمية أو شعبية تبين لنا أن جرائد مصر بأسرها شغلت بالحرب الروسية التركية، فقد طغت أنباؤها على جميع الأنباء الداخلية والخارجية، وكانت الأهرام ضمن الصحف التي وقفت إلى جانب السلطان، تؤازره بالمقال، وتؤيده بالأخبار السارة عن مواقف جنوده في بعض المواقع، كما أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك فأنشأ بشارة تقلا مجلة صغير سماها "حقيقة الأخبار" كان يجمع فيها ترجمة وافية للبرقيات التي تتلقاها دار الأهرام عن الحرب الروسية التركية، ولا تستطيع استيعابها صحف الدار الأخرى، وكان ربح المجلة يذهب قسمة عادلة بين دار الأهرام ومساعدة الجنود العثمانيين٣. ويبدو أن الجهات الرسمية في مصر لم تحاول من ناحيتها عرقلة هذه النهضة الصحفية فغضت الطرف عما نشر من آراء أو أذيع من أخبار تمس الدولة العلية وإخفاقها في تلك الحرب؛ وذلك لأن الحرب الروسية التركية تتصل بمصر من حيث التزاماتها أمام السلطان، فقد طلبت الحكومة التركية مساهمة مصر في هذه الحرب، وقد ذكر الخديوي في مقالته الخديوية لمجلس شورى النواب في ٣٠ أبريل سنة ١٨٧٨، أنه على استعداد لتقديم الجنود ومساعدة السلطان بيد أنه عقب على ذلك في براعة بأن هذه المساعدة معلقة بحال الميزانية ومرتبطة أيضًا

стр. 71

برعاية الدين العام١ ومعنى ذلك أن الخديوي لم يكن متحمسًا غاية التحمس لاشتراك مصر في هذه الحرب؛ لأن المساعدة المطلقة مرهونة بحال الميزانية، وميزانية مصر لم تكن تحتمل الاشتراك في الحرب ثم إن ارتباط مصر برعاية الدين العام معناه اقتصار المساعدة على صورة ضيقة جدًّا فلم تشترك إلا ببضعة آلاف من الجنود لم تتجاوز ستة آلاف جندي، وهذا عدد يسير جدًّا إذا علمنا أن سكان البلاد في ذلك الوقت كانوا ستة ملايين نفس. فلا غرو إذن أنْ كان موقف الحكومة المصرية مما كانت تنشره الوطن وغيرها موقفًا سلبيًّا بل موقفًا فيه من التشجيع ما سمح لهذه الصحف بالحديث في أمور "بوليتيقية" من فضل في تطور هذه الصحف ونقلها إلى جو من الحرية فحسب بل كان لها فضل آخر وهو أن هذه الصحف أخذت على عاتقها وظيفة الدفاع عن الشئون المصرية الدولية وبذلك شاركت الصحافة المصرية الحكومة فيما كانت تختص به الحكومة نفسها، فقد أنتجت الحرب الروسية التركية صلح سان استيفانو بين الدولتين ثم مؤتمر برلين وما ترتب على ذلك من تضحية المساءلة المصرية من غير مبرر، واقتسام الإشراف على مالية مصر بين فرنسا وانجلترا٢.

стр. 72

ولم تقف المطامع الأوربية في مصر عند فرنسا أو انجلترا بل تجاوزتهما إلى روسيا التي طلبت رهن خراج مصر لتسدد منه تركيا غرامة الحرب بعد هزيمتها، وهنا تبدأ الصحافة الشعبية وظيفتها الجديدة فتشرح قصة الحرب مرة أخرى، وتعلق جريدة الوطن على ذلك لافتة الأنظار إلى مطمع الدول الأوربية في المصريين وخاصة انجلترا، ثم تحمل في شيء من العنف على الحكومة الإنجليزية وعلى The Standard الصحيفة التي تمثلها في ذلك الوقت، وتشير إلى النيات السيئة التي تنويها إنجلترا لمصر، فإن الصحف الإنجليزية دعت خلال الحرب إلى احتلال البلاد حتى تحول القوات البريطانية دون تغلغل الروس إلى قناة السويس١. كانت الحرب الروسية التركية حجر الزاوية في تطور الصحافة الشعبية إلى صحافة حرة، فقد شبت عن الطوق ورأت شئون مصر تسير في اتجاه فيه غبن شديد على البلاد، وقد أثار وجود الأفغاني في مصر قبيل الحرب التركية الروسية وفي أثنائها تيارًا من التفكير الحر، إذ تتلمذ له الكثيرون من طلاب العلم والمتعطشين إلى الآراء الجديدة، وكان حديثه "ينير العقل ويطهر العقيدة ويذهب بالنفس إلى معالي الأمور ويستلف الفكر إلى النظر في الشئون العامة مما يمس مصلحة البلاد وسكانها، وكان طلاب العلم ينتقلون بما يكتبونه على تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون يذهبون بما ينالون إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر وتنبهت عقول وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصًا القاهرة"٢. ولم يقف حظ الحياة الفكرية من فضل هذا الرجل عند حديثه الحلو ومحاضراته الممتعة لطلاب العلم ورواده من خاصة الناس فإن له على الصحافة الشعبية فضلًا يعادل فضل الحرب الروسية التركية، فهو الذي أوحى ليعقوب بن صنوع بإصدار مجلة "أبو نظارة" أقدم الصحف الهزلية المصورة في

стр. 73

الشرق١ وهي الذي اقترح على أديب إسحاق إنشاء جريدة "مصر" في القاهرة٢، ويرجع إلى الأفغاني فضل السعي في إخراج جريدة "مرآة الشرق" فقد توسط لصاحبها هنا وهناك حتى منح الترخيص بها٣. ولم يكن للأفغاني فضل الإيحاء والإشارة بإنشاء هذه الصحف وحدها بل كانت له فيها المقالات الممتعة كحديثه عن "الحكومات الشرقية وأنواعها" ومقالته عن "روح البيان في الإنكليز والأفغان" وكان يمهرها باسمه تارة وتارة تحت حجاب اسم مصنوع مثل: "مظهر بن وضاح" ومن أهم مقالاته فيها حملته على الإنجليز تلك الحملة التي ترجمتها صحفهم٤، وكذلك كانت التجارة مجالًا لتلامذته كالأستاذ الإمام٥، وكانت هذه الصحيفة تذكر الأفغاني وتنقلاته في أسلوب غريب فتسميه "سيدنا فهرست كتاب الكمال وفذلكة حساب الجلال أستاذنا الأجل الفيلسوف الأكبر السيد جمال الدين الأفغاني"٦ وقد لقيت التجارة حتفها على يديه فقد ملأها بالمقالات الثورية ابتداء من عددها السادس عشر ثم زعمت في خبر من أخبارها أن الأمة وكلت إليه السفارة بينها وبين الخديوي وكان هذا الخبر سبب تعطيلها الحقيقي٧. عرضنا لأثر الحرب الروسية التركية في الصحف الشعبية وأوضحنا سهم الأفغاني في نقلها إلى مصاف الرأي، وهذان عاملان لهما خطرهما في

стр. 74

تاريخ الصحافة الشعبية وتطورها، وقد ظهرت بجانبها بعض العوامل التي لا تقل عنها أهمية ومصدرها الحالة في مصر نفسها، فقد جهد الخديوي من ناحيته في تهيئة الأفكار بما جدد في حياة مصر الأدبية والمادية مما كان له أثره الواضح فيما بعد، وأنتجت محاولات الخديوي الإصلاحية نتيجتها المرتقبة، فإذا الناس متبرمون لم تغنهم إصلاحاته ولم تحتمل طبيعتهم الرضية مساوئ بطانته، فهو يعمل على إسعادهم في ناحية وتعمل بطانته على إفقارهم في ناحية أخرى، وأقرب الأمثلة ما ذكره قنصل الولايات المتحدة في تقرير له وهو يتحدث عن الإصلاحات التي أدخلها الخديو في مصر، ويعقب على ذلك بحديث عن الأرض وتوزيعها وكيف استولى البعض على أكثر من خمسها وكيف كان هذا الخمس يفوق الأخماس الأربعة الباقية من حيث الجودة ومن حيث عناية الحكومة بإروائها موقعها وتسخير الناس لخدمتها١. والخديوي يستدين ويصبح دينه خطرًا على الكيان المصري في نهاية عام ١٨٧٥ وأوائل عام ١٨٧٦، إذ إن هذا الدين أجاز للدولة الأوربية حق التدخل في شئون مصر، ثم يشعر بالضيق المالي فتضيع أسهم قناة السويس في صفقة خاسرة، ويستقدم بعثة كيف الإنجليزية لتفحص مالية البلاد ثم تتوقف الحكومة عن أداء أقساط الديون، وقد لاحقتها الأزمة من جميع جوانبها الأمر الذي ترتب عليه إنشاء صندوق الدين٢ وتدخل الأجانب في الشئون الداخلية. لم يفد إنشاء صندوق الدين أو مشروع توحيد الديون في مايو عام "١٨٧٦"٣ أو إنشاء مجلس أعلى للمالية نصفه من الأجانب٤ لم يفد كل هذا

стр. 75

في وقف تدخل الأجانب تدخلًا مباشرًا في شئون مصر الداخلية بل ساعد ذلك على هذا التدخل حتى أصبحت حياة مصر المالية تحت رقابة مشتركة من الإنجليز والفرنسيين، ثم تراءى لهؤلاء أن يؤلفوا لجنة للتحقيق في ٢٧ يناير سنة ١٨٧٨، وكان من أظهر رجالها ريفرز ولسن Rivers Wilson أحد الوكيلين١ وينتهي أمر هذه الأزمات المالية المتلاحقة بإنشاء مجلس النظار لأول مرة في تاريخ مصر، وتحققت بذلك فكرة المسئولية الوزارية في الحكومة المصرية، بيد أن هذه اللفتة يشوبها وجود وزيرين أجنبيين في مجلس النظار أحدهما إنجليزي للمالية والثاني فرنسي للأشغال٢. كانت هذه التطورات في حياة مصر الداخلية امتحانًا لصحافتها ومحكًّا لنضجها وكفايتها، فقد استفتحت الوزارة المختلطة أعمالها الأولى بإخطار رسمي لجميع الصحف التي "تتضمن الاعتراض بحالة خارجة عن حدود وظائفهم على مسلك الهيئة الحاضرة"٣ ولم يكن قد بدا بعد من الصحف اعتراض على الهيئة الحاضرة بل إن "الوطن" وهي صحيفة حرة في ذلك الوقت، استقبلت الحكومة النوبارية استقبالًا حسنًا وأثنت على رجالها ثناءً طيبًا على اعتبار أنها وزارة مسئولة لا تظلم ولا تقضي بغير ما يوحي به القانون وخاصة المسائل التي تتصل بالمال وجباية الضرائب٤. وقد انتهزت الصحف تعيين الوزارة الجديدة فأخذت تشرح مساوئ العهد القديم في تقريره "ضرائب غير مقررة ولا جائزة ولا مبررة" وتذكر موظفيه الذين أثروا من فقر الفلاح ونهبه حتى "أصبحوا من أهل اليسار والثروة والعقار وصارت في حيازتهم أخصب الأطيان"، ثم تتجه إلى ولسن
следующие страницы →