وقد أنشأ الباشا هذا النظام الجديد في كريت بوحي من "الأصول المصرية" ثم رأى أن يكون لهذا النظام سجل يماثل الوقائع المصرية فبعث إلى مصطفى باشا محافظ كريت يذكر له أنه "قد تقرر طبع الوقوعات الواقعة في كريد على أن تكون جهة منها تركية العبارة وجهة منها رومية اللهجة"١ وينبئه أن حروف القسم التركي "قد أعدت إعدادًا متقنا" وسترسل إليه في أقرب الأوقات غير أن الجناب العالي يبين له المصاعب الناشئة عن هذا الموضوع وخاصة الحروف الرومية إذ إنه لم يتمكن "من إعداد حروف القسم الذي سيكتب رومى العبارة" غير أن أوصى "بابتغائها وإعدادها" وهو لا يهمله حتى يرسلها عثمان بك بل يرجو من همته "أن تبحثوا عنها وتبتغوا طائفتين من الحروف الرومية المتقنة إما من تلك الديار وإما من المورة"٢.
وقد يبدو أن "وقائع كريدية" كما كانت تسمى صحيفة خاصة بكريد وليس لمصر فيها سهم عملي اللهم إلا الحاكم الذي يجمع بين البلدين، بيد أن الوثائق قد أثبتت أن حروف المطبعة التركية صنعت في مصر قطعًا وإن لم يؤكد أمر الباشا السابق أن أحد البلدين قد اختص بعمل الحروف الرومية، فقد ترك الأمر للاجتهاد في الحصول عليها من مصر أو كريد أو بلاد المورة، وبجانب إعداد المطبعة وتغذيتها بالحروف أرسل من مصر "علي أفندي جام إلى كريد لخدمة الوقائع التي ستطبع فيها" كما عين "علي أفندي الفندره لي معاونًا له لاحتياجه إليه" وهو أحد موظفي الوقائع المصرية "وقد صار أخذه من غرفة الوقائع لمعرفته أصول الطبع" ثم ربط ديوان الخديوي لهذين الموظفين الراتب الذي يستحقانه سواء من القروش أو الخبز أو اللحم أو الأرز أو السمن غير اللباس في فصول السنة المختلفة"٣.
стр. 282
وإذن تكون الحكومة المصرية هي التي فكرت في الوقائع الكريدية وهي التي أمدت الصحيفة والمطبعة بالموظفين المصريين الفنيين وجعلت عمالها كريد في خدمتهما معًا، وبالرجوع إلى هذه الصحيفة يمكن تقرير حقيقة تثبت الآثار المصرية فيها، فوقائع كريد صورة مطابقة للوقائع المصرية ثم هي إلى جانب نشرها أخبار الجزيرة ومجالسها نقلت عن الوقائع معظم فصولها وأنبائها، وسياستها العامة مرتبطة أشد الارتباط بسياسة الوقائع من حيث النظر إلى المسائل العليا والدعاية للوالي وأعماله، وأيد ذلك العدد الرابع والثمانون المحفوظ بدار الكتب المصرية.
بدأت الصحافة المصرية في الخارج صحافة رسمية، ولم يطل أمرها؛ لأن الولايات المتحدة أو البلاد الخاضعة لمصر لم تكن حالتها الفكرية تحتمل مثل هذه الصحف التي تقتضي دواوين ومجالس، وتقتضي حياة اجتماعية نشيطة كما كان الحال في مصر وكريد، لذلك كانت "وقائع كريدية" بداية للصحافة المصرية الرسمية في الخارج ونهاية لها أيضًا، ثم انتقلت فجأة في عهد الخديوي إسماعيل إلى صحافة متطرفة يصدرها أفراد ناقمون على الخديوي ورجال حكومته ويمثل هذه الصحافة في نشأتها يهودي مصري يقال له يعقوب بن صنوع، ويعقوب كاتب يختلف فنه عن كتاب الصحف في ذلك الوقت، فهو ناقد مر النقد، قاس في أسلوبه وحواره، لا يعرف قلمه حدودًا ولا قيودًا، تتمثل فيه طبيعة المصري إذا مزح أو سخر، وفي صحيفته سجلت الشخصية المصرية في أروع مظاهرها، وقد عرفه المصريون جميعًا في المدن وفي أعماق الريف، ولم تشهد الصحافة المصرية في مصر أو في الخارج معارضًا كيعقوب بن رافائيل صنوع "أي المتواضع".
وصنوع هذا من الإسرائيليين القليلين الذين قرءوا إلى جانب التوراة الإنجيل والقرآن، وهو من الصحفيين الذين استهوتهم الفنون فتعلم في إيطاليا الرسم والنحت والموسيقى فأجادها جميعًا وكسب بها معاشه في مصر وازدلف بها إلى قصور الأمراء والباشوات حيث علمها أولادهم، وأنشأ بثقافته صلات
стр. 283
وطيدة مع هذه البيوتات، ثم عمل في المسرح وأعجب به الخديوي إسماعيل فسماه يومًا كما يزعم هو "موليير مصر" وله في التمثيل مسرحيات مترجمة ومؤلفة، جادة وهازلة، وقد ضمنها الملاحظة الدقيقة والسخرية اللاذعة والبسمة الطبيعية والدمعة الصادقة، وفي أثناء عمله المسرحي وجد في مصر رأيًا عامًّا يميل إلى النضج فاتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وهما قائدا هذا الرأي، وعليه درسًا اللغة الفرنسية، وكان للأفغاني رأي في إحياء الفكرة الحرة عن طريق الصحف، فاتفق الثلاثة على إنشاء صحيفة هزلية يديرها صنوع ويحرر فيها الشيخان بين آن وآن، وفيها تنقد أعمال الخديوي وتشرح تصرفات بطانته، ثم اتخذوا لها اسم "نظارته الزرقاء".
وقد صدر العدد الأول من هذه الصحيفة في مصر سنة ١٨٧٧، وهي فريدة في نوعها لا في مصر وحدها بل في بلاد الشرق جمعاء، فهي نوع من الصحف لم يعتده المصريون ولم يروا له نظيرًا من قبل، وأسلوبها في أكثره دارج يجري بأمثال المواطنين وأقوال شيوخهم، وفيها لون من التصوير "الكاريكاتير" بذل في إخراجه صنوع خلاصة ما تعلمه من فن، ولقيت صحيفته الشعبية إقبالًا غريبًا واستهوت الناس من جميع الطبقات، وبلغ عدد ما طبع من بعض أعدادها خمسة عشر ألف نسخة١.
ويذكر الدكتور محمد صبري في كتابه عن تكوين الرأي العام المصري أن جريدة صنوع شغلت قراءها عن الاستماع إلى مطرب العصر أحمد سالم حين دخل بائع الصحف، فانصرفوا عن المطرب إلى قراءة الجريدة، مع أن أحمد سالم كان يترنم بأغنية من وضع أبي نظارة عنوانها "المضطهد" لقي على غنائه لها عشرة أيام في السجن٢.
стр. 284
وما كان يمكن أن يحتمل إسماعيل وبطانته صحافة من هذا اللون فأغلق جريدة يعقوب وعالج أمر بقائه في مصر واستطاع أن ينال موافقة إيطاليا على نفيه -وكان صنوع محتميًا بها- فسافر أبو نظارة إلى باريس حيث أصدر جريدته بأسماء مختلفة، وقد اضطر إلى ذلك بعد أن حاربتها الحكومة المصرية وحظرت دخولها إلى مصر وحرمت المصريين قراءتها، وكان صحيفته تصدر في أول الأمر باللغة العربية ثم باللغة العربية والفرنسية وقد أصدرها مرة في ثماني لغات.
كانت جريدة "أبو نظارة" أو صحيفة مصرية في الخارج ولم تعش في مصر إلا بضعة أشهر ثم مضى بها صاحبها إلى باريس حيث ينزل كل خصيم للسلطات المصرية، وهنا استطاع صنوع أن ينتج وأن يعلن إنتاجه في صراحة المطمئن إلى فنه وعمله زهاء خمسة وثلاثين عامًّا، وقد جعل خطة صحيفته "مصر للمصريين" وكانت تباع في مصر وفي غير مصر من بلاد الشرق التي رحبت بها ومنحته حكوماتها من أجلها الأوسمة والنياشين١ وقد ردها إلى اسمها الأول يوم ولي شئون الحكم شريف باشا في عهدي إسماعيل وتوفيق فكانت صحيفته توزع في مصر دون رقيب أو حسيب مع ما حملت من المعارضة القاسية والبذيئة للخديوين في بعض الأحيان.
ويمتاز صنوع في عمله الصحفي بباريس أنه كان الكاتب والمدير ومصور الجريدة وطابعها، ولم يكن هذا الصحفي المصري خاليًا من العلم بل كان رجلًا مثقفًا "شاعرًا صادق الشاعرية" قال فيه لا جازيت دو بوردو "إنه شاعر ونظرته للأمور وإن كانت مبهمة إلا أنها عميقة" وأعجبت به " The Standard" و" The Morning Post" ومجدتا سخريته المصرية البديعة، ويقول عمدتنا في تاريخه بول دوبنيير "إن له نواحي من الضعف بيد أن فيه نواحي من الجمال الحق وصفحات سامية ذات قيمة وجديرة بأن تلفت النظر" وكان أبو النظارة
стр. 285
إلى جلب عمله الصحفي أديبًا يجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة وخطيبًا لا يشق له غبار ومحاضرًا ساحرًا، وله محاضرات مهمة هزت الرأي العام الأوربي، وخصومته ظاهرة جدًّا للإنجليز في هذه المحاضرات١.
اضطر أو نظارة إلى تغيير اسم صحيفته ثلاث عشرة مرة بسبب الضغط الشديد الذي فرضته الحكومة المصرية على صحفه سواء قبل الاحتلال أو بعده، وقد نجح بالرغم من المراقبة في تهريب بضعة آلاف إلى مصر كما بلغت عدد النسخ المهربة مرة تسعة آلاف نسخة٢ وكانت أكثر الأسماء معرفة لدى القراء "أبو نظارة زرقاء" و"أبو زمارة" و"أبو صفارة"٣ وكان المحرر ينشر كثيرًا من المحاورات الزجلية الطريفة التي تصور حياة مصر وتحمل على خديوها وحكومته، يقسو فيها أسلوبه أحيانًا حتى يبلغ درجة الفحش الذي تتعفف عنه أكثر الأقلام إسفافًا.
وكان بجانب هذا ينشر لونًا من النقد الاجتماعي في أسلوب معظمه عامي دارج دعا به إلى الرحلة والاستفادة منها؛ "لأن الدنيا شهوها الفلاسفة بكتاب وقالوا اللي ما خرجش من وطنه كأنه ما قرأش إلا أول صفحة فقط"، ثم يعطف الكاتب على مصر ساخرًا من تواكل أمته التي يظلمها الظالم ويقسو بها الحاكم حتى إذا كادت تموت جوعًا كان احتجاجها "لك الحمد يارب دي إرادتك".
وهكذا يستمر في نقده اللاذع الصادق وتصويره الرائع لنفوسنا واستعدادها آخذًا على مواطنيه تلك الألفاظ التي لا تزال ترن في آذاننا، ألفاظ التواكل والضعف والاطمئنان حيث لا ينبغي الاطمئنان٤ ومن أهم المحاورات ما دار
стр. 286
"في جلسة سرية في جمعية الطراطير المشهورة بالضحك على ذقون العالم" وهي تصور مداولات نظارة ذلك العهد، وأظهر ما في هذه الجلسة حملته على المفتي واتهامه بالإثراء من الرشا، ثم يعجب لتدخل دول أوربا الصغيرة والكثيرة في شئون مصر حتى استأسد ملك إيطاليا "وهو ابن إمبارح اللي لسة ما طلعش من قشرة البيضة".
وصحف أبي نظارة وإن كانت اللغة العامية تستغرقها إلا أن بعض أعدادها لم تخل من مقالات عربية فصيحة في أسلوب مسجوع بيد أن غير ممل لأهل ذلك الزمن وخاصة العامة منهم الذين ربما لا يفهمون منه شيئًا ولكنه يرن في آذانهم فيشنفنها ويملؤهما رضاء وأمنًا، مثال ذلك رسالة "الشفعاوي المحترم". التي يتهم فيها "شيخ حارة وادي النيل" بالظلم والعدوان ويحمل عليه في مقالات متتابعة استغرقت عدد أعداد منها١، وأهم صحفه أربع، الأولى "النظارات المصرية" وهي جريدة "تاريخية علمية تحرير مصر وإسكندرية" والثانية جريدة "أبو صفارة" وهي جريدة "هزلية أسبوعية لانبساط الشبان المصرية يحفظهم رب البرية من المظالم الفرعونية منشئها محب الاستقلال والحرية" ثم جريدة "الحاوي الكاوي اللي يطلع من البحر الداوي عجايب النكت للكسلان والغاوي ويرمي الغشاش في الجب الهاوي" وأخيرًا جريدة "أبو زمارة" ولولا تغيير الاسم الذي فرضه تضييق الحكومة المصرية في دخولهاه إلى البلاد واحتيال صاحبها بهذا التغيير على تحقيق مأربه لظن القارئ أنه يقرأ صحيفة واحدة منسجمة الأفكار متسقة الصور سواء ماكان منها في المعاني أو الرسوم الكاريكاتورية البديعة.
وقد أصدر يعقوب إلى جانب صحفه الهازلة صحيفة جادة في لندن سماها "مرآة الأحوال" وهي رجع الصدى لما في صحيفته الباريسية من الحدة والعنف غير أن موضوعاتها أكثر اتزانًا من حيث الدراسة العلمية للمسائل السياسية
стр. 287
ومن حيث الأسلوب العربي الفصيح، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة كانت مجالًا لأصدقائه في مصر المتبرمين من الخديوي وشيعته، ولم تعمر هذه الصحيفة طويلًا إذ وقف نشاطه على صحيفته الهزلية فكانت عليه أجدى وهو بها جدير.
كان يعقوب بن صنوع أول مصري ينشئ صحيفة حرة في الخارج، وقد ضرب المثل الطيب في نجاحه واستأثر بإعجاب المصريين، وقد بقي وحده في فرنسا إلى أن زامله أديب إسحاق في عهد الخديوي توفيق، فقد أغلقت صحيفتاه "مصر" و" التجارة"١ بقرار وزاري، وكان أديب إسحاق من أنصار شريف باشا والوطنيين خصوم رياض باشا ناظر النظارة فأوعزوا إليه بالسفر إلى فرنسا والاقتداء بيعقوب بن صنوع وكلفوه نشر صحيفته في باريس حيث تكون لسان حالهم على أنه يتكفلوا هم بتوزيعها في مصر، وقد استطاع تحقيق رغبتهم وتمكن أصدقاؤه من توزيعها بالرغم من سلطان رئيس الحكومة وعيونه من رجال
الإدارة٢.
طبعت صحيفته "مصر القاهرة" في "باريس تحت سماء الحرية" لنشر "ما يعود بالنفع على البلاد العربية، وهي جزء متمم لجريدة مصر التي كان يصدرها في القاهرة من حيث الغاية والتقدير للأمور المصرية في أسلوبه الممتاز حقًّا الغني بالجمال الفني المملوء بروح الكفاح، وهو يعلن خطتها في قوله: "أروم مقاومة الباطل ونصرة الحق والمدافعة عن الشرق وآله وعن الفضل ورجاله، وأوضح معايب اللصوص الذين نسميهم اصطلاحًا "أولى الأمر" ومثالب الخونة الذين ندعوهم وهمًا "أمناء الأمة" ومفاسد الظلمة الذين نلقبهم جهلًا "ولاة النظام" ومقصدي أن أثير بقية الحمية الشرقية وأهيج فضالة الدم العربي وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين، ليعلم قومي أن لهم حقًّا مسلوبًا فيلتمسوه ومالًا منهوبًا فيطلبوه،
стр. 288
وليخرجوا من خطة الخسف وينبذوا عنهم كل مدلس يشتري بحقوقهم ثمنًا قليلًا، ويذيقوا الخائنين عذابًا وبيلًا، وليستصغروا الأنفس والنفائس في جنب حقوقهم وليستميتوا في مجاهدة الذين يبيعون أديانهم وأموالهم وأوطانهم وآلهم .. " إلى أن يقول: "فمن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن عاش بعد هؤلاء الشهداء فهو سعيد"١.
وتستغرق حدة المزاج هذا الأسلوب كما تظهر خطة الجريدة واضحة صريحة، فقد وقف الكتاب قلمه على إثارة "الحمية الشرقية وإهاجة فضالة الدم العربي" وهو يرى الشرق كله جزءًا واحدًا ويسمى أهله "قومي" وهي نظرة كانت تراها مصر بأسرها في ذلك الوقت وينادي بها كثير من آبائها وساستها وصحافتها، بيد أن أسلوبه هنا كان أروع وأبلغ الأساليب المصرية التي رأيناها في صحافة مصر جميعًا، فقد صدمتنا بعض صحف ذلك العصر بلفظها الحوشي وعباراتها الغريبة، ولا يقاس أسلوبها مهما يرتفع بأسلوب أديب في فرنسا، وهو أسلوب واضح لا ركاكة فيه صحيح العبارة مستقيمها.
وعلى القدر الذي تستمتع به هذه الجريدة من حيث الأسلوب والمعاني فهي تمتاز بالحرية في باريس، فقد فضت تحمل على رياض باشا حملات شديدة، قاسية، ولقيت الدول الأوربية من قلمه شدة وعنفًا دون أن يكبوا بلفظ خارج عن الأدب الصحفي وإن لم يخذله هذا القلم مرة واحدة بل روضه صاحبه على أمور ثلاثة: مهاجمة حكومة رياض والحملة على الدول الأجنبية ثم الدفاع عن القضية الشرقية، ولم يطل عهد صحيفة مصر القاهرة فقد صدرت شهرية في أول الأمر ثم أصدرها صاحبها أسبوعية، وبذلك فيها أديب من روحه وقوته بذلًا أضناه، فقد كان يحررها ويكتب صحفها جميعًا، ويكتبها بخط يده أو بخط مساعده عبد الله مراس وهو على شيء من الاستعداد
стр. 289
الأدبي وجمال الخط، ثم يطبعها وزميله على الحجر كما كان يصنع يعقوب بن صنوع من قبل١ وقد أدى هذا الجهد المتصل إلى مرض صاحبها ثم تهيأت الظروف له بولاية شريف رياسة الحكومة فعاد إلى مصر وواصل عمله الصحفي بجانب إحدى الوظائف المهمة التي ألقيت إليه.
وقد دعا الخديوي إسماعيل صديقه إبراهيم المويلحي إلى نابولي ثم أمده بالمال لينشئ صحيفة "الخلافة" سنة ١٨٧٩ تذود عنه وتدافع خصومه وتندد بالأجانب وأعمالهم في مصر٢ ويمضي إبراهيم المويلحي على خطا صنوع فينشئ صحيفتي "الأنباء" و"الرجاء" في باريس وإن لم تعمر طويلًا أو يكون لهما ما كان "للخلافة" من شأن.
لم تعش إذن من الصحف في الخارج إلا صحيفة أبي نظارة، بينما كانت الأحداث في مصر تتردى والأمور فيها تزداد حرجًا وتشهد البلاد حربًا تنتهي باحتلال الإنجليز لها وإعدام بعض زعمائها وسجن البعض الآخر، وكان بين هؤلاء السجناء الشيخ محمد عبده الذي رأت المحكمة نفيه فمضى إلى سورية وبقى فيها سنتين، وكان صديقه وأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني بعيدًا عن مصر غير أنه سافر إلى أوربا في سنة ١٨٨٤ فأرسل إلى الأستاذ الإمام كتابًا يدعون فيه إلى السفر في أعقابه٣ والتقى الاثنان في باريس وهناك دار بخلدهما إصدار جريدة "العروة الوثقى".
وتذكر "صحيفتنا" أن "مدير سياستها السيد جمال الدين الأفغاني ومحررها الأول الشيخ محمد بن عبده" ويبدو في افتتاحية العدد الأول أن الاتجاه الديني فيها يغلب كل اتجاه آخر "فإن رابطتهم الملية "يقصد المسلمين" أقوى من روابط الجنسية واللغة" وإذا كان الدين في العروة الوثقى له المكان الأول
стр. 290
فإن محرر الجريدة لا ينسى وطنه إذ إن "الفجيعة بمصر حركت أشجانًا كانت كامنة، وجددت أحزانًا لم تكن في الحسبان وسرى الألم في أرواح المسلمين سريان الاعتقاد في مداركهم" وهو يخلص من وصف هذه الآلآم إلى تحذير الإنجليز وترويعهم "ولا نأمن أن يصير التنفس -يقصد تنفس المسلمين- زفيرًا بل نفيرًا عامًا بل يكون صرخة تمزق مسامع من أصمه الطع".
ويتحدث المحرر عن منهج الجريدة وخطتها مبينًا أنها "ستأتي" في خدمة الشرقيين على ما في الإمكان من بيان الواجبات التي كان التفريط فيها موجبًا للسقوط والضعف وتوضيح الطرق التي يجب سلوكها لتدارك ما فات، والاحتراس من غوائل ما هو آت" ثم تلتفت الكتاب إلى طبعة الموسرين فيفرض على الجريدة "أن تكشف الغطاء ما استطاعت عن الشبه التي شغلت أوهام المترفرين ولبست عليهم مسالك الرشد وتزيح الوساوس التي أخذت بعقول المنعمين حتى أورثتهم اليأس من مداواة علاتهم وشفاء أدوائهم" وتعني العروة الوثقى أشد العناية بدفع ما يتهم به الغربيون الشرقيين عامة المسلمين خاصة ثم "تراعي في جميع سيرها تقوية الصلات العمومية بين الأمم وتمكين الألفة في أفرادها وتأييد المنافع المشتركة بينها والسياسات القويمة التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق الشرقيين".
وسياسة "العروة الوثقى" سياسة عالية إن صح التعبير، فقد أبت إلا في النادر أن تمس شخصيًّا من الأشخاص مهما يكن بينها وبينه من سخيمة أو موجدة وهي وإن اضطرت إلى الحملة على فرد من الأفراد لا تسف إسفاف زميلتها "أبي نظارة" بل تحمل في أسلوب عف ومنطق سليم، لذلك كانت العروة الوثقى إرثًا أدبيًّا لمصر لا ينكر فضله، وإن ما كتبه فيها الأفغاني والأستاذ الإمام يعتبر في ذمة التاريخ أفضل ما كتب عن مصر والسودان من وجهة النظر المصرية، وهي تمتاز بغنى تفكيرها وإخلاصها في الدفاع وصدق عاطفتها وحرارة بيانها كما تميزت بالمعاني الاجتماعية والسياسية الرفيعة، وقد أثر الزمان والمكان في الكاتبين العظيمين فكان إنتاجهما فيها خير ما عرف عنهما من إنتاج
стр. 291
وقد أجمع المؤرخون على أن العروة الوثقى اتخذت سياسة العنف مع إنجلترا، ونحن لا ننكر على هؤلاء المؤرخين هذه الحقيقة، فقد كان مقاصد العروة الوثقى الجامعة الإسلامية ثم الرابطة الشرقية وأخيرًا المسألتين المصرية والسوداني، وقد ذكرت الجريدة في غير موضع أن حل المسألة المصرية برمتها مرجعه أولًا إلى الدولة العثمانية صاحبة الحق الشرعي في مصر وإن كان أمر مصر يهم الدول الأوربية جميعًا خاصة فرنسا ثم روسيا التي يعتمد المصريون عليهما في تحقيق أمانيهم واستقلالهم، وهي مع ذلك ترى أن صداقة الإنجليز أمر لا بد منه لوجود قنال السويس في طريق الهند، وهي تقرر أن الإنجليز أمة طامعة بيد أنها ليست من السوء بحيث لا تجوز معها صداقة فإن الإنجليز يراعون طبيعة العمران وتطور الزمان١.
وقد أخذ على العروة الوثقى تطرفها الديني ولكنها دافعت في عددها الثامن عن وجهة نظرها وأبت أن تقر خصومها على وصفها بالتعصب الديني، فذكرت أنها بدفاعها عن المسلمين أحيانًا لا تقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم من البلاد ويتفق معهم في المصالح ويشاركهم المنافع أجيالًا طويلة، وإنما غرضهما من هذه الحماسة المتدفقة تحذير الشرقيين عامة والمسلمين خاصة من الأجانب الذين يفسدون في بلادهم، وإن الجريدة إنما تخص المصريين بالذكر أولًا لأن الأجنبيين غدروا ببلادهم وأذلوا أهلها واستأثروا بجميع خيراتها٢ ومحرر "العروة الوثقى" أبعد الناس عن التعصب الديني وله في المواقف المأثورة فإنه صديق لكثير من المسيحيين لا يفرق الدين بينهم في المصالح الوطنية، فقد بنى صداقة وطيدة مع أديب إسحاق ويبدو ذلك واضحًا وهو ينعاه في العروة الوثقى، وكذلك أقام علائق الود مع يعقوب بن صنوع وقد ذكرنا ذلك من قبل، وقد دافع عن بطرس باشا غالي يوم
стр. 292
طعنت فيه بعض الجرائد المصرية ونسبت إليه العصب للقبط في بعض أعماله وكان الأستاذ يومئذ منفيًّا في سوريا١.
ثم هو يعني في جريدته بالمسألة الشرقية وهي تجمع بين المسلم وغير المسلم، وكل ما كانت ترجوه العروة الوثقى إعادة الحكم الإسلامي والنظم الدينية إلى ما كانت عليه من الطهارة والعدل والكمال في عصورها الأولى بتأسيس حكومة إسلامية على قاعدة الخلافة الراشدة في الدين وما تقتضيه حالة العصر لمجد الإسلام في أمور الدنيا، ويتبع هذا إنقاذ المسلمين وغيرهم من الشرقيين من الاستعمار وذله، ومن أهم أغراض العروة الوثقى إنقاذ مصر من الاحتلال والسودان من الفوضى٢.
وقد استقبلت العروة الوثقى في البلاد الإسلامية أحسن استقبال، ولا عجب في ذلك فإن لصاحبها في عالم الدين والأدب والسياسة القدر المعلى، وقد أحس خطرها الإنجليز قبل صدورها، وهاجت لفكرتها صحافتهم، وفي ذلك تقول الجريدة في العدد الخامس "عزمنا على إنشاء جريدتنا هذه فعلم بذلك بعض محرري الجرائد الفرنساوية فكتبوا عنها قبل صدورها غير مبيني لمشربها ولا كاشفين عن حقيقة سيرها فلما وقف على الخبر محررو الجرائد الإنجليزية المهمة أخذتهم الحدة، وأنذروا حكومتهم بما تؤثر هذه الجريدة في سياسة الإنجليز ونفوذها في البلاد الشرقية، وألحوا عليها أن تعد كل وسيلة لمنع الجريدة من الدخول في البلاد الهندية والبلاد المصرية بل تطرفوا فنصحوها أن تلزم الدولة العثمانية بالحجر عليها"٣.
وقد نجحت فعلًا السلطات الإنجليزية في منعها من دخول الهند ومصر، أما الأخيرة فقد ذكرنا تفاصيل ذلك في فصل سابق٤ وقد ذكرت خطتها
стр. 293
نحو مصر بهذه المناسبة قائلة "هذه جريدة قامت بالدفاع عن المصريين والاستنجاد لهم ولها سعى بل كل السعي لخيبة آمال أعدائهم ولا ترى من مشربها مدح زيد ولا القدح في عمرو فإن المقصد أعلى وأرفع من هذا، وإنما عملها سكب مياه النصح على لهب الضغائن لتتلاقى قلوب الشرقيين عمومًا على الصفاء والوداد، تلتمس من أبناء الأمم الشرقية أن يلقى سلاح التنازع بينهم ويأخذوا حذرهم وأسلحتهم لدفع الضواري التي فغرت أفواهها لالتهامهم.
وتتحدث عن السياسة الداخلية فتطلب الانصراف عنها مؤقتًا، ومن رأيها "أن الاشتغال بداخل البيت إنما يكون بعد الأمن من طروق الناهب، هذا منهاج العروة الوثقى علمه كل مطلع على ما نشر فيها من يوم نشأتها إلى الآن فكيف يخطر ببال عاقل أن شرقيًّا مسلمًا أو غير مسلم يميل لحجبها عن دياره؟
ولكننا نعلم أن حركات الآمرين في القطر المصري هذه الأيام قهرية لا يخالطها شيء من الاختيار والمدبر لرحى القهر عليهم هم عمال الإنكليز" إلى أن تقول: "ولا نريد أن نقول للإنكليز إنهم ظلموا في هذا الحكم فإن الجريدة لم يوجد فيها إلى الآن ما يزيد على ما تنشره الجرائد الوطنية والأجنبية" ثم تختم حديثها بقولها "فلا غرابة في صدور مثل هذا الجور منها غير أننا نعلن لها أن همم الرجال لا تقعدها أمثال هذه المظالم وليس يعجزنا إدخال هذه الجريدة في كل بقعة تحوطها السلطة الإنكليزية، ذلك بعزائم أولي العزم الذين قاموا بإنشاء العروة الوثقى"١.
نقلنا فقرات طويلة مما أذاعته "العروة الوثقى" بعد مصادرتها في مصر لنبين منها خطر الصحيفة من حيث نظر السلطات إليها ولنجمل فيها بعض غاياتها التي تخللت سطورها وهي تنطق بكراهيتها للتعصب وبعدها عنه، ثم توضح ترفعها عن التحدث في الشخصيات وإكبارها لنفسها من أن تسف إلى هذا الدرك، غير أن "العروة الوثقى" تتطرف في حملتها على الحكومة
стр. 294
المصرية عقب القرار الخاص بمصادرتها وتدعو علانية إلى وسائل العنف وتتمنى أن يكون بين المصريين من يستطيع ولو بأقسى الوسائل إبطال هذه الصفقة ونقض هذه البيعة -وهي تقصد صفقة القرض التي كان يتفاوض فيها نوبار باشا- ويكشف لهذا الوزير "وللمغرورين أمثاله حقيقة الوطنية ويرفع الحجاب عن واجبات الملية لا حول ولا قوة إلا بالله، إن المولعين بحب الحياة يقضونها من خوف الذل في ذل ويعيشون من خوف العبودية في العبودية ويتجرعون مرارًا سكرات الموت في كل لحظة خوفًا من الموت، لا الدين يسوقهم إلى مرضاة الله ولا الحمية الوطنية تدفعهم إلى ما به فخار بني الإنسان"١.
وهذا لون من المعارضة التي قل مثيلها في أعدادها جميعًا، وقد صدر من العروة الوثقى ثمانية عشر عددًا بلغ فيها أدب الشيخ محمد عبده الذروة من حيث قوة العبارة وروعة الأسلوب ودقة المعنى، وقد أفلت في ٢٦ ذي الحجة عام ١٣٠١ الموافق ٢٦ أكتوبر ١٨٨٤ وعاد بعدئذ الأستاذ الإمام إلى مصر وشغل بعض المراكز الكبيرة كنصب الإفتاء أو التدريس في الأزهر أو المساهمة في المجالس النيابية.
لم يعد للصحافة المصرية في أثر من في الخارج إلى صحيفة يعقوب بن صنوع ولم يكن له أي أمل في العودة إلى بلاده فكانت صحفه وثيقة اتهام له، سواء أمام الاحتلال أو الحاكم الشرعي لمصر، وقد أتيح للصحافة ورجال الرأي في مصر من الحرية ما سمح لها ولهم بالحياة والتقدم ولم يكن هناك داعٍ؛ لأن يقوم جهاد الوطنيين على صحف تصدر في الخارج.
وبعد ثمانية وعشرين عامًا من اختفاء "العروة الوثقى" اضطر محمد فريد بك رئيس الحزب الوطني وكان طريد السجن السياسي أن يكافح من أجل مصر في خارج مصر، فقد غلقت صحف الحزب الوطني جميعًا وطورد رجاله واشتدت السلطات في التضييق على حرية الرأي والكتابة، وأخيرًا نزل محمد
стр. 295
فريد مدينة جنيف، وفي أثناء إقامته هناك تعرف ببعض الشرقيين من الأحرار الذين لقوا مثلما لقى هو من العنت والاضطهاد، فاجتمعوا جماعة واحدة في ١٩ ديسمبر ١٩١٢ واقترح عليهم رئيس الحزب الوطني المصري تأسيس جمعية باسم "جمعية ترقي الإسلام" وقوبل اقتراحه بالتأييد وأخذ هو يضع لائحتها التي تنظم أغراضها وتوضح اتجاهها، وكانت الغاية في إنشاء هذه الجماعة تقوية روابط التضامن بين الشعوب الإسلامية وتغذية النهضة السياسية فيها والعناية بالنواحي الاقتصادية في بلاد تلك الشعوب، واتخذت الجماعة مدينة جنيف مقرًّا لها، ثم رأت أن لا بد من صحيفة تعبر عن أغراضها وتكون لسانًا لنشاطها فأصدرت الجماعة صحيفة فرنسية باسم Bulletin de la ٨ociete End Jouman Terekki- Islam (Progres de L Islam
وكان صدور هذه الصحيفة في شهر مايو من سنة ١٩١٣ وقد بحثت هذه المجلة في الشئون الشرقية عامة والعالم الإسلامي خاصة سواء ما اتصل بأمور السياسة أو الاقتصاد أو الدين، وهي من حيث اتجاهها تشبه كثيرًا مجلة "العروة الوثقى" وتمتاز عليها من حيث كثرة محرريها ومن انضم إلى إنشاء الفصول الرائعة فيها كالمستر "بلنت" صديق المصريين منذ عهد العرابيين، ومسيو بيير لوتي وكلود فارير " Claude Farrer" الأديبين الفرنسيين الكبيرين وغيرهما من كبار الأساتذة الفرنسيين، وقد ظلت الصحيفة تحمل طابعها وتذيع آراء هؤلاء الرجال حتى أقبلت الحرب العظمى فتوقفت عن الصدور، ولكن في خلال تلك الحرب أصدر محمد فريد بك في جنيف مجلة أسبوعية باللغة الفرنسية تخصصت لشئون مصر وحدها سماها Fcho de L Egypte غير أن الحكومة السويسرية رأت فيها حدة لا تتفق مع مركزها الدولي كأمة محايدة فأبت استمرارها بحدة منافاتها للحياد، ومن ثم أغلقت الجريدة بعد صدور العدد الثاني منها١:
стр. 296
وقف نشاط الصحافة الوطنية في مصر والخارج بوقف "مجلة جمعية ترقي الإسلام" عن الصدور، ووقف النشاط في مصر بإعلان الأحكام العرفية التي حدت من الحرية الضئيلة الباقية الصحافة المصرية، ووقف النشاط في الخارج بوفاة عميد تلك الصحافة يعقوب بن صنوع سنة ١٩١٢ بعد أربع وثلاثين سنة من كفاح متصل لا يهون ثم باحتجاب صحيفة "صوت مصر" أخيرًا في سنة ١٩١٤.
واستمر النشاط الصحفي محجورًا عليه في مصر والخارج خلال الحرب العالمية الماضية ثم قامت الحركة الوطنية في مصر سنة ١٩١٩ واستمرت الصحافة بين التضييق والتيسير، ولم يكن هناك محل لصحف مصرية تصدر في أوربا وقد بدأت حياة مصر تستقر في الداخل، لولا أن مصريًّا له تاريخ في الحزب الوطني القديم أنشأ صحيفة في جنيف بعد الحرب العظمى هو الشيخ على الغاياتي.
والشيخ الغاياتي هو صاحب كتاب "وطنيتي" ولهذا الكتاب تاريخ في الحركة الوطنية قبيل الحرب العظمى فقد كان الشيخ محررًا في "اللواء" في سنة ١٩١٠ فأخرج في يوليو من السنة المذكورة ديوانًا من الشعر أسماه "وطنيتي" احتوى تأريخ شعري لحوادث مصر خلال عامين، وكتب رئيس الحزب الوطني محمد فريد ورئيس تحرير "اللواء" الشيخ عبد العزيز جاويش مقدمة لهذا الكتاب، ولم يكن في الكتاب شيء يستحق المؤاخذة ويستدعي المقاضاة؛ لأن قصائده نشرت جميعًا في الصحف السيارة غير أن في الكتاب قصيدة عن الشيخ علي يوسف وجريدته "المؤيد" حمل الشاعر عليهما فيها حملة قاسية، فنشرت "المؤيد" بضعة أنهر عن هذا الكتاب وفيها دعوة خفية إلى النيابة بالقبض على الغاياتي ومن صدر له ديوانه١ وتحقق ما دعت إليه "المؤيد" واستجابت النيابة العامة إلى الدعاء، فصادرت الكتاب ومضت تحقق مع مؤلفه وأقامت الدعوى العمومية على محمد فريد وهو في خارج مصر وعلى الشيخ
стр. 297
جاويش بحجة أنهما يدعوان إلى الجرائم السياسية ويحبذان ارتكابها ويحضان على إهانة الهيئات الحكومية ثم إحالتهما إلى محكمة الجنايات فقضت عليهما جميعًا بالسجن مددًا متفاوتة١ بيد أن الشيخ الغاياتي استطاع أن يهرب من سجنه إلى الأستانة ومنها إلى جنيف حيث استوطن ذلك البلد زهاء سبع وعشرين سنة.
وأصدر الشيخ الغاياتي جريدة عربية فرنسية في جنيف سنة ١٩٢٢ وهو يحدثنا بعد عودته إلى مصر عن تاريخ هذه الصحيفة التي أعوزتنا أعدادها في المكاتب العامة فيقول: "صدر العدد الأول من هذه الجريدة -اسمها بالعربية "منبر الشرق" وبالفرنسية " La Tribune d orient" في جنيف يوم الأحد ٥ فبراير عام ١٩٢٢ "٩ جمادى الثانية ١٣٤٠هـ" وعاشت هناك ما يقرب من ستة عشر عامًا، وكان بها في أول عهدها بجانب القسم الفرنسي صفحة عربية كثيرة المتاعب كبيرة النفقات ثم رأى الاكتفاء باللغة الفرنسية وهي لغة البلاد التي تصدر فيها والأوساط التي نريد مخاطبتها، وقد نمت وترعرعت وانتشرت في الشرق والغرب وبات لها ذكر حسن واسم معروف وخاصة في مركز جمعية الأمم التي عملت فيه ما استطاعت على خدمة مصر والشرق والإسلام، ويرجع الفضل في نجاحها كما يقول صاحبها إليه وإلى بعض البيوتات التجارية في جنيف التي أمدته بإعلاناتها، ثم يحمل على المصريين البخلاء ذوي المال والجاه الذين "لا يزالون مدينين لهذه الجريدة" ثم يمضي في تأريخه لها قائلًا: "وقد صدر آخر عدد من "منبر الشرق" في جنيف يوم الأربعاء ٢٦ مايو عام ١٩٣٧ "٢٦ ربيع الأول سنة ١٣٥٦هـ" وكانت خطة الجريدة كما يقول صاحبها العمل على أن يكون "الشرق للشرقيين"٢ ومجمل القول في "منبر الشرق" إنها ختمت حياتها في جنيف عام ١٩٣٧ وعادت إلى الظهور في القاهرة بعيدة عن جميع الأحزاب في سنة ١٩٣٨.
стр. 298
وفي سنة ١٩٣٣ أصدر الدكتور محمود عزمي صحيفة في لندن سماها "العالم العربي The Arabic World" على أن تكون صحيفة أسبوعية غير أنه جعلها شهرية ابتداء من العدد الثاني، وقد تضمنت أعدادها المختلفة إشارة إلى اتجاهها فهي ترنو إلى تنوير الرأي العام الإنجليزي وشرح المسائل الشرقية المعقدة شرحًا مفصلًا لعل هذه البحوث تقيم علاقات من الود والصداقة بين الشعب الإنجليزي وشعوب الشرق المختلفة، وقد تناولت بعض أعدادها المسائل الاقتصادية والتجارية والاجتماعية في جميع الدول العربية، وكان لها مكاتبون في عواصم الشرق المتباينة ونشرت أحيانًا بعض القصص بأقلام مصرية أو أجنبية، وتعتبر مجلة "العالم العربي" مثالًا رائعًا للذوق السليم من حيث شكلها وإخراجها فقد حفلت بالصور الواضحة لرجال الشرق المشهورين كما احتوت أعدادها على بعض الصور الكاريكاتورية.
وقبل أن نختم هذا الفصل نسجل أنه بعد نحو خمس وأربعين سنة من صدور جريدة "العالم العربي" التي أنشأها محمود عزمي في مدينة لندن، ظهرت صحف معارضة في لندن وباريس وغيرهما من الأمصار.
ولم تسعفنا الظروف للاطلاع على هذه الصحف لنوجز سيرتها ونزن مقامها، لذلك لا أملك التأريخ لها وخاصة أنها تصدر في أيام نعيشها والحكم عليها لا يتفق وعقيدتي بأن التأريخ الصحيح الخالي من الغرض والحيدة لا يكتب وأصحابه أحياء.
وختامًا لهذا الفصل أذكر أن الصحف المصرية التي صدرت منذ ظهرت الصحف المعارضة في الخارج حتى مجلة عزمي كان معظمها يتجه اتجاهًا شرقيًّا دينيًّا وهو سمة اجتمعت عندها جميع الصحف المصرية التي صدرت في الخارج فيما خلا صحف يعقوب بن صنوع وصحيفة محمود عزمي فكانت صحفًا مصرية حقًّا بمعانيها وروحها، ولهذه الصحف أثر مشكور في تعريف الأجانب بالشرق وبمصر خاصة، وفي ذلك من الدعاية للحركة الوطنية ما قوم رأي الكثيرين من الأجانب الحاملين على مصر ورجالها، وهذه الصحف جميعًا تتفق في
стр. 299
الحملة على الاحتلال الإنجليزي، ولذلك أثره في تحرز الإنجليز وتحفظهم في معالجة أمور المصريين وتقدير النتائج ووزنها إذا كشفت أمور الاحتلال في الخارج، وهي صحف قادرة على الرواية الصريحة التي لا يقف دونها قانون المطبوعات في باريس أو لندن أو جنيف، وقد استطاعت هذه الصحف على قلتها وعلى اختلاف نزعاتها أن تكتب لها في تاريخ الصحافة المصرية بابًا من أفضل أبوابها وأكثرها روحًا وحياة.
стр. 300
تشريعات الصحافة:
الفصل الأول: منذ الحملة الفرنسية إلى قيام ثورة يوليو
يكاد إجماع الفقهاء والباحثين ينعقد على أن المطبوعات، وفي مقدمتها الصحافة تجد في قانون المطبوعات الصادر في ٢٦ نوفمبر ١٨٨١ أول تشريع ينظم شئونها ويضبط مسائلها، ولا يعد هذا الرأي مبالغًا فيه إذا نظر إلى قانون سنة ١٨٨١ على أنه أول أداة تشريعية مصرية سايرت نشاط الصحافة وسائر المطبوعات في مختلف مراحلها فتعرضت للتحرير كما تعرضت للطبع والتوزيع والنشر، وإذا كان رأي هؤلاء الفقهاء صحيحًا من حيث اكتمال الأداة التشريعية بهذا القانون فإنه يكون يكون رأيًّا مبتسرًا من ناحية الأصول التاريخية، فإن المعنيين بشئون الصحافة وتاريخها يمكنهم أن يردوا تاريخ المطبوعات إلى عهد الحملة الفرنسية على مصر١، فقد عرفت البلاد في غضونها أول تشريع للمطبوعات أصدره بونابرت في ١٤ يناير ١٧٩٩ في صورة أمر احتوى على ست مواد أكمله الجنرال عبد الله منوفي في مرسومه الصادر في ٢٦ نوفمبر ١٨٠٠ الخاص بجريدة "التنبيه L Avertissement".
ثم أسس محمد علي مطبعة بولاق في سنة ١٨١٩ على صورة متواضعة تتصل بحياة الحكومة وحدها، فقد تكفلت بمطبوعاتها وهي عبارة عن كتب للدراسة والعلم لا تستوجب نظمًا أو لوائح وقوانين تحدد سياستها وتنظم أمورها فمضت شئون النشر فيها هينة إلى أن أخذت تتعقد أحوالها باتساع أعمالها وخطر آثارها بحيث أصبح من المتعذر أن تسير المطبعة على فطرتها أو تضطرد على طبيعتها ودعت الأحوال الجديدة إلى إصدار الأوامر ووضع اللوائح وسن القوانين وتحديد سياسة للطبع فيها ووضع نظام للرقابة على مطبوعاتها.
стр. 301
ويروي لنا " Brocchi" السائح المعروف المناسبة التي تم فيها التشريع الأول للمطبوعات في مصر، فيذكر أنه كان بين مدرسي مدرسة الفنون المدرس الإيطالي " Bilotti" وقد نظم هذا المدرس قصيدة شعرية طويلة سماها "ديانة الشرقيين" أساء فيها إساءة بالغة إلى الإسلام والمسلمين، ودعا فيها إلى التهوين من أمر هذا الدين والسخرية برجاله، وقد اتفق بيلوتي سرًّا مع "نقولا مسابكي" أفندي ناظر مطبعة بولاق على نشر قصيدته في المطبعة، وكان مسابكي تلميذًا لإيطاليا وأحد مبعوثي الوالي فيها، وهو نصراني لا يعنيه من أمر الدين الإسلامي شيء وإيطاليا في ذلك الوقت موطن العداء لهذا الدين، فتم طبع القصيدة دون علم الوالي، بيد أن سولت " Salt" قنصل إنجلترا في مصر وقتئذ كان في خصومة مع الناظم الإيطالي فرأى هذه الفرصة وسيلة يتوسل بها للإيقاع به، فروى للباشا أن في الكتاب فحشًا في القول وزراية بالدين إلى درجة أنه يستحيل على أي حكومة أن تقبل ألفاظه أو معانيه مهما تتساهل في حرية النشر أو حرية القول والكتابة، فأمر محمد علي بمخطوط الكتاب فألقى في النار وكاد يقتل مسابكي، ولولا شفاعة عثمان نور الدين من رجاله المقربين لتم القضاء على الكتاب وناشره معًا، ومن ثم أصدر الباشا أمرًا في ١٣ يوليو ١٨٢٣ "٤ ذي القعدة ١٢٣٨هـ" يحرم طبع أي كتاب في مطبعة بولاق إلا إذا استصدر مؤلفه أو ناشره إذنًا خاصًّا من الباشا بطبعه، وفرض أشد العقوبات جزاء لمن يخالف هذا الأمر١.
ويعتبر أمر محمد علي هذا أول تشريع للمطبوعات في عهد أسرته، وقد انصب على الأجانب والمصريين جميعًا، وآية ذلك أننا لا نجد مطبوعًا في مطبعة بولاق إلا ونجد أمرًا عاليًا بطبعه عليه خاتم المطبعة وتاريخ نشره، وذكر أن ولي النعم أصدر أمره بأن يطبع في المطبعة لما رأى فيه "من الفائدة والملاءمة" حتى ولو كان أمر الطبع صادرًا من دواوين الحكومة الرسمية،
стр. 302
ويروي أرتين باشا أن محمد علي كان متأثرًا في أمره هذه بقوانين فرنسا المعمول بها في ذلك الوقت١ وعندي أن الباشا لم يرجع في ذلك إلى مرجع فإن الحادث من الوضوح والقرار من البساطة بحيث لا يدعو الأمر إلى استشهاد بقانون أجنبي أو نقل عن تشريع من التشريعات، وهو أول قانون للمطبوعات وآخر قانون لها في عهده وعهد خليفته إبراهيم وعباس.
هذا فيما يختص بنشر الكتاب، أما علاقة محمد علي بالصحف فكانت علاقة صاحب البيت ببيته، صدرت في عهده خمس صحف "جرنال الخديوي" في أول الأمر حوالي سنة ١٨٢٢، ثم "الوقائع المصرية" في نهاية سنة ١٨٢٨ ثم "الجريدة العسكرية" حوالي سنة ١٨٣٣، وجريدة "لومنيتور إجبسيان" قرابة ذلك الوقت، ثم جريدة " Lo Spettatore Egiziano" في سنة ١٨٤٦، الصحف الثلاث الأولى صحف الدولة الرسمية، والصحيفة الفرنسية صحيفة شبه رسمية، أما الصحيفة الأخيرة فجريدة للإعلانات، وكانت "الجريدة العسكرية خاضعة لرقابة صاحب الدولة السر عسكر إبراهيم باشا وهي خاصة بالشئون العسكرية الخالصة، و"جرنال الخديوي" جريدة الوالي وحده بعد إنشاء الوقائع أما الجريدتان الأجنبيتان فكانتا أخبارهما كلها منقولة عن الوقائع، وإذن تكون "الوقائع المصرية" هي الجريدة الفذة التي شغلت من حياة الدولة جهدًا وإشرافًا اشترك فيها الموظفون ومنحت للعلماء وفرضت على التلاميذ في مصر وخارجها ووزعت في بلاد العرب والشام وكريت، فهي في حياة الدولة شيء خطير بعيد الأثر، وقد أشرف محمد علي بنفسه على "الوقائع" وإخراجها فكان يكلف موظفيه بكتابة المقالات ويوعز بنشر الأخبار ويراجع مسودات الجريدة قبل طبعها ويعاقب المسئولين إذا أساءوا اختيار الخبر أو المقال، وكانت أوامره ورقابته لها لونًا من ألوان التنظيم التي سبقت تشريع المطبوعات في عهد خلفائه٢.
стр. 303
وفي عهد سعيد باشا صدر تشريعان للمطبوعات أوسع نطاقًا مما ذهب إليه محمد علي في نشر الكتب أو رقابة "الوقائع المصرية" أحدهما خاص بالمصريين والثاني خاص بالأجانب، وقد تضمن "قرار من المجلس الخصوصي" ماهية التشريع الذي سري على المواطنين ننشره هنا لبيان الفائدة من نشره ولأهميته في تاريخ المطبوعات.
"تقدم لديوان الداخلية عرض من ملاطية لي محمود محمد كتابجي بخان الخليل ينهي أنه حصل له مضايقة في أمر المعاش وله معرفة في فن الطباعة على الحجر وأجل الإعانة على معاشه يريد تدوير عدة طباعة واحدة فقط لطبع بعض كتب صغيرة لازمة لتعليم الأطفال لأجل سهولة معاشه ومنفعة الأطفال تحت ظل الخديوي فلدي المذاكرة عن ذلك بالمجلس الخصوصي قد رؤي من حيث أن رفاهية العباد وسهولة إدارة أمر معاشهم من أقصى آمال الجناب الداوري فبذا لا مانع من الترخيص لمن يكون ذو معرفة لإدارة مطابع بملازم الحجر لإدارة أمر معاشه إنما يكون ذلك من بعد أن يؤخذ عليه سند الشروط من ورق الدمغة على الوجه المشروع وهو:
أولًا: أن كل كتاب أو رسالة يراد طبعها لا يصير الابتداي في طبعها ولا تجهيز لوازمها ولا عقد شروط مع من يريد الطبع والالتزام ولا أخذ شيء منه ما لم يقدم نسخة ذلك إلى نظارة الداخلية لأجل مطالعتها والنظر فيها إن كانت مضرة للديانة ولمنافع الدولة العلية والدول الأجنبية والعامة أم لا ومتى وجد أن لا مانع من طبع ذلك ووافق هذا بالديوان فيعطي إليه الرخصة اللازمة وإن طبع شيء من هذا بدون إذن يصير من المخالفين.
ثانيًا: لا يطبع ولا ينشر جرانيل وغازيتات وإعلانات من دون استحصال الرخصة من ديوان الداخلية وإن فعل ذلك بدون استئذان تغلق وتسد مطبعته.
стр. 304
ثالثًا: إذا طبع ونشر كتب ورسايل إهانة للديانة وللبوليتيقة والآداب والأخلاق فيجري ضبط وتوقيف هذا بمعرفة الضبطية.
رابعًا: المطبعجي لا له أن يطبع عدد زيادة عن الشروط المنعقدة ما بينه وبين الملتزم أو من يريد الطبع بمطبعته وإن طبع شيء زيادة عن الشروط يعد سارق ويترتب جزاه بمقتضى القانون مع ضبط ما يوجد زيادة وإجراء الأصول فيه.
خامسًا: إن حصل من المطبعجي أدنى مخالفة من هذه البنود فيعد مخالف إلى النظام ويجري غلق مطبعته وترتيب جزاه بالنسبة لخفة وجسامة الجنحة تطبيقًا للقانون.
الخاتمة: عندما يختص بالتعهد الذي يؤخذ على المطبعجي يذكر فيه إني قد قبلت هذه الشروط الموضحة بالخمسة بنود وللمعاملة بموجبها ويشرط على نفسه أن لا يقعد مع أحد شروط طبع كتب أو رسايل أو غازيتات أو إعلانات أو خلافه بدون استحصال الإذن من ديوان الداخلية وصدور الأمر بالرخصة وأنه قابل برضاه واختياره، بالإجراء على وجه ما شرح بهذا وعلى هذا النسق يصير الإجراء مع كل ما يعرض من ذوي المعارف في إدارة مطبعة لمعاشه كما استقر الرأي بالمجلس"١.
وقد جمع القرار بين الكتب والصحف والرسائل والإعلانات، والواقع أنه بالرغم مما يتبادر إلى الذهن من قسوة في الشروط التي وضعها الشارع فإن هذا القانون كان تشريعًا سهلًا لينًا؛ لأن ناس ذلك الوقت كانوا بطبعها مسالمين، وكانوا في حالة فكرية -من حيث التعليم وتناول أساليب الحياة-
стр. 305
لا تسمح باختلاف على مصلحة عامة تدفعهم إلى السياسة ومشاكلها، كما كانوا مؤمنين بفطرتهم لا أمل للإلحاد والملحدين بينهم، وكان القانون صدى للقانون العثماني المعمول به في الدولة العثمانية وإن لم يصدر في نصه واكتفى المجلس الخصوصي بروحه، وهو شبيه أيضًا بالقانون الذي صدر من أجل الأجانب في مصر، وسائر ولايات السلطنة العثمانية.
وقد كان للأجانب في مصر على عهد سعيد دالة على حكومته فقد أمد لهم الباشا في رحابه فكثر عددهم واستتبع ذلك إنشاء خمس صحف فرنسية وإيطالية غير صحيفة "السلطنة" العربية التركية، وطبعي أن هذا العدد الكبير من الصحف كان يقتضي رقابة من الحكومة الشرعية في البلاد حتى تأمن نتائج الآراء المتضاربة التي تذيعها هذه الصحف المتباينة، فكانت تجيز الترخيص بهذه الصحف "على شرط ألا تتجاوز فيما ينشره قوانين الدولة العلية وألا تذكر أي شيء ضد الحكومة المحلية١ والراجح أن بعض هذه الصحف قد تجاوز حدوده فاضطرت حكومة سعيد إلى أن تبلغ قناصل الدول منشور التنظيمات الصحفية التي صدرت في الأستانة في ٦ يناير سنة "١٨٥٧"٢ وأرسلتها إلى هؤلاء القناصل في كتاب وقعه ناظر الخارجية في شهر ديسمبر عام ١٨٥٧ وقد صدرت هذه القوانين لتنظيم العلاقات بين الحكومة العثمانية وبين رعايا الدول في داخل الدولة وفي سائر ولاياتها٣، ومن هذه القوانين جزء خاص بالصحف بلغ كما ذكرنا إلى القناصل ليذيعوه على رعاياهم حتى يعملوا بمقتضاه، وننشر هنا أهم المواد الخاصة بالمطبوعات لنبين حقوق الحكومة المصرية والتزاماتها التي خلقتها حالة جديدة لم تكن تعرفها مصر من قبل٤.
стр. 306
مادة "١": يجب الامتناع باتًا عن كل نقد لأعمال الحكومة.
مادة "٢": يجب تجنب كل مجادلة في المسائل التي لا تهم مباشرة السلطنة والتي من شأنها أن تضر بالعلاقات الحسنة القائمة مع الدول.
مادة "٣": يجب الاقتصار في نشر المراسلات الواردة من المقاطعات على سرد الحوادث دون نقد أو تعليق على أعمال الموظفين، ويجب ألا تنشر المراسلات إلا بعد إرسالها إلى مكتب الصحافة.
مادة "٤": بما أن الوقت لا يسمح بتقديم المسودات ليلة النشر يجب على المحررين أن يوضحوا شفويًّا للشخص القائم على مكتب الصحافة ما تحتوي عليه افتتاحية الجريدة التي ستنشر وأن يتبعوا الملاحظات التي يمكن توجيهها إليهم.
مادة "٥": لا بد من أخذ رأي مكتب الصحافة قبل نشر الجريدة وذلك لتجنب إذاعة الأخبار الباطلة.
مادة "٦": على الجريدة أن تفتح صفحاتها لتكذيب وتصحيح المقالات المنشورة في أوربا والتي يعرضها مكتب الصحافة.
مادة "٧": كل مخالفة لهذا القانون تعاقب عليها الجريدة أولا بإنذارها وبعد ثلاثة إنذارات تعاقب بالإيقاف المؤقت أو النهائي.
مادة "٨": يضاف الجزاء في حالة الرجوع إلى ارتكاب الجرم ما عدا الاستثناءات التي ينص عليها القانون.
مادة "٩": كل من ينشئ مطبعة أو ينشر كتبًا أو نشرات أخرى دون ترخيص من الباب العالي أو كل من يسمح لنفسه بنشر أو طبع جرائد أو كتب أو مطبوعات أخرى ضد الحكومة أو موظفي الباب العالي أو ضد أية دولة من الدول الخاضعة لتركيا، هذه الجرائد والكتب والمطبوعات تصادر ويلزم المسئول على قدر مسئوليته بقفل مطبعته مؤقتًا نهائيًّا ويعاقب بدفع غرامة من عشرة إلى خمسين جنيهًا مجيديّا.
стр. 307
ويختم ناظر الخارجية تبليغه لقنصل كل دولة بقوله: "تحدد هذه النصوص المختلفة في شيء كثير من الإيضاح واجبات الصحفيين والناشرين ولا يترك أي شك في السبيل التي يجب أن تتبع، هذا بخلاف القواعد الخاصة بالعرض والنشر والأشياء الأخرى التي من اختصاص الشرطة، إلى أن يقول: "ولكي يكون هذا الكلام أكثر وضوحًا أضيف إلى ذلك ما يأتي:
أولًا: كل شخص يمتلك أن يستغل مطبعة قائمة بالفعل دون ترخيص سابق يجب عليه أن يحصل على هذا الترخيص في مهلة مقدارها شهر ابتداء من هذا المنشور وإلا فلا يسمح له بمباشرة عمله ويكون معرضًا لقفل مطبعته.
ثانيًا: وأن مكتبًا للصحف أنشئ في هذه النظارة -يقصد نظارة الخارجية- لتطبيق هذه القواعد".
ثم يطلب ناظر الخارجية من القناصل في مصر أن يذيعوا منشوره السابق الذكر على رعايا دولهم ويبين أن الحكومة مصممة على تنفيذ هذه النظم والقوانين المعمول بها في السلطنة العثمانية وهو حق لها وواجب عليها أيضًا، ثم يأمر بنشر هذه القواعد والقوانين في مختلف جرائد القطر حتى لا تكون هناك حجة لأحد.
عرضنا لكتاب الوزير المصري الذي تضمن القوانين التي بمقتضاها تنشر صحف وتنشأ مطابع، وقد اجتزأ الوزير بعض المواد التي احتوى عليها قانون المطبوعات العثماني، وليست مواد قانون الصحافة التي نشرناها مواد حرفية لقانون المطبوعات التركي بل هي تحمل روحه وطابعه دون الصيغة الأصيلة كما أنها لم تأت مفصلة ولم يراع الوزير المصري في تبليغها للقناصل حرفية القانون بل بسطها تبسيطًا ملحوظًا إذا قورنت بالمواد المنشورة بالقانون التركي الأصلي، وقد عمدت الحكومة المصرية كما رأينا إلى بعض مواد قانون الصحافة دون غيرها وبلغتها للقناصل إذ كان يهمها أشد الاهتمام الامتناع عن نقد أعمالها مما يؤثر على الأمن أو يدعو إلى اضطراب في أفكار الأجانب، وهي كذلك
стр. 308
حريصة على إعفاء موظفي الحكومة من الملاحظات التي قد توجهها إليهم هذه الجرائد فاشترطت لتحقيق هذه الرغبة أن يقر الأخبار التي تذيعها الصحف عن الحكومة وموظفيها مكتب للصحافة أنشأه سعيد في نظارة الخارجية.
وليست الأخبار وحدها المطلوب رقابتها بل إن الافتتاحيات أيضًا كانت تمر على المسئولين في مكتب الصحافة أو يقرها موظفوه مشافهة على شريطة أن يذعن المحرر للاعتراضات التي توجه إليه اجتنابًا لإذاعة الأخبار الباطلة، وكذلك فرض قانون الصحافة على الجرائد الأجنبية في مصر أن تفتح صدرها لتكذيب وتصحيح الأخبار التي تنشرها صحف أوربا أو يذيعها المغرضون عن الحكومة المصرية، وقد أخذ مكتب الصحافة على عاتقه تزويد الصحف بهذا كلما دعت الحاجة إلى تكذيب أو تصحيح.
ولكي تمكن الحكومة لسلطانها على هذه الصحف رسمت عقوبات مختلفة ستفرضها على من يخالف مواد القانون أو يستهين بها، كما عمدت إلى أن تجعل لهذا القانون أثرًا رجعيًّا فكل صاحب مطبعة أو ناشر ينبغي أن ينال ترخيصًا بفتح مطبعته أو نشر جريدته وإلا تعرض لجزاء يقضي على مطبعته ويعطل صحيفته، وألقيت كل هذه المسائل الصحفية الجديدة التي نشأت في الحياة المصرية على مكتب الصحافة الذي أنشأته حكومة الوالي في سنة ١٨٥٧.
ومع أن علاقة الحكومة بالمطبوعات أصبحت واضحة بعد هذين القانونين إلا أنه ينبغي أن نذكر أن الحكومة كالت لهذه المطبوعات بكيلين، فالأجانب كانت لهم الحظوة وكان لهم في قناصلهم حصانة حالت في كثير من الأحيان دون تنفيذ القانون أو رقابة الدولة كما نص التشريع، فقد فتح السيد محمد هاشم من رعايا أمير المغرب مطبعة حروف دون استئذان الحكومة فاستفسرت الضبطية المصرية من الوالي عما يجب أن تصنعه فكان رد سعيد كافيًا ليظهر لنا مدى تحمس الدولة لتنفيذ أوامرها، يذكر والي مصر للضبطية أن "محمد هاشم من طرف أمير المغرب، وأنه إذا كان قد فتح مطبعة حروف دون إذن الحكومة وموافقتها فإن له امتياز الصلة بالسيد عبد القادر الأمير المذكور فيا مبارك
стр. 309
إن الأشياء التي مثل هذا لم هي يد واحدة مثلما تعملون، ثم يقرر له أن الناس أمام القانون غير متساوين وخاصة إذا اعتزوا بأمير أجنبي "إن أصول اليدية الواحدة مرفوع وملغي، افهموا ذلك"١.
فهذا الكتاب يبين لنا أن القانون لم يطبق بدقة في بعض الحالات التي تشفع فيها وشائج الصلات الأجنبية، ويمكن للمؤرخ الذي يسجل العلاقة بين الحكومة المصرية والصحافة في مصر أن يجعل هذه المسائل التي ظهرت في عهد سعيد فيقرر أن الصحافة لم تكن حرة قط، فالحكومة ترى نفسها صاحبة حق في إذاعة الأخبار ونشرها، وأنها إن نزلت عن هذا الحق لأحد من الناس فإنما يكون ذلك بترخيص منها، لها فيه حقوق واسعة، وبالرغم مما تصوره عملية الإصدار هذه من التزمت فإن الحكومة أرادت أن تقي نفسها من خطر ما يذاع وينشر فسمحت للكاتب أن يتخير موضوعه ثم فرضت عليه أن يعرض كتاباته قبل نشرها.
وقد كان للتشريعات الصحفية التركية أثر بعيد المدى إذ مضت الحكومة المصرية تنفذها على رعاياها وتطبقها على رعايا الدول في مصر ثم عدلت التنظيمات الصحفية بقانون صدر في الأستانة في يناير سنة ١٨٦٥ من خمس وثلاثين مادة أهم ما ورد فيها الشروط التي تتوافر في مدير الصحيفة التي يراد إصدارها، ففرض أن يكون عثماني الجنسية وألا يقل عمره عن ثلاثين سنة وأن يكون متمتعًا بكامل حقوقه المدنية ولم تصدر في حقه أحكام مخلة بالشرف على أن يقدم الطلب لناظر المعارف وأن يودع مصدر الصحيفة نسخة منها قبل توزيعها موقعًا عليها من المدير المسئول في إدارة المطبوعات، وقضت المادة الثالثة من ذلك القانون بأن للأجانب حق إصدار الصحف بشرط أن
стр. 310
تسري عليهم الشروط التي تسري على الأتراك، وأن يكون للقضاء العثماني دون القنصلي حق الفصل في القضايا الصحفية، وللحكومة أن تمنح أو تمنع الترخيص بدون إبداء الأسباب.
وقد فسرت الحكومة العثمانية هذا القانون بأمر الصدارة العظمى الرقيم ١٣ مارس سنة ١٨٦٧ ولم يختلف القانون ولا أمر الصدارة عن تشريع يناير سنة ١٨٥٧ في شيء من حيث الجوهر، ثم صدر القانون الهمايوني في ١١ ديسمبر سنة ١٨٧٠ مقررًا حرية المطبوعات في الدولة وسائر ولاياتها إلا أنه -من الناحية العملية على الأقل- لم يجب ما سبقه من قوانين وأوامر وخاصة حق الحكومة في إلغاء صحف الأجانب بصفة إدارية.
وقد سعى الخديوي إسماعيل جهده في كسب ود الصحافة، وحرص على أن يكون إليه أمرها، فمنحها من الحرية ما عطل القوانين التي ذكرناها، وكان شخصه المرجع في كل ما يتعلق بها، وكان بيده أن يمنح الترخيص لها أو يقبض ذلك عنها، وقد يبدو ونحن نعرض للصحافة المصرية وعلاقتها بالحكومة وعلاقة الحكومة بها في عهد إسماعيل أن هناك شيئًا خفيًا يربط هذا كله، فإن الصحف تجاوزت في عهده السبعين جريدة بين عربية وفرنجية وبين جريدة ومجلة، ومن بينها ما كانت له مع الحكومة مواقف مواتية أو مناهضة، لذلك وضحت في عهد الخديوي إسماعيل وظيفة مكتب الصحافة أو إدارة المطبوعات على أدق تعبير، فقد افتتح إسماعيل عهد بكتاب شريف باشا إلى القناصل يبين لهم فيه ما فعلته نظارة الخارجية لتنظيم العلاقات بين الحكومة وبين رعايا الدول المشتغلين بالنشر والصحافة.
وقد بقي سهم هذا المكتب محجوبًا حتى سنة ١٨٦٦، ففي ١٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٨٣هـ "٢٦ أكتوبر ١٨٦٦م" كتب إسماعيل راغب مأمور الأمور الخارجية إلى المعية يذكر لها أن ولي النعم "وافق على تأسيس قلم صحافة يلحق بنظارة الخارجية ليقوم بالإجراءات المتعلقة بالجرائد وغيرها من
стр. 311
المطبوعات"١ وكان من شأن هذا المكتب الإشراف على الصحافة ورعاية شئونها ومراقبة أقلام أصحابها، وقد صدر أمر جديد بإعادة تنظيم مكتب الصحافة في ٢٠ أبريل سنة ١٨٦٩ وبقي المكتب على حاله ملحقًا بنظارة الخارجية، وتخصص لمراجعة ما ينشر في الصحف من عربية وغير عربية، فإذا وجد فيها ما يؤاخذ عليه كان من وظيفته دراسة جرائم النشر هذه، ثم عليه بعدئذ أن يعد التقارير بالموضوعات التي تستحق المؤاخذة أو الموضوعات التي من شأنها أن تهم الحكومة معرفتها ويرفعها إلى الجهات العليا وهي هنا مجلس النظار، وأصبح هذا المكتب يتكون من خمسة أعضاء، ثلاثة من الأجانب أحدهم الرئيس وهو إذ ذاك جودار بك " Goudard Bey" وكان رئيسًا للمكتب الأوربي في الوقت نفسه، ثم اثنان من الوطنيين٢ توزعت اختصاصاتهم فيما بينهم، فكان على العضوين المصريين مراقبة الصحف الوطنية العربية منها والتركية بينما اختص الثلاثة الآخرون بمراقبة الصحف الفرنجية، وقد بقي مكتب الصحافة قاتمًا حتى صدر قانون المطبوعات المصري في "٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١"٣.
وقدحدثت بعض التغييرات في شئون الصحافة بعد ذلك إذ صدر أمر خديوي تضمن تعيين حقوق النظارات المصرية، فقرر أن تكون الجرائد والمطبوعات تابعة لنظارة الداخلية ابتداء من "١٣ ديسمبر سنة ١٨٧٨"٤، وقد أصبح للمشرف على الوقائع المصرية حق الإشراف على الصحف
стр. 312
والمطبوعات الأهلية١ وذلك خلاف المطبوعات الفرنجية، وفي ذلك شكت الصحف من التناقض والتخالف بين إدارة المطبوعات والإدارة الوطنية فإنهما على طرفي نقيض في معاملة الجرائد، تلك تطلق لها العنان ولا تعارضها فيما تقول، والثانية تقف لوريقاتنا القائمة بخدمة الوطن"٢ وهي حالة شاذة بخلاف ما عليه في الدولة العثمانية وسائر الدول في العالم المتمدن"٣.
ولم يكن الترخيص بإصدار الصحف أمرًا هينًا، فقد كان على الراغب في إصدار صحيفة من رعايا الدول أن يكتب إلى قنصليته وهذه تكتب إلى مكتب الصحافة الملحق بالنظارة المختصة، وتلك بدورها تستأذن المسئولين في ديوان الخديوي٤ ثم يعرض الأمر على ولي النعم فإذا وفق فإنما تجيز موافقته الأمر بشروط منها "أن تكون -يقصد الصحيفة- خاضعة للقانون الموضوع لهذا الشأن والمعلوم لدى نظارة الخارجية" ومن أهم هذه الشروط أن تؤخذ على طالب الترخيص التعهدات مصدقًا عليها من قنصليته، وليس لأجنبي حق طلب الترخيص مباشرة كما ذكرنا وليس له أن يتصرف في طلب الترخيص الممنوح له بالبيع أو النقل إلى شخص ما إلا إذا اتبعت مع المالك الجديد نفس الإجراءات التي اتبعت مع صاحب الترخيص الأصيل٥، وإذا أراد صاحب جريدة أن يضيف إلى جريدته مواد جديدة لم يذكرها في ترخيصه كأن يضيف إليها الشئون السياسية وكانت من قبل خلوًا منها اتبعت نفس الإجراءات التي اتبعت في طلب الترخيص حتى يبلغ الموافقة أو الرفض من الخديوي نفسه٦.
стр. 313
وقد حلفت محفوظات عابدين التاريخية بالوثائق التي تثبت أن الخديوي وحده كان يمثل قانون المطبوعات ويهيمن بنفسه على شئون الصحافة فقد طلب الخواجة "بيرينيه" أن يسمح له بإصدار جريدة لنشر وإذاعة أخبار المسارح والقهوات على ألا تتدخل في السياسة مطلقًا بيد أن "المعية رفضت التصريح بذلك"١ ولم يكن في وسع أي سلطة حكومية حتى ناظر الخارجية أن تشير برأي في منح الترخيص دون الرجوع إلى الخديوي، يدلنا على ذلك وثيقة تقول بعد الموافقة على طلب المسيو الكسندر بانوتسي بإصدار جريدة تبحث في الأدب والتمثيل، "بالنظر لتغيب الجناب العالي الخديوي"٢، ولم تكن العلاقة معقدة هكذا بين الحكومة المصرية والصحافة الوطنية، فكان المواطنون من أصحاب الصحف المصرية العربية يتقدمون إلى مكتب الصحافة دون وساطة أو شفاعة يطلبون الترخيص لهم بإصدار صحفهم ويسمون طلبهم هذا "العرضحال"٣ ولا بد أن يمر الطلب في إجراءات مماثلة لما يجري مع أصحاب الصحف من الأجانب، بمعنى أن الخديوي وحده كان صاحب السلطان في إجازة الترخيص أو رفضه.
стр. 314
الفصل الثاني: محاولة لقوانين متحضرة
وقد استمر الحال على ما ذكرنا إلى أن تقررت المسئولية الوزارية وكف الخديوي إسماعيل يده عن التدخل في الشئون السياسية، وأخذت الحكومة الشريفية في تنظيم شئون الصحافة فجعلت المطبوعات الفرنجية والعربية في إدارة واحدة١، وحدد هذه الشئون قانون المطبوعات المصري الصادر في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ مشتملًا على ثلاثة وعشرين مادة نشرتها الوقائع في ٢٩ نوفمبر سنة ١٨٨١ تضمنت المواد من الأولى إلى العاشرة شروط فتح مطبعة وضرورة الحصول على ترخيص بذلك مقابل دفع تأمين نقدي وفرضت على صاحب المطبعة عند قيامه بطبع أي صحيفة أن يخطر إدارة المطبوعات بنظارة الداخلية كتابة بعزمة على ذلك، ثم حددت أنواع المطبوعات التي ينسحب عليها القانون فذكرت أنها جميع المطبوعات أيا كان نوعها ومهما تكن الطريقة التي استعملت في طبعها، ولم ينس القانون أن يواجه الجزاء الذي يترتب على مخالفة أحكام هذه المواد، فذكر أنه الغرامة أو القفل المصادرة على حسب الأحوال، وفي المواد من "١١" إلى "١٦" ينتقل القانون إلى الجرائد والرسائل الدورية فينص على ضرورة الإذن بها من الحكومة قبل إصدارها كما ينص على أن هذا الإذن شخصي ويجب تجديده كلما تغير امتياز صاحب الجريدة أو النشرة أو رئيس تحريرها أو مديرها كما فرض دفع تأمين نقدي يتفاوت مقداره تبعًا لعدد مرات صدور الجريدة أو الرسالة في الأسبوع، وأثبت حق الحكومة في تعطيل أو مصادرة أو قفل أي جريدة أو رسالة دورية بأمر من ناظر الداخلية بعد إنذار وبقرار من مجلس النظار بدون إنذار، وذلك بغية المحافظة على النظام العام أو الآداب أو الدين،
стр. 315
كما أجاز الجمع بين التعطيل وبين توقيع غرامة تتراوح بين خمسة وعشرة جنيهات.
وواجه القانون الجزاء الذي يحيق بكل من يخالف قرار التعطيل أو يتحايل على صدور الجريدة أو الرسالة سواء كان ذلك تحت اسمها الأصيل أو تحت أي عنوان آخر فنص في هذه الحالة على عقاب كل من محررها وصاحب امتيازها وصاحب المطبعة بغرامة من خمسة إلى عشرين جنيهًا عن كل عدد أو صحيفة تصدر منها فضلًا عما يناله صاحب المطبعة من إلغاء رخصته وإغلاق مطبعته، وتنصب المواد الأخيرة من القانون على المطبوعات والصحف التي تصدر في خارج القطر المصري فأعطت لناظر الداخلية حق منه دخول ما يراه منها وقررت غرامة لكل من يدخل أو يوجد في حيازته مطبوع جرى عليه قرار المنع، كما واجهت بعض هذه المواد مسألة لصق المطبوعات ونشرها في الميادين والشوارع وقررت منها متى كانت تنطوي هذه المطبوعات على أخبار سياسية وقررت غرامة لكل من يرتكب هذا الفعل مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية التي قد تنجم عن هذا العمل.
وكذلك فرضت المادة التاسعة عشر أصولًا للتوزيع فنصت على ضرورة الحصول على ترخيص يعطي بالمجان لكل من يوزع كتابًا أو صحيفة أو رسالة أو نقوشًا، ويعنينا من المود الباقية المادة الثانية والعشرون التي ألغت بهذا القانون كل قانون أو لائحة أو أمر أو منشور مخالف له، ويعتبر هذا القانون صدى للقانون الفرنسي الصادر في سنة "١٨٥٤"١ والمتأمل في نصوصه -عكس ما احتوى عليه قانون المطبوعات الفرنسي الصادر في سنة ١٨٨١ - يدرك مبلغ ما فيها من تزمت وتضييق وخاصة؛ لأنها أجازت للسلطة الإدارية الحق في تعطيل الصحيفة على الوجه المبين في المادة الثالثة عشر وذلك كلما كان هذا التعطيل متعلقًا بمصلحة النظام العام أو الدين أو الآداب، وهو سلاح خطر
стр. 316
يستطيع الحاكم أن يجهز به على حياة الصحف في كل حين، ولن تعوزه حجة في دفع غاشية تتهدد النظام العام أو الآداب كلما تحركت به شهوة العنت والانتقام.
وقد سجلت أحكام محكمة الاستئناف المختلطة في هذه الفترة التي أعقبت إصدار قانون المطبوعات المصري مبادئ قانونية نبهت الحكومة إلى التخفيف من ضغط نصوص هذا القانون ونزعت بها إلى التقليل من استعمال ما أجازته لنفسها من حق التعطيل الإداري، ويعتبر هذا الدور الذي لعبه القضاء المختلط تتميمًا للتشريع ومصدرًا من مصادر القانون١، إذ إن القانون ليس مراسيم تصدر بل هو مجموعة من التشريع ثم من الأحكام العليا التي ترتبت عليه، يعود إليها القضاة كلما أعوزهم تفسير أو تعليل، وقد ترتب على ما ذكرنا أن أصدر ناظر الداخلية قرارًا بتاريخ ١٩ ديسمبر سنة "١٨٨١"٢ فسر به بعض نصوص قانون ٢٦ نوفمبر ١٨٨١، يعنينا منه أنه أعفى صاحب المطبعة من إخطار نظارة الداخلية بعزمه على طبع الجريدة أو الرسالة كلما كان معياد صدور هذه الجريدة أو الرسالة أقل من شهر اكتفاء بالترخيص للصحيفة أو الرسالة في هذه الحالة.
ثم أصدرت إدارة المطبوعات في ١٧ يناير سنة ١٨٨٣ منشورًا قررت فيه جواز استبدال الضمان النقدي بكفالة شخصية في حالات معينة٣ وهذا قرار يمثل تطورًا ذا أثر فعال في زيادة النشاط الصحفي؛ لأنه يعالج عقبة كبيرة في طريق الكثيرين ممن تتوافر فيها الكفاية ويعوزهم المال، وفي ١٣ نوفمبر ١٨٨٣ صدر قانون العقوبات الأهلي وقد خص الشارع جرائم النشر بباب خاص هو الباب الرابع عشر من الكتاب الثاني وحدد فيه عقوبات الصحفيين،
стр. 317
ثم عدل قانون العقوبات في ١٤ فبراير سنة ١٩٠٤ لسد النقص الخاص بالصحف، وقد ظل قانون المطبوعات المصري الأول الصادر في ١٨٨١ معمولًا به وإن أهمل تطبيقه أحيانًا إلى أن فرضت الظروف على المسئولين العودة إلى قانون المطبوعات وتطبيقه على الصحافة المصرية، وقد أعيد العمل بهذا القانون في ٢٥ مارس سنة ١٩٠٩ نتيجة للإفلاس السياسي البريطاني في حياة المصريين، وقد طبق على الصحف الحديثة وحدها، فألزم الصحفيين الجدد بالحصول على الترخيص الذي قد يمنح وقد يمنع، أما الصحف القديمة التي كانت قائمة في ذلك الوقت فقد أعفيت من وجوب طلب ترخيص جديد واعتبر أن مطابعها قد دفعت التأمين الذي نص عليه القانون.
وقد عدلت المادة الثالثة عشر من قانون المطبوعات وكان ينبغي أن يعرض هذا التعديل على مجلس شورى القوانين كما تقضي بذلك المادة الثامنة عشر من القانون النظامي، كما أن عودة القانون بقرار من مجلس النظار باطل من الناحية الدستورية؛ لأن قانون العقوبات الأهلي الصادر في سنة ١٨٨٣ قد أفرد بابًا خاصًّا لجرائم الصحافة، ومن القواعد المعلومة في التشريع أن كل قانون يصدر مخالفًا لقانون سبقه يجب ما يخالفه من النصوص ولو لم ينص على إلغاء هذه النصوص، ومع ذلك نصت المادة الخامسة والعشرون من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية على هذا المعنى، ثم عدل قانون العقوبات في سنة ١٩٠٤ لسد النقص في جرائم النشر، ومعنى هذا كله أن قانون العقوبات الصادر في سنة ١٨٨٣ والمعدل في سنة ١٩٠٤ قد جبا قانون المطبوعات الصادر في سنة ١٨٨١، ولا يملك مجلس النظار العودة إليه بقرار منه؛ لأن قرار المجلس أضعف قوة من أي قانون.
ثم عقبت الحكومة على العودة إلى قانون المطبوعات بسن قانون جديد يقضي بإحالة تهم الصحافة إلى محاكم الجنايات وهو القانون رقم ٢٧ الصادر في ١٦ يونيه سنة ١٩١١ وكانت من قبل تجري محاكمتها أمام محكمة الجنح١
стр. 318
وقد دعاها إلى إجراء هذا التعديل أنها رأت الصحافة تحاكم على درجتين ابتدائية واستئنافية وفي ذلك فرصتان للصحافة والصحفيين فضلًا عن أن أحكام محاكم الجنح في جرائم النشر كانت إذ ذاك هينة لا ترضي رغبات السلطات التي عادت بالصحف إلى قانون المطبوعات القديم، فرأت إحالة هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات إرهابًا للصحف وحرمانًا لها من درجتي التقاضي حسب النظام السابق، ثم عدل قانون العقوبات تعديلًا آخر في نفس السنة١، وهو خاص بالاتفاقات الجنائية وهو يتصل بالصحافة من حيث منع نشر المرافعات في القضايا الجناية إذ اعتبر نشرها مضرًا بالأمن العام، ثم قرر الشارع المسئولية الجنائية على مديري الصحف ولو لم يتوافر فيهم القصد الجنائي، كما أضيف نص يعاقب على التهديد بالكتابة أو القول ولو لم يكن التهديد مقرونًا بطلب ما، بعد أن كان التشريع القديم لا يعاقب إلا إذا قرن التهديد بسلب المال.
وتتابعت الأحداث السياسية على البلاد بعد الحرب العظمى إلى أن انتهت بإعلان تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ الذي قرر انتهاء الحماية البريطانية واعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وتبع ذلك صدور الأمر الملكي رقم ٤٢ لسنة ١٩٢٣ بوضع نظام دستوري للدولة المصرية قرر في المادة الخامسة عشر من الباب الثاني الذي ينص على حقوق المصريين وواجباتهم أن الصحافة حرة في حدود القانون والرقابة على الصحف محظورة وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور كذلك إلا إذا كان ذلك ضروريًّا للنظام الاجتماعي، وواضح أن هذا النص يقرر حرية الصحافة وهي أهم مظهر من مظاهر حرية الرأي التي كفلها الدستور، وهذه الحقوق تتقرر للصحافة المصرية للمرة الأولى، فلم يعترف لها تشريع سابق من التشريعات التي مرت بنا بحق الحرية أو الحماية ضد عسف الحكام ونزواتهم، بيد أن المشرع ما عتم أن استطرد في نهاية النص فأجاز الرقابة والإنذار والوقف
стр. 319
والإلغاء بالطريق الإداري إذا كان ضروريًّا لوقاية النظام الاجتماعي، فكأن المشرع سلب باليسار ما أعطاه للصحافة باليمين.
وقد حاول أحمد ذو الفقار باشا وزير الحقانية وقتئذ أن يبرر الشطر الثاني من هذه المادة وهو يحدثنا عن مذكراته الخاصة بالدستور ففسر حماية النظام الاجتماعي بالبلشفية مثلًا، ونرى أنه كان في قانون العقوبات غنية عن هذا التذييل الذي زعزع المبادئ التي اشتمل عليها النص ورد الصحافة مرة أخرى إلى عهد السيطرة الفردية مما لا يجمل بعهد يجب أن يقف فيه الدستور حائلًا دون كل بطش أو إرهاب، والواقع أن هذا التذييل لم يكن من صنع لجنة الثلاثين التي وضعت نصوص الدستور، فقد جاء نص المادة الخامسة عشر كما صاغته هذه اللجنة خلوًا من كل قيد أو استثناء لمبدأ عدم جواز تعطيل أو وقف أو إلغاء الصحف بل تقرر هذا المبدأ للصحف بصفة مطلقة وغير معلق على شرط، ولكن أبت التعديلات التي أدخلت على مشروع لجنة الثلاثين إلا أن تتناول فيما تناولته هذا النص فاقتحمته بهذا التعقيب الذي نسخ مفعول النص ولواه عن قصده.
وقد يكون من واجب الحكومة المصرية تدبير الحماية الكافية للمباعدة بين المجتمع وبين الاتجاهات البلشفية أو غيرها، بيد أن وسيلة ذلك لا تكون في تمكين الحاكم من رقاب الصحف وإلا كان ذلك قتلًا لحرية الرأي وخنقًا لنشاط الفكر والقول، ولا ينبغي أن ننسى أن المشرع قد كفل للحكومة حقوقها جميعًا في قانون العقوبات بما يحمي النظام العام والكيان الاجتماعي، ويدرأ عن الدولة أخطار المذاهب التي تخافها الحكومة المصرية، وهنا يكون المهيمن على تطبيق الجزاء ضمير القاضي وهو على أية حال أمنع على الهوى من ضمير الحاكم، ومما تجدر ملاحظته أن جميع الدساتير الأوربية الحرة التي أخذ عنها الدستور المصري قد تجردت من هذا الاستثناء الذي تعلق به مشرعنا، ففي أوربا الديمقراطية تكتب الصحف ما تريد وتنشره ما يروقها من المبادئ والدعايات، ولا تستطيع يد الحكومة أن تبطش بها إلا إذا ساقتها
стр. 320
إلى ساحات المحاكم وثبت عليها خروجها على القانون والحدود المرسومة له، وما ذلك كله إلا مبالغة في حماية حرية الصحافة وعصمة لحرية الفكر من نزوات البطش والطغيان.
وقد صاحب صدور الدستور مشروع قانون المطبوعات الذي ظل مشروعًا من سنة ١٩٢٣ إلى سنة ١٩٣١ وقضى هذا المشروع بأن يكون صدور الصحيفة خاضعًا لمبدأ الإخطار، وكان هذا الإخطار مقيدًا بفترة ثلاثين يومًا إذا انتهت دون معارضة من الحكومة ملك صاحب الإخطار إصدار الصحيفة دون إذن بذلك، وإذا عارضت الحكومة في صدور الصحيفة خلال الثلاثين يومًا التالية ليوم تقديم الإخطار رجع صاحب الإخطار إلى المحاكم يقاضي الحكومة ولو بالتعويض على الأقل، وفرض هذا المشروع شروطًا في رئيس التحرير ورؤساء أقسام التحرير في الصحافة العربية تتصل بكفايتهم العلمية وتجاربهم الصحفية وسنهم وألا تكون قد صدرت ضدهم أحكام مخلة بالشرف أو بالإفلاس أو بالفصل الإداري من وظيفة عامة أو الشطب من جداول المهن الحرة كما نص مشروع القانون على ضمانة مالية للجرائد اليومية تختلف بعض الشيء عن المجلات.
وبقي هذا المشروع معطلًا حتى جاء دستور ٢٣ أكتوبر سنة ١٩٣٠ فأثبت من جديد نص المادة الخامسة عشرة في دستور سنة ١٩٢٣ بحذافيرها وما انطوت عليه من التذييل المعيب الذي أسلفنا ذكره، غير أنه لما كان روح الدستور يرمي إلى الضغط على الحريات العامة التي تقررت في دستور ١٩٣٢ فقد لجأت الحكومة -برغم احتفاظ الدستور الجديد بنفس النص- إلى تعديل نصوص الباب الرابع عشر في قانون العقوبات الصادر في سنة ١٩٠٤ وهو الباب الذي تناول العقاب على الجنح التي تقع بواسطة الصحف وغيرها من طرق النشر، وكذلك الباب السابع من الكتاب الثالث من القانون المذكور بشأن القذف والسب، وصدر بهذا التعديل مرسوم بقانون في ١٨ يونيه ١٩٣١ وقد عدل المشرع نصوص المواد من "١٤٨" إلى "١٦٨" كما أضاف إليها