← История

История · id 11754

تطور الصحافة المصرية 1798 - 1981

إبراهيم عبده

Полный текст (366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أن أسلوب رقابة الشعب على ملكية الصحف وتمويلها عن طريق الجهاز المركزي للمحاسبات، وما يتخذ في شأن المخالفات التي تكشفها هذه التقارير إذا لم تتصد لها الجمعيات العمومية. وفي وسط هذا الخليط يجري نص المادة ٢٨ من مشروع القانون على نحو ما يلي: "تعتبر المؤسسة الصحفية القومية شركة من شركات القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بأحوالها وأحوال مسئولية مديريها والعاملين فيها المنصوص عليها في قانون العقوبات وفيما يتعلق بمزاولة التصدير والاستيراد والوكالات التجارية فتطبق عليها الأحكام المقررة قانونًا". وقبل أن ننتقل إلى تحليل هذه الأوضاع وما انتهى إليه الأمر في صورة القانون الجديد، أشير إلى مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لم يتعرض لها المشروع وهو نوع ملكية العاملين بالمؤسسة الصحفية: هل كل واحد منهم يمتلك حصة في صافي أصول المؤسسة، وعلى أي أساس؟ هل يقتسمون هذه الأصول بالتساوي قسمة غرماء " Micro" أو حسب مدة خدمة العامل بالمؤسسة؟ وما مصير هذه الحصة محسوبة على أية صورة كانت، في حالة وفاة العامل أو خروجه من الخدمة لأي سبب من الأسباب؟ وما هو موقف العمال الجدد الذين يلتحقون لأول مرة بالمؤسسة سواء أكان ذلك نقلًا من مؤسسة صحفية أخرى أم من مؤسسة غير صحفية، أم تعيينًا لأول مرة؟ إن ترك النص على ما هو عليه في مشروع القانون يعني بما لا يدع مجالًا لريب أنه قصد تمليك كل مؤسسة صحفية لمجموعة العاملين فيها وقت صدوره وتظل لهم هذه الملكية إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأخطر من هذا أنها يمكن أن تورث عنهم لمن بعدهم، وما موقف ملكية العاملين في المؤسسات الصحفية في ظل قانون التنظيم رقم ١٥٦ لسنة ١٩٦٠ - وهي تعطيهم نفس

стр. 247

الحقوق التي نص مشروع القانون عليها -وتركوا العمل بالمؤسسة؟ هذه كلها تساؤلات جد خطيرة لم يحسمها مشروع القانون. من الواضح أن ملكية المؤسسة الصحفية هي لمجلس الشورى ولروكية العاملين فيها إن جاز اقتباس هذا التعبير من القانون التجاري، والإدارة في المؤسسة عن طريق رسم خطوطها العريضة بما في ذلك من آثار عميقة في حياة المؤسسة، هي لمجلس الصحافة الأعلى، فهو يضع القواعد المنظمة للأجور، ويحدد أسعار ومساحات الإعلانات، ويحدد أسعار الصحف والمجلات، ويحدد حصة الورق اللازمة لكل مؤسسة، فماذا بقي لمجلس الإدارة وللمديرين من تحته يمارسون فيه سلطاتهم بعد أن أصبحت محدودة بحدود وضعها لهم مجلس الصحافة الأعلى الذي ليس مالكًا أصلًا ولا يمثل المالك لا قانونًا ولا واقعًا طبقًا لأحكام مشروع القانون. وثمة مجال آخر لاضطراب الطبيعة القانونية لمؤسسات الصحافة كما جاءت في مشروع القانون، فالمؤسسة الصحفية باعتبارها الوحدة الاقتصادية على المستوى الوحدي، هي بنص القانون شركة من أشخاص القانون الخاص، والمجلس الأعلى للصحافة هيئة من أشخاص القانون العام بنص القانون كما رأينا ومجلس الشورى مؤسسة اختلف مجلس الشعب على طبيعته القانونية، ففي إحدى الجلسات ذكر وزير العدل أن مجلس الشورى في رأيه هيئة نيابية، وذكر رئيس مجلس الشعب أن مجلس الشورى لا يمكن أن يكون كذلك. الواقع من الأمر أن مشروع القانون الخاص بتنظيم الصحافة لم يعالج السلبيات التي ظهرت من التجربة التي مرت بها الصحافة المصرية في العقدين الأخيرين، فلم يحدد طبيعة الملكية بل تركها مائعة بما يفضي إليه ذلك من اضطراب في الهيكل التنظيمي والأنظمة والأساليب الإدارية بل وحياتها كلها على نحو قد يكون أكثر غورًا مما وقع للصحافة المصرية كمؤسسة في ظل ملكية الاتحاد الاشتراكي العربي، ولم يحدد القانون الأسس التي تقوم عليها علاقة المؤسسة الصحفية لا بالغير ولا بالعاملين كما أنه لم يحدد علاقات الهيئات

стр. 248

الصحفية بعضها بالبعض تحديدًا قاطعًا مانعًا على حد قول الفقهاء، والرقابة الاقتصادية والإدارية تاهت في خضم "الشيوع" وهو أخطر ما تمنى به مؤسسة ضخمة كالصحافة المصرية التي أصبحت وتصبح استثماراتها ورقم أعمالها مئات الألوف من ملايين الجنيهات. سلطة قانون الصحافة: وأخيرًا صدر قانون سلطة الصحافة في ١٤ يوليو ١٩٨٠ على أن يسري بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره. إن هذا القانون لا يقل في أهميته عن قانون تنظيم الصحافة الذي زالت بمقتضاه ملكية المنشآت الصحفية الكبيرة في مصر عن أصحابها وآلت للاتحاد القومي على النحو الموضح في البحث الثاني، وبمقتضى هذا القانون الجديد آلت ملكية الصحف المسماة "بالقومية" من بعد الاتحاد الاشتراكي العربي إلى الدولة، وذلك طبقًا للفقرة الثانية من المادة "٢٢" ويجري نصها: "وتعتبر المؤسسات الصحفية القومية والصحف القومية مملوكة ملكية خاصة للدولة ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى" وترتيبًا على ذلك تكون حصة العاملين في ملكة هذه المؤسسات وقدرها ٤٩% قد زالت عنهم وآلت إلى الدولة لتصبح المالك الوحيد لهذه المؤسسات، وهذا يخالف تمامًا ما جاء في مشروع قانون لجنة تقنين الصحافة الذي كانت قد عقدت لمجلس الشورى ولمجموع العاملين في كل مؤسسة على النحو السابق شرحه. وثمة مسألتان يتعين الإشارة إليهما: الأولى أن قانون سلطة الصحافة تفادي أسلوب النعامة الذي اتبعه المشرع في سنة ١٩٦٠ عندما أطلق عبارة تنظيم الصحافة بدلًا من تأميم الصحافة على القانون الملغي، والمسألة الثانية أن حصة العاملين في ملكية المؤسسات الصحفية كانت قد آلت إليهم بموجب

стр. 249

تنازل من المالك، وهو الاتحاد الاشتراكي العربي، بإرادته المنفردة وذلك بموجب قرار إنشاء مجلس الصحافة الأعلى١. ولكنها زالت عنهم بموجب القانون الجديد، والموقف القانوني في هذه المسألة غير واضح، فهل يجوز للمتبرع أن يسترد ما تبرع به؟. والواقع من الأمر أن هناك فرقًا بين القانونين في هذه الجزئية، ذلك أن المشرع في سنة ١٩٦٠ قد قرر تعويض مالكي الصحف السابقين عن ملكيتهم الزائلة ووضع قواعد تقرير هذا التعويض، والمشرع في سنة ١٩٨٠ نقل الملكية إلى الدولة دون إشارة إلى طبيعته: هل هو تأميم أو نزع ملكية أو مصادرة، فإذا كان أحد النوعين الأولين فلا بد من أن يشير القانون إلى طريقة التعويض، وسكوت القانون على ذلك يعني أنه قصد إلى المصادرة، وهو أمر كان يتعين على المشرع أن يفصح عنه صراحة، وقد ينصرف الذهن إلى أن المشرع قصد النوعين الأولين وأنه لم يشر إلى تعويض؛ نظرًا لأنه يعتقد أن ضررًا لم يقع على العاملين بالمؤسسات الصحفية؛ لأن ملكيتهم ليست لشخص محدد ولكنها لمجموعة العاملين، أو لروكية العاملين وأن نقل الملكية حصتهم إلى الدولة لم يلحق بهم ضررًا وبخاصة أن المشرع قد خصص للعاملين في كل مؤسسة صحفية قومية نصف أرباحها والنصف الآخر لمشروعات التوسع والتجديدات، وهو الوضع الذي كان قائمًا ومعمولًا به منذ صدور قانون التنظيم في سنة ١٩٦٠. ويبدو أن المشرع اتجه إلى نقل ملكية المؤسسات الصحفية القومية إلى الدولة، على خلاف ما جاء في مشروع قانون تقنين الصحافة، تفاديًا للصعوبات الفنية التي قابلته في تصور الطبيعة القانونية والاجتماعية للشركة القائمة بين العاملين في المؤسسة الصحفية وبين مجلس الشورى كما جاء في مشروع

стр. 250

قانون تقنين الصحافة، وفي تصور البنيان التنظيمي لهذه الشركة، وما يترتب على ذلك من تعقيدات إدارية واقتصادية كشف عنها ما جاء في مشروع قانون التقنين في شأن سلطة اتخاذ القرار النهائي ولمن تكون، وترتيبًا على ذلك انتهى المشرع إلى أن تفادي كل ذلك لا يكون إلا بجعل الصحافة القومية ملكًا خاصًّا للدولة وبذلك تكون الصحافة قد تحولت إلى مرفق من مرافقها. لقد قصر القانون الجديد ملكية الصحف على الأحزاب السياسية، والأشخاص الاعتبارية العامة والأشخاص الاعتبارية الخاصة، بهذا يكون المشرع قد حظر ملكية الصحافة على الأشخاص الطبيعيين، وتأكيدًا لهذا المعنى قضى القانون بأن يستمر الصحف القائمة حاليًا والتي صدرت رخصتها لأشخاص طبيعيين مملوكة لهم حتى وفاتهم، ثم فرق القانون فيما يتعلق بشكل الملكية بين الأشخاص الاعتبارية العامة وبين الأشخاص الاعتبارية الخاصة، فحتم في الثانية أن تأخذ المنشأة الصحفية شكل التعاونيات أو الشركة المساهمة وذلك فيما عدا الأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات. ولكنه وضع قيودًا عديدة على الشركة المساهمة، فاشترط أن تكون أسهمها اسمية مملوكة للمصريين وحدهم، وعلى ألا تزيد ملكية الشخص وأفراد أسرته في رأسمال الشركة عن خمسمائة جنيه، وعرف الأسرة بأنها الزوج والزوجة والأولاد القصر، وثم قيد آخر هو ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن مائتين وخمسين ألف جنيه في حالة الصحيفة اليومية ومائة ألف جنيه في حالة الصحيفة الأسبوعية، وفي الحالتين يتعين أن يودع المبالغ بالكامل في أحد البنوك المصرية قبل صدور الصحيفة. ومما تجدر ملاحظته أنه لا تسري على التعاونيات، دون الشركات، والقيود الخاصة بقيمة الحد الأدنى لرأس المال المدفوع، ونصاب الفرد وعائلته؛ لأن صياغة المادة ١٩ تنصرف في هذا المجال إلى الشركة دون التعاونيات ومن ثم فمن المستطاع الالتجاء إليها لتفادي بعض القيود التي قصدها المشرع

стр. 251

وذلك في الحدود وبالأوضاع التي يقضي بها قانون التعاونيات١. ومع هذا، فالواقع أن الحدود الدنيا لرأس المال التي وضعها المشرع اعتقادًا منه بأنها قد تكون عاملًا يضمن الجدية لا تحقق الغرض المستهدف؛ لأن الاستثمارات الصحفية الجادة المؤثرة تقدر ابتداء بالملايين ولا تكفي فيها مئات الألوف من الجنيهات. والصحف القومية وقد عرفها القانون بأنها تلك التي كان يمتلكها الاتحاد الاشتراكي بعد أن أضاف إليها القانون الجديد وكالة أنباء الشرق الأوسط والشركة القومية للتوزيع، ومجلة أكتوبر، أفرد لها المشرع الباب الثالث، وإضافة مجلة أكتوبر فيها شيء من التزيد؛ لأنها تصدر عن مؤسسة صحفية كانت مملوكة للاتحاد الاشتراكي هي دار المعارف، أما إضافة وكالة أنباء الشرق الأوسط والشركة القومية للتوزيع، فأمر يضيف تعقيدات جديدة نتيجة لتحول وضعها القانوني إلى الوضع الجديد وما سوف يترتب عليه من أعباء مالية على ميزانية الدولة دون مقتضى، ويبدو أن إضافة الشركة الأخيرة إلى قائمة المؤسسات الصحفية جاء نتيجة لاعتبارات غير موضوعية. وإذا كان المشرع قد ألغى حصة العاملين في ملكية المؤسسات الصحفية، فإنه قد أبقى على حصتهم في الأرباح كما جاءت في قانون سنة ١٩٦٠ وفي مشروع تقنين الصحافة بموجب المادة ٢٤ التي خصصت نصف أرباح المؤسسات الصحفية القومية للعاملين بها والنصف الآخر لمشروعات التوسع والتجديدات وغيرها، وترك لمجلس الصحافة الأعلى وضع القواعد المنظمة لإدارة هذه المؤسسات، بإعداد ميزانياتها السنوية وكيفية توزيع الأرباح. أفرد القانون الفصلين الثاني والثالث من الباب الثالث لإدارة المؤسسة الصحفية القومية، فأنشأ لكل مؤسسة مجلس إدارة يتكون من أربعة عشر

стр. 252

عضوًا بجانب الرئيس الذي يختاره مجلس الشورى مع ثمانية أعضاء يشترط أن يكون أربعة منهم على الأقل من ذات المؤسسة دون اشتراط مدة بذاتها يكون قد قضاها العضو في ذات المؤسسة على النحو الذي جاء به في حالة عضو الجمعية العمومية في مشروع قانون التقنين، والستة الباقون ينتخبهم العاملون بالمؤسسة على أساس أن يمثل اثنان كل فئة من فئات العاملين الثلاث: الصحفيين، والإداريين، والعمال .. وتكون مدة عضوية المجلس أربع سنوات قابلة للتجديد، وتكون العضوية مقصورة على مجلس إدارة واحد. ولأول مرة في تاريخ الصحافة المصرية يظهر مجلس التحرير كهيئة يحتم القانون وجودها بصورة رسمية، ذلك أن بعض المؤسسات الصحفية كانت قد أدخلت هذا النظام طواعية١، وجاء قانون سلطة الصحافة فقضى أن يكون لكل صحيفة من الصحف التي تصدرها المؤسسات الصحفية القومية مجلس تحرير مكون من خمسة أعضاء على الأقل يختار مجلس الإدارة أربعة يكون من بينهم من يلي رئيس التحرير في مسئولية العمل الصحفي، ويختار مجلس الشورى رئيس التحرير في مسئولية العمل الصحفي، ويختار مجلس الشورى رئيس التحرير الذي يتولى أيضًا رئاسة هذا المجلس، وعضوية هذا المجلس ثلاثة سنوات قابلة للتجديد. ويتولى هذا المجلس وضع السياسة العامة للتحرير ويتابع تنفيذها وذلك في إطار السياسة العامة التي يضعها مجلس إدارة المؤسسة، ويكون التنفيذ من اختصاص رئيس التحرير ومعاونيه، وتتعدد مجالس التحرير، في المؤسسة الواحدة، بتعدد الصحف التي تصدر عنها وفد يقضي هذا الوضع إلى غيبة التنسيق بين سياسات تحرير صحف المؤسسة في حالة اختيار رئيس مجلس الإدارة من غير رجال التحرير وهو الأمر الذي يبدو أن الاتجاه إليه على نحو ما سنفصله فيما بعد. ولكل مؤسسة صحفية جمعية عمومية، تشكل من خمسة وثلاثين عضوًا،

стр. 253

تنتخب كل فئة من فئات العاملين بالمؤسسة "العمال والإداريين والصحفيين" خمسة ممن تكون لهم خبرة في أعمال الصحافة لمدة خمس سنوات على الأقل، والمدة على هذا الوضع، لا يشترط أن تكون في المؤسسة نفسها ولا يشترط أن تكون متصلة، والعشرون الباقون يختارهم مجلس الشورى "من الكتاب أو المهتمين بشئون الفكر والثقافة والصحافة والإعلام" وأول ما يلاحظ على صياغة هذه العبارة أنها تفسر بأن المشرع جعل الخيار بين الفريقين الأول ويضم الكتاب والثاني ويضم المهتمين بشئون الفكر والثقافة والصحافة والإعلام مع أن نية المشرع لا يمكن أن تكون قد انصرفت إلى هذا الخيار، بل إلى اختيار العشرين من الكتاب والمهتمين بشئون الفكر والثقافة والصحافة والإعلام وثمة ما يقال في هذا الصدد، ألا يندرج الكتاب تحت المهتمين بشئون الفكر وألا تندرج الصحافة تحت الإعلام. وواضح من المادة "٣٠" التي عددت اختصاصات الجمعية العمومية على سبيل الحصر؛ أنها لا تختص بشئون التحرير. أما اختصاص مجلس الإدارة بالسياسة التحريرية، فأمر يظهر من المادة "٣٤" التي يجري نصها: "يضع مجلس التحرير السياسة العامة للتحرير ويتابع تنفيذها وذلك في إطار السياسة العامة التي يضعها مجلس إدارة المؤسسة، ويكون تنفيذ تلك السياسة من اختصاص رئيس التحرير ومعاونيه". والسياسة العامة تتضمن، فيما تتضمنه، والسياسة التحريرية، فالعصر الذي كان يستقل فيه صانع القرار التحريري عن صانع القرار الإداري قد انقضى، وأصبح من الضروري إذا أريد النجاح للمنشأة الصحفية، أن يدرك المحرر المشاكل الأساسية لكافة نواحي الإدارة الصحفية، فهو لا بد من أن يدرك مثلًا إدراكًا تامًا علاقة الإعلانات بالإدارات الأخرى، كما يدرك مشاكل النواحي الطباعية، والنواحي التوزيعية، ولم يعد من الممكن، وقد بلغت صناعة الصحافة هذه الدرجة من التقدم والتعقيد، آن يعمل المحرر بعيدًا عن الإدارة وأن يعمل رجل الإدارة بعيدًا عن التحرير، فقرار رئيس التحرير

стр. 254

يؤثر، ولا ريب، في كافة نواحي المؤسسة ومن ثم فيجب عليه أن يعي تمامًا ما يدور في الإدارات الأخرى، والإدارة الصحفية يجب أن تلم كذلك إلمامًا كبيرًا بما يدور في الإدارة التحريرية، ولا أحد ينكر مدى تأثر التحرير بالقرارات التي تصدرها الإدارة الصحفية تأثرًا بالغًا وبخاصة في عصر أصبح فيه جميع العاملين بالمؤسسات الصحفية القومية إجراء بعد أن زال العهد الذي كان فيه رجال التحرير هم الملاك وهو وضع كان يخول لهم حق إصدار القرار. لم يعالج المشرع في وضوح مسألتين: الأولى تتعلق بوظيفة رئيس مجلس الإدارة والثانية تخص وظيفة العضو المنتدب من ناحية علاقة كل منهما بالمؤسسة ومن ناحية علاقة شاغل كل منهما بالآخر، فكل ما جاء في القانون في شأن مجلس الإدارة ورد بالمادة الواحدة والثلاثين وهي تتناول طريقة أعضاء المجلس ورئيسه فقضت في الفقرة الأولى أن اختياره يتم، مع بعض الأعضاء، بواسطة مجلس الشورى. أما وظيفة عضو مجلس الإدارة المنتدب فلم يرد لها ذكر في القانون على الإطلاق كما لم يرد لها ذكر في اللائحة التنفيذية، والمشرع على هذا النحو لم يفصح عن نيته فيما يتعلق بنوعية مجلس الإدارة وباختصاصاته، وهذا أمر له أهميته وبخاصة في المؤسسات الصحفية، ذلك أن العادة قد جرت، كما ألمحنا من قبل، في العقدين الأخيرين على اختيار رؤساء مجالس إدارة تلك المؤسسات من رجال التحرير دون استثناء "فيما عدا تجربة الأهرام التي تمت في أوائل سنة ١٩٨٠ تأثرًا -على ما أعتقد- بما ناديت به١، وقد أفضى هذا الوضع في المؤسسات الصحفية القومية فيما عدا مؤسسة الأهرام لأسباب ترد إلى مركز رئيس مجلس إدارتها الأسبق، الذي اكتسبه لاعتبارات ذاتية بحتة

стр. 255

من علاقته برئيس الدولة الأسبق إلى قيام بعض المنازعات بين رئيس مجلس الإدارة وبين العضو المنتدب حول اختصاصات كل منهما وسلطاته. وساعد على نشوب هذه المنازعات تفاوت درجات كفاءة بعض رؤساء المجالس وكفاءة الأعضاء المنتدبين من الناحية الإدارية والتحريرية وفهم كل فريق منهم لمهام وظيفته ووظيفة الفريق الآخر، والواقع من الأمر أن وظيفة العضو المنتدب لم يعد لها محل بعد أن آلت ملكية هذه المؤسسات إلى الدولة كما لم يعد لها محل منذ أمد طويل في القطاع العام، وأصبحت طبيعة ملكية الدولة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، تأبى استمرار بقاء هذه الوظيفة. فعضو مجلس الإدارة المنتدب، كما يفهم من مدلولها، هو شخص ينتدبه مجلس الإدارة من بين أعضائه ليتولى إدارة المؤسسة نيابة عن المجلس ومن ثم يكون مسئولًا أمامه وهو أمر لم يحدث في تاريخ الصحافة المصرية خلال العقدين الأخيرين نتيجة لتغير ملكية هذه المؤسسات وانتقالها إلى الاتحاد الاشتراكي ثم إلى الدولة بعد ذلك بموجب القانون الجديد. وكان من أمر ذلك أن ادعى معظم الأعضاء المنتدبين أن سلطاتهم موازية لسلطات رؤساء مجالس الإدارة ولكن في المجالات المالية والإدارية، وإن دل هذا على شيء، فعلى أن القواعد الإدارية السليمة التي تقضي بأن تكون للمنشأة رأس واحدة مسئولة عنها قد غابت عن بعض الأعضاء المنتدبين وعن رجال الاتحاد الاشتراكي، ومن ثم صح على المؤسسة الصحفية المثل الإنجليزي القائل بأنها "تركب حصانين في آن واحد" مما ينتهي بها إلى التمزق. ومن مظاهر هذا الوضع الخلافات التي غالبًا ما ثارت بين بعض رؤساء مجالس الإدارة وبين بعض الأعضاء المنتدبين، والخلط الإداري الذي ساد كل المؤسسات الصحفية في العقدين الأخيرين، فواحدة كان لها مدير عام فقط وأخرى كان لها عضو منتدب فقط، وثالثة جمع واحد بين الوظيفتين، ورابعة تجمع المؤسسة الواحدة بين المدير العام والعضو المنتدب، وخامسة يجمع شخص واحد بين اختصاصات رئيس مجلس الإدارة واختصاصات العضو

стр. 256

المنتدب وهكذا فكان إذا برم رئيس المجلس بالعضو المنتدب وضاق به ذرعًا طلب إضافة اختصاصه إليه بصفته رئيس المجلس مع أن كفاءته لا تسعفه في مجال الإدارة والمال. ويبدو أن الاتجاه إلى اختيار رئيس مجلس الإدارة من غير رجال التحرير هو اتجاه مسيطر، واتباعه يؤدي حتمًا إلى ضرورة إلغاء منصب عضو مجلس الإدارة المنتدب، ولكن تبرز هنا مسألة مهمة وإن بدت في ظاهرها شكلية، ذلك أن إطلاق لقب رئيس مجلس الإدارة على منصب الشخص المسئول عن النواحي الإدارية والمالية هو من قبيل تحميل الألفاظ أكثر مما ينبغي أن تتحمل ويبدو أن لحقه "التضخم" كالأسعار وأدى ذلك إلى الهبوط بقيمته كما حدث للنقد تمامًا. إن في العودة إلى الأساليب السليمة التي تواكب الواقع والحقيقة، تجعل من المنصب شيئًا يتفق تمامًا مع مقتضياته العلمية ويؤدي إلى السير في طريق لا بد من أن تنتهي بالحل السليم، وفي بساطة إدارية تامة ينبغي ألا يتعدى جهاز الإدارة العليا في المؤسسة الصحفية: رئيس تحرير يعاونه مجلس التحرير، ومدير عام يعاونه مجلس المديرين ويتوج هؤلاء جميعًا مجلس الإدارة ترأسه شخصية أخرى لها وزن اجتماعي وسياسي أكبر، ويتوفر له صفات تتلاءم مع طبيعة عمله التي تختلف تمامًا عن طبيعة عمل رئيس التحرير وعمل المدير العام ولكن واضعي القانون قد جانبهم الصواب عندما لم يفيدوا من تجربة الصحافة المصرية في العقدين الأخيرين في هذه المجال، كما لم يفيدوا من تجارب الدولة الأخرى. وثمة مسألة أهميتها من أنه لم يسبق أن عالجها أي قانون من قوانين الصحافة ألا وهي سن التقاعد، فقد مرت مسألة التعاقد بأدوار مختلفة بعد أن ظلت المؤسسات الصحفية لمدة طويلة لا تتقيد بأي سن للتقاعد استمرارًا لما كان يجري عليه العمل فيها قبل قانون التنظيم، ثم تفاوتت السن فحددتها

стр. 257

لوائح بعض المؤسسات بخمسة وستين عامًا وحددها البعض الآخر بستين تماشيًا مع السن التي حددها قانون التأمينات الاجتماعية. وعلى الحالين لم تكن تطبق سن التقاعد على الصحفيين إلا في حالات نادرة وكانت تستخدم وسيلة من وسائل الثواب والعقاب، وكان التجديد يتم مرة بقرار من مجلس الإدارة، وتارة بقرار العضو المنتدب وتارة أخرى بقرار من رئيس المجلس، وترتيبًا على ذلك يكون المشرع قد حالفه الصواب عندما وضع قواعد سن التقاعد بموجب المادة ٢٨ ويجري نصها كالآتي: "يكون سن التقاعد بالنسبة للعاملين في المؤسسات الصحفية القومية من صحفيين وإداريين وعمال، ستين عامًا، ويجوز للمجلس الأعلى للصحافة بتوصية من مجلس إدارة المؤسسة مد السن سنة فسنة حتى سن الخامسة والستين، على أنه لا يجوز أن يبقى في منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية أو عضويته أو في منصب رؤساء تحرير الصحف القومية أو عضوية مجالس التحرير بها من بلغت سنة ستين عامًا". والواقع أنه لا يوجد ما يبرر معاملة رؤساء التحرير فيما يتعلق بسن التقاعد معاملة أقل من سواهم، فطبيعة منصب رئيس التحرير تقضي، على العكس من ذلك، إفساح المجال أمام الكفء منهم حتى سن السبعين لا سنة فسنة بل على دفعتين كل منهما خمس سنوات إن لم يكن دفعة واحدة قدرها عشر سنوات، وإن كان الأفضل عدم تحديد سن لتقاعده. فإذا كان من اليسير وجود كثرة من رجال الإدارة الصحفية على اختلاف مسمياتهم فمن العسير العثور على بديل لرئيس التحرير الكفء الذي يكون قد تم نضجه واكتسب خبرة وتجربة في معالجة الأمور وتستند إلى تاريخ طويل عريض حافل بكل أنواع الثقافة والمعرفة، ورؤساء التحرير يتطلب تكوينهم وقتًا قد يطول مع خلفية لا تتوفر للكثيرين، وإذا قيل: إن حظر التجديد بعد الستين لرئيس التحرير يجيء على المنصب، فهناك فرق بين مزاولة الكتابة فحسب وبين مزاولة وظائف رئيس التحرير الأخرى، وينصرف هذا القول

стр. 258

أيضًا إلى من يتجاوز الخامسة والستين من الكتاب، فشباب القلم وشيخوخته أمران لا يتواكبان بالضرورة مع العمر، فكم من شباب هرمت أقلامهم قبل الأوان ولحقتهم الشيخوخة المبكرة، وكم من شيوخ ما زالت أقلامهم في ريعان شبابها والأمثلة كثيرة ليس عن الصحافة المصرية فحسب بل من الصحافة العالمية أيضًا. إن هذه المادة سلاح ذو حدين إذا أحسن استخدامه، أفادت منه الصحافة الكثير وإلا لحقتها أضرار جمة، فالتجديد ينبغي أن يكون بمعايير انتقائية يجب أن يتنبه إليها مجلس الصحافة الأعلى، ومن هذا المنطلق يتعين التحرر في الالتجاء إلى فكرة المستشارين، وإلا فسوف تصبح المؤسسات الصحفية القومية لا تعرف من يكون مستشارًا لمن. ونختم البحث بمجلس الصحافة الأعلى باعتباره الهيئة التي تهيمن على الصحافة المصرية كلها: الحزبية، والمستقلة، والقومية من كافة نواحيها المختلفة التحريرية والإدارية، فقد أعطاه القانون سلطات واسعة في الجوانب الإعلانية، والطباعية، والتوزيعية من الناحيتين المالية والإدارية، ويكفي للتدليل على ذلك أن المشرع نقل إلى هذا المجلس جميع الاختصاصات التي كان مخولة، في شأن الصحافة، للاتحاد الاشتراكي العربي وتنظيماته، والوزير القائم على شئون الإعلام، والمنصوص عليها في القانون رقم ٧٦ لسنة ١٩٧٠ بإنشاء نقابة الصحفيين وذلك بالإضافة إلى تحديد حصص الورق والإشراف على شرائه، وتحديد أسعار الصحف، وتحديد أسعار مساحات الإعلانات للحكومة والقطاع العام بما لا يخل بحق القارئ في المساحة التحريرية "وفقًا للعرف الدولي" على حد ما جاء في القانون وضمان حد أدنى مناسب لأجور الصحفيين والعاملين بالمؤسسات الصحفية بجانب صندوق دعم الصحف الذي رخص قانون سلطة الصحافة بإنشائه لدعم الصحافة المصرية وتنميتها وتطويرها ومدها إقليميًّا فضلًا عن الاختصاصات الأخرى المنصوص عليها في الفصل الثاني من الباب الرابع.

стр. 259

والواقع أنه كان ينبغي على المشرع ومصر تنتهج سياسة الانفتاح الاقتصادي ألا يقحم مجلس الصحافة الأعلى على تفصيلات اقتصاديات الصحافة التي أصبحت صناعة ضخمة لا يقدر على رسم سياستها وتنفيذها، وعلى تنظيمها وإدارتها، إلا أناسًا تمرسوا بها علمًا وعملًا، أناسًا يعرفون دقائقها وخصائصها ووسائل تحقيق أهدافها بأقل تكلفة اقتصادية للصناعة ذاتها وللمجتمع وكان على المشرع أن يقصر دور المجلس في الإدارة الصحفية على الكليات، غير أن المشرع أن يقصر دون المجلس في الإدارة الصحفية تاركًا تلك الكليات على ما لها من أهمية بالغة، وبرغم إهمالها يوم أن كان الاتحاد الاشتراكي العربي يمتلك الصحافة، وكان غيابه هو العامل الذي انحدر بالإدارة الصحفية إلى ما وصلت إليه الآن: غياب يكاد يكون تامًّا لكل عناصر العمل الصحفي المشترك الذي بدونه، والعالم في منعطف القرن العشرين، لا يمكن لصناعة تستمد قوتها الاقتصادية من طبيعتها التي لا تسمح له بالتجزئة أن تنمو وتتقدم. ويخطئ من يعتقد أن هناك انفصالًا بين الإدارة الصحفية وحرية الصحافة فالعصر الذي كان يستطيع فيه التحرير الانفراد بالسيطرة على المنشآت الصحفية وتقوم كل واحدة من أجهزة الإعلانات، والمطابع والتوزيع بدورها فيها بمنأى عن الأخرى عصر قد انقضى. ولم يعد هناك مجال لانقسام المنشأة الصحفية إلى أجهزة متنافرة تعتبر كل واحدة منها وحدة منفصلة عن الأجهزة الأخرى، تعمل في واد وتعمل الأخرى في واد آخر، وأصبح لزامًا أن يحل محل ذلك التعاون والتناسق حتى يمكن للصحيفة أن تبقى وتؤدي رسالتها على الصعيد الإقليمي وعلى الصعيد القومي. ومن أجل هذا كله وجدت الإدارة الصحفية لكي تجمع شمل هذه النواحي المختلفة حتى تكون منها كيانًا واحدًا يستطيع أن يحقق الأهداف التي قامت الصحيفة من أجلها لخدمة المجتمع ممثلًا في هيئة مستهلكين ومعلنين، حكومة وأفرادًا، مشترين وبائعين، وما شاكل ذلك من مجموعات متكاملة.

стр. 260

والإدارة الصحفية بهذا المعنى، هي الهيئة التي تهيمن على نواحي النشاط الإعلاني والطباعي والتوزيعي لكل تجعل من العمل التحريري مادة تباع إلى مشتريها بثمن يغطي مصروفات إصدارها، ويحقق ربحًا جزيلًا لأصحاب رأس المال سواء كانوا مستثمرين عاديين كما هو الوضع في البلاد الرأسمالية أو عمالًا يسهمون بعملهم كجزء من رأس المال كما هو الحال في المؤسسات الصحفية القومية، فالعاملون فيها يشتركون في الأرباح بحق النصف مما ينهض سببًا لاعتبارهم شركاء في المؤسسة. وما أحسب المشرع إلا متوخيًا من إصدار هذا القانون المصلحة العامة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بواسطة مجلس أعلى للصحافة يجب أن يلتزم تنظيمه منهجًا علميًّا وأن يستبعد تمامًا المنهج الذي التزمه مجلس الصحافة الأعلى القديم حتى لا يؤول في النهاية مصير أقوى مؤسسات صحفية في مصر إلى هيئة مكتب مجلس الصحافة الأعلى المكونة من الرئيس والوكيلين والأمين العام والمساعد نتيجة لعدم تفرغ أعضاء المجلس نفسه. وإذا كان لي أن أعقب على هذه الدراسة التي نقلتها كما هي من كتاب الدكتور صليب بطرس عن "الصحافة في عقدين" فإن رأيي يختلف معه بعض الشيء في نقده للقوانين واللوائح التي سجلها. أولًا: إن الصحافة لا يمكن أن تكون "سلطة" لأن السلطة تقتضي وجود قوة مادية في خدمة هذه السلطة، فالصحافة رسالة اجتماعية للتوجيه والنقد وحراسة القيم، وسلطاتها تنحصر في القلم الذي علم الله به الناس ما لا يعلمون. ثانيًا: إن الصحف التي يطلقون عليها لفظ "القومية" هي في الواقع أصبحت -بعد هذا الفيض من القوانين- صحفًا حزبية تملكها السلطة وتجري في فلكها، وتعمل لحساب الحكومة وتدافع عن تصرفاتها، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل أو برهان بل كل ينشر فيها يدل ويبرهن على أنها ألسنة للحكومة، ولا مراء في تبعيتها لها إذ إن المشرف عليها مجلس الشورى،

стр. 261

ومجلس الشورى ٩٩% من أعضائه أعضاء في حزب الحكومة. ثالثًا: إن جميع القوانين التي صدرت بشأن الصحافة منذ سنة ١٩٦٠ إلى اليوم تتجه إلى تقييد حرية الصحافة وحرية العاملين فيها، ومن لا ينصاع للتوجيه النازل إليه من "فوق" ينقل إلى غير مجاله أو يلزم بيته ليتلقى راتبه المرموق أول كل شهر بلا عمل يؤديه. رابعًا: إن الصحافة مهنة حرة كالمحاماة، يجب أن تنحصر رقابتها في هيئة من العاملين فيها وهي موجودة من عشرات السنين تحت اسم نقابة الصحفيين وهي الكفيلة بتأديب وتبكيت من يخرج على شرف المهنة من الصحفيين. خامسًا: إن القوانين التي صدرت حدت من وجود كفاءات جديدة وحدت من إبداع الكفايات القديمة؛ لأن العمل داخل إطار محدود وفي جو من قوانين رادعة على أتفه الأسباب، تجعل الأفكار النيرة تخبو وتنشد السلامة فلا تغامر برأي سديد أو فكر رشيد. سادسًا: إن اعتبار الصحفيين في صحف الحكومة موظفين كسائر موظفي الدولة بجعل تقاعسهم ملحوظًا في أداء الواجب، أسوة بما هو مشهود ومعروف في الدواوين والوزارات، وآية ذلك أن مئات من الصحفيين الذين يعملون في دار أخبار اليوم والأهرام وغيرها لا يناطون بعمل وإن كان رزقهم بالراتب موصول. إن الصحافة لم تكن حرة قط إلا في أيدي الأفراد والجماعات، وإن خشي المسئولون أن تكون عامل ابتزاز ويغري أصحابها متاع الدنيا فيمكن مراقبة مصادرها المالية فلا تشتري ذمتها هيئة أجنبية أو ينحرف بها فيض الإعلانات، وإن حدث شيء من هذا حق عليها العقاب بالوقف أو الإغلاق، وحق على المسئولين عنها المؤاخذة بالسجن أو الإعدام. أما تحويل الصحافة بالقانون إلى مؤسسات تتبع الدولة فلن تكون في ضمير الشعب إلا وريقات رسمية تشبه الوقائع المصرية في أحسن الظروف، ونادرًا ما كانت الوقائع صحيفة رأي أو منارة من المنارات.

стр. 262

الصحافة الفرنجية في مصر: تبدأ الصحافة الأجنبية في مصر بالاحتلال الفرنسي للديار المصرية في سنة ١٧٩٨ وقد نقلت الحملة الفرنسية معها عدة مطابع ونشرت صحيفتين إحداهما صحيفة إخبارية سميت "كورييه دو ليجبت Courrier de I Egypte صدرت في ٢٩ أغسطس ١٧٩٨ في حجم كتاب وسط من أربع صفحات، وأما الثانية فتسمى "لاديكاد إجيبسيان La Decade Egyptienne وقد تخصصت لنشر بحوث أعضاء المجمع العلمي المصري ودراساتهم للبيئة المصرية في نواحيها الأدبية والتاريخية والاقتصادية، وتعتبر هاتان الصحيفتان أقدم الصحف الأجنبية في مصر. وقد انتهى تاريخ هاتين الصحيفتين بانقضاء الحملة وخروجها في مصر في سنة ١٨٠١ وبقيت مصر خلوًا من الصحافة الأجنبية زهاء ثلاثين عامًا حتى فكر محمدعلي في صحيفة فرنجية تؤنس الوقائع المصرية في وحشتها، ولم يكن تفكيره هذا غرضًا من أغراض الحكومة المباشرة، فهو لم ينشئ "لو مونيتور إجبسيان Le Moniteur Egyptien في سنة ١٨٣٣ بل أعان أصحابها بالرعاية المادية والأدبية كما يقول جون باورنج " J. Bowring" في تقريره عن مصر في تلك السنة١. ولم تتصل عناية محمد علي بـ "لو مونيتور إجبسيان" فاختفت بعد بضعة شهور، ولم يحاول هذه المحاولة مرة أخرى كما لم يحاولها خلفاؤه الثلاثة، ولكن الجاليات الأجنبية قد اشتد ساعدها في مصر بين تاجر وعامل وموظف فصدرت لها اثنتا عشرة جريدة، ثلاث إيطاليات وتسع فرنسيات، وأكبر

стр. 263

الظن أن الجاليات الأجنبية كانت من القلة بحيث لم تحتمل هذه الصحف جميعًا، وأكثرها صدرت مرات قليلة ثم اختفت ثم عادة إلى الحياة في ظروف أكثر ملاءمة، وقد صدرت في سنوات متفرقة بين سنة ١٨٤٦ و١٨٦٢، وقد نشرت هذه الصحف في ظروف لا يضبطها ضابط من قانون للمطبوعات أو الصحافة، وإن أثبتت الوثائق في عهد سعيد أن إنشاءها كان معلقًا على موافقة الأمير و"على شرط أن لا تتجاوز فيما تنشره قوانين الدولة العلية وأن لا تذكر أي شيء ضد الحكومة المحلية"١. وقد صدرت هذه الصحف جميعًا في مدينة الإسكندرية حيث كان النشاط التجاري والصناعي في أوجه، وحيث كانت كثرة الجاليات الأجنبية تعيش، وقد تميزت هذه الصحف كلها ببعض المميزات، فهي صحف تبحث في التجارة وتنشر أخبارها وأخبار البورصة خاصة واستتبع ذلك كثرة الإعلانات فيها حتى أن بعضها كان تستغرقه هذه الإعلانات، وعنيت هذه الصحف عناية واضحة بالسفن الداخلة لميناء الإسكندرية والخارجة منه، وفصلت ما حملته من الأشياء في الذهاب والإياب، ثم تباينت هذه الصحف في سياستها العامة وموضوعاتها الداخلية والخارجية. ومن الأمثلة أن "لوسبتاتوري أجيزيانو Lo Spettatore Egiziano" كانت أظهر هذه الصحف عناية بالآداب والاجتماعيات كما كانت أمتع الصحف من حيث قدرتها على إرضاء قرائها، فهي تنشر لهم القصص الأدبي الرائع نقلًا عن الآداب الأوربية المختلفة، واهتمت غيرها بالمسائل الشرقية ووقفت صفحاتها على أمور الشرق ومشكلاته، واتخذت صحف عديدة أخبار الدولة التي تتبعها موضوعًا لها فكانت "ليكو دي إجيتو L Eco Di Egitto" تتحدث في جميع أعدادها عن إيطاليا وأخبارها كما شغلت صفحاتها بأحوال الإيطاليين في مصر وبأخبارهم المختلفة وجعلت ذلك غاية في غاياتها وقلما كانت تعني بالمسائل المصرية

стр. 264

وفي عهد سعيد باشا أنشيء المجمع العلمي المصري وفرض إنشاؤه إصدار جريدة تكون سجلًا له وهو وصل ما انقطع من الحملة الفرنسية، إذ كان هذا المجمع صدى للمجمع القديم حتى كان أكثر أعضائه من الفرنسيين، وحلت مجلة "المجمع المصري Bulletin de L Institut Egyptien" محل "لاديكاد إجبسين" في تسجيل الموضوعات التي أقرها المجمع أو في نشر بعض المذكرات التي تتصل بشئون مصر المختلفة. كانت الصحف الفرنجية إلى عهد سعيد باشا صحف إعلان، زخرت صفحاتها بالإعلانات المختلفة، وضمت مقالًا أو مقالين وبضعة أخبار لا تغني أضأل الصحف المعاصرة لنا، ولم تكن هناك صحف رأي أو صحف أخبار؛ لأن الظروف كان تأبى الرأي الحر ولا تحتمل الملاحظة والنقد، ولذلك كان الجرائد في معظمها جرائد أسبوعية ففقدت "صفة الخبرية" فيها، أما عصر إسماعيل فقد امتاز بصحافة الرأي فيه امتيازًا ملحوظًا سواء منها ما كتب له أو ضده. وقد حمل لواء هذه الصحافة الجديدة جريدة "لو بروجريه إجبسيان" " Le Progres Egyptien" فقد أخذت تحدثنا عن الظلم والعسف النازلين بالمواطنين وعن تبرم الشعب المصري وسخطه من قسوة حكومته، وهو تبرم كما تقول ملأ حفيظة "جماعة كبيرة من الشعب من الباشاوات ومن رجال الدين وأن احترام الحكومة لم يعد على غراره الأول" وتمضي "لوبروجريه إجبسيان" ناشرة أسوأ الأخبار المتصلة بالحكومة فتقول في ٦ - و١٥ - سبتمبر سنة ١٨٦٩ "إنه ألصق في هذا الأسبوع خفية على جدران المدينة -الإسكندرية- إعلانات عدائية لسمو الخديوي وهي عبارة عن شكوى مرفوعة إلى السلطان باسم ١١٤ من عيون تجار القاهرة والأرياف المصريين" وقد كان دأب الجريدة الإساءة إلى أصحاب الحظوة عند الخديوي من الأتراك "هذه الأقلية التركية التي تحكم وتنظم وتشغل جميع الوظائف وتضع الميزانية، لن تستطيع

стр. 265

التغلب على أكثرية المصريين التي تفلح الأرض وتدفع الضرائب وتسخر وتعطي ما لها وعرف جبينها للدولة". وقد كيل لـ "لوبروجريه إجبسيان" من الحكومة بالقدر الذي كالت به لها، إذ صدر قرار من نظارة الخارجية المصرية في يوم ١٢ أبريل سنة ١٨٧٠ بتعطيلها شهرين ابتداء من ١٦ أبريل؛ وذلك لأنها نشرت مقالين شديدي اللهجة عن الحرية الشخصية في مصر استهلت أولهما بقولها في ١٢ أبريل سنة ١٨٧٠ "منذ زمن وهم يظهرون -تقصد رجال الحكومة- احتقارهم للحرية الشخصية فقد تعددت حوادث القبض بلا مسوغ والحبس والحجر بشكل مقلق ولم يرتكب هذا ضد الفلاح والرعايا المحليين فحسب بل ارتكب ضد الأجانب أيضًا وخاصة الفرنسيين منهم" ثم مضت تحمل على الحكومة وتصرفاتها مع الناس ومصادرة حرياتهم قائلة: "إنه من المخجل أن تدعي الصحافة الأوربية بدعوة من الخديوي فتجد الأمن والحرية الشخصية مفقودين". أما مقالها الثاني الذي عوقبت من أجله فعن أزمة بين السلطان وواليه قالت فيه" "إنهم يتحدثون عن أزمة قريبة الوقوع بين السلطان والخديوي ويقررون أن الطريقة التي من شأنها أن تصلح بين الطرفين هي زيارة من الخديوي للقسطنطينية" ثم تعلق على ذلك في ١٤ يوليه سنة ١٨٧٠ قائلة: "إنه لبس مجهولًا بأي الطرق يجتنب غضب الباب العالي وبأي الأساليب يكتسب رضاه، إننا لا ننسى الفرمان الأخير وزيادة الضرائب نتيجة لهذا الفرمان، إن الفلاح لم يعتد الشكوى وطرق التعبير عنها وإن سمو الخديوي لم يفكر فيه مطلقًا، وإن الحكومة المصرية لتكون جد مخطئة إذا هي لم تلاحظ ذلك وتحسب حسابًا للآثار التي تتركها هذه الحالة في نفوس رعاياها وخاصة في نفوس الفلاحين، وإن رحلة القسطنطينية في هذا الوقت ستكون بالنسبة لمصر إثقالها بالضرائب وإن الفلاح لم يعد يحتمل هذا الظلم من جديد، لقد استغل فانتزعوا ماله

стр. 266

مرة بعد مرة، لقد حطم بالسخرة التي قضت على عدد لا حصر له من العمال الفلاحين الذين بقيت أراضيهم بلا فلاحة". وقد كان لجريدة "لوبروجريه إجبسيان" مقالات حماسية متصلة أقلقت بال الحكومة المصرية فعمدت إلى إغلاقها وحبس محررها١، ولم يترك هذا الخلاف العميق مع الحكومة صداقة بينها وبين السلطان، بل كانت هذه الجريدة مستقلة حقًّا في آرائها تدافع عن مصر دفاعًا كريمًا فكثيرًا ما جعلت دأبها الرد على جريدة " La Turquie" التي تعبر عن آراء الدوائر الرسمية في القسطنطينية، ومن مواقفها الكريمة المأثورة عنها في هذا الميدان أنها هاجمت تركيا حين أوفدت حسن بك لسمو إسماعيل باشا ليستوضحه كيف يدعو باسمه حكام الغرب وملوكه إلى حفل افتتاح القنال ثم ليستفهم من سموه عن مفاوضاته في حيدة قنال السويس وإمضائه لبعض المعاهدات التجارية دون الرجوع في ذلك كله إلى الباب العالي. ثم ذكرت تهديد السلطان بموقف حاسم قد يطوح بالأسرة العلوية نفسها ثم انبرت "لوبروجريه" للرد على هذه الأخبار التي نشرتها فذكرت "أن هذا التهديد لا يخيف أحدًا ولا محل له إذ إن كل تغيير في مصر ليس من شأن الباب العالي وحده كما أقرت ذلك معاهدة لندره، والباب العالي يتناسى أن أي تغيير في شئون مصر ينبغي أن يؤخذ فيه رأي الأجانب المقيمين في مصر فلا بد من التعرف على ميولهم أمن مصلحتهم أن يلحقوا بالدولة العثمانية مباشرة أم إن مصلحتهم تقتضي البقاء في ظل حكومة مصرية خالصة"٢. وقد اعتبر أصحاب الصحف الفرنجية أنفسهم أصحاب حق في مصر لهم ما للمصريين من المزايا وإن لم تفرض عليهم التزامات الوطنيين، وذلك وضع لا يناله في سائر الأقطار العثمانية، لذلك كانوا أول من نادى بفصل مصر

стр. 267

عن تركيا وإن اختلفوا فيما بينهم نحو الحكومة المصرية، فالمسيو نيكولو " Nicoullaud" محرر "النيل Le Nill" ١ يقود الصحافة الأجنبية في الحملة على تركيا وصحيفتها الرسمية ويرد هجماتها على الخديوي، فهو يتفق مع محرر "لو بروجريه" في هذه الناحية ويختلف معه في النظر إلى الخديوي إسماعيل وحكومته٢ وكان بين الصحف الفرنجية المصرية التي تتفق مع جريدة "لو بروجريه" من حيث التفكير في فصل مصر عن تركيا واعتبارها كمًّا قائمًا بذاته جريدة "لامبرسيال ديجبت L lmpartial d Egypte" وكتب في ذلك المسيو موريه " Moures" في صدر افتتاحية العدد الأول عن خطة جريدته "ستسعى لتحقيق حرية هذا البلد الذي نسكنه، وستعمل بهمة على أن تستقل مصر بمسائلها عن تركيا وتسير نحو التقدم بخطى فساح بقدر ما تبتعد عنه تركيا بنفس الخطى، نعمل في كلمة على التفريق بين آراء البلدين وأملهما ونظامهما الدستوري"٣. ومن الصحف التي شغلت الرأي العام في مصر وخاصة رأي الأجانب فيها على أصح تعبير، جريدة " L ndependant" فهي إلى جانب حملتها المتصلة على القنصل الفرنسي وتمثيلها للمتطرفين من الفرنسيين النازلين في مصر كانت تحمل في شدة وعنف على الحكومة المصرية وخديوها، فكتب شريف باشا يشكوا أمرها إلى القنصل في ٢٠ يناير فانعقدت المحكمة القنصلية وأصدرت أمرًا يقضي بمصادرة الجريدة وغلق مطبعتها وسجن محررها عامًا كاملًا٤. وكانت جريدة "ليجبت L Egypte" وقد صدرت في أوائل عهد إسماعيل سنة ١٨٦٣، على رأس الجرائد المعارضة للخديوي حتى أن أحمد خيري بك فرض في برنامجه "للوقائع المصرية" في ٢٥ نوفمبر سنة ١٨٦٥ أن تتولى

стр. 268

الجريدة الرسمية الرد على مفتريات "ليجبت" ولم تستمر ليجبت خصيمة للخديوي وحكومته فترة طويلة إذ استطاع الأمير أن يمضي مع ناشرها المسيو "أنطوان موريس" اتفاقًا لمدة خمس سنوات تطبع فيها الجريدة على ذمة الحكومة المصرية١ وهكذا أصبحت جريدة "ليجبت" بذلك الاتفاق صحيفة حكومية خالصة ربطت لها الحكومة المصرية ميزانية قدرها حوالي ألف وثلاثمائة جنيه مصري في عام٢ ثم نقلتها إلى القاهرة في سنة ١٨٦٦ وهيأت لها عمالًا جددًا٣ وتركت لها حرية التفكير وإن عالجت أمورها كالصحف الأخرى، فقد نشرت الجريدة خبرًا غريبًا عن تعيين ناظر الخارجية ومحافظ الإسكندرية فكان جزاءها التعطيل خمسة عشر يومًا، ثم استعملت الدولة حقوقها عليها فعزلت كاتب الخبر من وظيفته في التحرير٤ ومضت "لجيبت" جريدة حكومة خالصة حتى أقبل عهد توفيق فكان لها موقف آخر أساءت فيه إلى الدين الإسلامي فأمر بتعطيلها٥. وقد تمكن الخديوي إسماعيل بالبذل والعطاء من السيطرة على معظم الصحف الفرنجية في مصر، فقد بدأت "لو فارد الكسندري Le Phare d Alexandrie" كما بدأت "ليجبت" صحيفة معادية له ولحكومته فكانت قاسية أشد القسوة منذ عددها الأول الذي حملت فيه على الوزير نوبار باشا "الذي يسب الفرنسيين وحكومتهم كما اعتاد على ذلك ودأب على احتقارهم" ثم يصفه بأنه "ليس

стр. 269

سياسيًّا وليست عنده حاسة الرجل العمومي ولا يفهم في السياسة شيئًا"١. غير أن هذه القسوة وتلك المعارضة لم يطل أمرهما إذ انضمت إلى الخديوي وأصبحت داعية من دعاته، وكان هذه يكلفه خمسين ألف فرنك كل سنة على أن ترسل هذه الصحيفة إلى دواوين الدولة، ثم عقدت الحكومة مع مديرها المحامي هايكاليس "باشا فيما بعد" اتفاقًا لمدة خمس سنوات ينتهي في ٣١ ديسمبر سنة "١٨٧٩"٢ بشروط أهمها مناصرة الحكومة في سياستها جميعًا وقد دافعت "لو فارد الكسندري" عن إسماعيل وسياسته بحماسة ظاهرة بيد أنها كانت مكروهة جدًّا من الوطنيين، فقد أرسل مديرها في ٢٣ يوليو سنة ١٨٧٦ إلى باروت بك سكرتير خاص الخديو يشكو له إحدى المظاهرات التي أخذت تنتقل من شارع إلى شارع حتى بلغت مكتب جريدته، وأخذ المتظاهرون يهتفون بسقوط صحيفته، ويطلب في كتابه إلى سكرتير الخديوي أن يوضح حد لهذه المظاهرات التي تسيء إلى سمعة مصر وإدارتها والتي من شأنها أن تعطي مثلًا سيئًا وخطرًا للمصريين٣. استطاع الخديوي إسماعيل بما بذل من جاهه عند قناصل الدول وبما قدم من ماله لأصحاب الصحف الفرنجية وبما طبقه من قوانين الصحافة التركية أحيانًا، استطاع أن يخضع الصحافة الأجنبية في مصر لسلطانه خضوعًا يكاد يكون مطلقًا حتى لم تعد الصحف المعارضة له تقوى على البقاء أو تستمر في الكفاح، وقد لوحظ على هذه الصحافة أنها كان تشتد في لهجتها كلما تحرجت أمور الخديوي ثم تلين قناتها إذا اعتدلت ظروفه واستقامت له الأمور، وقد انقسمت هذه الصحف إلى قسمين، قسم موال على إطلاق هذا المعنى وقسم بين بين، وهي هنا تمثل حقبة مهمة من تاريخ الصحافة الفرنجية المصرية إذ ترتبط نشأة

стр. 270

صحافة الرأي الفرنجية بعصر إسماعيل وكانت قد بدأت حياتها صحافة للإعلان أو التجارة فقط. وتتمثل الصحافة الخبرية الفرنجية في صحيفة، "لو مونيتور إجبسيان" التي نشرت في عهد الخديوي إسماعيل سنة ١٨٧٤ جريدة "يومية سياسية علمية تجارية وللإعلانات" ومع أنها أعلنت أن صفتها الأولى ستنحصر في المسائل التجارية والعلمية إلا أن صفة الخبرية فيها غلبت صفاتها جميعًا، وهذه الصفة تتميز في الأخبار الرسمية قبل كل شيء ولم يعرف عن "لو مونيتور" أنها صحيفة الحكومة الرسمية إلا في وقت متأخر غير أنها كانت في سنة ١٨٧٨ واضحة الميول معروفة الصبغة، كانت تومئ في صورتها الصادرة بها إلى أنها جريدة شبه رسمية إذ تميزت بنشر الأوامر واللوائح والقوانين وأعفاها المجلس المخصوص دون الصحف الفرنجية جميعًا من رسوم البريد١، وقد بقيت الجريدة شبه رسمية في السنوات الأولى ثم تغلبت عليها الصفة الرسمية قبيل الاحتلال إلى أن أصبحت جريدة الحكومة الرسمية في يناير سنة "١٨٨٥"٢. أخذت الصحف الفرنجية في مصر تساهم في الحياة السياسية المصرية بقسط له خطره وأثره في الاتجاهات الدولية العامة وأخذت أهمية هذه الصحافة تتركز في جريدتين في نهاية عصر إسماعيل وخلال الثورة العرابية، كانت الجريدة الأولى تمثل الفكرة الفرنسية وهي " La Gazette des Tribunaux" وكانت الثانية وهي " The Egyptian Cazette" صدى الرأي الإنجليزي، وكانت بجانب هاتين الصحيفتين صحف أخرى قليلة الأهمية تنحو نحوها، وإن كانت "لاريفورم La Reforme" الفرنسية تختلف عنهما وتتميز باستقلال الرأي وحرية الفكر. وقد اشتهرت "لاريفورم" في أول الأمر بحملاتها المتصلة على الحركات

стр. 271

السياسة المصرية التي ظهرت في نهاية عهد إسماعيل وكانت كلما اجتمع المصريون على رأي أدخلت في ذهن قرائها أن هذه الوحدة وذلك الإجماع مصدرهما الرعب من الحكم العسكري وشرائه بالعنف واللين ذمم الذوات وضمائر الأعيان١ غير أن "لاريفورم" لا تستمر في خطتها بل تعود مواتية في اعتدال للأماني المصرية فتحمل على الإدارة الأوربية حملة شعواء وتصف رجالها بأقبح الأوصاف وتحمد لها الصحف المصرية هذه المواقف الكريمة٢. ثم مثلت "لا جازيت دي تريبينو" الاتجاه القنصلي الفرنسي في شئون السياسة المصرية وأخذت تحمل على الخديوي إسماعيل في كل عدد من أعدادها تقريبًا حملات فيها من قسوة التعبير ما ضجت له الحكومة المصرية، فكتب شريف باشا في ٦ أبريل سنة ١٨٧٨ إلى قنصل فرنسا العام يشكو له محرر الجريدة؛ لأنه تجاوز حدوده وحمل بعنف على الخديوي ورجاله إلى حد لا تسوغه أكثر قوانين الصحافة حرية، ويعلن القنصل العام بأنه قرر وقف الجريدة شهرًا غير أن محرر "لا جازيت" يأبى الخضوع لأمر الحكومة المصرية ويرفض تنفيذ ما قضت به، ولولا حزم الحكومة وتصميمها على سحب الترخيص منه وإغلاق مطبعته إذ لم ينفذ أمرها لعجزت السلطة المصرية عن وقف حملات المحرر القاسية٣. ولما بدأ الرأي العام المصري يتكيف على الصورة التي شرحناها في فصول سابقة أبت "لا جازيت دي تريبينو" أن تعترف للمصريين بحق من الحقوق وأبت أن تقر أن هناك رأيًا عامًّا أو شيئًا يقال له الحزب الوطني، وهاجمتها الصحافة المصرية العربية في شهري يونيو ويوليو سنة ١٨٧٩ وبلغت مقارعاتها لها حدًّا أثار الجالية الأوربية على المصريين.

стр. 272

وإذا كانت "لا جازيت دي تريبينو" تمثل اتجاه الصحافة الفرنسية فإن "ذي إجبشيان جازيت" كانت في تمثيلها للاتجاه الإنجليزي أصدق تعبيرًا وأوضح ميولًا ومحلًا لثقة الجالية الإنجليزية، فكان يوحى إليها بالرأي فتذيعه ثم تحقق الأيام أخبارها، وتكاد تعلن موضوعات الصحيفة أنها جريدة رسمية للقنصل البريطاني أو الرقيب الأجنبي، وتميزت "ذي إجبشيان جازيت" بإثارة النواحي الدينية في خصومتها للحركة المصرية، وكثيرًا ما رمت المصريين بتعصبهم للدين وأذاعت الأخبار الغربية عن هذا التعصب وأدعت تحاملهم على كل ما هو مسيحي وصورت أتفه الحوادث بالمجازر١ وكثيرًا ما أسفت في معارضتها ونقلت المسائل العامة إلى لون من المهاترات الصحفية فزعمت أن النواب المصريين يتعاطون القهوة والشيشة في المجلس وردت عليها الصحف العربية وعيرتها بزجاجات الخمر التي يحملها نواب الإنجليز وهم في قاعة مجلسهم٢. وقد استطاعت الصحف الفرنجية أن تنجو من بطش الحكومة؛ لأن شئون الصحافة كانت حياتها خلوًّا من قانون ينظم أمورها ويطبق على الصحافة العربية والفرنجية جميعًا، وبذلك تمكنت الصحف الأجنبية في مصر من البقاء؛ لأن معالجة تعطيلها أو إنذارها تثير مشاكل بين الحكومة المصرية والحكومات الأخرى كانت مصر لا تقوى على إثارتها، على حين كان ناظر الخارجية يملك بجرة قلم إلغاء أخطر صحيفة عربية لمواطن مصري، ومع أن قانون المطبوعات الصادر في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ سوى بين الصحف جميعًا فإن "الإجبشيان جازيت" وجريدة "جازيت دي تريبينو" حملتا على هذا القانون وحمتهما وغيرهما من صحف، الدول الأوربية صاحبة الامتيازات٣.

стр. 273

كانت الصحف الأجنبية في مصر متفقة المزاج تقريبًا؛ لأن الدول الأوربية وفي مقدمتها إنجلترا وفرنسا كانت على اتفاق في وجهات النظر إزاء المسألة المصرية، غير أن هذا الاتفاق في الروح والاتجاه لم يدم طويلًا بعد الاحتلال؛ ذلك لأن المسألة المصرية اتخذت وضعًا كان مثارًا للخلاف بين الدول ومن ثم كان مثارًا للخلاف بين الصحافة المعبرة عن تلك الدول في مصر، فتركيا لم تقر هذا الاحتلال وكذلك كان موقف فرنسا ومعظم الدول الأوربية وإن بقيت إيطاليا إلى جانب إنجلترا منذ احتلال فرنسا لتونس سنة ١٨٨١. وقد استقبل الاحتلال كثيرًا من الصحف القديمة التي حالت الظروف دون صدورها خلال الحرب العرابية، وكانت أهم الصحف الفرنجية التي استقبلها الاحتلال في أيامه الأولى جريدة "ذي إجبشيان جازيت" وجريدة "لو بوسفور إجبسيان" فقد عادتا إلى الحياة باستقرار الحالة الجديدة، فأما الصحيفة الإنجليزية فقد كان موقفها كريمًا مع دعاة الثورة ورجالها وأبت أن تقف إلى جانب الخديوي وشيعته، وحاربت نزعة التطرف الانتقامية التي استولت على خصوم العرابيين، ومصدر هذا الموقف اتجاه الحكومة الإنجليزية إلى تصفية الثورة تصفية فيها شيء من الترفع عن الصغائر، كما أن للمستر "الفرد بلنت" صديق العرابيين دخلًا في موقف الجريدة فقد بذل الجهد وسخا بالمال حتى جعل الصحيفة في جانبه١. وأما الصحيفة الفرنسية فقد عادت إلى الظهور في سنتها الثانية وسجلت لنفسها تاريخًا خطيرًا في أوائل عهد الاحتلال، فهي صحيفة أنشأها المسيو سريير " Serriere" في مدينة بورسعيد سنة ١٨٨٠ حيث كان يقتني مطبعة فرنجية كاملة ثم انتقل بها إلى القاهرة في السنة الثانية، وتولى تحريرها المسيو جيرو " Giraud" وهو من خيرة المحامين المعروفين في ذلك الوقت، وكانت كتاباته تستقبل استقبالًا حسنًا من المصريين والأجانب على السواء،

стр. 274

مع أن عدد قرائها لم يتجاوز خمسمائة قارئ، وهو عدد يعتبر إذ ذاك من حيث التوزيع قدرًا نادر المثال١. ولم تكن "لو بوسفور إجبسيان" ذات خطر قبيل الاحتلال فهي صحيفة خلقتها الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بورسعيد حيث تعيش الجالية الفرنسية في نطاق واسع عاملة في شركة قنال السويس، ثم انتقلت إلى القاهرة حيث بدأ النشاط السياسي يعم العاصمة ويستغرقها، وقد سارت "لوبوسفور" في تيار الصحف الفرنجية المعاصرة، ولم يكن لها يومئذ ميزة من المزايا التي تميزها على زميلاتها المعاصرات وبينها صحف قديمة لها تقاليدها وتاريخها، ثم احتجبت مع ما احتجب من صحف حتى انتهت الأزمة باحتلال الجيوش البريطانية مصر وعادت إلى الحياة أشد ما تكون الصحف المعارضة للاحتلال ورجاله. وتمثل "لو بوسفور إجبسيان Le Bosphore Egyptien" في معارضتها للإنجليز إتجاه الحكومة الفرنسية وقنصلها العام في مصر، فهي لا تقر شرعية الاحتلال ولا ترضى عن تصرفات الإنجليز وتقسو في ذلك قسوة تفرض على المستر Clifford Lloyd" أن يستصدر من ناظر الداخلية المصرية في سنة ١٨٨٤ قرارًا وزاريًّا بتعطيلها وإقفال مطبعتها؛ وذلك لأن الصحيفة لم تؤثر بمعارضتها في الجاليات الأجنبية وحدها بل عرضت هذه المعارضة على المصريين في نسخة منها صدرت باللغة العربية مع الصحيفة الفرنسية، ولكن محرر "لو بوسفور" أبى أن يعترف بقانون عام ١٨٨١ الذي اعتمدت عليه الحكومة في تعطيل جريدته، ثم أصدرها في موعدها، غير أن الحكومة صادراتها من أيدي الباعة، وقد عادت إلى الصدور مرة ثانية وتكفل ببيعها عين من عيون الفرنسيين المستوطنين مصر مع مستشار القنصلية الفرنسية حتى لا يملك البوليس مصادرتها، واضطرت الحكومة إلى إغلاق المطبعة وحراستها ثم عرضت على سريير اثنين وأربعين ألف فرنك تعويضًا له عن إغلاق

стр. 275

المطبعة١ وأثار حادث تعطيلها وإغلاق مطبعتها أزمة حادة بين الحكومتين الفرنسية والمصرية سبق أن عرضنا لها في فصل سابق. كانت الخصومة بين الفرنسيين والإنجليز تتمثل في المنازلات الصحفية التي دارت بين "لو بوسفور إجبسيان" و"ذي إجبشيان جازيت" وإن خفت لهجة الصحيفة الأولى بعد أن تولى تحريرها Barriere Bey حتى أعجب بها بعض الإنجليز المحليين وأمدها بعض موظفيهم بالأخبار الرسمية والحوادث المحلية، وكانت القنصلية الفرنسية من ناحيتها شديدة العطف عليها حتى أنها عرضت على إدارتها مرتبًا شهريًّا قدره اثنا عشر جنيهًا لما ساءت حالة الجريدة المالية٢ غير أن ذلك لم يفدها شيئًا واضطرت إلى الاحتجاب في سنة ١٨٩٥ ثم بقيت "ذي إجبشيان جازيت" تمثل الفكرة الإنجليزية تعاونها "لو بروجريه Le Progres" الفرنسية التي أنشئت سنة ١٨٩١ معارضة للقنصلية الفرنسية وموالية لدار الوكالة البريطانية وإن لم تقبل عليها الجاليات الأوربية، وشاركتها في هذا الاتجاه جريدة Le Courrier d Egypte وهي صحيفة نوبار باشا، وقد مضت زهاء أربعة وعشرين عامًا تسبح بحمد رئيس الحكومة المصرية أيًّا كان هذا الرئيس، وكان أسلوبها بديعًا حقًّا وإن ملأت صفاحتها بما كانت تنشره الصحف القديمة عن مصر وشئونها، وخاصة سميتها التي أنشئت خلال الحملة الفرنسية، ولم تكن مقروءة ولا محبوبة من الأجانب المتواطنين مصر٣. ومن الصحف المهمة في ذلك الوقت جريدة "لو جورنال إجبسيان Le journal Egyptien" وهي صحيفة الخديوي ولسان السراي٤ وهي

стр. 276

ذات علاقات طيبة مع القنصلية الفرنسية وفي كفاح مستمر للاحتلال، وقد ساء الإنجليز موقفها هذا فشكت أمرها إلى إيطاليا، وكان إيطاليا تحرص على صداقة بريطانيا أشد الحرص في ذلك الوقت فتدخل قنصل إيطاليا ونفى أحد صاحبيها ومن ثم فقدت الصحيفة أهميتها واحتجبت سنة "١٨٩٦"١. أحدث إغلاق "لو بوسفور" فراغًا كبيرًا بين الصحافة الفرنجية في مصر إذ بقيت "ذي إجبشيان جازيت" وحدها لا تعارضها صحيفة من الصحف الفرنجية حتى أنشأ Barriere Bey في سنة ١٨٩٦ جريدة "ليكودوريان L Echo d Orient" لتحل محل صحيفته الأولى "لو بوسفور" وهي صورة مماثلة لها في الشكل والموضوع غير أن "ليكودوريان" كانت أكثر انتشارًا لانخفاض ثمن الصحيفة إلى خمس مليمات، وقد مالت الجريدة إلى جانب الأرمن في بلاد الدولة العثمانية ودافعت عنهم دفاعًا مجيدًا ساء الحكومة التركية وأثر في عامة المصريين٢ فأخذ يضمحل شأنها، وأنشأ صاحبها بدلًا منها جريدة " Courrier D Orient" في سنة ١٨٩٨ معارضة كسابقتيها للاحتلال ورجاله، وكانت تميل للخديوي وتعمل لحسابه غير أنها لم تعمر طويلًا فأغلقت بعد ثلاثة شهور من مولدها. ثم تبدأ الحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل وتقف معظم الصحف الفرنجية إلى صف هذا الفتى المتحمس لوطنه وتصبح في أكثرها صحفًا مواتية للحركة الوطنية وإن كان بعضها كثير التقلب كجريدتي "لو جورنال إجبسيان" و"لو بروجريه" فتبعت الأولى اتجاه السراي في تذبذبها، فيومًا جرت في تيار الوطنيين ويومًا خالفت اتجاههم. وأما الثانية فكثيرًا ما حملت على المصريين وزعمت أنهم متعصبون، ومقالها في الشيخ علي يوسف وحملتها عليه وحض الحكومة على مضايقته دليل

стр. 277

على سوء موقفها من رجالات مصر١ وكان الشيخ علي يوسف هدف الصحف الفرنجية كلما عارضت الحركة الاستقلالية وكان في اعتبارها أخطر على الأجانب في مصر من "اللواء" والحزب الوطني وكانت أهم خصوماته مع الإيطاليين خاصة، ومقالات "الكورييري إجيزيانو Corriere Egiziano" وحملاتها عليه عنوان لهذه الخصومة المتصلة٢. ثم تكفلت جريدة " Les Nouvelles Egyptiennes" لصاحبها جورج دوماني في سنة ١٩٠٧ بالحملة على إدارة المصريين وأحكام قضاتهم ومؤاخذة العاملين على كفاح الإنجليز، وكان لهذه الحملة أثرها على المحرر إذا صدر حكم قضائي بحبسه ثلاثة أشهر غير أن هذا الحكم لم ينفذ لاحتماء دوماني بالامتيازات الأجنبية٣، وفيما خلا "ذي إجبشيان جازيت" وزميلتها "ذي إجبشيان ميل" وبعض الصحف الفرنجية القليلة الأخرى فإن الصحافة الفرنجية في مصر نافست الصحافة العربية في التحمس للرأي العام المتطرف ومخاصمة الاحتلال ورجاله وإن تأثرت بعض هذه الصحف بحوادث طارئة فانحرفت وقتًا ما عن اتجاهها، مثال ذلك موقف "لو فارد الكسندري" " Le Phare d Alexandrie" من مصطفى كامل فقد كانت من أشد أنصاره إلا أنها حملت عليه وعلى المصريين حين دعا إلى تعليق جلاء الترك عن اليونان على جلاء الإنجليز عن مصر؛ وذلك لأن صاحبها من اليونان٤ ومن الأمثلة على انحراف هذه الصحف المواتية بعوامل طارئة موقفها المتباين في أثناء الخلاف القبطي الإسلامي فقد كانت تراه خطرًا يهدد الأجانب في مصر. وبين الصحف الفرنجية التي نشأت في مصر صحف أنشأها الوطنيون،

стр. 278

فقد أسس مصطفى كامل في نوفمبر سنة ١٩٠٦ شركة مساهمة لإصدار جريدتين فرنجيتين رأسمالهما عشرون ألف جنيه مصري اكتتب فيها صفوة المصريين، واضطرب لهذه الفكرة اللورد كرومر ودفع صحفه إلى الحملة على المشروع، غير أن ذلك لم يحل دون ظهور The Egyptian Standard L Etendard Egyptien الأولى في مساء ٢ مارس سنة ١٩٠٧ والثانية في صباح اليوم التالي. ويقول مصطفى كامل باشا عن خطة هاتين الجريدتين: "إن قصدنا من تأسيس هاتين الجريدتين هو إحاطة العالم المتمدن وكافة الذين يهتمون بشئون مصر علمًا بخطتنا الوطنية التي غير خصومها شكلها وقلبوا حقيقتها، وأظهرونا لمن يجهلون لغتنا كأننا ننادي بالبغضاء والتعصب الديني فنحن جئنا اليوم نكذب بصورة قطعية هذه التهم الدنيئة ونثبت للعالم كله أن مطلبنا الوحيد بل مطلبنا العالي السامي هو أن نرد لمصر مكانة في العالم تليق بتاريخها وماضيها ومركزها"١ ولم تعمر الصحيفتان الفرنجيتان الوطنيتان؛ لأن منشئهما قضى في سنة ١٩٠٨؛ ولأن أزمة مالية حادة اعترضت حياتهما، كما أن الأجانب انصرفوا عنهما٢ ولم تنجح التجربة، وقد حاولها الوفد المصري بعد الحرب العظمى فلم يوفق. وقد وجدت الصحافة الفرنجية بعد الحرب العظمى الثانية متسعًا لحياتها فنشطت كمًّا وكيفًا وأصبح عددها مائة وإحدى عشرة صحيفة بين يومية وأسبوعية وشهرية وبين سياسية واقتصادية وزراعية وأدبية ودينية وطبية ورياضية وقضائية ومدرسية وللبورصة، وهي في لغات متباينة بين إنجليزية وفرنسية وإيطالية ويونانية وملطية، وأهم هذه الصحف جميعًا صحيفتان فرنسيتان هما

стр. 279

"لا بورص أجبسيان La Bourse Egyptienne" و"لو جورنال ديجبت Le journal d Egypte" ثم صحيفة إيطالية هي "الكورييري ديتاليا" " Corriere d Italia" انتهى أمرها بعد دخول إيطاليا الحرب الأخيرة، وقد تطورت هذه الصحف قبيل الحرب الماضية إلى صحف مصالح بعد أن كانت من قبل صحف رأي وفكرة، وأصبح اتجاه الصحف السياسية منها اتجاهًا يتصل بمصالح الدول المتباينة، وهي تمثل النشاط السياسي والفكري والاقتصادي لتلك الدول.

стр. 280

الصحافة المصرية في الخارج: شهدت مصر في عهد محمد علي خاصة بالصحافة الرسمية، وقد اتصل إنشاء هذه الصحافة بإنشاء النظم الجديدة، وقد تطورت الصحف الرسمية بتطور هذه النظم حتى أصبحت فيما بعد ركنًا من أركان السياسة العامة أو غرضًا من أغراض الحكم، واستطاعت هذه الصحف أن تؤدي رسالتها وتحقق الأمل فيها بحيث أضحت فوائدها تغري بالاستزادة منها في مصر وخارجها، وقد ساير إنشاء الصحف الرسمية اتساع في الإمبراطورية المصرية ليس هنا محل تفصيله، غير أن يعنينا في تلك الإمبراطورية جزيرة كريت وهي إحدى الممتلكات المصرية منذ حرب الموردة في سنة ١٨٢٢، وذلك لارتباط إحدى الصحف بها، فقد شهدت كريت نشاطًا صحفيًّا ملحوظًا دون ولايات الباشا المتعددة، مصدره هذا التنظيم الرائع لحياة هذه الجزيرة وسكانها، إذ أنشأ الباشا المجالس فيها "ليتم للجزيرة رخاؤها وعمرانها فتصبح بهجة الديار وموضع حسد الأمصار وغبطة الأقطار" وهو يعني بتخير رجاله القادرين على سياسة الجزيرة وأهلها كعثمان نور الدين بك رئيس الجهادية "الخبير بأصول الإدارة الأوربية" ليشرف على تكوين المجالس المذكورة من المسلمين والمسيحيين الذين ستلقى إليهم أمور البلاد الخاصة "بالأحوال الشخصية الموافقة للشرع ودعاوي الخلق ومصالحهم" ومع أن وظيفة هذه المجالس استشارية إلا أن ذلك لم يحل دون نظر أعضائها في الأمور الإدارية وكل ما يتصل بالعرف والقانون على أن تطبق "الأصول الجزئية والكلية"١.

стр. 281

وقد أنشأ الباشا هذا النظام الجديد في كريت بوحي من "الأصول المصرية" ثم رأى أن يكون لهذا النظام سجل يماثل الوقائع المصرية فبعث إلى مصطفى باشا محافظ كريت يذكر له أنه "قد تقرر طبع الوقوعات الواقعة في كريد على أن تكون جهة منها تركية العبارة وجهة منها رومية اللهجة"١ وينبئه أن حروف القسم التركي "قد أعدت إعدادًا متقنا" وسترسل إليه في أقرب الأوقات غير أن الجناب العالي يبين له المصاعب الناشئة عن هذا الموضوع وخاصة الحروف الرومية إذ إنه لم يتمكن "من إعداد حروف القسم الذي سيكتب رومى العبارة" غير أن أوصى "بابتغائها وإعدادها" وهو لا يهمله حتى يرسلها عثمان بك بل يرجو من همته "أن تبحثوا عنها وتبتغوا طائفتين من الحروف الرومية المتقنة إما من تلك الديار وإما من المورة"٢. وقد يبدو أن "وقائع كريدية" كما كانت تسمى صحيفة خاصة بكريد وليس لمصر فيها سهم عملي اللهم إلا الحاكم الذي يجمع بين البلدين، بيد أن الوثائق قد أثبتت أن حروف المطبعة التركية صنعت في مصر قطعًا وإن لم يؤكد أمر الباشا السابق أن أحد البلدين قد اختص بعمل الحروف الرومية، فقد ترك الأمر للاجتهاد في الحصول عليها من مصر أو كريد أو بلاد المورة، وبجانب إعداد المطبعة وتغذيتها بالحروف أرسل من مصر "علي أفندي جام إلى كريد لخدمة الوقائع التي ستطبع فيها" كما عين "علي أفندي الفندره لي معاونًا له لاحتياجه إليه" وهو أحد موظفي الوقائع المصرية "وقد صار أخذه من غرفة الوقائع لمعرفته أصول الطبع" ثم ربط ديوان الخديوي لهذين الموظفين الراتب الذي يستحقانه سواء من القروش أو الخبز أو اللحم أو الأرز أو السمن غير اللباس في فصول السنة المختلفة"٣.

стр. 282

وإذن تكون الحكومة المصرية هي التي فكرت في الوقائع الكريدية وهي التي أمدت الصحيفة والمطبعة بالموظفين المصريين الفنيين وجعلت عمالها كريد في خدمتهما معًا، وبالرجوع إلى هذه الصحيفة يمكن تقرير حقيقة تثبت الآثار المصرية فيها، فوقائع كريد صورة مطابقة للوقائع المصرية ثم هي إلى جانب نشرها أخبار الجزيرة ومجالسها نقلت عن الوقائع معظم فصولها وأنبائها، وسياستها العامة مرتبطة أشد الارتباط بسياسة الوقائع من حيث النظر إلى المسائل العليا والدعاية للوالي وأعماله، وأيد ذلك العدد الرابع والثمانون المحفوظ بدار الكتب المصرية. بدأت الصحافة المصرية في الخارج صحافة رسمية، ولم يطل أمرها؛ لأن الولايات المتحدة أو البلاد الخاضعة لمصر لم تكن حالتها الفكرية تحتمل مثل هذه الصحف التي تقتضي دواوين ومجالس، وتقتضي حياة اجتماعية نشيطة كما كان الحال في مصر وكريد، لذلك كانت "وقائع كريدية" بداية للصحافة المصرية الرسمية في الخارج ونهاية لها أيضًا، ثم انتقلت فجأة في عهد الخديوي إسماعيل إلى صحافة متطرفة يصدرها أفراد ناقمون على الخديوي ورجال حكومته ويمثل هذه الصحافة في نشأتها يهودي مصري يقال له يعقوب بن صنوع، ويعقوب كاتب يختلف فنه عن كتاب الصحف في ذلك الوقت، فهو ناقد مر النقد، قاس في أسلوبه وحواره، لا يعرف قلمه حدودًا ولا قيودًا، تتمثل فيه طبيعة المصري إذا مزح أو سخر، وفي صحيفته سجلت الشخصية المصرية في أروع مظاهرها، وقد عرفه المصريون جميعًا في المدن وفي أعماق الريف، ولم تشهد الصحافة المصرية في مصر أو في الخارج معارضًا كيعقوب بن رافائيل صنوع "أي المتواضع". وصنوع هذا من الإسرائيليين القليلين الذين قرءوا إلى جانب التوراة الإنجيل والقرآن، وهو من الصحفيين الذين استهوتهم الفنون فتعلم في إيطاليا الرسم والنحت والموسيقى فأجادها جميعًا وكسب بها معاشه في مصر وازدلف بها إلى قصور الأمراء والباشوات حيث علمها أولادهم، وأنشأ بثقافته صلات

стр. 283

وطيدة مع هذه البيوتات، ثم عمل في المسرح وأعجب به الخديوي إسماعيل فسماه يومًا كما يزعم هو "موليير مصر" وله في التمثيل مسرحيات مترجمة ومؤلفة، جادة وهازلة، وقد ضمنها الملاحظة الدقيقة والسخرية اللاذعة والبسمة الطبيعية والدمعة الصادقة، وفي أثناء عمله المسرحي وجد في مصر رأيًا عامًّا يميل إلى النضج فاتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وهما قائدا هذا الرأي، وعليه درسًا اللغة الفرنسية، وكان للأفغاني رأي في إحياء الفكرة الحرة عن طريق الصحف، فاتفق الثلاثة على إنشاء صحيفة هزلية يديرها صنوع ويحرر فيها الشيخان بين آن وآن، وفيها تنقد أعمال الخديوي وتشرح تصرفات بطانته، ثم اتخذوا لها اسم "نظارته الزرقاء". وقد صدر العدد الأول من هذه الصحيفة في مصر سنة ١٨٧٧، وهي فريدة في نوعها لا في مصر وحدها بل في بلاد الشرق جمعاء، فهي نوع من الصحف لم يعتده المصريون ولم يروا له نظيرًا من قبل، وأسلوبها في أكثره دارج يجري بأمثال المواطنين وأقوال شيوخهم، وفيها لون من التصوير "الكاريكاتير" بذل في إخراجه صنوع خلاصة ما تعلمه من فن، ولقيت صحيفته الشعبية إقبالًا غريبًا واستهوت الناس من جميع الطبقات، وبلغ عدد ما طبع من بعض أعدادها خمسة عشر ألف نسخة١. ويذكر الدكتور محمد صبري في كتابه عن تكوين الرأي العام المصري أن جريدة صنوع شغلت قراءها عن الاستماع إلى مطرب العصر أحمد سالم حين دخل بائع الصحف، فانصرفوا عن المطرب إلى قراءة الجريدة، مع أن أحمد سالم كان يترنم بأغنية من وضع أبي نظارة عنوانها "المضطهد" لقي على غنائه لها عشرة أيام في السجن٢.

стр. 284

وما كان يمكن أن يحتمل إسماعيل وبطانته صحافة من هذا اللون فأغلق جريدة يعقوب وعالج أمر بقائه في مصر واستطاع أن ينال موافقة إيطاليا على نفيه -وكان صنوع محتميًا بها- فسافر أبو نظارة إلى باريس حيث أصدر جريدته بأسماء مختلفة، وقد اضطر إلى ذلك بعد أن حاربتها الحكومة المصرية وحظرت دخولها إلى مصر وحرمت المصريين قراءتها، وكان صحيفته تصدر في أول الأمر باللغة العربية ثم باللغة العربية والفرنسية وقد أصدرها مرة في ثماني لغات. كانت جريدة "أبو نظارة" أو صحيفة مصرية في الخارج ولم تعش في مصر إلا بضعة أشهر ثم مضى بها صاحبها إلى باريس حيث ينزل كل خصيم للسلطات المصرية، وهنا استطاع صنوع أن ينتج وأن يعلن إنتاجه في صراحة المطمئن إلى فنه وعمله زهاء خمسة وثلاثين عامًّا، وقد جعل خطة صحيفته "مصر للمصريين" وكانت تباع في مصر وفي غير مصر من بلاد الشرق التي رحبت بها ومنحته حكوماتها من أجلها الأوسمة والنياشين١ وقد ردها إلى اسمها الأول يوم ولي شئون الحكم شريف باشا في عهدي إسماعيل وتوفيق فكانت صحيفته توزع في مصر دون رقيب أو حسيب مع ما حملت من المعارضة القاسية والبذيئة للخديوين في بعض الأحيان. ويمتاز صنوع في عمله الصحفي بباريس أنه كان الكاتب والمدير ومصور الجريدة وطابعها، ولم يكن هذا الصحفي المصري خاليًا من العلم بل كان رجلًا مثقفًا "شاعرًا صادق الشاعرية" قال فيه لا جازيت دو بوردو "إنه شاعر ونظرته للأمور وإن كانت مبهمة إلا أنها عميقة" وأعجبت به " The Standard" و" The Morning Post" ومجدتا سخريته المصرية البديعة، ويقول عمدتنا في تاريخه بول دوبنيير "إن له نواحي من الضعف بيد أن فيه نواحي من الجمال الحق وصفحات سامية ذات قيمة وجديرة بأن تلفت النظر" وكان أبو النظارة

стр. 285

إلى جلب عمله الصحفي أديبًا يجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة وخطيبًا لا يشق له غبار ومحاضرًا ساحرًا، وله محاضرات مهمة هزت الرأي العام الأوربي، وخصومته ظاهرة جدًّا للإنجليز في هذه المحاضرات١. اضطر أو نظارة إلى تغيير اسم صحيفته ثلاث عشرة مرة بسبب الضغط الشديد الذي فرضته الحكومة المصرية على صحفه سواء قبل الاحتلال أو بعده، وقد نجح بالرغم من المراقبة في تهريب بضعة آلاف إلى مصر كما بلغت عدد النسخ المهربة مرة تسعة آلاف نسخة٢ وكانت أكثر الأسماء معرفة لدى القراء "أبو نظارة زرقاء" و"أبو زمارة" و"أبو صفارة"٣ وكان المحرر ينشر كثيرًا من المحاورات الزجلية الطريفة التي تصور حياة مصر وتحمل على خديوها وحكومته، يقسو فيها أسلوبه أحيانًا حتى يبلغ درجة الفحش الذي تتعفف عنه أكثر الأقلام إسفافًا. وكان بجانب هذا ينشر لونًا من النقد الاجتماعي في أسلوب معظمه عامي دارج دعا به إلى الرحلة والاستفادة منها؛ "لأن الدنيا شهوها الفلاسفة بكتاب وقالوا اللي ما خرجش من وطنه كأنه ما قرأش إلا أول صفحة فقط"، ثم يعطف الكاتب على مصر ساخرًا من تواكل أمته التي يظلمها الظالم ويقسو بها الحاكم حتى إذا كادت تموت جوعًا كان احتجاجها "لك الحمد يارب دي إرادتك". وهكذا يستمر في نقده اللاذع الصادق وتصويره الرائع لنفوسنا واستعدادها آخذًا على مواطنيه تلك الألفاظ التي لا تزال ترن في آذاننا، ألفاظ التواكل والضعف والاطمئنان حيث لا ينبغي الاطمئنان٤ ومن أهم المحاورات ما دار
следующие страницы →