برعاية الدين العام١ ومعنى ذلك أن الخديوي لم يكن متحمسًا غاية التحمس لاشتراك مصر في هذه الحرب؛ لأن المساعدة المطلقة مرهونة بحال الميزانية، وميزانية مصر لم تكن تحتمل الاشتراك في الحرب ثم إن ارتباط مصر برعاية الدين العام معناه اقتصار المساعدة على صورة ضيقة جدًّا فلم تشترك إلا ببضعة آلاف من الجنود لم تتجاوز ستة آلاف جندي، وهذا عدد يسير جدًّا إذا علمنا أن سكان البلاد في ذلك الوقت كانوا ستة ملايين نفس.
فلا غرو إذن أنْ كان موقف الحكومة المصرية مما كانت تنشره الوطن وغيرها موقفًا سلبيًّا بل موقفًا فيه من التشجيع ما سمح لهذه الصحف بالحديث في أمور "بوليتيقية" من فضل في تطور هذه الصحف ونقلها إلى جو من الحرية فحسب بل كان لها فضل آخر وهو أن هذه الصحف أخذت على عاتقها وظيفة الدفاع عن الشئون المصرية الدولية وبذلك شاركت الصحافة المصرية الحكومة فيما كانت تختص به الحكومة نفسها، فقد أنتجت الحرب الروسية التركية صلح سان استيفانو بين الدولتين ثم مؤتمر برلين وما ترتب على ذلك من تضحية المساءلة المصرية من غير مبرر، واقتسام الإشراف على مالية مصر بين فرنسا وانجلترا٢.
стр. 72
ولم تقف المطامع الأوربية في مصر عند فرنسا أو انجلترا بل تجاوزتهما إلى روسيا التي طلبت رهن خراج مصر لتسدد منه تركيا غرامة الحرب بعد هزيمتها، وهنا تبدأ الصحافة الشعبية وظيفتها الجديدة فتشرح قصة الحرب مرة أخرى، وتعلق جريدة الوطن على ذلك لافتة الأنظار إلى مطمع الدول الأوربية في المصريين وخاصة انجلترا، ثم تحمل في شيء من العنف على الحكومة الإنجليزية وعلى The Standard الصحيفة التي تمثلها في ذلك الوقت، وتشير إلى النيات السيئة التي تنويها إنجلترا لمصر، فإن الصحف الإنجليزية دعت خلال الحرب إلى احتلال البلاد حتى تحول القوات البريطانية دون تغلغل الروس إلى قناة السويس١.
كانت الحرب الروسية التركية حجر الزاوية في تطور الصحافة الشعبية إلى صحافة حرة، فقد شبت عن الطوق ورأت شئون مصر تسير في اتجاه فيه غبن شديد على البلاد، وقد أثار وجود الأفغاني في مصر قبيل الحرب التركية الروسية وفي أثنائها تيارًا من التفكير الحر، إذ تتلمذ له الكثيرون من طلاب العلم والمتعطشين إلى الآراء الجديدة، وكان حديثه "ينير العقل ويطهر العقيدة ويذهب بالنفس إلى معالي الأمور ويستلف الفكر إلى النظر في الشئون العامة مما يمس مصلحة البلاد وسكانها، وكان طلاب العلم ينتقلون بما يكتبونه على تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون يذهبون بما ينالون إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر وتنبهت عقول وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصًا القاهرة"٢.
ولم يقف حظ الحياة الفكرية من فضل هذا الرجل عند حديثه الحلو ومحاضراته الممتعة لطلاب العلم ورواده من خاصة الناس فإن له على الصحافة الشعبية فضلًا يعادل فضل الحرب الروسية التركية، فهو الذي أوحى ليعقوب بن صنوع بإصدار مجلة "أبو نظارة" أقدم الصحف الهزلية المصورة في
стр. 73
الشرق١ وهي الذي اقترح على أديب إسحاق إنشاء جريدة "مصر" في القاهرة٢، ويرجع إلى الأفغاني فضل السعي في إخراج جريدة "مرآة الشرق" فقد توسط لصاحبها هنا وهناك حتى منح الترخيص بها٣.
ولم يكن للأفغاني فضل الإيحاء والإشارة بإنشاء هذه الصحف وحدها بل كانت له فيها المقالات الممتعة كحديثه عن "الحكومات الشرقية وأنواعها" ومقالته عن "روح البيان في الإنكليز والأفغان" وكان يمهرها باسمه تارة وتارة تحت حجاب اسم مصنوع مثل: "مظهر بن وضاح" ومن أهم مقالاته فيها حملته على الإنجليز تلك الحملة التي ترجمتها صحفهم٤، وكذلك كانت التجارة مجالًا لتلامذته كالأستاذ الإمام٥، وكانت هذه الصحيفة تذكر الأفغاني وتنقلاته في أسلوب غريب فتسميه "سيدنا فهرست كتاب الكمال وفذلكة حساب الجلال أستاذنا الأجل الفيلسوف الأكبر السيد جمال الدين الأفغاني"٦ وقد لقيت التجارة حتفها على يديه فقد ملأها بالمقالات الثورية ابتداء من عددها السادس عشر ثم زعمت في خبر من أخبارها أن الأمة وكلت إليه السفارة بينها وبين الخديوي وكان هذا الخبر سبب تعطيلها الحقيقي٧.
عرضنا لأثر الحرب الروسية التركية في الصحف الشعبية وأوضحنا سهم الأفغاني في نقلها إلى مصاف الرأي، وهذان عاملان لهما خطرهما في
стр. 74
تاريخ الصحافة الشعبية وتطورها، وقد ظهرت بجانبها بعض العوامل التي لا تقل عنها أهمية ومصدرها الحالة في مصر نفسها، فقد جهد الخديوي من ناحيته في تهيئة الأفكار بما جدد في حياة مصر الأدبية والمادية مما كان له أثره الواضح فيما بعد، وأنتجت محاولات الخديوي الإصلاحية نتيجتها المرتقبة، فإذا الناس متبرمون لم تغنهم إصلاحاته ولم تحتمل طبيعتهم الرضية مساوئ بطانته، فهو يعمل على إسعادهم في ناحية وتعمل بطانته على إفقارهم في ناحية أخرى، وأقرب الأمثلة ما ذكره قنصل الولايات المتحدة في تقرير له وهو يتحدث عن الإصلاحات التي أدخلها الخديو في مصر، ويعقب على ذلك بحديث عن الأرض وتوزيعها وكيف استولى البعض على أكثر من خمسها وكيف كان هذا الخمس يفوق الأخماس الأربعة الباقية من حيث الجودة ومن حيث عناية الحكومة بإروائها موقعها وتسخير الناس لخدمتها١.
والخديوي يستدين ويصبح دينه خطرًا على الكيان المصري في نهاية عام ١٨٧٥ وأوائل عام ١٨٧٦، إذ إن هذا الدين أجاز للدولة الأوربية حق التدخل في شئون مصر، ثم يشعر بالضيق المالي فتضيع أسهم قناة السويس في صفقة خاسرة، ويستقدم بعثة كيف الإنجليزية لتفحص مالية البلاد ثم تتوقف الحكومة عن أداء أقساط الديون، وقد لاحقتها الأزمة من جميع جوانبها الأمر الذي ترتب عليه إنشاء صندوق الدين٢ وتدخل الأجانب في الشئون الداخلية.
لم يفد إنشاء صندوق الدين أو مشروع توحيد الديون في مايو عام "١٨٧٦"٣ أو إنشاء مجلس أعلى للمالية نصفه من الأجانب٤ لم يفد كل هذا
стр. 75
في وقف تدخل الأجانب تدخلًا مباشرًا في شئون مصر الداخلية بل ساعد ذلك على هذا التدخل حتى أصبحت حياة مصر المالية تحت رقابة مشتركة من الإنجليز والفرنسيين، ثم تراءى لهؤلاء أن يؤلفوا لجنة للتحقيق في ٢٧ يناير سنة ١٨٧٨، وكان من أظهر رجالها ريفرز ولسن Rivers Wilson أحد الوكيلين١ وينتهي أمر هذه الأزمات المالية المتلاحقة بإنشاء مجلس النظار لأول مرة في تاريخ مصر، وتحققت بذلك فكرة المسئولية الوزارية في الحكومة المصرية، بيد أن هذه اللفتة يشوبها وجود وزيرين أجنبيين في مجلس النظار أحدهما إنجليزي للمالية والثاني فرنسي للأشغال٢.
كانت هذه التطورات في حياة مصر الداخلية امتحانًا لصحافتها ومحكًّا لنضجها وكفايتها، فقد استفتحت الوزارة المختلطة أعمالها الأولى بإخطار رسمي لجميع الصحف التي "تتضمن الاعتراض بحالة خارجة عن حدود وظائفهم على مسلك الهيئة الحاضرة"٣ ولم يكن قد بدا بعد من الصحف اعتراض على الهيئة الحاضرة بل إن "الوطن" وهي صحيفة حرة في ذلك الوقت، استقبلت الحكومة النوبارية استقبالًا حسنًا وأثنت على رجالها ثناءً طيبًا على اعتبار أنها وزارة مسئولة لا تظلم ولا تقضي بغير ما يوحي به القانون وخاصة المسائل التي تتصل بالمال وجباية الضرائب٤.
وقد انتهزت الصحف تعيين الوزارة الجديدة فأخذت تشرح مساوئ العهد القديم في تقريره "ضرائب غير مقررة ولا جائزة ولا مبررة" وتذكر موظفيه الذين أثروا من فقر الفلاح ونهبه حتى "أصبحوا من أهل اليسار والثروة والعقار وصارت في حيازتهم أخصب الأطيان"، ثم تتجه إلى ولسن
стр. 76
واضعة بين يديه آمال الفلاح في القضاء على المفاسد والمفسدين١ وتعقب في موضع آخر بعد نشر تقرير ولسن عن الخلل المالي حاملة أشد الحملة على الحكم المطلق الذي كان يلزم الفلاح بالضرائب الفادحة ومع ذلك كانت خزانة الدولة خالية الوفاض "بينما زادت عقارات الدائرة وبلغت مليون فدان"٢.
وكان تشجيع الصحف الشعبية للوزيرين الأجنبيين ظاهرًا جدًّا حينما دافعت عن تعيينهما دفاعًا شديدًا لما طلبت إيطاليا أن يكون لها في الغنيمة وزير، فقد شرحت خدمات الوزارة المختلطة في ارتفاع الأوراق المالية واستلام الموظفين رواتبهم والتمكن من عقد القروض الجديدة بفائدة ضئيلة وإن لم تفوت الشكوى من الموظفين الأجانب ورواتبهم المرتفعة.
فالصحافة الشعبية إذن لم تستقبل تعيين الوزارة استقبالًا سيئًا، وكان ذلك بعض واجباتها ما دامت شئون الحكم ألقيت إلى الأجانب، ولكنه سالمت العهد الجديد لعله ينقذ مصر من العهد القديم ويقضي على المساوئ التي أساءت إلى الفلاح والموظف، وأساءت إلى كثير من المرافق العامة والخاصة، وقد راضت الحكومة نفسها على أن تمنح الصحف بعض الحرية حتى تستيطع أن تفهم المآسي التي لقيها الشعب، ولا يعنيها في أول الأمر بعض الملاحظات التي تبديها الصحافة في عنف كحملتها على مدير السكة الحديد الإنجليزي، أو مقالاتها في الحالة المالية وماهية "الحكومة المطلقة والمظالم الحاصلة والوزارة الشورية"٣.
ولم يضغط الخديوي على الصحف الشعبية خلال الحرب الروسية التركية ما بقيت ملتزمة مدحه والثناء عليه وكل ما شغلت به صفحاتها لم يمسسه من قريب، فإذا حد التدخل الأجنبي سلطان الخديوي فسح المجال لهذه الصحف
стр. 77
فتفست عما في صدرها ونشرت مساوئ الحكم قبل سنة ١٨٧٨ ولم تتحرج كما رأينا من مسالمة الحكومة المشتركة وتحيتها، واستطاعت أن تقول ما حالت دون قوله السلطة المطلقة فيما مضى ثم قلدت الهيئات المختلفة الصحافة في الشكوى وإذاعة الفضائح بالمذكرات والمنشورات وأهمها مذكرة التجار الأجانب في الإسكندرية التي أرسلوها إلى قناصل الدول ناعتين العهد السابق في تصرفاته المالية بأقبح الأوصاف١.
كادت ظاهرة الإعجاب بالحكم الجديد تستغرق صفحات الأهرام والوطن وغيرهما من الصحف المعاصرة التي لم تبلغ قدرهما من الذيوع والانتشار، غير أن هذه الصحف رأت بعض المآخذ في الوزارة النوبارية فبدأت تلفت إليها النظر في هدوء، فذكرت الوطن ما يجري على ألسنة الناس من أن المستر ولسن سيعين موظفين إنجليزيين وسيقتدي به "دوبلنيار الفرنساوي" وأن ذلك سيحرم أبناء الوطن المتعلمين حقًّا إجازة لهم تعليمهم وثقافتهم٢ ثم تشتد بعض الشيء فترى جريدة التجارة أن حرمان المصريين حقهم في الوظائف بربرية أوربية لا يجوز السكوت عليها؛ لأن القوم "نازعونا الأرض المحبولة بدم آبائنا" وأصبحوا أمراء في بلادنا وهي إمارة "الأجير وملكية المستعير وتأصيل الدخيل ولا لوم عليهم في ذلك ولا تثريب، فإن من لا يصون ماله يعلم الناس سرقته" ثم تهاجم الصحف الفرنجية "المطبوعة تحت سمائنا"؛ لأنها لامت الوزير الفرنسي حين استخدم المصريين في المسائل الهندسية، وتذكر لها أن عهد الاستبداد وتقييد حركة الكتابة قد انتهى، وأن الآراء الحرة والفكرة الناضجة ليست وقفًا على الفرنجة دون المصريين.
وقد ظنت الحكومة الجديدة أن تنفيس الصحف عن نفسها بذكر مساوئ العهد السابق وملاحظة شئون التوظف في المصالح المصرية ورمي ولسن بالجهل
стр. 78
في الأمور المالية١ هو غاية ما تصبو إليه الصحف المصرية، بيد أن الصحافة المصرية كانت قد بلغت من القوة ونضج الرأي واستقامة التفكير ما جعلها تبحث في أعمق من المسائل التي عالجتها، فقد كانت فكرة الشورى تأخذ عليها حياتها وجهادها فبدأت تنشر المقالات في أن المسئولية الوزارية تكون عبثًا على الصورة التي تألفت بمقتضاها الوزارة المختلطة فأمام من تكون هذه الوزارة مسئولة إذا لم يكن هناك مجلس للنواب؟ وهو يكون أهم شيء في مصر، كما أنه أهم شيء في الممالك المتمدنة وإذا كان مجلس النواب لازمًا في بلاد أوربا فهو ألزم لنا نحن المصريين؛ لأن وزارتنا مختلطة من وطنيين وأوربيين والأوربيون لا بد أن يقدموا مصالح بلدهم وأرباب الديون على مصالح الوطنيين، ثم تأخذ الصحيفة في معالجة أمر تكوينه وحقوقه والتزاماته ثم تذكر في مقال آخر الأهمية التي تعلقها على انعقاد هيئة تشريعية تسأل أمامها الوزارة إذ إنه "لا يخفى أن قوة المملكة وغناها لا يقوم إلا بانتظام مجالس شوراها"٢.
فإذا دعت الحكومة مجلس شورى النواب إلى الانعقاد استبشرت الصحافة بهذه الخطوة وأملت في أن يضرب المثل على حيويته حتى يحس الناس وجوده، وتحدثت عن أعضائه بأنه قوم "لا تأخذهم في الحق لومة لائم مع العلم بواجباتهم وحقوق الأمة وما بها من الآلام وبودهم لو افتدوا الإصلاح بدمائهم"٣.
فإذا تم انعقاد المجلس في ٢ يناير ١٨٧٩ تشجعت الصحف بوجوده وانتقلت إلى معارضة الحكومة في سفور وفي غير تحفظ، فحملت على ريفرز ولسن الذي لبس مسوح الرهبان حتى تمنت البلاد وجوده على ماليتها فلما تحقق له ذلك ألزم الفلاح بدفع الأموال المتأخرة في السنوات الثلاث
стр. 79
الماضية "مع غرق الأراضي وشرقها فإذا لم يرض الفلاح بدفع هذه الأموال المتأخرة ألزموه أولًا ببيع أرزاقه ومحصولاته ثم بيع مواشيه وأطيانه وجميع عقاراته، بل زاد على ذلك بأن أمر بالاستعانة بالقساوة القديمة" وعلقت على ذلك بأن السياسة القديمة لا تتفق مع حملات ولسن في تقريره عن العهد القديم ثم تفصل ظلمه وجوره "في رفت المستخدمين المشهورين بالخدمات الصادقة ثم تعلق آمالها على مجلس شورى النواب في رفع المظالم جميعًا.
والصحافة تشجع مجلس النواب وتعضده كما شجعها وجوده فهي تذكر أنباءه كأهم ما يعني المصريين من أخبار فتنشر المقالة الخديوية والرد عليها، وتبرز بعض النواحي في هذا الرد وتشير إلى الجمل القوية فيه مثل مخاطبة الخديوي بأنهم "نواب الأمة المصرية ووكلاؤها المدافعون عن حقوقها الطالبون لمصلحتها" ثم يتحدث الكاتب عن مجلس النواب، "وهو السبب الموجب لنوال الحرية وهو الباعث الحقيقي على بث المساواة في الحقوق" ثم يذكر مجلس النظار المسئول أمام الأمة ويشير المحرر إلى جملة مهمة صدرت من مجلس النواب إلى الخديوي على اعتباره ملكًا لمصر المستقلة "ونعلن من صميم الفؤاد سرورنا وكمال ابتهاجنا بما تشرفت به مسامعنا من خطاب جلالتكم" ثم يقرر المحرر أن مقال الخديوي ورد النواب أوجد جوًّا من الثقة وأحيا آمال هذه الأمة التي لا تزال راجية أن تنال شرفها التليد "الذي شهدت به التواريخ وأنبأت به الآثار"١.
وإن هذه التحية التي يلقاها مجلس النواب من الصحافة الشعبية لا تحملها على التهاون في أمور البلاد إذا قصر المجلس في واجب من واجباته فهي تبث شكواها لظلم الموظفين الوطنيين وخاصة في السكة الحديدية، وتبدى دهشتها من انصراف المجلس عن بحث مثل هذه الحالة فقد "كان بودنا أن مجلس شورى النواب الذي انعقد وضربت له المدافع أن يكون عن الوطن خير مدافع".
стр. 80
وهي إذا سخرت من المجلس والمدافع التي أطلقت له، تأبى أن يهين أحد هذا المجلس وخاصة إذا صدرت الإهانة من أحد الوزيرين الأجنبيين فتقول عن موقف ولسن من الأعضاء أنه لم "يعرض عليهم قضية كلية ولا جزئية فكأنه يظن أنه ليس من الأكياس أو أنهم ليسوا من الناس بل إنهم كالأنعام أو أنهم بكم كالأصنام" ثم تتجه إلى الأعضاء وتشجعهم قائلة "ففي هذا المقام الصعب الممتطي الزلق المرتقي يجب على الأعضاء التزام الخدامة، وارتفاع الأخطار لا يكون غالبًا إلا باقتحام الأخطار" ثم تحمل على الوزيرين الأجنبيين لأنهما تواطآ على الازدراء بالمجلس١.
وتمضي الصحف في تهيئة الأفكار وتفتيق الأذهان وتنشر بين آن وآن اقتراحات النواب أو لوائحهم كما تسميها، فتذيع مع التقدير والتشجيع اقتراح محمود بك العطار وعبد السلام بك المويلحي بإلغاء الضرائب القديمة دفعة واحدة وفرض ضرائب جديدة لا ترهق الفلاح، ولكن رئيس الحكومة لا يعترف بحق النواب في ذلك ولا يرفضه أيضًا، وتعرض جريدة التجارة هذه الحالة في أسلوب عنيف وحجة قوية وتذكر في شيء من الفخر بأن هذا البيان بيان النائبين علم الناس "أن في السويداء رجالًا سودتهم نفوسهم فلا تسام خسفًا ولا تضام عسفًا"٢.
ثم تعالج الصحف أسلوب ولسن في الحكم وطرائقه في التفريق بين طبقات الأمة وبذر عوامل الفتنة بينها بتفضيله قومًا على قوم، هو يبسط السوط لجبي الضرائب من الفلاح وهو عار تقتله المسغبة ثم يأذن "بصرف شهرين للعلماء الكرام وعجب للعلماء في موقفهم؛ "لأنهم لم يراعوا إلا أنفسهم ولم يسألوا إلا إجراء أرزاقهم خاصة، وكان العهد بهم أن يؤثروا الغير على
стр. 81
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لوقوفهم موقف الرئاسة والإمامة وعلمهم بأن الذين لهم أرزاق متأخرة في الرزنامة هم ما بين يتيم وأيم وزمن ومقعد وغيرهم ممن لا يستطيعون حراكًا لإصابة الرزق من غير هذا الباب"١.
في مثل هذا الأسلوب القوي عالجت الصحافة المصرية شئون مصر متخطية جميع الصعاب الرسمية من إنذار وتعطيل مؤقت، فتحدثت عن مساوئ البطانة الخيديوية والوزارة النوبارية معًا، وهاجمت الأجانب ووزيريهما وشجعت مجلس النواب وأتاحت له فرصة الظهور ومدت رجاله بالرأي السديد الموفق وناقشت أموره الفقهية كواجب انتخاب رئيسه لا تعيينه وحقه في فرض الضرائب والمسئولية الوزارية٢ كما بحثت في وجوب فرض الضرائب على الأجانب وخاصة الوزيرين اللذين يتقاضيان ستة آلاف جنيه في السنة من شعب يتشدقون بإفلاسه، غير فصولها الأخرى في المسائل المالية الدقيقة كالدين الموحد والثقة المالية والنقد.
ومهما يكن قضاء المؤرخين في الوزارة النوبارية التي ضمت وزيرين أجنبيين فإنها صاحبة فضل على الصحافة وهو فضل غير مباشر، قد تولى نوبار النظارة طبقًا لمرسوم ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨ وهي أول وزارة في تاريخ مصر الحديث تحملت المسئولية الوزارية، والمسئولية الوزارية تستوجب الحذر أحيانًا وتفرض سعة الصدر فتعامل الصحافة "بالرفق والتلطيف وحسن البيان" كما تقول جريدة التجارة وخاصة أن الوزارات ضمت ناظرين أجنبيين وهي صدمة وطنية أحس أثرها العامة والخاصة على السواء، فقد كان المعروف أن الوزارة برمتها جاءت لتفض الأزمة المالية يعني جاءت لتحمي مصالح الأجانب وترد إليهم أموالهم بشتى الطرق.
ولم يقف سلطان الوزيرين عند هذا الحد بل تدخلا في شئون الدولة جميعًا
стр. 82
فبدأت الصحافة تصور هذا التدخل بمقالات سياسية ذكرنا طرفًا منها وكان لها أبعد الأثر في أعضاء مجلس شورى النواب، فنشط أعضاؤه وأخذوا على عاتقهم مهام لم تبحها لائحة المجلس الأولى ولكنهم تشجعوا بعد أن رأوا في الصحف قوة تنصرهم وتدفعهم وتحميهم فقد كانت لهم "في هذه الأيام بمنزلة المصابيح في ظلمات الأحوال"١.
ثم أدت هذه الوزارة بأزماتها مع الموظفين ومشاكلها مع ضباط الجيش٢ إلى اتفاق بين الصحافة والخديوي لم يكن مكتوبًا أو منصوصًا عليه ولكنه كان اتفاق مصلحة مشتركة اقتضتها الظروف القاسية على الطرفين، فالحكومة تشجع الصحف على إظهار ظلم بطانة الخديوي ثم تشجع الفلاحين والسراة على كتابة العرائض فيما أصابهم من غبن على يديها٣ ويستقبل ريفرز ولسن هذا كله استقبالًا حسنًا ثم لا تخرج الحكومة من ورطه إلا وتقع في أخرى ويتقلب الحال وتبدأ الطبقات شكواها من العهد الجديد الذي ساوى العهد القديم في الظلم وزاد عليه أنه جرح الكرامة المصرية بتعيين وزيرين أجنبيين في بلد مستقل، وكان من أظهر الطبقات ضيقًا وتبرمًا ضباط الجيش الذين أحيلوا إلى المعاش فهؤلاء مثلوا المصريين جميعًا بالظلم الذي وقع عليهم والثورة التي قاموا بها، وأثر عن هذه الحركة تيارات خفية وعلنية بين المشايخ والأعيان وبين الخديو، وقامت الصحافة تمثل هذه الحياة الثائرة الحكومة والأوضاع المعمول بها فتذكر علو همة الضباط الثائرين وعدالة مطالبهم٤ ثم تلح في وجوب اتفاق الحكومة والشعب على إنشاء برلمان مسئول يجعل غايته أن تكون مصر للمصريين وحدهم٥.
стр. 83
لم تفلح الحكومة المصرية برئيسها نوبار باشا ووزيريها الأجنبيين في توجيه حياة المصريين إذ أصبحت حالهم أسوأ مما كانت قبل تولية الحكومة النوبارية أمور البلاد، وضج البرلمان الإنجليزي نفسه وصور المصريين في عهد هذه الحكومة بأنهم أصبحوا بسياستها "مجرد أشباح"١ وشاركته في ذلك الصحافة الإنجليزية وعلى رأسها التيمس إذ تقول: "إن مجلس النظار يستبد بالأمر دون رئيس الحكومة الذي منح حكم بلاده، والإدارة تنتقل شيئًا فشيئًا إلى أيدي الأوربيين والمناصب العالية مغلقة في وجوه المصريين، مع أن مصر مهما بلغت بها الحال ملك للمصريين٢.
هذا حكم الإنجليز على الموقف وهم أصحابه فلا عجب أن وزعت المنشورات ضد الحكومة وأعضائها٣ واشتدت الصحف شدة لم يعهدها النظار فكتبت التجارة مقالًا عنيفًا ضد ولسن لإغفاله مجلس شورى النواب فعطلت خمسة عشر يومًا واستقبلت أمر التعطيل بإصرار على المعارضة "فإن التجارة تحسب حب الوطن دينًا والمدافعة عنه جهادًا فإن عاشت فيه فهي سعيدة وإن ماتت فهي شهيدة ولقد أتاها الله النعمتين وأتاح لها الحسنيين فعاشت به وماتت عليه وستبعث بعد أسبوعين رافلة في ثوب الشهادة مزينة بحلي السعادة على رغم أنوف حاسديها الذين أولو كلامنا إلى ما لم نقصد وحاولوا إطفاء نور الحق ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبطلون"٤.
لم تستطع الحكومة النوبارية أن تواجه الحالة فاضطرت إلى الاستقالة وتولى توفيق باشا ولي العهد رياستها وأبقى الوزيرين الأجنبيين في مكانهما القديم، وزاد سلطانهما بما منحا من حق الفيتو على قرارات مجلس النظار٥
стр. 84
بيد أن بنيان الحكم بقي متصدعًا بالرغم من ولاية توفيق لرئاسة الحكومة.
وقد استقبل مجلس شورى النواب الوزارة الجديدة أشد معارضة مما كان فرأت الحكومة أن تفض هذا المجلس، وكان في وسعها أن تصنع ذلك دون أن يحس الرأي العام ما صنعت، ولكن الصحف تفوت عليها هذا الغرض وتهاجمها وتنصر النواب، وتشجعهم وتعلن موقف المويلحي عضو المجلس من عطو فتلو رياض باشا الذي حضر إلى المجلس ليفضه حتى إذا ذكر الوزير شكره للخدمات التي قام بها المجلس ذكرت الوطن موقف المويلحي الذي انبرى للوزير محتجًا بأنه لا معنى لتشكرات الحكومة فإنهم -أي النواب- لم يبدوا مأثرة تنشر ولم يفعلوا شيئًا يستحقون عليه الشكر والامتنان وأنهم مصممون على دوام انعقاد المجلس إلى آخر هذا الحوار البديع بين النائب والوزير.
وقد أخذت الجريدة تعلق على ذلك كله وهي تلتمس للنواب مخرجًا من الحرج الذي دفعتهم إليه الحكومة، هذا الحرج الذي يحرمهم مواجهة ناخبيهم والتحدث إليهم فهم لم يفعلوا شيئًا حقًّا ولم يقوموا بواجبهم المفروض عليهم أداؤه، والجريدة ترى من واجبها أن تذيع على الناس ذلك الموقف "ليشهدوا المعركة بين الاستبداد والحرية" وليس هذا فقط بل هي تحرض بقية الهيئات الأخرى على معاضدة النواب وتشجيعهم وتدفع الجماهير إلى شد أزرهم ذاكرة أن مجلس النواب المصري يهزأ منه الحكومة وتراه لا يعادل مجلس نواب البلغار مع الفارق الكبير بين البلدين وبين الشعبين وبين موارد كليهما ثم تطالب بتنقيح قانون المجلس القديم إن كان له قانون كما تقول هي، على أن يراعي في وضع قانونه ظروف الزمان والمكان كما ألحت في إطلاق حرية الصحافة وسن قانون لها ينظم أمورها١.
لم تستطع حكومة ولي العهد أن تواجه الحملة الصحفية بحزم مع أن الحكومة جمعت أصحاب "الجرانيل" وأكدت عليهم "بعدم درج شيء
стр. 85
في جرانيلهم مما يتعلق بمجلس الشورى والأجانب١. وليست الصحافة وحدها التي زلزلت الحكومة وطوحت بها، بل للخد ونفسه دخل في ذلك، ولمجلس شورى النواب نصيب غير منكور "فلم يعد هزؤء فقد أظهر أعضاؤه أدلة كثيرة على وجودهم واستقلالهم" كما تقول التيمس٢، ولم يمهل بعض أعضاء المجلس والأعيان الوزارة فأخذوا يحضون الجماهير على السخط على الحكومة فدعى بسقوط رياض وغيره من الوزراء في المساجد والجوامع٣ ثم اجتمعوا على هيئة "جمعية وطنية" ووضعوا مشروع تسوية مالية٤ وطالبوا بتعديل نظام مجلس شورى النواب على غرار المجالس الأوربية٥ وأقر الخديوي وجهة نظر الوطنيين ودعا شريف باشا إلى تأليف حكومة وطنية جديدة٦.
стр. 86
الصحافة الشعبية في مصر (٣):
كان انتصار وجهة النظر الوطنية انتصارًا للصحافة المصرية التي ساهمت في ذلك مساهمة تحملت أثقالها وحدها من التضييق والإنذار والتغليق، لذلك احتفلت بتعيين شريف باشا رئيسًا للنظارة احتفالًا عامًّا، فنشرت الصحف كتاب الخديوي للقناصل الذي تضمن موافقته على اللائحة الوطنية وتعيينه لشريف باشا وأبرزت في إعجاب قوله: "إن الأمة قد أجمعت على تنفيذ مقتضى هذه اللائحة ومعلوم لجنابكم أن الأمة إذا اتفقت كلمتها وإن على خلع ملك أو سلطان فلا بد من تنفيذ إرادتها وإجابة رغبتها"١.
وعلقت الجريدة بخطورة هذا التصريح وصدقه في تقدير الخديوي لقوى الأمم وسلطانها، ثم أخذت تصف حفلات الابتهاج بالحكم الوطني الجديد وترجو في إلحاح "رجوع المجلس إلى ما كان عليه من الانتظام"٢.
ثم مضت الصحف بعد تأليف النظارة الشريفية تعدد مآسي حكم الوزيرين الأجنبيين وتفسح صدرها لأنصار الخديوي فنشرت للشيخ "علي الليثي منشى المعية السنية" كما جاء في تقديمها له مقالًا ضرب فيه على الخط من قدر الحكومة السابقة التي تعدت اختصاصها وسلبت من المصريين حقهم في تولي شئونهم كما حيا الوطنيين الثائرين الذين صنعوا اللائحة الجديدة، ثم مضى فرد الفضل كله إلى الخديوي وشجاعته٣.
وإذا كانت الصحافة المصرية عبرت أحسن تعبير في تصير هذه الفترة من الحياة المصرية حتى أصبحت لسان الحركة الناطق وجعلت من المصريين "أمة" كما يقول الخديوي لها خلع الملوك وتولية السلاطين، فإنها لم تنس
стр. 87
حقوقهم إذ أدت التزاماتها من قبل، فتحمل التجارة على الصحف المتشيعة للحكومة الأجنبية السابقة وتذكر ألوان الضيق التي ترتبت على وجود إدارتين للمطبوعات، إحداهما للصحف الفرنجية والثانية للصحف الوطنية "فإنهما على طرفي نقيض في معاملة الجرائد، تلك تطلق لها العنان ولا تعارضها فيما تقول مع كثرة وقوعها في الحكومة وافترائها الكذب على الوطن وسعيها في إفساد القلوب، والثانية تقف بالمرصاد لو ريقاتنا القائمة بخدمة الوطن وتنوير بصائر عامته وتفكيه خواطر خاصته مع صدورها عن الغيرة الصادقة والحمية الخالصة ومع صدق ولائها وحسن طاعتها وغزارة فوائدها نقول هذا وفي القلب حزازات من انقسام إدارة المطبوعات شطرين متمايزين بخلاف ما هي عليه في الدولة العثمانية وسائر الدول في العالم المتمدن ولكن لا غرابة في هذه الخلل فهو من آثار الوزارة الساقطة"١.
أحلت الصحف في عدالة المعاملة وهي ترجو هذا من وزارة الأمة على حد تعبيرها فقد فرغت من ظلم العهود السابقة وهي تعلم أن خصومها واقفون بالمرصاد للشعب وصحافته، فالأجانب وحكوماتهم لن يرضوا عن هذا النصر الشعبي الملحوظ في الموافقة على اللائحة الوطنية، والخديوي مهما يكن عطفه على هذه الحركات فهو لن يقبل انتقال السلطة من يديه، وكذلك حال خصومها من الوزراء السابقين وخاصة رياض باشا "الذي استعان بالنعمة على الكفران وجعل الجحود جزاء الإحسان فأغضب الأمة بمسلميها ونصاراها ويهودها" ثم يستقبل أديب إسحق محرر التجارة حكومة شريف استقبالًا حسنًا ويدافع عن سياستها في تحصيل المال لسد النفقات والديون، ويذكر أن الكرباج لم يعد أسلوب جبي الضرائب وأن الرئيس يجمعها "بالتشجيع على الدفع عن طريق الوطنية" ثم يطلب من المتخرصين الانزواء؛ لأن الاستقلال والحرية اللذين يشتريان بالدم والروح يمكن بذل المال للمحافظة عليهما،
стр. 88
وهي تعرض ما قالته بعض الصحف الأجنبية في مصر شهادة منها لوطنية المصريين في دفع المتأخرات المالية عن رضاء واطمئنان١.
ولم يرض صاحبا الأهرام وصحفهما عن سياسة الخديو فيعارضاها معارضة ملؤها العنف حتى صدر الأمر بإقفال الأهرام وصدى الأهرام ومحاكمة صاحبيهما، ولكن الحكومة تعود فتجيز نشر الأهرام وتحدها٢ وتأبى الرجوع عن غلق صداه٣ ولم تفرح التجارة وهي خصمها العتيد لهذا الإغلاق فهو شيء لا ترضاه على كل حال لذلك كتبت تأسف على ذلك لعلمها "بما يترتب على الجرائد من الفوائد فإنها واحدة ثلاثة هي محور التهذيب نريد المدارس والجرائد والتياترات"٤ ثم تعقب في العدد التالي متجهة إلى أولى الأمر آملة "من حكومتنا السنية الآخذة الآن بأسباب الشورى أن تنظر إلى الجرائد بعين الرفق ولا تمسها إلا بالتؤدة فهي "واسطة المعاملة بينها وبين الرعية فإن فنيت وهي لسان الحال فإن هيئتنا المدنية تكون خرساء لا تحسن النطق فضلًا عن البيان"٥.
فالصحف المشايعة للحكومة المصرية تغار على كرامة الحكم المصري فتجادل خصومة بشدة ولو كانت صحفًا مثلها كما أنها تأبى أن ينزل بدولتها عقاب قد يؤثر عليها فيما بعد فتدافع عن الأهرام وصداه وتذكر أن إقفالهما ساءها وتذكر المسئولين بفضل الصحف وضرورة الإبقاء عليها مع أن صدى الأهرام اتخذت موقف الخصم من الخديوي وحكومته ونقدت تصرفات ولي النعم فأصدرت الحكومة أمرها بإغلاق صدى الأهرام ولكن صاحب الأهرام لا يقر السلطات على ما فعلت ولا يطيع أمرها ويمضي في جريدته يشهر
стр. 89
بالخديوي ويصفه بأقبح الأوصاف ويعلن بأنه صرف مائة ألف جنيه من دم الفلاح، فإذا قبض على صاحبه وأغلقت الصحيفة تدخلت القنصلية الفرنسية وكتبت في هذا الشأن خطابًا للخديوي إسماعيل١.
ثم تدخل توفيق ولي العهد، وكان شفيعًا لصاحبي الأهرام، فأجازت الحكومة بعد لأن يعوض سليم عما فاته فتأمر بمنحه ترخيصًا لصحيفة جديدة هي جريدة "الوقت" اليومية السياسية وهي لا تختلف في شكلها وموضوعها عن أخوتها السابقات٢، ولم تكن الأهرام وصحفها وحدها موضع المؤاخذة من الحكومة المصرية بل كانت لها زميلات من أهمها صحيفة الوطن، وللوطن في تلك الأثناء موقف يدهش له المؤرخ، حقًّا إنها لم تكن في يوم من الأيام خصمًا لرياض باشا ذاته وإن حملت على الحكومة التي كان عضوًا فيها ووقفت منها موقف المعارضة الصريحة فكثيرًا ما قرأنا مديحها لرياض باشا في أثناء وجوده في الحكومة السابقة مع مقال في نفس العدد ضد تلك الحكومة٣.
والوطن على قدر مقالاتها الوطنية في حقوق الشعب واستقلال مصر نراها تدعو إلى صرف الجيش لخدمة الزراعة ثم تطمئن الجماهير بأنه "إذا أم مصر أحد بسوء دافعت عنها انكلترا وفرنسا فإنها تعتبر تحت حمايتهما"٤.
وهذا اتجاه لا يستقيم مع منطق الكفاح الذي كافحته، ثم تغير رسالتها الصحفية دون أن تكشف قناعها كشفًا يستوجب مؤآخذتها أو تعارض معارضة صريحة تبين مرماها واتجاهها الحديدين فلا تنشر مقالًا من قلم أصحابها بل تزحم معظم صفحاتها بما نشرته الصحف الخارجية في الوزارة الجديدة وخديوي مصر،
стр. 90
وهي أقوال بذيئة جارحة لولي الأمر ومثبطة للعزائم الوطنية، وفطنت إدارة المطبوعات إلى قصدها فوجهت إليها إنذارًا على "نشر أخبار غير صحيحة دون أن يراعي فيها الحال والزمان ... فإن الاستمرار على هذا السير في هذا الأوان مما يكدر الخواطر ويشوش الأذهان ولا يترتب عليه منفعة لأهل الوطن كما هو الغرض الأصلي بل ينتج منه ضرر بين يسبب تعلق الأفكار بما لا يغني"١.
وليست الصحف العربية وحدها التي اضطرب موقفها هذا الاضطراب فانقسمت أحزابًا بل بينها صحف فرنجية كانت في أكثرها خصمًا للخديوي وحكومته الجديدة وفي مقدمة هذه الصحف الأجنبية في جريدة لاريفورم " Lo Reforme" فقد دأبت على تسفيه الرأي العام المصري ورواية الأخبار الكاذبة عنه وتشويه حركاته السياسية السليمة فادعت أن بعض الذوات قد أمضى اللائحة الوطنية مقابل أربعة آلاف جنيه على سبيل الرشوة، وأن غيرهم من النواب ذهبوا إلى القنصل الإنجليزي يؤكدون له بعدهم عن هذه الحركة وأن كثيرين من سراة الأقاليم وعيون مصر أبوا التوقيع على هذه اللائحة مخافة أن يعود إلى مصر استبداد إسماعيل.
وردت عليها "التجارة" ردًّا حازمًا فكذبت كل ما جاء في مقال لاريفورم وحملت عليها حملة شعواء٢، ومن غريب المصادفات أن تكون مكاتبات القناصل لوزراء خارجيتهم متفقة مع المعاني التي أعلنتها الصحف الأجنبية في مصر، فنجد قول قنصل إنجلترا عن جبي الضرائب بالسوط وإسراف المديرين الذين فصلهم ولسن في جبيها واقتراض الفلاحين لتسديدها نجد هذه المعاني منشورة في تلك الصحف.
وتكاد جريدة "التجارة" أن تقف وحدها في الميدان الوطني تقارع خصوم الوطن من الأجانب والمصريين ومن صحف الأجانب والمصريين أيضًا،
стр. 91
تكاد تكون وحدها؛ لأن زميلتها جريدة "مصر" هلكت في مقام الجهاد١، في سنة ١٨٧٩ ولم نصادف جهادها لافتقارنا إلى أعدداها الضائعة، ولم يشاركها في الدفاع عن حقوق البلاد إلا قليل من الصحف في مقدمتها صحيفة "مرآة الشرق" التي دافعت عن مصر "حتى انتبه أهلها من رقدة الغفلة ونشطوا لإنقاذها من التهلكة متوافقين في الرأي متواثقين على الثبات معتمدين على الحقوق الوطنية والإنسانية"٢.
وإذا كانت الصحف المصرية في عمومها قد اعتنت بالنواحي السياسية التي شغلت خاصة المصريين من السراة والأعيان وأعضاء المجالس النيابية كتفاصيل الانتخاب ولمن يكون الحق فيه من المصريين والشرقيين المقيمين في مصر٣ أو الاختلاف على لائحة المسيو تريكو التي تعارض اللائحة الوطنية٤ أو تفاصيل المسألة المالية التي ناقشها مناقشة العليم الخبير بأصول المال ومشاكله٥.
نقول: إذا كانت الصحف اهتمت بهذه المشاكل المختلفة فإن "مرآة الشرق" كان لها اتجاه يختلف بعض الاختلاف عن هذه الصحف فقد عالجت "مرآة الشرق" المسائل الاجتماعية والسياسية في الخارج فناقشت المذاهب السياسية في روسيا "كالسوسيالست والنهيلست أي حزب المساواة والكومون أي الإباحيين"٦ ثم تفصل أساليبهم وأغراضهم في أكثر من مقال، ثم تعقب على ذلك بأن ظهور مثل مذهب الكومون مرجعه ظلم الراعي للرعية، وتحمل على قيصر روسيا الظالم المستبد ثم تحمد للحكومة المصرية أنها قررت الشورى للبلاد "فجعلتنا آمنين شر الفتن والفاتنين".
стр. 92
وتتجه في معارضتها اتجاه اقتصاديًّا وهو غريب جدًّا في ذلك الزمن، هي لا يعنيها أمر البرلمان ولا تفاصيل الانتخاب بقدر ما يعنيها أمراؤها الذين "في غفلة لا يرفعون رءوسهم عن وسائد الغرور ولا يقصرون عن تشييد القصور ولا يفيقون من سكر اللهو ونحو آلة بيد غيرنا يستعملها لمنافعه الخاصة كأن لم يكن صانع العالم قد منحنا استقلال الوجود" ثم تعاتب الإنجليز على موقفهم من مصر ولا تفوت الحملة على الفرنسيين معهم، ثم يربط محررها إبراهيم اللقاني فساد الحال في مصر بفساد "أخلاق الأمراء وولاة الأمور وجهلهم بواجباتهم وسوء تدبيرهم واختلال إدارتهم، لا يعرفون شرعًا ولا يرضون قانونًا ولا يسمعون رأيًّا ولا يقبلون نصحًا بل تعدوا الحدود وانتهكوا المحارم وثلموا الأعراض وحاربوا العدل وقاوموا الإنصاف فطغوا وبغو ونهبوا وسلبوا وفتكوا وهتكوا حبًّا في أغراضهم وكرامة لشهواتهم".
ثم يواجه الرأي العام بأهم ما ينبغي أن يلتفت إليه الرأي العام في ذلك الوقت قائلًا: "إنهم شادوا القصور وغرسوا البساتين واقتنوا الحور والولدان، وتأنقوا في المآكل وتفننوا في المشارب، وزينوا الملابس وسحبوا مطارف العجب والخيلاء وأفراد الرعية على مرأى منهم حفاة عراة يتضورون جوعًا ويتلظون ظمًا ويموتون بردًا"١.
اشتغلت الحكومة الشريفية بوضع دستور "على أحدث المبادئ العصرية" وإن لم توات ظروف إسماعيل إعلانه والعمل به٢ كما عنيت الحكومة بالحالة المالية وتسديد ديونها وأصدرت المراسيم في أبريل لتكفل طمأنينة الأوربيين على أموالهم، ولكن ذلك كله لم يرضهم فطلبت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية
стр. 93
عودة الوزيرين الأجنبيين إلى الوزارة، فرفض الخديوي ذلك وأحس الدائنون أن هناك خطرًا على أموالهم في مصر ما بقي الخديوي على رأس الدولة يشجع بذكائه وقوة إرادته الحركة الوطنية وصحافتها على مناضلة خصوم مصر في الأجانب والمصريين جميعًا.
وارتبط هذا النشاط الوطني بدفاع الصحافة عن حقوق مجلس النواب عند نظر الميزانية، وأبى بعض الصحف الفرنجية إلى الحملة على الخديو وحكومته، ولم تبد تركيا أي ميل لمعاضدة إسماعيل أو تشجيع الحركة الدستورية في مصر، وقد تجمعت كتلة من العيون والعلماء ورجال السياسة وراء إسماعيل تنصره في موقفه أمام الأوربيين، ولم تكن الصحف تؤآزره هو ذاته بل إن بعضها كمرآة الشرق دأبت على التعريض بأمراء الأسرة وحكام الأقاليم الذين عينهم إسماعيل؛ ذلك لأن الصحافة كانت تمقتهم، فقد اعتبرتهم علة شقاء مصر وبلائها وتحدثت في ذلك حديثًا مستفيضًا لما تم عزل الخديو في ٢٦ يونيه سنة ١٨٧٩.
فأما "الوطن" فقد حمدت الله على عزل الخديو ونفيه وذكرت في ٥ يوليه أن الله "جلى عن الأمة الظلم والظلمة والغمة فشكرًا لله على تأديبه لعبادة ثم لطفه بهم وإزاحته للكروب عن قلوبهم" ثم تتحدث عن رحيل الخديوي وتعقب قائلة: "إن ألد أعداء هذا القطر هم الذين ألغوا لائحة ولسن وسعوا في عزله وعزل المسيو دي بلنيار بل في عزل الوزراء الوطنين أصحاب الرأي الناجح والعقل الراجح".
ثم تحمل على الأعيان والنواب الذين سنوا لائحة وطنية تغاير لائحة ولسن، تصور المصريين وهي في الحق تصور نفسها حين تزعم أنهم "ودوا أن يتخلصوا من هذا الرياق ويفك عنهم هذا الخناق غير أن نهض للحزب الوطني حسب وهمه أن يخلص البلاد من الظلم والتهلكة" ثم تتهم هؤلاء الوطنيين بأنهم "شرذمة قليلة من الناس" وأخيرًا تحمل على مجلس النواب الذي أيد اللائحة
стр. 94
الوطنية فكانت نتيجة تأييده عزل الخديوي وتعلق على ذلك فرحة "نعم إنها نتيجة حسنة إلا أنها رمية من غير رام".
وتنشر "مرآة الشرق" في ٣٠ يونيه مقالًا رائع اللفظ والمعنى معًا تؤرخ به عهد إسماعيل، فهي تذكر ملكه الزاهر وبدايته الحسنة في تنوير الأذهان وخدمة البلاد، ولكنه أساء اختيار الرجال فوظف لحكومته "الأمين والخائن ووغل عليه الصادق والمائن فبادروا الزرع قبل إبّانه والثمرة قبل نضجها" ثم يذكر المحرر آثار هذا الفساد الذي أخذ عليه نظامه جميعًا وخاصة في المسائل المالية "فكان كلما تخلص من ناب ذئب وقع في مخلاب أسد، فانتهى أمره بانصداع العزمة واشتداد الأزمة" ثم يعود إلى معاونيه ورجاله مرة أخرى "ممن قدمته الصدف وأعلته الاتفاقات وهو على خشونة البداوة وقسوة الوحشية لا يرعى للقوانين حرمة ولا للعهود ذمة" ثم يفصل دور هؤلاء في تسليم البلاد للأجانب "حتى كاد يتم لهم الدست لولا بقية حمية في نفوس المتبصرين من أبناء البلاد".
ثم يعطف على توفيق الخديوي الجديد ويرجو أن تكون بطانته خيرًا من بطانة أبيه وأن يطرد الذئاب من الدولة ثم يلفت نظره إلى الإصلاح وفي مقدمته "نشر علم الحرية في الأفكار والأقوال والأعمال" ثم تتوجه إلى الدول فتثني على فرنسا التي كان لها دخل في خلع الخديوي وحالت دون استبداد انجلترا بمصر "تلك الدولة الشرهة النهمة ذات المحبة الذاتية المفرطة".
أما جريدة "التجارة" فتودع إسماعيل في آخر يونيه بغير إفراط في ذمه وإنما ترجو الله أن يعاد البناء العظيم "على أساس الشورى وقواعد الحق ودعائم الحرية" وقد ساءتها سخرية الوطن من الحزب الوطني ومن رئيس النظار شريف باشا فإذا تعطلت بعض الصحف بأمر من الحكومة الشريفية لم تواسها كما صنعت من قبل بل نشرت خبر تعطيلها في مكان ظاهر منها وعلقت الخبر قائلة: إن ذلك التعطيل "أحدث عند الفئة الوطنية سرورًا
стр. 95
زائدًا" ثم ذكرت في خلال سطورها أنها صحف لا تؤازر المخلصين في سياستهم١.
اهتمت الصحف الشعبية بالشئون السياسية اهتمامًا شغل معظم صفحاتها منذ الحرب الروسية التركية، ويظهر تاريخها بين هذه الفترة وبين خلع الخديو إسماعيل في نشاطها السياسي وهو نشاط يستطيع مؤرخ مصر الحديثة أن يرجع إليه ويستقصي منه أحداث البلاد وهو مطمئن إلى صدق الرواية وسلامة التصوير بعد تمحيص غير عسير، ثم خرجت الصحافة الشعبية من انزوائها بعد الحرب الروسية التركية تتحدث عن حياة الشعوب والجماعات في أوربا والشرق حديث الناقل عن صحف الغرب الباحث في أمهات الكتب والمراجع بين حين وحين، وأظهر من حمل القلم في هذا الميدان أصحاب الوطن والأهرام ثم الأفغاني وتلامذته في جرائد مصر والتجارة ومرآة الشرق وخاصة عن الشئون الشرقية التي تخصصت لها الصحيفة الأخيرة في الخبر والموضوع.
وإذا كانت السياسة قد استغرقت هذه الصحافة وشغلتها بالمسائل القانونية والفقه الدستوري فليس معنى هذا أن المسائل الاقتصادية كانت غفلا من الرعاية أو العناية، فإن الكتاب لم ينشئوا البحوث والمقالات في الأزمة المالية أو شئون الدين فحسب بل فكروا يومًا من الأيام في الشئون الاقتصادية العليا فقد رأينا فكرة المصارف فكرة رسمية أرادها محمد علي وبقيت منذ عهده حديثًا رسميًّا لا دخل للشعب فيه، بينما يظهر في عهد إسماعيل من يفكر في إنشاء مصرف وطني فتصبح الفكرة فكرة شعبية٢ كان يرجى من ورائها لا سد الديون وفوائدها فقط بل خلق دعامة شعبية اقتصادية تسند حرية مصر واستقلالها، والصحف أول من نادي بها وألح فيها.
стр. 96
ولا يقف فضل الصحافة الشعبية عند هذا الحد، فهي تدعو إلى تعليم الشعب وإنشاء الجمعيات الخيرية لتحقيق هذا الغرض، وتفتح صدرها لأخبار هذه المدارس الشعبية والجمعيات الخيرية وتتحدث عنها تصف حفلاتها وتقدم للجمهور بالثناء رجالها، وتمجد جماعة مصر الفتاة وهي جماعة تكونت في نهاية عصر إسماعيل للنهضة بشئون التعليم ففتحت المدارس الليلية وتطوع شبابها لتعليم الجماهير١.
وتلاحظ الصحف الشعبية الشئون الداخلية الصغيرة فلا تغفل حادث عمدة أو مأمور يتبين لها أنه لم يؤد وظيفته أداءً حسنًا وتشير على الحكومة بجزائه وعقابه ثم تلفت نظرها إذا تداعت قنطرة أو غرقت أرض زراعية حتى تقوم الحكومة برأب الصدع وسد المياه وتعويض أصحاب الأراضي الغارقة٢.
ويتولى مكاتبوها في المدن والأقاليم موافاتها بمثل هذه الأنباء برقًا وبريدًا، وبذلك أصبحت الصحافة الشعبية رقيبة على الحوادث الصغيرة كرقابتها على الحوادث الكبيرة، وقد خصصت هذه الصحف جزء منها لنشر بعض القصص المترجمة عن الكتب الأدبية الفرنجية أو نشر الكتب التاريخية ككتاب الجبرتي أو بعض الرسائل اللطيفة، وهي في ذلك تقلد الصحف الفرنجية في مصر كما أنها حفلت بالموضوعات الاجتماعية والعلمية والطبية٣ والمقالات التاريخية وغيرها في علمي النفس والمنطق٤ وقد جادل بعضها بعضًا في هذه المسائل العلمية.
ومن أجمل ما حفل به تاريخ هذه الصحافة أنها كانت بعيدة أشد البعد عن التعصب الديني ولم تبحث يومًا في موضوع يثير هذه الناحية التي تبرأت منها القضية المصرية في ذلك الوقت، وكان المصريين يشعرون بجانب هذه
стр. 97
الصفحة الطبية أن الزعامة الصحفية لم تكن لهم؛ لأن محرري هذه الصحف وأصحابها في أكثرهم غير مصريين وهذا في الواقع مصدر من مصادر التصدع في الوحدة الصحفية المصرية، وكذلك كانت بعض الصحف المصرية أو المتمصرة تعتمد في حياتها على القنصلية الإيطالية أو الفرنسية أو الروسية، ومن هنا ظهر هذا الخلاف العميق بين هذه الصحف على مسائل مصر العليا وهي من الوضوح بحيث كانت تستلزم وحدة الغرض والاتجاه ووحدة الميول والآراء، وهكذا أصبح جزء من الصحف يعيش مطمئنًا إلى قوة تحميه من بطش الحكومة وأصبح جزء آخر ضحية للسلطات المصرية وقانون المطبوعات لا تحميه سلطة من السلطات التي دافعت وحمت غيره من سلطان العسف والاضطهاد.
وللصحف الشعبية فضل عظيم على نشر المطابع الحرة، فقد أسس عبد الله أبو السعود أفندي مطبعة وادي النيل بحروف شديدة بحروف مطبعة بولاق ثم عاد فأعاد لها قاعدة جديدة تميزت بها١ وأنشأ صاحبا الأهرام مطبعة سنة ١٨٧٥ بقيت تكبر على الزمن حتى أصبحت من أكبر مطابع مصر والشرق جميعًا، وكذلك أنشأ كاستيلي مطبعة لجريدة "الكوكب المصري" وساعد الأفغاني أديب إسحاق في تأسيس مطبعة مصر لينشر جريدته، وهيأ له فيها حروفًا من حروف المطبعة الأميرية٢ ولانتشار المطابع من الأثر ما لا يمكن أن ينكر فضله في تثقيف الأمم والشعوب.
стр. 98
الصحافة خلال الثورة العرابية:
عزل إسماعيل وبقيت آثاره كلها، فالحكومة الشريفية قائمة بالحكم بعد تولية توفيق والأزمة المالية على ما هي عليه من الشدة والعنف والناس حيارى في أمر معاشهم مذهولون لقدرة الأجانب على خلع خديوهم، والصحافة تتولى وظيفتها فتشيع الخديو المعزول تشييعًا قاتمًا وتستقبل الخديو الجديد أحسن استقبال فتذكر للمصريين أن نفوسهم ستطيب وأن عيونهم ستقر وأنهم سيتخلصون "بذلك الطالع السعيد من شرك الاستبداد وربقة الاستعباد" وأن الوطن "سيسلم من المصائب التي حاقت به من فساد الرأي وسوء التدبير وطاعة الأغراض والشهوات، وينجو من شر فئة ألفت النفاق والتدليس وعودت التملق والتلبيس وطبعت على الخسة والدناءة وسعت في بيع الوطن بأبخس الأثمان"١.
ثم تحوط الصحف الخديوي الجديد على اختلاف نزعاتها وميولها برعاية لم يظفر بمثلها أبوه في أدق مواقفه، بيد أن هذه الرعاية يميلها الحس الصحفي الناضج العارف بواجباته الوطنية؛ فقد راوغ السلطان في إصدار فرمان التولية للخديوي توفيق فهبت الوطن بنزعتها المعتدلة ومرآة الشرق بتطرفها المعهود تدعوان معًا إلى صدور الفرمان، وتشكو معهما الصحف الأخرى هذا الإهمال الذي يبديه السلطان نحو مصر التي أدت له خدمات "تفوق طاقتها" وأن هذا الإهمال لقمين بأن يسيء إلى علاقات البلدين "ويوهن من ارتباطهما" ويهيئ سببًا للتدخل الأجنبي لا في شئون مصر وحدها بل في شئون تركيا أيضًا وهو يفتح بابًا ترجو أن يوصد فلا يضطر أمراء مصر إلى الاستنجاد بالأجانب لتقرير حقوقهم وحقوق بلادهم، ثم تطلب في حزم أن يصدر الفرمان مقررًا جميع الحقوق التي اكتسبتها مصر بفرمانات سابقة٢.
стр. 99
وفي هذه الأوقات من تاريخ مصر العصيب يقف الصحفيون أقلامهم لتأكيد حقوقها كما رأينا ويشدون أزر الوطنيين المتطرفين سواء في المسائل الدستورية الداخلية أو المسائل المالية والخارجية، وتشرع صحيفتا الأهرام والوقت في معارضتهما القديمة للوزارة الشريفية، وترى حكومة شريف في آخر الأمر أن تقضي عليهما فتأمر بإغلاقهما، ولكن بعض القناصل يتوسط في أمرهما كما تقول "التجارة" ثم تعلق على خبر التعطيل والوساطة في أمرهما، بأنه موقف موجب للأسف؛ لأن صدور الأمر بإغلاق الجريدتين ليس عملًا قانونيًّا، ثم إن سرعة نقض الحكم وحل العقد ونهي الأمر على هذه الصورة غريب حقًّا.
ومجمل القول: إن وفاقًا عميقًا قد حدث بين الخديو الجديد وحكومته والصحافة المتطرفة، وكانت الصحف من ناحيتها أكثر حماية لهذا الوفاق إذ تصف الخديوي بالقداسة وحكومته وأنصارها بالوطنية ثم هي تنزه ولي الأمر عن الجنسية التركية وتعتبر ذلك شيئًا يمسه في كرامته، وهو اتجاه جديد لم نشهده في الصحافة إذا تحدثت عن الأمراء والخديويين.
وقد كان حظ الجرائد الفرنجية في مصر من هذه الحملات الصحفية الشديدة ملحوظًا، فلم تَفُتْ الصحافة الوطنية المتطرفة لجريدة أجنبية فرصة التشهير بالإدارة المصرية بل ردتها وعالجت أمرها بعنف وقوة نادرين١ كما أبرزت شهادة الصحف الأجنبية المعتدلة في الوطنيين المصريين كجريدة لاريفورم La Reforme المعروفة بانحرافها عن الحزب الوطني وتحمد لها شهادتها الطبية وتقارن بينها وبين زميلاتها الأجنبيات، فرنجيات وعربيات٢.
على هذا النهج واصلت الصحافة كفاحها دون تراخ في الدفاع
стр. 100
عن مصر وحقوقها منذ نهاية عهد إسماعيل، غير أن الوفاق بينها وبين الوطنيين من ناحية وبين الخديوي توفيق من ناحية أخرى لم يطل أمره، ذلك لأن الخديوي قد أصبح مدينًا بكيانه الرسمي إلى انجلترا وفرنسا، فهو حريص على ودهما موات لقنصليهما في مصر، والقنصلان في خصومة مع الوزارة الشريفية، فلا غرو إن أبى الإصلاحات الدستورية التي رآها شريف باشا، واضطر ناظر النظار إلى الاستقالة١.
تولى الخديوي رياسة الحكومة بنفسه وألغى مجلس النظار وأعاد الرقابة الثنائية في ٦ ديسمبر عام ١٨٧٩ ٢ ثم رأى أن يقيد حركة الفكر فبدأ بطرد الأفغاني من مصر -وكان صديقين من قبل- ولكن الطرد جاء بإيعاز من قنصل إنجلترا٣ ثم ألزمت الصحف جميعًا نشر خبر نفيه وادعت الحكومة "أن هناك جمعية سرية من الشبان ذوي البطش مجمعة على فساد الدين والدنيا المضر بالبرية ورئيسها شخص يدعو بجمال الدين الأفغاني؛ ثم ذكرت له أقبح الأوصاف "فأبعدت ذلك الشخص المفسد من الديار المصرية بأمر ديوان الداخلية ووجهته من طريق السويس إلى الأقطار الحجازية لإزالة هذا الفساد من البلاد"٤.
ولم يحتج أحد على نفي الأفغاني هو زعيم له مقامه المقدور عند خاصة مصر ومفكريها، وكان حظه من إهمال الخاصة كحظ شريف باشا الذي استقال من أجل الدستور والحريات العامة فلم يثر من أجله أحد، وقد نشرت الصحف جميعًا أمر الداخلية بنفي الأفغاني إلا واحدة٥ هي مرآة الشرق وهي دون
стр. 101
الصحف جميعًا قد خلت من خبر النفي، وهي الصحيفة التي ذكرت الرجل أحسن الذكر وأشارت إليه صراحة وضمنا، فأمر بتعطيلها خمسة أشهر "لأنها اعتادت الدخول فيما لا يعنيها ونشرت مطالعات سخيفة مخترعة من تلقاء نفسها خرجت فيها عن حدود وظائفها"١ وهي الصحيفة الوحيدة التي عطلت عقب نفي الأفغاني وإن أنذرت معها جريدة التجارة.
لم تطل رياسة الخديوي لمجلس النظار إذ عهد بالنظارة إلى رياض باشا في ٢١ سبتمبر "١٨٧٩"٢ وكان رياض يرى الحكم البيروقراطي أحسن أداة لإنقاذ مصر في ذلك الوقت، وخصومته للتطرف في الرأي معروفة، ومن عيوبه الظاهرة أنه كان أكثر حكام مصر طاعة للقناصل، وهي طاعة جشمته المصاعب والأخطار٣ وإلى رياض ينسب عهد إرهاب الصحافة، ويتصل هذا الإرهاب بنظام الرقابة الثنائية وهو نظام يجعل للرقيبين من السلطان على شئون الدولة ما يشل سلطة النظارة في جميع المرافق العامة غير الشئون المالية التي تخصص لها، ويكفي ألا يكون للخديوي حق عزلهما إلا بموافقة دولتيهما لنتبين خطر الرقيبين في حياة مصر جميعًا٤.
وقد ساء الصحافة المصرية أن يخنع الخديوي ورياض باشا هذا الخنوع المشين -في رأيها- لدولتي انجلترا وفرنسا، وكان جريدة "مصر الفتاة" أول الصحف التي استهدفت للإرهاب وراحت ضحيته وهي لسان حزب بدأ يولد وحكم إسماعيل في الرمق الأخير، وهو يتكون من بعض اليهود كما يقول الشيخ محمد عبده٥ بيد أنه كان من العناصر المعارضة التي احتفت بها جريدة "مرآة الشرق" وآمنت بمبادئها الجديدة ودعت لها بالتوفيق يوم
стр. 102
عزل إسماعيل١ واهتمت الصحف الأوربية بهذا الحزب وتحدثت عنه حديث البرم به الساخط عليه، وأهمها جريدة "التيمس" فذكرت أنه تقليد لحزب تركيا الفتاة وأنه جعل مبادئه صورة مطابقة لمبادئ الثورة الفرنسية من الحرية والإخاء والمساواة، وأن معظم أعضائه من أبناء الإسرئيليين الشرقيين الذين تمولوا في مصر وصاروا من كبار الأغنياء٢.
وكانت الخصومة بين جريدة "مصر الفتاة"٣ وبين "الوطن" خصومة مؤذية إن صح هذه التعبير، فقد عجزت الوطن عن مجادلتها فكفت عن ذلك وأعلنت أنها في قصور إذا كان الميدان الشتم والسباب٤، وكانت جريدة مصر الفتاة أول الصحف التي ثارث على توسيع اختصاصات الرقيبين فأنذرت لحملتها على الحكومة بهذه المناسبة٥ ثم رأت الحكومة في نفس اليوم وبإيعاز من الرقيبين أن الإنذار عقاب هين لا يليق بجرم الحملة التي قادتها الجريدة فصدر الأمر بتعطيلها تعطيلًا نهائيًا "لشرها مقالات وأخبارًا عدتها الحكومة مهيجة للخواطر والأفكار"٦.
وعوقب أديب إسحاق عقابًا شديدًا لحملته الصحفية على الأجانب وعلى الرقيبين والحكومة المصرية معهما، وإصراره العنيف على ألا يتهاون في هذه الحملة، فعطلت جريدتاه "مصر" و"التجارة" بعد أن أنذرتا، وقالت الحكومة في قرار التعطيل "حيث سبق صدور الإنذارات مرارًا عديدة
стр. 103
وتنبهات شفاهية من إدارة المطبوعات إلى أصحاب امتياز الجرائد الأهلية عمومًا وإلى صاحب امتياز جريدتي مصر والتجارة خصوصًا بعدم خروجهم عن حدود وظائفهم ولا ينشرون ما يوجب تشويش الأفكار، صدر له آخر إنذار بأنه إذا رجع لمثل ذلك فتلغي جريدتاه بالكلية وحيث إنه بعد هذا الإنذار لم يترك مسلكه الأول لما نشره في جريدة "التجارة" نمرة ١٢٣ الصريح في أنه لا يرجع عما هو مصر عليه وحيث أن ما اعتادت على نشره هاتان الجريدتان ضرره أكثر من نفعه اقتضى الحال صدور الأمر من إدارة المطبوعات بإلغائهما مؤبدًا ... "١.
ثم مضت الحكومة الرياضية في خطتها نحو الصحافة فعطلت جريدة "المحروسة"؛ وذلك لأنها تحدثت مرارًا عن الأجانب المقيمين في مصر وطالبت بفرض الضرائب عليهم ثم ذكرت أن إعفاءهم منها في عهد محمد علي أمر استوجبته الفائدة الحاصلة من وجودهم يومئذ ثم علقت على ذلك بقولها "ما من نظام أو قانون وضع في الدنيا وبقي نافذًا إلى الأبد فما كان ملائمًا على عهد محمد علي باشا صار في هذا الزمان غير ملائم٢" وبهذه وبغيرها من المقالات العنيفة أتاحت للحكومة فرصة تعطيلها خمسة عشر يومًا٣.
وعكفت الحكومة على الصحف الأجنبية في مصر فرأت بعضها يعطف على الأماني القومية فأنذرتها ثم عطلتها نهائيًّا كجريدة لاريفورم La Reforme وأغلقت مطبعتها بحجة أنها تنشر مقالات مثيرة للأفكار، وكذلك أنذرت جريدة "لوفارد السكندري٤ Le Phare d Aexandrie" ثم أصدرت أمرها بحظر دخول جرائد النحلة وأبي نظارة وأبي صفارة والقاهرة والشرق
стр. 104
إلى مصر١ وهي صحف مصرية كانت تصدر في الخارج.
كانت سياسة رياض باشا في تناول أسلوب الحكم ومن أظهر أدواته الصحافة، نقطة التحول التي بدأت في أعقابها تأخذ الثورة العرابية طريقها إلى النضج والاستواء، فقد عجز الناقمون عن التعبير عما يخالج شعورهم بعد أن أغلقت صحفهم وكممت أفواه الباقيات منها، فكان طبيعيًّا أن يلتمسوا في السر ما عجزوا عنه في العلن فنشروا في نوفمبر أول بيان سياسي لهم حملوا فيه على مساوئ الحكم الخديوي وأسلوب رياض السياسي وضياع المصالح المصرية بين استبداد الحكومة وجشع الممولين الأجانب، وطبعوا هذا المنشور من عشرين ألف نسخة عجز رئيس الحكومة عن معرفة كاتبه أو ناشره٢، ثم رأى هؤلاء الناقمون من الوطنيين كشريف باشا وسلطان باشا وغيرهما أن يعبروا عن رغباتهم في صحيفة مصرية تصدر في الخارج، فأوعزوا إلى أديب إسحاق أن يصدر صحيفته في باريس لتكون لسان حالهم على أن يتكفلوا هم بتوزيعها في مصر، وكانت الصحيفة شديدة اللهجة في معارضتها، وقد استطاع خصوم رياض باشا أن يوزعوها بالرغم من سلطان رئيس الحكومة وعيونه من رجال الإدارة٣.
لا يجوز لمؤرخ الصحافة المصرية في تلك الحقبة أن يسقط من حسابه حين يتحدث عن صحافتها التيارات المختلفة التي تفاعلت مع الصحافة وأنتجت حوادث الثورة العرابية وخلقت معها صحفًا أخرى هي أهم الصحف في هذا الفصل، وقد ذكرنا حادث الأفغاني ومشروع شريف باشا في وضع قانون أساسي لمجلس النواب، وشرحنا موقف مصر الفتاة والصحف المعارضة وما لقيت من العنت والإرهاب، وتحدثنا عن الرقيبين واختصاصاتهما الواسعة ويبدو أن رياضًا بعنفه والخديوي ببطانته والأجانب بمرابيهم تآزروا جميعًا على
стр. 105
تهيئة الفرصة لإعلان التبرم بالحالة التي شهدتها مصر إذ ذاك، فقد شكا الضباط من استئثار الترك والأرناءود بالرتب والرواتب، وشكا الخاصة من استبداد الحكومة وانصرافها عن كل فكرة دستورية وتعطيلها مجلس شورى النواب زهاء سنتين، ثم سكت العامة من ضيق العيش والضرائب المرهقة.
أجمعت الطبقات جميعًا على الشكوى واتخذ التبرم صورة عملية فثار الضباط "لتنزيل وزارة رياض باشا وجعل الحكومة دستورية"١ وطوحت الحوادث بحكومة رياض وعاد شريف باشا إلى رياسة النظارة بعد الثورة العسكرية المعروفة واستأمنه الجيش على حقوقه وأمنه الأعيان على طلباتهم وأهمها الدستور وأكد لهم شريف "أن تشكيل مجلس النواب هو الوسيلة الوحيدة لما نقصده من الإصلاح"٢.
هدأت الأمور بعد اضطراب وبدأت مصر تشعر بلون من الاستقرار في عهد الوزارة الشريفية وإن زها نجم الجيش وزعيمه أحمد عرابي، فقد كان هذا الجيش ممثلًا بحق لشعور المصريين جميعًا لأنه الطبقة الوحيدة بين هيئات الحكومة التي غلبت عليها مصريتها، غير أن الزعماء العسكريين تنحوا عن الميدان مؤقتًا يراقبون الإصلاح المنشود في حذر، واستقبل الأجانب العهد الجديد استقبالًا لا بأس به، ولم يحملوا على الجيش الذي "قوى ما في مصر من رأي عام" وأملوا في أن يقضي العهد الجديد على مساوئ الحكم التي تفشت في البلاد، وطلبوا الصبر والأناة من أصحاب الديون حتى تتم الحكومة الشريفية إصلاحاتها فتصبح حقيقة واقعة لا خرافة طالما تشدق بها دعاة الاستبداد٣.
وقد استقبلت الصحافة الوزارة الشريفية استقبالًا حسنًا جدًّا فقد جاءت
стр. 106
بعد أيام مظلمة من اضطهاد الرأي وكبت اليراع، ونفست عن نفسها في أسلوب حاد كانت حدته موجهة إلى الأجانب خاصة، فقد اعتبرت الصحافة أن الضيق الذي لحقها مصدره الأجانب ورقيباهما وقناصلهم، فحملت عليهم حملة قاسية ذكرها اللورد كرومر في كتابه قائلًا: "أخذت الصحف العربية في أثناء ذلك تستثير حفيظة الأهالي على الأوربين وأسلوبهم في الحكم وتحرك العصب الديني"١.
أما الحملة على الأوربين فحقيقة تاريخية أحستها الشريفية فأخطرت الصحف بها ولفتت النظر إليها فذكرت أن "الجرنالات تعودت من مدة على الخوض في كلام يتعلق بالأجانب مع غاية الحدة وإظهار التأثر منهم والتغيظ بلا سبب ولا موجب، لا يراعون في كلامهم حالة البلاد المصرية وعلاقتها السياسية مع أنه لا يوجد في داخلية البلاد ولا في روابطها الخارجية ما يوجب اندفاع الجرائد المذكورة في هذا الطريق على وجه يوجب اضطراب الأفكار العمومية ويخدش الأذهان" ويبين الإخطار علاقة مصر بالسلطان وواجباتها نحوه، ثم يوضح حرص الحكومة على مصالح البلاد أمام الدول جميعًا، ثم تنذر الصحف "بأن لا تخرج في مقالاتها عن حد الاعتدال وألا تتعرض لشيء من الطعن والتنديد بأحد من معاهدينا لا على وجه العموم والخصوص"٢.
فمهاجمة الأجانب إذن حقيقة تاريخية أقرها إنذار الحكومة للصحف، أما التعصب الديني الذي يذكره كرومر فتنكره مواقف الصحافة الوطنية خلال الثورة جميعًا، حتى إن إحداها ذكرت أنه لا يعنيها أن يكون على رأس الحكومة مسلم أو مسيحي وإنما يرضيها أيهما إذا جعل مصالح الوطن فوق كل اعتبار، وهي تسخف سقم تفكير السابقين في تعصبهم للدين "ولكننا أبناء هذا الجيل يعار علينا أن نسلك ذلك المنهج ونجعل الاختلاف في المشرب والتباين في العقيدة علة لعداوة مواطنينا الذين ليسوا على شاكلتنا في الدين
стр. 107
مع كونهم مشاركون لنا في الجنسية والوطنية، ثم إذا بقي شيء من أدران الأقدمين في نفوس العامة فعلى النبهاء الذي تنورت أفكارهم وعلموا أن ما أصاب الأقدمين من الضعف وما لحقهم من الشر مسبب عن تعصبهم للذين أن يدعوا الناس إلى ترك هذا التنابذ الذي لا خير فيه"١.
ويؤكد وجهة نظرنا في براءة الصحف من التعصب الديني أن إنذار إدارة المطبوعات لها لم يشر إلى هذا التعصب في كثير أو قليل، غير أن الحكومة أرادت وقف الحملة مهما يكلف الثمن وهي سليمة الطوية تتميز بسمة شعبيتها، وقد أصاخت لها معظم الصحف إلا جريدة "الحجاز" وهي صحيفة حديثة العهد بالحياة، فقد أنشئت سنة ١٨٨١ لصاحبها السيد سراج إبراهيم المدني، إذا استمر صاحبها في حملته على الأجانب "حيث كان يطعن في الدول الأجنبية طعنًا غير أدبي ويسقط عند الكلام في شأنها بما لا يليق وكثيرًا ما طلبناه ونبهنا عليه وشددنا في الأمر وحذرناه من الرجوع إلى مثل ذلك، فلم يرتدع ولم ينزجر ثم خالف المنشور العمومي الذي بعث به إليه وإلى جميع أصحاب الجرائد العربية إلى أن أتى في عدده الأخير بأزيد مما حذرناه منه مرارًا، فمن أجل هذا صدر قرار مجلس النظار بإلغاء جريدته لغوًا مؤبدًا"٢.
والحكومة إذا حزمت أمرها في تهدئة الحالة بإغلاق الصحف المتطرفة وهي كما نعلم حكومة شعبية قد تؤاخ على مصادرة حرية الرأي بيد أنه حريصة على مصلحة مصر وإن أدى ذلك إلى تعطيل قليل من الصحف، وهي كذلك تأبى على الصحف الأجنبية في مصر أن تسيء إلى المصريين ومشاعرهم الدينية، فقد نشرت جريدة "ليجبت L Egypte في ٢ أكتوبر سنة ١٨٨١ مقالًا عرضت فيه بالنبي محمد، ﷺ ، فهاجت لذلك الصحافة المصرية ولفتت النظر إلى هذا المقال فصدر الأمر بتعطيلها٣.
стр. 108
وحاول صاحبها أن يحتمي بالقنصلية الفرنسية غير أن حزم الحكومة حال دون هذا التدخل١ وذكرت المحروسة في ابتهاج شديد نبأ إغلاق جريدة "ليجبت" وموقف الحكومة المشرف من القنصل الفرنسي الذي نصح لصاحبها بمغادرة البلاد٢.
بدأت الصحف بعد أن تحررت من قيودها توجه المطاعن تلو المطاعن إلى إجحاف نظام الضرائب الذي وضعته المراقبة الأوربية فأعفت الأوربيين منها وألفت العبء كله على كاهل الوطنيين، كما أنها أنحت بأشد للائمة على كثرة تعيين الفرنسيين والإنجليز في الوظائف ومنحهم المرتبات الباهظة٣ وهي شكوى قديمة حديثة، ثم راحت تطلب حياة الشورى لمصر والتعليم لأبنائها، وفي ذلك يقول حسن الشمسي وهو من ضحايا العهد الماضي، إنه سينهي دور صحيفته "المفيد" حينما "يأتي يوم يقال فيه تنبه الغافل وتعلم الجاهل وغلت يد العادي وردت الحقوق لذويها وسلمت الأرض لبنيها" وهو يحدثنا عن صحيفته وهي إحدى الصحف المعبرة عن الحزب العسكري بأن ظلم المستبد حال بينه وبين التبكير في إصدار هذه الجريدة، وذكر أن الصحف الباقية "إنما سايرت الظالم وغيرها سقط في ميدان الشرف والجهاد" وأنه فضل التعطيل على النهوض في ظل الظلمة المستبدين٤.
وتعتبر جريدة "المفيد" من خيرة صحف الثورة فقد دأبت على نشر افتتاحياتها عن مصر ومشاكلها في أسلوب وطني عنيف، ولصاحبها مقالات رائعة عن الاستقلال والحرية بعنوان "محاور سياسية"٥ وكان طبعيًّا أن
стр. 109
يعنف محرر "المفيد" في مقالاته وهو لسان جامح من ألسنة الثورة، وكان طبعيًّا أيضًا أن تتبرم به حكومة شريف؛ لأنها ترجو الهدوء والاتزان، لذلك جمعت في معاملتها للمفيد اللين والشدة معًا لترضي الوطنيين والأجانب على السواء، فعطلت "المفيد" أسبوعين فقط وبذلك أرضت الدوائر الأجنبية ثم أرضت الدوائر الوطنية بهذا العقاب الهين، ويظهر قدر "المفيد" بين صحف العصر من حزن زميلاتها على تعطيلها فقال كاتب "المحروسة": "ساءني صدور الأمر بتعطيل جريدة "المفيد" أسبوعين فإن محررها في الجريدة نير الفكر قويم المشرب لا يظهر بما يخالف المصلحة أو يخرج عن الحد .. وفي مأمولي أن "المفيد" يصدر من بعدها بمزيد الفائدة ويكون في مقدمة الجرائد الداعية إلى الوحدة الوطنية الناهية عن الإحن والعداوات المذهبية العاملة على علم بأحكام الحرية"١.
وتساهم "الأهرام" فيما شغل البلاد من أحداث دون أن تتطرف في رأي أو تتجاوز أسلوبها المأثور عنها بكلمة نابية أو تعبير شاذ، وتعالج الأمور بروية، ولا تغفل أحداث البلاد الخارجية فتنشر الكتب والمقالات الطوال عن البوسنة والهرسك وروسيا وألمانيا كما أنها تنقل رأي الغرب في الشئون المصرية وتأخذ ذلك عن الصحف الفرنسية والإنجليزية، ثم ينشر المحرر رأي الحكومتين الإنجليزية والفرنسية في الحركات السابقة على تأليف الوزارة الشريفية وموقفهما الجديد "لكبح كل حركة" وهي تنذر العرابيين "وسعادتلو أحمد بك عرابي" بالذات٢.
وقد عمدت "الأهرام" إلى التحدث عن أوربا وتقدمها من الناحيتين المادية والأدبية، وقابلت بينها وبين تركيا، فأفرطت في ذكر المساوئ التي
стр. 110
نتجت من نظم الحكم العثماني ثم نقلت عن صحف لندن، حملات على الباب العالي وفي ألفاظها ما لا يليق أن ينشر فأنذرتها الحكومة مرتين١.
وقد كان للخديو في هذا التيار الجارف من النشاط الصحفي قدر محدود، فقد أنشأ من معوض فريد في مدينة الإسكندرية مجلة أسبوعية سماها "البرهان" في سنة ١٨٨١ ويحررها الشيخ حمزة فتح الله اللغوي المصري المعروف، و"البرهان" تعلن بأنها صحيفة السراي وتفخر بذلك كل الفخر فقد "حلت صحيفة البرهان من أعتابه العليا محل القبول، وأن جنابة الفخيم -أي الخديوي- يكاد يستوعبها تلاوة" وأنه أمر بأكثر من ثلاثين نسخة اشتراكًا للمعية السنية.
والخديوي عند المحرر آية من آيات الدهر فإذا رأيته "ألفيت في محياه ما بجذب إلى التسبيح الأفواه، لا سيما إذا ترقرق ماء البشر في عزته، وتفتق نور المجد من أسرته" وإذا كانت الصحافة العربية المصرية جميعًا على اختلاف مشاربها تحبذ الشورى وتدعو لها وتأبى الظلم وتحمل على الاستبداد فإن الشيخ حمزة فتح الله يقول بغير هذا في مقال ضخم بعنوان "الشورى ومجلس النواب المصري" وذلك على أيام من افتتاح هذا المجلس: "نحن وإن كنا نعلم ما يترتب على الشورى من الفوائد العميمة والمنافع الجسيمة وما ينجم عن التفرد بالرأي من سوء العاقبة، غير أن ذلك لم يكن يمنعنا من إبداء ما نراه من الملاحظات في الأمرين كليهما، أعني الشورى والتفرد بالرأي المعروف بالاستبداد، فأما الشورى فإنها وإن كانت ممدوحة عقلًا وشرعًا بما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في غير موضع إلا أن ذلك ليس على معنى أنها واجبة حتمًا على أولي الأمر، بحيث لا تمضي بدونها بيعتهم ولا تنفذ أحكامهم؛ لأن هذا ما لا يقول به أحد، بل إن مبلغ العلم فيها أنها من الأمور التي ندبت إليها الشريعة المطهرة من قبل إتمام مكارم الأخلاق".
ثم يمضي الكاتب مبينًا وجهة نظر المعارضين للشورى "وأما الاستئناس بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ قد ترك الأمة شورية فهو غلط