← Адаб

Адаб · id 11755

وحي القلم

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قصة الأيدي المتوضئة: قال راوي الخبر: ذهبت إلى المسجد لصلاة الجمعة؛ المسجد يجمع الناس بقلوبهم ليخرج كل إنسان من دنيا ذاته، فلا يفكر أحد أنه أسمى من أحد؛ ولقد يكون إلى جانبك الصانع أو الأجير أو الفقير أو الجاهل، وأنت الرئيس أو العظيم أو الغني أو العالم، فتنظر إليه وإلى نفسك فتحس كأن خواطرك متوضئة متطهرة، وترى كلمة الكبرياء قد فقدت روحها، وكلمة التواضع قد وجدت روحها؛ وتشعر بالنفس المجتمعة قد نصبت الحرب للنفس المنفردة؛ ولو خطر لك شيء بخلاف ذلك رأيت الفقير إلى جانبك توبيخا لك، ونظرت إليه ساكتا وهو يتكلم في قلبك، وشعرت بالله من فوقكما، واستعلنت لك روح المسجد كأنها تهم بطردك منه، وخيل إليك أن الأرض ستلطم وجهك إذا سجدت عليها، وأيقنت من ذات نفسك أن لست هناك في دنياك وليس صاحبك في دنياه، وإنما أنتما هناك في إنسانية ميزانها بيد الله وحده؛ فلا تدري أيكما الذي يخف وأيكما الذي يثقل١. قال: والعجيب أن هذا الذي لا يجهله أحد من أهل الدين، يعرفه بعض علماء الدين على وجه آخر، فتراه في المسجد يمشي مختالا، قد تحلى بحليته، وتكلف لزهوه، فلبس الجبة تسع اثنين، وتطاول كأنه المئذنة، وتصدر كأنه القبلة، وانتفخ كأنه ممتلئ بالفروق بينه وبين الناس، وهو بعد كل هذا لو كشف الله تمويهه لانكشف عن تاجر علم بعض شروطه على الفضيلة أن يأكل بها، فلا يجد دنيا ذاته إلا في المسجد، فهو نوع من كذب العالم الديني على دينه. قال الراوي: وصعد الخطيب المنبر وفي يده سيفه الخشبي يتوكأ عليه؛ فما استقر في الذروة حتى خيل إلي أن الرجل قد دخل في سر هذه الخشبة، فهو يبدو كالمريض تقيمه عصاه، وكالهرم يمسكه ما يتوكأ عليه؛ ونظرت فإذا هو كذب

стр. 527

صريح على الإسلام والمسلمين، كهيئة سيفه الخشبي في كذبها على السيوف ومعدنها وأعمالها. وتالله ما أدري كيف يستحل عالم من علماء الدين الإسلامي في هذا العصر، أن يخطب المسلمين خطبة جمعتهم وفي يده في هذا السيف علامة الذل والضعة والتراجع والانقلاب والإدبار والهزل والسخرية والفضيحة والإضحاك؛ ومتى كان الإسلام يأمر بنجر السيوف من الخشب ونحتها وتسويتها وإرهاف حدها الذي لا يقطع شيئا، ثم وضعها في أيدي العلماء يعتلون بها ذؤابة كل منبر، لتتعلق بها العيون، وتشهد فيها الرمز والعلامة، وتستوحي منها المعنوية في الدينية التي يجب أن تتجسم لترى؟ أفي سيف من الخشب معنوية غير معنى الهزل والسخافة، وبلاهة العقل وذلة الحياة، ومسخ التاريخ الفاتح المنتصر، والرمز لخضوع الكلمة وصبيانية الإرادة؟ قال: وكان تمام الهزء بهذا السيف الخشبي الذي صنعته وزارة أوقاف المسلمين، أنه في طول صمصامة عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس الجاهلية والإسلام١، فكان إلى صدر الخطيب، ولولا أنه في يده لظهر مقبضه في صدر الرجل كأنه وسام من الخشب ... قال: وكان الخطيب إذا تكلف وتصنع وظهر منه أنه قد حمي وثار ثائره، ارتج وغفل عن يده، فتضطرب فيها قبضة السيف فتلكزه في صدره كأنما تذكره أن في يده خشبة لا تصلح لهذه الحماسة٢. قال: وخطب العالم على الناس، وكان سيفه الخشبي يخطب خطبة أخرى: فأما الأولى فهي محفوظة معروفة ولا تنتهي حتى ينتهي أثرها، إذ هي كالقراءة لإقامة الصلاة؛ وكانت في عهد الأول كالدرس لإقامة شأن من شئون الاجتماع والسياسة، فبينها وبين حقيقتها الإسلامية مثل ما بين هذا السيف من الخشب وبين حقيقته الأولى، وأما الخطبة الثانية فقد عقلتها أنا عن تلك الخشبة وكتبتها، وهذه هي عبارتها: ويحكم أيها المسلمون! لو كنت بقية من خشب سفينة نوح التي أنقذ فيها

стр. 528

الجنس البشري، لما كان لكم أن تضعوني هذا الموضع؛ وما جعلكم الله حيث أنتم إلا بعد أن جعلتموني حيث أنا، تكاد شرارة تذهب بي وبكم معا، لأن في وفيكم المادة الخشبية والمادة المتخشبة. ويحكم! لو أنه كان لخطيبكم شيء من الكلام الناري المضطرم، لما بقيت الخشبة في يده خشبة، وكيف يمتلئ الرجل إيمانًا بإيمانه، وكيف يصعد المنبر ليقول كلمة الدين من الحق الغالب، وكلمة الحياة من الحق الواجب, وهو كما ترونه قد انتهى من الذل إلى أن فقد السيف روحه في يده؟ أيها المسلمون! لن تفلحوا وهذا خطيبكم المتكلم فيكم، إلا إذا أفلحتم وأنا سيفكم المدافع عنكم, أيها المسلمون غيروه وغيروني. قال راوي الخبر: ولما قضيت الصلاة ماج الناس إذ انبعث فيهم جماعة من الشبان يصيحون بهم يستوقفونهم ليخطبوهم؛ ثم قام أحدهم فخطب، فذكر فلسطين وما نزل بها، وتغير أحوال أهلها، ونكبتهم وجهادهم واختلال أمرهم، ثم استنجد واستعان، ودعا الموسر والمخف إلى البذل والتبرع وإقراض الله تعالى؛ وتقدم أصحابه بصناديق مختومة، فطافوا بها على الناس يجمعون فيها القليل والأقل من دراهم هي في هذه الحال دراهم أصحابها وضمائرهم. قال: وكان إلى جانبي رجل قروي من هؤلاء الفلاحين الذين تعرف الخير في وجوههم، والصبر في أجسامهم, والقناعة في نفوسهم، والفضل في سجاياهم؛ إذ امتزجت بهم روح الطبيعة الخصبة فتخرج من أرضهم زروعا ومن أنفسهم زروعا أخرى, فقال لرجل كان معه: إن هذا الخطيب خطيب المسجد قد غشنا وهؤلاء الشبان قد فضحوه؛ فما ينبغي أن تكون خطبة المسلمين إلا في أخص أحوال المسلمين. قال: ونبهني هذا الرجل الساذج إلى معنى دقيق في حكمة هذه المنابر الإسلامية؛ فما يريد الإسلام إلا أن تكون كمحطات الإذاعة، يلتقط كل منبر أخبار الجهات الأخرى ويذيعها في صيغة الخطاب إلى الروح والعقل والقلب، فتكون خطبة الجمعة هي الكلمة الأسبوعية في سياسة الأسبوع أو مسألة الأسبوع، وبهذا لا يجيء الكلام على المنابر إلا حيا بحياة الوقت، فيصبح الخطيب ينتظره الناس في كل جمعة انتظار الشيء الجديد؛ ومن ثم يستطيع المنبر أن يكون بينه وبين الحياة عمل.

стр. 529

قال: وخيل إلي بعد هذا المعنى أن كل خطيب في هذه المساجد ناقص إلى النصف، لأن السياسة تكرهه أن يخلع إسلاميته الواسعة قبل صعوده المنبر، وألا يصعد إلا في إسلاميته الضيقة المحدودة بحدود الوعظ هو مع ذلك نصف وعظ ... فالخطبة في الحقيقة نصف خطبة، أو كأنها أثر خطبة معها أثر سيف ... قال: وأخرج القروي كيسه فعزل منه دراهم وقال: هذه لطعام أتبلغ به ولأوبتي إلى البلد، ثم أفرغ الباقي في صناديق الجماعة؛ واقتديت أنا به فلم أخرج من المسجد حتى وضعت في صناديقهم كل ما معي؛ ولقد حسبت أنه لو بقي لي درهم واحد لمضى يسبني ما دام معي إلى أن يخرج عني. قال الراوي: ثم دخلت إلى ضريح صاحب المسجد أزوره وأقرأ فيه ما تيسر من القرآن، فإذا هناك رجال من علماء المسلمين، اثنان أو ثلاثة "الشك في ثالثهم لأنه حليق اللحية". ثم توافى إليهم آخرون فتموا سبعة؛ ورأيتهم قد خلطوا بأنفسهم صاحب "اللالحية", فعلمت أنه منهم على المذهب الشائع في بعض العصريين من العلماء والقضاة الشرعيين، أحسبهم يحتجون بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ؛ وكل امرئ فإنما تبصره مرآته كيف يظهر في أحسن تقويم، أبلحية أم بلا لحية؟ وأدرت عيني في وجوههم، فإذا وقار وسمت ونور لم أر منها شيئا في وجه صاحب "اللالحية"؛ وأنا فما أبصرت قط لحية رجل عالم أو عابد أو فيلسوف أو شاعر أو كاتب أو ذي فن عظيم، إلا ذكرت هذا المعنى الشعري البديع الذي ورد في بعض الأخبار، من أن لله "تعالى" ملائكة يقسمون: والذي زين بني آدم باللحي. وكان من السبعة رجل ترك لحيته عافية على طبيعتها؛ فامتدت وعظمت حتى نشرت حولها جوا روحانيًا من الهيبة تشعر النفس الرقيقة بتياره على بعد، فكان هذا أبلغ رد على ذلك. قال؛ وأنصت الشيوخ جميعًا إلى خطب الشبان، وكانت أصوات هؤلاء جافية صلبة حتى كأنها صخب معركة لا فن خطابة، وعلى قدر ضعف المعنى في كلامهم قوي الصوت؛ فهم يصرخون كما يصرخ المستغيث في صيحات هاربة بين السماء والأرض.

стр. 530

فقال أحد الشيوخ الفضلاء: لا حول ولا قوة إلا بالله! جاء من الخبر: "تعس عبد الدنيا تعس عبد الدرهم". والله ما تعس المسلمون إلا منذ تعبدوا لهذين حرصا وشحا؛ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، ولو تعارفت أموال المسلمين في الحوادث لما أنكرتهم الحوادث. فقال آخر: وفي الحديث: "إن الله يحب إغاثة اللهفان"، ولكن ما بال هؤلاء الشبان لا يوردون في خطبهم أحاديث مع أنها هي كلمات القلوب؟ فلو أنهم شرحوا للعامة هذا الحديث: "إن الله يحب إغاثة اللهفان" لأسرع العامة إلى ما يحبه الله. قال الثالث: ولكن جاءنا الأثر في وصف هذه الأمة: "إنها في أول الزمان يتعلم صغارها من كبارها، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم". فنحن في آخر الزمان، وقد سلط الصغار على الكبار يريدون أن ينقلوهم عن طباعهم إلى صبيانية جديدة. قال الراوي: فقلت لصديق معي: قل لهذا الشيخ: ليس معنى الأثر ما فهمت، بل تأويله أن آخر الزمان سيكون لهذه الأمة زمن جهاد واقتحام، وعزيمة ومغلبة على استقلال الحياة؛ فلا يصلح لوقاية الأمة إلا شبابها المتعلم القوي الجريء، كما نرى في أيامنا هذه، فينزلون من الكبار تلك المنزلة؛ إذ تكون الحماسة متممة لقوة العلم. وفي الحديث: "أمتي كالمطر: لا يدري أوله خير أم آخره". قال الراوي: ولم يكد الصديق يحفظ عني هذا الكلام ويهم بتبليغه، حتى وقعت الصيحة في المكان؛ فجاء أحد الخطباء ووقف يفعل ما يفعله الرعد: لا يكرر إلا زمجرة واحدة؛ وكان الشيوخ الأجلاء قد سمعوا كل ما قيل، فأطرقوا يسمعونه مرة رابعة أو خامسة؛ وفرغ الشباب من هديره فتحول إليهم وجلس بين أيديهم متأدبا ومتخشعا ووضع الصندوق المختوم. فقال أحد الشيوخ: لم يخف علينا مكانك، وقد بذلتم ما استطعتم؛ فبارك الله فيك وفي أصحابك. وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضا ... ثم تحركت النفس بوحي الحالة؛ فمد أولهم يده إلى جيبه، ثم دسها فيه، ثم عيَّث فيه قليلا١؛ ثم ... ثم أخرج الساعة ينظر فيها.

стр. 531

وانتقلت العدوى إلى الباقين، فأخرج أحدهم منديله يتمخط فيه، وظهرت في يد الثالث سبحة طويلة, وأخرج الرابع سواكا فمر به على أسنانه، وجر الخامس كراسة كانت في قبائه، ومد صاحب اللحية العريضة أصابعه إلى لحيته يخللها؛ أما السابع صاحب "اللالحية"، فثبتت يده في جيبه ولم تخرج، كأن فيها شيئا يستحيي إذا هو أظهره، أو يخشى إذا هو أظهره من تخجيل الجماعة. وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضًا ... قال الراوي: ونظرت فإذا وجوههم قد لبست للشاب هيئة المدرس الذي يقرر لتلميذه قاعدة قررها من قبل ألف مرة لألف تلميذ، فخجل الشاب وحمل صندوقه ومضى ... أقول أنا: فلما انتهى الراوي من "قصة الأيدي المتوضئة"، قلت له: لعلك أيها الراوي استيقظت من الحلم قبل أن يملأ الشيوخ الأجلاء هذا الصندوق، وما ختم عقلك هذه الرواية بهذا الفصل إلا بما كددت فيه ذهنك من فلسفة تحول السيف إلى خشبة، ولو قد امتد بك النوم لسمعت أحدهم يقول لسائرهم: بمن ينهض إخواننا المجاهدون وبمن يصولون؟ لهذا قال رسول الله ﷺ : "جاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل". ثم يملئون الصندوق ...

стр. 532

نجوى التمثال ١: أيها المفترش الصخرة يشد ذارعيه أقوى الشد كأنما يريد أن يقتلع الصخرة فيهما، متناهضا بصدره ليدل علة أنه وإن ربض فإن الوثبة في يديه، متمطيا بصلبه ليشير إلى جسمه الهادئ إلى معانيه المفترسة، مقعيا على ذنبه ومتحفزا بسائره كأنه قوة اندفاع تهم أن تنفلت من جاذبية الأرض. وأنت أيتها الهيفاء تمثل الإنسانية المتمدنة في نحافتها وهي كهذه الإنسانية ضاربة بذراعي أسد في غلظ مدفعين ... حكيمة في النظر كأنما تمد في سرائر الأمم نظرة المتأمل، ولكن يدها كيد الحكمة السياسية على تركيب عقلي تحته المخالب ... ساكنة كأنها تمثال السلام على أنها في جوار الأسد كالسلام بين الشعوب؛ تلمح فيه إنسان العالم ووحش العالم ... يا أبا الهول! أأنت جواب عن ذلك اللغز القديم الذي هو كلام لا يتكلم وسكوت لا يسكت. والذي أشار برأس الإنسان على جسم الليث أنه قوة عمياء كالضرورة ولكنها مبصرة كالاختيار. والذي أخرج من فني الغريزة والعقل فنا ثالثًا لا يزال في الأرض ينتظر المرأة التي تلد إنسانًا عظامه من الحجر؟ وأنت يا مصر: أواقفة ثمة للشرح والتفسير، تقولين للمصري: إن أجدادك يسألونك من

стр. 533

آلاف السنين بهذا الرمز: ألا معجزة من القوة تمط عضلات الحجر؟ ألا بسطة من العلم تجعلك أيها المصري وكأنك رأس لجسم الطبيعة؟ ألا فن جديد ترفع به أبا الهول في الجو فتزيده على قوة الوحش وذكاء الإنسان خفة الطير؟ أم تقولين للمصري: إن أجدادك يوصونك بهذا الرمز أن تكون كالظهر الأسدي لا يركب مطاه، وكالرأس الإنساني لا تقيد حريته، وكالربضة الجبلية لا تسهل إزاحتها، وكالإبهام المركب من غامضين لا يتيسر به عبث العابث، وكالصراحة المجتمعة من عنصر واحد لا يغلط في حقيقتها أحد؟ أم تقولين يا مصر: إن تفسير أبي الهول الأول أن النهضة المصرية إنما تكون يوم تخرج البلاد من يصنع أبا الهول الثاني؟ تمثال النهضة أم صفحة من الحجر قد صور الشعب فكره عليها، ودون فيها إحساسه بتاريخه، ووصف بها إدراكه حياة المعاني السامية؟ أم هو كتابة فصل من التاريخ بقلم الحياة وعلى طريقة من بلاغتها، خشيت عليه الفناء فدونته في أسلوب من أساليب البقاء الحجري الصلد؟ أم ذاك يوم من أيام الأمة أحاله الفن من زمن إلى مادة؛ ومن معنى إلى حس، ومن خبر إلى منظر، وكانوا يتكلمون عنه فجعله الفن يتكلم عن نفسه؟ أم هو تعبير عن تلك المعاني التي خلقتها نفوس هذا الجيل تخاطب به النفوس الآتية لتتمم عليها، وتضيف فيه إلى المعنى سر المعنى، وتضع الكلمة الإنسانية على لسان الطبيعة تتكلم بالتمثال كما تتكلم بالجيل؟ أم تركيب سياسي إذا فسرته اللغة كان معناه أن الثابت إذا احتاج إلى من يثبته ... فلن يمحوه من ينكره، وأن الظاهر إن احتاج إلى من يدل عليه ... فلن يخفيه من لا يراه؟ بل أراك لا هول فيك يا أبا الهول الجديد. أفذاك من رقة داخلتك ورحمة جاءتك من مس يده المرأة؟ أم الهول اليوم قد أصبح في العقل والعاطفة ومد العين النسائية إلى بعيد؟

стр. 534

أم لا يتم في هذه المدينة رأس رجل وجسم سبع إلا ... إلا بأنامل امرأة؟ ألا من يعلمني أهذه المرأة منك هي تهذيب للإنسان والوحش أم تكملة عليهما؟ ألا من يأتيني بالحكمة فيك من وضع الرجل القوي رأسا ولا جسم، والأسد المفترس جسما ولا رأس، ثم لا يكمل دونهما إلا المرأة وحدها. إنما كنت يا أبا الهول لغز الصمت، فلما أضيفت المرأة إليك أصبحت لغز النطق ... فيا للهول!

стр. 535

فاتح الجو المصري ١: يا طير المثل الأعلى! لقد انفلت من رذيلة الخوف وتركتها في التراب موطئ القدم، وقلت لها: ويحك، لقد آن للشباب المصري؛ فهو مغامس في ماء الصواعق٢، متطوح في اللجة الأزلية التي تغوص فيها الكواكب٣، يطير بروح الشرارة، ويهبط بروح الغيث، ويلجم الجو ويسرجه، ويتعلم كيف يشوي عدوه في عين الشمس. وكنت بطلا مغامرًا فخطوت في طريق الملائكة بهذه الفضيلة وحملك الجو؛ ولو أنك خفت وكنت على جناحي جبريل لا على طيارة، لخاف جبريل على جناحيه من حطمة هذا المعنى الترابي الطاغية الذي يحكم على الأحياء بالموت بلا موت، لأنه الذل والخضوع والرذيلة. وحملك الجو إلى قبة السماء، وهنالك نظر العالم فرأى لمصر الناهضة علمها الإنساني يتنفس تحت الكواكب. وحملك الجو إلينا، فلما رفعنا رؤوسنا لنراك، رفعناها في الوقت بين شعوب الأرض. وضربت يا جناح مصر في الهواء، وأعنان السماء٤ مملوءة بالزعزع والهوجاء والعاصف، والسماء في فصلها المكفهر الذي تخلع فيه كل ساعة وتلبس وتمزق٥ وتطوي، فزدت بجرأتك في براهين القضية المصرية برهان قوة المخاطرة، وأضفت إلى منطقها وضعا جديدًا مفحما من روح التضحية.

стр. 536

وطرت بين حياة وموت فجعلتهما يستويان في اعتقادك؛ إذ وصلت فكرة الموت بسر الإيمان، والحياة بسر العزيمة. وكنت رجل أمتك بإنكار ذات نفسك من أجلها. واتسعت للتاريخ بوضعك عمرك المحدود على الطيارة، وقذفك بها وبه في مسبح الأجل. وتجردت للأدبية لتعطي بلادك: إما شهيد مجد في الآخرة، وإما شهادة فخر في الدنيا. وكنت على طيارتك الصغيرة المتطاردة تحت الريح، وحولك روح الهرم الأكبر القائم بإرادة مصر وكأنه مسمار مدقوق في كرة الأرض بين القطب والقطب. وأنت يا "فائزة" يا هذه الصغيرة الخارجة من مال صاحبها وجهده وعزيمته كما تخرج القوة من ضعف، أعلمت إذ أنت ترتفعين وتهبطين بين السحب كما تتواثب الفراشة على النور في روضة مزهرة، وإذا أنت تفتقين وتحوكين في ملاءة السحاب كأنك بمحركك الدوار تنسجين في السماء بمغزل، وإذ أنت بين صفق الرياح الهوج١، تحت السماء المدججة٢، في كبة الشتاء٣، كأنك مناظرة تجري بين العزيمة في الإنسان والعزيمة في الطبيعة، وإذ أنت بين ذئاب الأعاصير، ونمور السحاب٤ وسباع الغيم ذوات اللبدة الكثيفة المتشعثة، كأنك بصوتك وأزيزك تطلقين على وحوش الجو مدفعًا رشاشًا يتركها صرعى. وإذ تراك الريح فتقول عنك: ريح صنعها الإنسان. ويراك النجم فيقول: نجم أفلت من النظام الأرضي. وتراك الملائكة فتقول: ويحك يابن آدم، كأنك بما خلقه العقل تطمع منا في سجدة أخرى كالتي سجدناها لآدم يوم خلقه الله. أعلمت إذ أنت كذلك يا "فائزة"، أن التاريخ المصري سيحولك من

стр. 537

طيارة إلى آية كآية بدء الخلق، لأن فيك بدء الطيران في مصر؟ سلاما يا فاتح الجو المصري، لقد أجالت الأيام قداحها فخرجت القرعة عليك، وأوحى إليك الواجب آية: بسم الله مصعدها ومجراها. وطرت فإذا أنت بها عابر فوق الحاضر لتجيئنا من جانب المستقبل. وهبطت علينا كأنك في بريد السماء كتاب مجد حي للوطنية الظافرة. بل كتاب قصة رائعة ألفتها العواصف من فنين: ثورة الجو وثورة نفسك المصرية. وحكتها في صوتين: زفيف الطيارة وصرخة ضميرك الوطني. وجعلتها فصلين: أنت والمجهول. ألا حسبك مجدًا أن يحيا الشعب كله بضعة أيام في قصتك! فعلى مهد الجو، وفي حرير الشعاع، وتحت كلة السحاب ولد لمصر يوم تاريخي. وخرجت التهانئ التي طال احتباسها في القلوب المصرية لا يفرج عنها لأن سجانها ظلم السياسة. واتجهت أفراح شعب كامل إلى الفتى الجريء الذي رمت به همته فوق هاوية الموت فتخطاها. وتلقى شعور الأمة رسوله المقدام الذي لم يكن له ملجأ في خطاره إلا شعوره بهذه الأمة. وارتج الوادي كله كأنه غمد يتقلقل حين يسل منه السيف. ثم أهديت كلمة مصر لابنها الذي كتب في جوها الكلمة السماوية الأولى. وكانت ساعة تلاشى عندها الزمن فارتفعت منه أربعة آلاف سنة وهتف معنا الفراعنة: بوركت يا "صدقي". لله درك أيما ابن عزيمة! كأنما كشفت أهاويل الوحي وهبطت في سحابة مجلجلة إن لم تحمل كتابا منزلا فكأنما حملت شخصا منزلا. ولعلك رسول الغيم العابس لهذا الجو المصري الذي يضحك دائما ضحكة الفيلسوف الساخر في حين أصبحت الحياة قوة لا فلسفة ...

стр. 538

ولعلك مبعوث البرق والرعد لهذا السكون النائم الذي يطوي كل يوم في طي النسيان ما حدث في اليوم الذي قبله ... ولعلك نبي الجدية والمرارة لهذه الحلاوة النيلية المفرطة التي كاد منها الشعب أن يكون سكر أخلاق يذاب ويشرب ... ولعلك تفسير مصحح لعقيدتنا المغلوطة في القضاء والقدر، أن القضاء أن تقدم بلا خوف، وأن القدر أن تثق بلا مبالاة. أما -والله- لقد غمرت الشعب بموجة هواء جديدة جئت بها في جناحيك، ونفخت روح طيارتك المجيدة في القلوب فجعلتها كلها ترفرف كأن لك في ضلوع كل مصري طيارة.

стр. 539

أجنحة المدافع المصرية ١: استجنحي٢ يا مدافع مصر وطيري، إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. لقد مدت لغة القوة في هذا العصر مدها حتى أصبح الطيران بعض معاني المشي، ولم يعد العالم يدري كيف تكون الصورة الأخيرة التي يستقر فيها معنى إنسانه. فلتتمجد مصر بإنسانها البرقي الذي تخرج النار بيده من أعراض السحاب، وتفرقع في أصابعه هزات الرعد، ويجعل في قبة السماء صلصلة وجلجلة، ويحمل الاسم المصري إلى معلق النجم، فيضع له هناك التعريف الناري الذي وضعته الدول العظمى لأسمائها. ولتتمجد مصر بإنسانها البرقي الذي يشعرها حقيقة العلو العالي، والعمق العميق، والسعة التي لا تحد؛ ويزيد في معاني أحيائنا معنى جديدا لأحياء السحب، وفي معاني أمواتنا معنى جديدًا لموتى الكواكب. إنسان برقي يتمم بشجاعته في السماء بطولة فلاحنا الإنسان الشمسي في الأرض، ويعلو بكبرياء مصر في ذروة العالم، فتظهر طياراتها العظيمة قدرة في الجو كما ظهرت آثارها العظيمة قدرة في الثرى. إنها مصر، مصر القادرة التي سحرت القدم بقوتها وفنها، فبقي فيها على حاله وجلالته، وانهزم الدهر عنه كأنه قوة على قوة الزمن نفسها. فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. ولما فتح السجل ذات صباح لتكتب مصر أسماء الفوج الأول من نسورها الحربيين، صاح مجدها الخالد من أعماق التاريخ:

стр. 540

"أضرمي الشعلة الآدمية الأولى يا مصر، وافتحي القبر الجوي الأول، وألحدي فيه من عنصريك المسلمين والأقباط، وضعي الحياة في أساس الحياة، واستقبلي عصرك الجديد بأذان المسجد ودق الناقوس ليباركه الله، وليتلق الشعب أول طياريه بقلوب فيها روح المعركة، وأكباد عرفت مس النار؛ ولا ينظرن إلى طياراته الأول إلا بعد أن ينظر النعشين فيرى مجد الموت في سبيل الوطن، فتسطع نظراته ببريق الكبرياء، ولمعة العزيمة، وشعاع الإيمان؛ ويتألق فيها النور السماوي الذي يجعل الناس في بعض ساعاتهم وكواكب نور صلاة الشعب على موتاه الشهداء". واستجاب القدر لصوت المجد، فالتج الظلام في وضح الصبح، وانطفأ سراج النهار في قبة الفلك، وأطبقت نواحي الجو إطباق ليلة تساقطت أركانها وأقبل الضباب يعترض اعتراض جبل عائم يتذبذب في بحر، واستأرض السحاب فتخلى عن طبيعته السماوية الرقيقة، وتذامرت العناصر على القتال يحض بعضها بعضا، وتغشت السماء بوجه الموت: كلح فاربد وانتفخ، وتكسرت فيه الغضون كل غضن كسفة ظلام، وعاد أوسع شيء أضيق شيء، فكان الفضاء كصدر المحتضر؛ ليس معه إلا عمر ساعة وأنفاسها. وابتدرت إلى مجد الموت الطيارة المصرية الأولى؛ وكان فيها إنكليزيان يقودانها فأباها الموت، فذهبت فانتحرت أسفا وتردت متحطمة، وانسل الرجلان من مخالب الردى، وكانا في الطيارة كورقتين من النبت في فم جرادة همت تقضمهما ... وتستبق الثانية فإذا فيها وديعة الكرم من عنصري مصر: "حجاج ودوس"١ وكان سرا من أسرار مصر اجتماعهما في مداحض الغمام ومزالقه، ليكونا هدية مصر الأولى إلى مجدها الحربي، ثم ليكونا هدية المجد إلى إحساس هذا الشعب يحس منهما العالم المنطوي له في مستقبل النصر. واعتسفت طيارة الشهيدين طريق الفناء ومتاهة الحياة، فذهبت عنها معارف الأرض، وعميت عليها معالم السماء، وخرجت من تصريف أيدي البطلين إلى تصريف أجلهما، وأصبحت كأنها تطير في الأنفاس الباقية لهما؛ فما تتقدم ولا تتأخر؛ ولم تكن طيارة تحملهما، بل جناحا ممدودًا من رحمة الله.

стр. 541

ثم اجترها الموت إلى غور، فانحطت من الهواء جانحة كالطائر يطلب ملجأ في العاصفة، ثم انتهضت واثبة، وتمطرت منقلبة، فاشتعلت فاستعرت فأنضجت راكبيها، رحمهما الله! وكثيرًا ما يكون منظر الحزن في الحياة هو انهماك الحياة في عمل جديد تبدع منه السرور والقوة. احتراق البطلان لتتسلم مصر في نعشيهما رمادًا لن يبني تاريخ العزة الوطنية إلا به. فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. صنعت النار الآدمية الحقيقة، ووضعت لنا الاسم البديع الذي نطلقه على طيارينا الأبطال، فلا تسموهم نسور الجو، ولكن سموهم "جمرات الجو". صنعت نارنا الحقيقة، وأوحت إلينا أن نستبدل من أنفسنا حالة بحالة، وأن نفاجئ شعورنا الحالم فنصدمه بالآلام اليقظة المرة، وأن نغير قاعدة الحياة في التربية المصرية فلا تكون: العيش العيش، ولكن القوة القوة. صنعت النار الحقيقة، وأثبتت لنا أن الحياة إن هي إلا أداة للحي، وليس الحي أداة للحياة، فليتصرف بها على قوانين الروح وآمالها فيسمو تسمو، ولا يدعها تتصرف على مذاهب أقدار المادة وتصاريفها فيذلها وتذله. وفي قانون الروح: لا قمية لعالم الأشياء إلا كما تصلح لنا؛ وفي قانون المادة وضغطة الحياة: كما تصلح لنا وكما نصلح لها ... بلى، قد صنعت النار الآدمية الحقيقة، وأعطتنا قصة الحرية كاملة في معنى واحدة: وهو أن هذه الحرية لعاشقيها كأجمل الجميلات للمتنافسين عليها: جمالها متوحش، وخلاعتها مفترسة، وظرفها سفاك للدم. فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي. وإلى السماء يا "جمرات الجو"، فإذا استويتم على السحاب، فليست الطيارة ثم طيارة، بل حقيقة حية عاملة للمجد، فلتحمل معناها المصري من بطلها المصري. وإذا سبحتم في مهبط القدر، فليس الطيار ثم طيارًا، بل حياة عبقرية أرسلتها مصر تستنزل للحياة أقدارًا سعيدة.

стр. 542

وإذا خضتم في المعرك الضنك تتبعثر فيه الآجال على الرياح، فليس الجسم المصري هناك من لحم ودم، بل ناموسا طبيعيا ماضيا إلى غاية. وإذا تقاذفتم في بحر الشمس، فأنتم هناك على شباك طرحتموها لصيد أيام مضيئة تلتمع في تاريخ مصر. وإذا نفذتم من أقطار السماوات، فانظروها بأعينكم معالي مصر، وافهموها بقلوبكم ذاتية الوطن المصري تعلو وتعلو ولا تزال أبدًا تعلو. إنما الطيارة وسلاحها وطيارها تأليف من الإنسانية والعناصر، معناه في العزيمة "لا بد". ومتى هدرت الطيارة هديرها فإنما تقول للبطل منكم: هلم من عال إلى أعلى، إلى أكثر علوا، إلى أقصى حدود الواجب على النفس حين يأخذ الواجب الكل وحين تعطي النفس الكل. فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي.

стр. 543

أحاديث الباشا الطماطم السياسي: كان "م" باشا* ﵀ داهية من دهاة السياسة المصرية، يلتوي مرة في يدها التواء الحبل، ويستوي في يدها مرة استواء السيف, ولا يرى أبدًا إلا منكمشا متحرزا كأن له عدوا لا يدري أين هو ولا متى يقتحم عليه، ولكنه كغيره من الرؤساء الذين كانوا آلات للكذب بين طالب الحق وغاصب الحق, يعرف أن عدوه كامن في أعماله. وكان ذكيا أريبا، غير أن ملابسته للسياسة الدائرة على محورها، جعلت نصف ذكائه من الذكاء ونصفه من المكر؛ فكان في مراوغته كأن له ثلاثة عقول: أحدها مصري, والآخر إنجليزي، والثالث خارج من الحالين. وبهذا تقدم وعاش أثيرًا عند الرؤساء من الإنجليز، واستمرت مجاريه مطردة لديهم حتى بلغوا به إلى الوزارة، إذ كان حسن الفهم عنهم، سريع الاستجابة إليهم؛ يفهم معنى ألفاظهم، ومعنى النية التي تكون وراء ألفاظهم، ومعنى آخر يتبرع هو به لألفاظهم ... فكان هو وأمثاله في رأي تلك السياسة القديمة، رجالا كالأفكار: يوضع أحدهم في مكانه من الحكم كما توضع صيغة الشك لإفساد اليقين، أو صيغة الوهم لتوليد الخيال، أو صيغة الهوى لإيجاد الفتنة. وكان صديقي "فلان" ﵀ صاحب سره "السكرتير"، وقد وثق به الباشا حتى أنه كان يعالنه بما في نفسه، ويبثه همومه وأحزانه، ويرى فيه دنيا حرة يخرج إليها كلما ضاقت به دنيا وظيفته، ويستعير منه اليقين أحيانا بأنه لا يزال مصريا لم يتم بعد تحويله في الكرسي ...

стр. 544

فحدثني الصديق بعد موت هذا الباشا قال: إنه دعاه يوما ليفاتحه الرأي في أمر من أموره، ثم قال له: إن الرئيس الإنجليزي غير مطمئن إليك لأن حقيقة من الحقائق الصريحة ظاهرة على وجهك، فأنت تنظر إليه وكأنك تقول له بعينيك: إنك مصري مستقل. قال صاحب السر: لئن كان ذلك ما يغضبه إن الخطب لهين، فلست أنظر إليه بعد اليوم إلا من وراء نظارة سوداء ... فضحك الباشا وقال: يا بني، هذا الإنجليزي عندنا كالشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] ، ووالله يا بني إني لأشد أنفة منك، وإن صدري لشجي مما أنا فيه من هذا الكرب، ولكننا -نحن الشرقيين- قد ضعنا منذ فقدنا الشخصية الاجتماعية. أتراك تفهم شيئا لو قلت لك: رجل، أسد، جبل، مدينة، أسطول؟ إن تركيبنا الاجتماعي شيء كهذا الكلام: فيه من ضخامة اللفظ بقدر ما فيه من انحلال المعنى واضمحلاله. ولكل كلمة إذ أفردت معنى صحيح يقوم بها وتقوم به، غير أنه يتحول في الجملة إلى معنى كلا معنى. أصبح الشرقي يعيش في أمته على قاعدة أنه منفرد لا صلة بينه وبين الأطراف لا في الزمان ولا في المكان، ونسي معنى الحديث الشريف: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا". فماذا كان يريد أعظم المصلحين الاجتماعيين من قوله: "كأنك تعيش أبدًا"؟ إلا أن يقرر لأمته أن الفرد ينبوع الأجيال المقبلة كلها، فليعمل لها ولنفسه كأنها موقوفة عليه وكأنه مستمر فيها. هذه حكمة إسلامية دقيقة، عندنا نحن لفظها ولسنا نعرف معناها، وعند الإنجليز معناها ولا يعرفون لفظها، أهم المسلمون أم نحن؟ وعلى قاعدة الانفراد انفراد كل شيء؛ فآثر الشرقي حياته على وطنه، وقدم لذته على واجبه، وتعامل بالمال في مواضع المعاملة بالأخلاق؛ وكان طبيعيا مع هذا أن يختصر الدين اختصارًا يجعله مقدارا بين مقدارين، فلا هو دين ولا هو غير دين؛ وبذلك يناسب فرديته ويقعد تحت حكمه وهو خارج عليه؛ فترى الرجل من هذه الملايين يؤمن بالله وهو يحلف به كذبا على درهم، ويصلي ويفجر في يوم واحد، ويتعبد في نفسه ويخون سواه في وقت معا. ومتى كانت الحالة النفسية للأمة هي هذه الفردية ومصالحها ودواعيها،

стр. 545

كان الكذب أظهر خلال هذه الأمة، إذ هو انفراد الكاذب بحظه ومصلحته وداعيته؛ ولا يكذب عليك إلا من يرجو أن تكون مغفلا، أو من قدر في نفسه أن المعاملة العامة في الأمة هي على قاعدة المغفلين ... ويكذبون في هذا أيضا فيسمونه حذاقا وبراعة "وشطارة". وإذا عم الكذب فشا منه الهزل؛ فكل كاذب هازل، وهل يجد الكاذب وهو يكذب إلا إذا كان مجنونًا؟ ومن الهزل ضرب هو المباسطة بالكذب، ومنه ضرب من كذب الحقائق، ومنه من كذب الخيال، وكيفما درات الحال لا تجده إلا كذبًا. ومتى صار الكذب أصلا يعمل عليه، تقرر عند الناس أن الكلام أنما يقال ليقال فقط. أفلست ترى الرجلين إذا أخبر أحدهما صاحبه بالخبر فيه شيء من الغرابة أو البعد، لا يكلمه الآخر أول ما يتكلم إلا أن يسأله: صحيح؟ صدق؟ ولا أضر على الأمة من هذه العقيدة -عقيدة أن الكلام يقال ليقال فقط- فإنها هي طابع الهزل على أخلاق الأمة، وعلى كل أحوالها، وعلى حكومتها أيضًا. ومن الهزل والكذب ترانا مبالغين في كل شيء، حتى ليكون لنا الواحد كالآحاد في غيرنا فنجعله مائة بصفرين، نجيء بأحدهما من اعتيادنا الكذب على الحقيقة، ونجيء بالآخر من حقيقة إفلاسنا. هذه مبالغة خطرة، وأخطر ما فيها أننا بها نريد المبالغة في الدلالة على الأشياء، فتنقلب مبالغة في الدلالة علينا نحن، وعلى كذب طباعنا، وعلى فوضى العقل فينا. نعم وحتى تثبت أننا لا عزم لنا، من كونها مبالغة لا تدقيق في معناها؛ وأن لا صبر لنا، من أنها لا ثبات لحقيقتها المهزومة؛ وأن لا شدة لنا في طلب الحق، لأننا بها من أهل الغفلة في وصف الحق؛ وأننا لا نتمثل العواقب إذ نرسل الكلام إرسالا ولا نخشى ما يكون من عاقبته. وأيسر ما يفهم من هذه المبالغات التي أصبحت طريقة من طرق الشعب في التعبير، أن هذا الشعب لا يصلح في شيء إلا بالحكومة، فهو نفسه كالمبالغة، والحكومة له كالتصحيح؛ وهذه هي العلة في أن الشعب الكذوب يلجأ إلى حكومته في كل كبيرة وصغيرة في العمل، كما أنها هي العلة في أن حكومته تكذب عليه بكل صغيرة وكبيرة في السياسة. ومن أثر الكذب الشعبي والمبالغة الشعبية، ما نراه من اهتمام كل فرد بما يقول الناس عن أعماله، فيديرها على ذلك وإن قلت منفعتها، وإن فسدت

стр. 546

حقيقتها، وإن جلبت عليه من الضرر في ماله ونفسه ما هي جالبة؛ فقاعدتهم هي هذه: ليس الشأن في الحياة للعمل في نفسه، ولكن فيما يقال عنه؛ فإن لم يقل شيء فلا تعمل شيئا ... هذه يا بني أمة لا يكون حكامها إلا مبالغات أيضا ... قال صاحب السر: وراتفع من الطريق صوت بائع ينادي على سلعته: أحسن من التفاح يا طماطم. فضحك الباشا وقال: هكذا يقولون لنا عن الطماطم السياسي العفن: إنه ليس تفاحا وحسب، بل هو أحسن من التفاح. إن الأمة لن تكون في موضعها إلا إذا وضعت الكلمة في موضعها، وإن أول ما يدل على صحة الأخلاق في أمة كلمة الصدق فيها، والأمة التي لا يحكمها الصدق لا تكون معها كل مظاهر الحكم إلا كذبا وهزلا ومبالغة.

стр. 547

البك والباشا: وحدثني صاحب سر "م" باشا قال: جاء يوما إلى زيارة الباشا رجل دخل علي متهللا مشرق الوجه كأنه مضاء من داخله بشمعة ... ويترنح عطفاه كأنما تهزه أسرار عظمته؛ ويمشي متخلعا كالمرأة الجميلة التي أثقلها لحمها وأثقلتها المعاني الكثيرة من أعين الناظرين إليها، وعلى شفتيه خيال من فكرة هؤلاء الكبراء والمغرورين الذين لا يأمر أحدهم رجلا صغيرًا إلا ليعلمه أنه هو كبير، فيكون في الأمر شيئان: الأمر واللؤم؛ وأقبل علي في هيئة شامخة لو نطقت لقالت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . سبح الله الذي خلق في الأسد شعرة جبارة خرج منها الأسد كله. سبحان الله ولا إله إلا الله. هذا "فلان باشا" الذي قرأت في الصحف أمس أنهم أنعموا عليه برتبة الباشوية؛ خلقه الله من تراب وحولت الرتبة هذا التراب الذي فيه إلى ذهب خالص ... ينظر إلي وبرغمه أن تقف عيناه علي وعلى الحائط، ولا تجد نفسه المزهوة سبيلا إلى التعبير عن الرتبة إلا هذا الازدراء المنبعث من شخصه العظيم لمن لم يكن كشخصه. ما بين أمس واليوم زاد هذه الزيادة الآدمية، أو كأنما كانت صورته خطوطًا فقط فوضعت فيها الألوان ... "باشا"! هذه الباء وهذه الألف وهذه الشين الممدودة ليست حروفا خارجة من الأبجدية العامة؛ فإن الأبجدية قد تجعل الباء في بليد مثلا، والألف في أبله، والشين الممدودة في شاهد زور مثلا مثلا ... بل تلك حروف من حروف الدولة، منتزعة من قوة قادرة على أن تجعل لحياة صاحبها من الشكل ما يسبغه الفن على الحجر من شكل تمثال ينصب للتعظيم. قال: وكنت أعرف هذا الرجل، وهو رجل أمي لا يحسن إلا كتابة اسمه كما تكتب الدجاجة في الأرض ... فكانت الرتبة عليه كإطلاق لفظ الحديقة على صخرة من الصخور الصلدة؛ وهذا مما يحتمله المجاز بعلاقة ما؛ ولكن الذي لا يسوغ في المجاز، ولا في مبالغات الاستعارة، ولا في خرافات المستحيل، أن تزعم الصخرة

стр. 548

للناس أن لفظ الحديقة الذي أطلق عليها قد أنبت فيها أشجار الحديقة ... قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهل له الإذن وقال: هذا رجل أصبح كالورقة المبصومة بخاتم الدولة، فلتكن ما هي كائنة فإن لها اعتبارها، ثم تلقاه تلقي الهازل المتهكم وقال له: أهنئك بالنحوي ... مباركون يا باشا. وأقبل عليه وبسط له وجهه. وكان في الباشا دعابة ظريفة يعرف بها، وهو كثير النوادر والملح، وله خصيصة عجيبة، فيكون بين يديه كدس من الأوراق التي تعرض عليه ينظر فيها ويقرؤها ويتدبرها، وفي في ذلك يستمع إلى محدثه ويراجعه ويرد عليه، فيصرف الناس والأوراق في وقت واحد، ويستعمل ناحيتين من فكره استعمالا واحدًا لا يخل بالإصابة في شيء من هذه ولا من تلك. ثم قال للباشا الحديث وعينه إلى ما بين يديه: هذه أوراق سرقة ثور عظيم، فكم يساوي الثور العظيم الآن؟ قال صاحبنا الذكي الفطن: إذا كان من الثيران التي تعرض في المعارض وتنال المداليات الذهبية فقد يبعد سعره ويغالي به. قال الباشا: نعم نعم، إن من الثيران ثيرانا ينعم عليها بالأوسمة، ولكن هذا الثور الذي سألتك عنه يا باشا هو ثور محراث لا ثور معرض ... قال الآخر: إذا كان ثور محراث فمثله كثير فلا يكون ثورا عظيما كما قلت وليست له إلا قيمة مثله. قال الباشا: أراني أخطأت، ولعن الله العجلة، فهذه أوراق سرقة حمار! قال صاحب السر: وانصرفت عنهما بأوراقي، وقد رأيت يد الباشا مملوءة لصاحبنا بتحيات كلها صفعات؛ فلم يكن إلا يسير حتى خرج مبتهجا يميد السرور بعطفيه. ثم دعاني الباشا ودفع إلي بطاقة بالحاجة التي جاء فيها الرجل، ثم قال: يا ليت لنا في ألقاب الدولة لقب "﵀" ... ينعم به على مثل هذا. أتدري يا بني أن هذه الرتب وهذه الألقاب لم تكن في القديم إلا كوضع علامة الشر على أهل الشر ليهابهم الناس، حتى كأنما يكتب على أحدهم من لقب بك أو باشا: ملحق بالدولة ...

стр. 549

وكان الشعب أميا جاهلا لا يستطيع الإدراك ولا يحسن التمييز، فكانت الألقاب كالقوانين الشخصية الموضوعة في صيغة موجودة مفهومة متعينة الدلالة، وكان كل من يحمل لقبا من الحكومة يستطيع أن يقول للناس: لقد وضعت الحكومة كلمة الأمر في شفتي ... وكأن اللقب إعلان من الحكومة المستبدة لشعبها الجاهل: إنه هذا البك والباشا من يحق له أن يحترم. من الهزل أن يشتري اسم النصر الحربي أو يوهب أو يعار؛ وأقبح منه في باب الهزل أن ينعم على مثل هذا الأمي بلقب باشا. وأنا أعرف أنه قد بذل في سبيله ما بذل، وأضاع ما أضاع، فكأن الذين منحوه إياه لم يفعلوا شيئا إلا وضع توقيعهم على أخذ الثمن. ولقد أصبح الرجل تحت تأثير الكلمة العظيمة مخبولا بسحرها الوهمي، فحسب ذلك إدخالا له في وظيفة كل حاكم، وإشراكا له في الحكم متى اقتضته مجاري أموره وأحواله، أو حاجات أسبابه وأتباعه؛ وها هو ذا قد جاء يطلب حقه، فإن مثله لا يفهم من لقب "باشا" إلا أن الحكومة قد سوغت سلطته الظهور والعمل، فمدت باعه وقوت أمره ونوهت باسمه لمصالحها وعمالها؛ فهو عند نفسه قد التحم منذ اليوم بالنسب الحكومي، وفي كلمة واحدة، هو قد ولد من بطن الحكومة ... ألا ترى أن الشعب لو استرد سلطته الكاملة، وأن الناس لو أيقنوا أن الألقاب ألفاظ فارغة من الأمر والنهي والوسيلة والشفاعة، لما بقي من يعبأ بها، ولكان حاملها هو أول من يسخر منها؟ فهي إذن شعبذة١ من الحكومة وتضليل في مثل هذا الرجل الأمي، وهي ضرب من التهويل والمبالغة في سواه من الكبراء والعظماء، كأن الوزير الذي يقلب بالباشا، يجعل فيه لقبه وزيرين، وكأن مثل هذا الأمي المغفل، يجعل فيه لقبه شخصًا، آخر غير الأمي المغفل. أنا قلما رأيت رجلا يحتاج إلى ألقاب يتعظم بها إلا وهو لا يستحقها، وقلما رأيت رجلا يستحقها إلا وهو لا يحتاج إليها؛ فأين يكون موضع هذه الرتب والألقاب؟

стр. 550

ساكنو الثياب: قال صاحب سر "م" باشا: وجاءني يوما اثنان من شيوخ الدين من ذوي هيئاتهم وأصحاب المنزلة فيهم، كلاهما هامة وقامة، وجبة وعمامة، ودرجة من الإمامة؛ ولهما نسيم ينفخ عطرا حسبته من ترويح أجنحة الملائكة؛ وعليهما من الوقار كظل الشجرة الخضراء في لهب الشمس تفيء به يمنة ويسرة، فتوجهت إليهما بنظري، وأقبلت عليهما بنفسي، ووضعت حواسي كلها في خدمتهما؛ وقلت: هؤلاء هم رجال القانون الذي مادته الأولى القلب. ما أسخف الحياة لولا أنها تدل على شرفها وقدرها ببعض الأحياء الذين نراهم في عالم التراب كأن مادتهم من السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال؛ يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن بالفعل، إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص وإن كان حرمانًا، وإلا المروءة وإن كانت مشقة، وإلا محبة الإنسانية وإن كانت ألما، وإلا الجد وإن كان عناء، وإلا القناعة وإن كانت فقرًا. هؤلاء قوم يؤلفون بيد القدرة، فهم كالكتب قد انطوت على حقائقها وختمت كما وضعت، لا تستطيع أن تخرج للناس من حقيقة نصف حقيقة ولا شبه حقيقة ولا تزويرا على حقيقة. وما أعجب أمر هذه الحياة الإنسانية القائمة على النواميس الاقتصادية! فالسماء نفسها تحتاج فيها إلى سماسرة لعرض الجنة على الناس بالثمن الذي يملكه كل إنسان وهو العمل الطيب. قال: ونظرت إلى الشيخين على اعتبار أنهما من بقية النبوة العاملة فيها شريعة نفسها. تلك الشريعة التي لا تتغير ولا تتبدل كيلا يتغير الناس ولا يتبدلوا. ثم سألتهما عن حاجتهما، فإذا أحدهما قد عمل أبياتا من الشعر جاء يمدح بها

стр. 551

الباشا ليزدلف إليه؛ فقلت في نفسي: "ما أشبه حجل الجبال١ بألوان صخرها! " هذا عالم دنيا يحدها من الشرق الرغيف، ومن الغرب الدينار، ومن الشمال الجاه، ومن الجنوب الشيطان. ثم نشر ورقة في يده وأخذ يسرد على القصيدة، وهي على روي الهاء، وتنتهي أبياتها: ها. ها. ها. فكان يقرؤها شعرًا -أو كما يسميه هو شعرًا- وكنت أسمعها أنا قهقهة من الشيطان الذي ركب أكتاف هذا العالم الديني: ها. ها. ها. ها ... قال صاحب السر: وأدخلتهما على الباشا، فوقف المداح يمدح بقصيدته، وأخذت لحيته الوافرة تهتز في إنشاده كأنها منفضة ينفض بها الملل عن عواطف الباشا ... وكان للآخر صمت عامل في نفسه كصمت الطبيعة حين تنفطر البذرة في داخلها، إذ كانت الحاجة حاجته هو، وإنما جاء بصاحبه رافدا وظهيرًا يحمل الشمس والقمر والليث والغيث، لتتقلب الأشياء حول الممدوح فيأخذه السحر، فيكون جواب الشمس على هذه اللغة أن تضيء يوم الشيخ، وجواب القمر أن يملأ ظلامه، وجواب الليث أن يفترس عدوه، وجواب الغيث أن يهطل على أرضه. والباشا لا يدع ظرفه ودعابته، وكان قد لمح في أشداق العالم المتشاعر أسنانا صناعية، فلما فرغ من نظمه الركيك قال له: يا أستاذ، أحسبني لا أكون إلا كاذبا إذا قلت لك: لا فض فوك. ثم ذكر الآخر حاجته: وهي رجاؤه أن يكون عمدة القرية من ذوي قرابته لا من ذوي عداوته. فقال له الباشا: ولقريتكم أيضًا أبو جهل؟ ولما انصرفا قال لي الباشا: لأمر ما جعل هؤلاء القوم لأنفسهم زيا خاصا يتميزون به في الناس، كأن الدين باب من التحرف والتصرف، بعض آلته في ثيابه؛ فهؤلاء يسكنون الجبب والقفاطين وكأنها دواوينهم لا ثيابهم ... قد أفهم لهذا معنى صحيحًا إذا كان كل رجل منهم محصورًا في واجبات عمله كالجندي في معاني سلاحه، فيكون التعظيم والتوقير لثوب العالم الديني

стр. 552

كأداء التحية للثوب العسكري: معناه أن في هذا الثوب عملا ساميا أوله بيع الروح وبذل النفس وترك الدنيا في سبيل المجتمع؛ هذا ثوب الموت يفرض على الحياة أن تعظمه وتجله، وثوب الدفاع تجب له الطاعة والانقياد، وثوب القوة ليس له إلا المهابة والإعزاز في الوطن. ولكن ماذا تصنع الجبة اليوم؟ إنها تطعم صاحبها ... أثر الجيش معروف في دفاع الأمم العدوة عن البلاد، فأين أثر جيش العلماء في دفاع المعاني العدوة عن أهل البلاد، وقد احتلت هذه المعاني وضربت وتملكت وتركت هذا العالم الديني في ثوبه كالجندي المنهزم؛ يحمل من هزيمته فضيحة ومن ثوبه فضيحة أخرى؟ أنت يا بني قد رأيت "الشيخ محمد عبده" وعرفته؛ فرحم الله هذا الرجل، ما كان أعجب شأنه! لكأنه -والله- سحابة مطوية على صاعقة, ولو قلت إنه قد كان بين قلبه ورأسه طريق لبعض الملائكة. لأشبه أن يكون هذا قولا. كان يزورني أحيانا فأراني مرغما على أن أقدم له مجلسين أحدهما قلبي. وكان له وجه يأمر أمرًا، إذ لا تراه إلا شعرت به يرفعك إلى حقيقة سامية١. رجل نبت على أعراق فيها إبداع المبدع العظيم الذي هيأه لرسالته، فعواصفه كالعطر في شجرة العطر الشذية، وشمائله كجمال السماء في زرقة السماء الصافية، وعظمته كروعة البحر في منظر البحر الصاخب. وكثيرا ما كان يتعجب من هذا أستاذه "السيد جمال الدين الأفغاني" فيسأله مندهشا: بالله قل لي: ابن أي ملك أنت؟ لم يكن ابن ملك ولا ابن أمير، ولكنه ابن القوات الروحية العاملة في هذا الكون؛ فهي أعدته، وهي ألهمته، وهي أنطقته، وهي أخرجته في قومه إعلانا غير كتمان، ومصارحة غير مخادعة، وهي جعلت فيه أسدية الأسد، وهي ألقت في كلامه تلك الشهوة الروحية التي تذاق وتحب، كالحلاوة في الحلوى. هذا هو العالم الديني: لا بد أن يكون ابن القوات الروحية، لا ابن الكتب وحدها، ولا بد أن يخرج بعمله إلى الدنيا، لا أن يدخل الدنيا تحت سقف الجامع ... وأنا فما ينقضي عجبي من هؤلاء العلماء الذين هم بقايا تتضاءل بجانب

стр. 553

الأصل، يبحثون في سنن النبي ﷺ : كيف كان يأكل ويشرب ويلبس ويمشي ويتحدث؛ كأنهم من الدنيا في قانون المائدة، وآداب الولائم، ورسوم المجتمعات؛ أما تلك الحقيقة الكبرى، وهي كيف كان النبي ﷺ يقاتل ويحارب لهداية الخلق، وكيف كان يسمو على الدنيا وشهواتها؟ وكيف كان بطباعه القوية الصريحة تعديلا فعالا في هذه الإنسانية للنواميس الجائزة؟ وكيف كان يحمل الفقر ليكسر به شرة النواميس الاقتصادية التي تقضي بجعل الأخلاق أثرا من آثار السعة والضيق، فتخرج من الغني متعففا ومن الفقير لصا؟ وكيف استطاع ﷺ بفقره السامي أن يحول معنى الغنى في نفوس أصحابه، فيجعله ما استغنى عنه الإنسان من شهوات الدنيا وترك، لا ما نال منها وجمع؟ أما هذا ونحوه من حقائق النبوة العاملة في تنظيم الحياة، فقد أهملوه، إذ هو لا يوجد في الكتب وشروحها وحواشيها، ولكن في الحياة وأثقالها وأكدارها؛ وبذلك أصبح شيوخنا من الأمة في مواضع لم يضعهم فيها الدين ولكن وضعتهم فيها الوظيفة. ألا ليتهم يكتبون على أبواب الأزهر هذه الحكمة: سئل بعض العرب: بم ساد فلان فيكم؟ قالوا: احتجنا إلى عمله واستغنى عن دنيانا ...

стр. 554

الأخلاق المحاربة: وحدثني صاحب سر "م" باشا بهذا الحديث قال: كنا في ثورة سنة ١٩١٩ سنة الهزاهز والفتن، وقد تفاقمت الثورة، وأخذ الشباب يعمل ويفكر فيما يستطيع أن يعمل، وما يجب أن يعمل؛ وكان السخط العام هو ميراث الوقت، فكانت قلوب الشعب تلهم واجباتها إلهامًا، إذ لم يكن في هذه القلوب كلها إلا لذعة الدم تعين اتجاه أعمالها وتحدده. كانت الثورة زلزلة وقعت في التاريخ، فجاءت تحت زمن راكد لا يتغير إلا بأن ينسف، ولا ينسفه إلا مادة إلهية كالحركة الكونية التي تخرج اليوم الجديد من القديم؛ فكان القدر يعمل بأيدي الإنجليز عملا مصريا، ويعمل بأيدي المصريين عملا آخر. وتعلم الشعب من دفن شهدائه كيف يستنبت الدم فينبت به الحرية، وكيف يزرع الدمع فيخرج منه العزم، وكيف يستثمر الحزن فيثمر له المجد. وكان رصاص الإنجليز يصيب هدفين معا: فيصرع شهداءنا، ويقتل الموت السياسي الذي احتل معهم هذه البلاد. وقد أنعموا على الشعب بالصدمة الأولى، فنشبت المعركة التي تقاتل فيها الأخلاق القومية لتنتصر؛ وشعرت مصر في جهادها بأنها مصر، فالتمس روحها التاريخي رمزه العظيم في الأمة ليظهر فيه عاتيا جبارًا؛ فكان هذا الرمز الجليل العظيم هو سعد زغلول. قال صاحب السر: وكان الطلبة قد غدوا من أول النهار يتظاهرون، وقد جعلتهم الثورة كالأرواح تخلصت من الموت بالموت فلا تخشاه ولا تباليه، واستقلت عن العقل بتحولها إلى شعور محض، وخرجت عن القوانين كلها إلا القانون الخفي الذي لا يعلم ما هو. كانوا في معاني قلوبهم لا في غيرها، فلست تراهم إلا عظماء في عظمة

стр. 555

المبدأ الذي ينتصرون له، أقوياء في قوة الإيمان الذي يعملون به، أجلاء في جلال الوطن الذي يحيون ويموتون في سبيله. وكانوا في الشعب هم خيال الأمة العامل المدرك، وشعورها الحي المتوثب، وقواها البارزة من أعماقها، وأملها الزاحف ليقهر الصعوبة. يفادون بأنفسهم الغالية ويؤثرون عليها، وليس في أحد منهم ذاته ولا أغراض شخصه، فما أجل وما أعظم! وما أروع وما أسمى! أيتها الحياة! هل فيك أشرف من هذه الحقيقة إلا حقيقة النبوة؟ قال: وكان أخي هو زعيم هؤلاء الطلبة في مدينتنا؛ قوي على الزعامة وفي بها؛ يحمل قلبا كالجمرة الملتهبة، وله صوت بعيد تحسب الرعد يقعقع به. إذا مشى في جهاده كان كل ما على الأرض ترابا تحت قدميه، لا يمشي إلا محتقرا هذه الدنيا وما فيها، غير مقدس منها إلا دينه ووطنه؛ وسلاحه أن كل شيء فيه هو سلاح على الظلم وضد الظلم. وكان في ذلك اليوم يقود "المظاهرة"، وحوله جماعة من خالصته وصفوة إخوانه، يمشون في الطليعة تحت جو متقد كأن فيه غضب الشباب، عنيف كأنما امتزج به السخط الذي يفورون به، رهيب كأنه متهيء لينفجر؛ فلما بلغوا موضعا من الطريق ينعطفون عنده انصب عليه المدفع الرشاش ... قال: فإني لجالس بعد ذلك في الديوان إذ دخل علي أخي هذا ينتفض غضبا كأن المعاني تنبعث من جسده لتقاتل، ورأيت له عينين ينظر الناظر فيهما إلى النار التي في قلبه؛ فخشيت أن يكون القوم أطلقوا عليهم الجنون والرصاص معا. واستنبأته خبر أصحابه فقال: إن الذين كانوا حوله وقعوا يتشحطون في دمائهم، فوقف هو شاخصًا إليهم كأنه ميت معهم، وقد أحس كأنما خلع عن جسمه نواميس الطبيعة، فلا يعرف ما هي الحياة ولا ما هو الموت؛ وكان الرصاص يتطاير من حوله كأن أرواح الشهداء تتلقاه وتبعثره لا يناله بسوء. قال: وما أنس لا أنس ما رأيته في تلك الساعة بين الدنيا والآخرة؛ فلقد رأيت بعيني رأسي الدم المصري يسلم على الدم المصري، ويسعى إليه فيعانقه عناق الأحباب.

стр. 556

ثم قال: أين هذا الباشا؟ وما باله لم يصنع شيئا في الاحتياط لهذه الفورة؟ يكاد الخزي -والله- يكون في هذه الوظائف على مقدار المرتب ... قال صاحب السر: ولم يتم كلمته حتى خرج علينا الباشا متكسر الوجه من الحزن قد تغرغرت عيناه، فأخذ بيد أخي إلى غرفته وتبعتهما، ثم قال: هونا ما يا بني، إن العلة فيكم أنتم يا شباب الأمة، فكل ما ابتلينا أو نبتلى به هو مما يستدعيه خمولكم وتستوجبه أخلاقكم المتخاذلة؛ إننا من غيركم كالمدافع الفارغة من ذخيرتها؛ لا تصلح إلا شكلا، وبهذه العلة كان عندنا شكل الحكومة لا الحكومة. أتدري يا فتى ما هي الحكومة الصحيحة في مثل حالتنا؟ هي أن تحكموا أنتم في الشعب حكومة أخلاقية نافذة القانون، فتضبطوا أخلاق النساء والرجال، وتردوها كلها أخلاقًا محاربة لا تعرف إلا الجد والكرامة وصرامة الحق؛ وإلا فكما تكونون يولى عليكم ... هذا وحده هو الذي يعيد الأجانب إلى رشدهم وإلى الحقيقة، فما أراهم يعاملوننا إلا كأننا ثياب معلقة ليس فيها لابسوها ... كيف يتصعلك المصري للأجنبي لو أن في المصري حقيقة القوة النفسية؟ أترى بارجة حربية تتصعلك لزورق صيد جاء يرتزق؟ إن في بلادنا المسكينة الأجانب، وأموال الأجانب، وغطرسة الأجانب؛ لا لأن فيها الاحتلال، كلا, بل لأن فيها ضعف أهلها، وغفلة أهلها، وكرم أهلها ... بعض هذا يا بني شبيه ببعض، وإلا فما هو كرم الشاة الضعيفة إلا لذة لحمها؟ نريد لهذا الشعب طبيعة جدية صارمة، ينظر من خلالها إلى الحياة فيستشعر ذاته التاريخية المجيدة فيعمل في الحياة بقوانينها؛ وهذا شعور لا تحدثه إلا طبيعة الأخلاق الاجتماعية القوية التي لا تتساهل من ضعف، ولا تتسمح من كذب، ولا تترخص من غفلة. والحقيقة في الحياة كالحقيقة في المنطق؛ إذا لم يصدق البرهان على كل حالاتها، لم يصدق على حالة من حالاتها؛ فإذا كنا ضعفاء كرماء، أعزاء، سادة على التاريخ القديم، فنحن ضعفاء فقط ... إن الكبراء في الشرق كله لا يصلحون إلا للرأي، فلا تسوموهم غير هذا، فهم قد تلقوا الدرس من أغلاطهم الكثيرة، وبهذا لن تفلح حكومة سياسية في

стр. 557

الشرق الناهض ما لم يكن شبابها حكومة أخلاقية يمدها من نفسه ومن الشعب في كل حادثة بالأخلاق المحاربة. يا بني! إن القوي لو اتفق مع الضعيف على كلمة واحدة لا تتغير، لكان معناها للأقوى أكثر مما هو للأضعف؛ فإن هذا القوي الذي يعمل مع الضعيف يكون فيه دائما شخص آخر مختف، هو القوي الذي يعمل مع نفسه. هكذا هي السياسة؛ أما في الإنسانية فلا، إذ يكون الحق دائما بين اثنين أقوى من اثنين.

стр. 558

خضع يخضع: وقال صاحب سر "م" باشا فيما حدثني به: جاء ذات يوم قنصل "الدولة الفلانية" من هذه الدول الصغيرة؛ التي لو علم الذباب في بلادها أن في مصر امتيازات أجنبية، لطمعت كل ذبابة أن يكون لها في بلادنا اسم الطيارة الحربية ... ورأيته قد دخل علي شامخًا باذخًا متجبرًا، كأنه قبل أن يجيء إلى هذا الديوان لمقابلة الحاكم المصري قد تكلم في "التلفون" مع إسرافيل يأمره أن يكون مستعدًا للنفخ في الصور. جني صعلوك من رعايا دولته على مصري، فأخذ كما يؤخذ أمثاله، وقضى ساعة أو ساعتين بين أيدي المحققين يسألونه الأسئلة الهينة اللينة التي تحيط بتعريفه في أوروبا ... فزعم القنصل أنه كان يجب أن يكون حاضرًا يشهد التحقيق، لأن جناية أجنبي على مصري تقع أجنبية ... فلها شأن ورعاية وامتياز، وادعى أن المحققين ضايقوا المجرم وعاسروه وتجهموه بالكلام، ولهذا جاء يحتج. ورأيته جلس متوقرا كأنما يشعر في نفسه أنه أثقل من مدفع ضخم، لأن في نفسه وهم القوة؛ وخيل إلي أنه موضعه بين السقف والأرض؛ إذ يحمل في رأسه فكرة أنه الأعلى، وكانت له هيئة صريحة في أن الأجنبي المقيم هنا ليس هو كل الأجنبي، بل لا تزال منه بقية تتممها دولته، وفي الجملة كان الرجل كلمة واضحة مفسرة تنطق بأن للقانون المصري قانونا يحكمه في بلاده! وأنا قد درست القانون الدولي، وعرفت ما هي الامتيازات وما أصلها، وهي لا تعدو كرم الأرنب التي زعموا أنها كانت تملك حمارًا تركبه وترتفق به، فسألتها أرنب أخرى أن تردفها خلفها، فلما اندفع بهما الحمار استوطأته، فقالت لصاحبته: يا أختي، ما أفره حمارك! ثم سكتت مدة وأعجبها الحمار فقالت: يا أختي، ما أفره حمارنا. وكنا -نحن الشرقيين- من الضعف والغفلة؛ بحيث لم نبلغ مبلغ الأرنب في

стр. 559

حكمتها وتدبيرها وحذرها، فإنها أسرعت ودفعت صاحبتها وقالت لها: انزلي -ويلك- قبل أن تقولي: ما أفره حماري. قال: غير أني في تلك الساعة نسيت القانون الدولي وكنت في إلهام مصريتي وحدها، فنظر لي ظهورا بينا أن لا شيء أسمه القانون الحق في هذه الدنيا؛ ولكن هناك اتفاقا بين كل خضوع وكل تسلط، وهو قانون هاتين الحالتين بخصوصهما. وأسرعت إلى الباشا فأنبأته، وأسرع الباشا فغير وجهه، وتبسط، وتهلل، وتهيأ بهذا لاستقبال القادم العزيز، كأنه أخص محبيه يتطلع إلى مؤانسته، وقد جاء يزوره في داره, ثم دخل القنصل، ولم أسمع مما دار بينهما إلا الكلمة الأولى، وهي قول الباشا: لنبدأ يا سيدي من الآخر ... وكانت في الباشا موهبة عجيبة في اختلاب الأجانب خاصة، يديرهم بلباقة كالخاتم في إصبعه؛ حتى قال لي أحدهم: إن لهذا الباشا حاسة زائدة، لو سميت حاسة الإرضاء لكان هذا اسمها الطبيعي، وإنه يعمل بها كما يعمل المفكر بتفكيره، فهو يبتكر الأساليب الغربية التي يصعد ويهبط بها ميزان الحرارة النفيسة, وإن جليسه يكاد يشعر من مهارته في التمثيل أن في جو المكان ستار يرفع وستارًا يسدل بين الفصول. فما لبث القنصل أن خرج بغير الوجه الذي دخل به، ولكنه عبس في وجهي أنا وتكره لي كأنه أصغر شأني؛ فازدرتني عينه، فوثبت إلى رأسه فكرة الامتيازات. وهذه القوة الظالمة "الامتيازات"؛ لو أنها كانت قوة قاهرة نافذة، وأعين بها طفيلي ليقتحم دور الناس آمنا مطمئنا؛ لاستحي هذا الطفيلي أن يأكل بها؛ إذ تجمع عليه التطفل والمقت معا، ولو قيل لحسام بتار: إن لك امتيازا على بعض السيوف ألا تقارعك، وإنك محمي أن تنالك سطوتها إذا قارعتها, لأنف أن يسمى سيفا بهذا، فإن القوة الظالمة التي يعيرونه إياها، ليست إلا مهانة لشرف القوة العادلة التي هي فيه. قال صاحب السر: ووصفت للباشا هيئة القنصل التي انصرف بها، وتقطيبه في وجهي، وقلت له: إن الذبابة وقعت في صحفتي أنا من هذه الوليمة ... فضحك بملء فيه، ثم قال:

стр. 560

ستبطل هذه الامتيازات، وليس بيننا وبين نهايتها إلا أن ينتهي الشعب إلى حقيقته القومية، فما تركها في مكانتها إلا نزول الشعب عن مكانته، وتالله لكأن هؤلاء الأجانب يسألوننا بهذه الامتيازات: أين مكانكم في بلادكم؟ أتدري ما قاله هذا القنصل حين تجاذبنا الحديث فيها، بعد أن وضعت نفسي منه في موضع المحامي الذي يخذله الدليل، فيحاول أن يستنزل كرم القضاة بعرض بؤس المتهم على شفقتهم، ليستعطف القانون الذي في أيديهم بالقانون الذي في أنفسهم؟ إنه قال: لا يلومن الشرقيون إلا أنفسهم، فهم علموا الأجانب أن نتف ريش الطير أول أكله. وهذه الامتيازات إن هي إلا معاملة بيننا وبين طبيعة الخضوع في الشعب، نعم إنها مضرة ومعرة، وظلم وقسوة؛ ولكنها على ذلك طبيعية في الطبيعة؛ فما دام هذا الشعب لين المأخذ، فإن هذا يوجد له من يأخذه؛ وما دامت الكلمة الأولى في معجم لغته السياسة هي مادة "خضع يخضع"، فهذه الكلمة تحمل في معناها الواحد ألف معنى، منها: ظلم يظلم، وركب يركب، وملك يملك، واستبد يستبد، ودجل يدجل، وخدع يخدع؛ فهل يكثر أن يكون منها للأجانب امتاز يمتاز؟ قال صاحب السر: ثم زم الباشا فمه وسكت: ففهمت الكلمات التي انطبق فمه عليها وإن لم يتكلم بها، ثم غلبه الضحك فقال: والله يا بني لو أن برغوثا طمر من ثوب صعلوك أجنبي، فوقع في ثوب صعلوك وطني، فتقاتلا فقبض عليهما، فأخذا لما رضي برغوث الأجنبي أن يحاكم إلى في المحاكم المختلطة ... ثم سكت الباشا مرة أخرى كأنه يقول كلام آخر لا يجوز نشره، ثم قال: يا بني، إن الأجانب لا يضعون الحمل إلا على من يحمل؛ فإذا نحن توخينا مرادهم أرادوا لأنفسهم لا لنا؛ وإذا وافقنا لهم غرضا جعلوه كالدينار فيه مائة قرش، وأبوا إلا أن نصارفهم عليه بمائة. هم -ويحك- يمتازون في معاملتنا لا في سطور القوانين والمعاهدات، فلنبطل هذه المعاملة يبطل هذا الامتياز. إن الحق يا بني استحقاق لا دعوى؛ وهذا التنازع على الحياة يجعل وسائله الطبيعية الانتزاع والمطالبة والتجرد له والدأب فيه والإصرار عليه, وكل الأقوياء يعلمون أن موضع الاعتدال بين غصب الحق وبين استرداده موضع لا مكان له في الطبيعة والأجنبي يعتمد علينا نحن في جعله أكبر منا وأوفر حرمة؛ فإذا أسقط

стр. 561

الشعب هذه الامتيازات من فكره وروحه وأعصابه، وثارت فيه كبرياء الوطنية فاستنكف من الاستحذاء، ونفر من الاختضاع، وأبي إلا أن يعلن كرامته، وصرف اهتمامه إلى حقوق هذه الكرامة، وأصر ألا يعامل أجنبيا يرى لنفسه امتيازًا على وطني، وقرر ذلك في نفسه، ومكنه في روعه، وأجمع عليه إجماعه على الدين, إذا جاءت "إذا" هذه بشرطها من الشعب، جاء جواب الشرط من الأجانب بنزولهم عن الامتيازات وانحلت المشكلة. إننا يا بني لا نملك ضغط السياسة، ولكنا نملك ما هو أقوى؛ نملك ضغط الحياة. لهم الامتياز بأنهم أجانب عنا، فليكن لنا الامتياز الآخر بأننا أجانب عنهم في المعاملة، مثلا بمثل، وما يفل الحديد إلا الحديد. يقولون: النظام الاقتصادي والمال الأجنبي. ولكن أرأيت المال في يد الأجنبي إلا مالًا وتدبيرًا وسلطة وسيادة، من أنه في يد الوطني دين وإسراف ورق وذل؟ لم يظهر لي إلا الساعة إن من حكمة تحريم الربا في شريعتنا الإسلامية، وقاية الأمة كلها في ثروتها وضياعها ومستغلاتها، وحماية الشعب وملوكه من الإسراف والتخرق والكرم الكاذب، ورد الاستعمال الاقتصادي، وشل النفوذ الأجنبي. أما لو أننا كتبنا من الأول على أبواب "البنك العقاري" وأبواب ذريته: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٦] فهل كانت تقرأ هذه الكلمات الثلاث على أبواب تلك البنوك الأجنبية إلا هكذا: "محال خالية للإيجار"؟

стр. 562

فلنتعصب: وقال صاحب سر "م" باشا: جاءني يوما صحفي إنجليزي من هؤلاء الكتاب المتعصبين الذين تطلقهم إنجلترا كما تطلق مدافعها؛ غير أن هذه للبارود والرصاص والقنابل وأولئك للكذب والتهم والمغالطات. وهو أذن وعين ولسان وقلم لجريدة إنجليزية كبيرة، معروفة بثقل وطأتها على الشرق والإسلام؛ وتصلح بإفساد، وتداوي الحمى بالطاعون، وتعمل في نهضة الشرقيين واستقلالهم ما يشبه قطع ثدي الأم وهو في شفتي رضيعها المسكين. ودخل علي هذا الكاتب في الساعة التي خرج فيها من غرفتي صاحب جريدة أسبوعية في مدينتنا، كان قد نفخ الضفدع ليجعلها ثورًا، فحول صحيفته إلى جريدة يومية، وهو لا يجد مادتها ولا يستطيع أسبابها، إلا أنه كدأب الناس عندنا كان يحسب الكذب في العمل سهلا مهلا١ كالكذب في القول، فلم يتعاظمه الأمر العظيم، واقترض لعمله كل ألفاظ النجاح من اللغة ... وظن عند نفسه أنه سيخوف بجريدته الكبراء والأعيان والمياسير حتى يغلب على جميعهم، ويشرك أصابعه مع أصابعهم في استخراج ما يحتاج إليه من جيوبهم؛ فلم تعش جريدته إلا أياما وأتلف ما جمع، ورهن فيها داره التي لا يملك غيرها؛ وعلم آخرا أن الذي يكذب فيسمي الخروف جملا، لا يقبل منه أن يكذب على الكذب نفسه، فيزعم أن الناقة هي التي نتجت هذه الخروف ... ولما انقلبت هذه الجريدة يومية كان الباشا هو ملجأ الرجل ووزره، وكان لكل يوم في الجريدة أخبار عن الباشا لا تقع في الدنيا ولا تجمع من الحوادث، ولكن تقع في ذهن الكاتب، وتجمع من صناديق الحروف؛ حتى قال لي الباشا مرة: إن اسمي قد أصبح موظفا في هذه الجريدة لجمع الاشتراك ...

стр. 563

وتحرى هذا الصحفي أن يستأذن يوما على الباشا وفي مجلسه حشد عظيم من السراة والأعيان والعمد، وكان جمعهم لأمر، فما هو إلا أن دخل الصحفي حتى ابتدره الباشا بهذا السؤال: يا أستاذ، ما هي تلغرافات أوروبا عن الحوداث التي ستقع غدا؟ فضج المجلس بالضحك، وفقد المسكين بهذه النكتة وأربعين دينارًا كان يؤمل أن يخرج بها، وأعلن الباشا في أظرف إعلان وأبلغه كذب الرجل ونفاقه وإسفافه، وإنه من رجال الصحافة المدورة تدوير الرغيف. قال: ونظرت إلى الصحفي الإنجليزي نظرة أكشفه بها، فإذا أول الفرق بينه وبين أمثاله عندنا شعوره أن بلاده قد ربته "للخارج"، فهو عند نفسه كأنه إنجليزي مرتين؛ ويأتي من ذلك إحساسه بعزة المالك وقوة المستعمر، فلا يكون حيث يكون إلا في صراحة الأمر النافذ، أو غموض الحيلة المبهمة؛ ويستحكم بهذا وذاك طبعه العملي، فهو بغريزته مقاتل من مقاتلة الفكر، يلتمس ميدانه بين القوى المتضاربة لا يبالي أن يكون فيه الموت ما دام فيه العمل؛ وبهذا كله تراه نافد البصيرة قائما على سواء الطريق، لأن الإنجليزي الباطن فيه يوجه الإنجليزي الظاهر منه ويسانده؛ وفي أعماق الاثنين تجد إنجلترا، وليس غير إنجلترا. ثم تفرست في الرجل أريد كنهه وحقيقته، فإذا له نفس مفتوحة مقفلة معا، كغرف الدار؛ الواحدة يفتح بعضها لما فيه كيما يرى، ويقفل بعضها على ما فيه كيلا يرى. وله وجه عملي يكاد يحاسبك على نظراتك إليه؛ تدور في هذا الوجه عينان قد اعتادتا وزن الأشياء والمعاني؛ يتلألأ في هاتين العينين شعاع النفس القوية الممرنة، قد نفت الثقة بها نصف هموم الحياة عن صاحبها، تمد هذه النفس طبيعة مؤمنة بأن أكبر سرورها في أعمالها، فواجبها في الحياة أن تعمل كل ما يحسن بها وكل ما يحسن منها. لقد خيل إلي، وأنا أنظر إلى نفسية هذا الإنجليزي أن كلمة الخيبة عند هؤلاء الإنجليز غير كلمة الخيبة عندنا -نحن الشرقيين- فإن خيبة النفس لا تتم معانيها أبدًا في النفس العاملة الدائبة, التي يشعرها الواجب أنه شيء إلهي لا يخيب، وأن ما يرفض على هذه الأرض من العمل الطيب لا يرفض في السماء.

стр. 564

وكأن الرجل قد أدرك غرضي بملكته الصحافية الدقيقة، فأجابني عن السؤال الذي لم أسأله، وقال لي مبتدئًا: إن أساسنا الشخصية وحاسة الواجب؛ وإن فيكم أنتم كل شيء إلا هذين؛ فأخلاقنا تظهر دائما في العمل، وأخلاقكم تظهر دائما في الكلام الفارغ؛ ونحن نطلب الحقيقة، وأنتم تطلبون الألفاظ، حتى أنه لو خسر المصري ألف دينار، ثم أعلن أنها مائة فقط، وصدق الناس أنها مائة؛ لكان عند نفسه كأنه ربح تسعمائة ... قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهل ورحب؛ ثم هممت بالانصراف عنهما، ولكن الإنجليزي قال: يا باشا! إنه قد تمكن في روعي أن صاحب سرك هذا متعصب ديني، وقد علمت أنه ابن فلان القاضي الشرعي، فطربوشه ابن العمامة؛ ولقد كان ينظر إلي، وكأنه يتأمل من أين يذبحني ... فضحك الباشا وقال لي: يا فلان إن هذا الكاتب من تلاميذ برناردشو، فهو كأستاذه يجعل لكل حقيقة ذنبا كذيل الهر، ثم يمسكها منه فإذا هي تعض وتتلوى ... والتفت بعد ذلك إلى الإنجليزي ثم قال له: جاءني كتابك فإذا كنت تريد رأيي فيما تسميه التعصب الديني عند المسلمين، فعجيب أن تضعوا أنتم الغلطة ثم تسألونا نحن فيها! إنك لتعلم أن هذا التعصب الكذب الذي أكثرتم الكلام فيه, إنما هو لفظ من ألفاظ السياسة الأوروبية، أرسلتموه إلينا ليقاتل لفظ التعصب الحقيقي؛ ومن قبل هذا اخترعتم لفظة "الأقليات"، وأجريتموها في لغتكم السياسية، لتجعلوا بها لتعصبنا الوطني شكلا آخر غير شكله فتفسدوه علينا بهذه المادة المفسدة؛ وبذلك تضربون اليد اليمنى من غير أن تلمسوها، إذ تضربونها بشل اليد اليسرى. إن الإسلام في نفسه عدو شديد على التعصب الذي تفهمونه، فهو يقول لأهله في كتابه العزيز: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] . فإذا كان العدل في هذا الدين عدلا صارمًا، وحقا محضا لا يميز بشيء ألبته، لا ذات النفس التي فيها اشتهاء الدم، ولا أصلها من الأبوين اللذين جاءت منهما وراثة الدم، ولا أطرافها من الأقربين الذين يلتفون حول نسب الدم إذا كان هذا، فأين في هذا العدل محل الظلم؟

стр. 565

لعلك تشير إلى هذه الرعونة التي تعرفها في الأغمار والأغفال من العامة، فهذه ليست من أثر الدين، بل هي أثر الجهل بالدين؛ إن هذا ليس تعصبا، بل هو معنى من معاني الحمية النفسية الخرقاء لم تجدوا أنتم له لفظًا، وكان أقرب الألفاظ إليه عندكم هو التعصب، فأطلقتموه عليه للمعنى الذي في نفسه والمعنى الذي في أنفسكم. ألا فاعلم أن إسلام العامة اليوم هو كالدعوى المقبولة شكلا والمرفوضة بعد ذلك. قال الإنجليزي: ولكن لهؤلاء العامة علماء دينيين يدبرونهم من ورائهم. وهم عندكم ورثة النبي ﷺ أي منبع الفكرة وقوتها. قال الباشا: غير أن هؤلاء قد أصبحوا كلهم أو أكثرهم لا يندس فيهم عرق من تلك الوراثة، وذلك هو الذي بلغ بنا ما ترى؛ فالقوم إلا قليلا منهم كالأسلاك الكهربائية العطلة؛ لا فيها سلب ولا إيجاب؛ ولو أن هؤلاء العلماء كانت فيهم كهرباء النبوة؛ لكهربوا الأمم الإسلامية في أقطارها المختلفة. إذن لقام في وجه الاستعمار الأوروبي أربعمائة مليون مسلم جلد صارم شديد، متظاهرين متعاونين، قد أعدوا كل ما استطاعوا من قوة العلم، وقوة النفس، وهم لو قذف كل منهم بحجرين لردموا البحر. أتريد معنى التعصب في الإسلام؟ إنه بعينه كتعصب كل إنجليزي للأسطول؛ فهو تشابك المسلمين في أرجاء الأرض قاطبة، وأخذهم بأسباب القوة إلى آخر الاستطاعة، لدفع ظلم القوة بآخر ما في الاستطاعة. وهو بذلك يعمل عملين: استكمال الوجود الإسلامي، والدفاع عن كماله. وإذا أنت ترجمت هذا إلى معناه السياسي، كان معناه إصرار جميع المسلمين على نوع الحياة وكرامتها، لا على استمرار الحياة ووجودها فقط. وذلك هو مبدؤكم أنتم أيها الإنجليز, لا تقبلون إلا حياة السيادة والحكم والحرية، فأنتم مسلمون في هذا المبدأ لو عدلتم. أليس من البلاء أن المسلمين اليوم لا يدرس بعضهم بلاد بعض إلا على الخريطة ... ومع أن الحج لم يشرع في دينهم إلا لتعويدهم دراسة الأرض في الأرض نفسها لا في الورق، ثم ليكون من مبادئهم العملية أن العالم مفتوح لا مقفل؟ إن التعصب في حقيقته هو إعلان الأمة أنها في طاعة الشريعة الكاملة، وأن
следующие страницы →