← Адаб

Адаб · id 11755

وحي القلم

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الشعب هذه الامتيازات من فكره وروحه وأعصابه، وثارت فيه كبرياء الوطنية فاستنكف من الاستحذاء، ونفر من الاختضاع، وأبي إلا أن يعلن كرامته، وصرف اهتمامه إلى حقوق هذه الكرامة، وأصر ألا يعامل أجنبيا يرى لنفسه امتيازًا على وطني، وقرر ذلك في نفسه، ومكنه في روعه، وأجمع عليه إجماعه على الدين, إذا جاءت "إذا" هذه بشرطها من الشعب، جاء جواب الشرط من الأجانب بنزولهم عن الامتيازات وانحلت المشكلة. إننا يا بني لا نملك ضغط السياسة، ولكنا نملك ما هو أقوى؛ نملك ضغط الحياة. لهم الامتياز بأنهم أجانب عنا، فليكن لنا الامتياز الآخر بأننا أجانب عنهم في المعاملة، مثلا بمثل، وما يفل الحديد إلا الحديد. يقولون: النظام الاقتصادي والمال الأجنبي. ولكن أرأيت المال في يد الأجنبي إلا مالًا وتدبيرًا وسلطة وسيادة، من أنه في يد الوطني دين وإسراف ورق وذل؟ لم يظهر لي إلا الساعة إن من حكمة تحريم الربا في شريعتنا الإسلامية، وقاية الأمة كلها في ثروتها وضياعها ومستغلاتها، وحماية الشعب وملوكه من الإسراف والتخرق والكرم الكاذب، ورد الاستعمال الاقتصادي، وشل النفوذ الأجنبي. أما لو أننا كتبنا من الأول على أبواب "البنك العقاري" وأبواب ذريته: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٦] فهل كانت تقرأ هذه الكلمات الثلاث على أبواب تلك البنوك الأجنبية إلا هكذا: "محال خالية للإيجار"؟

стр. 562

فلنتعصب: وقال صاحب سر "م" باشا: جاءني يوما صحفي إنجليزي من هؤلاء الكتاب المتعصبين الذين تطلقهم إنجلترا كما تطلق مدافعها؛ غير أن هذه للبارود والرصاص والقنابل وأولئك للكذب والتهم والمغالطات. وهو أذن وعين ولسان وقلم لجريدة إنجليزية كبيرة، معروفة بثقل وطأتها على الشرق والإسلام؛ وتصلح بإفساد، وتداوي الحمى بالطاعون، وتعمل في نهضة الشرقيين واستقلالهم ما يشبه قطع ثدي الأم وهو في شفتي رضيعها المسكين. ودخل علي هذا الكاتب في الساعة التي خرج فيها من غرفتي صاحب جريدة أسبوعية في مدينتنا، كان قد نفخ الضفدع ليجعلها ثورًا، فحول صحيفته إلى جريدة يومية، وهو لا يجد مادتها ولا يستطيع أسبابها، إلا أنه كدأب الناس عندنا كان يحسب الكذب في العمل سهلا مهلا١ كالكذب في القول، فلم يتعاظمه الأمر العظيم، واقترض لعمله كل ألفاظ النجاح من اللغة ... وظن عند نفسه أنه سيخوف بجريدته الكبراء والأعيان والمياسير حتى يغلب على جميعهم، ويشرك أصابعه مع أصابعهم في استخراج ما يحتاج إليه من جيوبهم؛ فلم تعش جريدته إلا أياما وأتلف ما جمع، ورهن فيها داره التي لا يملك غيرها؛ وعلم آخرا أن الذي يكذب فيسمي الخروف جملا، لا يقبل منه أن يكذب على الكذب نفسه، فيزعم أن الناقة هي التي نتجت هذه الخروف ... ولما انقلبت هذه الجريدة يومية كان الباشا هو ملجأ الرجل ووزره، وكان لكل يوم في الجريدة أخبار عن الباشا لا تقع في الدنيا ولا تجمع من الحوادث، ولكن تقع في ذهن الكاتب، وتجمع من صناديق الحروف؛ حتى قال لي الباشا مرة: إن اسمي قد أصبح موظفا في هذه الجريدة لجمع الاشتراك ...

стр. 563

وتحرى هذا الصحفي أن يستأذن يوما على الباشا وفي مجلسه حشد عظيم من السراة والأعيان والعمد، وكان جمعهم لأمر، فما هو إلا أن دخل الصحفي حتى ابتدره الباشا بهذا السؤال: يا أستاذ، ما هي تلغرافات أوروبا عن الحوداث التي ستقع غدا؟ فضج المجلس بالضحك، وفقد المسكين بهذه النكتة وأربعين دينارًا كان يؤمل أن يخرج بها، وأعلن الباشا في أظرف إعلان وأبلغه كذب الرجل ونفاقه وإسفافه، وإنه من رجال الصحافة المدورة تدوير الرغيف. قال: ونظرت إلى الصحفي الإنجليزي نظرة أكشفه بها، فإذا أول الفرق بينه وبين أمثاله عندنا شعوره أن بلاده قد ربته "للخارج"، فهو عند نفسه كأنه إنجليزي مرتين؛ ويأتي من ذلك إحساسه بعزة المالك وقوة المستعمر، فلا يكون حيث يكون إلا في صراحة الأمر النافذ، أو غموض الحيلة المبهمة؛ ويستحكم بهذا وذاك طبعه العملي، فهو بغريزته مقاتل من مقاتلة الفكر، يلتمس ميدانه بين القوى المتضاربة لا يبالي أن يكون فيه الموت ما دام فيه العمل؛ وبهذا كله تراه نافد البصيرة قائما على سواء الطريق، لأن الإنجليزي الباطن فيه يوجه الإنجليزي الظاهر منه ويسانده؛ وفي أعماق الاثنين تجد إنجلترا، وليس غير إنجلترا. ثم تفرست في الرجل أريد كنهه وحقيقته، فإذا له نفس مفتوحة مقفلة معا، كغرف الدار؛ الواحدة يفتح بعضها لما فيه كيما يرى، ويقفل بعضها على ما فيه كيلا يرى. وله وجه عملي يكاد يحاسبك على نظراتك إليه؛ تدور في هذا الوجه عينان قد اعتادتا وزن الأشياء والمعاني؛ يتلألأ في هاتين العينين شعاع النفس القوية الممرنة، قد نفت الثقة بها نصف هموم الحياة عن صاحبها، تمد هذه النفس طبيعة مؤمنة بأن أكبر سرورها في أعمالها، فواجبها في الحياة أن تعمل كل ما يحسن بها وكل ما يحسن منها. لقد خيل إلي، وأنا أنظر إلى نفسية هذا الإنجليزي أن كلمة الخيبة عند هؤلاء الإنجليز غير كلمة الخيبة عندنا -نحن الشرقيين- فإن خيبة النفس لا تتم معانيها أبدًا في النفس العاملة الدائبة, التي يشعرها الواجب أنه شيء إلهي لا يخيب، وأن ما يرفض على هذه الأرض من العمل الطيب لا يرفض في السماء.

стр. 564

وكأن الرجل قد أدرك غرضي بملكته الصحافية الدقيقة، فأجابني عن السؤال الذي لم أسأله، وقال لي مبتدئًا: إن أساسنا الشخصية وحاسة الواجب؛ وإن فيكم أنتم كل شيء إلا هذين؛ فأخلاقنا تظهر دائما في العمل، وأخلاقكم تظهر دائما في الكلام الفارغ؛ ونحن نطلب الحقيقة، وأنتم تطلبون الألفاظ، حتى أنه لو خسر المصري ألف دينار، ثم أعلن أنها مائة فقط، وصدق الناس أنها مائة؛ لكان عند نفسه كأنه ربح تسعمائة ... قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهل ورحب؛ ثم هممت بالانصراف عنهما، ولكن الإنجليزي قال: يا باشا! إنه قد تمكن في روعي أن صاحب سرك هذا متعصب ديني، وقد علمت أنه ابن فلان القاضي الشرعي، فطربوشه ابن العمامة؛ ولقد كان ينظر إلي، وكأنه يتأمل من أين يذبحني ... فضحك الباشا وقال لي: يا فلان إن هذا الكاتب من تلاميذ برناردشو، فهو كأستاذه يجعل لكل حقيقة ذنبا كذيل الهر، ثم يمسكها منه فإذا هي تعض وتتلوى ... والتفت بعد ذلك إلى الإنجليزي ثم قال له: جاءني كتابك فإذا كنت تريد رأيي فيما تسميه التعصب الديني عند المسلمين، فعجيب أن تضعوا أنتم الغلطة ثم تسألونا نحن فيها! إنك لتعلم أن هذا التعصب الكذب الذي أكثرتم الكلام فيه, إنما هو لفظ من ألفاظ السياسة الأوروبية، أرسلتموه إلينا ليقاتل لفظ التعصب الحقيقي؛ ومن قبل هذا اخترعتم لفظة "الأقليات"، وأجريتموها في لغتكم السياسية، لتجعلوا بها لتعصبنا الوطني شكلا آخر غير شكله فتفسدوه علينا بهذه المادة المفسدة؛ وبذلك تضربون اليد اليمنى من غير أن تلمسوها، إذ تضربونها بشل اليد اليسرى. إن الإسلام في نفسه عدو شديد على التعصب الذي تفهمونه، فهو يقول لأهله في كتابه العزيز: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] . فإذا كان العدل في هذا الدين عدلا صارمًا، وحقا محضا لا يميز بشيء ألبته، لا ذات النفس التي فيها اشتهاء الدم، ولا أصلها من الأبوين اللذين جاءت منهما وراثة الدم، ولا أطرافها من الأقربين الذين يلتفون حول نسب الدم إذا كان هذا، فأين في هذا العدل محل الظلم؟

стр. 565

لعلك تشير إلى هذه الرعونة التي تعرفها في الأغمار والأغفال من العامة، فهذه ليست من أثر الدين، بل هي أثر الجهل بالدين؛ إن هذا ليس تعصبا، بل هو معنى من معاني الحمية النفسية الخرقاء لم تجدوا أنتم له لفظًا، وكان أقرب الألفاظ إليه عندكم هو التعصب، فأطلقتموه عليه للمعنى الذي في نفسه والمعنى الذي في أنفسكم. ألا فاعلم أن إسلام العامة اليوم هو كالدعوى المقبولة شكلا والمرفوضة بعد ذلك. قال الإنجليزي: ولكن لهؤلاء العامة علماء دينيين يدبرونهم من ورائهم. وهم عندكم ورثة النبي ﷺ أي منبع الفكرة وقوتها. قال الباشا: غير أن هؤلاء قد أصبحوا كلهم أو أكثرهم لا يندس فيهم عرق من تلك الوراثة، وذلك هو الذي بلغ بنا ما ترى؛ فالقوم إلا قليلا منهم كالأسلاك الكهربائية العطلة؛ لا فيها سلب ولا إيجاب؛ ولو أن هؤلاء العلماء كانت فيهم كهرباء النبوة؛ لكهربوا الأمم الإسلامية في أقطارها المختلفة. إذن لقام في وجه الاستعمار الأوروبي أربعمائة مليون مسلم جلد صارم شديد، متظاهرين متعاونين، قد أعدوا كل ما استطاعوا من قوة العلم، وقوة النفس، وهم لو قذف كل منهم بحجرين لردموا البحر. أتريد معنى التعصب في الإسلام؟ إنه بعينه كتعصب كل إنجليزي للأسطول؛ فهو تشابك المسلمين في أرجاء الأرض قاطبة، وأخذهم بأسباب القوة إلى آخر الاستطاعة، لدفع ظلم القوة بآخر ما في الاستطاعة. وهو بذلك يعمل عملين: استكمال الوجود الإسلامي، والدفاع عن كماله. وإذا أنت ترجمت هذا إلى معناه السياسي، كان معناه إصرار جميع المسلمين على نوع الحياة وكرامتها، لا على استمرار الحياة ووجودها فقط. وذلك هو مبدؤكم أنتم أيها الإنجليز, لا تقبلون إلا حياة السيادة والحكم والحرية، فأنتم مسلمون في هذا المبدأ لو عدلتم. أليس من البلاء أن المسلمين اليوم لا يدرس بعضهم بلاد بعض إلا على الخريطة ... ومع أن الحج لم يشرع في دينهم إلا لتعويدهم دراسة الأرض في الأرض نفسها لا في الورق، ثم ليكون من مبادئهم العملية أن العالم مفتوح لا مقفل؟ إن التعصب في حقيقته هو إعلان الأمة أنها في طاعة الشريعة الكاملة، وأن

стр. 566

لها الروح الحادة لا البليدة، وأن أساسها في السياسة الاحترام الذاتي لا تقبل غيره، وأن أفكارها الاجتماعية حقائق ثابتة لا أشكال نظرية، وأن مبدأها هو الحق ولا شيء غير الحق، وأن قاعدتها ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . فالهداية أولا والهداية آخرًا؛ الهداية في القوة، والهداية في السياسة، والهداية في الاجتماع. فقل لي بحياتك وحياة إنجلترا أيعاب ذلك على المسلمين إلا بالألفاظ التي يعيب اللص بها أهل الدار لأنهم يحكمون في وجهه إقفال الباب؟ قال: فوجم الإنجليزي حتى ذهل عن نفسه وصاح: إذا كان هذا فلنتعصب، فلنتعصب.

стр. 567

وزن الماضي: وقال صاحب سر "م" باشا: إني لجالس ذات يوم وفي يدي كتاب لبعض المتفلسفة من ملاحدة أوروبا الذين يريدون أن يفهموا ما لا يفهم؛ وكان الباشا قد رآني مرة أنظر فيه وأتدبر مسائله الغامضة، فقال لي: يا بني! إن أحد الكلاب كان شاعرًا فيلسوفا، فنظر ليلة في النجوم فراعته وحيرته؛ فآلى أن يفهمها بعقله وفرغ لدرسها مدة طويلة، ثم وضع فيها كتابا نفيسا ضخما، كان أعظم كتب الفلسفة وأشدها غموضا عند الكلاب، وكان اسمه: العظام المبعثرة فوقنا١. قال: فأنا جالس أقرأ هذا الكلام الذي لا صحيح فيه إلا أنه غير صحيح. إذ دخل علي كاتب متفلسف ملحد من هؤلاء المدخولين في عقولهم، المفتونين بأوروبا ومذاهبها وعلوياتها وسفلياتها ... وهو يكتب في الصحف، ويؤلف الرسائل، وقد جاء يستصرخ الباشا على فلاح شاركه في زراعة أرضه، فزرعه الفلاح فيها وحصده، ودهاه بكيده، وابتلاه بغلظته، وتهدده بالنقمة. وكان هذا الفلاح الساذج الغرير قد سبقه إلي وعرفه لي تعريفا قاموسيا محيطا من مادة كفر يكفر ... ثم قال بعد ذلك: إنه "بياع كلام" يصدق ويكذب حسب الطلب ... والذمة نفسها ليست عنده إلا "عملية حسابية"؛ وهو في أقوى جهاته لا ينفع الدنيا بما تنفعها به البهيمة من أضعف جهاتها. أما الكاتب فيقول عن هذا الفلاح: إنه لا يدري أهو يتم بهائمه أم بهائمه هي التي تتمه، وإن الذي يرفع القضية على مثل هذا المخلوق إلى محكمة لا يكون إلا كالذي يقعقع بالعصا على جحر فيه الحية السامة. ورأى المتفلسف الكتاب على يدي، فتهلل واستبشر وقال لي: هذا نسب بيننا ... فأدركت من كلمته هذه جملته وتفصيله، وخيل إلي أني أرى فيه نفسه

стр. 568

الشرقية كالمرأة المطلقة ... فقلت له: أنا اشتريت هذا الكتاب من أوروبا، ولكني لم أشتر منها دماغي. وكلمته أستخرج ما عنده؛ فإذا هو في قومه وتاريخ قومه كالسائح في بلاد أجنبية؛ يفتح لها عينه ولا يفتح لها قلبه. وكان جريئا في كلامه مع الباشا: يطرد القول حيث شاء حقا وباطلا، ثم لا إسناد لرأيه ولا تثبيت لحجته إلا قول فلان ورأي فلان، كأن في رأسه عقلا شحاذًا ... ثم ذكر آخر الأمر ما جاء له، فخجله الباشا وقال: هذه مسألة ككل مسائلك؛ تحتاج إلى رأي فيلسوف أوروبي ... وأعرض عنه ولم يدخل في شيء من أمره. ولما انصرف قال الباشا: يحسب هذا نفسه عالمًا، وهو صعلوك علمي ... وإنما يكون دماغه وأدمغة أمثاله عند الفلاسفة والعلماء الذين يذكرونهم كما تكون سلة المهملات عند الصحافيين. إن هذا الرجل يتم ضعف عقله في الرأي بقوة عناده فيه، ليجعل له ثبات الحقيقة فيظن حقيقة، كأن خضخضة الماء باليد في وعاء صغير ينقل إلى هذا الوعاء طبيعة الموج؛ وعند أمثال هذا المفتون من الصعاليك العلميين، أنك إذا تناولت مسألة فأخطأت فيها خطأ جريئا، فقد جعلتها بخطئك الجريء مسألة من العلم ... وأنك إذا عاندت فثبت الخطأ في وجه الناقدين سنة، كان حقيقة مدة سنة ... هم مفتونون زائغون، ومن فتنتهم أنهم يرون البعد بينهم وبين أهل الفضائل الشرقية، كالبعد بين العالم والجاهل، ولو حققوا لرأوه بعدا في الغرائز لا في العقل، أي كالبعد بين الفجور وما أشبه الفجور، وبين التقوى وما أشبه التقوى. زعم الأحمق أن خصمه الفلاح رجل راسخ في الماضي، كأنه باق في أمس لم ينتقل منه، مع أن أمس قد انقطع من الزمن، ثم خرج من ذلك إلى أن الأمة يجب أن تنبذ ماضيها، ثم ادعى أن الإسلام يتعصب للماضي. هذه ثلاث كلمات تخرج منها الرابعة التي سكت عنها١. وأنا لو شئت أن أسخر من مثل هذا الصعلوك العلمي، لما وجدت في

стр. 569

أساليب السخرية أبلغ من أن أبعث إليه بقارورة فارغة وأقول له: املأها لي من آراء الفلاسفة. يغفل هذا وأمثاله عن أن الدين الإسلامي لا يعرف الماضي بمعنى ما مضى على إطلاقه؛ بل هو يشترط فيه ألا يخالف العقل ولا العلم، وألا يناقض الهداية؛ ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] , وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] , ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] , وفي الرابعة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤] . فانظر كيف صور ما نسميه اليوم بالجمود في قوله: "حسبنا"، وكيف صور ما نسميه بالرجعية في قوله "نتبع"، وتأمل كيف رفض الجمود والرجعية معا في العلم والعقل والهداية، أي في آثارها من العلوم المخترعات والفضائل الإنسانية، وكيف أبطل في تلك الثلاث الاحتجاج بالماضي بهذا الأسلوب الدقيق العالي، وهو قوله في كل آية، أولو، أولو. لم يغيرها؛ بل كررها بلفظها أربع مرات. فالمعجز هنا مجيء الآيات بهذه الصورة المنطقية لإسقاط حجتهم، ونفي معنى التقديس عن الماضي فيهن؛ إذ كان العلم دائم التغير، وكان العقل دائم التجديد والإبداع، وكانت الهداية شديدة على الطبيعة الحيوانية التي هي ماضي النفس؛ فكأنها جديدة على النفس عند كل شهوة. إن الإنسان بماضيه وحاضره كأنه مقسوم قسمين، يقول أحدهما: أريد أن أكون. ويقول الآخر: أنا قد كنت. فالإسلام بهذه الآيات قد أوجب وزن الكلمتين في كل زمن بما هو الأصح، وبما هو الأنفع، وبما هو الأهدى؛ وباشتراطه الهداية في جميعها أشار إلى أن الكمال النفسي للفرد يجب أن يكون مرتبطا بالكمال الإنساني للجنس. وهذا معنى عجيب، وأعجب منه ما ترى من أن الإسلام قد أصلح فكرة الماضي، فنقلها من معنى الآباء والأجداد للناس، إلى المعاني التي هي كالآباء والأجداد لإنسانية الناس. والأخذ "بالأهدى" في اجتماع أمة من الأمم، إنما هو بعينه ناموس الترقي والتطور.

стр. 570

ومن أدق الأسرار قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] فكلمة "أمة" هذه لم يعرفها أحد على حقيقتها، ولم تفسرها إلا علوم هذا الزمن، فهي المشاعر النفسية التي يتكون منها مزاج الشعب، وفيها يستقر الماضي؛ كأن الآية قد عبرت بآخر ما انتهى إليه علماء النفس؛ من أن الإنسان ابن أبويه وابن شعبه أيضًا. فالتعصب في الإسلام هو للعلم النافع، وللمجد الصحيح، وللهداية الباعثة على الكمال؛ وتعصب الجيل لمثل هذا في ماضيه، هو في اسمه تعصب، غير أنه في معناه إنما هو العمل لتسليم مجد الأمة إلى الجيل التالي.

стр. 571

المعجم السياسي: وحدثني صاحب سر "م" باشا قال: كنا في سنة ١٩٢٠، وهي بنت سنة ١٩١٩ ١؛ وقد اجتمعت الأمة على مقاطعة لجنة "ملنر" لا تكلمها، فجعلت السكوت ثورة، وأعلن الشعب أن كلمته في لسان الوفد ينطق الوفد بها نطق النبي بما يوحى إليه، فما يكون لأحد غيره أن يقولها، ولا أن يقول أوحي إلي، وأبى اللورد ملنر أن يصدق أن للمصريين إجماعا يعتد به، وأنهم دخلوا في السياسة دخولًا ثابتًا فرسخوا فيها، وأنهم أصبحوا مع الإنجليز كالإنجليز الذين يقولون عن أنفسهم في مثلهم السائر: ينبغي أن نكون أحرارًا مثل أعمالنا. وزعم اللورد لنفسه، أن هذه الأحزاب المصرية لا يتفق منها اثنان أبدًا إلا كان بينهما ثالث يختلفان عليه، وهو الطمع في مناصب الحكم؛ واستخراج من ذلك أن المصري والمصري كشقي المقراض؛ لا يتحركان في عمل إلا على تمزيق شيء بينهما؛ فإن لم يكن بينهما "الشيء" لم يكن منهما شيء. وذهب الرجل يتظنى ويحدس على ما يخيل له الظن، وقد حسب أن إنجلترا يحق لها أن تقول في المصريين ما يقول الله في خلقه كما ورد في الأثر: "إنما يتقلبون في قبضتي". وكما تقول اليوم لأهل فلسطين من العرب: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] , وكان اللورد هذا رجلا ممارس المشاكل السياسية، دخالا فيها، داهية من دهاة القوم، له في قلبه عينان وأذنان غير ما في وجهه كحذاق السياسيين؛ وهو يعرف أن سياسة قومه لا تدخل في شيء إلا دخول الإبرة بخيطها في الثوب، إن خرجت هي تركت الخيط وقد جمع وشد ... فأراد أن يمتحن مذهب المصريين في إجماعهم على الاستقلال، وقدر أنه واجد من الفلاحين عونا له ومادة لمكره السياسي، وحسب الوفد صورة جديدة من طبقة "الباشوات" القديمة، ينزلون من الشعب منزلة اليد التي تمسك القيد، من الرجل التي فيها القيد، ويضعون

стр. 572

معنى كلمة الحاجة في كلمة السياسة، ويقولون: الوطن وهم يريدون الجاه، ويقيمون الشعب كالسلم ينتصب قائما ليحمل أرجلهم الصاعدة عليه. فجاء اللورد إلى مصر، فوجد الأمة كلها قد حذرت منه وتيقظت له، حتى نصحه رشدي باشا بأنه لن يجد في مصر هرة تفاوضه؛ ولكنه كان مستيقنا أن أذن السياسة الإنجليزية "كالرديو" لصوتين: صوت الدنانير وصوت الجماهير، فمر في البلاد يرسم على الهواء علامات استفهام، وانصفق عنه الناس وأهملوه، وكان يسير في دائرة الصمت التي مركزها أبو الهول، فبدأ وظل يبدأ حتى انتهى وما زال يبدأ ... وساح في البلاد سياحة طويلة، وكأنه لم يسافر إلا من شفة أبي الهول السفلى إلى شفته العليا. قال صاحب السر: وجاء الورد لمقابلة الباشا، فمر علي مرور كتاب مقفل: لا أعرف منه إلا العنوان؛ غير أنه رجل بمقدار الرجل الذي يخالف أمة كاملة تكاد تحسبه مطويا على زوبعة، وترى له قوتين تحس من أثرهما الرهبة والإعجاب، وإذا تأملته قلت إن اللطف والظرف أضعف شمائله، وإن الدهاء والحلية أقوى مواهبه. فلما لقيت الباشا من الغد، سألني: كيف رأيت اللورد ملنر؟ فقلت: والله يا باشا إنه كالضرورة؛ ما يتمناها أحد ولكنها تجيء. فضحك الباشا وقال: يا ليت لنا -نحن الشرقيين- كل يوم ضرورة تصنع ما صنع اللورد؛ إنه كشف لنا في ذات أنفسنا عن حقيقة من أسمى الحقائق السياسية, وهي أن الشعب الذي يصر ولا يزال يصر يجعل الإغراء لا يغري والخوف لا يخيف. ويا ليت الأمم الشرقية تتعلم هذا الصمت السياسي عن مجاوبة الكلمة الاستعمارية أحيانًا؛ فإن صمت الأمة المصرية عن جواب "ملنر" كان معناه أن قدرة الأمة هي المتكلمة كلامها بذا الصمت، تعلن للعالم أن الواجب الشعبي قد وضع قفله على كل فم. وقد فسر اللورد هذا السكوت بتفسيره السياسي، فأدرك منه أن في الشعب أنفة وحمية وقوة، وأن حساب الضمير الوطني أصبح لهذه الأفئدة كالحساب الإلهي للنفوس المؤمنة: كلاهما مستعلن يخاف ويتقي، وكلاهما كلمة محرمة. أية معجزة هذه التي جعلت كلمة الأجنبي تتخذ في أذهان أمة كاملة شكل قائلها، فاجتمعت لها البلاد على معنى الرفض، وأصبح كل فرد يعرف محله من الكل،

стр. 573

وخضعت الطبائع بجملتها لقانون العزة القومية، الذي يلزمها ألا تخضع للأجنبي؟ إن الأمم بعض مسائل نفسية كهذه المسألة؛ فلو أن لنا خمسة دروس سياسية مختلفة كدرس "ملنر"، لكانت لنا في الإيمان الوطني كالصلوات الخمس. والآن تعلمت الأمة أن الشعب العزيز هو الذي ينظر في فض مشاكله إلى الحل وإلى طريقة الحل أيضا، وقد كان "ملنر" هو أول أساتذتنا في تعليمنا الطريقة. وهذا الدرس يجب أن يكون درسًا للشرق كله، فإن السياسة الاستعمارية قائمة فيه على خداع الطريقة في حل مشاكله، فيحلونها ويعقدونها في نص واحد؛ ويثبت الكلام الذي يتفقون عليه أن المراد منه زوال الخلاف، ويثبت العمل بعد ذلك أن المراد كان زوال المقاومة. وفي السياسة الأوروبية موافقات دميمة كالنساء المشوهات، فإذا عرضوا واحدة منها على من يريدون أن يزوجوه ... فأباها وفتح لها عينيه بكل ما فيهما من قوة الإبصار، أعفوه منها وقالوا له: سنأتيك بالجميلة، ثم يذهبون بها إلى معهد التجميل اللغوي، فيصقلونها ويصبغونها، ويضعون لها أحمر السياسة وأبيضها، ثم يعرضونها جديدة على صاحبهم ذاك، وما صنعوا ما به صارت الدميمة غير دميمة، ولكن ما به رجع غير الأعمى كالأعمى. ولهم عقول عجيبة في اختراع الألفاظ، حتى لتكون شدة الوضوح في عبارة، هي بعينها الطريقة لإخفاء الغموض في عبارة أخرى. وكثيرًا ما يأتون بألفاظ منتفخة تحسب جزلة بادنة قد ملأها معناها، وهي في السياسة ألفاظ حبالى، تستكمل حملها مدة ثم تلد. ولهم من بعض الكلمات السياسية، كما لهم من بعض الرجال السياسيين؛ فيكون الرجل من دهاتهم رجلا كالناس، وهو عندهم مسمار دقوه في أرض كذا أو مملكة كذا، ويكون اللفظ لفظا كاللغة، وهو مسمار دقوه في وثيقة أو معاهدة. ثم ضحك الباشا وقال: إن أرضنا تخرج القطن، وسياستنا تخرج ألفاظًا كالقطن: لا توضع في المغزل إلا مدت وتحولت. وإذا ذهبنا نخالفهم في التأويل والتفسير، لم نجد عندنا المعجم السياسي الذي يملي النص، أتدري يا بني ما هو المعجم السياسي؟ أما إنه لو كان كتابا يألف من مليون كلمة، لذهبت كلها عبثا وباطلا وهراء، ولكنه ذلك المعجم الحي، ذلك المعجم الذي يتألف من مليون جندي ...

стр. 574

اللسان المرقع: وقال صاحب سر "م" باشا: جاء "حضرة صاحب السعادة" فلان لزيارة الباشا؛ وهو رجل مصري ولد في بعض القرى، ما نعلم أن الله "تعالى" ميزه بجوهر غير الجوهر، ولا طبع غير الطبع، ولا تركيب غير التركيب، ولا زاد في دمه نقطة زهو، ولا وضعه موضع الوسط بين فنين من الخليقة. غير أنه زار فرنسا، وطاف بإنجلترا، وساح في إيطاليا، وعاج على ألمانيا، ولون نفسه ألوانا، فهو مصري ملون. ومن ثم كان لا يرى في بلاده وقومه إلا الفروق بين ما هنا وبين ما هناك. فما يظهر له دين قومه إلا مقابلا لشهوات أحبها وغامر فيها، ولا لغة قومه إلا مقرونة بلغة أخرى ود لو كان من أهلها، ولا تاريخ قومه إلا مغمى عليه كالميت بين تواريخ الأمم. هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين: مصري المال فقط، إذ كانت أسبابهم ومستغلاتهم في مصر؛ عربي الاسم لا غير، إذ كانت أسماؤهم من جناية أهليهم بالطبيعة؛ مسلم ما مضى دون ما هو حاضر؛ إذ كان لا حيلة في أنسابهم التي انحدروا منها. هو كغيره من هؤلاء المترفين المنعمين المفتونين بالمدنية, لكل منهم جنسه المصري ولفكره جنس آخر. قال: وكان حضرة صاحب السعادة يكلم الباشا بالعربية التي تلعنها العربية، مرتفعا بها عن لغة الفصيح ارتفاعا منحطا ... نازلا بها عن لغة السوقة نزولا عاليا ... فكان يرتضخ لكنة أعجمية، بينا هي في بعض الألفاظ جرس عال يطن، إذا هي في لفظ آخر صوت مريض يئن، إذا هي في كلمة ثالثة نغم موسيقى يرن. ورأيته يتكلف نسيان بعض الجمل العربية ليلوي لسانه بغيرها من الفرنسية، لا تطرفا ولا تملحا ولا إظهارًا لقدرة أو علم، ولكن استجابة للشعور الأجنبي الخفي المتمكن في نفسه. فكانت وطنية عقله تأبى إلا أن تكذب وطنية لسانه، وهو بإحداهما زائف على قومه، وبالأخرى زائف على غير قومه.

стр. 575

فلما انصرف الرجل قال الباشا: أف لهذا وأمثال هذا! أف لهم ولما يصنعون! إن هذا الكبير يلقبونه "حضرة صاحب السعادة"، ولأشرف منه -والله- رجل قروي ساذج يكون لقبه "حضرة صاحب الجاموسة" ... نعم إن الفلاح عندنا جاهل علم، ولكن هذا أقبح منه جهلا، فإنه جاهل وطنية. ثم إن الجاموسة وصاحبها عاملان دائبان مخلصان للوطن؛ فما هو عمل حضرة "صاحب اللسان المرقع" هذا؟ إن عمله أن يعلن برطانته الأجنبية أن لغة وطنه ذليلة مهينة، وأنه متجرد من الروح السياسي للغة قومه؛ إذ لا يظهر الروح السياسي للغة ما، إلا في الحرص عليها وتقديمها على سواها. كان الواجب على مثل هذا ألا يتكلم في بلاده إلا بلغته، وكان الذي هو أوجب أن يتعصب لها على كل لغة تزاحمها في أرضها، فترك هذا وهذا وكان هو المزاحم بنفسه؛ فهو على أنه "حضرة صاحب سعادة"، لا ينزل نفسه من اللغة القومية إلا منزلة خادم أجنبي في حانة. أتدري ما هو سر هؤلاء الكبراء وهؤلاء السراة الذين يطمطمون إذا تكلموا فيما بينهم؟ أنهم عندنا طبقات: أما واحدة: فإنهم يصنعون هذا الصنيع منجذبين إلى أصل راسخ في طباعهم، مما تركه الظم والاستبداد والحمق في زمن الحكم التركي؛ فهم يبدون جوهر نفوسهم لأعينهم وأعين الناس، كأنه اللغة الأجنبية فيما بينهم علامة الحكم والسلطة واحتقار الشعب واستمرار ذلك الحمق في الدم ... وهم بها يتنبلون. وأما طبقه، فإنهم يتكلفون هذا مما في نفوسهم من طباع أحدثها النفاق والخضوع والذل السياسي في عهد الاحتلال الإنجليزي؛ فاللغة الأجنبية بينهم تشريف واعتبار، كأنهم بها من غير الشعب المحكوم الذي فقد السلطة، وهم بها يتمجدون. وأما جماعة، فإنهم يتعمدون هذا يريدون به عيب اللغة العربية وتهجينها، إذ اتخذوا من عداوة هذه اللغة طريقة انتحلوها ومذهبا انتسبوا إليه، وفيهم العالم بعلوم أوروبا، والأديب بأدب أوروبا؛ وذلك من عداوتهم للدين الإسلامي، إذ جعل هذه اللغة حكومة باقية في بلادهم مع كل حكومة وفوق كل حكومة؛ وهم يزدرون هذا الدين ويسقطون عن أنفسهم كل واجباته. وهؤلاء قد خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، إذ يغلون في مصريتهم غلوا قبيحا ينتهي بهم إلى سفه الآراء، وخفة الأحلام، وطيش النزعات، فيما يتصل بالدين الإسلامي وآدابه ولغته. وما أرى الواحد منهم إلا قد غطى

стр. 576

وصفه من حيث هو رقيع، على وصفه من حيث هو عالم أو أديب أو ما شاء. إن هذا لمقت ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥] . ومن أثر تلك الفئات الثلاث نشأت فئة رابعة، تحول فيهم ذلك الخلط من الكلام إلى طريقة نفسية في النفس؛ فهم يقحمون في كتابتهم وحديثهم الكلمات الأجنبية، ويحسبون عملهم هذا تظرفا ومعابثة ومجونا، على أنه هو الذي يظهر لعين البصير مواضع القطع التاريخي في نفوسهم، وأماكن الفساد القومي في طبيعتهم، وجهات التحلل الديني في اعتقادهم، وهؤلاء يكتب أحدهم: "النرفزة" وهو قادر أن يقول الغضب, "والفلير" وهو مستطيع أن يجعل في مكانها المغازلة، "وسكالنس" وهو يعرف لفظة أنواع وألوان، وهكذا وهكذا؛ ولا -والله- أن تكون المسافة بين اللفظين إلا المسافة بعينها بين قلوبهم ورشد قلوبهم. وما برح التقليد السخيف لا يعرف له بابا يلج منه إلى السخفاء إلا باب التهاون والتسامح؛ ونحن قوم ابتلينا بتزوير العيوب على أنفسنا وعدها في المحاسن والفضائل، من قلة ما فينا من الفضائل والمحاسن، وبهذه الطبيعة المعكوسة نحاول أن نقتبس من مزايا الأوروبيين، فلا نأخذ أكثر ما نأخذ إلا عيوبهم، إذ كانت هي الأسهل علينا، وهي الأشكل بطبعنا الضعيف المتسامح المتهاون. ومن هذا تجد مشاكلنا الاجتماعية -على أنها أهون وأيسر من مشاكل الأوروبيين، وعلى أن في ديننا وآدابنا لكل مشكلة حلها- تجدها هي علينا أصعب وأشد، لأننا ضعفاء ومتخاذلون ومقلدون ومفتونون، وكل ذلك من شيء واحد, وهو أن أكثر كبرائنا هم أكبر بلائنا. قال صاحب السر: ثم ضحك الباشا ضحكته الساخرة وقال: كيف تصنع أمة يكون أكثر العاملين هم أكبر العاطلين، إذ يعملون ولكن بروح غير عاملة.

стр. 577

سر القبعة " وحدثني صاحب سر "م" باشا، قال: نجمت في مصر حركة بعقب أيام البدعة التركية، حين لم تبق لشيء هناك قاعدة إلا القاعدة الواحدة التي تقررها المشانق. فمن أبى أن يخلع العمامة عن رأسه خلعوا رأسه؛ ومن قال: "لا" انقلبت" "لا" هذه مشنقة فعلق فيها. وكانت فكرة اتخاذ القبعة في تركيا غطاء للرأس، قد جاءت بعد نزعات من مثلها كمات يجيء الحذاء في آخر ما يلبس اللابس، فلم يشك أحد أنها ليست قبعة على الرأس أكثر مما هي طريقة لتربية الرأس المسلم تربية جديدة، ليس فيها ركعة ولا سجدة؛ وإلا فنحن نرى هذه القبعة على رأس الزنجي والهمجي، وعلى رأس الأبله والمجنون، فما رأيناها جعلت الأسود أبيض، ولا عرفناها نقلت همجيا عن طبعه، ولا عم أحد أنها أكملت العقل الناقص أو ردت العقل الذاهب، أو انقلبت آلة لحل مشكلات الرأس البليد، أو غصبت الطبيعة شيئا وقالت: هذا لحاملي دون حامل الطربوش والعمامة. وقد احتجوا يومئذ لصاحب تلك البدعة أنه لا يرى الوجه إلا المدنية، ولا يعرف المدنية إلا مدنية أوروبا، فهو يمتثلها كما هي في حسانتها وسيئاتها، وما يحل وما يحرم وما يكون في حاجة إليه وما يكون في غنى عنه؛ حتى لو أن الأوروبيين كانوا عورا بالطبيعة، لجعل هو قومه عورا بالصناعة ليشبهوا الأوروبيين. نعم إنها حجة تامة لولا نقص قليل في البرهان، يمكن تلافيه بإخراج طبعة جديدة من كتب الفتوح العثمانية، يظهر فيها الخلفاء العظام والأبطال المغاوير الذين قهروا الأوروبيين لابسين قبعات، ليشبهوا الأوروبيين. قال صاحب السر: وتهور في هذه الضلالة رهط من قومنا، وأخذوا يدعون إلى التقبع في مصر احتذاء لتركيا، وذهب بعضهم إلى سعد باشا "﵀" يطلب رأيه، فكان رأيه "لا" بمد الألف ... وعهد إلي بعضهم أن أسأل الباشا، فقال: ويحهم! ألا يخجلون أن نكون -نحن المصريين- مقلدين للتقليد نفسه؟ إن

стр. 578

هذه بدعة تنحط عندنا درجة عن الأصل، فكأنها بدعتان١. ثم ضحك الباشا وقال: كان في القديم رجل سمع أن البصل بالخل نافع للصفراء، فذهب إلى بستان يملكه وقال لوكيله: ازرع لي بصلا بخل ... هكذا يريدون من القبعات؛ أن تخرج لهم تركا بأوروبيين. ليست هذه القبعة في تركيا هي القبعة، بل هي كلمة سب للعرب ورد على الإسلام، ضاقت بها كل الأساليب أن تظهرها واضحة بينة، فلم يف بها إلا هذا الأسلوب وحده. وهي إعلان سياسي بالمناوأة والمخالفة والانحراف عنا واطراحنا. فإن الذي يخرج من أمته لا يخرج منها وهو في ثيابها وشعارها؛ فبهذا انفتح لهم باب الخروج في القبعة ودون غيرها مما يجري فيه التقليد أو يبدعه الابتكار؛ وإلا فأي سر في هذه القبعات، ومتى كانت الأمم تقاس بمقاييس الخياطين؟ ههنا سيف أراد أن يكون مقصا فعمل أولا ما يعمل الحسام البتار، فأجاد وأبدع وأكبره الناس وأعظموه؛ ثم صنع ما يصنع المقص، فماذا عساه يأتي به إلا ما ينكره الأبطال والخياطون جميعًا؟ أكتب علينا أن نظل دهرنا نبحث في التقليد الأعمى، وألا يحيا الشرقي إلا مستعبدا ينتظر في كل أموره من يقول له: اشرع لي؟ إن بحثنا فلنبحث في زي جديد نتميز به، فتكون القوى الكامنة فينا وفي طبيعة أرضنا وجونا هي التي اخترعت لظاهرها ما يجعله ظاهرها. كما يخرج زور الأسد لبدة الأسد. غاية في المنفعة والجمال والملائمة. أنا ألبس ما شئت، ولكني عند القبعة أجد حدا تقف إليه ذاتيتي الفردية، فلا أرى ثمة موضع انفراد ولكن موضع مشاكلة، ولا أعرف صفة منفعة لي بل صفة حقيقة مني، ويعترضني من هناك المعنى الذي يصير به النوع إلى الجنس. والواحد إلى الجماعة وما دمت مسلما أصلي وأركع وأسجد، فالقبعة نفسها تقول لي: دعني فلست لك. وهؤلاء الرجال الذين لبسوها في مصر، إنما اشتقوها من المصدر نفس المصدر الذي يخرج منه التهتك في النساء، وكلاهما منزع من المخالفة، وكلاهما

стр. 579

ضد من صفة اجتماعية تقوم بها فضيلة شرقية عامة. وليس يعدم قائل وجها من القول في تزيين القبعة، ولا مذهبا من الرأي في الاحتجاج لها، غير أن المذاهب الفلسفية لا يعجزها أن تقيم لك البرهان جدلا محضا على أن حياء المرأة وعفتها إن هما إلا رذيلتان في الفن ... وإن هما إلا مرض وضعف، وإن هما إلا كيت وكيت، ثم تنتهي الفلسفة إلى عدهما من البلاهة والغفلة، وما الغفلة والبلاهة إلا أن تريد فلسفة من فلسفات الدنيا أن تقحم في كتاب الصلاة مثلا فصلا في ... في ... في الدعارة. لا يهولنك ما أقرر لك: من أن القبعة الأوروبية على رأس المسلم المصري، تهتك أخلاقي أو سياسي أو ديني أو من هذه كلها معا، فإنك لتعلم أن الذين لبسوها لم يلبسوها إلا منذ قريب، بعد أن تهتكت الأخلاق الشرقية الكريمة وتحلل أكثر عقدها، وبعد أن قاربت الحرية العصرية بين النقائض حتى كادت تختلط الحدود اللغوية، فحرية المنفعة مثلا تجعل الصادق والكاذب بمعنى واحد، فلا يقال: إلا أنه وجد منفعته فصدق، ووجد منفعته فكذب؛ وعند الحرية العصرية أنه ما فرق بين اللفظين وجعل لكل منهما حدودًا إلا جهل القدماء، وفضيلة القدماء، ودين القدماء. وهذه الثلاثة: الجهل والفضيلة والدين، هي أيضا في المعجم اللغوي الفلسفي الجديد مترادفات لمعنى واحد، هو الاستعباد أو الوهم أو الخرافة. ومتى أزيلت الحدود بين المعاني، كان طبيعيا أن يلتبس شيء بشيء وأن يحل معنى في موضع معنى غيره، وأصبح الباطل باطلا بسبب وحقا بسبب آخر، فلا يحكم الناس إلا مجموعة من الأخلاق المتنافرة، تجعل كل حقيقة في الأرض شبهة مزورة عند من لا تكون من أهوائه ونزعاته، فيحتاج الناس بالضرورة إلى قوة تفصل بينهم فصلا مسلحا، فيكسبون القانون بمدنيتهم قوة همجية تضطره أن يعد للوحشية الإنسانية، وتدفع هذه الوحشية أن تعد له. ومن اختلاط الحدود تجيء القبعة على رأس المسلم، وما هي إلا حد يطمس حدا، وفكرة تهزم فكرة، ورذيلة تقول لفضيلة: ها أنذا قد جئت فاذهبي. ما هو الأكبر من شيئين بينهما لتعيين الصغر؛ وما هو الأصغر من شيئين لا حد بينهما لتعيين الكبر؟ إنها الفوضى كما ترى ما دام الحد لا موضع له في التمييز ولا مقر له في العرف ولا فصل به في العادة؛ ومن هنا كان الدين عند أقوام أكبر كلمات الإنسانية في عامة لغاتها وأملأها بالمعنى، وكان عند آخرين

стр. 580

أصغرها وأفراغها من المعنى، وما كبر عند أولئك إلا من أنه يسع الاجتماع الإنساني وهو محدود بغاياته العليا، وما صغر عند هؤلاء إلا بأن الاجتماع لا يسعه فلا حد له، وكأنه معنى متوهم لا وجود له إلا في أحرف كلمته. فجماعة القبعة لا يرون لأنفسهم حدا يحدونها به من أخلاقنا أو ديننا أو شرقيتنا، وقد مرقوا من كل ذلك وأصبحوا لا يرون في زينا الوطني ما فيه من قوة السر الخفي الذي يلهمنا ما أودعه التاريخ من قوميتنا ومعاني أسلافنا. وأنا أعرف أن منا قومًا يرى أحدهم في ظن نفسه أنه قانون من قوانين التطور؛ فهو فيما يلابسه لا ينظر إلى أنه واحد من الناس، بل واحد من النواميس ... ومن هنا الثقل والدعوى الفارغة، وما هو أكبر من الثقل وفراغ الدعوى. وإنه لحق أن يكون بعض الناس أنبياء، ولكن أقبح ما في الباطل أن يظن كل إنسان نفسه نبيا. واعلم أنه كثيرًا مما يزينونه للشرقي من رذائل المدنية الأوروبية، إن هو إلا منطق شهواته في جملته، ولقد تسمع الجائع يتكلم عن الطعام، فترى كلامًا تحته معان ومعان لا يعدها غير الجائع إلا حماقة ساعتها.

стр. 581

سعد زغلول: وقال صاحب سر "م" باشا: ألقى إلي الباشا ذات يوم أن "سعدا" مصبحنا زائرًا١، وكانت بين الرجلين خاصة وأسباب وطيدة. وللباشا موقع أعرفه من نفس سعد كما أعرف الشعلة في بركانها؛ أما سعد فكان قد انتهى إلى النهاية التي جعلته رجلا في إحدى يديه السرح وفي الأخرى المعجزة، فهو من عظماء هذه البلاد كقاموس اللغة من كلمات اللغة, يرد كل مفرد إليه في تعريفه، ولا تصح الكلمة عند أحد إلا إذا كانت فيه الشهادة على صحتها. وجاءنا سعد غدوة، فأسرعت إلى تقبيل يده قبلة لا تشبهها القبلات، إذ مثلت لي من فرحها كأنها كانت منفية ورجعت إلى وطنها العزيز حين وضعت على تلك اليد. إن الرجل العظيم إذا كان بارا بأبيه عارفا قدره مدركا عظمته، يشعر حين يقبل يد أبيه كأنه يسجد بروحه سجدة لله على تلك اليد التي يقبلها، ويجد في نفسه اتصالا كهربائيا بين قلبه وبين سر وجوده، ويخصه العالم بلمسة كأن قبلته نبضت في الكون, وكل هذا قد أحسسته أنا في تقبيلي يد سعد، وزدت عليه شعوري بمثل المعنى الذي يكون في نفس البطل حين يقبل سيفه المنتصر. وضحك لي سعد باشا ضحكته المعروفة، التي يبدأها فمه، وتتمها عيناه، ويشرحها وجهه كله، فتجد جوابها في روحك كأنه في روحك ألقاها. والرجل من الناس إذا نظر إلى سعد وهو يبتسم، رأى له ابتسامة كأنها كمال يتواضع، فيحس كأن شيئا غير طبيعي يتصل منه بشيء طبيعي، فينتعش ويثب في وجوده الروحي وثبة عالية تكون فرحًا أو طربًا أو إعجابًا أو خشوعًا أو كلها معا. غير أن الرجل من الحكماء إذا تأمل وجه سعد، وهو يضحك ضحكته المطمئنة المتمكنة من معناها المقر أو المنكر أو الساخر أو أي المعاني -حسب نفسه يرى

стр. 582

شكلا من القول لا من الضحك، وظهرت له تلك الابتسامة الفلسفية متكلمة، كأنها مرة تقول: هذا حقيقي. ومرة تقول: هذا غير حقيقي. إن سعدا العظيم كان رجلا ما نظر إليه وطني إلا بعين فيها دلائل أحلامها، كأنما هو شخص فكرة لا شخص إنسان؛ فإذا أنت رأيته كان في فكرك قبل أن يكون في نظرك؛ فأنت تشهده بنظرين: أحدهما الذي تبصر به، والآخر ذاك الذي تؤمن به. عبقري كالجمرة الملتهبة لا تحسبه يعيش بل يحترق ويحرق؛ ثائر كالزلزلة فهو أبدًا يرتج وهو أبدًا يرجع ما حوله؛ صريح كصراحة الرسل، تلك التي معناها أن الأخلاق تقول كلمتها. رجل الشعب الذي يحس كل مصري أنه يملك فيه ملكا من المجد. وقد بلغ في بعض مواقفه مبلغ الشريعة، فاستطاع أن يقول للناس: ضعوا هذا المعنى في الحياة، وانزعوا هذا المعنى من الحياة. قال صاحب السر: وانقضت الزيارة وخرج سعد والباشا إلى يساره، فلما رجع من وداعه قال لي: والله يا بني لكأنما زاد هذا الرجل في ألقاب الدولة لقبا جديدًا، ثم ضحك وقال: أتدري ما هو هذا القلب؟ قلت: فما هو يا باشا؟ قال: والله يا بني ما من "باشا" في هذه الدولة يكون إلى جانب سعد، إلا وهو يشعر أن رتبته "نصف باشا". هذا رجل قد بلغ من العظمة مبلغا تصاغر معه الكبير، وتضاءل العظيم، وتقاصر الشامخ، نعم حتى ترك أقوامًا من خصومه العظماء، كفلان وفلان، وإن الواحد منهم ليلوح للشعب من فراغه وضعفه وتطرحه، كأنه ظل رجل لا رجل. وقد أصبح قوة عاملة لا بد من فعلها في كل حي تحت هذا الأفق، حتى كأن معاني نفسه الكبيرة تنتشر في الهواء على الناس، فهو قوة مرسلة لا تمسك، ماضية لا ترد، مقدورة لا يحتال لها بحيلة. هذا وضع إلهي خاص لا يشبهه أحد في هذه الأمة، كميدان الحرب لا تشبهه الأمكنة الأخرى؛ فقد غامر سعد في الثورة العرابية، وخرج منها، ولكنها هي لم تخرج منه، بل بقيت فيه؛ بقيت فيه تتعلم القانون والسياسة، وتصلح أغلاطها، ثم

стр. 583

ظهرت منه في شكلها القانوني الدقيق، وبهذا تراه يغمر الرجال مهما كانوا أذكياء، لأن فيه ما ليس فيهم، وتراهم يظهرون إلى جانبه أشياء ثابتة في معانيها، أما هو فتراه من جميع نواحيه يتلاطم كالأمواج العاتية. وتلك الثورة هي التي تتكلم في فمه أحيانا فتجعل لبعض كلماته قوة كقوة النصر، وشهرة كشهرة موقعة حربية مذكورة. ولما كان هو المختار ليكون أبا للثورة, حرمته القدرة الإلهية النسل، وصرفت نزعة الأبوة فيه إلى أعماله التاريخية، ففيها عنايته وقلبه وهمومه، وهي نسل حي من روحه العظيمة، ويكاد معها يكون أسدًا يزأر حول أشباله، ولن يذكر السياسيون المصريون مع سعد، ولن يذكر سعد نفسه إذا انقلب سياسيا، فإن المكان الخالي في الطبيعة الآن هو مكان رجل المقاومة لا رجل السياسة، وهذا هو السبب في أن سعدًا يشعر الأمة بوجوده لذة كلذة الفوز والانتصار، وإن لم يفز بشيء ولم ينتصر على شيء؛ فاطمئنان الشعب إلى زعيم المقاومة، هو بطبيعته كاطمئنان حامل السلاح إلى سلاحه. وسعد وحده هو الذي أفلح في أن يكون أستاذ المقاومة لهذه الأمة؛ فنسخ قوانين، وأوجد قوانين، وحمل الشعب على الإعجاب بأعماله العظيمة، فنبه فيه قوة الإحساس بالعظمة فجعله عظيما، وصرفه بالمعاني الكبيرة عن الصغائر، فدفعه إلى طريق مستقبله يبدع إبداعه فيه. إن هذا الشرق لا يحيا بالسياسة ولكن بالمقاومة ما دام ذلك الغرب بإزائه؛ والفريسة لا تتخلص من الحلق الوحشي إلا باعتراض عظامها الصلبة القوية في هذا الحلق. وكم في الشرق من سياسي كبير يجعلونه وزيرًا، فتكون الوظيفة هي الوزير لا نفس الوزير، حتى لو خلعوا ثيابه على خشبة ونصبوها في كرسيه، لكانت أكثر نفعا منه للأمة، بأنها أقل شرًّا منه. يا بني، كل الناس يرضون أن يتمتعون بالمال والجاه والسيادة والحكم، فليست هذه هي مسألة الشرق، ولكن المسألة: من هو النبي السياسي الذي يرضى أن يصلب؟

стр. 584

حماسة الشعب: وحدثني سر "م" باشا قال: لما رجع سعد باشا من أوروبا في سنة ١٩٢١، كانت الأمة في استقباله كأنها طائر مد جناحيه، لا خلاف لشيء منه على شيء منه، بل كله هو كله؛ وكانت المعارضة في الاستحالة يومئذ كاستحالة وجود رقعة في ريش الطائر. على أن ثوب السياسة المصرية كثير الرقع دائما بالجديد والخلق، فرقعة من المعارضين, وأخرى من المتعنتين، وثالثة من المتخاذلين، ورابعة من المعادين، وخامسة وسادسة وسابعة من الحاسدين والمنافسين والمختلفين لشهوة الخلاف؛ ورقاع بعد ذلك مما نعلم وما لا نعلم، فإن من العجيب أن هذا الجو الذي لا يتقلب إلا بطيئا، يتقلب أهله بسرعة؛ وهذه الطبيعة التي لا تكاد تختلف، لا يكاد أهلها يتفقون. ولكن سعدا "رحمة الله" رجع من أوروبا رجعة الكرامة لأمة كاملة، ففاز بأنه لم يخسر شيئا من الحق، وانتصر بأنه لم يهزم، ودل على ثباته بأنه لم يتزعزع، وذهب صولة ورجع صولة وعزيمة؛ فكان إيمان الشعب هو الذي يتلقاه، وكانت الثورة هي التي تحتفل به، وبطلت العلل كلها فلم يجد الاعتراض شيئا يعترض عليه، واتفقت الأسباب فاجتمعت الكلمة، وظهر سعد كأنه روح الأمة متمثلًا في قدرة، حاكما بقوة، متسلطا بيقين. نعم لم ينتصر البطل، ولكن الأمة احتفت به لأنه يمثل فيها كمالا من نوع آخر هو سر الانتصار؛ فكانت حماسة الشعب في ذلك اليوم حماسة المبدأ المتمكن؛ يظهر شجاعة الحياة، وفورة العزائم، وفضيلة الإخلاص، وشدة الصولة، وعناد التصميم؛ ويثبت بقوة ظاهره قوة باطنه، وكان فرح الأمة عنادا سياسيا يفرح بأنه لا يزال قويا لم يضعف، وكان ابتهاجها مجدًا يشعر بأنه لا يزال وافرًا لم ينتقص، وكان الإجماع ردا على اليأس، وكانت الحماسة ردا على الضعف. انبعثت صولة الحياة في الشعب كله، وابتدأ المستقبل من يومئذ، فلو نزلت

стр. 585

الملائكة من السماء في سحابة مجلجلة يسمع تسبيحهم ليؤيدوا سعدًا, لما زادوه شيئا؛ فقد كان محله من القلوب كأنه العقيدة, وكان التصديق مبذولا له كأنه الكلمة الأخيرة, وكانت الطاعة موقوفة عليه كأنه الباعث الطبيعي، وكان البطل في كل ذلك يشبه نبيا من قبل أن كلا منهما صورة كاملة للسمو في أفكار أمة. قال صاحب السر: ورجع الباشا من القاهرة وقد رأى من مسامحة النفوس، وصحة العهد، واجتماع الكلمة، وإعداد الشعب للمراس والمعاناة، فقال: تالله لقد أثبت "سعد" للدنيا كلها أن مصر الجبارة متى شاءت بنت الرجال على طريقة الهرم الأكبر في العظمة والشهرة والمنزلة والقوة. ولقد صنع هذا الرجل العظيم ما تصنع حرب كبيرة، فجمع الأمة كلها على معنى واحد لا يتناقض، ودفعها بروح قومية واحدة لا تختلف، وجعل عرق السياسة يفور كما يفور العرق المجروح بالدم. إن هذه الأمة بين شيئين لا ثالث بينهما: إما الحزم إلى الآخر وإما الإضاعة. ولا حزم إلا أن يبقى الشعب كما ظهر اليوم طوفانا حيا، مستوي الطبيعة، مندفع الحركة، غامرًا كل ما يعترضه، إلى أن يقضي الأمر ويقول أعداؤنا: يا سماء أقلعي. هكذا يعمل الوطن مع أهله كأنه شخص حي بينهم، حين يستوي الجميع في الثقة، ويتآزر الجميع في الأمل، ويشترك الجميع في العطف الروحي، ولا يبقى لجماعة منهم حظ في رغبة غير الرغبة الواحدة للجميع، وهكذا يعمل الوطن بأهله حين يعمل مع أهله. كان أعداؤنا يحسبوننا ذبابا سياسيا لا شأن له إلا بفضلات السياسة، ولا عمل له في أزهارها وأثمارها وعطرها وحلواها؛ فأسمعهم الشعب اليوم طنين النحل، وأراهم إبر النحل، ليعلموا أن الأزهار والأثمار والعطر والحلوى هي له بالطبيعة. وكانوا يتخرصون أن مذهبنا في الحياة لمصلحة المعاش فقط، وأن المصري، حاكما أو محكوما، لا يمد آماله الوطنية إلى أبعد من مدة عمره سبعين أو ثمانين سنة، فإذا أطلقوا أيدينا في حاضر الأمة أطلقنا أيديهم في مستقبلها. ومن ثم طمعوا أن يكون الحق الناقص في نفسه حقا تماما في أنفسنا لهذه العلة؛ وحسبوا أن السياسي المصري لا يتجرأ أن يقول ما يقوله السياسي الأوروبي من أنه لا يخشى الموت ولكن يخشى العار, فإنه إذا مات مات وحده، وإذا جلب العار جلبه على نفسه وعلى أمته

стр. 586

وعلى تاريخ أمته، بيد أن سعدا قالها؛ وفي مثل هذا يكون قول "لا" معركة. وها هي ذي معركة اليوم التاريخية، فإن الذرات الحية التي تخلق من دمائنا -نحن المصريين- قد ثارت في هذه الدماء، في هذا النهار، تعلن أنها لا ترضى أن تولد مقيدة بقيود. أتدري ماذا عرضوا على سعد؟ إنهم عرضوا عليه ما يشبه في السخرية طاحونة تامة الأدوات والآلات من آخر طراز، ثم لا تقدم لها إلا حبة قمح واحدة لتطحنها ... نتيجة تسخر من أسبابها، وأسباب تهزأ بالنتيجة. إن أوروبا لا تحترم لا من يحملها على احترامه، فما أرى للسياسيين في هذا الشرق عملا أفضل ولا أقوى ولا أرد بالفائدة من إحياء الحماسة في كل شعب شرقي، ثم حياطتها وحسن توجيهها؛ فهذه الحماسة الشعبية الدائمة القوية البصيرة، هي قوة الرفض لما يجب أن يرفض، وقوة التأييد، لما يجب أن يقبل، وهي بعد ذلك وسيلة جمع الأمر، وإحكام الشأن، وإقرار العزيمة في الأخلاق، وتربية الثقة بالنفس، وبها يكون إذكاء الحس وتعويده إدراك الأعمال العظيمة، والتحمس لها، والبذل فيها. وما علة العلل فينا إلا ضعف الحماسة الشعبية في الشرق، وسوء تدبيرها، وقبح سياستها؛ وإنا لنأخذ عن الأوروبيين من نظامهم وأساليبهم وسياستهم وعلومهم وفنونهم؛ فنأخذ كل ذلك بروحنا الفاترة في خمول وإهمال وتواكل وتفرد بالمصلحة واستبداد بالرأي، فإذا دينارهم في أيدينا درهم، وإذا نحن وإياهم في الشيء الواحد كالنحلة والذبابة على زهرة ... ليست لنا حماسة الحياة، وبهذا تختلف أعمالنا وأعمالهم، وذلك هو السر أيضا في أن أكثر حماستنا كلامية محضة؛ إذ يكون الصراخ والصياح والتشدق ونحوها من هذه المظاهر الفارغة تنقيحا للطبيعة الساكنة فينا، وتنويعا منها بغير أن نجهد في التنقيح والتنويع. ومن هذا كانت لنا أنواع من الكلام ينطلق اللسان فيها للخروج من الصمت لا غير ... ومنه كثير من هذا الهراء السياسي الذي يدور في المجالس والأحزاب والصحف. إن حماسة الشعب لا تكون على أعدائه فقط؛ بل على معايبه أيضًا، وعلى ضعفه بخاصة، والشعب الفاتر في حماسته لو نال حقين مغصوبين لعاد فخسر أحدهما أو كليهما، أما الشعب المتحمس القوى في حماسته، فلو غصب حقين ونال أحدهما لعاد فابتز الآخر.

стр. 587

الجمهور: وقال صاحب سر "م" باشا: كان من بعض عملي في الحكومة سنة ١٩٢٢ أن أراقب الحركات والسكنات، وأبث العيون والأرصاد، وأعرف المضطرب والمنقلب في أيام الفتن ونوازل المحنة، محافظة على الأمن، ومبادرة لما يتوقع؛ فكنت كالمرصد المهيأ بآلاته لتدوين حركات الزلازل. وانتهى إلينا يوما أن راجفة من هذه الزلازل سترجف بفلان من أهل الرأي الحر؛ الذي يستقل ولا يتابع، وينتقد ولا يحابي، ويصرح ولا يجمجم، وأن قوما ثوروا عليه الغبار الآدمي من العامة وأشباه العامة، وأنهم يتحينون الوقت لتوجيه المكيدة له في شكلها المفترس من هذا الجمهور الناقم. أما فلان هذا فرجل سياسي عنيد أضاع الحق كله لأنه لا يرضى بنصف الحق ... وكلمته في السياسة كأنما تلقى على لسانه من الغيب؛ فلا يتحول عنها ولا يملك أن يتكلم إلا بما يتكلم؛ وقد ذهب بصوته أنه في قوم لا يسمعون إلا ما أرادوا، فهو بينهم كالحق المغلوب؛ لا يموت لأنه غير باطل، ثم لا يحيا لأنه لا ينتصر. وقد كان رجلا كالمصباح الوهاج فألقوا عليه الغطاء، فإذا هو في طبيعته ويبدو للناس بغير طبيعته، وتركه رأيه الحر الصريح كالنبي المكذوب يرد صدقه؛ لا لأنه غير صدق، ولكن لأنه غير مستطاع، أو غير ملائم. ومن آفاتنا -نحن الشرقيين- أننا نستمرئ العداوة، وننقاد لأسبابها، ونتطاوع لها تطاوع الصغار بأنفسهم لما في أنفسهم؛ كأن المستبدين الذين كانوا في تاريخنا قد انتقلوا إلى طبائعنا؛ فرد الفكر على الفكر في مناقشة تجري بيننا لا يكون من دفع الحقيقة للحقيقة، ولكن من رد الاستبداد على الاستبداد، ومن توثب الطغيان على الطغيان؛ فهو الثلب؛ والطعن والتجريح، وهو الجفوة والخصومة واللدد، وهو المنازعة والعنف والتحامل؛ وهو بهذه وتلك شر وفساد وسقوط. والجدال بين العقلاء يبعث الفكر فينتهي إلى الحق، ولكنه فينا نحن يهيج الخلق فينتهي إلى الشر، والرد على عظيم منا كأنه يرد على منزلته في الناس لا على منزلته

стр. 588

في الرأي، وكشف الخطأ عندنا تعبير بالخطأ لا تبصير بالصواب، واستلاب الحجة من صاحبها وإفسادها عليه كاستلاب الملك من مالكه وطرده منه ... ومن ثم كان الدفاع بالمكابرة أصلا من أصول الطبيعة فينا، وكان الاضطهاد حجة للحجة العاجزة، وكان الإعنات دليلا للدليل الذي لا ينهض بنفسه، ومتى اعتبر كل إنسان نفسه إمبراطورًا على الحق ... فلا جرم لا ترد كلمة على كلمة إلا بحرب. قال صاحب السر: وكبر الأمر على الباشا، فجمع رؤوس المؤتمرين بذلك الرجل الحر، وأخذ يقلبهم تقليبه بين التودد والملاطفة، وقال لهم فيما قال: إن فضيلة الجمهور هي التي تضمن تربية الفضيلة وحفظها وغلبتها على الرذائل، وإن كل صحيح يكون فاسدًا إذا لم يكن الجمهور صحيحا، وإن غير العقلاء هم الذين يقبلون الحقيقة في يوم ثم يرفضونها هي ذاتها في يوم آخر، فإن ذهبت تجادلهم وتحتج عليهم بأنهم قبلوها, قالوا: هذا كان أمس ... فكأنما الفاصل بين زمنين يجعل الشيء الواحد ضدين. ثم سألهم: ما هو ذنب الرجل؟ فقال منهم قائل: إنه خارج علينا في الرأي. فقال الباشا: إن المعنى في أنه يخالفكم هو أنكم أنتم تخالفونه؛ فقد تكافأت الناحيتان، وخلاف بخلاف؛ فما الذي جعل لكم حق رده عن الرأي دون أن يكون له مثل هذا الحق في ردكم أنتم؟ قالوا: إننا الكثرة. قال الباشا: يا أصدقائي، إن خوف الكثرة من رأي فرد أو أفراد هو أسوأ المعنيين في تفسير رأيها هي؛ وعشرة جنيهات لا تعبأ بالجنيه الواحد. فإنها تستغرقه؛ بيد أن هذه ليست حال عشرة قروش يا أصدقائي ... نعم إن قطع الخلاف ضرورة من ضرورات الوطنية، ولكن إذا كان الأمر في ظاهره وباطنه كالخلاف في أيهما أطول: العصا أو المئذنة؟ فذلك جدال محسوم من نفسه بلا جدال. إن أساس انخذالنا -نحن الشرقيين- في قلوبنا، إذ لا نعتبر المعاني العامة إلا من جهة أنها قائمة بالرجال، ثم لا نعتبر الرجال إلا من ناحية ما في أنفسنا منهم، ثم لا نعتبر أنفسنا إلا من جهة ما يرضينا أو يغضبنا، وقد لا يغضبنا إلا الحق والجد، وقد لا يرضينا إلا الباطل والتهاون، ولكنا لا نبالي إلا ما نرضى وما نغضب. لستم أحرارًا في أن تجعلوا غيركم غير حر، فإن يكون الرأي الذي يعارضكم

стр. 589

رأيا حقا وتركتم منابذته فقد نصرتم الحق؛ وإن يكن باطلا فإظهاره باطلا هو برهان الحق الذي أنتم عليه؛ ولن تجردوا أحدًا من اختيار الرأي إلا إذا تجردتم أنتم من اختيار العدل، فإن فعلتم فهذه كبرياء ظالمة، تدعي أنها الحق، ثم تدعي لنفسها حكمة، فقد كذبت مرتين. اسمعوا أيها السادة: قامت بين اثنين من فلاسفة الرأي مناظرة في صحيفة من الصحف، وتساجلا في مقالات عدة، فلما عجز أضعفهما حجة وكعمه الجدال، كتب مقالته الأخيرة فجاءت سقيمة، فلم ترضه فبيتها ونام عنها على أنه يرسلها من الغداة بعد أن يردد نظره فيها ويصحح آراءه بالحجج التي يفتح بها عليه. قالوا: فلما نام تمثلت له المقالة في أحلامه جسما حيا موهونا مترضضا، مخلوعا من هنا مكسورا من هناك، مجروحا مما بينهما؛ ثم كلمته فقالت له: ويحك أيها الأبله! إن أردت أن تغلب صاحبك وتسكته عنك، فاحمل مقالتك إلى رأسه في العصا لا في الجريدة ... قال صاحب السر: وضحك القوم جميعا، وأذعنوا وانصرفوا مقتنعين، قد خلصت دخلتهم لذلك الرجل الحر وتنصلوا من جريمة كانت في أيديهم، وما جاء الباشا بمعجز من القول، ولكن تصويره للمسألة كان حلا لها في نفوسهم. فلما أدبروا تنفس الباشا كأنما خرج من البحر وكان يتعاطى إنقاذ غريق ويعاني فيه حتى نجا؛ ثم قال لي: إن هذا كان جوابا عن شيء في أنفسهم، ولكنه هو سؤال عن شيء في أنفسنا: ما الذي يجعل الناس عندنا يخشون المعارضة في الرأي الوطني حتى أنهم ليجازون عليها بهذه العقوبة الشعبية المنكرة؟ وما بالهم لا يعطون الرأي حكمه وحقيقته، بل يعطونه من حكم أنفسهم وحقائقها وشهواتها المتقلبة، حتى لترجع الفروق الضعيفة المتجانسة في أبناء الوطن الواحد وكأنها من الخلاف والمباينة فروق جنسية كالتي تكون بين إنسان من أمة، وإنسان من أمة أخرى تعاديها. قلت: إن رأي الكثرة قانون يا باشا. قال: هذا صحيح، ولكن بشرطين لا بشرط واحد: الأول ألا يخرج الرأي على القانون، والثاني ألا تكون الحقيقة في الرأي الذي يناقضه؛ ومحاولة إكراه المعارضة نقص للشرطين معا؛ ثم إن أساس الوطنية سلامة القلوب وصفاء النيات، واستواء الموافق والمخالف في هذا الحكم، ومتى وقع الخلاف بين اثنين وكانت

стр. 590

النية صادقة مخلصة، لم يكن اختلافهما إلا من تنوع الرأي، وانتهيا إلى الاتفاق بغلبة أقوى الرأييين، وما من ذلك بد. الحقيقة يا بني أن الجماهير الشرقية ليست في تربيتها من الجماهير السياسية التي يعتد بها، إذ لا تزال في أول عمرها السياسي، وبهذا السبب وحده كان اختلاف الكبراء في السياسة لا يشبهه إلا الخصمين بغير شهود ولا قاض نافذ الحكم، فهو نزاع قوة تفوز بوسائلها، لا نزاع حق يستعلي بأدلته. وهذه المجالس النيابية الشرقية كلها صور ممثلة جافة، منقطعة النماء من أسبابها، كالفرع المقطوع من الشجرة، وإنما يتنضر الفرع ويثمر أثماره إذا قام بشجرته لا بنفسه، وما شجرة الفرع السياسي إلا الجمهور السياسي. فسبيل الإصلاح في كل مملكة شرقية أن ينهض أهل الرأي من كل مدينة فيها بين عالم وأديب ومحام وسري، ومن كان بسبيل من هؤلاء، فيجعلوا لمدينتهم دار ندوة للاجتماع والبحث والمشورة، وقول "نعم" بالحجة وقول "لا" بالحجة. ثم يعلنون ذلك في جمهورهم وينزلون منه منزلة الأستاذ والأب والصديق في تعليمه وهدايته وإرشاده؛ وتتصل هذه الدور في كل مملكة بعضها ببعض، وتنتهي بالمجالس النيابية. وبغير ذلك لا يملأ الفراغ الذي نراه خاويا بين الشعب والحكومة، وبين الكبراء والجماهير، وإنما أكثر مصائبنا من هذا الفراغ؛ فهو الذي يضيع فيه ما يضيع فيه، ويختفي ما يختفي. منا قوم موظفون في الحكومة؛ لكن أين القوم الذين تكون الحكومة نفسها موظفة عندهم؟ "اعتذار": بهذا المقال انتهت أحاديث الباشا؛ فقد أنبأنا صاحب السر أنه سيكتم السر ...

стр. 591

المجنون * "١ ": جاء يمشي هادئا يتخيل في مشيته، ويرجف بين الخطوة والخطوة كأنه من كبره يشعرك أن الأرض مدركة أنه يمشي فوقها ... ولا ينقل قدمه إذا خطا حتى ينهض برأسه يحركه إلى أعلى، فما تدري أهو يريد أن يطمئن إلى أن رأسه معه ... أم يخيل إليه أن هذا الرأس العظيم قد وضع على جسمه في موضع راية الدولة، فهو يهزه هز الراية ... وأخذته عيني وليس بيني وبينه إلا طول غرفة وعرضها, فإذا هو زائغ البصر كأنما وقع في صحراء يقلب عينه في جهاتها متحيرًا مترددا، ثم كأنما رفع له في أقصاها جبل فأخذ إلى ناحيته ... ورحبت به، وأجلسته إلى جانبي، فأخذ يستعرف إلي بذكر اسمه وجماعته وبلده، لا يزيد على ذلك شيئا، كأنه عنترة بني عبس, لأرضه من طبيعتها جغرافيا، ومن اسمه جغرافيا حدة ... فلما رآني لا أثبته معرفة قال: "إن بك نسيانًا". قلت: وكثيرا ما أنسى غير أن اسمك ليس من هذه الأسماء التي تذكر بتاريخ. قال: "هذه غلطة الجرائد ... ومهما تنسى من شيء فلا تنس أنك أستاذ "نابغة القرن العشرين"١. فسرحت فيه نظري، فإذا أنا بمجنون ظريف أمرد أهيف, يكاد برخاوته وتفككه لا يكون رجلا، ويكاد يبدو امرأة بجمال عينيه وفتورهما. وتوسمت فإذا وجه ساكن منبسط الأسارير ممسوح المعاني، ينبئ بانقطاع صاحبه مما حوله، كأن دنياه ليست دنيا الناس، ولكنها دنيا رأسه ...

стр. 592

وتأملت فإذا طفولة متلبدة قد ثبتت في هذا الوجه لتخرج من بين الرجل والطفل مجنونا لا هو طفل ولا رجل. وتفرست فإذا آثار معركة بادية في هذه الصفحة، قتلاها أفكار المسكين وعواطفه. وتبينت فإذا رجل مسترخ، متفتر البدن، حائر النفس، كأنه قائم لتوه من النوم فلا تزال في عينه سنة، وكأنه يتكلم من بقايا حلم كان يراه. وخيل إلي من هذا الخمول في هذا الشاب، أن عليه جوا من تثاؤبه، وأن المكان كله يتثاءب، فتثاءبت ... فلما رأى ذلك مني ضحك وقال: إن "نابغة القرن العشرين" رجل مغناطسي عظيم؛ فها هو ذا قد ألقى عليك النوم ... وحسبك فخرا أن تكون أستاذه وأخاه وثقته، "فليس على ظهرها اليوم أديب غيري وغيرك ... ". قلت في نفسي: إنا لله، ما يعتقد الرجل أن على ظهرها مجنونا غيره وغيري، وكأنما ألم بذلك فقال: لست مجنونًا؛ ولكني كنت في البيمارستان ... قلت: أهو البيمارستان الذي يسمى مستشفى المجاذيب؟ قال: لا؛ إن هذا الذي تسميه أنت، هو هو مستشفى المجاذيب؛ أما الذي سميته أنا فهو مستشفى فقط ... وذكرت عندئذ أن من المجانين قوما ظرفاء يدخلهم الفساد في عقولهم من ناحية فكرة ملازمة لا تبرح، فلا يكون جنونهم جنونا إلا من هذا الوجه، وسائر أحوالهم كأحوال العقلاء، غير أنهم بذلك طياشون متقلبون، إذا ازدهي لم يطقه الناس من زهوه وكبريائه وتنطعه، كأنه واحد الدنيا في هذ الفكرة، وكأن بينه وبين الله أسرارًا، ويظن عند نفسه أنه أعقل الناس في أرقى طبقات عقله، وما جنونه إلا في هذه الطبقة وحدها. ومثل هذا لا بد له ممن يستجيب لهذيانه كيما يحرك فيه خفته وطيشه وزهوه، وليكون عنده الشاهد على هذا الوجود الخيالي المبدع الذي لا يوجد إلا في عقله المختل, فإذا هو ظفر بمن يحاسنه، أو يصانعه، أو يجاريه، حسبه مذعنا مؤمنا مصدقا، فلا يدعه من بعدها ويتعلق به أشد التعلق، ويراه كأنه في ملكه ... فيتخذه صفيا وهو يعتقد أنه رقيق، وقد يزعمه أستاذه ليفهمه من ذلك بحساب عقله ... أنه تلميذه.

стр. 593

وخشيت أن يكون "نابغة القرن العشرين" لم يسمني أستاذه إلا بحساب من هذا الحساب، فهو سيعطي الأستاذية حقها، ولكن كما هو حقها في لغة جنونه ... فأصبح في رأيه تلميذه وصنيعته، ومحدث هذيانه، وثقته وملجأه، والمحامي من ورائه. قلت في نفسي: إذا أنا تركته جالسا كان هذا المجلس مثابته من بعد، فلا يعرف له محلا غيره، ويصبح كما يقال في تعبير القانون "محله المختار"، فيتطرأ إلي لسبب ولغير سبب، ويقع في أوقاتي وقوع السهو لا حساب عليه، ويضيع فيه ما يضيع، فأجمعت أن أصرفه راضيا باليأس، وقد انتهت نفسه من معرفتي، وانتهى عقله إلى الرأي أني لا أصلح له أستاذا، لا بحسابه هو ولا بحساب الناس. فقلت له: ظني بك أنك أستاذ نفسك، ولا يحسن بنابغة القرن العشرين أن يكون له في القرن العشرين أستاذا؛ وأراك قد فرغت للأدب، أما أنا فمشغول بأعمال وظيفتي، وقد جاء من العمل ما تراه، وتكاد لا تفي به الساعات الباقية من الوقت و ... فقطع علي وقال: إن الوقت ليس في الساعة؛ والدليل أني أعطلها فيتعطل الوقت، ولا يكون فيها يوم ولا ساعة ولا ثانية ولا دقيقة. فقلت: ولكنك إذا عطلتها لم تتعطل الشمس التي تعين منازل النهار، فسيمر الظهر ويحين العصر و ... قال: ويأتي غد، وإنما أنا معك اليوم فقط ... ويجب أن تغتبط بأنك أستاذ "نابغة القرن العشرين"، فقد قرأت الكثير في الأدب وقرأتك، فما كان لي رأي إلا رأيته لك ... ولا صحت عندي نظرية إلا رأيتك قد أبديتها، وأنا لا أعتقد أدبا في مصر إلا ما توافينا عليه معا "ولا أسلم جدلا، ولا جدلا أسلم أن في مصر أدباء ينالون مني شيئا, فهو أنا وأنا هو"١, ولئن لم يذعنوا "لنابغة القرن العشرين" فليعلمن أنهم "وقعوا مني موقع نملة على صخرة ... هذا من جهة، ومن جهة أريد سجائر وليس معي ثمنها". فتهللت واستبشرت، وقلت له: هذا قرش فهلم فاشتر به دخائنك، وفي رعاية الله، ثم استويت للقيام، ولكنه لم يقم؛ بل تمكن في مجلسه ...

стр. 594

وكرهت أن أتغير له وما أشك أنه في هذا صحيح التمييز؛ فما أسرع ما قال: إن "نابغة القرن العشرين" فتى قوي الإرادة؛ فإذا هو لم يصبر عن التدخين ساعات فما هو بصبور ... وإذا لم يثبت لك هذا الأمر عن معاينة ... فما أعطيته حقه. فقلت في نفسي: لقد غرست الرجل من حيث أردت اقتلاعه، وأيقنت أنه من عقلاء المجانين الذين تتغير فيهم العاطفة أحيانا فتلهمهم آيات من الذكاء لا يتفق مثلها إلا لنوابغ المنطق؛ وذكرت "بهلول" المجنون الذي حكوا عنه أن إبراهيم الشيباني مر به وهو يأكل خبيصًا١ فقال له: أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو لعاتكة بنت الخليفة بعثته إلي لآكله لها ... وقالوا: إنه مر بسوق البزازين فرأى قوما مجتمعين على باب وكان قد نقب، فنظر فيه وقال: أتعلمون من عمل هذا؟ قالوا: لا. قال: فأنا أعلم. فقالوا: هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فألطفوا به لعله يخبركم. ثم قالوا: أخبرنا. قال: أنا جائع. فجاءوه بطعام سني وحلواء؛ فلما شبع قام فنظر في النقب وقال: هذا عمل اللصوص ... وكانت مجلة "الرسالة" في يد "نابغة القرن العشرين"، فوصل الكلام بها وقال: إنه يقرأ كل مقالاتي، وإنه وإنه، وإنها وإنها. قلت: فما استحسنت منها؟ قال: "مقالة السيما" ... فقلت: متى كان آخر عهدك برؤية السيما؟ قال: أمس. قلت: فأنا لم أكتب مقالا عن السيما، ولكنك أعجبت بما رأيت أمس فتحول ما رأيته حلما في مقالة. فأعجبه هذا التأويل وقال: بمثل هذا أنا "نابغة القرن العشرين"، فأقرأ مقالتك في الغيب من قبل أن تكتبها ... قلت: إنك تكثر أن تقول عن نفسك "نابغة القرن العشرين"، وهذا يحصر نبوغك في قرن بعينه؛ فلو قطعت الكلمة وقلت: "نابغة القرن"، لصح أن تكون نابغة القرن التاسع عشر والثامن عشر، وما قبلهما وما بعدهما. فرأيت به شدهة كأنه يفكر في جنونه، ثم أفاق وقال: لا. لا؛ وإن هاهنا موضع

стр. 595

نظر، فلو رضيت بنابغة القرن فقط، لجاء من يقول: إني نابغة قرن خروف ... فقلت في نفسي: حمأة مدت بماء١، وإن هذه الوساوس لا تنفك تعرو هذا المسكين ما وجد من يكلمه؛ والأفكار في ذهنه مجتمعه مختلطة مسترسلة كأنها ثورة من الكلام لا نظام لها، فلأسكت عنه ولأتشاغل بما بين يدي. وسكت وأعرضت عنه؛ فجعل طائفه يعتريه، وكأن السكوت قد سلط أفكاره عليه، وكأنها أخذت تصيح به في رأسه كما يصيح غلمان الطرق بالمجنون، لا يزالون به حتى يحردوه ويفقدوه البقية من صبره وعقله معا. فغضب "نابغة القرن العشرين" ونقله الغضب إلى حالة زمهرت فيها عيناه٢، وكلح وجهه حتى خفت أن يثور به الجنون، فأقبلت عليه وتعللت بسؤاله: ألك إخوة؟ ألم ينبغ فيهم نابغة؟ قال: إن له أخا يعذبه، ويوقع به ضربا، ويعلله بالسلاسل، ويشده "بأمراس كتان إلى صم جندل"، وأنه أنزل به العذاب ما لو أنزله بحجر لتألم. قلت: فأنت في حاجة إلى راحة، ويحسن بك أن تأوي إلى مكان تتمدد فيه. قال: إني منصرف وسأجلس في ندي كذا٣ "هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن القهوة". قلت: فهذا قرش تدفعه ثمنا لها، فاذهب فاستمتع بها وبالتدخين وبالراحة في ذلك الندى، فالمكان ههنا كثير الضجيج والحركة. واستوفزت للقيام؛ ولكنه لم يتحلحل من مجلسه. ثم قال: أراك الآن مستبصرًا أني "نابغة القرن العشرين" بعينه. قلت: بل بعينيه اليمنى واليسرى معًا ... قال: لا. لا؛ إنك نسيت أن العرب تقول في التوكيد: عينه ونفسه وذاته. "أي أنا نابغة القرن العشرين بعينه ونفسه وذاته، فليس غيري نابغة القرن العشرين". وكادت نفسي تخرج غيظا، ولكني رأيت الحلم على مثل هذا يجري مجرى

стр. 596

الصدقة؛ وقلت: إن أدباء المجانين كثيرًا ما يتفق لهم الإبداع الطريف إذا عللوا شيئا، كذلك القاص الذي كان يقص على العامة سيرة يوسف ﵇ فقال لهم فيما قال: إن الذئب الذي أكل يوسف كان اسمه كذا، فردوا عليه: إن يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا هو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف. فقلت للمجنون: فما العلة عندك في أن العرب لم يقولوا في التوكيد: عينه وأذنه وأنفه وفمه ويده ورجله؟ فنظر نظرة في الفضاء ثم قال: ليسوا مجانين فيخلطوا هذا الخلط، وإلا وجب أن يقولوا مع ذلك: وعمامته وثوبه ونعله وبعيره وشاته ودراهمه. "هذا من جهة، ومن جهة ليس معي أجرة السيارة إلى بلدي وهي قرشان". قلت: هذه هي أجرة السيارة وصحبتك السلامة، ونهضت واقفًا؛ ولكنه لم يتحرك. ثم قال: إنك لم تعرف بعد "أني أقول الشعر في الغزل والنسيب والمدح والهجاء والفخر؛ وأني في الخطابة قس بن ساعدة أو أكثم بن صيفي، وأني صخر لا ينفجر ... يابس لا ينعصر، لست كالحجاج بل كعمر". قلت: هذا شيء يطول بيننا ولا حاجة لك بهذه البراهين كلها، فقد آمنت أنك نابغة القرن العشرين في الأدب والشعر والخطابة والترسل. قال: والفلسفة؟ قلت: والفلسفة وكل معقول ومنقول؛ وقد انتهينا على ذلك. قال: ولكنك تحسبني مجنونا أو ممرورًا "كما حسبتني الجرائد التي زعمت أن اختفائي في البيمارستان كان لجنوني الفكري أو لذكائي الطبيعي، وهو الأصح ... فبين لهذه الجرائد أني خرجت، وأني سأطبع الأدب بطابع جديد". قلت: ولكني لست مراسل جرائد. قال: "فاجعلني رسالة وراسلها عني أو أكتب لك أنا ما ترسله، وما جئتك إلا لهذا؛ ويجب أن تلحقني بجريدة كبيرة، وهذه الجرائد تعرفني كلها، وقد تناولتني من جميع النواحي الأدبية؛ فضلا عن أني كاتب فذ، وخطيب فذ، وشاعر فذ, وهذا قليل من كثير، فهل أعول عليك في صلتي بالجرائد أو لا؟ ". قلت: إنك تعرفهم ويعرفونك، وقد بلوتهم وبلوا منك، فلست في حاجة إلي عندهم.

стр. 597

قال: إنهم يخشون بأسي، وقد حسبوني مجنونًا استهوته الشياطين؛ وما علموا أن شيطان الشعر هو الذي استهواني، كما أن شيطان الحب هو الذي استهواك ... هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن الغداء، ولا أكلفك شيئا ... ". قلت: فهذا قرش للغداء في مطعم الشعب، وهم الآن يتغذون ويوشك إذا أبطأت أن توافقهم وقد استنفدوا الطعام، وأنت لا تجهل أن القرش في مطعم الشعب هو قرشان في القيمة. قال: صدقت؛ يوشك أن أوافقهم وقد فرغوا من طعامهم وغسلوا الآنية. فلأبق هذا للعشاء وسأطوي إلى الليل. قلت: فمعك الآن ثمن الدخان، والقهوة، والغداء، وأجرة السيارة إلى بلدك. وقد كان نابغة القرن الثالث للهجرة واسمه "طاق البصل"١ يغني بقيراط ولا يسكت إلا بدانق. هذا من جهة، ومن جهة فخذ هذا القرش ثمنا لسكوتك وانصرف. فشق ذلك عليه وقام مغضبا وتنفست بعده الصعداء الطويلة ... وفتحت النافذة واستقبلت الهواء النقي وأخذت في رياضة التنفس العميق، ثم زاغت عيني إلى الباب؛ فإذا "نابغة القرن العشرين" مقبل مع نابغة قرن آخر ...

стр. 598

المجنون "٢ ": رأيت المجنونين يدخلان معا، فكأنما سدا الباب وسوياه بالبناء وتركا الغرفة حائطا مصمتا لا باب فيه، مما اعتراني من الضيق والحرج، وقلت في نفسي: إنه لا مذهب للعقل بين هذين إلا أن يعين كلاهما على صاحبه، فأرى أن أدعهما وأكون أنا أصرفهما؛ ويا ربما جاء من النوادر في اجتماع مجنونين ما لا يأتي مثله من عقلين يجتمعان على ابتكاره؛ غير أني خشيت أن أكون أنا المجنون بينهما, ثم لا آمن أن يثب أحدهما بالآخر إذا خطرت به الخطرة من شيطانه، فرأيت أن يكون لي ظهير عليهما، إن لم يحق به العون فلا أقل من أن يطول به الصبر ... وكان إلى قريب مني الصديق "ا. ش"* فأرسلت في طلبه. أما هذا المجنون الثاني الذي جاء به "نابغة القرن العشرين" فقد رأيته من قبل، وهو كالكتاب الذي خلطت صحفه بعضها في بعض فتداخلت وفسد ترتيبها، وانقلب بذلك العلم الذي كان فيها جهلا وتخليطا، يثب الكلام بعد كل صفحة إلى صفحة غريبة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها. وهو طالب أزهري كان أكبر همه أن يصير حافظا كالحفاظ الأقدمين من الرواة والفقهاء، فجعل يستظهر كتابا بعد كتاب ومتنا بعد متن؛ وكانت له أذن واعية، فكل ما أفرغ فيها من درس أو حديث أو خبر، نزل منها كالنقر على آلة كاتبة، فينطبع في ذهنه انطباع الكتابة: لا تمحى ولا تنسى. ثم التاث هذه اللوثة وهو يحفظ متنا في فقه الشافعي "﵁"، فغبر سنين يتحفظه، كلما انتهى إلى آخره نسيه من أوله؛ فيعود في حفظه وربما أثبت منه الشيء بعد الشيء ولكنه إذا بلغ الآخر لم يجد معه الأول؛ فلا يزال هذا دأبه لا

стр. 599

يمل ولا يجد لهذا العناء معنى، ولا يزال مقبلا على الكتاب يجمعه، ثم لا يزال الكتاب يتبدد في ذاكرته. وترك المعهد الذي هو فيه وتخلى في داره للحفظ، وأجمع ألا يدع هذا المتن أو يحفظه، كأن فيه الموضع الذي فارقه عقله عنده، وبذلك رجع المسكين آلة حفظ ليس لها مساك؛ وأصبح كالذي يرفع الماء من البحر، ثم يلقيه في البحر، لينزح البحر ... وجاء "ا. ش" فقلت له، وأومأت إلى المجنون الأول: هذا نابغة القرن العشرين. قال: وهل انتهى القرن العشرون فيعرف من نابغته؟ فقلت: للمجنون: أجبه أنت. فسأله: وهل بدأ القرن الواحد والعشرون؟ قال: لا. قال: فإن هذا الذي إلى جانبي نابغة القرن الواحد والعشرين ... فكما جاز أن يكون هو نابغة قرن لم يبدأ، جاز أن أكون أنا نابغة قرن لم ينته. قلت: ولكنك زدت المشكلة تعقيدا من حيث توهمت حلها؛ فكيف يكون معك في آن وبينك وبينه خمس وستون سنة؟ فنظر نظرة في الفضاء، وهو كلما أراد شيئا عسيرًا نظر إلى اللاشيء. ثم قال: هذه الأمور لا تشتبه إلا على غير العاقل ... وكيف لا يكون بيني وبينه خمس وستون سنة وأنا أتقدمه في النبوغ بأكثر من علم العلماء في خمس وستين سنة؟ قلت للآخر: أكذلك؟ قال: مما حفظناه عن الحسن: أدركنا قوما لو رأيتموهم لقلتم: مجانين. ولو أدركوكم لقالوا: شياطين. فضحك الأول وقال: إنه تلميذي. قال الثاني: لقد صدق فهو أستاذي، ولكنه حين ينسى لا يذكره غيري ... قلت: لا غرو "فمما حفظناه" عن الزهري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل ... فغضب نابغة القرن العشرين وقال: ويح لهذا الجاهل، الأحمق، الجاحد للفضل، مع جنونه وخبله، أيذكرني وهو منذ كذا وكذا سنة يحفظ متنا واحدا لا

стр. 600

يمسكه عقله إلا كما يمسك الماء الغرابيل؟ صدق -والله- من قال: عدو عاقل خير, خير, خير, فقال الثاني: خير من صديق جاهل، ها أنا ذا قد ذكرتك من نسيان، وها أنت ذا رأيت. فضحك النابغة وقال: ولكني لم أرد أن أقول هذا، بل أريد أن أؤلف كلاما آخر ... عدو عاقل خير، خير، خير، خير من مجنون جاهل ... ورأيت أن في التقاء مجنونين شيئا طريفا غير جنونهما، وصح عندي أن المجنون الواحد هو المجنون؛ أما الاثنان فقد يكون من اجتماعهما وتحاورهما فن ظريف من التمثيل، إذا وجدا من يصرفهما في الحديث، ويستخرج ما عندهما، ويستكشف منهما قصتهما العقلية ... ولم أكن أعرف أن "نابغة القرن العشرين" من المجانين الذين لهم أذن في غير الأذن، وعين في غير العين، وأنف بغير الأنف؛ إذ تتلقى أدمغتهم أصواتا وأشباحا وروائح من ذات نفسها لا من الوجود، وتدركها بالتوهم لا بالحاسة، فتتخلق هواجسهم خلقا بعد خلق، وتخطر الكلمة من الكلام في ذهن أحدهم فيخرج منها معناها يتكلم في دماغه أو يمشي أو يلاطفه أو يؤذيه أو يفعل أفعالا أخرى. وبينا أنا أدير الرأي في إخراج فصل تمثيلي من الحوار بين هذين المجنونين١، إذ قال "نابغة القرن العشرين": صه، إن جرس "التلفون" يدق. قال "ا. ش": لا أسمع صوتا، وليس ههنا "تلفون". فاغتاظ المجنون الآخر وقال: إنك تتقحم على النوابغ ولست من قدرهم، وما عملك إلا أن تنكر؛ والإنكار، ويلك، أيسر شيء على المجانين وأشباه المجانين، والعامة وأشباه العامة؛ وقد أنكرت نبوغه آنفا، وأراك الآن تنكر "تلفونه" ... قال "ا. ش": وأين "التلفون" وهذه هي الغرفة بأعيننا؟ فضحك "نابغة القرن العشرين" وقال: صه -ويحك- لقد خلطت علي؛ إن الجرس يدق مرة أخرى، وأنا لا أريد أن أكلمها حتى يطول انتظارها، وحتى تدق ثلاث مرات، وأخشى أن تكون قد دقت الثالثة وذهب رنينها في صوتك ولغطك ...
следующие страницы →