← Общие книги

Общие книги · id 11756

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي

محمد البهي

Полный текст (485 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في القرآن والسنة في فترات متتابعة، كصورة تبعد وتقرب من مصدري الإسلام، ولكنها على كل حال ليست مصدرا للإسلام كالقرآن والسنة!! يقول الشيخ محمد عبده في ذلك: "عند النظر في أي دين، للحكم له أو عليه في قضية من القضايا، يجب أن يؤخذ ممحصا مما عرض عليه من بعض أهله، أو محدثاتهم التي ربما تكون جاءتهم من دين آخر! فإذا أريد أن يحتج بقول أو عمل لأتباع ذلك الدين في بيان بعض أصوله، فليؤخذ في ذلك بقول أو عمل أقرب الناس إلى منشأ الدين، ومن تلقوه على بساطته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه"١. فالحكم إذن بالتفرقة بين "جمال الدين" و"محمد عبده"- فيما عدا الوسيلة والطريق- يحتاج إلى قليل أو كثير من البحث والاختبار. وربما يقال: إن الشيء الذي واجهه جمال الدين ومحمد عبده من دراسات علماء الغرب للإسلام، كحلقة من حلقات الاعتداء على الإسلام، وكسبب من أسباب رد الفعل في استمرار الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، متجهة هذا الاتجاه المناوئ للغرب المسيحي ... قد واجه ابن تيمية من قبل في وقته، وكان سببا أن يؤلف كتابه "الرد الصحيح على من بدل دين المسيح"!. ولكن واقع الأمر أن الذي كتبه ابن تيمية هذا ليس ردا على هجوم باسم الدراسات الإسلامية موجه للإسلام ... وإنما هو تقدير للمسيحية في أناجيلها الأربعة من وجهة نظره الإسلامية. وأخيرًا ... إن كلا من محمد عبده وجمال الدين نادى بإحياء الكتب القديمة, وبالأخص تلك التي تمثل "الأصالة" والإمامة في الرأي والفهم ... ترى هل كان حدبهما على إحياء هذه الكتب رد فعل لصنيع المدارس التبشيرية والإرساليات الثقافية الغربية المسيحية التي انتشرت في شاطئ

стр. 142

الشام "لبنان" على البحر الأبيض المتوسط على أثر الحروب الصليبية، وفي مصر بعد حملة نابليون؟ وهي التي حاولت فيما بعد أن تجعل اللغة "العامية" اللغة الأولى في الكتابة والحديث للبلاد العربية، وبذلك تحول هذه اللغة العامية -بعد انتشارها على مر الزمن -دون تلاوة القرآن وفهمه؟؟.. كما حاولت أيضا أن تضع حدا فاصلا بين التراث الماضي للفكر الإسلامي والجماعة الإسلامية، عن طريق تمجيد الجديد؛ لأنه جديد، والحط من قيمة القديم؛ لأنه قديم؟ وكما أن محمد عبده يتميز عن جمال الدين في التعاليم المشتركة بينهما على النحو السابق، يتميز عنه هنا في جانب إحياء التراث العربي الإسلامي القديم بنفس الطريقة التي تميز بها من قبل ... فقد ضرب المثل العملي في هذا الجانب ولم يقف عند حد المطالبة بتحقيقه من الوجهة النظرية، بل أضاف إلى المطالبة بذلك أن أخرج عدة كتب قديمة، كما شرح عددا آخر منها.

стр. 143

الباب الثالث: التجديد في الفكر الإسلامي اتجاه الفكر الإسلامي منذ بداية القرن العشرين ... اتجاه الفكر الإسلامي منذ بداية القرن العشرين: منذ نهاية القرن التاسع عشر.. بعد وفاة "جمال الدين الأفغاني"، وبعد أن توفر الشيخ "محمد عبده" على ما سماه الإصلاح الديني، وبعد أن ظهر "مصطفى كامل" كزعيم لحركة المقاومة السياسية.. اتجه الفكر الإسلامي المقاوم للاستعمار الغربي هنا في رقعة الشرق الأدنى إلى شعبتين: - الشعبة الأولى: اتجهت إلى التعبئة الروحية والإصلاح، عن طريق عرض الإسلام عرضا واضحا، والعمل على جعله أساسا في التربية الوطنية، وسبيل ذلك إصلاح الأزهر، وإحياء الكتب القديمة.. وقد مثلت المدرسة "السلفية" التي قادتها مجلة "المنار" هذه الشعبة بعد وفاة الشيخ محمد عبده. - والشعبة الثانية: اتجهت إلى تعبئة الحماس القومي في الجيل الناشئ، عن طريق: الصحافة، والاجتماعات العامة، ثم عن طريق تأسيس "الجامعة المصرية"، بسعي من مصطفى كامل نفسه. ففكرة "الجامعة المصرية" وجدت أولا لخدمة القضية المصرية، وهي قضية التحرر من الاستعمار الغربي، وتفكير "الجامعة"، هو نوع من التفكير يتجه إلى مقاومة الاستعمار الغربي عن طريق تخريج أحرار في التوجيه غير خاضعين لنظام التعليم الرسمي إذ ذاك، وهو نظام وضعه الاحتلال البريطاني، ولم تزل رواسب هذا النظام باقية في اتجاه المدرسة المصرية إلى وقت قريب. ورؤي إذ ذاك -لتحقيق هدف "الجامعة"- أن يبعد بها عن الطابع الرسمي والإشراف الحكومي، وأنشئت بهذا الطابع سنة ١٩٠٨م، واستمرت بعيدة عن الإشراف الحكومي فترة طويلة من الزمن، إلى أن ضمها "علي ماهر" في سنة ١٩٢٥م إلى التعليم الحكومي، على أن يحتفظ باستقلالها.

стр. 144

وفي جو "الجامعة". وفي داخل الاتجاه السياسي "القومي" الذي يعد متوازيا مع اتجاه "الإصلاح الديني"، إذ كلاهما يهدف إلى مقاومة الاستعمار الغربي. في هذا وذاك، قام ما يعرف بـ"التجديد والمجددين"، أو ما يصح أن يطلق عليه: "الفكر الإسلامي المغرب" Westernized إنه ذلك الفكر في المجتمع الإسلامي الذي يسير في اتجاه الفكر الغربي، أو بمعنى أدق ذلك الفكر الذي يسير إما في اتجاه "الاستشراق" وتوجيه الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية, أو في الاتجاه "الطبيعي" العلمي هناك. يقول المستشرق الإنجليزي "جب" في تحديد هذين الاتجاهين١: إن النتائج التي أعقبت نشاط الشيخ عبده اتجهت بعده إلى اتجاهين متقابلين: - فمن جانب نشأ محيط "مدني" في التفكير: صور على أنه "التجديد". وهو يقوم على الاحتفاظ بالعقيدة الإسلامية، ولكنه متأثر في قوة بالأفكار الغربية.. والمثل التقدمي لهذا التجديد يميل إلى "العلمانية" التي تهدف إلى فصل "الدين" عن "الدولة"، والاستعاضة بالنظام الغربي "للقانون" عن الشريعة الإسلامية. "وقد طبقت مبادئ "العلمانية" في تركيا بعد إلغاء الخلافة العثمانية في سنة ١٩٢٤م ... وفيما عدا تركيا من البلاد الإسلامية يجد هذا الاتجاه سندا قويا له، ولكن مع موقف معتدل بعض الاعتدال من المؤسسات والتقاليد الإسلامية، ومهما كانت نظرات المشجعين "للعلمانية" في البلاد الإسلامية إلى القانون والسياسة، فموقفهم التوجيهي يمكن أن يخلص: - في الرفض العام لتعاليم القرون الوسطى "في الإسلام! " كسلطة لا تعقيب عليها. - وفي الاحتفاظ بالحرية الإنسانية في تقدير الأشياء، وفي كون العقل وحده هو الفيصل في ذلك -"وليس الإسلام"!!

стр. 145

- ومن جانب آخر تكون حزب ديني، يسمي نفسه بـ"السلفية"، وهو يتفق مع الاتجاه العلماني في رفض سلطة تعاليم القرون الوسطى، ولكن مع قبول القرآن والسنة، كأساس للفصل في الحقائق الدينية. "وهؤلاء السلفيون في مقابل المجموعة العظمى من علماء الأزهر يعتبرون مصلحين، وفي مقابل المجددين أو العلمانيين: يرفضون مذهب "الحرية العقلية" الذي هو وليد الغرب.. وكان زعيم هذا الاتجاه الإصلاحي السلفي تلميذ الشيخ عبده محمد رشيد رضا السوري الذي توفي سنة ١٩٣٥م". فالتجديد إذن -في رقعة الشرق الأدنى- منذ بداية القرن العشرين: هو محاولة أخذ الطابع الغربي، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أو في تحديدهم لمفاهيمه ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية: يقول صاحب "مستقبل الثقافة في مصر": "فهي -أي: مصر- إنما أنشأت تلك الجامعة لترتفع بالشباب المصري عن ذلك التعليم الآلي الذي فرضته عليهم الظروف، ولترقى بهم إلى تعليم حر مستقل، يهيئهم أو يهئ بعضهم على الأقل ليكونوا علماء أحرارًا مستقلين! والظاهر أن مصر لا تريد أن تعبث ولا أن تهزل حين تقرر أنها تريد أن يكون من شبابها علماء أحرارًا مستقلون، يشبهون أمثالهم في الأمم الأخرى، ويثبتون لهم، ويشاركونهم في الإنتاج العلمي الحر المستقل الذي لا تقوم الحضارة بدونه، ولا تستطيع أن تثبت ولا أن تنمو إلا إذا اتخذته لها أساسًا"١!! كما يقول: "الجامعة تمثل العقل العلمي، ومناهج البحث الحديثة، وتتصل اتصالا مستمرا بالحياة العلمية الأوروبية، وتسعى إلى إقرار مناهج التفكير الحديث شيئا فشيئا في هذا البلد"٢!!

стр. 146

وصاحب مستقبل "الثقافة في مصر" يذهب في طلب الأخذ عن الغرب وسلوك طريقهم في البحث والتعليم إلى أن يبتدأ بذلك منذ مرحلة التعلم الثانوي ولهذا يوصي بتعليم اللغتين "اللاتينية واليونانية" في مرحلة هذا التعليم قبل الجامعة ضمانا لمساوقة الغرب والسير معه في اتجاه واحد؟! ويرى أن ما سلكه الغرب، يجب أن تسلكه مصر في طريقها التجديدي ... ومن ذلك تعليم اللغتين اللاتينية واليونانية في التعليم الثانوي، قبل العالي؟ يقول: "إذا كان كل هذا حقا، فليس على مصر إلا أن تنظر إلى الأمم الحية الراقية: كيف تسلك طريقها إلى تكوين العلماء الأحرار المستقلين، ثم تسلك نفس هذا الطريق التي تسكلها هذه الأمم"١. "إن التعليم العالي الصحيح لا يستقيم في بلد من البلاد الراقية إلا إذا اعتمد على اللاتينية واليونانية على أنهما من الوسائل التي لا يمكن إهمالها ولا الاستغناء عنها، فدرس اللاتينية واليونانية في الجامعة لا يغني عن درسها في المدارس العامة بل استلزاما"٢. وقد أوضح المؤلف مرة أخرى معنى هذا "التجديد" في موضع آخر: "ولكن السبيل إلى ذلك واحدة فذة ليس لها تعدد ... وهي: أن تسير سير الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"٣. فإذا كنا نريد هذا الاستقلال العقلي والنفسي، الذي لا يكون إلا بالاستقلال العلمي والأدبي والفنى، فنحن نريد وسائله بالطبع.. ووسائله:

стр. 147

أن نتعلم كما يتعلم الأوروبي ... "ولنشعر كما يشعر الأوروبي، ولنحكم كما يحكم الأوروبي، ثم لنعمل كما يعمل الأوروبي، ونصرف الحياة كما يصرفها"١!! فتجديد الفكر في المجتمع الإسلامي هنا، دعوة إلى مسايرة الأوروبيين: في تفكيرهم وفي خطواتهم في الحياة، وفي فصل الدين عن السياسة، وفي إبعاد الدين واللغة عن مجال الترابط ... "ومن المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين، ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للوحدة السياسية، ولا قواما لتكوين الدول"٢. والأساس الذي قامت عليه فكرة "التجديد" على هذا النحو، عند صاحب "مستقبل الثقافة في مصر" هو أن العقلية المصرية عقلية أوروبية، أو قريبة قربا شديدا من الأوروبية، ولها اتصال وثيق بالعقلية اليونانية، وبعيدة كل البعد عن العقلية الشرقية؟! وهي منذ قديم الزمان -منذ العهد الفرعوني- لم تتأثر بالطارئ عليها في أي عصر، فلم تتغير بالفرس ولا بالرومان، ولا بالعرب أو الإسلام ... يقول: "وأنا -من أجل ذلك- مؤمن بأن مصر الجديدة لن تبتكر ابتكارًا, ولن تخترع اختراعًا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة "الفرعونية! " ... وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون أقل امتداد صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتهالك الضعيف، ومن أجل هذا لا أحب أن نفكر في مستقبل الثقافة في مصر إلا على ضوء ماضيها البعيد "الفرعوني"، وحاضرها القريب "وهو الاتجاه الحر في التفكير". "ومعنى هذا كله واضح جدا: وهو أن العقل المصري "القديم"، لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر، ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وأنه عاش معه عيشة حرب وخصام. "معنى ذلك أن العقل المصري قد اتصل من جهة بأقطار الشرق القريب "الشام وفلسطين والعراق" اتصالا منظما مؤثرا في حياته ومتأثرا، واتصل من جهة أخرى بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى اتصال تعاون وتوافق

стр. 148

وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد ... إن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط، وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها مع شعوب البحر الأبيض المتوسط"١. "فأما المصريون أنفسهم فيرون أنهم شرقيون، وهم لا يفهمون من الشرق معناه الجغرافي اليسير وحده، بل معناه العقلي والثقافي, فهم يرون أنفسهم أقرب إلى الهندي والصيني والياباني، منهم إلى اليوناني والإيطالي والفرنسي؟. وقد استطعت أن أفهم كثيرا من الخطأ، وأسيغ كثيرا من اللغط، وأفسر كثيرا من الوهم، ولكني لم أستطع قط ولن أستطيع في يوم من الأيام أن أفهم هذا الخطأ الشنيع، أو أسيغ هذا الوهم الغريب"٢! "وكانت مصر من أسبق الدول الإسلامية إلى استرجاع شخصيتها القديمة"؟ " التي لم تنسها يوما من الأيام ... فالتاريخ يحدثنا بأنها قاومت الفرس أشد المقاومة وبأنها لم تطمئن إلى المقدونيين حتى فنوا فيها، وأصبحوا من أبنائها واتخذوا تقاليدها وسننها لهم تقليدا وسننا؟ ". "والتاريخ يحدثنا كذلك، بأنها قد خضعت لسلطان الإمبراطورية الرومانية الغربية والشرقية على كره مستمر ومقاومة متصلة، فاضطر القياصرة إلى أخذها بالعنف وإخضاعها للحكم العرفي! ". "والتاريخ يحدثنا كذلك، بأن رضاها عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط، ولم يخلص من المقاومة والثورة، وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ظل ابن طولون، وفي ظل الدول المختلفة التي قامت بعده". "فالمسلمون إذن فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة. وهو: أن السياسة شيء والدين شيء آخر، وأن نظام الحكم وتكوين الدول فإنما يقومان على المنافع العملية، قبل أن يقوما على شيء آخر".

стр. 149

"وهذا التصور هو الذي تقوم عليه الحياة الحديثة في أوروبا. فقد تخففت أوروبا من أعباء القرون الوسطى، وأقامت سياستها على المنافع الزمانية، لا على الوحدة المسيحية، ولا على تقارب اللغات والأجناس"١! "فأما الآن وقد عرفنا تاريخنا، وأحسسنا أنفسنا، واستشعرنا العزة والكرامة، واستيقنا أن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق في الجوهر، ولا في الطبع، ولا في المزاج، فإني لا أخاف على المصريين أن يفنوا في الأوروبيين"٢. وفيما نقلناه هنا من "مستقبل الثقافة في مصر"، خاصا بالأسباب التي تدعوه إلى فهم "التجديد" على أنه مسايرة للغربيين في كل شيء، أشار المؤلف إلى شيئين: - إلى أن اتصال العقل المصري القديم بالعقل اليوناني كان اتصال تعاون وتوافق، وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن، والسياسة، والاقتصاد ... ويوضح هذا التفاعل نصف منقول عن مولانا "محمد علي" في تعليقه على ترجمة القرآن الكريم٣ ... يقول: "في سنة ٣٣٢ قبل الميلاد فتح الإسكندر مصر، وبنى مدينة الإسكندرية، ومن هذا التاريخ ظهرت مرحلة جديدة في ثقافة مصر، فقد اختلطت الثقافة المصرية بالفكر الإغريقي وغيره، وأصبحت في طبيعتها ثقافة عالمية. "وفي وقت هيرودوث تأثر العقل الإغريقي الحساس بـ"الأسرار" والحكمة المصرية". وبهذا صارت أرض مصر عالمية في: الدين، والثقافة، والفلسفة. "وبعد أن ضمت مصر في سنة ٣٠ قبل الميلاد إلى الإمبراطورية الرومانية، أصبحت عبادة الآلي "المصري" Serapis شائعة في قلب الإمبراطورية الرومانية".

стр. 150

فالعقل المصري القديم إذن، كان عقل السحر والحكمة، وعابدا للإله Serapis وقد بقي هذا العقل دون أن يتفاعل في انسجام مع الثقافة العربية الإسلامية.. ولذا كانت مصر أسبق الدول الإسلامية إلى استرجاع شخصيتها القديمة التي لم تنسها يوما من الأيام، ولم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ظل "ابن طولون"، وفي ظل الدول المختلفة التي قامت بعده. - الأمر الثاني الذي أشار إليه صاحب "مستقبل الثقافة في مصر" في هذا المقام هو: أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد، بأن وحدة الدين ووحدة اللغة، لا تصلحان أساسا للوحدة السياسية، ولا قواما لتكوين الدول، والمسلمون من أجل هذا فطنوا منذ عهد بعيد إلى أن السياسة شيء والدين شيء آخر، وأن نظام الحكم وتكوين الدول، إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على شيء آخر، وهذا أصل من أصول الحياة الحديثة! ولا أدري إذا كان المؤلف١ لا يزال يرى الآن أن الترابط بين الجامعة العربية على أساس من اللغة العربية والتاريخ العربي المشترك يمكن أن يستثنى من هذا الأصل للحياة -أي: إلغاء اللغة ووحدتها، والدين ووحدته- في ترابط الشعوب وتكوين الدول؟ ولعلهما إذا ألغي اعتبارهما في الترابط في الشعب الواحد وتكوينه، فالغاؤهما أولى في الترابط بين جماعات عديدة ودول متفرقة! وعلى كل حال ... نخلص مما قاله هنا إلى أن التجديد هو أخذ كل ما عند الغربيين من فكر، ومنهج للبحث، وحضارة، وعادات، وتقليد في فصل الدين عن السياسة ... إلخ. و"التجديد" يرى أن ذلك هو الذي يناسب العقلية المصرية التي لم تتغير بأحداث الشرق الثقافية، وفي مقدمتها الفتح الإسلامي العربي وبقيت على وضعها القديم الفرعوني في انسجام وتعاون مع العقلية اليونانية، وعقلية البحر الأبيض المتوسط.

стр. 151

فـ"التجديد" في الفكر الإسلامي الحديث في رقعة الشرق الأدنى محاولة -لا احتياط فيها- لمتابعة التفكير الأوروبي: في اتجاهه، وفي أحكامه، وفيما فصل فيه من مشاكل الحياة، وفي مدارسه.. ومكان هذا التجديد المختار هو "الجامعة المصرية"، والقائمون على أمرهم "العلماء الأحرار المستقلون"!! ويتحدث صاحب "مستقبل الثقافة في مصر"، عن "الأزهر" في سخرية، وفي تحريض للقائمين بأمر الحكم على أن لا يحفلوا بأمره ولا برأي رجاله. "فلا هو -الأزهر- كسب من حرية الرأي، ولا هو حصل من العلم الحديث، ولا هو عرف من اللغات السامية، ولا هو أتقن من علوم اللغة العربية نفسها ولا آدابها ما يؤهله لهذا الإشراف، فضلا عن أن يجعل إشرافه -على اللغة العربية- نافعًا مفيدًا"١. "يجب أن ننظر إلى اللغة العربية نظرة مدنية صريحة، وأن نعالج أمورها كلها على هذا النحو، في غير تردد ولا اضطراب، وفي غير خوف ولا إشفاق! "إننا انتهينا إلى عصر يجب أن تكسد فيه سوق التجارة باتهام الناس بالخروج على الدين"٢. "فقد أحسن المشرفون على شئون التعليم منذ أكثر من نصف قرن، أن تعلم اللغة العربية يحتاج إلى كثير من العناية، ليصبح ملائما للتقدم الذي ظفرنا به في التعليم المدني؟ وأحسوا أن "الأزهر" لا يستطيع أن ينهض بهذه المهمة، لمكانه حينئذ من الإسراف في المحافظة، والامتناع عن التجديد، والعجز عن أن يسيغ العلم الحديث، بل عن أن يقبل التفكير فيه"٣!

стр. 152

ويذكر المؤلف -بطريق ضمني- عجز "الأزهر" عن الصلاحية للإشراف على الدراسات الإسلامية، في قوله: "وليس من شك في أن طبيعة الحياة العصرية، تقتضي أن تعنى "كلية الآداب" عناية خاصة بالدراسات الإسلامية على نحو عملي صحيح؛ لأن "كلية الآداب" متصلة بالحياة العلمية الأوروبية، وهي تعرف جهد "المستشرقين! " في الدراسات الإسلامية؟ ومن الحق عليها أن تأخذ بنصيبها من هذه الدراسات، لتلائم بين جهود مصر التي ترى لنفسها زعامة البلاد الإسلامية وبين جهود الأمم الأوروبية". طابع التفكير الغربي: أما التفكير الغربي الذي يجب أن يتبع هنا في مصر في منهجه، وفي أحكامه ... في موضوعات البحث، شرقية أو غربية، باسم "التجديد" ... فهو ليس إلا تفكير "القرن التاسع عشر" يومئذ! يجب أن يتبع هذا التفكير منذ أن نشأت حركة "التجديد" في مصر، وتولت زعامتها "الجامعة المصرية" وباشرت هذه الزعامة "كلية الآداب"، أو أريد لها أن تباشرها، ومنذ دعا لهذه الحركة التجديدة صاحب "مستقبل الثقافة في مصر"!. والتفكير الغربي في "القرن التاسع عشر"، هو التفكير المادي الطبيعي الذي انتهى بالأوروبيين إلى ذروة الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية، ولبلاد المواد الأولية في إفريقيا وآسيا للصناعة الأوروبية، ثم إلى قيام الشيوعية الروسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٧م! وهذا التفكير المادي يقوم جملة على تمجيد القوة المادية والمظاهر الحضارية الآلية والتفسير الاقتصادي للتاريخ البشري، كما يقوم على التقليل من شأن الروحية الدينية والمثالية الإنسانية، أو الدينية الأخلاقية! فـ"التجديد الفكري في مصر"، أو الفكر الإسلامي "المغرب"، أخذ نفس الطابع، واحتكم إلى نفس المقاييس التي يحتكم إليها تفكير "القرن التاسع عشر" وهو ما يسمى باتجاه الماديين العلمييين، أو التفكير المادي الطبيعي؟ وانزلق هذا "التجديد" في مصر، بشعور أو بدون شعور إلى نفس الهدف الذي هدف إليه ذلك التفكير ... وهو تمجيد القوة المادية، والتقليل من شأن الروحية أو المثالية الإنسانية؟

стр. 153

و"الغرب" قد مجد القوة المادية يومئذ؛ لأنه يمتلكها.. وخفف من وزن الروحية والمثالية الإنسانية؛ لأنه لا يريد في الجانب العملي أن يسلك مع الشعوب التي استعمرها نفس السلوك الخاص بأصحاب القوة المادية وهم الأوروبيون، كما تحتم ذلك الروحية الدينية أو المثالية الإنسانية١؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى رأى "الغرب" في ضعف الشعوب المستعمرة -وهي الشعوب الإسلامية في رقعة العالم الإسلامي- فرصة يربط فيها بين مظاهر الضعف عندهم وبين "ثقافتهم" ومصدر هذه الثقافة، حتى يحول في وقت ما -قرب أو بعد هذا الوقت- بينهم وبين التمسك بهذه "الثقافة" واحتضانها؟ كما رأى في ضعف هذه الشعوب نفسها فرصة أخرى للتنفيس عن "الصليبية" التي دفعته فيما مضى، وبتحريض من الكثلكة والكنيسية الغربية، إلى الاعتداء على البلاد الإسلامية مدة ثلاثة قرون تقريبا باسم الصليب، دون أن يحصل على هدفه الأصلي وهو طرد المسلمين من بيت المقدس، وإبعاد السيادة الإسلامية عن "مزار المسيحية"، ودون أن يحصل على مغنم آخر سريع إذ ذاك؟ وفي مجال التنفيس الصليبي جال "الاستشراق" جولته هنا في بحث الإسلام وعرض تعاليمه.. جال جولته باسم البحث العلمي والمعرفة العقلية، وصيانة تراث الإنسانية الماضي؟

стр. 154

أثر الحملة الصليبية في تشويه الإسلام: يحدثنا صاحب كتاب "الإسلام على مفترق الطرق"١ عن أثر "الحملة الصليبية، في تشويه الإسلام، وعن دراسة "الاستشراق" لتعاليمه ... يقول: "إلا أن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح، ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شرا ثقافيا؟ لقد نشأ تسميم العقل الأوروبي عما شوهه قادة الأوروبيين من تعاليم الإسلام ومثله العليا أمام الجموع الجاهلة في الغرب؟ في ذلك الحين استقرت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوروبيين من أن الإسلام دين شهوانية، وعنف حيواني، وأنه تمسك بفروق شكلية، وليست تزكية للقلوب وتطهيرا لها، ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت؟ "إن من أبرز الحقائق على ذلك. الفيلسوف والشاعر الفرنسي فولتير، وهو من ألد أعداء النصرانية وكنيستها في القرن الثامن عشر لكنه كان في الوقت نفسه مبغضا مغاليا للإسلام ولرسول الإسلام"٢. أما وصفه لعمل "المستشرقين" فيودعه في عبارته الآتية: "لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب -كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات عدا الإسلام- بل هو كره عميق الجذور، يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد؟. وهذا الكره ليس عقليا فقط، ولكنه أيضا يصطبغ بصبغة عاطفية قوية؟! "قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفسلفة "البوذية" أو "الهندوكية"، ولكنها تحتفظ دائما فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير؟.

стр. 155

"إلا إنها حالما تتجه إلى "الإسلام" يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي في التسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العامي في كتاباتهم عن الإسلام.. ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر، كما لو أن "الإسلام" لا يمكن أن يعالج على أنه "موضوع" بحث في البحث العلمي، بل إنه "متهم" يقف أمام قضاته؟! إن بعض المستشرقين يمثلون دور "المدعي العام" الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام "المحامي" في الدفاع!! فهو مع اقتناعه شخصيا بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له -مع شيء من الفتور- اعتبار "الأسباب المخففة"!!. "وعلى الجملة، فإن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين تذكرنا بوقائع "دواوين التفتيش"، تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى! أي: إن تلك الطريقة لم يتفق لها أبدا أن نظرت في القرائن التاريخية بتجرد وغير تحزب، ولكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاج متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها؟ ويختار المستشرقون "شهودهم" حسب الاستنتاج الذي يقصدون أن يصلوا إليه مبدئيا، وإذا تعذر عليهم الاختيار العرفي للشهود عمدوا إلى اقتطاع أقسام من الحقيقة التي شهد بها الشهود الحاضرون، ثم فصلوها عن المتن، أو تأولوا الشهادات بروح غير علمي، من سوء القصد، من غير أن ينسبوا قيمة ما إلى عرض القضية من وجهة نظر الجانب الآخر ... أي: من قبل المسلمين أنفسهم"١. وإذن فحركة "التجديد" في الفكر الإسلامي بعد بداية القرن الحاضر، تسير إما في طريق "الاستشراق" ودراسة المستشرقين القائمة على تشويه الإسلام، وعرض تعاليمه عرضا مغرضا.. وإما في طريق الفكر المادي المنكر للروحية أو المستخف بها. - ولو استعرضنا من جديد بعض أسس هذه الدراسات الاستشراقية كما تصورها "دائرة المعارف الإسلامية" مثلا، وترددها مؤلفات زعماء الاستشراق من قساوسة المسيحيين وعلماء اليهود لأمكننا أن نجملها فيما يلي:

стр. 156

- "محمد" مصلح ديني أسس ما سماه "الإسلام"، وأولى أن يسمى بالمذهب المحمدي..محمد بشر، وقرآنه صنعة بشرية، وصنعة بشرية يكثر فيها التناقض وعدم الانسجام. يقول المستشرق "نيكلسون" في كتابه: "الصوفية في الإسلام": "والقارئون للقرآن من الأوروبيين لا تعوزهم الدهشة من اضطراب مؤلفه وهو محمد، وعدم تماسكه في معالجة كبار المعضلات، وهو نفسه لم يكن على علم بهذه المتعارضات، كما لم تكن حجر عثرة في سبيل صحابته الذين نقل إيمانهم الساذج القرآن على أنه كلام الله.. ولكن الصدع من هنا وجد، وسرعان ما أظهر نتائج بعيدة الآثار"١. - والإسلام الذي وضعه "محمد" تأثر فيه بالتعاليم الدينية السابقة عن تعاليم اليهودية والمسيحية، وبالأخص مسيحية الكنيسة السريانية.. ثم إن "محمدًا" في اقتباسه من المسيحية حرف الفهم فيما اقتبسه؛ لأنه حكم نفسه ومنزلته وقيمته الإنسانية في فهمها.. فقد أنكر ألوهية المسيح متأثرا بنفسه كإنسان، ولم يرق هو في تصور نفسه إلى منزلة عيسى حتى يتصور أنه "إله" كما كان عيسى. - ولو استعرضنا بعد ذلك اعتبار المستشرقين لمصادر الإسلام لوجدناهم يعتبرون أن الإسلام في دراسته كما يؤخذ من القرآن والسنة، يؤخذ من تفكير المسلمين في مدارسهم المتنوعة ومذاهبهم المختلفة في تاريخ جماعتهم، ومعنى ذلك أن لهذا التفكير نفس الحجة التي للقرآن والسنة الصحيحة.. وهذا التفكير كذلك يصور الإسلام تماما، كما يجب أن يصوره القرآن والسنة. - فالإسلام والمجتمع الإسلامي سواء أحدهما يصح أن يكون دليلا للآخر، بل يجب أن يكون دليلا على الآخر. - والمذاهب الإسلامية في العقيدة والفقه، تعبيرات صادقة عن القرآن والسنة الصحيحة. والإسلام هو مجموع هذه المذاهب، بالإضافة إلى القرآن والسنة، فلا فرق بين رسالة الله، وصنعة الإنسان في هذه الرسالة.

стр. 157

ومنطق اعتبارهم أن "تفكير المسلمين ومذاهبهم" تساوي في الحجية "القرآن والسنة الصحيحة" يؤدي إلى: - أن تفكير الباطنية والصوفية والملاحدة مثلا.. له نفس الحجية التي للقرآن والسنة، ومساو في القيمة لمذاهب أهل السنة، ومعتدلي الشيعة؟! - وأن الفتاوى التي تصدر عن أصحاب الوظائف الرسمية في البلاد الإسلامية في أي عصر وفي ظل أي حكم.. لها نفس الحجية التي للقرآن والسنة؟! وأن أنواع تفسير القرآن المختلفة، من صوفية رمزية، إلى تعليمية باطنية، إلى تفسير بالتأويل, إلى تفسير بالرواية، إلى تفسير بالقصص الإسرائيلي، لها نفس الحجية التي للقرآن! - وإن الإنسان المسلم في كل عصر، وبانتسابه إلى الإسلام على أي وجه.. حجة على الإسلام وسلوكه في حياته وتأديته لعبادته، تمثل تعاليم الإسلام في الأخلاق والعبادة؟! هذه نظرة المستشرقين في الإسلام.. وإلى رسوله في صلته بالقرآن, وإلى مصادره وتقدير هذه المصادر. - أما قيمة الإسلام كدين وكمصدر توجيه في الحياة في نظرهم فإنهم على -نحو ما ذكرنا سابقا- يخضعون هذه القيمة والحكم عليها إلى اتجاهات الغرب في الحياة وإلى نظراته وآرائه؛ لأنها في نظرهم هي اتجاهات الحياة الحضارية التي تمثل الصورة الراقية لحياة الإنسان. ولا يسلك المستشرقون مسلك المسلمين في التدليل على قيمة الإسلام في صلته بالحياة بحال المجتمع الإسلامي الأول على عهد الرسول وصحابته. إذ إن هذه الحال التي كانت للمجتمع الأول لا تقوم في نظرهم دليلا على القيمة التوجيهية للإسلام، كجملة من المبادئ، والوصايا في حياة الإنسان ... إن سيادة المسلمين إذ ذاك -كما يذكرون- كانت بالسيف والقوة، ولم تكن نتيجة للروحية والتوجيه الديني؟ ثم إنها كانت لفترة قصيرة، انحطت بعدها أفهامهم ومداركهم، وسقط مستواهم في الحياة والتوجيه، مما يدل على أن الإسلام كدين، غير عملي وغير مثمر؟!

стр. 158

فالمسشرقون إذن "لا يقيمون" الإسلام من نفس تعاليمه ومبادئه، ومن علاقة هذه التعاليم بطبيعة الإنسان وتوجيهه كفرد، وتوجيه مجتمعه، كما "يقيم" كل دين أو مذهب فلسفي عند تقديره والحكم عليه.. أنهم لا يريدون أن يسلكوا هذا الطريق، رغم أنهم يدعون أن بحثهم في الإسلام يقوم على أساس علمي، وربما يرون -غير مشاركين غيرهم من العلماء الأوروبيين- أن الطريق العلمي في بحث الإسلام، هو إنكار قيمته مقدما، وليس تقديره من ذاته ولذاته، بغض النظر عن الشروح الإنسانية التي جمعت حوله، وليست من مقوماته الذاتية في شيء. وتخلص هذه الدراسات الاستشراقية للإسلام في جوانبها الثلاثة: في الأسس التي قامت عليها، وفي تقدير مصادر الإسلامي، وأخيرا في "تقييم" الإسلام كدين ... إلى أن توصي المسلمين بالأمور الآتية: - أن المجتمع الإسلامي في صلته بالإسلام، لم يكن على نحو قوي إلا لمدى فترة قصيرة هي الفترة الأولى، على عهد بدائية المجتمع الإسلامي، وبدائية هذا المجتمع هي التي أوجدت نوعا من التلاؤم بين الحياة فيه وتعاليم الإسلام ... وبعد مضي هذه الفترة القصيرة البدائية، اتسعت الفجوة بين الطرفين بين المجتمع وبين الإسلام كمصدر توجيه في الحياة، وكلما تطورت الحياة بالمجتمع الإسلامي بفعل العوامل الخارجية: الثقافية، والسياسية والاقتصادية كلما تخلف الإسلام عن أن يجاري تطور الحياة لهذا المجتمع. وما زالت الفجوة تتسع، حتى أعلنت تركيا الحديثة -مقر آخر خلافة إسلامية- إبعاد الإسلام عن مجال الحياة العامة، وتركه في ضمير الفرد مستورا، لا يعبر عنه الفرد إلا لنفسه فقط، وفي غير إعلان أو حماس. هل كان إعلان تركيا الحديثة إبعاد الإسلام نتيجة مؤامرة دولية ضد الإسلام أو كان نتيجة للتقييم الذاتي للإسلام؟ - إن التخلف عن تنفيذ تعاليم الإسلام تمليه الضرورة الاجتماعية، تحت ضغط ظروف الحياة المتجددة التي لم يستطع الإسلام أن يكيفها في ضوء تعاليمه، ولم يستطع أن يلائم بين تعاليمه وبينها! والتشديد في تعاليم الإسلام معناه إذن: "العزلة" في الحياة، و"التخلف" في استخدام وسائل الحضارة، والترحيب بالفقر والمرض والجهل للسكان المسلمين على نحو ما هو الحال ببلاد الجزيرة العربية التي تطبق الإسلام رسميا!! أفليست هي النموذج في تطبيق الإسلام!.

стр. 159

- إن التطور -وهو قانون الحياة العام الذي لا مفر من الخضوع له- يجب أن يستخدمه المسلمون في إسلامهم ليسايروا العالم الغربي الحديث. ولينجوا من أسباب الضعف والفساد! ويجب لهذا أن يتطوروا بالإسلام نفسه ... كدين!! وهنا يقترحون هذه السبل لإتمام عملية التطور: - يجب في تطور الإسلام كدين، أن يستعان فيه بالمسيحية التي هي المثل للدين كتوجيه روحي لتصفية النفس ومحبة الله، وبناء على ذلك، يجب أن لا يتشبث الإسلام بتكييف العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وعلاقتهم الدولية مع غيرهم، كما لا يتشبث بتكييف علاقات رءوس الأموال في الصناعة والتجارة بين الممولين والعمال أو بين أصحاب الأموال والطبقات الفقيرة، فيتدخل بالحل والحرمة، ويتدخل في تقدير نسبة ما يخصم من الأرباح "كزكاة" لرد طغيان الفقر والعوز. يجب على الإسلام أن يترك أمر هذه العلاقات تركا تاما، لتخضع في حرية مطلقة إلى المصالح المشتركة وحدها، وإلى أحوال "العصر" التي تحدد هذه المصالح ... يجب أن تكون "للعلمانية" المكان الأول هنا!! - يجب في تطور الإسلام أن يجاري "المسيحية" في هدفها، وهو تنمية "المحبة الإلهية" في نفوس المؤمنين به، ويقصر نشاطه على ترويض المسلمين على هذه المحبة في حياتهم العملية! يجب أن يأخذوا بـ"الصوفية الحلولية" التي لا تجعل الله بعيدا عن الإنسان ومخيفا له، بل تجعله "في" الإنسان نفسه حتى يكون قريبا منه ويحبه، بدلا من أن يتصوره قاهرا جبارًا، متكبرا عليه!! يقول المستشرق "نيكلسون": "يبدأ القرآن بفكرة الله "الواحد الصمد"، الإله "القادر" الذي تجرد عن المشاعر والميول البشرية.. وهو "سيد" عباده لا والد أبنائه، و"القاضي" الذي ينزل بالآثمين عدلا رادعا، ويبسط رحمته على من يتقون غضبه بالتوبة والخضوع ويواصلون أعمال البر.. إنه إله "خوف" أكثر منه إله "حب"!! "ولذلك" فإن التفكير الإسلامي وقد أفزعته الرؤى المخيفة لـ "غضب" الله الذي سينزل بالمذنبين، قد تنبه في بطء وعسر لأهمية هذه

стр. 160

الأفكار الحرة: "الأفكار الصوفية"، القائمة على "الحب" و"الفناء في الله"١. وهنا نلاحظ أن المستشرقين يسرفون في تمجيد "التصوف الإسلامي" في فترته الأخيرة التي يدعو فيها إلى عقيدة الحلول والفناء في "الحب الإلهي"؛ وذلك لأنهم يرون في مثل هذا الانحدار صرفا للمسلمين عن "الجهاد في سبيل الله" فالاعتقاد بـ"الحلولية" يسقط التكاليف كلها، ومن بينها الجهاد ... و"الحب الإلهي" على نحو "الحب الهندوكي"، -وهو حب الفناء- يصر الوالهين والعاشقين عن الاحتفاظ بما يسمى "الجماعة" الإسلامية، التي يدعوها الإسلام -قصد صيانتها ودفع الاعتداء عليها- إلى الكفاح والجهاد!! و"رهبانية" المسيحية التي تقوم على هذا "الحب الإلهي" تناقض فكرة "الجهاد في سبيل الله" تماما، كما تعارض مبدأ الزواج وتكوين الأسرة لمن يسلك طريق "الرهبنة". - الجماعة الإسلامية -كي تتطور، هكذا يوصي المستشرقون- يجب أن تسير وفق المثل الغربية، وتتفاعل معها في بيئتها الشرقية ... إذ اتجاهات الغربيين في الفكر وفي الحياة، قامت على مجموعة من التجارب الإنسانية، استخدموا في تكوينها الطريقة "العلمية" وهي الطريقة التي لا تتأثر بخرافة أو عقيدة خاصة، مستهدفة خير الإنسانية وحدها. وإذن.. يجب على المسلمين باسم "العلم" و"التطور" و"الخير العام" أن يكونوا مسيحيين في موقفهم في الحياة، وفي فهمهم للإسلام كدين.. وهم ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا مسيحيين بالانضمام إلى الجماعة المسيحية واعتناق المسيحية كدين وعقيدة، بل يجب أن يكون سلوكهم وتحديد موقفهم من أحداث الحياة المتجددة سلوكا مسيحيا، وعلى نمط موقف الجماعة الغربية المسيحية. وفي تضامن المسلمين مع غيرهم -أي: مع الغربيين- لا يكفي أن يكون أحد الجانبين أو كلاهما متسامحا، بل يجب أن يشترك الطرفان في إيجابية، على هذا النحو السابق، في تحقيق المثل والغايات الإنسانية والتضامن العالمي.

стр. 161

وإذا أراد المسلمون أخيرا أن يعيشوا في أوطانهم غير أذلاء، فعليهم أن يطوروا دينهم، ويغيروا فهمهم له، بما يعود به إلى حال المسيحية ووضعها في الجماعة، وهو حال العزلة عن الحياة العامة!! حال العلمانية. وطريق ذلك: - أن يبعدوه عن الحكومة، والدولة، والسيادة العامة. - وعن علاقة الأفراد بعضهم ببعض. - وأن ينحوا عنه مظاهر القوة المادية وأسبابها، كالجهاد والرغبة في الحرب والاعتداء! - وأن ينحوا عنه مظهر "العنصرية والاستعلاء الذاتي" الممثل في عدم قبول ولاية غير المسلم على المسلم، وفي عدم زواج المسلمة بغير المسلم. - وأن ينحوا عنه كذلك تأكيد الدفع إلى "الحياة الحيوانية" هذا الدفع الممثل في إباحة تعدد الزوجات إلى أربع. - وأخيرًا -وليس آخرًا- أن ينحوا منه التفريق بين الأنثى والذكر في الميراث، وفي حق الطلاق. - إن على المسلمين أن يعودوا بدينهم إلى الروحية الخالصة.. إلى محبة الإنسان لله. يعودون به إلى الاعتراف بوجود "المثل الإلهي" مجسما في حياة الإنسان -على نحو تأليه عيسى- وذلك مثل ما صنع غلاة الشيعة في نظرتهم إلى إمامهم، وكما صنع المتصوفة المتأخرون -وهم عند المستشرقين على حق فيما صنعوا! -حتى ترقى نفس الإنسان المسلم، وتبتعد عن الحيوانية والرغبة في القوة المادية، وتقترب من الإنسان الإله ... الإنسان الابن، النموذج البشري الإلهي في حاية الإنسان!! فإله المسلم -على نحو ما يصوره الإسلام في نظرهم- إله حرب، وشهوة، واستعلاء، ولا إله عطف ومحبة..إلخ، مما ذكر قبلا من أرائهم. إن هؤلاء "المستشرقين" هم "أهل كتاب" من قساوسة المسيحيين أو علماء اللاهوت من اليهود، ويواجهون بهذه الدراسات مسلمين لم يزل

стр. 162

القرآن يتداول بينهم، فإن نسي المسلمون ماضي أسلاف هؤلاء القوم مع المسلمين على عهد ظهور الإسلام، ونسوا اتهاماتهم لرسول الإسلام ولكتابه إذ ذاك، فإن المسلمين اليوم لا يزالون يتلون هذه الاتهامات، ولا يزالون يقفون منها ما وقفه من قبل رسولهم وصحابته، وسيستمرون على هذا النحو طالما هناك قرآن، وطالما هناك من يتلوه. هم يتلون في قرآنهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢. ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ ٣. كما يتلون في قرآنهم الكريم قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.

стр. 163

ثم قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. إنهم إذا يجعلون قرآن الرسول صنعة بشرية، لا وحيا منزلا من عند الله، يحلون لأنفسهم أن يجعلوا أسلوب حياتهم وما يعتقدون نموذج الحياة الإنسانية فالعمدة في الاستشراق إذن: محاولة التدليل على بشرية "القرآن". - هذا هو اتجاه الاستشراق ... وهو أحد اتجاهين صبغا التفكير الغربي الذي سيطر على القرن التاسع عشر بالصبغة الخاصة به. - أما الاتجاه الثاني -كما ذكرنا آنفا- فهو "المادية العلمية" ... وهذه تقوم أساسا على إلغاء اعتبار ما وراء الوجود المشاهد، وهي بالتالي تعتبر الإيمان بالله والدين القائم على هذا الإيمان ضربا من العبث أو الخداع في توجيه الإنسانية، ومن ثم هي تدعو الإنسانية إلى الإيمان بالطبيعة، وبما لها من مظاهر، وبما يدور فيها من تجارب.. ويتفرع عن هذه المادية العلمية: "التفسير الاقتصادي للتاريخ"، وهو أساس مذهب كارل ماركس، وأساس الشيوعية السوفييتية والدولية معا. وهذا الاتجاه الثاني، وهو اتجاه "المادية العلمية"، سواء فيما يسمى بـ"الوضعية" و"الواقعية"، أو بما يسمى بـ"التفسير المادي أو الاقتصادي للتاريخ" ... يضاد الدين والتدين، في أي صورة من الصور. وإذا عدنا الآن -بعد هذا- إلى الحديث عن "التجديد" في الفكر الإسلامي في مصر، أو ما نسميه بالفكر الإسلامي "المغرب" فإننا نجد هذا الفكر يسلك إحدى هذين الطريقين:

стр. 164

-إما امتحان القرآن والإسلام بالمقاييس البشرية، وبما يسمى بالحقائق التاريخية، ثم ترتيب كل النتائج التي تترتب على ذلك، وهي النتائج المعروفة في كتابات "المستشرقين" في الدراسات الإسلامية. - أو الدعوة إلى "خرافة الميتافيزيقا"، أو خداع الدين وكل الآراء التي تتصل بالعالم الذي هو وراء هذا العالم المشاهد، وهو عالم "الغيب" وملكوت "الله" على نحو ما جاءت به الأديان، أو عالم "الاتجاه المثالي" على نحو ما يوصف في المدارس الفلسفية العقلية. المجددون في مصر: وسنعرض "للمجددين" في مصر، منذ أن قامت الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٨م حتى الآن، لنقف على الصلة بين ما ينسب إلى هؤلاء "المجددين" من تفكير وبين ما يعرف لتفكير "القرن التاسع عشر" في أوروبا في اتجاهيه ... لنقف على مقدار الوفاء والأمانة من "المجددين" المصريين لذلك التفكير الغربي في القرن الماضي. فإذا وقفنا على تلك الصلة اتضح لنا في غير شك أن الفكر الجديد في الشرق الإسلامي هو ذات الفكر "المغرب"، وأن التجديد هنا في الشرق الإسلامي هو تقليد لذلك الفكر المغرب، وقد يكون تقليدا محرفًا!! - وفي عرضنا لهؤلاء المجددين سنتحدث عن أمثلة تمثل الجانبين: الجانب الاستشراقي، والجانب الإلحادي. - كما سنلتزم في بيان الصلة بين تفكير "القرن التاسع عشر" في الغرب من جانب، وتفكير "المجددين" في الشرق الإسلامي من جانب آخر -تلك الصلة التي جعلناها الهدف هنا في هذا البحث -عرض نصوص المجددين في الشرق في مواجهة نصوص أرباب التفكير الأوروبي في القرن المشار إليه.

стр. 165

بشرية القرآن: تعرض فكرة بشرية القرآن في إحدى صورتين: الصورة الأولى: أن القرآن "انطباع" في نفس محمد -صلى الله عليه سلم، نشأ عن تأثره ببيئته التي عاش فيها.. بمكانها وزمانها.. ومظاهر حياتها المادية والروحية والاجتماعية. - والصورة الثانية: أنه "تعبير" عن الحياة التي عاش فيها محمد ﷺ بما فيها المكان، والزمان، وجوانب الحياة الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والاجتماعية. وإحدى الصورتين ملازمة للأخرى ... فإذا كان القرآن انطباعا منبثقا من البيئة فهو يعبر عن ذات هذه البيئة، وبالعكس إذا كان تعبيرا عن البيئة فقد انطبع أولا بلا شك في نفس قائله قبل أن يعبر به وقبل أن يقوله!! وكلتا الصورتين إذن تفصح عن أن القرآن عمل خاص بمحمد ﷺ ، تأثر فيه كما يتأثر الإنسان العادي، وعبر به عن المعاني التي كانت في نفسه ومن بيئته كما يعبر الإنسان عن أية معان تجول بنفسه قد تأثر بها من بيئته، وانطبعت في خاطره من ظروف الحياة التي تحيط به!! ويتوقف اختيار إحدى هاتين الصورتين على الأخرى لدى الكاتب الذي يرى "بشرية القرآن"، على أحوال البيئة التي يعلن فيها الكاتب الرأي، فإن كانت بيئة أجنبية غير مسلمة أمكن مواجهتها بالصورة الأولى, وهي أن القرآن انطباع نفسي! أما إذا كانت بيئة إسلامية فيقتضي الأمر أن يتبع فيها أسلوب اللف والمداورة، والصورة الثانية هي الأليق بهذا الأسلوب، وهي أن القرآن يعبر عن الحياة الجاهلية - أي: حياة ما قبل الإسلام- أصدق تعبير.

стр. 166

الصورة الأولى: ولا أريد هنا أن أنقل عن أي مستشرق عبر عن "بشرية القرآن" بل سأتخير واحدا يعد مثلا للاتزان بينهم، وهو المستشرق الإنجليزي "جب" Gibb أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية. وسنرى من النصوص التي ننقلها عنه هنا من كتابه: "المذهب المحمدي" Mohammedanism أنه آثر الصورة الأولى، بأسلوب بيدو فيه تجنب للألفاظ النابية فيما يحكيه عن الرسول، وتجنب الصراحة المكشوفة فيما يريد أن يودعه في نفس القارئ. إن "جب" يرى: - أن جو "مكة" بما فيه من زعامة اقتصادية وسياسية ودينية، ثم بما فيه من عيوب اجتماعية -كالرق والفوارق البعيدة المدى بين الطبقات، هو الذي أثر في نفس محمد ﷺ ليكون صاحب ثورة! فـ"الحياة المكية" -بما فيها من عوامل إيجابية وأخرى سلبية- قد تفاعلت في نفسه، وهو يرتبط في رسالته بهذه الحياة أيما ارتباط، بحيث لو كان رجلا غير "مكي" لما صادف هذا النجاح. إنه يقول في ذلك١: "إن "محمد" ككل شخصية مبدعة، قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية "عنه" المحيطة به من جهة، ثم هو من جهة أخرى قد شق طريقا جديدا بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه، والدائرة في المكان الذي نشأ فيه. "وقليل ما هو معروف -على سبيل التأكيد- عن حياته وظروفه المبكرة ... ولكن الشيء الذي يصح أن يبحث ماضيه الاجتماعي. "لقد كان أحد سكان "مدينة" غير رئيسية.. وليس هناك ما يصح أن يصوره بأكثر من أنه "بدوي"، شارك في الفكرة والنظرة في الحياة التي كانت للبدو الرحل من الناس:

стр. 167

أ- و"مكة" في ذات الوقت لم تكن خلاء بعيدا عن صخب العالم، وعن حركته في التعامل.. بل كانت مدينة ذات ثروة اقتصادية، ولها حركة دائبة كمركز للتوزيع التجاري بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. ب- و"سكانها" مع احتفاظهم بطابع البساطة العربية الأولية في سلوكهم ومنشآتهم، اكتسبوا معارف واسعة بالإنسان والمدن ... عن طريق تبادلهم الاقتصادي والسياسي مع العرب الرحل، ومع الرسميين من رجال الإمبراطورية الرومانية. وهذه التجارب قد كونت في زعماء مكة ملكات عقلية، وضروبا من الفطنة وضبط النفس، لم تكن موجودة عند كثير من العرب. جـ- ثم إن "السيادة الروحية" التي اكتسبها المكيون من قديم الزمان على العرب الرحل، زادت قوة ونموا بفضل الإشراف على عدد من "المقدسات الدينية" التي وجدت داخل مكة وبالقرب منها. "وانطباع هذا الماضي الممتاز "لمكة"، يمكن أن نقف على أثره واضحا في كل أدوار حياة محمد ... وبتعبير إنساني: إن محمدًا نجح؛ لأنه كان واحد من المكيين! ولكن بجانب هذا الازدهار في "مكة،" كانت هناك ناحية أخرى مظلمة خلفتها تلك الشرور المعروفة لجماعة اقتصادية ثرية، فيها فجوات واسعة من الغنى والفقر! هذه الناحية، هي ناحية الإجرام الإنساني الذي تمثل في الأرقاء والخدم، وفي الحواجز الاجتماعية، وواضح من دعوة محمد الصارخة إلى مكافحة الظلم الاجتماعي، أن هذه الناحية كانت سببا من الأسباب العميقة لثورته الداخلية "النفسية"". فهنا يذكر المستشرق "جب" ... أن "مكة"، كانت فيها حياة زاخرة بالتجارة والسياسة والدين، وأنه وجدت فيها زعامة وزعماء، وأنه وجد ظلم اجتماعي بين سكانها.. وأن "الرسول" محمد انطبعت في نفسه كل هذه الجوانب وكان على وعي تام بها، وترى آثارها في حياته: في قرآنه وفي كفاحه إلى أن مات! - ويرى "جب" كذلك أن ثورة الرسول النفسية لم تبرز في صورة "إصلاح اجتماعي" ولم يقم بها على أنه مصلح للحياة المكية

стр. 168

الاجتماعية، وإنما برزت في صورة "دينية" وفي صورة أنه "رسول"؛ وذلك لأنه أراد أن يستغل قيم "المقدسات الدينية" بمكة في الزعامة والرواج الاقتصادي. ومعارضة المكيين إياه -لذلك- كانت معارضة في الزعامة السياسية، وخشية على ازدهارهم الاقتصادي من أن يضعف لو قبلوا دعوته، ولم تكن -معارضتهم إياه- بسبب العقيدة والإيمان!! وإلا فالقرآن نفسه، يدل على أن فكرة الوحدانية -وهي الفكرة الأساسية في الإسلام- كانت معروفة في غربي الجزيرة العربية! يقول "جب" في ذلك: "ولكن نواة هذه الثورة النفسية لم تظهر في صورة "إصلاح اجتماعي"، بل بدلا من ذلك دفعته إلى "اتجاه ديني" أعلنه في اعتقاد ثابت لا يتأرجح، بأنه رسول من الله، لينذر أتباعه بإنذار الرسل الساميين القديم توبوا فجزاء الله حق!! وكل ما جد بعد ذلك كان نتيجة منتظرة للتصادم بين هذا الاعتقاد "بأنه رسول" وبين الكفر به، ومعارضته من فريق بعد فريق"١. "وهناك حقيقة واحد مؤكدة "في تاريخه" وهي: أن الدافع له كان "دينيا" على الإطلاق، فمن بدأ حياته كداع كانت نظرته إلى الأشخاص والأحداث وحكمه عليهما نظرة تأثر فيها بما عنده من صورة عن الحكومة الدينية وأغراضها في عالم الإنسان"٢. "ومحمد في البداية، لم يكن نفسه على علم بأنه صاحب دعوة إلى دين جديد! بل كانت معارضة المكيين له، وخصومتهم له من مرحلة إلى أخرى، هي التي قادته أخيرا وهو بالمدينة -بعد أن هاجر إليها- إلى إعلان الإسلام كجماعة دينية جديدة، بإيمانها الخاص، وبمنشآتها الخاصة. "ويبدو أن معارضة المكيين له لم تكن لمحافظتهم وتمسكهم بالقديم، أو بسبب عدم رغبتهم في الإيمان.. بل ترجع أكثر ما ترجع إلى أسباب سياسية واقتصادية.. لقد تملكهم الخوف من آثار دعوته التي تؤثر على

стр. 169

ازدهارهم الاقتصادي، وبالأخص تلك الآثار التي يجوز أن تلحق ضررا بالقيمة الاقتصادية لمقدساتهم. "بالإضافة إلى ذلك، فإن المكيين قد تصوروا -أسرع مما تصور محمد نفسه- أن قبولهم لتعاليمه رمبا يمهد لنوع معقد من السلطة السياسية داخل جماعتهم، التي كانت تحكمها فئة قليلة حتى ذلك الوقت"١. ويقول أيضا: "ومعروف من القرآن نفسه، أن فكرة "الوحدانية" كان معروفة في غربي الجزيرة العربية.. لقد كان وجود "الإله الأكبر" وهو الله، مبدأ مقبولا كأصل عام لدى محمد ولدى خصومه على السواء، والقرآن لم يناقش هذه النقطة أبدا، وحجته التي كان يقيمها فقط أن لا إله إلا الله"٢. إن مؤلف كتاب "المذهب المحمدي" يريد أن يقول إذن: إن محمدًا أراد أن ينافس في الزعامة القائمة بمكة، وأن يكون صاحب سلطة فيها. وبما أن "المقدسات الدينية" كانت لها صلة وثيقة بالازدهار الاقتصادي المكي، وبسيادة المكيين الروحية على بقية العرب الرحل!! لم يشأ محمد أن يظهر في منافسته للمكيين في صورة أخرى غير الصورة الدينية ... لقد تحكمت فيه الرغبة إلى "الحكومة الدينية" منذ البداية في الصراع، ولقد كافح لأن يكون صاحب حكومة دينية حتى أعلن في النهاية -وهو بالمدينة- نظام هذه الحكومة فيما سماه "الإسلام" و"الجماعة الإسلامية". ولأنه أراد أن ينافس "المكيين" في الزعامة السياسية، لم تكن مقاومتهم إياه ومعارضتهم لدعوته بسبب أنهم محافظون متمسكون بالقديم والتقاليد، إذ القرآن ليس جديدا عليهم كله، فأهم مبدأ فيه وهو التوحيد كان معروفا لدى العرب، وإنما خشية على ضياع مجدهم السياسي والروحي وفقدان رواجهم الاقتصادي!! و"المكيون" لم يعارضوا شيئا في القرآن سوى ما انتزعه "محمد" من اليهود أو النصارى كفكرة الجزاء الأخروي وأوصاف الجنة والنار.

стр. 170

فـ"إن فكرة الجزاء الأخروي" لم تكن منتزعة بالتأكيد من التقاليد العربية، ولكنها مأخوذة من المصادر المسيحية، ومقابلة المكيين لهذه الفكرة بالكفر العميق والسخرية، تدل على أنها لم تكن معروفة تماما لديهم! "وليست هذه الفكرة وحدها، بل أيضا ما يختص بالجنة والنار من تفصيلات تساوي تماما ما في المسيحية السريانية"١. وملخص ما يقول "جب" حتى الآن هو: - أن "مكة" كانت فيها حضارة وزعامة ... ولم تكن أرضا جرداء، ولم يكن سكانها حفاة غلاظا، بل كانت لديهم فطنة، وملكة في السياسة ومعارف واسعة بالناس والمدن على السواء. - وأن حياة "محمد" كانت حياة "مكية" خالصة.. بما فيها نشأته ودعوته، وصراعه.. فهي حياة محدودة بظروف الزمان والمكان. فدعوته عندئذ ليست دعوة عامة، بل لأناس معينين! واختياره طابع الدعوة بأن تكون دينية، ثم اختياره هذه الدعوة الدينية بأن تكون في صورة حكومة إلهية، هو من تحديد عوامل الحياة المكية، وقد وقع "محمد" تحت تأثير ما دار فيها من اتجاهات سياسية واقتصادية ودينية! - وأن "القرآن" ليس جديدا كله على العرب "المكيين" وأن ما فيه من مسيحية لا يتعدى المسيحية الشرقية السريانية٢، وكذا ما فيه من يهودية لا يتعدى اليهودية المعروفة في "المدينة"! وليست معارضة "المكيين" له بسبب تمسكهم بالقديم أو بسبب الإيمان، كما يذكر القرآن مثلا في قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣ وإنما جاءت معارضة، "مكة" في نظر "جب" بسبب

стр. 171

المنافسة في الزعامة والسياسة، والخوف من انهيار حياتهم الاقتصادية! و"القرآن.. كما يريد جب" أن يقول إذن هو عمل "إنسان": إنسان معين هو "محمد"، عاش في حياة خاصة وهي حياة "المكيين" وتبلورت حايته الخاصة هذه فيما قاله فيه؟ الصورة الثانية: أما الصورة الثانية للرأي القائل بـ"بشرية القرآن"، وهي أنه تعبير عن الحياة التي وجد فيها "الرسول" وهي حياة ما قبل الإسلام، فيحكيها كتاب١ "الشعر الجاهلي". ولعل "إهداء" الكتاب وقت نشره، إلى صاحب السلطة الحكومية في ذلك الوقت، يشعر بأن الفكرة التي تروى فيه ليس لها مكان في الجو الإسلامي الخالص، ولذا تحتاج لشيء من حماية السلطة السياسية! يقول المؤلف في "إهداء" الكتاب: إلى صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا: "سيدي صاحب الدولة: كنت قبل اليوم أكتب في السياسة، وكنت أجد في ذكرك والإشادة بفضلك راحة نفس تحب الحق، ورضا ضمير يحب الوفاء. وقد انصرفت عن السياسة وفرغت للجماعة، وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنت أراك من قبل: قوي الروح، ذكي القلب، بعيد النظر، موفقا في تأييد المصالح العلمية توفيقك في تأييد المصالح العملية السياسية ... فهل تأذن لي في أن أقدم إليك هذا الكتاب، مع التحية الخالصة والإجلال العظيم"! ٢٢ مارس سنة ١٩٢٦ طه حسين.

стр. 172

قدم المؤلف كتابه: "الشعر الجاهلي"، إلى "صاحب الدولة" رجل الحكم والنفوذ إذ ذاك ... على عادة المؤلفين في عهد الركود الفكري في تاريخ التأليف الإسلامي قصدا إلى الترويج والحماية. والنفس التي تحب الحق في واقع الأمر، تقدم البحث إلى راغبي المعرفة وطلاب العلم، لا إلى رجل السياسة وقت توليه السلطة، إذ إن المحب للحق يحميه الحق، والمحب للسياسة يحميه رجل السياسة! وشتان بين الحق والسياسة.. الحق يكشف عن الخداع، والسياسة تصطنع الخداع؟ فكرة كتاب "الشعر الجاهلي": يقوم هذا الكتاب على فكرة واحد، هي: أن الشعر الجاهلي لا يمثل حياة العرب قبل ظهور الإسلام ... أي: لا يمثل الحياة التي عاش فيها الرسول قبل الرسالة، بما لها من جوانب وأجواء، إذ هو شعر مصطنع مفتعل، ولذا لا يعبر عن حقائقها ولا عما دار فيها! فهو في جملته يعبر عن حياة جاهلية فيها غلظة وخشونة، وبعيدة عن التمرس السياسي، والنهضة الاقتصادية، والحياة الدينية الواضحة، مع أن حياة العرب في الجاهلية كانت حياة حضارية، والعرب كما يقول المؤلف١: "لم يكونوا على غير دين، ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا، ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى.. كذلك يمثلهم القرآن". "وإذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها مؤثرة فيها -فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية! وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن ظهر في أمة جاهلة همجية؟ "٢. ومنطق المؤلف: بما أن الشعر الجاهلي لا يصح أن يكون مرآة صافية للحياة الجاهلية -وهي الحياة التي نشأ فيها الرسول، وقام بدعوته، وكافح من أجل هذه الدعوة فيها- فالشيء الذي يعبر عن هذه الحياة تعبيرا صادقًا،

стр. 173

وموثوقا به كل الثقة، هو القرآن ... "فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي". وإذا رجعنا إلى القرآن -هكذا يستنتج المؤلف- نجده قد صور العرب وحياتهم بما يجعلهم أمة سياسية، تنشد أن تكون "قوة ثالثة" بين الفرس والروم، كما كانت "أمة وسطا" بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، وبذلك كانت مركزا للتجارة "العابرة" ... وعن هذا الوضع بين الشمال والجنوب أثرت ونافست في القوة، كما كان لها دين ومعتقد ناهض! يقول في ذلك: "لم يكن العرب إذن -كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي- معتزلين! فأنت ترى أن القرآن يصف عنايته بسياسة الفرس والروم: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.. فهذا الذي ذكره القرآن في "سورة الروم"، يراه المؤلف "عناية سياسية"، أكثر منه إخبارًا عن طريق الوحي بمصير الإمبراطورية الرومانية في الشرق! ويستطرد المؤلف فيقول: "وهو -أي: القرآن- يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ٢ ... وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس. "وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة ... ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد؟ وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الحيرة إلى بلاد الفرس، وبأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر.. فلم يكونوا إذن معتزلين، ولم يكونوا إذن

стр. 174

بنجوة من تأثير: الفرس، والروم، والحبش، والهند، وغيرهم من الأمم المجاورة لهم! "أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن، أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الشعر الجاهلي؟ أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين؟ "١. ومعنى هذا القول كما يريد المؤلف أن يفهم قارئه: أن القرآن انطباع للحياة القائمة في وقت صاحبه, وهو النبي ... وهو يمثل لذلك بيئة خاصة في عقيدتها ولغتها، وعاداتها، واتجاهها في الحياة ... وهي البيئة العربية في الجزيرة العربية. ويقول المؤلف في توضيح هذا المعنى: "وليس من اليسير: بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب! فلو كان كذلك لما فهموه ولما وعوه، ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر! وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من وثنية، وفيه رد على اليهود، وفيه رد على النصارى، وفيه رد على الصابئة والمجوس ... وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم، ومجوس الفرس، وصابئة الجزيرة٢ وحدهم ... وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها، ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة! "أفترى أحدا يحفل بي لو أني أخذت أهاجم "البوذية" أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر؟؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية، وأحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام"٣.

стр. 175

وإذن فالقرآن -بعبارة آخرى- دين محلي، لا إنساني عالمي، قيمته وخطره في هذه المحلية وحدها! قال به صاحبه متأثرا بحياته التي عاشها وعاش فيها، ولذلك يعبر تعبيرا صادقا عن هذه الحياة! أما أنه يمثل غير الحياة العربية أو يرسم هدفا عاما للإنسانية في ذاتها، فيس ذلك بحق! إنه دين بشري"، وليس وحيا إلهيا.. قاله صاحبه لقوم معينين، ولذلك تجاوبوا معه، أو قاموا ضده! ولو أن صاحبه قاله في جماعة أخرى "لما حفل به أحد" لأن ما يقوله فيه لا يتصل عندئذ بحياة الجماعة الأخرى في قليل أو كثير! فالقرآن مؤلف، ومؤلفه "نبيه" محمد! ويمتاز تأليفه بأنه يمثل حياة العرب المحدودة في شبه جزيرة العرب، في اتجاهات حياتها المختلفة: السياسة، والاقتصادية، والدينية!. ومنهج دراسة الحياة الجاهلية للعرب قبل الإسلام دراسة علمية، كان يدور عند صاحب كتاب "الشعر الجاهلي" بين أمرين لا ثالث لهما: بين ما يسمى بالشعر الجاهلي، وبين القرآن.. كلاهما للإنسان، وكلاهما يتحدث عن الحياة العربية الجاهلية، ولكنه استبعد الشعر الجاهلي واختار القرآن لهذه الدراسة؛ لأنه صادق في كونه "انطباعا" دقيقا لهذه الحياة!. القرآن إذن مصنوع ومؤلف: وهو مرآة لأفق خاص من الحياة، هو أفق الحياة في شبه الجزيرة العربية، وفي مكة بوجه خاص. وما في القرآن من عقائد لا يمثل إلا عقائد تلك البيئة ... فحديثه عن النصرانية هو: حديث عن نصرانية العرب، دون نصرانية السريان، فضلا عن نصرانية القسطنطينية ونصرانية مصر، أو نصرانية روما! وحديثه عن مودة النصارى- في مقابل موقف اليهود من المسلمين- في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١ حديث يرجع إلى أن احتكاك المسلمين بالنصارى كان

стр. 176

ضعيفا، على العكس من احتكاكهم باليهود فقد كان قويا.. هكذا يعلل صاحب كتاب "الشعر الجاهلي" على نحو ما يعبر في قوله: "وأما "يهودية اليهود" فقد ألبت عليه وجاهدته جهادًا عقليا وجدليًا؟ ثم انتهت إلى الحب والقتال!! وأما "نصرانية النصارى" فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبي قوية قوة المعارضة الوثنية واليهودية.. لماذا؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية، إنما كانت وثنية في مكة، ويهودية في المدينة.. ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران، للقي من نصارى هاتين المدينتين ما لقي من مشركي مكة ويهود المدينة"١. وليست إذن مودة النصارى للمؤمنين قائمة على أن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون كما أخبر القرآن في الآية السابقة؛ وإنما لأن النبي لم يلتق بهم كما التقى بمشركي مكة ويهود المدينة ... ولو أنه التقى بهم في مدينة نصرانية لكان وضع هذه الآية غير وضعها الحالي. ولقد وصل الأمر في نظر صاحب "الشعر الجاهلي" بالنسبة للقرآن، وأنه وحده -لا الشعر الجاهلي- يعبر تعبيرا صادقا عن حياة العرب قبل الإسلام، إلى أن القرآن في نظره لا يعبر عن "الحقائق" التي وقعت في هذه الحياة العربية الجاهلية، بل أيضا عن "الأماني" في هذه الحياة العربية وما يروج بشأنها من قصص. فكتاب "الشعر الجاهلي" يرى أن فكرة: "العرب المستعربة"، و"العرب العاربة" التي تقوم على التقاء قبيلة "عدنان" في شمالي الجزيرة العربية "في الحجاز" بقبيلة "قحطان" التي تسكن الجنوب "في اليمن" في اللغة العربية وإن كانت في الأولى مصطنعة وطارئة، وفي الثانية طبيعية وأصيلة قصة مصطنعة، تعبر عن "أمل" قريش في قيام وحدة سياسية وكتلة قوية في مواجهة قوتي الفرس والرومان. وبناء على ذلك تكون قصة إسماعيل بن إبراهيم الذي ينسب إليه العدنانيون قصة خيالية، وكذلك ما يروى من حديث نبوي: "إن أول من تكلم بالعربية ونسي لغة أبيه" وهي اللغة العبرية أو الكلدانية" إسماعيل بن إبراهيم" حديث موضوع.

стр. 177

و"القرآن" أو "محمد" لم يشأ أن يغفل شأن هذه القصة لما لها من أهمية في قريش، وبالتالي لما لها من أهمية في الصراع بينه وبين قريش صاحبة السيادة في العرب، والحريصة على الاحتفاظ بهذه السيادة بعدما قام بدعوته. يقول المؤلف في ذلك: "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح "قبل ظهور الإسلام بقليل"، فقد كانت أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في "مكة" وما حولها، وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من البلاد العربية. "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية.. وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة، ودياناتهم في البلاد العربية"١. ويقول أيضا: "أمر هذه القصة "قصة إسماعيل" إذن واضح, فهي حديثة العهد، ظهرت قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني سياسي! وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي أن يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأية لغة من اللغات السامية المعروفة، وأن قصة المستعربة والعاربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك حديث أساطير، لا حظ له ولا غناء فيه"٢. "وفي الحق إن البحث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصطنعونها

стр. 178

في شمال هذه البلاد ولدينا نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ، وفي قواعد النحو والتصريف أيضا"١. وهكذا لا يكون في نظر مؤلف كتاب "الشعر الجاهلي" معبرا عن واقع الحياة الجاهلية فحسب، بل إنه يعبر أيضا عن الأماني التي كانت تدور فيها وتشغل حظا كبيرًا من انتباه القوم، وتجذب وعيهم بالحياة وبالقوة فيها، ولذلك فهو يمثل تلك الحياة أصدق تمثيل. يقول: فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية، فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس، والنابغة، والأعشى، وزهير؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم! وإنما أسلك إليها طريقا آخر، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ... أدرسها في القرآن: فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي"٢. وتخلص من الموازنة بين كتاب "المذهب المحمدي" وكتاب: "الشعر الجاهلي" إلى ما يلي: أن كليهما يرى: - أن الحياة الجاهلية قبل الإسلام، كانت حياة حضارية ... كانت حياة حافلة بالكياسة السياسية، والنشاط الاقتصادي، والنهضة الدينية! - وأن "محمدًا" -أو الإسلام، أو القرآن- استغل المقدسات الدينية في مكة، وفي مقدمتها "البيت الحرام" أول بيت وضع للناس بمكة، والذي قام على عمارته إبراهيم والد إسماعيل! وظاهرة استغلال هذه المقدسات كما يرى كتاب "المذهب المحمدي" هي في أن ثورة محمد أو الإسلام أخذت طابع الدين، دون الطابع الاجتماعي! أما كتاب "الشعر الجاهلي" فيرى هذه الظاهرة في أن محمدا أو الإسلام اضطر إلى قبول قصة إسماعيل وتعلمه العربية اضطرارا مع أنها خرافة أثبتت الحقائق العلمية عدم وقوعها! اضطر إلى ذلك حتى لا يفقد سلاح "المقدسات الدينية" القائمة في مكة وحول مكة في صراعه مع خصومه "المكيين" إذ المكيون أنفسهم كانوا على استعداد نفسي لقبول هذه

стр. 179

القصة، رغبة في الوحدة والتكتل، ليكونوا قوة ثالثة في مواجهة قوتي الفرس والروم! - وأن "القرآن" لم يكن جديدا كل الجدة على العرب، فما فيه من عقائد كانت تعرفها مكة، وتعرفها العرب في شبه الجزيرة، لكن صاحب كتاب "المذهب المحمدي": يرى أن آية معرفتهم لذلك هي عدم معارضة المكيين له فيما ذكر من عقائد حتى عقيدة الوحدانية، وأرجع معارضتهم إياه إلى المنافسة السياسية والخشية على انهيار اقتصادهم! بينما يرى صاحب كتاب "الشعر الجاهلي": أن آية ذلك هي قبول من قبل منهم ومعارضة من عارض من بينهم. فلو لم يكن القرآن مألوفا لديهم لما عارض من عارض ولا قبل من قبل، ولا حفل به أحد، ولا كان له أي خطر!! - وأن "دعوة الإسلام" دعوة محلية، في جماعة خاصة، وفي حياة خاصة، ولذا فالقرآن أو الإسلام انطباع واضح لهذه الجماعة الخاصة -في حياتها الخاصة! ويمكن أن يتبع آثار هذه الجماعة الخاصة في حياتها الخاصة- في حياة محمد في جميع أدواره ... وهذا ما يصوره صاحب كتاب "المذهب المحمدي" ولهذا السبب يعتبر القرآن تعبيرا صادقا عن هذه الجماعة الخاصة في حياتها الخاصة، حتى عن أمانيها، كما يصوره صاحب كتاب "الشعر الجاهلي" ... وإذن فالقرآن محدود القيمة، محدود المكان، محدود الزمان! ومنطق هذا كله أن القرآن ليس وحيا لرسالة الله، إذ لو كان وحيا من عند الله لكان للناس جميعا، في كل مكان وفي كل جيل! ولو كان وحيا أيضا لرسم خطة جديدة لهداية الناس في عقيدتهم، ولم يكن حاكيا لما كان عليه بعض أفراد الجماعة الإنسانية، ثم إن العرب أنفسهم -قبل الناس الآخرين- لم يكونوا في جهل، ولم يكونوا على ضلال، حتى يحتاجوا لرسالة جديدة تدعو إلى الهداية! والفرق بعد ذلك بين الكتابين في عرض فكرة "بشرية القرآن" هو: - أن أحد الكتابين في وصفه للقرآن، وفي وصفه لصلة القرآن بالعرب يقول: - فيه "أي: القرآن" أخذ من "الوثنية" العربية.

стр. 180

- وفيه أخذ من "المسيحية" العربية. - وفيه أخذ منه "اليهودية" العربية. وهذا الكتاب هو كتاب "المذهب المحمدي". ويهم الاستشراق دائما أن يردد أن القرآن أخذ من المسيحية أو اليهودية، بدلا من أن يذكر أنه رد على المسيحية أو اليهودية! -بينما الكتاب الثاني، في تحديد هذه الصلة -وهو كتاب "الشعر الجاهلي"- يذكر أن القرآن: - فيه رد على الوثنية العربية. - وفيه رد على المسيحية العربية. - وفيه رد على اليهودية العربية. وذلك كي يوهم القارئ المسلم أن القرآن لم يلتق مع المسيحية القائمة، ومع اليهودية الموجودة إذ ذاك. وطالما حدد الكتابان القرآن بالبيئة العربية، فما وراء ذلك من اختلاف لا يحدث فرقا أصيلا بينهما؛ لأن التعبير بأنه "أخذ" من المسيحية واليهودية قصد التمهيد إلى الحكم بأن القرآن لم يكن كله جديدا على العرب، وهذا عين ما قصده التعبير بأنه "رد"! وبيئة الكاتبين هي التي أوحت إلى كل منهما بالاختلاف في التعبير، على نحو ما رأينا! ولم يكن القصد في الموازنة بين الكتابين في عرض "بشرية القرآن" إلى بيان أن أحدهما أخذ من الثاني. بل كان القصد أولا وبالذات، إلى توضيح أن كتاب: "الشعر الجاهلي" في العالم العربي يحكى رأي المستشرقين في هذا الجانب. ذلك الرأي الذي تنوعت أساليبهم في عرضه، والذي يعد مع ذلك هدفا سياسيا في بحوثهم منذ أن نشأ الاستشراق، ومنذ أن اتجه الاستشراق من مبدأ أمره إلى تمكين الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية، عن طريق إضعاف قيمة الإسلام كدين ورسالة من رسالات السماء!
следующие страницы →