أما الزواج بأكثر من واحدة، فيرى -الشيخ محمد عبده- الناس غنيهم وفقيرهم، قد اتخذوه طريقا لصرف الشهوة، وغفلوا عن القصد الحقيق منه. وهذا لا تجيزه الشريعة، ولا يقبله العقل!! "فاللازم الاقتصار على واحدة، إذا لم يقدروا على العدل -كما هو مشاهد- عملا بالواجب عليهم، بنص قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١ وأما الآية: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢، فهي مقيدة بآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ، كما يجب عليهم أن يتبصروا قبل طلب التعدد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من "العدل" وحفظ الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من الغوائل التي تؤدي بهن إلى الأعمال غير اللائقة، ولا يحملوهن على الإضرار بهم وبأولادهم، ولا يطلقون إلا لداع ومقتض شرعي، شأن الرجال الذين يخافون الله، ويوقرون شريعة العدل، ويحافظون على حرمات النساء وحقوقهن، ويعاشروهن بالمعروف، أو يفارقوهن عند الحاجة"٣.
- ويذكر البدع: ومدى دلالتها على الانحراف في الاعتقاد، فيذكر منها على الخصوص: زيارة قبور الأولياء، والتشويش على المصلين في المساجد بضرب الطبول والباز. وفي الوقت الذي كان يعيب فيه الشيخ محمد عبده مثل هذه البدع، لم يكن مفتيا ولا قاضيا ولا معلما، بل كان محررا في صحيفة "الوقائع المصرية"، ونصيبه الذي ساهم به في محاربة عيوب المجتمع المصري والإسلامي -ومن بينها البدع- هو: لفت النظر إليها، والثناء على القائمين بالأمر عند اتخاذهم تدبيرا من التدابير ضد بدعة معينة، بالإضافة إلى ذكر الأسانيد الشرعية والقانونية، أو الاستشهاد بأحوال الأمم وقت قوتها أو ضعفها على حال يريد بقاؤه أو يريد إزالته"٤!!
- الرشوة: كعنوان على الضعف الخلقي، ينعى عليها إلى حد أنه اعتبر أنها أمارة على فقد الشعور بالواجب وأدائه: في الأمة، والأداة الحكومية على السواء!! وأنها عادة شنيعة مضرة بالدين والدنيا، في طباع أدنياء الهمم، تقربا لذوي المناصب، وتذللا خبيثا، لا يجوزه الشرع ولا قانون البلاد، وتنفر منه نفس كل ذي إحساس إنساني!.
стр. 107
ولأنها أمر مضاد لمعنى الإنسانية، ومضاد بالتالي للشرع وقانون البلاد، يرى الشيخ محمد عبده أن الراشي والمرتشي شركاء في هذه الجريمة الخلقية، بل يرى أن نصيب الراشي في ذلك أكبر!! وحينئذ فما يلحق الراشي من اللوم أشد مما يلحق المرتشي وإن كان كل منهما مجرما؛ لأن الأول ضيع ماله واسترسل مع الجبن وضعف مع الوهم في مقام يستوي فيه الحاكم والمحكوم أمام القانون، وأمال المرتشي لأخذ الرشوة وقوى طمعه ودله على الشر وكلف نفسه بما لم يكلف به"!! ١
- عدم المبالاة بالمصلحة العامة: ومما عابه كذلك على المجتمع المصري -وكذلك المجتمع الشرقي الإسلامي- عدم المبالاة بالمصلحة العامة. "فانظر إلى هذه الحال الرديئة التي نشأت من تفرق القلوب، وانقطاع التواصل بين النفوس! فلا يهتم واحد بعمل يشترك في منفعته مع آخر وإن كان يتحقق الضرر لنفسه بتركه، كأن اشتراك الغير في المنفعة صيرها مضرة وينبغي اجتنابها!! وكان من الواجب أن الاشتراك يدعو إلى التعاون والقوة بدل التهاون والانحطاط. فكأنهم سلبوا الخواص الطبيعية التي لإنسان الجبال والغابات"٢.
- وأخيرا يتحدث عما سماه فقدان ملكة "حفظ الماضي" والاحتفاظ بملكة الحقد والضغينة.
وهنا يتحدث الشيخ محمد عبده عن الرسوم والتماثيل على أنها: "قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية!! وهي التي تسمى في العرف الحديث: متاحف الأمم أو الحضارة الإنسانية. فهي وسيلة فائدتها محققة لا نزاع فيها".
وهو لذلك يرى: "أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، وبعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين: لا من جهة العقيدة ولا العمل"٣!!
стр. 108
ويرى الشيخ محمد عبده أن المسلمين اعتادوا أن يخوضوا مجال التساؤل فيما تظهر منفعته ليحرموا أنفسهم منه، وهم لا يعنون بحفظ شيء يبقى نفعه لمن يأتي بعد!! "فليست ملكة الحفظ مما يتوارث عندنا!! وإنما الذي يتوارث هو ملكات الضغائن والأحقاد، تنتقل من الآباء إلى الأولاد حتى تفسد العباد، وتخرب البلاد، ويلتقي بها أربابها على شفير جنهم يوم المعاد"١!!
- ضرورة إعادة توزيع الثروة في الأمة:
وكما تكلم هنا في الجانب الاجتماعي عن الروح الجماعية، وعيوب المجتمع، تكلم عن بعض العادات التي تتصل بالثروة الوطنية:
- فعاب السفه والإسراف.
- وحدد معنى الاقتصاد بأنه الحد الوسط، ومدحه ونصح به.
- ثم حدد موقفه من "الرأسمالية" وعيوبها، ونصح بتوزيع الثروة في الأمة على غالبية الأهالي.
- فيصف المسرفين: فيقول: "ولكن أبى حاكم الشهوات، إلا أن يكلف هؤلاء الضعفاء النفوس المنحطي الأفكار بما يطيقون!! كأنهم يبرهنون بأعمالهم هذه، وتهورهم في الإسراف والإنفاق، على أنهم ليسوا أهلا للثروة!! ولا مستحقين للغنى ولا يتحملون ثقل الخير على أنفسهم، بل يحبون أن يكونوا على الدوام فقراء تربين لا يملكون شيئا، وإن كانوا في صورة أغنياء موسرين، ويرغبون أن يكونوا تحت ذل الدين، ولا يعلمون أن نكبات الدهر كثيرة الورود، شديدة البطش"٢!! ويستند في ذلك إلى الآية: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ٣.
- ويحدد الاقتصاد: بأنه: "فضيلة من فضائل الإنسانية الجليلة. فإذا جمع الشخص بين الإمساك عما لا يلزمه، والبذل فيما هو أحوج
стр. 109
إليه، فقد حاز فضيلة "الاقتصاد" التي قال بها نبينا ﷺ : $"الاقتصاد نصف المعيشة"١.
- وموقفه من "الرأسمالية": تكشف عنه هذه الكلمات: "إذا انحصرت الثروة في دائرة مخصوصة، عند أشخاص قليلين، لوازمهم ليست بالكثير، فتكسد أسواق الصناعة والتجارة، لقلة الراغبين في الصنائع والبضائع، أي: لقلة القادرين على اقتنائها!! وهذه الصورة خاصة بالرأسمالية في المجتمعات الشرقية الإسلامية: وهي اكتناز المال في غير تداول، وتقل الرغبة في الأعمال الزراعية، إذ يكون الجميع كأجراء، لا يهتمون اهتمام الملاك، وأن أغنى البلاد، وأسعدها: هي البلاد التي توزعت ثروتها على غالب أهلها، ويزداد الضرر إذا وقعت الأملاك والمبيعات في أيدي الغرباء الأجانب"٢.
- جانب الاعتقاد:
وتناول محمد عبده في جانب الاعتقاد موضوعين رئيسيين:
- تحرير المسلم من عقيدة الجبر مع الإبقاء على عقيدة القدر.
- وإفهام المسلم بأن عقل الإنسان نعمة من الله، يجب أن يتلاءم ويسير جنبا إلى جنب مع دين الله، ورسالته للإنسان. وأن إغفال العقل معناه الغض من هذه النعمة.
مشكلة الجبر:
ربما يرى الشيخ محمد عبده أن التبعية المطلقة للمذاهب والكتب المتأخرة، لم تكن ذات صلة فحسب بالإحساس بضعف الشخصية العلمية في وقته، وعدم مسايرتها الشخصية الإسلامية الأولى في خطواتها الإيجابية، وموقفها الواضح من الكتاب والسنة بل كانت ذات صلة أيضا بعقيدة "الجبر"!
стр. 110
فكما يكون من نتائج مذهب "الجبر" الشعور بضعف شخصية المعتقد في نفسه أمام الله، يكون من نتائجه شعوره بهذا الضعف أمام غيره من البشر؛ لأن اعتقاد الجبر يقوم في واقع الامر على إلغاء الشخصية والوجود الذاتي، وإذا كان هذا الإلغاء في الأصل هو بالنسبة إلى الله المعبود، فإنه قد يدفع المعتقدين به إلى أن يتجاوز بشعورهم بضعف شخصيتهم دائرة الصلة بينهم وبين الله. إلى الصلة بينهم وبين المخلوقين، والجبري مؤمن سلبي في الحياة، أخص مظاهر سلوكه الاعتماد على غيره، ولو كان هذا الغير أضعف منه في واقع الأمر.
وعلى كل حال فعقيدة "الجبر" تتلاءم مع "التقليد"، وكلاهم مظهر الضعف في الحياة! و"الجبري"، و"المقلد": كلاهما تقوم حياته على الصدفة، وكلاهما يتهاون في ترك مجال الحياة لغيره، وكلاهما لا يعنى بالنظر إلى غيره.
والشيخ محمد عبده -عليه رحمة الله- منذ أن ثار على "التوجيه"القائم في وقته، ثار في واقع الأمر على الضعف والتهاون، وثار على سلبية الإنسان في الحياة، وأراد للمسلم أن يكون ذا شأن وإيجابية في يومه وغده.
وهنا في تحديد الصلة بين المسلم وربه، لم يرض أن تكون عقيدة الإنسان في هذا الجانب عقيدة "الجبري"، لأن هذا الاعتقاد سيفضي حتما إلى ضعف الإنسان، ويصير به إلى أن يكون عديم الإرادة، وعديم الإيجابية في الحياة.. ومن أجل هذا يكافح محمد عبده عقيدة "الجبر"، ومن أجل أن يكون المسلم بناء يدعو محمد عبده إلى عقيدة "الاختيار" بقوله:
"لو شئت لقربت البعيد فقلت: إن من بالغ الحكم في الكون أن تتنوع الأنواع على ما هي في العيان، ولا يكون النوع ممتازا عن غيره حتى تلزمه خواصه، وكذا الحال في تميز الأشخاص، فواهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ما هي عليه، ثم كل وجود متى حصل كانت له توابعه، ومن تلك الأنواع الإنسان، ومن مميزاته -حتى يكون غير سائر الحيوانات- أن يكون مفكرا، مختارا في عمله، على مقتضى إرادته. فوجوده الموهوب مستتبع لمميزاته هذه. ولو سلب شيء منها لكان إما ملكا أو حيوانا آخر. والفرض أنه إنسان، فهبة الوجود له لا شيء فيها من القهر"١!.
стр. 111
ولم يسلك محمد عبده في مكافحة عقيدة "الجبر" من جانب، وفي الدعوة إلى "عقيدة "الاختيار" من جانب آخر مسلك الإنسان الفيلسوف. الذي يستمد الرأي من وجهة نظر خاصة، تمكنت من نفسه ورغب في شرح الحياة والوجود على أساس منها بل سلك، كشأنه فيما نقد ورأى، مسلك رجل الدين المتبصر، فالأساس الذي يقوم عليه تفكيره أساس ديني، والهدف الذي يبغي الوصول إليه هو هدف ديني، والطريق بين الأساس والهدف يتسم بالصبغ الدينية.
علل قوله: "بالاختيار" ببعض نصوص القرآن الدالة على إسناد الفعل والعمل إلى الإنسان، وببعض النصوص الأخرى التي ربطت الجزاء الأخروي بالعمل في هذه الحياة الدنيا "كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ١ يقول:
"تجلت بدعوة التوحيد للإنسان نفسه حرة كريمة، وأطلقت إرادته من القيود التي كانت تعقدها بإرادة غيره: سواء أكانت إرادة بشرية ظن أنها شعبة من الإرادة الإلهية أو أنها كإرادة الرؤساء والمسيطرين، أو إرادة موهومة اخترعها الخيال, كما يظن في الأشجار والكواكب، ونحوها. وقرر أن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢، و ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٣.
وأضاف محمد عبده إلى هذه النصوص تبرير العقل لذلك، على نحو ما ينسب إلى رجال الاعتزال في تصحيح التكليف من الوجهة العقلية، ويؤثر عن هؤلاء الرجال أنهم يقولون: إن التكليف لا يترتب عليه الجزاء بنوعيه -عقلا- إلا إذا كان الإنسان "مسئولا" ولا تعقل مسئوليته إلا إذا كانت له إرادة بالفعل وكان له "اختيار" في واقع الأمر.
وهذا التبرير العقلي ليس عملا عقليا مستقلا عن رأي الدين، بل هو شرح لما جاء فيه من عقائد وفرائض، فهو دليل على شيء معتقد بالفعل، وليس دليلا قصد به إنشاء عقيدة يقول في ذلك:
"لا ينبغي للإنسان أن يذل فكره لشيء سوى الحق، والذليل للحق
стр. 112
عزيز. نعم يجب على كل طالب أن يسترشد بمن تقدمه، سواء أكانوا أحياء أم أمواتا، ولكن عليه أن يستعمل فكره فيما يؤثر عنهم، فإن وجده صحيحا أخذ به، وإن وجده فاسدا تركه!! والحاصل أن الفكر الصحيح يوجد بالشجاعة، والشجاعة هنا قسمان: شجاعة في رفع القيد الذي هو التقليد الأعمى، وشجاعة في وضع القيد الذي هو الميزان الصحيح الذي لا ينبغي أن يقرر رأي ولا فكر إلا بعد ما يوزن به ويظهر رجحانه، وبهذا يكون الإنسان حرا خالصا من رق الأغيار، عبدا للحق وحده"١.
ويزيد الشيخ محمد عبده على هذ التبرير العقلي، الذي يعرف للمدرسة الاعتزالية ولفلاسفة المسلمين، تبريرا آخر يشتقه من هدف الإسلام في حياة الإنسان. وهو: أن الإنسان "المختار" لبنة إيجابية في بناء الجماعة، وهو لهذا دعامة قوية لا يتواكل ولا يني في العمل والإنتاج، وذلك هو ما يقصده الإسلام في توجيهه للإنسان، لا يبغي إنسانا سلبيا متهاونا، ولا جماعة كثيرة العدد قليلة العدة كغثاء السيل، تداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وينزع الله المهابة من قلوب أعدائها! وهنا يذكر الإمام:
"صاح -الإسلام- بالعقل صيحة أزعجته من سباته، وهبت به من نومة، طال عليه فيها الغياب، وجهر بأن الإنسان لم يخلق ليقاد بالزمام، ولكنه فطر على أن يهتدي: بالعلم، وأعلام الكون، ودلائل الحوادث، فأطلق بهذا سلطان الحق من كل ما قيده، وخاصة من كل تقليد كان استعبده، ورده إلى مملكته، يقضي فيها بحكمه وحكمته"٢.
ولكنه بعد ذلك يفرق بين: مذهب "الجبر" وبين معنى "القدر". يقول في رده على هانوتو، المستشرق الفرنسي:
"اعتقد الإفرنج أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر، وبين الاعتقاد بمذهب الجبريين، القائلين بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله، وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القضاء يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الريح كيفما تميل. ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون، وإنما جميع ذلك بقوة
стр. 113
جابرة وقدرة قاسرة، فلا ريب تتعطل قواهم، ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى، وتنمحي من خواطرهم داعية السعي والكسب، وأجدر بهم بعد ذلك أن يتحولوا من عالم الوجود إلى عالم العدم!!
"وهكذا ظنت طائفة من الإفرنج، وذهب مذهبها كثيرون من ضعاف العقول في المشرق، ولست أخشى أن أقول: كذب الظان، وأخطأ الواهم، وبطل الزاعم، وافتروا على الله والمسلمين كذبا, لا يوجد مسلم في هذا الوقت من سني، وشيعي، وإسماعيلي، وزيدي، ووهابي، وخارجي يرى مذهب "الجبر" المحض، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة. بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزءا اختيارايا في أعمالهم، ويسمى "الكسب" وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم، وأنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري، ومطالبون بامتثال جميع الأوامر الإلهية، والنواحي الربانية الداعية إلى كل خير، الهادية إلى كل فلاح، وإن هذا النوع من الاختيار هو مورد التكليف الشرعي، وبه تتم الحكمة والعدل.
"نعم كان بين المسلمين طائفة تسمى "الجبرية" وذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل والمضغ، وبين أن يتحرك بقفقفة البرد عند شدته!! ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع السلطة الفاسدة، وقد انقرض أرباب هذه المذاهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة.
وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر، هو عين الاعتقاد بالجبر، ولا من مقتضيات ذلك ما ظنه أولئك الواهمون. الاعتقاد بالقضاء: يؤيده الدليل القاطع، بل ترشد إليه الفطرة، ويسهل على من له فكر أن يلتفت إلى أن كل حادث له سبب يقارنه في الزمان، وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه، ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها، وأن لكل منها مدخلا ظاهرا فيما بعده بتقدير العزيز العليم، وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة. وليست الإرادة إلا أثرا من آثار الإدراك، والإدراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس وشعورها بما أودع في الفطرة من الحاجات. فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله، فضلا عن عاقل. وأن مبدأ هذه الأسباب التي ترى في الظاهرة مؤثرة: إنما هو بيد مدبر الكون الأعظم، الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته، وجعل كل حادث تابعا لشبهه، كأنه جزء له، خصوصا في العالم الإنساني.
стр. 114
"ولو فرضنا أن جاهلا ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم، فليس في إمكانه أن يتملص عن الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية، والحوادث الدهرية، في الإرادات البشرية، فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنها الله في خلقه؟؟ هذا أمر يعترف به طلاب الحقائق فضلا عن الواصلين!!
"الاعتقاد بالقضاء والقدر، إذ تجرد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة، ويبعث على اقتحام المهالك، التي ترجف لها قلوب الأسود، وتنشق منها مرارة النمور. هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات، واحتمال المكاره، ومقارعة الأحوال، ويحليها بحلى الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج عن كل ما يعز عليها، بل يحملها على بذل الأرواح، والتخلي عن نضرة الحياة. كل هذا في سبيل الحق، الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة.
"والذي يعتقد بأن الأجل محدود، والرزق مكفول، والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء -كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمته أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك؟ وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله، في تعزيز الحق وتشييد المجد، على حسب الأوامر الإلهية، وأصول الاجتماعات البشرية؟
"امتدح الله المسلمين بهذا الاعتقاد، مع بيان فضله، في قوله الحق: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
"هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغص بها الفضاء، ويضيق بها بسيط الغبراء، فكشفوهم عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم"٢.
стр. 115
في صلة العقل بالوحي.. أو في صلة استخدام العقل كمطلوب للوحي:
وفي توضيحه صلة العقل بالوحي، أو صلة رجال العقل برجال النص في الجماعة الإسلامية. يرى الشيخ محمد عبده ما رآه "ابن رشد" في القرن السادس الهجري، وما رآه "ابن تيمية" في القرن الثامن من قرون الهجرة، ومن أن النص يجب أن يتفق مع العقل ... يقول:
"فقد أمر الكتاب بالنظر واستعمال العقل: فيما بين أيدينا من ظواهر الكون، وما يمكن النفوذ إليه من دقائقه، تحصيلا لليقين بما هدانا إليه، ونهانا عن التقليد بما حكى من أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم، فالتقليد مضلة يعذر فيها الحيوان، ولا يجمل بحال الإنسان"١!
ويقول أيضا:
"والذي علينا اعتقاده: أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد، لا دين تفريق في القواعد! العقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوى أركانه, وما وراء ذلك فنزعات شياطين، أو شهوات سلاطين"٢!
فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله، والعقل الإنسان أثر أيضا من آثار الله في الوجود. وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض، ولا يعارض بعضها بعضا!
- لأنها آثار للكامل كمالا مطلقا: والعقل البشري يحيل أن يكون هناك تناقض بين آثار الكامل المطلق؛ لأن التناقض في الأفعال نقص! فلو تعارضت أو تناقضت الآثار الصادرة من مصدر واحد، دل تعارضها وتناقضها على عدم الكمال المطلق لهذا التصرف.
- لأن الوحي مصدر هداية، والعقل الإنساني مصدر هداية أيضا: وكلاهما يهدف إلى تحديد الطريق المستقيم في الحياة للإنسان، وإلى تحديد الغاية الأخيرة في هذا الوجود. وأمران شأنهما هذا الشأن، لا بد أن يتفقا في التحديد الإجمالي -على الأقل- لطريق الإنسان في حياته، وغايته في وجوده.
стр. 116
فإن بدا أن هناك اختلافا بين تطبيق رسالة الوحي واستخدام العقل، كان منشأ هذا الاختلاف: إما تحريف في نص رسالة الوحي، أو سوء في استخدام العقل، والمحرف للرسالة السماوية، وكذلك المسيء لاستخدام العقل الإنساني، وهو: الإنسان هنا وهناك، وليس الملك الذي نزل بالوحي، ولا الرسول المصطفى لتبليغ الرسالة!
طبيعة الوحي يجب أن توافق طبيعة العقل الإنساني إذن؛ لأنهما معا مصدر هداية, صدرا لغاية واحدة من كامل كمالا مطلقا.
وتحريف الكتاب المنزل بتخريج نصوصه تخريجا يبعده عن هدفه، تحت التأثر بعوامل شخصية، أو التأثر بمذهب معين, عمل من شأنه أن يحول بين انسجام الكتاب المنزل والعقل السليم في الإنسان!
والدخول في بحث العقل للكتاب المنزل وللرسالة الإلهية، بعد الاعتقاد بعقيدة خاصة، أو قبل التخلي عن المؤثرات المغرضة يجعل من الصعب أن يوافق مثل هذا العقل الباحث أهداف الكتاب السماوي، ورسالة الله في جماعة الإنسان!
والإنسان هو الذي يخرج الكتاب تخريجا فيه بعد أو مجافاة لهدفه الأصيل، والإنسان نفسه هو الذي يميل بالعقل الإنساني نحو عقيدة خاصة أو جهة معينة، وينحرف به عن أن يكون العقل الخالص، الذي فطر الله الإنسان عليه!! وبذلك يكون الإنسان هو الذي حال دون أن يوافق الكتاب العقل، ودون أن يوافق العقل الكتاب، وليست طبيعة كل منهما هي التي حالت دون ذلك.
وابن رشد -قبل محمد عبده- كتب كتابه: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" وكذلك كتب ابن تيمية كتابه: "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول".
- وابن رشد: وإن هدف فيما كتبه في الكتاب السابق إزالة الخلاف بين الفكر الإغريقي والإسلام، إلا أنه أسس ذلك على عدم التنافر بين طبيعية الدين كدين، وطبيعة العقل كعقل.
- والثاني: وهو ابن تيمية وإن قصد مباشرة إلى عيب الفكر الإغريقي ونقضه، إلا أنه في الوقت نفسه برهن على أن طبيعة الدين -فيما ينقل
стр. 117
نقلا صحيحا- لا تعارض طبيعة العقل، إذا تخلى هذا العقل عن الظنون والهواجس والغرض في أحكامه.
- والشيخ محمد عبده: في معالجة الصلة بين الوحي والعقل، لم يهدف إلى ما هدف إليه ابن رشد، كما لم يقصد إلى ما عناه ابن تيمية بل أراد من أول الأمر أن يوضح أن فطرة الله التي فطر الناس عليها فيما يتصل بالعقل، لا تعارض مظهرا آخر من مظاهر الله، ومن آثاره في ملكوته، وبالأخص لا تعارض رسالة الوحي كما يتضمنها الكتاب المنزل، في صورته الأصيلة.
جانب التربية والتوجيه العام:
وفي هذا الجانب الأخير اتجه تفكير الشيخ محمد عبده إلى:
- محاربة الحزبية المذهبية والتقليد.
- ومحاربة سلطة الكتاب الموجه: وإخضاعه للنقد العقلي والتاريخي، وللتصحيح والتعديل.
- وإصلاح الأزهر: باعتباره قلب الجماعة الإسلامية، إن فسد فسد الجسم. وإن صلح صلح الجسم.
وأخيرا إحياء الكتب القديمة: للتعرف على العقليات الإسلامية المنتجة في تاريخ الجماهير الإسلامية، والانتفاع بصحيح الآراء، والبناء على هذا الصحيح منها، تبعا لمقتضى الحياة المعاصرة.
محاربة الحزبية المذهبية التقليدية:
وجد الشيخ محمد عبده أن انقسام الجماعة الإسلامية إلى فرق وأحزاب، وصل إلى مرحلة ضعفت فيها الجماعة عن أن تكون جماعة واحدة، لها عناصر الأمة القوية. وذلك بسبب طغيان التبعية أي: عدم انفكاك التابعين لمذهب ما عن تقدير هذا المذهب، ومنحه سلطة عليا في التوجيه والاعتقاد في كل رأي من آرائه، وفي كل مؤلف من تأليفه، والخطر الذي يهدد الجماعة -أي جماعة- لا يكمن في تعدد مذاهبها في التفكير أو الاعتقاد، بل في تحكم هذه المذاهب وسيطرتها على التابعين بحيث يهاب هؤلاء التابعون نقدها، وإبداء الرأي في قيمتها، وعندئذ تكون الجماعة
стр. 118
الواحدة جماعات وشعوبا وطوائف، بينها فواصل منيعة، تحول الفواصل دون تجاوبها لتوجيه واحد، ولغاية واحدة، ودون سيرها في اتجاه واحد، ولغاية واحدة. وهي فواصل هذه التبعية، أو فواصل التعصب البغيض الناشئ عن الحزبية الجامحة.
وجد الشيخ محمد عبده انقسام الجماعة الإسلامية على هذا النحو. وجد فجوة واضحة بين المتكلمين بعضهم تجاه بعض. وفجوة أشد من هذه وضوحا بين المتكلمين جميعا من جانب وأرباب العقل والفلسفة من جانب آخر. كما وجد أرباب المذاهب الفقهية وهي مذاهب التوجيه في معاملات الناس بعضهم لبعض، وفي عبادة الناس لخالقهم، يتنابذون في الخصومة, ويعرضون قيمهم البشرية للتجريح، وقيمهم المذهبية في سلوكهم الديني للأخذ والرد، على نحو ما يوجد في كتب الفقهاء المتأخرين.
لهذا لم يجد مناصا من أن يعرض لقيم هذه المذاهب، ولم يجد مناصا كذلك من أن يكون تقديره إياها بحيث لا يجعل لواحد منها رجحانا مطلقا على آخر، وبذلك تكون وضعية هذه المذاهب أمام المجتمع الإسلامي وضعية الشارح لأول الإسلام وتعاليمه، الذي من شأنه أن يصيب ويخطئ؛ لأن هذا الشارح إنسان، ومن أجل ذلك لا يحق لمذهب منها، فضلا عن المتابعين له، وأن يدعي أنه هو الحق على الإطلاق، أو أنه يمثل الإسلام كصورة تامة له.
وتناول محمد عبده عرض قيم هذه المذاهب:
- في بيانه لـ"علم الكلام" وفي الوقت نفسه في موقفه هو من علم "التوحيد".
- وكذلك: في رأيه في تحديد "الفرقة الناجية" من بين الفرق الكلامية:
ففي تقديره لبحوث "المتكلمين" الإلهية خالف معاصريه، وخالف التقدير السائد إذ ذاك لعلم التوحيد، وقد كان المعاصرون له في الأزهر يرون أن علم التوحيد -وما دار في كتبه من أخذ ورد في عرض أدلة الفرق الكلامية على مذهبهم- وسيلة إيجابية, ومنهج واجب الاتباع، في تنشئة الاعتقاد الصحيح بالله بين المسلمين، ولهذا تلي منزلته -في مواد الثقافة الإسلامية الموجهة -منزلة القرآن الكريم وعلومه، أي: تلي مباشرة المباحث التي تتعلق بالمصدر الأصيل للإسلام.
стр. 119
خالف محمد عبده هذا التقدير، ورأى رأي "الغزالي" -ومن قبل الغزالي إمام الحرمين "أبو المعالي الجويني"- في أن علم الكلام يصلح أن يكون وسيلة من وسائل الدربة الذهنية، والتمرينات العقلية، ولكنه لا يصلح بحال أن يكون وسيلة لتنشئة العقيدة الإسلامية، أو تدعيم الإيمان بها!! وأصلح الوسائل لذلك منهج القرآن نفسه في عرض الدعوة الإسلامية، ومطالبة الناس باتباع ما يدعو إليه الإسلام، إنه منهج "الإقناع": ذلك المنهج الذي يراعي الفطرة الإنسانية العامة، وهي القدر المشترك بين الناس جميعًا. وهو من أجل هذا يلائم الدين، من حيث إنه للكافة، وليس توجيها خاصا لفريق معين في الجماعة الإنسانية، أما علم الكلام في جميع مذاهبه على نحو ما تصور، كتب المتأخرين، فقد بعد باستخدام المنطق الأرسطي عن هذا المنهج، وأصبح بذلك وسيلة الحجاج لدى الخاصة ممن اتصلوا بالفكر الإغريقي، واستمرءوا منطقه الصوري في البرهنة.
أما بالنسبة لتحديد "الفرقة الناجية" بفرقة خاصة من بين فرق المتكلمين, فيتجلى موقف محمد عبده في تعليقه على شرح "الرسالة العضدية١.. وشارح هذه الرسالة أصلا هو جلال الدين الصديقي الدواني، المتوفى سنة ١٠٦٧هـ، وقد استهل رسالته بقوله:
"وقال النبي ﷺ : "ستفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة"، قيل: ومن هم؟ قال: "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي" ثم بعد أن أورد المؤلف الحديث عمد إلى تحديد هذه الفرقة الواحدة الناجية بقوله: "وهذه عقائد الفرقة الناجية وهم الأشاعرة"".
وبعد أن انتهى من هذا التحديد عقب الشيخ محمد عبده بقوله: "لا بد لنا أن نتكلم في هذا الحديث بكلام موجز، فاسمع واعلم أن الحديث قد أفادنا:
١- أنه يكون في الأمة فرق متفرقة.
٢- وأن الناجي منهم واحدة.
٣- وقد بينها النبي، بأنها هي التي على ما هو عليه وأصحابه.
стр. 120
"وكون الأمة قد حصل فيها افتراق على فرق شتى, تبلغ العدد المذكور أو لا تبلغه: ثابت، وقد وقع لا محالة.
"وكون الناجي منهم واحدة أيضا حق لا كلام فيه، فإن الحق واحد، وهو ما كان النبي عليه وأصحاب، فإن ما خالف النبي عليه فهو رد.
"أما تعيين أي فرقة هي الفرقة الناجية، أي: التي تكون على ما هو عليه وأصحابه: فلم يتبين بعد إلى الآن".
"فإن كل طائفة -ممن يذعن لنبينا بالرسالة- تذهب فتجعل نفسها على ما النبي عليه وأصحابه! حتى إن "مير باقر الدماد" برهن على أن جميع الفرق المذكورة في الحديث هي فرقة الشيعة، وأن الناجي منهم فرقة الإمامية، وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم وسائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة.
فكل يدعي الأمر، ويقيم على ذلك أدلة. وذكر الفلاسفة وأدلتهم.. والصوفية وأدلتهم ... والمعتزلة وأدلتهم ... وأهل السنة وأدلتهم ... قال: "فكل يبرهن على أنه الفرقة الناجية المذكورة في الحديث، وكل مطمئن بما لديه، وينادي نداء المحق لما عليه! والوقوف على حقيقة الحق في ذلك يكون من فضل الله وتوفيقه.
فإن للناظر أن يقول:
- أن تكون الفرقة الناجية، والواقفة على ما كان عليه النبي وأصحابه قد جاءت وانقرضت، وأن الباقي الآن من غير الناجية.
- أو أن الفرق المرادة لصاحب الشرع -في هذا الحديث- لم تبلغ العدد الآن، وأن الناجية ما وجدت، وستوجد.
- أو أن جميع هذه الفرق ناجية: حيث إن الكل مطابق لما كان عليه النبي وأصحابه من الأصول المعلومة لنا عنهم كالألوهية، والنبوة، والمعاد، وما وقع فيه الخلاف، فإنه لم يكن يعلمه علم اليقين، وإلا لما وقع فيه خلاف.
- أو أن بقية الفرق ستوجد من بعد، أو وجد منها بعض ولم يعلم، أو علم, كمن يدعي ألوهية علي مثلا: "وبناء على هذا الافتراض تكون
стр. 121
الفرقة التي لم تعلم أو علمت -وقد وضح انحرافها- هي غير الناجية، وما عداها هو الناجي".
- وموجب هذا الترديد: أنه ما من فرقة إلا ويجدها الناظر معضدة بكتاب، وسنة، وإجماع، وما يشبه ذلك "كالقياس". والنصوص فيها متعارضة!
"والحق الذي يرشد إليه الشرع والعقل، أن يذهب الناظر المتدين إلى إقامة البراهين الصحيحة على:
- إثبات الصانع، وهو واجب الوجود.
- ثم منه إلى إثبات النبوات.
ثم يأخذ كل ما جاءت به النبوات بالتصديق والتسليم، بدون فحص فيما تكنه الألفاظ، إلا فيما يتعلق بالأعمال، على قدر الطاقة.
"وإن أراد التأويل لغرض: كدفع معاند أو إقناع جاحد، فلا بأس عليه إذا سلم برهانه من التشويش والتقليد".
وبهذا النقد للمذاهب الكلامية في ذاتها وهذا الموقف من تحديد مذهب معين منها على أن أتباعه هم الناجون، ثم برفع الفجوة بين صنعة "العقل" ورسالة "النص" من قبل. خلخل الشيخ محمد عبده التبعية، والتعصب لهذه المذاهب، وحول "القداسة" التي منحها تابعو هذه المذاهب إياها، وكذلك "السلطة" التي كانت لهذه المذاهب على نفوس تابعيها، حولهما إلى المصدر الأول للإسلام وهو: القرآن الكريم، ثم إلى السنة الصحيحة بعده، على نحو ما كان الشأن أيام الدعوة وبعدها بقليل في القرن الأول الهجري.. إنه يقول:
"ألم يأن لنا أن نرجع إلى المعروف مما كان عليه سلفنا، فنحيا بما كان قد أحياهم، ونترك ما ابتدعه أخلافهم مما أماتهم وأماتنا معهم"١؟!
стр. 122
ويقول أيضا:
"فالقرآن سر نجاح المسلمين، ولا حيلة في تلافي أمرهم إلا إرجاعهم إليه، وما لم تقرع صيحته أعماق قلوبهم وتزلزل هزته رواسي طباعهم، فالأمل مقطوع من هبوبهم من نومهم، ولا بد أن يؤخذ القرآن من أقرب وجوهه، على ما ترشد إليه أساليب اللغة العربية، ليستجاب لدعوته، كما استجاب لها رعاة الغنم وساقة الإبل ممن نزل القرآن بلغتهم، والقرآن قريب لطالبه، متى كان عارفا باللغة العربية، ومذاهب العرب في الكلام، وتاريخهم وعوائدهم أيام الوحي"١.
وبهذا اعتقد الشيخ محمد عبده أنه صان وحدة الجماعة الإسلامية. وعمل على تماسكها من جديد.
وربما يكون طريقه إلى ذلك أنجح من طريق "الأشعري" ثم من طريق "ابن تيمية" بعده في محاولة كل منهما تخفيف حدة المذاهب الإسلامية وإرجاع المسلمين إلى الكتاب والسنة، وإلى الوحدة الأولى للجماعة الإسلامية.
- لأن "الأشعري" قامت محاولته: على إقرار بعض الآراء من هذا المذهب وعدم إقراره للبعض الآخر منه، ثم انتخابه بعض آراء أخرى من مذهب آخر وتركه البعض الآخر فيه. وهكذا ... ثم ضم المنتخب، الذي أقره بعضه إلى بعض، في وحدة سماها: مذهب "أهل السنة والجماعة".
- وكذلك فعل "ابن تيمية" في نطاق أوسع: فما قبله من الآراء برهن على صحته، وما رفضه منها برهن من الشرع والعقل على عدم اعتباره.
ومن شأن مثل هذه المحاولة أن تبقي على القيمة الدينية لبعض الآراء الكلامية، وهي الآراء التي قبلت من صاحب المحاولة وذلك يؤدي بدوره إلى أن هذه القيمة لها صلة بالعقيدة من حيث تكوينها، أو توقيتها وتأكيدها.
- وهذا ما لم يقبله الشيخ محمد عبده، إذ جعلها قاصرة على الدربة الذهنية، وأوضح أن سبيل العقيدة يجب أن يكون هو السبيل الذي حدده القرآن الكريم في عرض دعوته.
стр. 123
وطالما كانت هناك قيمة عقيدية باقية للمذاهب في جملتها، فالتبعية باقية له.
وعندئذ ليس هناك ضمان أن تعود لهذه التبعية سلطاتها، وبذلك تعود فجوة الفرقة إلى قوتها الأولى، وتتفتت وحدة الجماعة من جديد عن طريق ذلك.
والشيخ محمد عبده إذ يدعو المسلم إلى التحرر من التبعية الحزبية المطلقة والمذهبية.. يدعوه أيضا أن يكون ذا شأن ورأي، وله سلطة النقد، واختيار أسلوب التوجيه، وتكييف أحداث الحياة.. يدعوه إلى أن يفكر كإنسان، ولكن عليه -ضمانا لنجاح تفكيره، وسلامة هذا التفكير- أن يستهدي القرآن ويسترشده.. يدعوه إلى "الاجتهاد" ونبذ "التقليد"، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ :
"ثم -هو الله- "الصمد" في تحديد الحدود العامة للأعمال، ووضع أصول الشرائع، فلا بد أن يرد إلى ما أنزل جميع ما يقع الاختلاف فيه. وليس من المباح أن يرجع إلى قول غيره، متى نطق صريح كتابه بخلافه، وعلى الناس كافة أن يرجعوا إلى الكتاب. فإذا لم يكونوا عارفين به, رجعوا إلى العارف وطالبوه بالدليل منه. وعليهم أن يهتموا بأن يعرفوا منه أصول ما يعتقدون وما يعملون. فإذا لم يفعلوا اختلفت الآراء، وحجبت المذاهب كتاب الله فدرس معناه، وذهبت الحكمة من إنزاله.. لتعلق الناس بقول غير المعصوم، وعماهم عن هدى المعصوم، فكانوا بمنزلة من لم تأتهم رسالة. وإنما يعملون بما يقول لهم زعماؤهم، الذي لا يجدون دليلا على امتيازهم بالزعامة، فيكونون متمسكين بما لم ينزل به الله سلطانا، فسيقعون في مهاوي الشقاق الدنيوي والأخروي"١.
آمن الشيخ محمد عبده بأن للإنسان وجودا ذاتيا وكيانا مستقلا في هذا العالم، والدعى بأن للإنسان وجودا ذاتيا، يستتبع منطقها إقرار إمكان الإنسان فهم نصوص الكتاب المنزل، والتفقه على أساس منها، وذلك هو ما يعرف "بالاجتهاد" إذ الاجتهاد هو التفتيش في مصدر الجو الديني الأصيل، كي يطبع حالا معينة أو حادثة جديدة بطابع هذا الجو، بحيث لا يبدو شذوذ، ولا نفرة عن ذلك الجو الأصيل!
стр. 124
ومن هنا لا يتردد الشيخ محمد عبده في القول بإباحة الاجتهاد ونبذ التقليد!
وسبب الدعوة إلى الاجتهاد عنده هو طبيعة الحياة، وضرورات المجتمع الإنساني: فالحياة الإنسانية صائرة ومتطورة، ويجد فيها من الأحداث والمعللات اليوم، ما لا يعرفه أمس هذه الجماعة. والاجتهاد هو الوسيلة العلمية، والنظرية المشروعة، للملاءمة بين أحداث الحياة المتجددة وتعاليم الإسلام العامة. ولو وقف الأمر بتعاليم الإسلام عند حد تفقه الأئمة السابقة لسارت الحياة الإنسانية في الجماعة الإسلامية في عزلة عن التوجيه الإسلامي، وبقيت أحداث هذه الحياة في بعد عن تحديد الإسلام لها وتكييفها بالكيفية الإسلامية، وهذا وضع سيحرج المسلمين في إسلامهم وفي حياتهم معا! فإما أن تخف قيمة الإسلام في نفوسهم، تحت ضغط تيار الحياة وأحداثها، وإما أن يقفوا عن متابعة السير في الحياة فيصيروا في عزلة عن الحياة نفسها وضد الحياة وقانونها كذلك!
ومع أن الاجتهاد هو الوسيلة المشروعة والحتمية لامتداد الصيغة الإسلامية لأحداث المجتمع الإنساني في الجماعة الإسلامية، إلا أنه من جانب آخر لا يجوز أن يمارسه إلا من كان على الصفات العلمية التي كان عليها المجتهد الأول في القرون الثلاثة الأولى. ومن أجل ذلك قرر الشيخ محمد عبده جوازه في عصره وبعد عصره، بالشروط التي جاز بها فيما مضى, واحتاط في هذه الشروط احتياطا لا يقل عن احتياط الأوائل فيها.
وكان من الضروري، إذ يجوز الاجتهاد أن ينعى على التقليد؛ لأنه وقف بالعقل الإنساني عند حد معين لا يتجاوزه.
- وذلك يتنافى مع طبيعة العقل ذاته؛ لأن العقل وجد للملاءمة بين الإنسان وظروف الحياة التي يعيش فيها، ولذلك كان هذا العقل مصدر هداية وتوجيه له في حياته، فإن قضى عليه في عصر أن يقف عند حد أنواع الملاءمة التي استنبطت في عصر سابق، كان ذلك خروجا به عن طبيعته، ومثلا لحركته الذاتية في سيره.
- ويتنافى الوقوف به عند زمن معين مع طبيعة الحياة؛ لأن أحداثها ليست أزلية غير متغيرة، بل خصيصتها التغير والتجدد. وإذن، قد يكون ما ناسب أحداثها الماضية من علاج اقتراح من قبل غير مناسب لعلاج الأحداث الجديدة! والحكم بإخضاع هذه الأحداث الجديدة لتكييف
стр. 125
الماضي وعلاجه قد يؤدي إلى تعسف ومشقة، نتيجة التنافر بين خصائص الأحداث الجديدة والعلاج الذي أخذ به لأحداث سابقة فيما مضى.
- ويتنافى أيضا مع طبيعة المبادئ الإسلامية وخصائصها؛ لأن هذه المبادئ ليست لها طبيعة التوقيت، ولا الخصوص المكاني أو الزماني. فهي للناس كافة، وللإنسانية في أزمنتها المتتابعة، وفي جميع بقاعها. ومقتضى ذلك أنها صالحة لتناول أحداث الحياة، وقادرة على صبغها بالصبغة الإسلامية، وأنها صالحة كذلك لتوجيه الإنسان في الحياة في ظروفها المختلفة.
والشيخ محمد عبده إذ ينعى على التقليد، ينعى عليه لذاته من حيث هو كمبدأ، ثم على وجه أخص ينعى على صورته التي كان عليها في زمنه، وهي التي تتمثل في تبعية حرفية لها شبه قداسة وسلطة.. تبعية لمذاهب واتجاهات ولدتها أو مالت بها عن خط الاستقامة عهود الضعف الفكري، والسياسي، والاقتصادي في الجماعة الإسلامية.. وتبعية لكتب قامت على كثرة الافتراض النظري في تفصيل الآراء، وبعدت بذلك عن الحياة في سيرها الواقعي، وغمضت في أسلوبها، وهدفت إلى توكيد الخصومة المذهبية الجامحة.
ويبين محمد عبده مدى أثر هذا التقليد على علماء الأزهر:
"وإذا وصل إلى أيدي هؤلاء العلماء كتاب فيه غير ما يعلمون لا يعقلون المراد منه!! وغذا عقلوا منه شيئا يروونه ولا يقبلونه!! وإذا قبلوه: حرفوه إلى ما يوافق علمهم وحزبهم، كما جروا عليه في نصوص الكتاب والسنة"١.
فإقرار الاجتهاد وجوازه -في نظر الشيخ محمد عبده- ليس مظهرا لاعتبار الإنسان وتقديره فحسب، بل هو قبل ذلك ضرورة اجتماعية إسلامية، واستمرار عملي للحياة الإسلامية داخل المجتمع الإسلامي.
العقل الإنساني هو العقل الإنساني في كل عصر وجيل.. وموقف الإنسان المسلم من كتاب الله وسنة رسوله في أي جيل، يجب أن يكون هو موقف الإنسان المسلم أول الدعوة في الإسلام، وفي الفترة الذهبية له. هذا
стр. 126
الموقف هو: أن للمسلم المتأخر في الزمان الحق كل الحق في أن يفهم القرآن والسنة الصحيحة، كما كان هذا الحق نفسه للمسلم السابق، على أن تتوافر للمتأخر مقومات الفهم "السليم" على نحو ما عرفها السلف فيما مضى، واعتبرت دستور الاجتهاد أو شروطه، وهذا الحق المشترك بين السابق واللاحق لا يوحي به تحقق الوصف الإنساني لكل منهما فحسب، بل توحي به أيضا الأحداث المتغيرة في الجماعة الإسلامية، وتطور الحياة نفسها بين المسلمين.
فهذه الأحداث خليقة بأن تحمل المسلمين في بيئاتهم المختلفة وأجيالهم المتعاقبة على إخضاع هذه الأحداث نفسها للإسلام، حتى يصبح تصرف المسلمين إزاءها تصرفا إسلاميا ... وبذلك لا يغيش الإسلام في عزلة عن مجرى الحياة العلمية للجماعة الإسلامية!
هذه الأحداث خليقة بحمل المسلمين على ذلك؛ لأنها طارئة على حياتهم، ولم يعرفها أسلافهم من قبل، ولو وقف المتأخرون عند حد ما قطعه السابقون، في الملاءمة بين أحداث الحياة وتعاليم الإسلام، لوجدوا أنفسهم -بعد فترة من الزمن- أنهم أمام هذه الثنائية:
- حياة تسير وتجري في سيرها، لا يستطيعون وقف سيرها وجريانها، وبالتالي لا يستطيعون اتخاذ موقف معين إزاءها.
- وإسلام يعتقدون به، ويرون أن يكون سلوكهم في حياتهم على أساس من تعاليمه وتوجيهه!!
محاربة سلطة الكتاب الموجه، وهو كتاب المتأخرين:
ويرى الشيخ محمد عبده في كتب المتأخرين، والتي ألفت في عهود الركود والضعف -من تأثيرها على التوجيه تأثيرا سلبيا، وحجبها العقل الإسلامي من أن يرى الحياة فيسايرها في أحداثها وتطورها- ما رآه في الحزبية المذهبية من قبل! فكما أن أثر الحزبية المذهبية في الجماعة الإسلامية أثر سلبي على وحدتها وتماسكها من جانب، وعلى الاهتداء بالقرآن نفسه والسنة الصحيحة اهتداء مباشرًا في تكييف الحياة الإنسانية المتجددة من جانب آخر، فكذلك الشأن بالنسبة لكتب المتأخرين.
стр. 127
يقول في تقدير هذه الكتب:
"إذا رجعنا إلى كتب القرون المتوسطة -فترة ما قبل الركود، كالزيلعي مثلا- نكون قد خطونا خطوة لإصلاح الكتب والفقه، وما دمنا مقيدين بعبارات هذه الكتب -المتأخرة- المتداولة، ولا نعرف الدين والعلم إلا منها، فلا نزداد إلا جهلا!! هذا الشوكاني لما كسر قيود التقليد الأعمى، حيث كان وهابيا معتدلا، صار عالما وفقيها! إن حالة الفقهاء هذه -في كتب المتأخرين- هي التي ضيعت الدين؟ ".
كما نعى محمد عبده على التطويل في بحوث العبادة، وعلى ترك التطور والتفصيل في باب المعاملات، حيث يقول:
"إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان، أمور ووقائع لم ينص عليها في هذه الكتب، فهل نوقف سير العالم من أجل كتبهم؟ هذا لا يستطاع؟!
"ولذلك اضطر العوام والحكام إلى ترك الأحكام الشرعية، ولجئوا إلى غيرها.. والفقهاء هم المسئولون عند الله عن هذا، وعن كل ما عليه الناس من مخالفة الشريعة؛ لأنه كان يجب عليهم أن يعرفوا حالة العصر والزمان، ويطبقوا عليه الأحكام بصورة يمكن للناس اتباعها، كأحكام الضرورات، لا أنهم يقتصرون على المحافظة على نقوش هذه الكتب ورسومها، ويجعلونها كل شيء، ويتركون لأجلها كل شيء!!
"يقرءون "الأصول" ولا يخطر ببال واحد منهم أن يرجع فرعا من هذه الكتب إلى أصله، أو يبحث عن دليله!! بل لم يخجلوا أن يقولوا: نحن مقلدون لا يلزمنا النظر في الكتاب والسنة!! دانوا لكتب المتقدمين "عليهم مباشرة" على تعارضها وتناقضها، الذي تشتت به شمل الأمة، ويكتفون بقولهم: ولكهم من رسول الله ملتمس!!!
"ينبغي أن يكون للفقهاء جمعيات يتذاكرون فيها، ويتفقون على الراجح الذي ينبغي أن يكون عليه العمل.. وإذا كان بعض المسائل رجح لأسباب خاصة بمكان أو زمان، ينبغي لهم التنبيه على ذلك، وعلى أن هذا الحكم ليس عاما، وإنما سببه كذا؛ لا أنهم يجعلون كل ما قيل عن فقيه، واجب الاتباع في كل زمان ومكان"١.
стр. 128
إحياء كتب الأوائل:
وفي الوقت الذي عاب فيه محمد عبده على كتب المتأخرين، ونعى على المتمسكين بها إلى حد أن كان تمسكهم بها سببا في ضياع مصالح الناس ... دعا إلى إحياء التراث القديم، وساهم هو مع ذلك في إحيائه، وهو بهذا وذاك، منطقي مع تفكيره العام في الجانب التوجيهي؛ لأنه إن عاب كتب المتأخرين، لم ينتقص من قيمة التراث الإسلامي والعربي، كأساس يجب أن يقوم عليه كل إصلاح، وتبنى عليه نهضة الشرق الإسلامي، في مسايرته للحياة الواقعية.
فاعتماده على هذا التراث من جانب، وتقليله من قيمة كتب المرحلة المتأخرة من جانب آخر.. كان لا بد أن يوحي بفكرة إحياء التراث القديم!!
ساهم محمد عبده بنفسه في إحياء هذا التراث، ودفع إليه السلطة القائمة إذ ذاك، ورغب تلاميذه في هذا العمل ... فشرح كتاب "البصائر النصيرية" في علم المنطق، وأخرج "نهج البلاغة" في الأدب، وغير ذلك، وهكذا أعطى محمد عبده نموذجا للانتفاع بالتراث القديم!
كما وضع مبادئ عامة للتأليف الحديث، ورسم منهجا خاصا لتفسير القرآن الكريم.. والتزم هذه المبادئ في تأليفه، "رسالة التوحيد" وفي تفسيره الخاص لكتاب الله المنزل.
ويقوم منهجه في تفسير القرآن الكريم على هذه الأسس التالية.
- إخضاع حوادث الحياة القائمة في وقته لنصوص القرآن الكريم, إما بالتوسع في معنى النص، أو بحمل الشبيه على الشبيه.
- اعتبار القرآن جميعه وحدة واحدة متماسكة, لا يصح الإيمان ببعضه، وترك بعض آخر منه، كما أن فهم بعضه متوقف على فهم جميعه.
- اعتبار السورة كلها أساسا في فهم آياتها، واعتبار الموضوع فيها أساس في فهم جميع النصوص التي وردت فيها.
- إبعاد الصنعة اللغوية عن مجال تفسير القرآن، وإبعاد تفسيره عن أن يجعل مجالا لتدريب الملكة اللغوية.
стр. 129
- عدم إغفال الوقائع التاريخية في سير الدعوة إلى الإسلام، عند تفسير الآيات التي نزلت فيها.
والشيخ محمد عبده بهذا المنهج في تفسير القرآن الكريم لم يعد للقرآن حرمته واعتباره فقط، بل رسم منه دائرة تستطيع أن تحيط بالحياة الإنسانية في حاضر الإنسان المسلم، كما أحاطت في الماضي البعيد بحياة المسلم على عهد الدعوة، وفي العهد القريب منها بعد ذلك.
إصلاح الأزهر:
رأينا حتى الآن أن الشيخ محمد عبده يمارس التفكير في جوانب متعددة:
- يمارسه في الجانب القومي في السياسة الوطنية، والتربية الجماعية.
- ويمارسه في الجانب الاجتماعي: في الكشف عن عيوب المجتمع، وبيان مقوماته.
- ويمارسه في جانب العقيدة: ببيان ما يحول دون المسلم أن يكون إيجابيا وما يدفعه إلا أن يكون بناء.
- ويمارسه في جانب التوجيه العام: ليخلق من المصري، والشرقي المسلم مواطنا صالحا.
وفي جميع تلك الجوانب التي مارس فيها محمد عبده التفكير نقدا وبناء، التزم شيئا واحدا هو: الثقافة الإسلامية.
فنواة تفكيره في ذلك كله هي الثقافة الإسلامية.. وهو يرى أن الانحراف في هذه الثقافة هو سبب فساد المجتمع.
وإعادة هذه الثقافة إلى إيجابيتها، هي السبب في نهضة الأمة كجماعة، وكأفراد، وهي السبب بعد ذلك في دفع الاستعمار، وفي محو الظلم والإهانة البشرية، اللذين تقوم عليهما سلطته المستعمرة في البلاد الإسلامية.
- لكن ما السبيل إلى إبعاد الانحراف عن هذه الثقافة؟
стр. 130
- ما السبيل إلى جعل هذه الثقافة ثقافة بناءة؟
- ما السبيل إلى إبعاد عوامل الفرقة في الأمة؟
- ما السبيل إلى رد اعتبار الإنسان للإنسان في هذه البلاد؟
- ما السبيل أخيرا إلى أن نسير دائما، ولا نتخلف أبدًا؟
سبيل ذلك في نظره: إصلاح الأزهر, وإصلاح الأزهر وحده!
فالأزهر، هو كقلب الأمة، إن فسد فسدت الأمة، وإن صلح صلحت الأمة, إن فسد فسيحترف رجاله الدين عن غير فهم صحيح للإسلام، فيطغى الانحراف في توجيه الأمة، وتنتشر المذاهب الانفرادية والإباحية، وتزيد الأمة ضعفا بذلك على ضعف!! وبهذا يخف وزن الإسلام وتخف قيمه في نفوس الناس، وبالتالي يقوى النفوذ الاستعماري، ولا يستطيع المسلمون أن يواجهوه في صف واحد كتلة قوية، بإيمانهم في الحياة، وبسيادتهم فيها ولو على أنفسهم على الأقل!!
وإن صلح هذا الأزهر فسيشع منه نور الهداية، وسيكون علماؤه قدوة للمواطن المسلم الصالح ... قدوة في العمل، والتفكير معا!
ويجمل الشيخ محمد رشيد رضا رأي الشيخ محمد عبده في قيمه إصلاح الأزهر، فيما يلي:
"ثم سمت به همته إلى السعي في إصلاح الأزهر، معتقدا: أن إصلاحه خير إصلاح لحال المسلمين الدينية والدنيوية، ولإصلاح كل من يساكنهم في بلادهم بالتبع لهم، وأنه خير وسيلة للتعارف بين الشرق والغرب، وخير صلة بين المدنية القديمة والمدنية الجديدة؛ لأنه علم أن السبب في التقاطع بين أوروبا والمسلمين: هو جهل الأوروبيين بحقيقة الإسلام، وعجز المسلمين عن إفهامهم تلك الحقيقة؛ لأنهم غير متحققين بها، لا علما ولا عملا ولا تحققا.. ثم جهل المسلمين بحقيقة أوروبا، وبكنه ارتقائهم العلمي والاجتماعي.
"ولو صلح حال التعليم في الأزهر، لهب المسلمون إلى طلب العلوم الصحيحة، كما هبوا لذلك في أول نشأتهم، فأحيوا ما أماته الزمان من علوم الهند واليونان، فلا يجدون أمامهم إلا أوروبا وعلومها الحية، ويفهمونها على أنها خير عون لهم على تكميل مدنيتهم ... فيتعارفون، ولا يتناكرون! وإذا
стр. 131
عارضت الساسية تعارفهم فإنه يسهل من إزالة معارضتها مع التقارب والعلم، ما لا يسهل عليهم مع التقاطع والجهل"١!
كان أمل الشيخ محمد عبده في حياته إذن بعد تفكيره الذي وضح خطوطه: هو إصلاح الأزهر! عادى خديوي مصر "عباس الثاني" من أجل الأزهر، ومن أجل أوقاف المسلمين "وقف الجيزة" على كتاب الله! واتصل بكرومر الحاكم غير الشرعي من أجل الأزهر وأوقاف المسلمين، على كتاب الله! ومات أخيرا، وهو صريع الكفاح من أجل الأزهر وكتاب الله!
ودعا الأزهريين إلى فهم كتاب الله.. إلى نبذ التقليد ... إلى الرجوع إلى كتب المتقدمين.. إلى فهم الحياة الواقعية ... "إلى السير مع السائرين فيها ... إلى عرض الإسلام بعقلية العصر وأسلوب العصر ... أنه يقول:
"إن العالم المسلم لا يمكنه أن يخدم الإسلام، من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر، إلا إذا كان متقنا للغة من لغات العلم الأوروبية، تمكنه من الاطلاع على كتب أهلها في الإسلام وأهله، ومن مدح وذم"٢.
وقد رسم محمد عبده خطة المناهج: لتخريج الدعاة، وتخريج المؤلفين، وتخريج العلماء الباحثين، ونفذ هذه الخطة في دروسه، وتواليفه للخاصة والجمهور، وفي إحيائه للتراث القديم.
ولكن الأزهريين قاوموا الشيخ محمد عبده ... اتهموه في إيمانه، وفي دينه! اعتبر الأزهريون إيمان الشيخ محمد عبده ضعيفا, واعتبروا دينه رقيقًا وطال الأمد على هذا الظن، حتى تحول الاتجاه عن محمد عبده، وعن إصلاحه وعن خطته، وطريقته في درسه وتأليفه!
ومع ذلك مات الشيخ محمد عبده غير يائس من إصلاح الأزهر٣ ولكنه لم يدر بخلده يوما ما، أن يتحول الأزهر إلى معهد لتخريج مدرسي
стр. 132
اللغة العربية في المرحلة الابتدائية من مراحل التعليم في وزارة التربية والتعليم، وأن لا يستطيع أن يخرج من يفهم الإسلام، فضلا عن أن يفهمه الناس، فضلا عن أن يكون هذا المتخرج ذا بحث وبناء في رسالة الإسلام.
لم يدر بخلد الشيخ محمد عبده أن يصير الأزهر إلى وضع يؤدي إلى حجب الثقافة الإسلامية عن الأجيال القادمة، وأن يكون حاله الذي صار إليه مساويا في النتائج لذلك المشروع الغربي الاستعماري، وهو مشروع كتابة العربية بالحروف اللاتينية!. فالأزهر -فيما صار إليه- قد توقف عن تخريج فاهم للإسلام. وبذلك بقيت كتب التراث الإسلامي في عزلة عن حياة المسلمين، إذ الأزهري الفاهم للإسلام كان فيما مضى هو الصلة بين الطرفين وفكرة كتابة العربية بالحروف اللاتينية -لو قيض لهذه الفكرة أن تتم- لكانت نتيجتها ذات النتيجة وهي: قطع حياة المسلمين عن ماضيهم الإسلامي, في ثقافتهم الموروثة.
لم يدر بخلد الشيح محمد عبده أن مشيخة الأزهر في عهد ما ستتحول إلى مكتب، نشاطه لا يتصل بالتعبئة الروحية في الشعب، ولا يتصل بالدفاع عن الإسلام في وجه هجوم الغرب الصليبي المستعمر، ولا بالعمل على إبراز حيوية الإسلام وسمو تعاليمه في مواجهة الإلحاد المادي، مما يعتبر المهمة الأساسية الكبرى للأزهر كجامعة وحيدة في العالم الإسلامي، وكمصدر للقوة الفكرية الإسلامية، ومصدر لا ينازع لزعامة مصر في العالم الإسلامي، ولمنزلة مصر في العالم العربي كذلك.
تقدير المستشرقين للشيخ محمد عبده:
إن الشيخ محمد عبده كان في نهاية القرن الماضي شمعة مضيئة.. كان الظلام شديد الحلوكة حوله، ولكن لم يكن قليل الضياء في نفسه -كما يقول ماكس هورتن المستشرق الألماني- بل إن وقته قد تجاهله وحاربه، فلم ير ضوءه على حقيقته؟؟ وماكس هورتن واحد من عديدين من المستشرقين، الذين يحاولون وضع غطاء على قيمة الشيخ محمد عبده نفسه؛ وعلى آرائه في صلتها بحقيقة الإسلام.
فذلك المستشرق الفرنسي "B. Mechel" - الذي قام بالاشتراك مع الشيخ مصطفى بعد الرازق بترجمة "رسالة التوحيد" للشيخ محمد عبده يعلق على رأي الشيخ محمد عبده في الإسلام بقوله:
стр. 133
"كان محمد عبده متفائلا أكثر من الواقع حيث قال باتحاد العلم مع الدين في كل وضع، في حين أن العلم لا يخضع للدين في بعض الأحيان، كما في أوروبا! ولعله أتى بهذا الرأي لحمل العلماء من المسلمين على دراسة المدنية الحديثة، ورأى أن هذا هو الطريق لذلك"١؟؟
ودائرة المعارف الإسلامية -التي أخرجها بعض المستشرقين -تذكر ما يلي في تعليقها على آراء الشيخ محمد عبده فيما يتصل بتقييم الإسلام:
"والإسلام البدائي -نقصد الإسلام على عهد الرسول وصحابته- في نظر الشيخ عبده، ليس هو الإسلام التاريخي "الذي صار إليه الأمر في حياة المسلمين! " ... وإنما هو إسلام اصطنع مثاليته، وجعله متوقفا على المسيحية في أنه دين معقول، ومتصل بالحياة اتصالا كثيفا، متصل بتلك الحياة الواقعية؟
"وعمله "الشيخ محمد عبده"، بالنسبة للإسلام، له طابع الدفاع عن العقيدة ... ومساهمته في فكرة الإسلام الديني هي محاولة لخلق موضع للإسلام في العالم الحديث"٢.
وبمثل هذا التعليق يحاول المستشرقون أن يصوروا -من طريق غير مباشر- أن الإسلام في ملاءمته للعلم، وفي سمو مبادئه, وفي صلاحيته للحياة، ليس على النحو الذي يصوره به الشيخ محمد عبده، وأن الإسلام على عهد الرسول ﷺ وعلى عهد صحابته رضوان الله عليهم، لا يفترق عن الإسلام كما فهمه المسلمون بعد ذلك، وعلى نحو ما تمسكوا به في عهودهم ضعفهم!!
وإذن فالشيخ محمد عبده مجرد متفائل ... يحاول الدفاع عن الإسلام، فيطبعه بطابع مثالي ... كما يحاول أن يجعل له مكانا في الحياة الحديثة، مع أنه ليس له مكان فيها!!
стр. 134
وهكذا يصاب من المسشرقين كل من يكتب عن الإسلام، بعقيدة المؤمن به، أما في شخصه وطبعه كجمال الدين الأفغاني، أو في تفكيره ورأيه كالشيخ محمد عبده!!
محمد عبده ... والسير أحمد خان:
يذكر المرحوم أحمد أمين في تعليقه وترجمته للسير "سيد أحمد خان" في الهند، أنه يشبه الشيخ "محمد عبده" في مصر، من حيث إن كلا منهما كان مصلحا دينيا، وقصد الإصلاح عن طريق التربية، مؤثرا هذا الطريق على طريق الثورة والاحتكاك بالمستعمرين وهو الطريق الذي سلكه جمال الدين الأفغاني ... يقول١:
"ثم كلاهما كان يرى أن السطان في مصر وفي الهند، في يد الإنجليز، ولهم من القوة المادية والأسلحة والذخائر في البر والبحر، ومن القوة العلمية والسياسية، ما لا تستطيع الهند ومصر مقاومته!! قد يستطيعون المقاومة إذا اتحدوا، ولكن كيف يكون اتحادهم مع جهلهم وضعف خلقهم! بل كيف يكون ذلك مع فساد أمرائهم، وبحثهم عن منافعهم الشخصية، ولو حلى حساب الأمة قالا: إذن، فالأولى مسالمة الإنجليز، والتفاهم معهم، وأخذ ما نستطيع لخير الشعب منهم".
والأستاذ أحمد أمين يشير بهذه "المسالمة" للإنجليز -فيما يخص الشيخ محمد عبده- إلى مهادنته للورد كرومر. ولكن مهادنة الشيخ محمد عبده لكرومر إنما كانت لحماية نفسه من اضطهاد الخديوي عباس الثاني إياه، كي يتمكن من إعلان رأيه في إصلاح الأزهر والدفاع عنه، وحتى يستمر في نشاطه الفقهي، وفي أحاديثه التوجيهية والعلمية في مجالسه ودروسه ... كانت أيضا لحماية أوقاف المسلمين الخيرية، التي أخذ هذا الخديوي الشاب في تصفيتها -جشعا منه- بسبب أو بآخر، ويضيفها إلى أملاكه الخاصة.
لقد كانت توجد في مصر سلطتان: سلطة الاحتلال وسلطة أخرى محلية وهي سلطة الخديوي، بينما كانت توجد في الهند سلطة واحدة هي: سلطة الاحتلال الإنجليزي, فهناك نوع من المفارقة بين الهند ومصر، وبالتالي
стр. 135
بين موقف الشيخ عبده وموقف السير سيد أحمد خان: فالممالأة للسلطة القائمة هناك كانت واضحة لتحقيق منفعة شخصية أو لتحقيق خدمات للاستعمار. أما التفاهم هنا في مصر مع ممثل السلطة المحتلة فكان للوقاية، وللحيلولة دون استمرار تنفيذ الخطة الموضوعة لتصفية أوقاف المسلمين، وتوجيهها وجهة أخرى غير التي وقفت عليها من الخيرين!!
ثم إن الشيخ محمد عبده له ماض طويل في الكفاح ضد الاستعمار، سواء وهو بمصر، أو حين كان في باريس، أو في بيروت، أو في شمال إفريقيا، مع أنه لم يعرف للسير "أحمد خان" موقف واحد ضد الاستعمار البريطاني، ولا ضد النفوذ البريطاني في صورة ما في الهند، حتى قبل نقل السلطة من شركة الهند الشرقية الإنجليزية إلى التاج البريطاني سنة ١٨٥٧م!!
يضاف إلى ذلك، أن الشيخ محمد عبده لم يحاول في "إصلاحه الديني" -كما حاول سير أحمد خان- أن يوقف مبدأ من مبادئ الإسلامي الرئيسية كمبدأ الجهاد ولا أن يمالئ المسيحيين في الاعتراف بإنجيل من أناجيلهم الأربعة: "إنجيل متى، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، وإنجيل مرقس" -وهي جميعها تدخل في ما يعرف بـ"العهد الجديد"- بل كتب كتابه المشهور في فضل الإسلام على المسيحية، وهو: "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية"، في حين كتب السير أحمد خان كتابه: "تبيان الكلام" يدافع فيه عن صحة المسيحية كرسالة من السماء بوضعها الموجود فيه في الأناجيل الأربعة بين المسيحيين.. تلك الإناجيل التي كتبها بعض من الحواريين على حسب رواية كل منهم، وعلى حسب ما تصوره وأدركه شخصيا من تعاليم المسيح.
وقد عاد المرحوم الأستاذ أحمد أمين -بعدما ذكر من وجه الشبه بين السير أحمد خان والشيخ محمد عبده- إلى الحديث عن السير أحمد خان وموقفه من البريطانيين في الهند ... فقال:
"عندما قام الهنود بحركة عنيفة في ثورتهم على الاستعمار البريطاني سنة ١٨٥٧م، وهاج الرأي العام الإنجليزي هياجا شديدا، كان السير أحمد خان متزنا، مخالفا للرأي العام، ورأى أن هذه الثورة لا تأتي بنتيجة، وأن آخر أمرها عودة الإنجليز إلى السيطرة ثانية، من غير فائدة إلا ضحايا الطرفين، وأن قتل الإنجليز وخاصة المدنيين، عمل غير إنساني.. لذلك وضع خطة بذل فيها الجهد مع أصدقائه لحماية الإنجليز من القتل، وإنجاء من تصل إليه أيديهم منهم، فنجا على يده وأيدي أصدقائه كثير،
стр. 136
وضحى في ذلك بالكثر من ماله، واضطهاد أقاربه حتى لقد طعن بعضهم بالخنجر من الثائرين، وماتت أمه لهول الصدمة من قوع الحوادث الأليمة.
"فلما هدأت الثورة، عرف له الإنجليز فضله، وحفظوا له جميله، وكأفئوه ماديا وأدبيا. ومن ذلك الحين تأكد الصلة بينه وبنيهم فاستخدمها فيما وضع من خطة الإصلاح"١.
والآن ترى: أيعد هذا الصنيع من السير أحمد خان أمارة ولاء للإسلام وللوطن الإسلامي؟! أم هو أمارة على الولاء للمستعمر، وتمكينه من اغتصاب حقوق المسلمين؟!
ووجه الشبه الذي يربط به الأستاذ أحمد أمين بين السير "أحمد خان" والشيخ "محمد عبده"، على نحو ما ذكرنا، قد تأثر فيه بما يصور به المستشرقون حركة السير أحمد خان من أنها حركة إصلاحية، ليكون لها طابع الإصلاح الديني وبذلك تجد قبولا لدى المسلمين، ومن ثم يسري هدفها إلى نفوسهم ... فالذي ينقل هنا عن موقف السير أحمد خان من الإنجليز هو تيئيس للمسلمين من مقاومة الاستعمار، فما أبعد هذا عن أن يكون غاية لإصلاح ديني إسلامي وسياسي وطني.
والمستشرق بلوم هارت Blum Hardt كتب مقالا في "دائر المعارف الإسلامية" باللغة الإنجليزية، يحاول فيه أن يطبع حركة السير "أحمد خان" بطابع حركة الشيخ "محمد عبده"؛ وهو الطابع الإصلاحي، وبنفس الأسلوب الذي كتب به المرحوم الأستاذ أحمد أمين موازنا بين الشيخ محمد عبده والسير أحمد خان فيما ذكر هنا٢.
والذي أميل إليه: هو أن المرحوم أحمد أمين في هذا الموضوع، قد حسن ظنه بما يكتبه المستشرقون، على عادة كثير من الكتاب المسلمين في معالجتهم القضايا الإسلامية. فإنهم يقعون تحت تأثير ما يكتبه المستشرقون في أحكامهم وأهدافهم, دون أن يحتاطوا في التبعية لهم, والتأثر بهم.... وفي كثير من الأحايين يرون ما يكتبه أولئكم جديرا بالاعتبار؛ لأنه في ظنهم قائم على منطق لا يرد؟!
стр. 137
محمد عبده.. ومحمد بن عبد الوهاب:
كما تتلمذ ابن عبد الوهاب على "كتابات" ابن تيمية، تتلمذ محمد عبده على "شخص" جمال الدين الأفغاني.... ولكن مع فارق في التلمذة، وفارق آخر في نتيجة هذه التلمذة:
- "محمد عبد الوهاب": حفظ لابن تيمية وأكد حفظه، ولكن لم ينمه، ولم يمتحنه ... أبقى عليه كما هو، وإن ركز عنايته في بعض جوانبه دون البعض لآخر، على نحو ما يعرف له من تأكيده الجانب السلبي في تعاليم ابن تيمية دون الجانب الإيجابي منه، كاستخدام الاجتهاد مثلا، واستطاع أن يوفر على العناية بهذه التعاليم، سلطة وحكومة تهتم به وبصيانتها -على الأقل من الوجهة الرسمية.
- أما "محمد عبده": فقد تلقى على جمال الدين الأفغاني، واستمع إليه، وشاركه الرأي، وعبر عما ينسب إليه من فكر، ومع ذلك لم يبق في حدود ما تركه جمال الدين، بل امتحنه ونماه.. وخلق منه نظاما علميا وعقليا متعدد الجوانب وإن كان موحد المصدر وموحد الغاية.
اختبر محمد عبده ما خلفه جمال الدين، أو ما تركه في نفسه كتلميذ له.. فلم يرقه سبيل إثارة الحماس الشعبي؛ لأن هذا السبيل مؤقت في تأثيره، كما أنه غير مأمون العاقبة؟ ولذا حاد عنه رويدا رويدًا، بعد أن شارك فيه أستاذه، وبعد أن استمر فيه أيضا بعد أستاذه مشاركا عرابي ورجاله في ثورتهم المشهورة التي انتهت بالاحتلال البريطاني سنة ١٨٨٢م١.
وبعد أن اختبر "محمد عبده" ما عرف لجمال الدين الأفغاني من آراء ومنهج رسم لنفسه طريقا آخر يؤدي في نظره إلى ذات الغاية، مستعينا في الوصول إلى هذه الغاية بذات المبادئ التي عنى بها جمال الدين.. رسم
стр. 138
لنفسه طريق "التربية": تريبة الشعب، وتربية القادة والموجهين، وهم العلماء.
- تربية الشعب لفهم الحياة، والسير فيها، وإخضاع الحكم لإرادته ورأيه.
- وتربية القادة لتوجيه الشعب في قراه ومدنه، ولتوجيه البحث في أكاديمية البحث وهي: الأزهر.
والأساس المشترك في نوعي التربية عنده هو الإسلام؟
ولكنه ليس إسلام الفرق والمذاهب، ولا إسلام المقلدين، ولا إسلام المبتدعين ولا إسلام "السلبيين" من أرباب الطرق الصوفية.
إنما هو إسلام القرآن الذي يحث على الإعداد الإنساني لهذه الحياة، وهو الإعداد القائم على الذاتية وعلى عدم إلغاء الشخصية الفردية.
ولهذا فإن "الاجتهاد" مطلوب للإسلام، أو هو نتيجة من نتائج الإسلام الصحيح.
والغاية الأخيرة التي يقصد إليها الشيخ محمد عبده: هي نهضة المسلمين, وصيانتهم لحقهم في أن يعيشوا متساوين مع غيرهم في الحياة، حريصين على أن لا يستذلوا لأحد أجنبي عنهم.
ويتميز "محمد عبده" أيضا في علاقته بجمال الدين عن محمد بن عبد الوهاب في صلته بابن تيمية بأن محمد عبده، فوق أنه اختبر الذي ألقي إليه من جمال الدين وما وجهه به، وأخرج نظاما علميا يختلف في الصياغة وإن اتحد في الأساس والغاية.. لم يبق في حدود "التربية" من الوجهة النظرية، بل ضرب الأمثلة وقدم النماذج.
- على مناهجه العلمية لتربية الشعب، في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية.
- وفي برامجه الإصلاحية للبحث بين علماء الأزهر.
стр. 139
- وفي تأليفه الشعبي: كتفسيره جزء عم.. وتأليفه الأكاديمي: كدروسه في تفسير القرآن الكريم بالرواق العباسي التي كان يؤمها قادة الشعب من الأقباط والمسلمين وكبار علماء الأزهر.
لقد مارس محمد عبده إذن الجانب العملي في تطبيق فكرتي: التربية والاجتهاد.
بينما وقف محمد عبد الوهاب حارسا على تركة ابن تيمية، وإن كان قد أضاف إلى مجهود الحراسة مجهودا آخر: فإنما هو تأكيده الحرب ضد البدع، وفي إبراز التفرقة بين الشيعة المعتدلة من الإمامية والجماعة السنية!
هذا الاختبار الذي أجراه محمد عبده في تراث جمال الدين الأفغاني، والذي أدى به إلى أن يتخير وسيلة أخرى: هي وسيلة "التربية"، دفع بعض الكتاب إلى أن ينظروا إلى الشيخ محمد عبده -كما تقدم- على أنه تربوي، أو مصلح ديني، وليس لعمله صلة بالسياسة أو الحركات السياسية!! ودفع هؤلاء الكتاب بالتالي إلى أن يحكموا على نشاط محمد عبده بأنه في اتجاه يغاير تماما اتجاه جمال الدين الأفغاني.
ولكن إذا قصد بالسياسة العمل على تخليص البلاد الإسلامية من الاستعمار الغربي، أو قصد بها مقاومة الاستعمار ... فإن كلا من جمال الدين ومحمد عبده، هدف إلى مقاومة الاستعمار الغربي، وتخليص البلاد الإسلامية من هذا الاستعمار! فالغاية لم تتخلف عند أحدهما، والأسس التي يجب أن تؤدي إلى ذات الغاية لم تتغير في نظر واحد منهما أيضا.
كذلك يحاول بعض الكتاب، أن يضع فراغا آخر بين جمال الدين ومحمد عبده وراء الوسيلة عند كل منهما، وهو: أن "جمال الدين" إسلامي عالمي يسعى إلى تكتل المسلمين جميعا نحو حكومة واحدة أو في ظل اتحاد عام، بينما "محمد عبده" وطني مصري قصر نشاطه على وطنه مصر!!
ولكن إذا روعي أن الأسس التي أقام عليها "محمد عبده" ونظامه التربوي، والتي جعلها مقدمة لتخليص البلاد الإسلامية من الاستعمار الغربي، أو لرد الاعتداء الغربي المسيحي على الشرق الإسلامي، هي نفس الأسس التي اتخذ منها "جمال الدين" دعامته في مقاومة الاستعمار الغربي
стр. 140
وفي كفاحه السياسي، وهي: الرجوع إلى القرآن، وإلغاء التقليد، وأعمال الاجتهاد، ومحاربة البدع والسلبيات ... إذا روعي هذا فإن هذه التفرقة بين الاثنين تغدو غير مفهومه، على النحو الذي قصد إلى إبرازه..إلا على اعتبار أن محمد عبده جعل مصر "حقل" تجاربه التربوية.
ثم إنه لم يثبت من جانب آخر أن "جمال الدين" حدد غايته الأخيرة تحديدا واضحا بإقامة حكومة واحدة تخضع لسلطانها كل البلاد والشعوب الإسلامية، وإنما الذي ثبت في كتاباته في مجلة "العروة الوثقى" أن غايته هي: "الجامعة الإسلامية" بين الشعوب الإسلامية.. وقد فهم بعض الكتاب من كلمة "الجامعة الإسلامية" الوحدة الإسلامية، وتركوا المعنى الآخر لهذه الكلمة وهو "الرابطة" أو الترابط ... في حين أن كلمة "الجامعة" في اللغة العربية أقرب إلى المعنى الثاني منها إلى المعنى الأول، وقد عبر جمال الدين هو نفسه تعبيرا واضحا صريحا بأنه لا يريد حكومة إسلامية واحدة، بل يريد تعاونا وترابطا أخويا إسلاميا!
على أن هناك شيئا آخر يتميز به "محمد عبده" في علاقته بجمال الدين من جانب، عن "محمد بن عبد الوهاب" في صلته بابن تيمية من جانب آخر، وهو: أن جمال الدين ومحمد عبده واجها حلقة من حلقات الاعتداء الغربي المسيحي على الشرق الإسلامي، لم يواجهها ابن تيمية ولا تلميذه محمد بن عبد الوهاب من بعده ... وهي حلقة "الدراسات الإسلامية" التي يقوم بها المستشرقون الغربيون، لا لمصلحة الاستعمار الغربي فحسب، وإنما تنفيسا للعداوة التقليدية التي تخلفت عن الحروب الصليبية قبل كل شيء! ولم يستطع بعض الدارسين من علماء المسيحيين للتراث الإسلامي أن يخففوا من حدتها على نفوسهم عند مباشرة هذه الدراسة باسم "العلم" الذي مفهومه: الوسيلة المحايدة لخدمة الإنسانية، فضلا عن أن يتخلصوا من هذه العداوة تماما!!
وهكذا واجه جمال الدين "رينان" المستشرق الفرنسي ومستشار وزارة الخارجية الفرنسية في شئون شمالي إفريقيا الإسلامية، وسمع منه رأيه في الإسلام والمسلمين.. واضطر كل من جمال الدين ومحمد عبده أن يشرحا بعض تعاليم الإسلام، التي اتخذ منها "رينان" "وهانوتو" مركز الهجوم على الإسلام، كما اضطرا أن يفرقا في غير لبس بين الإسلام كدين مصدره القرآن والسنة الصحيحة.. وبين عمل المسلمين وأفهامهم
стр. 141
في القرآن والسنة في فترات متتابعة، كصورة تبعد وتقرب من مصدري الإسلام، ولكنها على كل حال ليست مصدرا للإسلام كالقرآن والسنة!!
يقول الشيخ محمد عبده في ذلك:
"عند النظر في أي دين، للحكم له أو عليه في قضية من القضايا، يجب أن يؤخذ ممحصا مما عرض عليه من بعض أهله، أو محدثاتهم التي ربما تكون جاءتهم من دين آخر! فإذا أريد أن يحتج بقول أو عمل لأتباع ذلك الدين في بيان بعض أصوله، فليؤخذ في ذلك بقول أو عمل أقرب الناس إلى منشأ الدين، ومن تلقوه على بساطته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه"١.
فالحكم إذن بالتفرقة بين "جمال الدين" و"محمد عبده"- فيما عدا الوسيلة والطريق- يحتاج إلى قليل أو كثير من البحث والاختبار.
وربما يقال: إن الشيء الذي واجهه جمال الدين ومحمد عبده من دراسات علماء الغرب للإسلام، كحلقة من حلقات الاعتداء على الإسلام، وكسبب من أسباب رد الفعل في استمرار الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، متجهة هذا الاتجاه المناوئ للغرب المسيحي ... قد واجه ابن تيمية من قبل في وقته، وكان سببا أن يؤلف كتابه "الرد الصحيح على من بدل دين المسيح"!.
ولكن واقع الأمر أن الذي كتبه ابن تيمية هذا ليس ردا على هجوم باسم الدراسات الإسلامية موجه للإسلام ... وإنما هو تقدير للمسيحية في أناجيلها الأربعة من وجهة نظره الإسلامية.
وأخيرًا ...
إن كلا من محمد عبده وجمال الدين نادى بإحياء الكتب القديمة, وبالأخص تلك التي تمثل "الأصالة" والإمامة في الرأي والفهم ...
ترى هل كان حدبهما على إحياء هذه الكتب رد فعل لصنيع المدارس التبشيرية والإرساليات الثقافية الغربية المسيحية التي انتشرت في شاطئ
стр. 142
الشام "لبنان" على البحر الأبيض المتوسط على أثر الحروب الصليبية، وفي مصر بعد حملة نابليون؟ وهي التي حاولت فيما بعد أن تجعل اللغة "العامية" اللغة الأولى في الكتابة والحديث للبلاد العربية، وبذلك تحول هذه اللغة العامية -بعد انتشارها على مر الزمن -دون تلاوة القرآن وفهمه؟؟.. كما حاولت أيضا أن تضع حدا فاصلا بين التراث الماضي للفكر الإسلامي والجماعة الإسلامية، عن طريق تمجيد الجديد؛ لأنه جديد، والحط من قيمة القديم؛ لأنه قديم؟
وكما أن محمد عبده يتميز عن جمال الدين في التعاليم المشتركة بينهما على النحو السابق، يتميز عنه هنا في جانب إحياء التراث العربي الإسلامي القديم بنفس الطريقة التي تميز بها من قبل ... فقد ضرب المثل العملي في هذا الجانب ولم يقف عند حد المطالبة بتحقيقه من الوجهة النظرية، بل أضاف إلى المطالبة بذلك أن أخرج عدة كتب قديمة، كما شرح عددا آخر منها.
стр. 143
الباب الثالث: التجديد في الفكر الإسلامي
اتجاه الفكر الإسلامي منذ بداية القرن العشرين
...
اتجاه الفكر الإسلامي منذ بداية القرن العشرين:
منذ نهاية القرن التاسع عشر.. بعد وفاة "جمال الدين الأفغاني"، وبعد أن توفر الشيخ "محمد عبده" على ما سماه الإصلاح الديني، وبعد أن ظهر "مصطفى كامل" كزعيم لحركة المقاومة السياسية.. اتجه الفكر الإسلامي المقاوم للاستعمار الغربي هنا في رقعة الشرق الأدنى إلى شعبتين:
- الشعبة الأولى: اتجهت إلى التعبئة الروحية والإصلاح، عن طريق عرض الإسلام عرضا واضحا، والعمل على جعله أساسا في التربية الوطنية، وسبيل ذلك إصلاح الأزهر، وإحياء الكتب القديمة.. وقد مثلت المدرسة "السلفية" التي قادتها مجلة "المنار" هذه الشعبة بعد وفاة الشيخ محمد عبده.
- والشعبة الثانية: اتجهت إلى تعبئة الحماس القومي في الجيل الناشئ، عن طريق: الصحافة، والاجتماعات العامة، ثم عن طريق تأسيس "الجامعة المصرية"، بسعي من مصطفى كامل نفسه.
ففكرة "الجامعة المصرية" وجدت أولا لخدمة القضية المصرية، وهي قضية التحرر من الاستعمار الغربي، وتفكير "الجامعة"، هو نوع من التفكير يتجه إلى مقاومة الاستعمار الغربي عن طريق تخريج أحرار في التوجيه غير خاضعين لنظام التعليم الرسمي إذ ذاك، وهو نظام وضعه الاحتلال البريطاني، ولم تزل رواسب هذا النظام باقية في اتجاه المدرسة المصرية إلى وقت قريب.
ورؤي إذ ذاك -لتحقيق هدف "الجامعة"- أن يبعد بها عن الطابع الرسمي والإشراف الحكومي، وأنشئت بهذا الطابع سنة ١٩٠٨م، واستمرت بعيدة عن الإشراف الحكومي فترة طويلة من الزمن، إلى أن ضمها "علي ماهر" في سنة ١٩٢٥م إلى التعليم الحكومي، على أن يحتفظ باستقلالها.
стр. 144
وفي جو "الجامعة".
وفي داخل الاتجاه السياسي "القومي" الذي يعد متوازيا مع اتجاه "الإصلاح الديني"، إذ كلاهما يهدف إلى مقاومة الاستعمار الغربي.
في هذا وذاك، قام ما يعرف بـ"التجديد والمجددين"، أو ما يصح أن يطلق عليه: "الفكر الإسلامي المغرب" Westernized
إنه ذلك الفكر في المجتمع الإسلامي الذي يسير في اتجاه الفكر الغربي، أو بمعنى أدق ذلك الفكر الذي يسير إما في اتجاه "الاستشراق" وتوجيه الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية, أو في الاتجاه "الطبيعي" العلمي هناك.
يقول المستشرق الإنجليزي "جب" في تحديد هذين الاتجاهين١:
إن النتائج التي أعقبت نشاط الشيخ عبده اتجهت بعده إلى اتجاهين متقابلين:
- فمن جانب نشأ محيط "مدني" في التفكير: صور على أنه "التجديد". وهو يقوم على الاحتفاظ بالعقيدة الإسلامية، ولكنه متأثر في قوة بالأفكار الغربية.. والمثل التقدمي لهذا التجديد يميل إلى "العلمانية" التي تهدف إلى فصل "الدين" عن "الدولة"، والاستعاضة بالنظام الغربي "للقانون" عن الشريعة الإسلامية.
"وقد طبقت مبادئ "العلمانية" في تركيا بعد إلغاء الخلافة العثمانية في سنة ١٩٢٤م ... وفيما عدا تركيا من البلاد الإسلامية يجد هذا الاتجاه سندا قويا له، ولكن مع موقف معتدل بعض الاعتدال من المؤسسات والتقاليد الإسلامية، ومهما كانت نظرات المشجعين "للعلمانية" في البلاد الإسلامية إلى القانون والسياسة، فموقفهم التوجيهي يمكن أن يخلص:
- في الرفض العام لتعاليم القرون الوسطى "في الإسلام! " كسلطة لا تعقيب عليها.
- وفي الاحتفاظ بالحرية الإنسانية في تقدير الأشياء، وفي كون العقل وحده هو الفيصل في ذلك -"وليس الإسلام"!!
стр. 145
- ومن جانب آخر تكون حزب ديني، يسمي نفسه بـ"السلفية"، وهو يتفق مع الاتجاه العلماني في رفض سلطة تعاليم القرون الوسطى، ولكن مع قبول القرآن والسنة، كأساس للفصل في الحقائق الدينية.
"وهؤلاء السلفيون في مقابل المجموعة العظمى من علماء الأزهر يعتبرون مصلحين، وفي مقابل المجددين أو العلمانيين: يرفضون مذهب "الحرية العقلية" الذي هو وليد الغرب.. وكان زعيم هذا الاتجاه الإصلاحي السلفي تلميذ الشيخ عبده محمد رشيد رضا السوري الذي توفي سنة ١٩٣٥م".
فالتجديد إذن -في رقعة الشرق الأدنى- منذ بداية القرن العشرين:
هو محاولة أخذ الطابع الغربي، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أو في تحديدهم لمفاهيمه ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية:
يقول صاحب "مستقبل الثقافة في مصر":
"فهي -أي: مصر- إنما أنشأت تلك الجامعة لترتفع بالشباب المصري عن ذلك التعليم الآلي الذي فرضته عليهم الظروف، ولترقى بهم إلى تعليم حر مستقل، يهيئهم أو يهئ بعضهم على الأقل ليكونوا علماء أحرارًا مستقلين! والظاهر أن مصر لا تريد أن تعبث ولا أن تهزل حين تقرر أنها تريد أن يكون من شبابها علماء أحرارًا مستقلون، يشبهون أمثالهم في الأمم الأخرى، ويثبتون لهم، ويشاركونهم في الإنتاج العلمي الحر المستقل الذي لا تقوم الحضارة بدونه، ولا تستطيع أن تثبت ولا أن تنمو إلا إذا اتخذته لها أساسًا"١!!
كما يقول:
"الجامعة تمثل العقل العلمي، ومناهج البحث الحديثة، وتتصل اتصالا مستمرا بالحياة العلمية الأوروبية، وتسعى إلى إقرار مناهج التفكير الحديث شيئا فشيئا في هذا البلد"٢!!