"طبيعي معقول إلى درجة البداهة أن لا توجد بعد النبي زعامة دينية, وأم الذي يمكن أن يتصور ويوجد بعد ذلك. فإنما هو نوع من الزعامة جديد، ليس متصلا بالرسالة ولا قائما على الدين.. هو إذن نوع لا ديني.
"وإذا كانت الزعامة لا دينية، فهي ليست شيئا أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية ... زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وهذا هو الذي كان"١.
والسؤال الذي يتردد الآن، بعد عرض هذه النصوص ومقابلة بعضها ببعض: أي حال يكون بعد وفاة الرسول؟
أتلغى النظم العامة للحكم، وقواعد السياسة؟
إن كانت الأولى ... فلم كانت ملحقة بالرسالة الإلهية؟
وإن كانت الثانية.. فأي فرق بين عهد الرسول -وقد وقع فيه اجتهاد إنساني في تطبيق تلك النظم والقواعد، وبين عهد من يكون بعده- وسيقع فيه أيضا اجتهاد إنساني في تطبق تلك النظم والقواعد؟؟ ربما يكون الفرق في أن عهد من جاء بعد الرسول سيتأسى بعهد الرسول في التطبيق: أسسه وكيفيته. ولكن مع ذلك كلا العهدين فيه رسالة دينية, وفيه أيضا عمل بشري داخل إطار هذه الرسالة.
ثم إن كانت هذه النظم من ملحقات الرسالة والدعوة الدينية، وهي "سلطان ترسله السماء من عند الله، على من تنزل عليه ملائكة السماء بوحي الله"، تثبيتا للدعوة وتأييد للرسالة ... يصح أن يسئل الآن: أهي نظم تنسجم مع طبيعة الإنسان كإنسان في توجيهه وقيادته للتهذيب وفعل الخير، وربط أفراد الإنسانية بعضهم ببعض؟ أم ترى يكون تأثيرها على الإنسان في توجيهه وقيادته قاصرا على عهد الرسول وعلى شخصه، وعندما تنجح تكون نتائج تطبيقها في قبول الدعوة معجزة للرسول؟؟ ولكن لم يكن قبول دعوة أي رسول من المؤمنين لما جاء به "معجزة" له، خاصة به؟!
لو صح هذا الزعم لما كان لمدلول الآية الكريمة الآتية معنى يقع ويتحقق يوما ما. وهي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢. فإن القرآن لا يطلب من جماعة المؤمنين الدعوة
стр. 212
إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باستمرار في كل جيل، إلا إذا توقع أنهم يصادفون نجاحا.. ومع ذلك هم ليسوا رسلًا.
إن النظم السياسية التي طبقها الرسول في تأييد دعوته هي من النظم التي تنسجم مع طبيعة الإنسان، وطبيعة الجماعة الإنسانية، وطالما كان هناك "اجتهاد" ومحاولة بشرية في فهم هذه النظم تحت تأثير الأحداث والظروف وفي تطبيقها، فالتفرقة: بأن لهذه النظم الصبغة الدينية في عهد الرسول، والصبغة المدنية في عهد من بعده، تفرقة فيها غموض ولبس.
وربما نجد توضيح هذه التفرقة الغامضة فيما يقول به المستشرقون من أن كثير مما جاء به الإسلام على عهد الرسول لا يصلح للتطبيق بعد حياته في جماعة المسلمين ويجب أن يقصر اعتباره على عهده ووقته فقط.. فالمستشرق الإنجليزي جيوم Alfred Guillame في كتابه "الإسلام" يقول:
"كل مسلم يعلم أن كثيرا من القرآن جاء للوجود كي يلتقي مع بعض أزمات معينة، أو لأحوال مؤقتة في حياة محمد! لكن من هو الذي يعلم أن الواجبات والمحرمات والمكروهات التي جاءت في الإسلام مقصود أن تساس بها حياة الملايين "بعده"، كي تظل تعيش في أوضاع لا تتصور، وهي أوضاع القرن السابع الميلادي"١.
فكتاب: "الإسلام وأصول الحكم" قد تقبل مثل هذا الرأي, سواء في هذه العبارة أو في عبارة أخرى، وحاول أن يبررها في صورة مقنعة.. فكان هذا الإيهام، أو هذا الخلط, الذي رأينا.
وحدة الدين لا وحدة الحكومة:
والآن، بعد عرض فكرة الكتاب الأصلية، وهي إلغاء جزء من رسالة الإسلام، وهو ما يتعلق بالجماعة الإسلامية في تكوينها، وربط بعضها ببعض وصيانة قوتها والحرص على إيقاظ وعي المقاومة فيها، وهو وعي الجهاد، يبرز الكتاب مرة أخرى فكرة: أن الإسلام لا يحفل بالجماعة ونظامها، بل يعني بوحدة القلب، وهو ليس دينا للجماعة، وإنما هو دين لمجموعة من
стр. 213
البشر! وليس من المعقول لدى هذا الكتاب أن تكون هناك جماعة إسلامية لها سياسة واحدة، ولكن من المعقول أن تكون هناك وحدة دينية.
"معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن تنتظم البشرية كلها وحدة دينية.. فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة، فذلك مما يوشك أن يكون خارجا عن الطبيعة البشرية، ولا تتعلق به إرادة الله! على أن ذلك إنما هو غرض من الأغراض الدنيوية، التي خلى الله بينها وبين عقولنا، وترك الناس أحرارا في تدبيرها، على ما تهديهم إليه: عقولهم وعلومهم، ومصالحهم، وأهواؤهم ونزعاتهم"١.
وعندئذ.. "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشرية"٢.
أي للمسلمين أن يتخيروا أي نظام لحكمهم.
لهم أن يتخيرو نظام الحكم: المطلق أو المقيد، الفردي أو الجمهوري، الاستبدادي أو الشوري، الديمقراطي أو الاشتراكي، البلشفي أو الشيوعي.
"إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحا ما يقولون: من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية، أو بلشفية"٣.
ولقارئ هذه النصوص أن يسأل الآن:
كيف يمكن إقامة الشعائر الدينية "الإسلامية أو غيرها" في ظل حكومة تخضع للهوى والنزعات، وفي حكومة بلشفية لا دينية, وفي ظل حكومة إلحادية مادية؟؟
стр. 214
إن القرآن يقول في توجيه أمر الله إلى المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ١.
ويزيد على ذلك فيطلب القرآن منهم مقاومة الإلحاد والملحدين وأهل الأهواء والنزعات: إذ يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ٢.
إن إقامة شعائر المؤمن لا تؤدي إلا في ظل رعاية مؤمنة بالله، وأن تماسك المؤمنين لا يقوى إلا في ظل سياسة موحدة متجانسة، وإن وعي الأفراد بجماعتهم لا ينشأ ولا يبقى إلا تحت حماية ودفع لهذا الوعي الجماعي، وذلك لا يكون إلا إذا كان الإشراف العام في الجماعة يصدر عن العوامل المشتركة في هذا الوعي بين الأفراد جميعا.
واليوم يسعى العالم إلى "حكومة عالمية" ولا ينكر أحد عليه هذا السعي، اليوم تقترب الثقافات والجماعات والطوائف، ولا ينشد أحد من بين هذه الجماعات والطوائف أن يقف في سبيل هذا التقريب، فإذا جاء الإسلام بوحدة في الرباط والنظم والقواعد لجماعته المؤمنة، أنكر فريق من المسلمين عليه ما جاء به في هذا الجانب.. باسم التجديد، والحضارة، ورغبة في اللقاء مع الأمم المتمدينة في صعيد واحد.
ولكن -كما ذكرنا- أن "تجديد" الشرق في الفكر الإسلامي الحديث هو تقليد لفكر الغرب في القرن التاسع عشر.. تقليد لفكر إنساني انكشف ضعفه، وهواه وعصبيته، وانتهى أجله واعتباره.
إنه الشرق يستورد ... ولا يخلق؟؟
هل نرجو الآن أنه قد وعى، وسيخلق يبني، ثم يرود لغيره كما كان يفعل؟؟
стр. 215
الدين خرافة:
فكرتا. "بشرية القرآن".. و"الإسلام دين لا دولة" تمثلان اتجاه الاستشراق الغربي ونفوذه في تفكير "المجددين" في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث. منذ بداية القرن العشرين؟
وهما فكرتان ينصب أثرهما السلبي على الإسلام وحده، دون المسيحية أو اليهودية ... وهذه هي ظاهرة الاتجاه الاستشراقي في تفكير الغربيين؟
أما الاتجاه الآخر في تفكير الغرب في القرن التاسع عشر, الذي تسرب نفوذه إلى الشرق في صورة "التجديد" في الفكر الإسلامي الحديث أيضا, فهو التفكير "الوضعي" أو "المادي" الذي انتهت قمته أو انتهى غلوه إلى تفكير "الشيوعية" ... وهو تفكير انبثق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأصبح بعد الحرب العالمية الثانية يتصارع في عنف مع "الديقراطية" الغربية من جانب، و"الأديان" جميعا من جانب آخر.
وسنعرض من هذا الاتجاه الأخير، لمشكلتين أو لفكرتين أخذتا طابع الرواج في الشرق في الفكر الإسلامي الحديث، منذ نهاية هذه الحرب العالمية الثانية:
- المشكلة الأولى "خرافة الميتافيزيقا": وتتضمن خرافة الدين، وإنكار قيمته في التوجيه ... وهي وليدة الفكر المادي السابق على ظهور الشيوعية.
- والمشكلة الثانية "الدين مخدر": وتتضمن مطاردة الدين وإبعاده عن مجال الإنسان والجماعة، "والدين مخدر" هو شعار الشيوعية أو الماركسية.
стр. 216
فيرجع إلى ما يسمى "المذهب الاسمي".
- وإلى مذهب يعرف "بالمذهب التجريبي".
المذهب الاسمي: Nominalism
أما "المذهب الاسمي" فهو مذهب فلسفي، يرى أن "العبارات العامة" وهي العبارات الدالة على الأنواع والأجناس -كعبارة "الوجود" ... و"الإنسان".. و"الحيوان" مثلا- ليست إلا ألفاظا فقط، لا تحمل مدلولاتها طابع الواقعية، هي أسماء تستخدم كرسوم للأشياء وخصائصها، وليس هناك -خارج التصور الذهني لها- شيء موضوعي حقيقي يشار إليه، وذلك على عكس العبارات الدالة على الأفراد وهي أعلام الأشخاص، فإنها تدل على حقائق في الخارج وعلى أمور واقعية يمكن الرجوع إليها بطريق الحواس، ويشار إليها على أنها هنا أو هناك.
ويرجع هذا المذهب الاسمي -في نواته الأولى- إلى الفيلسوف أنتيستنيس Antisthenes الذي عاش في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد "٤٤٤-٣٦٨ ق م" وتتلمذ على السوفسطائي جورجياس Gorgias، ويعتبره مؤرخو الفلسفة في ثورته على الدين المتوارث والتقاليد الإغريقية -وهي تقاليد الأمة التي نشأ فيها: "روسو" Rousseau العصر القديم.
وكان أنتيستنيس هذا يدعو إلى القناعة، ويطالب بالرجوع إلى بساطة الطبيعة، ويرفض الدين الوراثي في ذلك الوقت، كما يرفض الدولة الوراثية، و"الحكيم" في نظره هو من ليس مواطنا في دولة معينة، بل هو مواطن عالمي، أما رأيه في الوجود فهو رأي أصحاب المذهب المادي Materialism١.
стр. 217
وعقب أنتيستنيس الفيلسوف الإغريقي، جدد روسلينوس فون كومبين Roscellinus von Compiegne مذهبه هذا في القرن الحادي عشر الميلادي "١٠٥٠- ١١٢٠م" على عهد "المدرسيين" في آواخر القرون الوسطى.
وفي القرن الرابع عشر دافع ويلهلم فون أوكام Wilhelm von Occam "١٢٧٠- ١٣٤٧م" عن هذا المذهب الاسمي دفاعا حارا، وأرجع المعرفة الإنسانية كلها إلى التجربة الحسية أو النفسية، وليس إلى ما وراء الطبيعة مما يسمى بالرسالة الإلهية أو الفلسفة الميتافيزيقية ... على معنى أن الوجود المشاهد هو مصدر المعرفة الصحيحة، وكذلك ما تحصله النفس وما يقوم بها عن طريق الاتصال بهذا الموجود المحس مصدر صحيح أيضا للمعرفة، أما ما يتلقاه مما وراء الطبيعة، من ذلك العالم الخفي الذي لا يرى ولا يحس فليس مصدرا للمعرفة وعلى الأقل ليس مصدرا للنوع اليقيني منها.
ولهذا يرى "أوكام": أن من غير الممكن معرفة الله معرفة يقينية عن طريق النظر العقلي، أو أن إقامة دليل على وجوده من هذا الطريق، وليس على الإنسان إلا أن يؤمن فحسب بالله؛ لأنه حصر إمكان المعرفة الإنسانية فيما يخضع للتجربة الحسية أو النفسية، ويقصد بالتجربة النفسية ما تتلقاه النفس من عالم التجارب الواقعية، وهو عالم المحسوسات، ومع ذلك يفرق "أوكام" بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية "الميتافيزيقية" عند نقده للميتافيزيقا، فلا يستهجن الحقيقة الدينية ولا يمسها أيضا مسا مباشرًا بقدر ما يستخف بتلك الحقيقة الفلسفية.
стр. 218
وعرف "أوكام" بمكافحته للسلطة الزمنية "السياسية" التي يمارسها البابا، ولما ينسب إليه من عصمة لا تقبل النقض في القول والعمل، أي: لا تقبل الخطأ على الإطلاق.
واستطاع المذهب الاسمي -ذلك المذهب الذي يرى في العبارات الدالة على الأنواع والأجناس مجرد رسوم وشعارات- أن يسود بالتدريج، ويشق طريقه في القرون التالية للقرن الحادي عشر حتى عصر "كانت" وذلك بفضل مجهود "أوكام" وحده.
فلما جاء "كانت" في القرن الثامن عشر، ساق في كتابه، "نقد العقل الخالص" تشبيه "العبارة" مطلقا بورق النقد، وجعل ضمانها: "المحسوس" المشاهد، فالعبارة التي ليس لها هذا الضمان المحسوس -وهي العبارة الدالة على النوع أو الجنس- تكون في نظره عديمة القيمة. أما العبارة التي تدل على الفرد وهي كذلك الدالة على الشخص فلها قيمتها واعتبارها؛ لأن المحسوس المشاهد عندئذ يمكن أن يشير إلى مضمونها، وإلى ما تدل عليه، يقول Schulze في ذلك، متأثرا بـ"كانت": إن أسماء الجنس والنوع هي كلمات تحمل ما لا يقوم الدليل عليه.
فهذا "المذهب الاسمي" بحث من بحوث "المنطق" إذن، يفرق في دلالة الألفاظ بين ما تدل عليه في الخارج مما يحس، وبين ما يبقى متصورا ذهنيا فحسب. وهو يفرق بين الألفاظ الدالة على الأنواع والأجناس من جانب، والأخرى الدالة على الأشخاص من جانب آخر.
- ولفظ "الله": لا يدل على نوع ولا على جنس ولا على شخص محدد يدرك بالحس؛ لأن مدلول لفظ الجلالة لا يصدق على كثيرين حتى يكون جنسا أو نوعا.
- ثم هو لا يدل على شخص يشار إليه في الحس والمشاهد ويقال عنه: هذا هو الله، وإن كان يدل على فرد لا شريك له.
وهو إذن خارج عن بحث "العبارة" في بحوث المنطق.
ولذلك يعقب أصحاب "المذهب الاسمي" فيما يتصل بالله- بأن مجال الله هو الإيمان والاعتقاد، وليس البحث العقلي الجدلي الإنساني.
стр. 219
قال بذلك "أوكام" وقال بذلك "كانت" ويقصد "أوكام" في تفرقته بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية "الميتافيزيقية": أن تكون الميتافيزيقا مجال التطبيق لفكرته "الاسمية" أولا وبالذات.
٢- المذهب التجريبي Empirieism:
وأما "المذهب التجريبي" فيرى أن تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها. ومعنى ذلك أن الحس المشاهد -لا غيره- هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية: ففي العالم الحسي تكمن حقائق الأشياء، أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية، والبحث عن العلة في هذا المجال، فأمر يجب أن يرفض، ولهذا تكون كل نظرية أو كل فكرة عن وجود له طابع الحقيقة واليقين- فيما وراء الحس- نظرية أو فكرة مستحيلة.
هذا هو تقدير "المذهب التجريبي" للمصدر الذي تستقى منه "الحقيقة" أما موقف هذا المذهب من "العبارات" على وجه العموم، فيرى أنها لا توجد ولا تنشى معرفة للأشياء على حقيقتها، ولا عن خواصها التي لها، إذ هي بعيدة الصلة عن ذلك. ولذا لا تقول إلا بما نحسه فقط، وبالشبه الذي يكون بين الأشياء بعضها وبعض.
وهذا المذهب عرف به في القرن الثامن عشر: الفيلسوف الاسكتلندي: "هيوم" Hume "١٧١١ - ١٨٨٦". أما عمل العقل في نظره فهو وقف على ما تأتي به هذه الحواس والتجارب: ليس له من عمل سوى أن يربط بين ما تأتي به هذه الحواس والتجارب، وهي المدركات الحسية أو صور المفردات في العالم الخارجي. وقد يغير العقل في وضع هذه الصور في نفسه عن وضع أصولها في الخارج وقد يوسع أو يقلل في الصور نفسها التي هي التجارب والمدركات المحسوسة. ولكنه على أي حال لا يخرج عن دائرتها. وبهذا العمل العقلي تنشأ الأفكار، ومن بينها فكرة: "الله".
فالعقل يحصل فكرة "الله" في نفسه، في الوقت الذي يرتفع فيه عن حدود الخصائص الإنسانية كلها من الحكمة والخير، أي: إذا أدرك من تجاربه خيرا للإنسان وحكمة له، فإنه ينتقل من هذا الخير الإنساني والحكمة الإنسانية- متجاوزًا الدائرة الإنسانية كلها- فيدرك مطلق الخير ومطلق الحكمة، وذلك هو فكرة الألوهية.
стр. 220
والرابط بين الأفكار على هذا النحو في نظر "هيوم" يمكن أن يتأتى بواسطة العقل والعمل الفكري وحده، بغض النظر عن الوجود "الخارجي" وهو الوجود المحس المشاهد.
أما الأسباب والمسببات -في مقابل هذا- وهي التي تتصل بالأشياء الواقعة فلا يمكن أن تعلم بواسطة العقل، بل تتم معرفتها بواسطة التجربة وحدها، ومن هنا ليس هناك -في نظره- معرفة في الأزل أو فيما وراء التجربة والحس لها الطابع العلمي، ومعنى ذلك أن التفتيش عن "علة" وراء هذا الوجود المحسوس لهذا الوجود المحسوس نفسه، لا يقوم على طريق علمي، أي: طريق تجربي, بل يقوم على طريق عقلي تصوري، كطريق "الربط" بين الأفكار، أو عن طريق "الوحي" والإيمان أي: طريق الدين.
وغاية المعرفة الإنسانية عنده -لهذا- هي تحصيل علل الظواهر الطبيعية، وترتيب آثارها في دائرة قليلة من العلل العامة، أما محاولة كشف علل أخرى لهذه العلل العامة أو كشف علة واحدة عامة مشتركة لها فمحاولة غير مجدية "من الطريق الإنساني"، أي: لا يصل إليها الإنسان وصولا علميا يقينيا.
والقول بأننا ننتظر من العلل المشابهة آثارا متشابهة، يرجع إلى العادة التي ألفناها والتي تحولت إلى اعتقاد جازم، ولا يرجع إلى القياس العقلي أو إلى المعرفة الأزلية السابقة.
والحقائق الدينية لا يمكن إذن أن تعلم أبدا عن طريق الإنسان، سواء بعقله أو حواسه، وإنما يصدق الإنسان بها فقط.
هذا المذهب التجربي -كما ذكرنا- عرف به "هيوم" في القرن الثامن عشر، ولكن نواته وجدت في القرن الخامس قبل الميلاد عند الفيلسوف الإغريقي بروتاجوراس Protagoras "٤٨٠ - ٤١٠ق.م" ثم من بعد "هيو" تطور المذهب بعمل الفيلسوف الفرنسي بايل Bayle "١٦٧٧ - ١٧٠٦م" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ قد رفض Bayle التعليل العقلي للحقائق الدينية أي: رفض أن يقوم من العقل دليل على وجود تلك الحقائق، وبالأخص على وجود الحقيقة الإلهية، ونال بهذا الرفض من كل معرفة تتجاوز المحسوس ولا تكمن فيه وهي معارف "الميتافيزيقا" كلها.
стр. 221
ثم بعد أن نال من هذه المعارف، طلب في الحياة الأخلاقية أن يحكم الإنسان "العقل" وحده. وبذلك ينكر الإيمان الديني، والذي يعتبره مناقضا للعقل.
ولكن أي إيمان ديني أنكره Bayle؟؟ سينكشف فيما بعد أنه الإيمان بالتثليث، أي: إيمان الكنيسة الكاثوليكية، وهو الإيمان الذي يؤسس عليه أن يجمع عيسى في طبيعته بين طبيعتي الإله والإنسان.
وقد أثر اتجاه Bayle هذا ضد" الميتافيزيقا" وضد الحقائق الدينية التي وراء العالم المحسوس على السواء في التضييق على المعاني النظرية الصرفة، وبالتالي دفع إلى الحياة العملية "الواقعية" وكان أثر هذا الاتجاه في فرنسا أكثر منه في إنجلترا، وأصبح مفهوم "العلم" في المحيط الفرنسي إذ ذاك مقصوا على التجربة الطبيعية والإنسانية، أي: التي يجربها الإنسان في محيط الطبيعة، دون الحقائق الدينية والفلسفة الميتافيزيقية.
ولم يأخذ هذا "المذهب التجريبي" مكانه في تاريخ الفلسفة -كمدرسة- إلا على عهد الفيلسوف الفرنسي "كومت" Comte في القرن التاسع عشر "١٧٩٨ - ١٨٥٧" ومنذئذ عرف "بالمذهب الوضعي" Positivism و"أوجست كومت" Aogust Comte: يعتبر إذن المؤسس الأول "للفلسفة الوضعية" Positive Philosophy. وهي الفلسفة التي لا تعتبر شيئا ما "حقيقيا" و"واقعيا" إلا ذلك الموضوع الوضعي، الذي جاء أثرا لتجارب الحس، ويمكن مع ذلك اختباره بالحس.
و"المذهب الوضعي" الذي استخلصه "أوجست كومت" من "المذهب التجريبي" السابق عليه، يرى أن الفلسفة يجب أن تجتاز ثلاث مراحل، وتنتقل من واحدة إلى الأخرى، لكي تستقر في المرحلة الأخيرة:
- يجب أن تمر في المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي يشرح فيها الإنسان الشيء الطبيعي، ويعلل وجوده ومظاهره من القوى الخارجة عن الطبيعة، وهي القوى الإلهية، أي: من دائرة الدين.
- وتنتقل الفلسفة إلى المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي يشرح فيها الإنسان الحياة الإنسانية وقوانينها وأغراضها، من عبارات نظرية تصورية إنسانية، أي: من دائرة الميتافيزيقا، أي: من العقل النظري الخالص.
стр. 222
ولكن أي دين وأية عبادة؟؟
- الدين: هو دين "الطبيعة الكبيرة".
- والمعبود هو "الإنسانية".
وقد كان تفكير هذا المذهب الوضعي، من العوامل القوية في قيام الماركسية و"الشيوعية" فيما بعد.
ومن أتباع هذه المدرسة الوضعية "ميل" واسبنسر" و"راسل" Russel في إنجلترا، و"لودفيج فيرباخ" في ألمانيا، مما سلف الذكر.
ملخص هذين المذهبين:
هذان مذهبان في تفكير القرن التاسع عشر.
كلاهما: يبحث في قيمة الميتافيزيقا -كمصدر من مصادر المعرفة- وهي فلسفة ما وراء الطبيعة.
فأولهما: "المذهب الاسمي" يجعل "العبارات" التي تدل على الأنواع والأجناس كالوجود، والإنسانية، والعلة ... وغيرها: أسماء وإشارات إلى مدلولات متصورة في الذهن، وليست واقعة في الخارج وبما أن هذه العبارات هي مصطلحات الميتافيزيقا، فالفلسفة الميتافيزيقية ليست مصدرا لمعرفة واقعية، بل مصدر ذلك هو الواقع المحسوس وحده، والوسيلة الى التعرف عليه هي الحواس الخمس.
ويلاحظ أن "أوكام" Occam- من عمد المذهب- لا يدخل الحقائق الدينية في الحقائق الميتافيزيقية، ولذا لا يوجه إليها هجوما مباشرًا، بل يفصل بينهما فصلا تاما، وهو إذ يناقش فلسفة ما بعد الطبيعة يناقش صنعة إنسانية، تطلب لنفسها الاعتبار العام فيما تذكره من أفكار وآراء.
وهو أيضا إذا يعيب الدين -المسيحي طبعا- لا يعيب الرسالة المسيحية وتعاليمها كما يفهما العقل الصحيح، أو حتى كما تفهمها البروتستانتية، وإنما يعيب ما لحق بهذه الرسالة من سلطة سياسية عليا، وعصمة لشخص الباب -كرئيس للكنيسة الكاثوليكية- في قوله وعمله.
стр. 223
كما يلاحظ أن "كانت" الألماني، يشبه العبارات الميتافيزيقة بورق نقد بدون ضمان، ويهدف إلى بيان: أن صنعة العقل الإنساني فيما بعد الطبيعة لا تأتي بيقين واقعي؛ لأن العقل لا يستطيع أن يأتي بيقين إذا اجتاز مرحلة الإنسان ودائرته الحسية إلى دائرة أعلى منها فوقها، وكل ما يأتي به عندئذ لا يخرج عن الظن والتخمين. إذ العقل بحكم أنه محدد: بالبيئة وبالمكان والزمان والثقافة الخاصة، والجو الطبيعي والاجتماعي والسياسي، لا يستيطع أن يأتي بيقين عن الموجود غير المحدود، وهو "الله" فالله مطلق في وجوده، لا تحدده شهوة ولا رغبة، ولا يحدده زمان ولا مكان، ولا شيء مما يحدد به الإنسان. ولذلك لا يستطيع الموجود أن يتصور غير المحدد تصورا تماما، وكل ما يفعله أن يقيس وجوده على وجود نفسه. وذلك ظن وليس بيقين! ومن ثم يطالب "كانت" في فلسفته بإفساح مجال القلب للإيمان وإبعاد العمل العقلي عن مجال الألوهية؛ وليس ذلك لأنه ينكر الألوهية؛ بل لأنه يريد أن يبعد العقل البشري عن الظن والتخمين.
وعلى هذا النحو طالب "الغزالي" ومن قبله أبو بكر "الباقلاني" و"إمام الحرمين الجويني" بإبعاد الصنعة العقلية عن مجال الألوهية ووضع الإيمان وتركيزه في القلب، بدلا من تركه في مركز المناقشة العقلية وتشبه حجة هؤلاء العلماء من المسلمين في ذلك حجة "كانت" أيضا، من حيث إن العقل لا يصل إلى يقين فيما بعد الطبيعة، ولذلك كان علم الكلام في نظرهم علما لا ينشئ عقيدة ولا ينمي اعتقادا.
وثاني المذهبين -وهو المذهب التجريبي كما تركه "هيوم" وقبل أن يتحول إلى "المذهب الوضعي" الذي تزعمه "أوجست كومت"- لا ينكر الوصول إلى "الله" عن طريق العمل العقلي، وهو العمل القائم على الربط والمشابهة بين الأفكار. وهو ينكر فقط أن تكون للمعرفة فيما بعد الطبيعة ميزة المعرفة الطبيعية في إمكان اختبارها والتثبت منها عن طريق التجربة.
نعم، بعد أن تحول هذا المذهب إلى "الفلسفة الوضعية" رغبت هذه الفلسفة الوضعية إلى "البحث الفلسفي" جملة أن ينهى توجيهه. ويبقى في "العلم" وفي الدائرة الإنسانية والطبيعية، إذا طلب لمعرفته صفة الحقيقة واليقين، وعلى الإنسان في سلوكه أن يبتدئ من ذات الفرد، وهي "أنا" ويسير منها للجماعة، وفي عبادته يجب أن يتجه إلى المجتمع والطبيعة الكبرى، دون أن يتجه بها إلى ما وراء الإنسان ووراء الجماعة وهو الله.
стр. 224
وبالموازنة بين المذهبين "الاسمي" و"التجريبي" نجد أن المذهب الأول وهو "المذهب الاسمي" عبارة عن بحث في الألفاظ والعبارات، وهو بحث منطقي، اتخذ موضوعه مصطلحات فلسفة ما بعد الطبيعة، وأعلام الأشخاص في هذا الوجود المشاهد، ولكنه لم يتجاوز ذلك إلى إنكار الألوهية، بل حرص قادة هذا المذهب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على الاحتفاظ بالإيمان وبالعقيدة.. وإن كان لهم نقد يتعلق بالدين، فهو موجه لما صاحب المسيحية في تطورها، لا للأسس التي تقوم عليها، على أنهم فرقوا في ذات العبارات، بين عبارات الأنواع والأجناس من جانب، وعبارات الأعلام الشخصية من جانب آخر. ولفظ "الله" ليس من عبارات النوعين.
خرافة الميتافيزيقا:
وهنا في مصر، كان من مظاهر التجديد في الفكر الإسلامي منذ بداية القرن العشرين ترديد الفكر الغربي في القرن التاسع عشر.
ولم يكن الترديد ترديد النافع منه الذي يصح أن يثمر في الجماعة الإسلامية الناهضة، كالفكر العلمي، في مجال التعمير والهندسة ... في مجال الطب.. في مجال الكيمياء ... في مجال الطبيعية أو الرياضة البحتة ... وإنما كان ترديدا لفكر المستشرقين كما رأينا من قبل، أو للفكر المادي على نحو ما نذكر هنا.
وعند ترديد هذا الفكر باسم التجديد، قد يردد مشوها أو محرفا كما سنرى، مما يزيد الأمر لبسا، ويدفع إلى الشك السلبي، على نحو ما قيل بين طلاب الجامعة: "الدين إيحاء خرافي".
هنا في التعليم الجامعي في بعض كليات الآداب يدرس كتاب "خرافة الميتافيزيقا" ... وهو كتاب منقول من الفكر الأوروبي المادي، الذي أشرنا إليه.
هذا الكتاب يصور الهدف الرئيسي منه في العبارة الآتية:
"الغاية الرئيسية من هذا الكتاب هي: بيان أن "العبارات" الميتافيزيقية خلو من المعنى، مع تحديد الميتافيزيقا بأنها البحث في أشياء
стр. 225
لا تقع تحت الحس، لا فعلا ولا إمكانا؛ لأنها أشياء بحكم تعريفها لا يمكن أن تدرك بحاسة من الحواس"١.
لم يذكر الكتاب في سطر واحد منه، أن المراد من قوله: "البحث في أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلا ولا إمكانا هو "الفلسفة الميتافيزيقية" وحدها دون الحقائق الدينية, كما صرح بذلك مثلا "أوكام" فيما نقلناه عنه من قبل، وبهذا كان يمكن أن يضع أمام قارئه من أول الأمر أنه يهدف إلى مناقشة البحث الفلسفي الإنساني الذي له طابع ما بعد الطبيعة ... أما الدين ورسالته.. أما الإسلام على وجه أخص فأمر آخر. وبذلك يبتعد القارئ عن اللبس، ويصون قدسية الدين، في الوقت الذي يناقش فيه صنعة الإنسان، وهي صنعته الميتافيزيقية.
لكن الكتاب ذكر كلمة "العبارات الميتافيزيقية" من غير أن يفرق بين عبارات الأنواع والأجناس من جانب، وعبارت الأعلام الشخصية من جانب آخر، كما صنع أساتذة هذا المذهب فيما عرضنا هنا من قبل. وبذلك لا يعرف القارئ أنه بصدد تحديد ألفاظ، ومدى ارتباطها بمدلولها في واقع الأمر، كما لا يعرف أن اسم "الله" ﷻ ليس مصونا فحسب عن هذا النقاش، بل لا يدخل في دائرته بحال.
إنه يقول: مطلقا بدون تحديد:
"العبارة الميتافيزيقة التي تخبرنا عن شيء غير محس عبارة فارغة من المعنى، لسبب بسيط وهو: أنها ليست مما يجيز المنطق أن يكون كلاما على الإطلاق، فمتى يقبل الكلام عند المنطق؟ المنطق يقبل الكلام إذا كان لدى السامع وسيلة لتحقيقه، فإما أن يصدقه بعد التحقيق أو يكذبه، أما الكلام الذي يستحيل بطبيعة تركيبه أن نتصور وسيلة لمراجعة صدقه أو كذبه، فهو كلام خلو من المعنى"٢.
ونحن بدورنا نتساءل: أي "منطق" له هذه الوظيفة؟ تراه منطق الإنسان عامة؟ وهناك أنواع متعددة من المنطق: منطق الرياضة ومنطق الصورة والقياس، ومنطق الفلسفة الوضعية.
стр. 226
لو حدد الكتاب هذا المنطق "بالمنطق الوضعي" لعرف القارئ أن هناك أنواع أخرى من المنطق تخالف هذه الوجهة من النظر، ومن هنا يكون هو إمام منطق محدد، لكن ليس من دافع لأن يجزم بأن المنطق الإنساني عامة -كما يوهم الكتاب- يحيل أن تكون هناك عبارات موجودة على سبيل الحقيقة، وهي تلك العبارات التي مدلولاتها توجد فيما بعد الطبيعة.
ويزيد الكتاب في هذا الإبهام في عباراته التالية:
"إن الميتافيزيقي" لا يقول حين يدعي ما يدعيه: أني أحلل لفظة إلى ما يساويها، هو يصف كائنات يزعم وجودها بصفات معينة، فإذا طلبت إليه أن يدلك على الخبرة الحسية التي من شأنها أن تطلعك على تلك الكائنات، حتى ترى لنفسك إن كانت حقا موصوفة بالصفات التي زعمها أو لم تكن، أجابك بأنها ليست مما يحس.. وإذن هو موقف عجيب: يقول كلاما عن أشياء، ثم يرفض أن يدلك كيف يمكن أن تلتمس الأشياء في خبرتك، لتصدقه أو تكذبه.
"فلا هو على استعداد أن يحقق لنا ما يقوله بالخبرة الحية كما يفعل الذين يحدثوننا عن الأشياء الخارجية في العلوم أو في الحياة الجارية، ولا هو بقانع أن يجيء كلامه تحصيل حاصل حتى تصفه بالصدق من غير التجاء إلى خبرة حسية!
"وإذن فلا هو يقول عبارات تركيبية كالتي يقولها العلماء الطبيعيون، ولا عبارات تحليلية كالتي يقولها علماء الرياضة.
"فأي نوع من الكلام يقول؟ كلام الميتافيزيقي فارغ لا يحمل معنى.
"يزعم لنا الميتافيزيقي أنه قد جاء بعلم عن الحقيقة التي لا تدخل في نطاق الطبيعة المحسوسة المشهودة، إذ هو يحدثنا عن أشياء تجاوز عالم الشهادة والحس، فنسأله: من أي المقدمات استخلصت نتائجك التي انتهيت إليها؟ أليس يتحتم عليك -كما يتحتم على سائر الناس- أن تبدأ بشهادة حواسك، وإن كان ذلك كذلك، فكيف يجوز أن تستنبط من مقدمات حسية نتائج عن حقيقة أخرى خارجة عن نطاق الحواس؟ إنك إذا بدأت بمقدمات
стр. 227
أكل كلمات "الميتافيزيقا" على هذا النحو، وجماهير الناس لا يعرفون "الميتافيزيقا" فضلا عن أن يقفوا على مصطلحاتها؟
"للميتافيزيقا" سوق يتعامل فيه جماهير الناس، وهي أبعد جوانب الفلسفة وأشدها عزلة عن الحياة العقلية العامة وحياة الرأي العام، وهي حياة الجماهير.
إن منطق الكتاب هو التعمية وعدم التفرقة.
- أولا: بين عبارات الأنواع والأجناس من جانب وعبارات الأعلام الشخصية والأفراد من جانب آخر.
- وثانيا: بين الحقائق الدينية والحقائق الميتافيزيقية كما صنع أرباب "المذهب الاسمي".
وهذا المنطق من السهل تحديد هذه "الكلمة المتداولة" في كثرة، والتي ظن الناس منذ مدة طويلة أن لها قيمة كبيرة وهي زيف لا قيمة لها في التعامل, لو تنبه الناس إلى ذلك، بأنها "الله". وهكذا يكون لفظ الله فارغ، ولا مدلول له وهو خرافة!!
قصد التعمية هنا، وتجاهل التفرقة التي التزمها أصحاب "المذهب الاسمي" كما رأينا، لا تدل فحسب على قلة إدراك اللغة العلمية، بل تدل أيضا على أن "البتر" في النقل عن الغير يكاد يكون صفة من صفات "التجديد" في الفكر الإسلامي الحديث عند هؤلاء المرددين. قد قيم المشركون أمام رسول الله ﷺ "الحس"، وحده، ورأوا أن مصدرهم في المعرفة هو عالم المحسوسات لا غيره، واعتقدوا أنهم وصلوا إلى حقائق لا يجوز لهم أن يستبدلولها بتلك الحقائق الأخرى التي ليست في شاهدهم.
ومع ذلك كانت معارفهم أسماء لا مسميات لها على سبيل الحقيقة، وتبين أنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، ويتحدث القرآن عنهم في قول الله تعالى:
стр. 228
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
فقد يقع "الحس" على أشياء وأشياء، ومع ذلك لا يدرك هو نفسه حقائقها ومدلولاتها في الخارج، وعندئذ تكون عباراتها أسماء، وتكون تلك الأسماء رموزا وأرقاما، لا تحمل حقائق، ولا تدفع "العقل" الخالص نحو إقرارها.
قد تدرك "الحواس" إذن إدراكا خطأ، وقد يكون تصور "العقل"وهما وظنا، ولكن حسن الظن بالحواس، أو الثقة بالعقل قد تحمل محسن الظن على أن ينخدع بأحدهما، أو بكليهما.
فالقرآن هنا في الآية السابقة يحكي عن المشركين الذين انخدعوا بـ"الحس" فاعتقدوا في كائنات محسة -هي على الحقيقة أحجار- أنها صاحبة تأثير إيجابي أو سلبي في حياتهم، وأنها آلهة تعبد.. وطاوع "عقلهم" ما انخدعوا فيه من حس، فكان العقل ظنا وهوى، لا علما وحقيقة واقعة.
الإنسان المحدود قد يطغى أن رآه استغنى، ويدفعه طغيانه إلى إنكار عقله وإنكار أصل وجوده وخلقه ... مع الإيمان فقط بما يتصل بشهوة بطنه وفرجه, وذلك هو الإنسان صاحب الفلسفة "الحسية".
وقد يدفعه هذا الطغيان مرة أخرى إلى إنكار عالمه الذي يعيش فيه، وإنكار العالم الأزلي السابق على وجوده الذي فيه خالقه ... مع الإيمان فحسب، بأنه هو الوجود، أو على الأقل هو نفسه رب الوجود! فمن "عقله" يحدد خصائص الوجود، ومن "عقله" أو "نفسه" يلون العالم الذي يعيش فيه، وذلك هو الإنسان العقلي أو النفسي في تفلسفه.
стр. 229
وإذ ينتقل كتاب: "خرافة الميتافيزيقا" من الجانب النظري إلى الناحية العلمية -وهي الجانب الخلقي- يقول عن مصدر القيم الأخلاقية.
"القيم "الأخلاقية" جزء من ذات نفسه، وإن العالم الخارجي عن ذاته، لا خير فيه ولا جمال، وإنما هو عالم من الأشياء!! فإذا أراد أن يقف إزاءها وقفة العالم الذي ينطق كلاما ذا معنى، كان لا بد له من قصر الحديث على وصف ما يراه فعلا، وما يسمعه، وما يحسه بسائر حواسه، دون إضافة شيء من ذات نفسه إلى الوصف، وإلا فقد أراد لنفسه شيئا غير العلم ومجاله"١.
والكتاب في هذا الجانب العملي يشير إلى المذهب النفسي في التفلسف Psychologism ... ذلك المذهب الذي ينكر وجود العالم الخارجي على نحو معين في ذاته من الخير أو الجمال أو نحو ذلك. ويرى أن وصف العالم الخارجي بشيء من ذلك يرجع إلى إحساسات الإنسان وانفعالاته المختلفة، دون ذوات الأشياء. فالإنسان هو الذي يضفي الوصف على الأشياء، وليس هذا الوصف للأشياء من ذواتها.
وتقابل هذه النظر، نظرة مذهب الوجود antolagism -وليس الوجودية- وهي نظرة ترى أن المبادئ الميتافيزيقية، وبالأخص فكرة "الوجود المطلق" -وهي الله- بداية التفلسف وبداية المعرفة، وليست الحقائق التجريبية النفسية. ويقصد بذلك أن التجارب النفسية من عواطف وإحساسات ليست هي التي تصبغ العالم الخارجي بصبغتها، بل مبادئ الوجود الثابتة، وفي مقدمتها مبدأ "الوجود المطلق" -أي: الله- هي التي يرجع إليها شرح هذا العالم وما فيه من موجودات، وإذن ما في العالم من خير وشر وجمال، مصدر تحديده فكرة الوجود المطلق، وليس إملاء عواطف الإنسان.
وكتاب "خرافة الميتافيزيقا" في الجانبين: النظري والعملي، يتشبث بدعوى "الاسميين" و"الوضعيين" ... ولكن بالصورة التي عرض هو بها آراءهم وليس بالصورة التي أفرغوها هم في تاريخ مذهبيهم!
وقد رأينا من قبل في تاريخ "الاسميين" أنهم يحتاطون في فصل الدين عن الميتافيزيقا بأن وجهوا إلي هذه الأخيرة النقد باسم البحث
стр. 230
العلمي. كما رأينا في تاريخ "التجريبيين" و"الوضعيين" أنهم في فترة طويلة صانوا الدين عن النقد، ثم مسوه بعد أن قام كومت Comte ومن بعده فيرباخ Feuerpach على تدعيم "المذهب التجريبي" باسم "الفلسفة الوضعية" لكن لمذا تجاوز النقد في أوروبا الميتافيزيقا إلى الدين؟
يمكننا أن نقف على هذا السؤال من عمل الفلاسفة الذين قاموا في القرنين السابع عشر والتاسع عشر بمحاولة عقلية فلسفية للاحتفاظ بقدسية الدين، وقيمة الوحي ... وسنرى أن السبب في ذلك هو الرغبة في مقاومة نفوذ الكنيسة الكاثوليكية أولا وليس في مقاومة الإيمان في ذاته.
في القرن السابع عشر قام "سبينوزا" Spinoza ١، و"ليبنيتز" Leibniz٢ و"لوك" Locke٣ ...
وأراد ثلاثتهم أن يجمعوا الطوائف المسيحية الثلاث في أوروبا الغربية -طوائف الكاثوليك، وأتباع لوثر، والمصلحين- على أساس من التعاليم الأصيلة للمسيحية وابتدعوا لهذه المحاول ما سموه "بنظام العقيدة" ... وكتب "لوك" خطابات ثلاثة عن "التسامح" وعبر عن هذا التسامح في كلمته المعروفة "كنيسة حرة، في دولة حرة".
وتحولت هذه المحاولة من الوجهة النظرية -عند الفلاسفة الثلاثة- إلى القيام بتعليل عقلي لـ"مسيحية عامة صافية"، وأطلقوا على هذا التعليل "دين الطبيعة" أو "دين العقل"، وجعل أساس هذا الدين: الإيمان الكامل بالوحي الإلهي, وعرفوا الوحي الإلهي بأنه ما كان فوق العقل البشري، لكنه ينسجم مع العقل، أي: إن الذي يعتبر وحيا هو ما لا يستطيع العقل أن يجده في نفسه، ولكن مع ذلك يمكن له أن يفهمه في وفاق وانسجام مع تفكيره الصحيح.
وقد زاد جماعة السوسينيين Socinienes٤ في تأكيد وجود
стр. 231
الوحي الإلهي، ولكنهم عبروا بأنه ما ليس بوحي هو ما لا يستطيع العقل أن يفهمه، وتطبيقا لهذا اعتبروا ما جاء في كتب العقيدة المسيحية من التثليث، ومن جعل المسيح إلها إنسانيا -في وقت واحد- غير وحي.
ثم رأوا أن ما أوحى به الله له طابع القانون، ويجب العمل به. والدين لا يبقى في حيز الفكرة النظرية, بل هو خضوع تام للقانون الإلهي، هو عمل وسلوك طبقا لهذا القانون؛ لأنه طالما كان القانون الإلهي غير مؤسس على الأغراض الشخصية بل هو عام للإنسانية، يجب أن ينفذه الشخص؛ لأن في تنفيذه مصلحته ومصلحة غيره.
وفي القرن التاسع عشر أسس الفيلسوف الألماني "فريدريك هيرش جاكوبي" Friedrick Heirich Hacobi فلسفته التي سماها "فلسفة الإيمان" وجعلها في مقابل فلسفة "كانت" في "نقد العقل الخالص".
وتقول هذه الفلسفة: إن فينا عقلا مباشرا من الله، ذلك الذي صنع للإنسان طبيعته الخاصة، وواهب هذا العقل وهو الله، يعيش في قلوبنا حاضرا, كما تتمثل الطبيعة أمام حواسنا الخارجية.. هو: "ضوء في قلبي، ولكن عندما أريد إحضاره في العقل ينطفئ"!! أي: إن العقل لا يستطيع أن يحده وإن كان يملأ فراغ القلب بالإدراك الوجداني.
وجاء "هيجل" Hegel في القرن التاسع عشر أيضا، وأقام فلسفة خاصة به على أساس مما سماه "الفكرة" ... ووصل بهذه الفلسفة الخاصة إلى وحدانية الله، وبذلك أغضب الكنيسة الكاثوليكية بإنكار التثليث في الألوهية! ويقول "هيجل" معلقا على الحركة الفكرية لـ"كانت": "في ألمانيا دارت هذه التمثيلية الخاصة، وهي: أن الشعب المثقف هو شعب من غير ميتافيزيقا، وأن المعبد الذي استكمل زينته وزخرفته هو المعبد الذي خلا من أقدس المجودات".
وعلى غرار هيجل، قام شلنج Schelling بعمل فلسفي سمي بالفلسفة "البنائية" وهي فلسفة تهدف إلى إقرار مذهب الوحدة في الألوهية.
وهنا نجد، من دفاع هؤلاء الفلاسفة عن الدين، ومن محاولاتهم الفلسفية لإصلاحه، أن الدين تجاوزوا من فلاسفة الغرب بنقدهم الميتافيزيقا
стр. 232
إلى الدين، لم ينقدوه إلا لتصفيته من العقائد غير المعقولة، في عصر تيقظ الإنسان فيه إلى قيمة نفسه.
لقد حاربوا التثليث، وعقيدة ألوهية عيسى، والاعتقاد بعصمة البابا وبسلطانه الزمني ... ولم ينقدوا "الإيمان" في أصله، بل نقدوا الطارئ عليه، مما لا يستقيم مع العقل الإنساني الواضح.. مما سيكون موضع تفصيل في حديثنا عن المشكلة التالية: الدين "مخدر"، حتى يتضح موضوع النزاع على حقيقته في الفكر الأوروبي.
ولكن هنا في مصر والشرق الإسلامي، عندما ارتضى "المجددون" لأنفسهم أن يكونوا مرددين لمفكري الغرب، رددوا هجوما على دين ليس ثمة داع لمهاجمته "وهو الإسلام" لأنهم قرءوا ما يشبه الهجوم على المسيحية باسم النقد العلمي أو العقلي!!
فعندما أراد المجددون في مصر أن يقفوا على قدم المساواة مع الغربيين الأحرار -كما فعل صاحب "مستقبل الثقافة في مصر! "- رأوا من المساواة في الوقوف على قدم واحد معهم: أن ينقلوا عيب الغربيين المغرضين للإسلام، وأن يغمضوا ويبهموا فيما ينقلونه باسم الفكر التجريبي أو الاسمي، حتى يكون منهم في تجديدهم في الفكر انتقاص للإسلام، وبذلك يتساوون في الوقوف على قدم واحدة، وهي توجيه الملام والعيب للدين!!
والتساوي في الوقوف مع الإنسان الحر في البحث، هو أن لا تطغى عليه عاطفة فيما يبحث، وأن يكون صريحا في الحديث عن عاطفته -إذا تملكته هذه العاطفة في البحث- دون أن يغمط شأنها أو يرهق "الحرية في البحث" يوم يدعو من وراء ستار إلى ما يرى أو يرغب.
стр. 233
الدين مخدر:
الصراع بين الدين والعقل والحس في تاريخ الفكر الأوروبي:
مضت على التفكير الأوروبي منذ القرن الرابع عشر إلى الآن مراحل شهدت فيها العقلية الأوروبية صراعا فكريا، واتجاهات عقلية مختلفة، تدور حول "تبرير" مصادر المعرفة التي عرفتها البشرية في تاريخها حتى الوقت الحاضر، وهي: الدين، والعقل، والحس أو الواقع، وفي كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن "قيمة" أي واحد من هذه الثلاثة, كمصدر للمعرفة المؤكدة أو اليقينية، ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجابا أو سلبا، ومن السؤال وما يدور حوله من جدل وأخذ ورد، تتكون المذاهب الفلسفية التي تعبر عن قيمة المصدر، الذي وضع للاختبار والتقدير.
سيادة النص أو الدين:
كان "الدين" أو "نص" سائدا طوال القرون الوسطى في توجيه الإنسان، سواء في سلوكه وتنظيم جماعته، أو في فهمه للطبيعة، وكان يقصد بالدين: "المسيحية" وكان يراد من المسيحية: "الكثلكة" وكانت الكثلكة تعبر عن "البابوية".
والبابوية نظام كنسي ركز "السلطة العليا" باسم الله في يد البابا. وقصر حق تفسير "الكتاب المقدس" على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى الاعتبار بين نص الكتاب المقدس ومفاهيم الكنيسة الكاثوليكية.. وجعل عقيدة "التثليث" عقيدة أصيلة في المسيحية كما جعل "الاعتراف بالخطأ" و"صكوك الغفران" من رسوم العبادة ... وغير ذلك مما يتصل بالكاثوليكية كمذهب وكنظام لاهوتي.
стр. 234
حتى كان القرن الخامس عشر، وحتى ابتدأت الحرب الصليبية تثمر ثمرتها الإيجابية في العقلية الأوروبية، فقام "مارتن لوثر " Luther١ "وكافح" "تعاليم الشيطان" كما سماها..وهي تعاليم البابوية والكنيسة الكاثوليكية، فحارب "صكوك الغفران" ونظر إليها كوسائل للرق والعبودية، وألقى الأضواء على عقيدة "التثليث" كما حارب سلطة "البابا"، وجعل السلطة الوحيدة في المسيحية هي الكتاب المقدس وكلمة الله "النص" وطالب بالحرية في بحث الكتاب، ولكن ليست أية حرية على العموم.. ومع ذلك جعل الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان، ثم جعل "الإيمان" في الاعتبار والقيمة مقدما على أي شيء آخر عداه، من العقل أو الطبيعة.
وجاء بعد لوثر -في طريقه- "كالفن" Calvin ٢، وأقر لوثر على أن: الإنجيل وحده هو المصدر "للحقيقة المسيحية" دون تفسيراته وشرحه، وأوضح رأيه في عقيدة التثليث وفقا لأصول المسيحية الصحيحة.
وبحركة "لوثر" و"كالفن" الإصلاحية، تعرضت المسيحية للجدل الفكري وأصبحت موضوعا للنقاش العقلي والمذاهب الفلسفية، والمسيحية التي تعرضت لذلك هي المسيحية التي تناولها لوثر بإصلاحه أي: الكاثوليكية البابوية:
- من أنكر من الفلاسفة على الدين أن تكون له "سلطة" ... أنكر سلطة البابوية.
- ومن وضع العلاقة بين الدين والعقل كشيئين متقابلين أو متناقضين.. حدد العلاقة بين "الكثلكة" وتصويرها لعقيدة "التثليث" وما فيها من مراسم "صكوك الغفران" من جانب، وبين العقل الإنساني العام من جانب آخر.
- ومن دافع عن المسيحية من الفلاسفة، كـ"هيجل": دافع عن "التعاليم النقية للمسيحية" التي احتضنها "لوثر"، في إصلاحه في مواجهة تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.
стр. 235
وهكذا: كان "الدين" الذي جعل موضوعا للصراع العقلي الأوروبي ... نوعا خاصا من الدين.
وكذلك كان الذي قبل منه باسم الفلسفة أيضا كان جملة خاصة من تعاليمه.
كما كان الذي رفض منه باسم الفلسفة كان أيضا جملة خاصة من تعاليمه.
وفي عهد سيادة "الدين" كمصدر للمعرفة -سواء في عصر سلطة الكنيسة الكاثوليكية أو في عهد الإصلاح الديني للوثر -نظر إلى "الكتاب المقدس" وهو الإنجيل على أنه فوق العقل ... على معنى أن للعقل أن يبحث ويرى- إن جاز له أن يبحث ويرى- ولكن للكتاب المقدس الكلمة الأخيرة فيما يرى العقل ويحكم.
والفلاسفة الذين ناصروا الدين والوحي، اعتبروا أن الألوهية المرجع الأخير للوجود وللمعرفة على السواء.
سيادة العقل:
استمر اعتبار الوحي كمرجع أخير للمعرفة على خلافة في تحديد تعاليمه، حتى كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهو عصر "التنوير" في تاريخ الفلسفة الأوروبية ... وعصر التنوير له طابعه الخاص الذي يتميز به عن العصر السابق عليه، وكذا عن الآخر اللاحق له، وله طابعه المشترك في الفكر: الألماني والإنجليزي والفرنسي في الفترة الزمنية التي تحدده، وله فلاسفة في دوائر الفكر الثلاث كونوا الطابع الفكري الذي عرف به.
فمن فلاسفته في ألمانيا: ولف Chirstian Wolf ولسج Lessing وفي إنجلترا: لوك John Loke.
وفي فرنسا: فولتير Voltaire وبيلي Pieter Bayle ولامتري Lamettrie
стр. 236
وطابعه الفكري الذي يتميز به هو:
-نمو شعور العقل وإحساسه بنفسه، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية في يده، بعد أن يزيل كل عبودية ورثها من قبل -وهي عبودية الكنيسة وتعاليمها- حتى لا تحجبه عن التخطيط الواضح لهذا المصير.
- الشجاعة والجرأة التي لا تتأرجح في إخضاع كل حدث تاريخي لامتحان العقل وكذلك في تكوين الدولة، والجماعة، والاقتصاد، والقانون والدين والتربية، تكوينا جديدا، على الأسس السليمة المصفاة التي لكل واحدة منها.
- الإيمان بتعاون جميع المصالح والمنافع، وبالإخوة في الإنسانية، على أساس من هذه الثقافة العقلية وحدها، المستمرة في التزايد والنمو.
ومعنى ذلك كله. وجوب سيادة "العقل" -كمصدر للمعرفة- على غيره.. وغيره الذي ينازعه "السيادة" في ذلك الوقت هو "الدين".. أي: المسيحية "الكاثوليكية" أولا. وقد تكون معها "البروتستنتية" كمذهب عرف للإصلاح الديني هناك.
فللعقل -في نظر أصحاب عصر التنوير- الحق في الإشراف على كل اتجاهات الحياة، وما فيها من سياسة وقانون ودين.
و"الإنسانية" هي هدف الحياة للجميع، وليس الله أو المجتمع الخاص أو الدولة الخاصة.
وكما يسمى هذا العصر بـ"عصر التنوير" يسمى أيضا بـ"العصر الإنساني" ... وكذا يسمى بعصر الـ"Deisin" أي: عصر الإيمان الفلسفي بإله ليس له وحي وليس بخالق للعالم إذ كل مسميات هذه الأسماء تعتبر من خواصه.
فالتنوير: لا يقصد به إلا إبعاد الدين عن مجال التوجيه، وإحلال العقل محله فيه.
والإنسانية التي يبشر بها هذا العصر: ليست إلا عوضا عن القربى "من الله" كهدف للإنسان في سلوكه في الحياة.
стр. 237
والإله الذي ليس له وحي ولا خلق: يتفق مع تحكيم العقل وحده، وطلب سيادته على أحداث الحياة واتجاهاتها.
وكانت في عصر "التنوير" إذن خصومة فكرية بين "الدين" و"العقل" واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل.. لذلك عد زمن هذا العصر فترة سيادة "العقل"، كما عد العصر السابق عليه فترة سيادة "الدين".
ولكن مع ذلك، كان للدين في هذه الفترة أنصار من أرباب الفكر، كما كان للعقل وقت سيادة الدين في العصر السابق أنصار من رجال الدين "وهم المصلحون" ورجال الفلسفة كذلك:
بلانش:
فنرى -مثلا- Ballanche يعقد سيادة "العقل" كمصدر وحيد للمعرفة ويذكر: أن فلسفة "التنوير" أخطأت عندما قصدت إلى أن العقل -وحده ومن نفسه- يمكن أن يوجد "الحقيقة" وينظم الجماعة ... وأخطأت كذلك عندما أرادت أن تقيم صورة العلاقة المشتركة بين الأفراد على ما بينهم من ميل ومحبة إنسانية، دون ما يربطهم من قبل من رباط اللغة والدين والتقاليد، وما أشبه ذلك من الروابط الأخرى السائدة.
ويستطرد بلانش فيذكر أنه في الواقع كل حياة عقلية للإنسان هي حصيلة للتقاليد الاجتماعية، واللغة بالذات.. فاللغة هي وحي الله للإنسان، و"الكلمة الإلهية" هي مصدر "الحقيقة" والمعرفة الإنسانية هي دائما قسم من هذه الحقيقة الإلهية، وتنمو من الضمير الذي بداخلها، والذي يجعل للعام اعتبارا خاصا بأنفسنا، و"الكنيسة" هي حاملة "الكلمة الإلهية" فتعاليمها هي "العقل العام" الذي هو منحة من الله، والتي تشبه شجرة نمت على مر الزمن ونضجت بها كل المعارف الإنسانية الخالصة من الزيف، ولهذا يمكن أن يعتبر "الوحي" وحده أساسا "للجماعة" ونظامها، كما يعتبر أساسا "للمعرفة" و"الحقيقة" معا.
ويعلق "فندلبند" على نقد بلانش لفلسفة عصر "التنوير" بقوله: و"العنصر الفلسفي لهذه النظرية الكنسية جاء من الاعتراف بـ"العقل النوعي" الذي تحقق ووجد في التطور التاريخي للجماعة، كسبب للحياة العقلية عند الأفراد.
стр. 238
ومن هذا يتضح: أن صراع العقل مع الدين هو صراع "الفكر الإنساني" مع "مسيحية الكنيسة الكاثوليكية".
وأن دوافع هذا الصراع هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية.. سواء في مجال التوجيه والبحث، أو في مجال السياسة أو في نطاق العقيدة والإيمان!!
فيشته:
ومن الذين دخلوا في هذا الصراع -من أجل العقل وسيادته- الفيلسوف الألماني "فيشته" Fichte١.
أقام فلسفته على أساس من استخدام الإنسان لمبدأ "النقيض" في "تصور الإنسان لنفسه" وأكد في هذه الفلسفة:
- قيمة العقل الإنساني.
- وحريته.
- كما رأى -في الجانب العملي- أن "الخلقية الإنسانية" هي في العمل وحده ... وعلى الأخص في تهذيب الجسم. وصقل العقل، واندماج الإنسان في الجماعة الإنسانية كعضو فيها.
- وجعل هذا التطور الإنساني "ذوبان" الجنس البشري في جمهورية تتكون من الشعوب صاحبة المدنية، على أن تخضع العامة لأصحاب المهارة السياسية، وعلى أن يحتفظ المدنيون جميعا بالحرية المقررة، وأن يتمتعوا بحق الوقاية من القهر والخضوع بالقوة، وبحق الملكية وفرصة العمل وبحق المشاركة في إنتاج الدولة الاقتصادي.
- وأخيرا، رأى أنه يجب على كل واحد في الجماعة أن يفهم رسالة العظماء وصانعي الخير في الإنسانية. وذلك بأن يعمل لإثراء الجنس الأخوي وإسعاده.
стр. 239
ولم يخرج "فيشته" بفلسفته العقلية هذه عن الطابع العام لعصر "التنوير"، وهو طابع تقدير "العقل" وحده دون "الوحي" والدين في المعرفة، والنظر إلى "الجماعة الإنسانية" كهدف أخير للإنسان.. على أن يحتفظ فيها الفرد بحريته المشروعة، وعلى أن تقود الطبقة المفكرة صاحبة المهارة السياسية غيرها من الطبقات الأخرى فيها.
مبدأ النقيض:
وفي الوصول إلى هذه النتائج من الوجهة الفلسفية، قرر "فيشته" أن"تصور الإنسان لنفسه وحده" هو بداية الطريق، وأشبه بالمقدمات التي تسلتزم نتائجها ... على النحو الذي حدد به غاية فلسفته.
فإذا تصور الإنسان نفسه.. أي إذا "أنا" تصورت "أنا".
نشأ عنه: أن "أنا" هو "أنا".
ونشأ عنه أيضا: ما "ليس أنا" غير "أنا".
-فهنا: "أنا" an-sich، وهنا أيضا: "ليس أنا" fure-sich وتصور "أنا" يسلتزم تصور "ليس أنا".
- ولكن وجود "ليس أنا" منطو في الوجود الحقيقي لـ"أنا".
- وإذن "أنا" باعتبار أنه يطوي في ذاته وجود "ليس أنا"، وهو جامع للشيء ومقابله an-sich und fure-scich.
وتصور الإنسان لنفسه ينتج إذن خطوات ثلاثا في الفكر.
Tiplily" Tripliziaet".
وبما أنه ليس هناك -عندما تصور الإنسان نفسه -إلا "أنا"، فالأشياء الخارجة عن أنفسنا أي: الأشياء التي هي "ليس أنا"، نتصورها فقط عن طريق: أن "أنا" يطوي في نفسه حقيقة أخرى، وهي: "ليس أنا" وهذه الأشياء الخارجة عن أنفسنا بعد ذلك ليست منطوية فقط في "أنا" بل هي عمل لـ"أنا" ومن إنتاجه.
стр. 240
وترجع فكرة: "تصور الإنسان لنفسه" وما تستتبعه من خطوات ثلاث، إلى مبدأ آخر هو مبدأ "النقيض" Der widerspruch وهو مبدأ قامت عليه الفلسفة الألمانية "العقلية" وتراه مبدأ ضروريا لا يقبل الرفع. ويتبع طبيعة العقل، وخاصة من خواصه. ومن أجل هذا المبدأ كان العقل حقيقيا، ثم بالتالي كان المبدأ نفسه حقيقيا ... وقد استخدمه في هذه الفلسفة العقلية "فيشته" أولا, ثم تبعه فيها "هيجل"، ثم تبعهما "كارل ماركس" فاستخدمه في الفلسفة "المادية".
وكل من "فيشته" و"هيجل" وضع مصطلحات تعبر عن هذا المبدأ١: أما "كارل ماركس" فقد آثر أن يستخدم مصطلحات "هيجل" لأنه أحد تلامذة مدرسته، وإن نهج بتفكير هذه المدرسة إلى غاية أخرى غير غايتها الأولى التي هدف إليها "هيجل"، وتحول عن ذلك منذ بداية سنة ١٨٤٠م، متأثرا في هذا التحول بـ"فيرباخ" الفيلسوف الوضعي الألماني.
ومنطق "مبدأ النقيض" على النحو الذي استخدمه "فيشته":
- أن العقل مستقل تماما عن غيره، وموجود من أجل نفسه, ووجوده هو وجوده هو، لا وجود غيره.
- وماهية العقل تتضح إذن من العقل نفسه، وليست مما هو خارج عنه مغاير له.. إذ لو توقفت ماهية العقل على غيره الخارجي عنه، لكان معناه أن: "ليس أنا" هو نقطة البداية، وفي ذلك الغاء لـ"أنا" فتوقف العقل في توضيح ذاته على غيره دون توقفه على ذاته نفي للعقل نفسه قبل أن يصل إلى غيره؛ لأنه لا معنى لوجود "ليس انا" إلا نفي وجود "أنا" أي: نفي العقل نفسه.
كما أن منطق هذا المبدأ على نحو ما يستخدم في "تصور الإنسان لنفسه". لا يجعل إدراك عالم الأشياء من إنتاج قوة التصور والفكر لدى
стр. 241
الإنسان فحسب.. بل يؤكد "حرية الإنسان في هذا الإدراك، كما يؤكد حريته في العمل على العموم. ويؤكد بالتالي أنه غير مجبر لغيره، ولا مضطر في عمله: إذ هذه الحرية من تفكير الإنسان، لا يحددها الشيء الخارج عنه هي من العقل الذي يحدد غيره، وهو الشيء الخارج عنه.
وبهذا وصل فيشته إلى:
-استقلال العقل في الوجود عن الجسم أو أي كائن آخر، وإلى سيادته على نفسه، وعلى غيره وهو العالم الخارجي عنه.
- ثم إلى حرية الإنسان في العمل حرية تامة، لا يشوبها شبه تحديد من غير الإنسان نفسه.
- وأخيرا إلى تبعية عالم الأشياء في تصوره إلى العقل.
ويستمر "فيشته" -في استخدام "مبدأ النقيض"- فيصل إلى أن عالم الأشياء غير متوقف في تصوره فحسب على العقل، بل هو أيضا ليس سوى الشيء المادي لعمل الإنسان، أي ليس سوى المحسوس المادي لـ"واجب" الإنسان ... هو تعبير عن "خلقية" الإنسان، هو في تصوره متوقف على الإنسان، وفي الوقت نفسه يمثل خلقية الإنسان؛ لأنه عمله. ويذكر "فيشته" أن بين موجودات العالم الخارجي: تهذيب الجسم، وصقل العقل، واندماج الإنسان في الجماعة الإنسانية، على أنها تمثل أعمال الإنسان الخلقية في العالم المحسوس.
الجماعة الإنسانية الخاصة والعامة:
وتكوين الجماعة الإنسانية غاية العقل الأخيرة في نظر "فيتشه" كعمل خلقي للإنسان, وثمرة من ثمرات تفكيره الحر ... شأنها شأن عمل التهذيب للجسم، والتمدين للعقل على السواء، لا يتمتع المتمدينون فيها بالحرية المشروعة، وبحق الوقاية من القهر بالقوة فحسب، بل لهم الحق كذلك في الملكية، وفرصة العمل، والاشتراك في إنتاج الدولة الاقتصادي، والجمهور مع ذلك هو أداة في يد المهرة السياسيين، وحقه محفوظ في الدولة طالما يخضع بمحض اختياره للشخصية المنتجة "الخالقة"، وهي شخصية القادة وأصحاب المهارة السياسية.
стр. 242
ويكمن كل تحديد "للواجب" -كما تكمن كل قيمة للعمل- في أن كل واحد في الجماعة -بالاشتراك مع "الكل"- يضع نفسه في خدمة النوع البشري العام، وخدمة الدولة الخاصة. وهذا هو غاية العقل في إدراكه وحريته، وغاية خلقية الإنسان في العمل والتصرف.
واتجاه تطور الإنسان -كما يراه "فيشته"- يسير نحو اندماج الجنس البشري كله في "جمهورية" للشعوب صاحبة المدنية، وفي عمل مشترك منظم تنظيما دقيقا يقصد لرفع قوة الإنسان فوق قوة الطبيعة، عن طريق علم الطبيعة والفن، كما يقصد لإخضاع الطبيعة كلها إخضاعا تاما تحت سلطان الفكرة والعقل.
والندء الأخير لهذه الفلسفة "الفيشتية" هو: أن كل صانعي الخير والمجد في الإنسانية، وكذا كل العظماء في تاريخهم عملوا من أجلي ... فواجبي أن أفهم رسالتهم، وأن أعمل على إثراء الجنس الأخوي وإسعاده، وعلى إتمام "المعبد" العظيم الذي اضطروا لتركه بدون إتمام.
وهنا ينتصر فيشته:
- للعقل: ويجعل غيره -وهو الطبيعة- تابعا له.
- وينتصر للحرية الفردية، وحرمات الفرد.
- ويجعل العمل من أجل الدولة، كإنتاج للإنسان، عملا يتسم بالخلقية والمدنية.
- وينتصر لقيادة الخاصة: وهم أصحاب العقل "الخالق"، ويجب أن يوضع بيدهم توجيه الجماهير والعامة، ويحدد رسالة هؤلاء الجماهير والعامة في أن يسيروا في ذات الطريق الذي عبده عظماؤهم، وإلى نفس الغاية التي قصدوا إليها في سيرهم.
ويرى أن تطور البشرية يجب أن يكون إلى الانصهار في جمهورية عامة، وهو عمل للعقل، صادر عن حرية في الفكر، وإرادة خلقية، ويوم تنصهر الشعوب في جمهورية واحدة يدل ذلك على أنها تمدنت بالفعل، وعلى أن العقل أدى رسالة عظيمة.
стр. 243
و"فيتشه"- لذلك كله- يؤمن بالفكر: بحريته وإرادته، ويؤمن بالفرد وبالجماعة، وبالإنسانية عامة. ويؤمن أيضا بأن الإنسان بعقله يسود الطبيعة وأنه بأداء ما يجب عليه يهذب نفسه وجسمه ويمدن جنسه، ويقوي أواصر الأخوة بينه وبين غيره.
هيجل:
وإذا كان فيشته قد استخدم مبدأ "النقيض" كي يدعم سيادة "العقل" كمصدر للمعرفة مقابل الدين أو الطبيعة -على نحو ما رأينا، فإن "هيجل" استخدم نفس المبدأ لتأكيد قيمة "العقل" أيضا، ثم لدعم فكرة "الألوهية" من جديد، وتأكيد "الوحي" كمصدر أخير "للحقيقة" وذلك على اعتبار أن "الله" عقل.
وبدلا من المصطلحات الثلاثة التي تعرف لـ"فيشته"، والتي يستخدمها في توضيح مبدأ النقيض, وهي التي تعبر عن الخطوات الثلاث للفكر عند تطبيقه، ويعبر "هيجل" عن ذلك بعبارات خاصة به أيضا وهي:
- الدعوى Thesis.
- ومقابل الدعوى Anti-thesis.
- وجامع الدعوى ومقابلها Syn-thesis.
والمجال الذي يستخدم فيه "هيجل" مبدأ "النقيض" كي يصل إلى غايته، وهو مجال "الفكرة" "Idea" أولا، وليس مجال "الشيء" Das"Ding".
فقد تصور "هيجل" في مجال "الفكرة"، أن هناك فكرة مطلقة أسماها "العقل المطلق"، ولهذا "العقل المطلق" وجود ذاتي "an-sich" أزلي قبل خلق الطبيعة، وقبل خلق العقل المحدد. هذا العقل المطلق هو "الله" ... ومنه تنبثق "الطبيعة"، وهي تغايره تماما، إذ إنها مقيدة محددة ومتفرقة، بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة عن كل قيد.
وبوجود "الطبيعة" ظهرت -أو انتقلت- "الفكرة" التي في "العقل المطلق" غير المحدد، فيما وجوده مقيد محدد، فالطبيعة هي خروج "الفكرة" من دائرتها الأولى "fuet-sich". ومن أجل ذلك كانت ضرورة وصدفة,
стр. 244
وليس فيها حرية واختيار، وتعتبر لهذا مقابلا ونقيضا "للفكرة" في "العقل المطلق".
- وإذا كان "العقل المطلق" دعوى Thesis.
- فالطبيعة" عندئذ مقابل الدعوى Anti-thesis.
و"الفكرة" انتقلت بذلك من المطلق إلى المقيد، أو من النقيض إلى نقيضه، وإذن فالفكرة من حيث هي فكرة، انطوت على نقيضها حتى الآن. ولكن "الفكرة" في الطبيعة تسعى من جديد، لتكسب الوحدة الأولى- التي كانت في العقل المطلق- بعد أن افتقدتها في تفرق الكائنات فيها، وتسعى لتحصيلها وتحقيقها ثانية، وتحصيلها عندئذ هو "العقل المجرد".
والعقل المجرد هو نهاية الطبيعة المحدودة وغايتها "an-sich, und fuer-sich" وهو نفسه عندئذ جامع الدعوى ومقابل الدعوى Syn-thesis.
فـ"الفكرة" في نظر "هيجل" انتقلت من ذاتها كـ"عقل مطلق"، إلى نقيضها وهو "الطبيعة" كعقل مقيد، ثم انتقلت من النقيض إلى جامع يلتقي فيه الشيء ونقيضه، وهو "العقل المجرد".
والعقل المجرد -هو جامع الدعوى ومقابل الدعوى- هو العقل في صورة اتصال العالم بعضه ببعض، سواء ما يأخذ منه طريقه إلى الظهور أو ما ظهر منه بالفعل وهذا العقل المجرد يتمثل في القانون، والأخلاق وفي الفن، والدين، والدولة، والجماعة، والفلسفة.
وإذن "العقل المجرد" الذي يتحقق في أي واحد من هذه القيم العامة المذكورة جامع للمتقابلين:
- جامع للفكرة في العقل المطلق وهو "الله".
- وللفكرة في العقل المقيد وهو "الطبيعة".
- ذلك أنه ليس له إطلاق العقل المطلق، ولا تحديد عقل الطبيعة. بل فيه إطلاق بالنسبة إلى الطبيعة وتقييد بالنسبة للعقل المطلق، ولذا يعتبر جامع الدعوى ومقابل الدعوى Syn-thesis.
стр. 245
ففكرة الألوهية ظهرت وتجلت في الطبيعة المفرقة المحددة، واجتمعت من جديد في "العقل المجرد" وبقدر ما تبعد "الطبيعة" عن الله، يقترب "العقل المجرد" منه، و"العقل المجرد" إذن يمثل "الله" أكثر مما تمثله "الطبيعة"، وهو بمثابة نوع للعقل المنثور في الطبيعة، ويعلوه "العقل المطلق"، وهو الله.
فـ"الفكرة" كفكرة انتقلت من المطلق إلى المقيد، ثم من المقيد إلى ما فيه إطلاق وتحديد معا.
الدولة والله ... الغاية الأخيرة للعقل:
و"هيجل" أراد باستخدام مبدأ "النقيض" أن لا يجعل "الطبيعة" غاية أخيرة للإنسان تحصل لذاتها, إذ هي ستنتقل وتتغير إلى "العقل المجرد"، الذي يتحقق في جملة من القيم العليا: في القانون، والأخلاق، والدولة، والدين، والذي هو أقرب شبها بالله، أو يعد موجودا إلهيا على الأرض.
ولذا يتحدث عن "الدولة" كصورة من صور العقل المجرد بأنها الإرادة العاقلة الإلهية، وبأنها "الإله" على الأرض، ويرى لذلك أن لها مطلق الحق قبل الأفراد، وأن على الأفراد بطريق الإلزام المطلق أن يكونوا أعضاء في الدولة، وأن يطيعوها طاعة تامة.
كما أراد -باستخدام هذا المبدأ- من جانب آخر، بل أولا وبالذات, أن يؤكد سيادة العقل, ولكن على الطبيعة، لا على الدين. وهذا هو الفرق بينه وبين "فيشته". إذ الله في نظره عقل، ويمثل العقل المطلق، الذي هو أصل الوجود كله، ولهذا فإن كلمته ووحيه أصل المعرفة. وهو يؤكد سيادة العقل؛ لأن العقل المطلق إذا كان أزليا وسابقا على وجود الطبيعة وظهورها، فالفكرة أو العقل هو أساس الوجود الطبيعي، وليست المادة أصلا للفكرة والعقل. والمادة إذن في وجودها تابعة ولاحقة لموجود الفكرة أو العقل، و"الحقيقة" إذن مصنوعة من الروح أو العقل, وليس ما يسمى بالعالم المادي سوى المظهر الخارجي للعمل الداخلي للعقل.
فالعقل والروح عنده حقائق.. والعالم المادي هو عالم الظاهر، هو نوع من عالم الخيال اليقظ بدون جوهر.
стр. 246
وإذا كانت "الفكرة" أو العقل سابقا على المادة، فليست "المعرفة الصحيحة" مستوحاة من الوجود الطبيعي أو المادي على عكس "كومت" كما سيأتي ... بل العقل هو مصدرها الصحيح، والوحي -وهو كلمة العقل المطلق "الله"- يمثل كتاب المعرفة اليقينية، دون الطبيعة.
بين فيشته وهيجل:
ومبدأ "النقيض" عندما استخدمه "فيشته" في تصور الإنسان لنفسه، وصل به إلى تأكيد سيادة "العقل" ووقف عند هذا الحد، دون أن يسترسل في الاستنتاج إلى تأييد الدين، من حيث إن الله عقل أيضا ... بل إن فلسفته تشعر بمناوأة الدين، ثم إن الخطوات الثلاث التي يتطلبها تطبيق هذا المبدأ -وهي: الدعوى، والجامع بينهما- لم تتجاوز عنده العمل الفكري في "تصور الإنسان لنفسه".
بينما أكد هيجل في استخدامه لهذا المبدأ سيادة العقل, وسيادة الدين معا. عن طريق أن الله عقل. ثم تجاوز به في التطبيق العملي الفكرة إلى الوجود نفسه: إذ "الفكرة" -التي طبق في دائرتها مبدأ النقيض- موجودة، ووجودها على سبيل الحقيقة، لا من حيث كونها سابقة على عالم الحس فقط، بل حيث إنها "الأصل" في الوجود الذي ينتقل من حال إلى حال آخر ... وهكذا إلى أن يعود الوضع إلى الحال الأول، ولذلك صاحب استخدام مبدأ "النقيض" عند "هيجل" مبدأ "التغير" في الوجود، وإذن يشترك "فيشته" و"هيجل" في استخدام مبدأ النقيض في التدليل على قيمة العقل، وأرجحيته على الطبيعة في هذه القيمة.
ومبدأ "النقيض" عند "هيجل" هو بعد ذلك قانون عام للوجود, تخضع له كائنات الطبيعة كذلك، وهي "الأشياء"، وإن آثر هيجل تطبيقه أول الأمر في دائرة "الفكرة" وخضوعها له سيجعل مصيرها إلى العقل المطلق، وهو الله، فكل كائن من كائنات هذه الطبيعة يحمل في نفسه المقابل والنقيض له، ويصير إليه لحظة ما. أي: إن كل كائن يتضمن بذور عدمه. والشيء: هو ما ليس هو، والعالم كله ناشئ عن التعارض والتناقض، وكل شيء فيه متغير؛ لأن كل شيء ينطوي على سلب نفسه.
وإذا كان كل شيء -له حال الصيرورة- متغيرا، وإذا كان كل شيء كذلك له صلة وعلاقة بالشيء الآخر، فإدراك الحقيقة هو أن يفهم: كيف تتغير الأشياء.
стр. 247
ويرى "هيجل" أن تغير الأشياء يحدث بتأثر الصلة بين زيادة كمية الشيء ونقصها وخصائص الشيء وصفاته تتغير بدورها تبعا لتغير كميته زيادة ونقصا، أي: إن التغير للشيء من حال إلى حال، يحدث أما بزيادة كميته أو بنقصها، وتغير خصائصه وصفاته يتبع التغير في كمه. والشيء ينتقل إلى مقابله بتغير كمه زيادة ونقصا، كما تنتقل خصائصه الأولى إلى المقابلة لها، تعبا لتغير الكم فيه, فالماء يتغير إلى بخار بتغير كم الماء أولا عن طريق الحرارة، ويأخذ خصائص البخار بالتدريج تبعا للتغير السابق في كمه.
ومبدأ النقيض -هو الذي يصاحبه التغير والانتقال كظاهرة له- يقوم في تطبيقه في "الشيء" على الخطوات الثلاثة: الدعوى، ومقابل الدعوى، والجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى، كما قام على هذه الخطوات نفسها في تطبيقه في مجال: الفكرة "Idea" عند "هيجل" نفسه من قبل. وكذا في مجال: "تصور الإنسان لنفسه" عند "فيشته".
فـ"الشيء" دعوى ...
و"لا شيء" مقابل الدعوى..
لأن التفكير في "الشيء" ينساق حتما إلى المقابل وهو: "لا شيء" وكونه يفهم: أن "الشيء" يصير إلى "لا شيء" ويرتبط في التفكير بـ"لا شيء" كان في هذه الصيرورة أو في هذا الارتباط: جامع الدعوى، ومقابل الدعوى.
ويقول "هيجل": نحن إذا تأملنا كونه "يصير" وجدنا ذلك يتجزأ من جديد إلى دعوى، فمقابل الدعوى، فإلى الجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى وهكذا ... حتى إن كل شيء سينتهي إلى الروح الأخير المطلق، وهي "الله".
وتوضيح ذلك في مثال "الماء" السابق:
- أن "الماء" دعوى ...
- و"لا ماء" وهو البخار مقابل الدعوى.
- وصيرورة الشيء إلى نقيضه -وهي هنا "صيرورة الماء إلى بخار"- جامع الدعوى ومقابل الدعوى.
стр. 248
وصيرورة الشيء إلى نقيضه ستنحل من جديد ... إلى دعوى فمقابل الدعوى، فصيرورة الماء إلى بخار ستنحل من جديد ... إلى ماء فبخار.. وهكذا ...
- فالشيء ...
- ومقابل الشيء ...
- وصيرورة الشيء إلى مقابله ...
تمثل الخطوات الفكرية لمبدأ النقيض، وهي:
- الدعوى ...
- ومقابل الدعوى ...
- والجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى "Triplizitaet".
و"هيجل" يطلق على هذا الشرح العقلي لمبدأ النقيض: "جدلا نظريا" "Dialektik".
- وطالما هذا الجدل باق في شرح "الفكرة" في ذاتها "an-sich" وهي العقل المطلق، يأخذ عنده اسم: علم المنطق، أو علم الوجود، أو الميتافيزيقا ...
- فماذا تجاوز ذلك إلى شرح "الفكرة" -بعد أن تنتقل إلى المقابل والنقيض "Fure-sich" وهو الطبيعة -يأخذ اسم "فلسفة الطبيعة".
- حتى إذا وصل إلى "الفكرة" التي هي جامع الدعوى ومقابل الدعوى "an-sich" und "fuer-sich" -وهي العقل المجرد- يأخذ اسم فلسفة العقل.
وغاية الجدل النظري عنده -إذن- هي الاستخدام العلمي لـ"القانوينة" المستقرة في طبيعة التفكير، أي: الاستخدام العلمي لقانون النقيض Det- Widerspruch تلك "القانونية" التي توجد في حركة "الفكر" وانتقالها من وضع إلى وضع، هذه الفكرة التي تزول وترتفع من نفسها تبعا لمبدأ "النقيض" -المبدأ الذي يحتل "الفكرة" ويسكنها-كي تعود لنفسها من جديد في درجة أعلى.
стр. 249
إذ الفكرة تتحول فيما يقابلها ويناقضها ...
ثم تجتمع مع هذا المقابل سويا في فكرة أعم وأعلى، مما يترتب على ذلك ضياع التناقض وذهابه، بوساطة "سلب السلب" ... "وسلب السلب إيجاب".
وقد وضح ذلك من قبل في أن "شيء" يستلزم "لا شيء" وكلاهما يجتمع في "صيرورة".
ونتيجة الاستخدام العلمي لمبدأ "النقيض" هي ذهاب مثل هذا التحديد الخاص وانتقاله إلى المقابل "النقيض" وبهذا تتطور "الفكرة" بعضها من بعض في تتابع لا يدخله شيء من خارج الفكر، حتى يصل الأمر إلى الأعم الأشمل وهو "فكرة المطلق"، أو الله.
وباستخدام مبدأ "النقيض"- كخاصة من خواص العقل الإنساني، وصل"فيشته" و"هيجل" معا من الوجهة الفلسفية إلى:
- ترجيح جانب "العقل" على الطبيعة والحس.
- وتقدير "الدولة" كعمل خلقي للعقل الإنساني.
- كما وصلا إلى أن سعادة البشرية رهن بالتعاون على العمل المثمر المنظم في الطريق الذي يرسمه عظماء الفكر والسياسة.
وبعد ذلك يختلف "فيشته" عن "هيجل":
في أن الأول يميل إلى سيادة العقل سيادة مطلقة على كل شيء آخر سواه, حتى على "الدين والوحي" بينما "هيجل" يميل إلى سيادته فحسب على الطبيعة وحدها.
- سيادة "الحس" ومذهب "الوضعية":
انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبا، وابتدأ عصر آخر من عصور الفكر الأوروبي بظهور فجر القرن التاسع عشر. وموضوع الصراع العقلي عند الأوروبيين واحد لم يختلف عن ذي قبل هو: الدين،
стр. 250
والعقل، والطبيعة، ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة؛ لأن اتجاه التفكير فيه مال إلى سيادة "الطبيعة" على الدين والعقل معا، وإلى استقلال "الواقع" كمصدر للمعرفة اليقينية مقابل الدين والعقل ...
تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر "الوضعية" "Positivism" و"الوضعية" نظرية فلسفية نشأت في دائرة "المعرفة"، وقامت في جو معين وعلى أساس خاص، أما جوها المعين: فهو أولا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة في معارضة الكنيسة، والكنيسة تملك نوعا خاصا من المعرفة، وكانت تستغله في خصومة المعارضين فترة من الزمن. وهذا النوع الخاص من المعرفة الكنسية هو "المعرفة المسيحية الكاثوليكية" بوجه خاص -كما سبق أن ذكرنا- أو هو المعرفة الدينية، أو المعرفة الميتافيزيقية بوجه عام، يضاف إلى هذا الرغبة القوية في معارضة الكنيسة، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة، أن فلسفة عصر "التنوير" وهي الفلسفة العقلية أو المثالية- في نظر فلاسفة "الوضعية" قد أفلست فيما أرادت أن تصل إليه، وهو إبعاد التوجيه الكنسي كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية على هذا الأساس. إذا مالت هذه الفلسفة على عهد "هيجل" إلى تأييد الوحي والدين من جديد، بعد أن أحاط "كانت"١ إبان عصر التنوير -في نقده "للعقل النظري"- المعرفة الدينية بمجموعة من الشكوك تجعلها ظنا بعيدا عن اليقين، كما جعل جدل "منطق" ما بعد الطبيعة يعلل الظاهر دون أن يهدمه، وادعى أن في كل ظاهرة -في تعليل ما بعد الطبيعة- تكمن علة شخصية للحكم يدعي فيها أنها علة مجردة.
وإذن الغاية الأولى للمذهب الفلسفي الوضعي هي معارضة الكنيسة وبالتالي معارضة معرفتها، ومن باب التغطية عارض هذا المذهب باسم "العلم" الميتافيزيقا والمثالية العقلية بهذا العنوان، وإلا فإن المذهب الوضعي في الوقت الذي ينكر فيه دين الكنيسة، يضع دينا جديدا بدله هو: دين "الإنسانية الكبرى"! ويقوم هذا الدين على "عبادة" " و"طقوس" -كما تقوم المسيحية، وله قداسة واحترام في نفوس التابعين على نحو ما للكثلكة.
وأما الأساس الخاص الذي قامت عليه الفلسفة الوضعية: فهو تقدير الطبيعة وتقييمها وحدها كمصدر للمعرفة، والطبيعة، أو الحقيقة,