وإذا كانت "الفكرة" أو العقل سابقا على المادة، فليست "المعرفة الصحيحة" مستوحاة من الوجود الطبيعي أو المادي على عكس "كومت" كما سيأتي ... بل العقل هو مصدرها الصحيح، والوحي -وهو كلمة العقل المطلق "الله"- يمثل كتاب المعرفة اليقينية، دون الطبيعة.
بين فيشته وهيجل:
ومبدأ "النقيض" عندما استخدمه "فيشته" في تصور الإنسان لنفسه، وصل به إلى تأكيد سيادة "العقل" ووقف عند هذا الحد، دون أن يسترسل في الاستنتاج إلى تأييد الدين، من حيث إن الله عقل أيضا ... بل إن فلسفته تشعر بمناوأة الدين، ثم إن الخطوات الثلاث التي يتطلبها تطبيق هذا المبدأ -وهي: الدعوى، والجامع بينهما- لم تتجاوز عنده العمل الفكري في "تصور الإنسان لنفسه".
بينما أكد هيجل في استخدامه لهذا المبدأ سيادة العقل, وسيادة الدين معا. عن طريق أن الله عقل. ثم تجاوز به في التطبيق العملي الفكرة إلى الوجود نفسه: إذ "الفكرة" -التي طبق في دائرتها مبدأ النقيض- موجودة، ووجودها على سبيل الحقيقة، لا من حيث كونها سابقة على عالم الحس فقط، بل حيث إنها "الأصل" في الوجود الذي ينتقل من حال إلى حال آخر ... وهكذا إلى أن يعود الوضع إلى الحال الأول، ولذلك صاحب استخدام مبدأ "النقيض" عند "هيجل" مبدأ "التغير" في الوجود، وإذن يشترك "فيشته" و"هيجل" في استخدام مبدأ النقيض في التدليل على قيمة العقل، وأرجحيته على الطبيعة في هذه القيمة.
ومبدأ "النقيض" عند "هيجل" هو بعد ذلك قانون عام للوجود, تخضع له كائنات الطبيعة كذلك، وهي "الأشياء"، وإن آثر هيجل تطبيقه أول الأمر في دائرة "الفكرة" وخضوعها له سيجعل مصيرها إلى العقل المطلق، وهو الله، فكل كائن من كائنات هذه الطبيعة يحمل في نفسه المقابل والنقيض له، ويصير إليه لحظة ما. أي: إن كل كائن يتضمن بذور عدمه. والشيء: هو ما ليس هو، والعالم كله ناشئ عن التعارض والتناقض، وكل شيء فيه متغير؛ لأن كل شيء ينطوي على سلب نفسه.
وإذا كان كل شيء -له حال الصيرورة- متغيرا، وإذا كان كل شيء كذلك له صلة وعلاقة بالشيء الآخر، فإدراك الحقيقة هو أن يفهم: كيف تتغير الأشياء.
стр. 247
ويرى "هيجل" أن تغير الأشياء يحدث بتأثر الصلة بين زيادة كمية الشيء ونقصها وخصائص الشيء وصفاته تتغير بدورها تبعا لتغير كميته زيادة ونقصا، أي: إن التغير للشيء من حال إلى حال، يحدث أما بزيادة كميته أو بنقصها، وتغير خصائصه وصفاته يتبع التغير في كمه. والشيء ينتقل إلى مقابله بتغير كمه زيادة ونقصا، كما تنتقل خصائصه الأولى إلى المقابلة لها، تعبا لتغير الكم فيه, فالماء يتغير إلى بخار بتغير كم الماء أولا عن طريق الحرارة، ويأخذ خصائص البخار بالتدريج تبعا للتغير السابق في كمه.
ومبدأ النقيض -هو الذي يصاحبه التغير والانتقال كظاهرة له- يقوم في تطبيقه في "الشيء" على الخطوات الثلاثة: الدعوى، ومقابل الدعوى، والجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى، كما قام على هذه الخطوات نفسها في تطبيقه في مجال: الفكرة "Idea" عند "هيجل" نفسه من قبل. وكذا في مجال: "تصور الإنسان لنفسه" عند "فيشته".
فـ"الشيء" دعوى ...
و"لا شيء" مقابل الدعوى..
لأن التفكير في "الشيء" ينساق حتما إلى المقابل وهو: "لا شيء" وكونه يفهم: أن "الشيء" يصير إلى "لا شيء" ويرتبط في التفكير بـ"لا شيء" كان في هذه الصيرورة أو في هذا الارتباط: جامع الدعوى، ومقابل الدعوى.
ويقول "هيجل": نحن إذا تأملنا كونه "يصير" وجدنا ذلك يتجزأ من جديد إلى دعوى، فمقابل الدعوى، فإلى الجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى وهكذا ... حتى إن كل شيء سينتهي إلى الروح الأخير المطلق، وهي "الله".
وتوضيح ذلك في مثال "الماء" السابق:
- أن "الماء" دعوى ...
- و"لا ماء" وهو البخار مقابل الدعوى.
- وصيرورة الشيء إلى نقيضه -وهي هنا "صيرورة الماء إلى بخار"- جامع الدعوى ومقابل الدعوى.
стр. 248
وصيرورة الشيء إلى نقيضه ستنحل من جديد ... إلى دعوى فمقابل الدعوى، فصيرورة الماء إلى بخار ستنحل من جديد ... إلى ماء فبخار.. وهكذا ...
- فالشيء ...
- ومقابل الشيء ...
- وصيرورة الشيء إلى مقابله ...
تمثل الخطوات الفكرية لمبدأ النقيض، وهي:
- الدعوى ...
- ومقابل الدعوى ...
- والجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى "Triplizitaet".
و"هيجل" يطلق على هذا الشرح العقلي لمبدأ النقيض: "جدلا نظريا" "Dialektik".
- وطالما هذا الجدل باق في شرح "الفكرة" في ذاتها "an-sich" وهي العقل المطلق، يأخذ عنده اسم: علم المنطق، أو علم الوجود، أو الميتافيزيقا ...
- فماذا تجاوز ذلك إلى شرح "الفكرة" -بعد أن تنتقل إلى المقابل والنقيض "Fure-sich" وهو الطبيعة -يأخذ اسم "فلسفة الطبيعة".
- حتى إذا وصل إلى "الفكرة" التي هي جامع الدعوى ومقابل الدعوى "an-sich" und "fuer-sich" -وهي العقل المجرد- يأخذ اسم فلسفة العقل.
وغاية الجدل النظري عنده -إذن- هي الاستخدام العلمي لـ"القانوينة" المستقرة في طبيعة التفكير، أي: الاستخدام العلمي لقانون النقيض Det- Widerspruch تلك "القانونية" التي توجد في حركة "الفكر" وانتقالها من وضع إلى وضع، هذه الفكرة التي تزول وترتفع من نفسها تبعا لمبدأ "النقيض" -المبدأ الذي يحتل "الفكرة" ويسكنها-كي تعود لنفسها من جديد في درجة أعلى.
стр. 249
إذ الفكرة تتحول فيما يقابلها ويناقضها ...
ثم تجتمع مع هذا المقابل سويا في فكرة أعم وأعلى، مما يترتب على ذلك ضياع التناقض وذهابه، بوساطة "سلب السلب" ... "وسلب السلب إيجاب".
وقد وضح ذلك من قبل في أن "شيء" يستلزم "لا شيء" وكلاهما يجتمع في "صيرورة".
ونتيجة الاستخدام العلمي لمبدأ "النقيض" هي ذهاب مثل هذا التحديد الخاص وانتقاله إلى المقابل "النقيض" وبهذا تتطور "الفكرة" بعضها من بعض في تتابع لا يدخله شيء من خارج الفكر، حتى يصل الأمر إلى الأعم الأشمل وهو "فكرة المطلق"، أو الله.
وباستخدام مبدأ "النقيض"- كخاصة من خواص العقل الإنساني، وصل"فيشته" و"هيجل" معا من الوجهة الفلسفية إلى:
- ترجيح جانب "العقل" على الطبيعة والحس.
- وتقدير "الدولة" كعمل خلقي للعقل الإنساني.
- كما وصلا إلى أن سعادة البشرية رهن بالتعاون على العمل المثمر المنظم في الطريق الذي يرسمه عظماء الفكر والسياسة.
وبعد ذلك يختلف "فيشته" عن "هيجل":
في أن الأول يميل إلى سيادة العقل سيادة مطلقة على كل شيء آخر سواه, حتى على "الدين والوحي" بينما "هيجل" يميل إلى سيادته فحسب على الطبيعة وحدها.
- سيادة "الحس" ومذهب "الوضعية":
انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبا، وابتدأ عصر آخر من عصور الفكر الأوروبي بظهور فجر القرن التاسع عشر. وموضوع الصراع العقلي عند الأوروبيين واحد لم يختلف عن ذي قبل هو: الدين،
стр. 250
والعقل، والطبيعة، ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة؛ لأن اتجاه التفكير فيه مال إلى سيادة "الطبيعة" على الدين والعقل معا، وإلى استقلال "الواقع" كمصدر للمعرفة اليقينية مقابل الدين والعقل ...
تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر "الوضعية" "Positivism" و"الوضعية" نظرية فلسفية نشأت في دائرة "المعرفة"، وقامت في جو معين وعلى أساس خاص، أما جوها المعين: فهو أولا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة في معارضة الكنيسة، والكنيسة تملك نوعا خاصا من المعرفة، وكانت تستغله في خصومة المعارضين فترة من الزمن. وهذا النوع الخاص من المعرفة الكنسية هو "المعرفة المسيحية الكاثوليكية" بوجه خاص -كما سبق أن ذكرنا- أو هو المعرفة الدينية، أو المعرفة الميتافيزيقية بوجه عام، يضاف إلى هذا الرغبة القوية في معارضة الكنيسة، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة، أن فلسفة عصر "التنوير" وهي الفلسفة العقلية أو المثالية- في نظر فلاسفة "الوضعية" قد أفلست فيما أرادت أن تصل إليه، وهو إبعاد التوجيه الكنسي كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية على هذا الأساس. إذا مالت هذه الفلسفة على عهد "هيجل" إلى تأييد الوحي والدين من جديد، بعد أن أحاط "كانت"١ إبان عصر التنوير -في نقده "للعقل النظري"- المعرفة الدينية بمجموعة من الشكوك تجعلها ظنا بعيدا عن اليقين، كما جعل جدل "منطق" ما بعد الطبيعة يعلل الظاهر دون أن يهدمه، وادعى أن في كل ظاهرة -في تعليل ما بعد الطبيعة- تكمن علة شخصية للحكم يدعي فيها أنها علة مجردة.
وإذن الغاية الأولى للمذهب الفلسفي الوضعي هي معارضة الكنيسة وبالتالي معارضة معرفتها، ومن باب التغطية عارض هذا المذهب باسم "العلم" الميتافيزيقا والمثالية العقلية بهذا العنوان، وإلا فإن المذهب الوضعي في الوقت الذي ينكر فيه دين الكنيسة، يضع دينا جديدا بدله هو: دين "الإنسانية الكبرى"! ويقوم هذا الدين على "عبادة" " و"طقوس" -كما تقوم المسيحية، وله قداسة واحترام في نفوس التابعين على نحو ما للكثلكة.
وأما الأساس الخاص الذي قامت عليه الفلسفة الوضعية: فهو تقدير الطبيعة وتقييمها وحدها كمصدر للمعرفة، والطبيعة، أو الحقيقة,
стр. 251
أو الواقع، أو الحس كلها تدل على معنى واحد في نظر الوضعيين، وتقدر هذه الفلسفة الطبيعية، لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة، بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة، ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو: أن الطبيعة في نظرها هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان، وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة هي التي تكون عقل الإنسان والإنسان -لهذا- لا يملى عليه من خارج الطبيعة أي: لا يملى عليه مما وراءها، كما لا يملى عليه من ذاته الخاصة, إذ ما يأتي من "ما وراء الطبيعة" خداع للحقيقة، وليس حقيقة!! وكذا ما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة، وليس حقيقة أيضا.
وبناء على ذلك: يكون "الدين" -وهو وحي "أي: ما بعد الطبيعة" -خداع! هو وحي ذلك الموجود، الذي لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة، هو وحي "الله" الخارج عن هذه الطبيعة كلية.
وكذلك "المثالية العقلية" وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي، إذ هي تصورات الإنسان من نفسه، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله.
وإذن ما يتحدث به الإنسان -ككائن شخصي- عن الإنسان كموضوع للوصف أو ما يتحدث به الإنسان عن الطبيعة التي يعيش فيها كموضوع للحكم عليها، مستمدا حديثه عن هذا أو ذاك من معارف الدين أو المثالية العقلية، هو حديث بشيء غير حقيقي عن شيء حقيقي هو: حديث غير صادق، خضع فيه الإنسان المتحدث إلى خداع الدين بحكم التقاليد، أو إلى خداع "الوهم" بحكم غرور الإنسان بنفسه.
إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة -أي: ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة، التي تتمثل في الوراثة، والبيئة، والحياة الاقتصادية والاجتماعية....إنه مخلوق. ولكن خالقه الوجود الحسي ... إنه يفكر، ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به.. إنه مقيد مجبر، وصانع القيد والجبر هو حياته المادية ... ليس هناك عقل سابق على الوجود المادي، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان عن طريق الوحي ... عقل الإنسان ومعرفته يوجدان تبعا لوجود الإنسان المادي.. هما انطباع لحياته الحسية المادية التي يتنفسها.
الطبيعة هي التي تنطق عن نفسها، بل يجب على الإنسان أن يعتمد منطقها إذا أراد أن يعيش فيها. ومنطقها وحده -لا منطق "المؤلهين"،
стр. 252
ولا منطق "العقليين"، ولا منطق "أصحاب" النظرية السيكولوجية في معرفة الإنسان- هو الذي يخط الطريق المستقيم في حياة الإنسان، وهو الذي يحدد أهدافه فيها! وطريق الإنسان في حياته الطبيعية يبتدئ من الفرد وينتهي بالجماعة. وإذن: فالفرد نفسه ليس غاية، وحياته التي يعيشها ليست هدفا لسعيه، وإنما غايته الأخيرة التي يجب أن يسعى إليها، ويذهب فيها -كما يذهب العابد الصوفي صاحب عقيدة "الاتحاد" فيما يؤلهه ويعبده- هي الجماعة، وطالما كانت الجماعة هي غاية الفرد الأخيرة، فهي معبودة، وتذهب حريته فيها لتبقى لها الحرية، وتفنى حياته في سبيلها لتبقى لها الحياة الأبدية الخالدة.
كومت Comte:
و"أوجست كومت"، في مقدمة بناة هذا المذهب الوضعي، كما سبق أن تحدثنا عنه هنا فيما قبل١. ونعيد الحديث عنه مرة أخرى لصلة مذهبه بفلسفة "ماركس" وبما يراه هذا الآخير في أن "الدين مخدر" تلك القضية التي هي موضوع هذا الفصل من الباب. ولا تتجاوز نظرته الفلسفية في قليل ولا كثير الرغبة في الإصلاح الشامل للجماعة الإنسانية، وهو يحمل استقلال الأفراد والبحث الحر واستقلال الاتجاه في الحياة، مسئولية ما ينتج عن "الاستقلال" و"الحرية" من فوضى الآراء وفوضى الأحوال العامة ... وهو إذن من أصحاب "الجبر" و"التقبيد".
وإصلاح الجماعة في نظره، يراه في سيادة المعلم على كل شيء. وفي الدرجة الأولى يراه في وجوب إخضاع أعمال الحياة إلى مبدأ عام له اعتباره، إخضاعا يقترب في اتساع نطاقه مما كان لنظام العصر الوسيط والكاثوليكي, وإن اعتبر هذا النظام مضللا في نظره.
كما يرى أنه يجب أن يحل "العلم الواقعي" محل "اللاهوت" ... هذا العلم الذي يتحمل حرية الإيمان تحملا قليلا وفي نطاق ضيق، على نحو ما تحمل اللاهوت وقت سيادة الكنيسة!! فاللاهوت المسيحي كان لا يطبق
стр. 253
حرية الإيمان إلا قليلا، فكذلك العلم الواقعي -في نظر "كومت"- لا يصح أن يطيق ما يسمى بـ"حرية الإيمان"، إلا على هذا النحو من الضيق والقلة.
وقد عنى "كومت" بهذه الغاية الإصلاحية للجماعة الإنسانية - كما يرينا هنا- ليس فقط فيما سماه "فلسفة التاريخ"، وليس فقط في المشروع الذي وضعه، وهو "دين الإنسانية"وما لهذا الدين من عبادة ... بل قبل كل شيء فيما طلبه من وضع القوة الروحية بجانب القوة المادية في نظام الجماعة الجديد، ولكن على أن لا تكون القوة الروحية مستمدة من تعاليم الكنيسة.
والفلسفة الوضعية أو الواقعية، التي يجب أن يقام عليها نظام الجماعة الجديد ليست سوى النظام المنظم للعلم الواقعي نفسه، ونظام العلم الواقعي يقوم على أن "المعرفة الإنسانية" تستند إلى علاقات الظواهر بعضها ببعض، وأنه ليس هناك في دائرة المعرفة "مطلق" يجعل أساسا لمجهول. والمبدأ المطلق الوحيد الذي له اعتبار عام: هو أن كل شيء نسبي.. وإذن ليس هناك فائدة من الحديث عن الأصول والعلل الأولى للوجود، ولا عن أهدافها الأخيرة, وهي معرفة "الميتافيزيقا" و"الدين".
و"فندلبند"١ يعلق على فلسفة "كومت" الوضعية بقوله:
"إن تاريخ الفلسفة الذي سار به "كومت" كثير التعقيد ... هو جذاب في بعض نقطه، ولكنه في الأكثر يقوم على الهوى وعدم المعرفة والحكم المغرض! ويمكن أن يفهم كبناء فقط لغرضه الإصلاحي.
وانتصار "النظرة الواقعية" مع انتصار تنظيم الحياة الصناعية في الوقت نفسه، هو غاية التطور التاريخي للشعوب الأوروبية، هذا الانتصار الذي سيزاوج فيه "الفكر العظيم" "وهو الفلسفة الواقعية"، و"القوة العظيمة" "وهي قوة العمال".
"وقانون الدورة الثلاثية، أو قانون المراحل الثلاث التي تمر فيها المعرفة، وهي: الدين، والميتافيزيقا, الواقعية -وهو القانون الذي
стр. 254
وضعه "كومت" تأييدا لمعرفة الحس- تأكد بالذات بالحال التي وصل إليها واضع هذا القانون، وهو "كومت" نفسه!! فكومت سقط في المرحلة الأخيرة من مراحل تفكيره في المجال اللاهوتي مرة ثانية, أي: إنه عاد إلى "الدين" مرة أخرى بعد ما تركه، وبعد ما ترك الميتافيزيقا، ليستقر من جديد في "الواقعية" أو "الوضعية"! إذ إنه جعل "الإنسانية" كإله أكبر موضوعا للتقديس الديني، حول فيه كل "جهاز للخدمة المقدسة" في صورة واقعية.
و"فندلبند" يشير في تعليقه على فلسفة "كومت"، إلى أنه استخدم "التاريخ" في التدليل على أنه "المعرفة الواقعية" هي غاية التطور التاريخي للشعوب الأوروبية، بجانب تنظيم الحياة الصناعية، وبذلك تكون المعرفة الواقعية هي النوع الوحيد من المعرفة الذي تسعى إليه البشرية ويجب أن تسعى إليه، وهو الذي له اعتباره العام، وليس لغير هذا النوع اعتبار ما.
و"التاريخ" الذي استخدمه "كومت" هو "تاريخ المعرفة":
- فقد كانت معرفة الإنسان قبل تفلسف الإغريق: ذات طابع ديني.
- ثم أصبحت على عهد سقراط وأفلاطون من فلاسفة اليونان عقلية.
- ثم مالت بعد ذلك على عهد أرسطو: إلى "التجربة" والواقع.
ثم ابتدأت دورة أخرى من جديد ...
فاعتبر الدين في القرون الوسطى مصدرا للمعرفة، ثم جعل للعقل اعتباره -بدلا من الدين- في عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ثم قوي الميل إلى اعتبار المعرفة الحسية أو الوضعية وحدها -دون العقل والدين معا- في القرن التاسع عشر.
هذه دورة ثلاثية لـ"اعتبار المعرفة" في تاريخ الإنسانية ... فإذا كانت هذه الدورة الثلاثية قانونا لا يتخلف "للمعرفة" أو بالأحرى "لاعتبار" مصدر المعرفة, فالمنتظر -بناء على سير "التاريخ"- أن يعود "الاعتبار" إلى الدين من جديد، بعد أن قويت موجة الواقعية أو الوضعية في القرن التاسع عشر ... فتنكسر حدتها فتضعف، فيقل اعتبارها وعندئذ يعود الاعتبار في المعرفة للدين وحده.
стр. 255
ويلاحظ أن الإسلام -في تاريخ البشرية- أتى على إثر طغيان موجة "الإلحاد" وإنكار ما عدا "الحس" في المعرفة. يقص القرآن موقف الملحدين أرباب الحس من رسالة الإسلام، كمعرفة دينية موحى بها، وهو موقف إنكار لها، لاعتبارهم الحس وحده في المعرفة. يقول تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ، إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، إِنْ هُوَ "الرسول" إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
و"كومت" -"ككارل ماركس" بعده، وككل الوضعيين "الحسيين" يعتمد على حركة "التاريخ" فهو في معالجته "المعرفة" اعتمد على تاريخها ... وكذلك "ماركس" في معالجته "الاقتصاد" اعتمد على تاريخ الاقتصاد ... وهكذا.. والنتيجة التي وصل إليها "كومت" في المعرفة وهي اعتبار المعرفة الواقعية وحدها، وكذلك النتيجة التي وصل إليها "ماركس" في الاقتصاد وهي: اعتبار الاشتراكية الجماعية وحدها، وكذلك كل نتيجة لبحث وضعي اعتمد على حركة التاريخ هي نتيجة إيمان بأحداث متعاقبة في تاريخ البشرية.
فإذا كان تعاقب هذه الأحداث قانونا للحياة البشرية لا يختلف، فما وصل إليه "كومت" في المعرفة, وما وصل إليه "ماركس" في الاقتصاد -كما سيأتي- أمر مؤقت ينتظر أن يذهب، ليحل محله ما أعقبه في صورة الحياة البشرية الثلاثية ... وإذن هي نتائج ليس لها صفة الاستقرار والدوام، ومن يعتبرها من هؤلاء المفكرين أمرا دائما وطابعا للحياة لا يتغير، يكون مؤمنا بما وصل إليه، أكثر من كونه ملاحظا لأحداث التاريخ, تلك الأحداث التي تمر في سلسلتها المتعاقبة الحلقات، والتي تبتدئ من نقطة لتعود إليها من جديد بعد حين. وقد أنكر هؤلاء المفكرون "الإيمان" كمصدر للمعرفة, وقامت فلسفتهم الحسية على إنكاره. وهنا يسجل "فندلبند" في ملاحظته على "كومت"! أنه دار مع نفسه في البحث، بما يمثل المراحل الثلاث لقانون "الدورة الثلاثية" في تاريخ المعرفة: فأنكر الدين، ثم أنكر العقل، ليستقر بعد ذلك في الواقعية ثم رجع فعاد إلى الدين والإيمان، إذ جعل إلهه هواه الذي يتمثل في الإنسانية.
стр. 256
ولكن ما نلاحظه نحن هنا على "كومت" هو ما ينتظر من تطبيق قانون الدورة الثلاثية في المعرفة كقانون لا يتخلف، وما تحكم به من توقع سير حركة "المعرفة" من جديد نحو الدين والإيمان، هو نتيجة تطبيق هذا القانون، وليس نتيجة لرغبة خاصة وهوى معين.
فيرباخ Feuerbach:
وثاني الفلاسفة المقدمين في الفلسفة الوضعية "فيرباخ"١ الفيلسوف الألماني تلك الفلسفة التي سيطرت على تفكير القرن التاسع عشر، والتي اشتد جدلها الفكري ضد الدين "المسيحي" على وجه خاص، وإن أصابت كذلك "المثالية العقلية".
"فيرباخ" يرى أن الفلسفة هي علم "الواقع" في حقيقته، وفي عمومه، وجوهر "الواقع" هو الطبيعة الشاملة، التي تدرك بطريق الحواس، وعنده أن الحقيقة، والواقع، والحس كلها سواء. وليست "الحقيقة" بل هي المادية، ولا هي المثالية النظرية، ولا هي علم الطبيعة، ولا علم النفس ... هي علم الإنسان فقط، وعن طريق علم الإنسان يعرف أن ما يسمى "بالجسمي" وما يسمى أيضا "بالنفسى" يكونان في الإنسان "وحدة الحياة" و"وحدة الواقع" تلك الوحدة التي لا تنفصل ولا تنقسم إلى جسمي ونفسي إلا في الاعتبار فقط.
وفي نظره من جانب آخر: إن علم الإنسان أيضا هو الدين، والدين إذن محصول للعقل الإنساني، وليس موحي به من خارج الإنسان، والطبيعة الإلهية كذلك هي طبيعة الإنسان نفسه، التي تجردت من قيود الفردية والشخصية، أي: قيود الإنسان الواقعي الجسمي ... هي الإنسانية، هذه الطبيعة الإنسانية المتجردة ينظر إليها في احترام وخشية وقدسية، على أنها شيء آخر مقابل لطبيعة الإنسان الفردية، والله بالنسبة للإنسان، هو
стр. 257
كتاب جامع لإحساسات الإنسان العالية، وأفكاره وآماله١. الله هو: صاحب كل قوة، وهو الرحيم، وهو المحبة ... ومعنى ذلك: أنه في نظر "فيرباخ" ليس هناك شيء آخر غير القوة والرحمة والمحبة التي هي إلهية, والحكمة والعدالة والخيرية تسود الحياة الإنسانية فقط عندما يكون حكيما عدلا خيرًا.
وأيضا في نظره الحياة الأخروية ليست شيئا آخر غير هذه الحياة الإنسانية -على اعتبار أن الله ليس شيئا آخر غير الإنسان، إذا كان حكيما عدلا خيرا. لكن بعد أن ينظر إليها نظرة مثالية، والفجوة القديمة -على نحو ما تصور الأديان- بين هذه الحياة والحياة الأخرى يجب أن تزول، كي تركز الإنسانية نفسها، بنفس غير مشتتة وقلب موحد، في عالمها المشاهد وفي حاضرها القائم، وعن طريق هذا التركيز غير الموزع، في العالم الواقعي فقط، تقوم حياة جديدة للإنسان، وتنتج أعمال وتأملات كبيرة، وينشأ عظماء من الناس.
وإذا انقطع "إيماننا" وتصديقنا بحياة أفضل "في الآخرة"، وأردنا مع ذلك في غير تفرق إيجاد حياة أفضل، فسنخلق أيضا حياة أفضل، ولكن لكي نريد هذا، ونريد أن نحققه، يجب أن نضع مكان محبة الله محبة الإنسان كدين وحيد، حق، وأن نضع مكان الإيمان بالله، الإيمان بالإنسان نفسه وبإمكانياته الخاصة وبعظمته ... الإيمان بأن تقرير المصير للإنسانية ليس من طبيعة خارجة عنها أو فوقها, وإنما يرتبط بها نفسها تمام الارتباط.
هذا مجمل ما تنطق به فلسفة "فيرباخ" وسنرى أن فكرة "التعويض" في الدين، التي احتلت منزلة كبيرة في فلسفة فيرباخ هذه -بعد أن تبنتها فلسفة "كومت" قبله- لا تقل تأثيرا في المذهب الماركسي وفي صراعه ضد الدين، عن الأفكار الرئيسية التي أقام عليها "كارل ماركس"
стр. 258
دعائم فلسفته الخاصة، والتي استعارها من "هيجل"، و"كومت", بعد تعديل في فهم بعضها، وتوسع في تطبيق بعضها الآخر.
اشتين تال Steinthal:
وكان من الممكن أن لا يعنينا الحديث عن هذا الفيلسوف الألماني الآخر١ في هذا الفصل الذي نحاول فيه بيان الصلة بين دعوى أن "الدين مخدر" وتفكير القرن التاسع عشر في أوروبا، غير أنه لما مهد للماركسية باستخدام فكرة "العقل المجرد" المعروفة لـ"هيجل" على نحو آخر جعل به عقل الإنسان تابعا للمادة -آثرنا أن نذكر رأيه هنا في "العقل المجرد"، إذ إن تبعية العقل للمادة أساس رئيسي في تعاليم الماركسية- كما سنرى، وهو يلعب دورا قويا في الصراع بينها وبين الدين.
و"أشتين تال" أعطى مبدأ "العقل المجرد" عند "هيجل" صورة أخرى حينما فهمه كمبدأ "نفسي وتجربي خالص"، وليس كمبدأ عقلي ومثالي- كما فهمه "هيجل" نفسه، وبناء على ما صور به "اشتين تال" هذه الفكرة، أصبح للأحداث الكثيرة دور رئيسي في حياة الفرد العقلية فـ"العقل المجرد" عنده هو ترابط وصلات نفسية, ينمو فيها الإنسان. وبواسطتها كان ويكون، وهو عضو فيها لا ينفصل عنها بحال. وهذا الترابط ينشأ من التحديد التاريخي للجماعة ثم من العقل العام الذي يوضع أساسا، للحياة الفردية، والعقل العام -كما يراه "اشتين تال"- يعبر عن نفسه تعبيرا غير شخصي، يعبر عن نفسه في اللغة، والعادات، والمنظمات العامة. والذي يكون تاريخ الجماعة ثم عقلها العام هو أحداث الحياة، وما يقع فيها من تطورات، والإنسان الفرد متأثر بهذا العقل العام ويتحدد به.
وإذن "العقل المجرد": ليس فكرة عامة تعلو الكائنات المتفرقة، وتخرج عن نطاقها ثم تطلق هذه الكائنات مع تفرقها، كفكرة الدولة. والجماعة، والفن على نحو ما تصور "هيجل" وإنما هو بالأحرى جو
стр. 259
نفسي، تكون أولا من أحداث مادية، ومن جملة من العلاقات والروابط تجمعت كصورة لما يقع في تاريخ الجماعة، ولما يكون لها من تقاليد، ومنظمات، ولغة، وعندئذ يعيش العقل المجرد في صميم الحياة، ويعتبر مرآة لما يجري فيها، ومصدرا أيضا لتكوين عقول الأفراد. وعقول الأفراد إذن بالنسبة له صور له وأفراد منه، وحادثة عنه.
ماركس Marx:
والآن يكفي ما قدمنا من فلاسفة مؤيدين لسيادة "الطبيعة" على العقل والدين معا، لكي ننتقل إلى "ماركس"١.
إنه الفيلسوف الذي أثر تأثيرا كبيرا في انتصار البحث الطبيعي الواقعي على الميتافيزيقا، وعلى طريقة التفكير الخاصة بعصر التنوير في القرن التاسع عشر. وآراؤه مع إنجلز Engles تعتبر دستور الماركسية فيما يسمى بالاشتراكية الجماعية، أو ما يسمى بالشيوعية، أو البلشفية.
أ- الصراع بين الطبقات:
وماركس له جدل "Dialektik" ومنطق، استخدم فيه "النقيض" Der Widerspruch Principium، الذي عرف للفيلسوفين الألمانيين قبله: "فيشته" و"هيجل" ... ولكنه استخدمه في مجال آخر، غير مجال "التصور الذهني" الذي وجدناه عند "فيشته"، وغير مجال "الفكرة" التي عرفناها لـ"هيجل" استخدامه في مجال "الاقتصاد"، واستند في هذا الاستخدام إلى تاريخ الجماعة.
فكل "شيء" -في نظره- يتضمن نقيضه، بحيث إن كل "شيء" يهدم نفسه، وهذا هو التصوير العام لمبدأ النقيض، ولكن "ماركس" يستخدمه كي يدلل على وقوع انهيار "المجتمعات" وسقوطها، تلك
стр. 260
المجتمعات التي قامت على أساس من "الرأسمالية"، فالمجتمعات السابقة على الرأسمالية، وهي: دول الملوك، والمجتمعات الإقطاعية "أصحاب المزارع الكبيرة" انهارات -بناء على تفكير "ماركس"- لأنها تضمنت عنصر المقابلة، أو النقيض. وعلى هذا النحو ستنهار هذه المجتمعات الحديثة الرأسمالية، وتتحول إلى المقابل والنقيض لها وهو المجتمع الشيوعي ذو الطبقة الواحدة من العمال.
ومع أن مبدأ "النقيض" لا يقف بتحول الشيء إلى مقابله فقط، بل سيتحول الشيء ومقابله إلى "جامع" لهما، ثم هذا "الجامع" بدوره يصير إلى "شيء" يتحول هو أيضا إلى مقابلة، ثم إلى "جامع" ... وهكذا مع أن منطق هذا المبدأ هو الاستمرار في "التحول"، فالماركسية تقف تترقب تحول المجتمع الرأسمالي إلى النقيض والمقابل له وهو المجتمع الشيوعي، عند حد هذا المجتمع، ولا تذكر -فضلا عن أن تترقب- توقع انهيار المجتمع الشيوعي وسقوطه، وهدم نفسه في مجتمع مقابل له، بناء على أن كل شيء يتضمن نقيض نفسه، وأن فيه عامل الهدم لنفسه!! وهذا مما يؤخذ على التطبيق الفلسفي لمبدأ النقيض في الفلسفة الماركسية، كما سنذكره في شيء من التفصيل فيما بعد.
ويرى "ماركس" أن انتقال الشيء وتغيره إلى نقيضه -تبيقا لمبدأ النقيض- يحدث بالتدريج، ولكن التدرج في التغير يصل إلى نقطة معينة، ثم يحصل انقلاب فجائي، وهذا التغير يحدث بسبب زيادة كمية الشيء أو نقصها، والتغيير في الكم يتبعه تغير في الكيف والطابع معا، "والشيء" بعد أن تتغير كميته يكون له طابع جديد، أو حال جديدة تختلف عن حاله الماضية١.
стр. 261
وعندما يقول "ماركس": إن كل "شيء" يتغير بالتدريج ولكن إلى نقطة معينة فقط، يقصد حرفيا كل شيء. وهذا معناه أن كل شيء في الطبيعة مدفوع لأن يطفر ويطفح في الوجود، ثم يختفي عن طريق الانقلاب المفاجئ والتغير الثوري، ومن الخطأ في نظر "ماركس": قبول مبدأ التغير بالتدريج كحادث مستمر، بدون انقلاب، ولا يهم أن نتحدث هنا عن الجماعة، أو الكائن العضوي الحيوي، فكل شيء بالنسبة إلى الماركسية، يجب في وقت خاص أن يمر بانقلاب فجائي ثوري، و"الانقلاب ظاهرة طبيعية -في نظره- لكل موجود أو لكل ما يوجد".
ومعنى هذا القول أيضا أن كل شيء يوجد، هو في حال تغير دائم، كل شيء هو صيرورة، فلا شيء في الوجود يبقى على حال واحد. كل شيء جاء إلى الكينونة ينمو ويتطور، وفي النهاية يمضي ويذهب.
وكنتيجة لهذا القول: تدعي الماركسية أن الذي يعتقد من الناس في القيم أنها أزلية أي: يعتقد بقيم خالدة, هو مصدق بأشياء لا توجد في هذه الطبيعة، حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن بعض القيم يجب أن يحتفظ بها للوقت الحاضر أو للحال الراهن، هم مصدقون أيضا بما لا يقع. فإذا اعتقد شخص أن كل شيء يتغير، فمن السذاجة بعد ذلك أن يكون محافظًا!! وقسم من الراديكالية الماركسية يتفرع عن هذا المنطق.
وهنا نجد أن الماركسية أدخلت على مبدأ النقيض -الذي يفرض الانتقال والتغير- ظاهرة أخرى هي ظاهرة "الانقلاب" و"الثورة" عندما يصل الأمر في انتقاله إلى مرحلة معينة، كما أنها تقيس انتقال المجتمع من طبقة إلى طبقة على الماء "الطبيعي" في انتقاله من حال إلى حال -أي: في انتقاله إلى بخار- وذلك أنه لا بد فيه من "انقلاب" و"ثورة". وبالإضافة إلى هذا وذاك نجدها وسعت دائرة "الشيء" فلم يعد الكائن الطبيعي، وإنما أيضا يشمل "القيم الأخلاقية"، ولم تصبح القيم الأخلاقية قابلة للتغير فحسب -في نظر الماركسية- بل واجبة التغير ... وتنتقل القيمة إلى نقيضها في تدرج، ثم يتم التغير أو الانقلاب فجأة ودفعة واحدة.
وعلى نحو صنيع "هيجل" في صياغة "مبدأ النقيض"، وتوضح الماركسية أن كل شيء يتضمن قوتين رئيسيتين متقابلتين: واحدة تسمى "الدعوى" والأخرى تسمى "مقابل الدعوى"، هاتان القوتان تهدم إحداهما الأخرى، ولكن ينشأ من الهدم حالة جديدة تسمى "جامع الدعوى ومقابلها"، ثم يسقط هذا الجامع ويتحول إلى مقابله، وعندئذ نحصل على
стр. 262
دعوى أخرى وعلى مقابل الدعوى من جديد، ثم ينشأ من تقابلهما وتناقضهما جامع جديد، وهكذا ... في تسلسل لا نهاية له, وصياغة مبدأ النقيض في هذه العبارات، ربما ناسب تطبيقه في دائرة المجتمع التي اختارتها الماركسية مجالا للتطبيق، وربما ناسبه أيضا معنى "الصراع" بين الطبقات في الجماعة الذي حرصت هي أيضا على أن يكون مصطلحا خاصا بها، وذلك بدلا من "التقابل" بين "الشيء" و"مقابله" وهو ما اصطلح عليه "فيشته" و"هيجل" من قبل، عند شرح "مبدأ النقيض".
وقد اختارات الماركسية مبدأ النقيض في دائرة "المجتمع"، واستخدمته لتحاول أن تبرهن به على أن الشيوعية مجتمع أسمى في القيمة من كل مجتمع وجد قبلها.
- فالمجتمع ذو النظام الملكي سقط وتحول إلى الجانب المقابل له.
- والجانب المقابل له طرفان، وهو حكام الملك من جانب والعبيد والفقراء في رعيته من جانب آخر.
- ثم من الفريقين المتقابلين "حكام الملك ورعيته من العبيد والفقراء" تكون الجامع بين "الشيء"، و"مقابله"، وهو المجتمع الإقطاعي -إذ حكام الملك أصبحوا أصحاب الأراضي، والفقراء أصبحوا هم المستأجرون لها.
- ومن الكفاح في المجتمع الإقطاعي بين الملاك والفلاحين نشأت الرأسمالية الصناعية، وبذلك سقط الإقطاع في القوة المقابلة له وهي الرأسمالية.
- وتريد الماركسية أن تقول لك الآن: إن الرأسمالية -وفيها طرفان متقابلان: أصحاب مال وعمال- سيسقه أحد طرفيها في القوة المقابلة له وهي قوة العمال، والمجتمع الجديد، هو المجتمع الاشتراكي ذو الطبقة الواحدة.
ولكن أيقف مبدأ "النقيض" عند هذا المجتمع الجديد ذي الطبقة الواحدة أم سيسقط هو بدوره في مقابل له كما هو منطق هذا المبدأ الذي يعد كضرورة حتمية في الوجود؟؟
стр. 263
وترى الماركسية أن انتقال المجتمع من حال إلى حال يصحبه تطور في القيمة ... فالإقطاع أسمى من دولة الملك، والرأسمالية أسمى من الإقطاع، والشيوعية إذن أسمى من المجتمع الرأسمالي!! وادعاء أن كل مجتمع أسمى من سابقه مصدر براق للدعاية الشيوعية، وكثير من الناس يصيرون أتباعا للشيوعية؛ لأنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل عالم أحسن من أي عالم آخر وجد قبل ذلك.
وبما أن مبدأ "النقيض" مبدأ ضروري في الوجود -وإن كانت ضرورته لا تتجاوز دائرة "التصور الإنساني" أو دائرة "الفكرة"، كما عرف الأمر عند "فيشته" و"هيجل"- فدعاة الشيوعية يذكرون أنهم لا يخلقون الكفاح بين الطبقات أي: لا يوجدون التناقض بينها، بل هم يلاحظون الوجود في سيره فقط.
وهكذا استخدمت الماركسية مبدأ "النقيض" في دائرة الجماعة الإنسانية، وعدلت باستخدامه عن المجال الذي استخدم فيه من قبل، وطبقته على "القيم" الأخلاقية قياسا على تطبيقه في "الشيء" المحس، واستحدثت "الانقلاب" و"الثورة" في مجرى التغير، كظاهرة عامة له، يجب أن تخضع لها "الجماعة" الإنسانية و"القيمة" الأخلاقية، على نحو ما يشاهد في "الشيء" الطبيعي، وعلى الأخص على نحو ما يشاهد في تحول الماء إلى بخار.
وكما سار "هيجل" في تطبيق هذا المبدأ في دائرة "الشيء" "Das Ding" أن "الشيء" متغير من حال إلى حال، ومن أن فهم هذا الشيء أو معرفته، من أجل ذلك، عبارة عن إدراكه في صلاته بغيره من الأشياء, تذكر الماركسية أيضا: أن كل شيء له علاقة بالآخر، وأن فهمه هو إدراكه في صلاته بغيره من الأشياء، وكل شيء هو كل شيء، وليس الشيء الطبيعي وحده. فالإنسان في نظرها، إذا أريد الوقوف على خصائصه، لا بد أن يدرس: ككائن حي، وككائن نفسي، وككائن عضوي، باعتبار وسطه الاجتماعي، متضمنا هذا الوسط أسرته وحياته، ومدينته، وبلده ونظامه السياسي والاقتصادي، وصلته بالعالم على نطاق واسع.
ب- الدين مخدر:
ولـ"ماركس" نظرية مادية، تأثر فيها بـ"كوميت" وهو لا ينكر وجود "العقل" كما ينكره المذهب المادي الميكانيكي، ولكنه لا يدعي فحسب
стр. 264
إن المادة توجد قبل أن يوجد العقل. بل يدعي أيضا أن المادة أكثر أهمية وأكثر اعتبارا من العقل، إن العقل متوقف على المادة في وجوده ولا يمكن أن يوجد منفصلا عنها، ونتيجة ذلك: أن "ماركس" لا ينكر فقط أن يبقى العقل "أو الروح" بعد الجسم، بل يرفض الفكرة الأساسية في الدين، وهي الإيمان بالله، كموجود أزلي مستقل تماما، ومتجرد تماما عن المادة.
وكحقيقة واضحة في الماركسية: كل دين بالنسبة لماركس -من حيث المبدأ- لعنة.. وماركس يحدثنا أن "كل دين مخدر للشعب".
وتبعية العقل "للمادة" في الوجود، يصورها "ماركس" في صورة أن العقل انعكاس للمادة، وليس كما يصرح "هيجل" بأن المادة انعكاس للعقل. وهذا يعني أن العقل نوع من المرآة العاكسة للعالم المادي، وهذا التصور الماركسي للحقيقة المادية على أنها الأصل، يشمل في عموم منطق الماركسية كل الأحداث الطبيعية وما يحيط بها، ولكن في التطبيق لهذا المنطق الماركسي الأولي تعتبر المنظمات والأحداث الاقتصادية -من وجهات نظر متعددة- هي القوة المادية الرئيسية أيضا. أما الأحداث السياسية والاجتماعية, والأخلاقية فهي انعكاس للأحداث الاقتصادية الراهنة، و"ماركس" و"إنجلز" إن وجدا مغزى التاريخ في أحداث الحياة الاجتماعية بصفة عامة، لكنهما ينظران إلى الجانب الاقتصادي بالذات من بين أحداث هذه الحياة. والأحوال الاقتصادية تبعا لتقديرهما، هي العوامل المحددة في كل الحالات الاجتماعية وهي التي تكون البواعث النهائية لكل الأعمال الإنسانية في تاريخ الجماعة البشرية.
وتغير الأحوال الاقتصادية وتطورها يؤثر وحده بذلك على حياة الدولة، وعلى سياستها، وكذلك على العلم، والدين، وهكذا: كل الإنتاج الثقافي والذهني فرع عن الحياة الاقتصادية، وكل التاريخ لهذا يجب أن يكون تاريخ اقتصاد.
و"إنجلز" Engles١ على الخصوص يعبر عن هذا المعنى تعبيرا واضحا، فيذكر أن الإنتاج الاقتصادي في كل فترة من فترات التاريخ
стр. 265
-الذي يتبعه بالضرورة عنده التقسيم الاجتماعي إلى طبقات- يصور أساسا التاريخ السياسي والعقلي معا لهذه الفترة، والتاريخ كله، بناء على ذلك، كان تاريخ الكفاح بين الطبقات: الكفاح بين المستغلين والمستغلين؛ بين الطبقات السائدة والمسودة على درجات مختلفة في التطور الاجتماعي، ويحكم مبدأ "النقيض" هنا "Der Widrspruch" متنبئا أن هذ الكفاح وصل الآن إلى درجة معينة عندما لم تستطع الطبقة المستغلة المستذلة -وهي الطبقة العاملة- أن تتخلص تماما من الطبقة المستغلة المذلة -وهي الطبقة المدنية البورجوازية Bourgeoisie- وتخلص الجماعة كلها من الاستغلال والاستذلال, وستحل محل الجماعة المدنية القديمة بطبقاتها المختلفة رابطة فيها التطور الحر لكل فرد، الذي هو التطور للجميع، ومن هذا التعبير جعل شعار الشيوعية: "التطور الحر لكل فرد، هو التطور الحر للجميع".
والعقل الإنساني إذا كان تابعا للأحداث المادية بوجه عام، فإنه الآن يخضع خضوعا مباشرا وقويا للجانب الاقتصاي منها، و"فاعلية" العقل في نظر الماركسية، هي في تبادله العمل مع المادة، ولكن الأفكار لا تأتي من العمل الحر للعقل، ولكن تظهر كنتيجة للقوى المادية المؤثرة على الجهاز الإنساني، وكنتيجة لأفكارنا، نحن نعمل ونغير بناء العالم, ثم العالم المتغير يعطينا أفكارًا جديدة، وهكذا بدون نهاية.
لأجل هذا الارتباط الوثيق بين العقل والمادة، في نظر الماركسية، ينكر "ماركس" أن يكون السؤال: "هل الحقيقة المجردة خصيصة من خصائص العقل البشري؟ " سؤالا نظريا يجيب عنه العقل وحده، دون الاختبار الواقعي والتجربة الحسية -كما يصنع أرباب الفلسفة "العقلية"، ويراه سؤالا عمليا، أي: تجيب عنه التجربة، كما يرى أن عزل "الحقيقة" وعزل "عدم الحقيقة" الفكرية عن الواقع العملي مسألة بيزنطية، وأن الفلاسفة في شرحهم للعالم، حتى الآن شروحا مختلفة قد تركوا النقطة الرئيسية، وهي تغير العالم. ثم إن كل شيء يمكن معرفته، ولكن الجواب الذي نبحث عنه -كما يرى ماركس- هو: طريقة البحث العلمي، والبحث العلمي كما يراه هو: الذي يؤسس على النظرة المادية في المنطق والجدل، أي: على ربط العقل بالمادة، وإخضاع كل شيء حتى القيم للتغير الذي هو ظاهرة مبدأ النقيض، كمبدأ ضرورة في شرح الوجود كله.
стр. 266
جـ- المذهب المادي التاريخي:
ولأن "ماركس" طبق مبدأ النقيض الذي تصحبه ظاهرة التغير في "المجتمع" وحاول أن يدلل على الانتقالات "إلى الضد" من تاريخه المادي، وبالأخص من الجانب الاقتصادي فيه, عرف مذهبه بالمذهب المادي التاريخي، وقد يذكر أيضا باسم "المذهب التاريخي الاقتصادي" وإذن هو: نوع من فلسفة التاريخ يحاول توضيح العادات التي تطورت فيها الجماعات. من الماضي البدائي إلى الوقت الحاضر، مع التنبؤ بما سيحدث في وقتنا الحاضر، وكذلك بما سيقع في المستقبل وليس من الممكن، في نظر "ماركس" أن تتطور الأحداث الاجتماعية وتتغير وبالتالي يتكون التاريخ للجماعة، في صورة عظماء من الزعماء أو المفكرين الذين يظهرون من وقت لآخر، ولكن نمو هذه الأحداث التاريخية وتطورها يكمن في القوى المادية وحدها، التي لها قيمتها في العمل في الجماعة، وهذه القوى -كما ذكرها- هي القوى الاقتصادية، وعلى الأخص نوع مخصوص منها، وهي التي بين المال والعمل، فالقوى الاقتصادية كلها تتبع العلاقة بين الملاك، والأجور التي تدفع للإنتاج من جانب، والعمال الذين يصنعون الإنتاج من جانب آخر. فإذا كانت هذه العلاقة متوازية توازيا سليما استقرت الجماعة، وإذا كانت خارجة عن هذا الضرب من التوازن تطلبت الجماعة التغيير: وتوضح الماركسية هذه العلاقة على النحو التالي:
- في أثناء الجزء الأول من القرن التاسع عشر كانت الصناعة في الجملة إنتاجا لعمليات صغيرة، وكانت تباشر مباشرة متفرقة، إذ إن كثيرا من المحال التجارية كانت محال الأفراد، وكانت مملوكة ملكا خاصا، وكان المالك للمحل لا يملك الأجور والنفقات فحسب، بل كان هو نفسه يصنع الإنتاج، وكانت الصلة لذلك بين الملك الشخصي والإنتاج الشخصي تساوي واحد لواحد. وهذه العلاقة المتناسقة عبرت عن عدم الاستقرار -تبعا لمبدأ أن كل شيء ينطوي على نقيضه- الذي تطور كنتيجة لسقوط النظام الإقطاعي القديم، ووصل إلى الحال الجديدة وهي المباشرة الحرة للرأسمالية.
- ولكن التقابل والتناقض المنطوي في الرأسمالية "أصحاب رءوس الأموال من جانب والعمال من جانب آخر" أنتج حالة جديدة، هي حالة عدم التوازن. فالصناعات والأجور بيد ملاك خصوصيين وهم قلة, بينما المصنوعات والمنتجات كانت تصنع بواسطة مجهودات متجمعة لعمال كثيرين, وهذا يعني أن العلاقة بين الملكية الخاصة للأجور
стр. 267
والإنتاج من جانب، والطريقة الجماعية للإنتاج من جانب آخر، هي علاقة عدم الانسجام، وهذا يقضي بأن الانسجام في الجماعة لا يعود حتى تكون الصناعات جماعية أي: إن استقرار الجماعة لا يكون حتى تولد الجماعة الشيوعية.
ولكن من جديد؛ إذا قامت الجماعة الشيوعية. هل سينتظر سقوطها في الجماعة المقابلة لها، تطبيقا لمبدأ النقيض الموجب للتغير المستمر وانتقال الشيء إلى نقيضه، أم تتوقف ضرورة هذا المبدأ عن قيام الدولة الشيوعية وحدها؟ هنا يصمت المبدأ, وتتحدث الرغبة.
فالمذهب المادي التاريخي عبارة عن تحليل للحوادث التاريخية، بواسطة تطبيق مبادئ البحث الجدلي، القائم على "مبدأ النقيض".
والنظرية الاقتصادية لماركس ليست نظرية اقتصادية للاقتصاد الجماعي، بل هي بالأحرى محاولة لفهم طبيعة الرأسمالية, فهو يدعي أن القيمة الحقيقية للمصنوعات تقاس بمقياس مبلغ قوة العمل الجماعي الضروري التي تنتج هذه المصنوعات، ولكن لا يدفع للعمال مقابل القيمة الكلية للمصنوعات؛ لأن ملاك الصناعات الرأسماليين يحتفظون بنصيب لأنفسهم, وهو النصيب الذي يمثل الفرق بين القيمة الحقيقية للمصنوعات المنتجة وجملة النقود التي دفعت للعمال، وطالما لا تدفع للعمال القيمة الحقيقية للمصنوعات فهناك فضلة في الإنتاج لا تباع، وبالتالي هناك "بطالة" بين العمال، وبالتالي هناك عدم استقرار.
د- الماركسية كنظام سياسي للجماعة:
وأخيرا ليس هناك في النظام الشيوعي مكان لأكثر من حزب واحد. هو الحزب الشيوعي، والاشتراكية يجب أن تحل محل الرأسمالية وكل الصناعات، والمزارع، ومصادر الثروة الطبيعية، والخدمات، يجب أن تملكها الدولة, وتشرف عليها.
وهذه الجماعة الجديدة الاشتراكية أو الشيوعية، تبرز للوجود عن طريق الكفاح بين الطبقات كنتيجة لحرب أو ضغط، ويسقط النظام القديم السابق عليها وتنشأ دكتاتورية من العمال، والمعارضون القدامى يجب أن يتحولوا.
стр. 268
و"ماركس" يعتقد أن جوهر الدولة هو في سيادتها وسيطرتها، وهذا يعني في الواقع القوة البوليسية، والقوة البوليسية تكون حيث توجد طبقات، وما دامت الجماعة الشيوعية طبقة واحد، فلا بد أن تختفي السيادة وتخفى معها القوة البوليسية وتبقى بالتالي الجماعة الشيوعية.
وبذلك يريد "ماركس" أن يضفي على المجتمع الشيوعي طابعا خلقيا، وهو أنه لا يحتاج إلى حراسة خارجية عن ذوات الأفراد، طالما أصبح هناك استقرار نفسي بتحوله إلى مجتمع ذي طبقة واحدة، إذ بذلك يتوفر الإطمئنان، ويرتفع الحقد.
وما يصنعه "ماركس" في هذا التبرير يشبه ما يتميز به المجتمع المؤمن بالله من عدم حاجته إلى حراسة خارجية؛ اكتفاء بأثر الضمير الديني الذي للأفراد.
ويعتقد أيضا -تطبيقا لمبدأ النقيض في مجال الجماعة- أن الشيوعية آتية لا بد منها, وأن الشعب سيضطر لأن يأخذ جانبا في كفاح الطبقات، لإحداث الانقلاب، الذي لا بد منه في المرحلة الأخيرة من مراحل التغير. ودكتاتورية العمال التي يئول إليها الأمر في الجماعة يجب أن تكون منظمة تنظيما محكما، كما يجب أن تكون مختارة من العمال المهرة الذين يعيشون في المناطق التي تسودها الصناعات.
قيمة الماركسية كمذهب فلسفي:
يتضح الآن: أن الماركسية امتداد للصراع بين "الطبيعة والحس" من جانب، وبين "الدين" والميتافيزيقا" من جانب آخر ... إنها صراع فكري بين الله والعقل من جانب، والمادة من جانب آخر ... هي صراع بين قيمة الإنسان والحياة الإنسانية، وبين ما عدا الإنسان والحياة الإنسانية من العالم المحسوس، وقيمة الحياة الحسية ...
هي صراع بين "حرية" الإنسان في أن يتصور، وفي أن يوجه الطبيعة ويرتفع بقوته البشرية فوق قوتها المادية، وبين "جبر" الطبيعة للإنسان وإملائها عليه تكوينه الخاص، وتوجيهه المعين، وهدفه الذي لا ينفك عنه في حياته.
стр. 269
إن الصراع بين الدين والميتافيزيقا، وبين الماركسية، صراع قديم منذ وجد الدين، وقبل أن تتكون الميتافيزيقا كعلم، وقبل أن يوجد "كارل ماركس"، إنه قديم منذ أن عتقد الإنسان في الله، والشيطان معا!! ثم أخذ ألوانا شتى، وأسماء مختلفة إلى أن وصل إلى "ماركس" في القرن التاسع عشر.
وصراع الدين والميتافيزيقا مع الماركسية صراع أوروبي، ومن إنتاج العقلية الأوروبية وحدها، وتحت ضغط الحياة الأوروبية وما فيها من قلق واضطراب، فهو يمثل حلقة من حلقات العقلية الأوروبية. وإن التفكير الأوروبي منذ النهضة الأوروبية -التي استغرقت القرنين الخامس عشر في فلورنس والسادس عشر في روما، حتى وقت هذا الصراع الماركسي العقلي- هو محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة:
- ما قيمة "النص" أو الدين في التوجه والمعرفة؟
- ما قيمة "العقل" أو المثالية في التوجيه والمعرفة؟
- ما قيمة "الحس" أو الواقع في التوجيه والمعرفة؟
والماركسية، كمذهب فلسفي، يؤمن بالحس وقيمته في التوجيه، هو ضد الدين والعقل معا، وقد تكون من عدة مدارس فلسفية وجدت قبل الماركسية أما في القرن التاسع عشر نفسه، أو في القرن الثامن عشر الذي قبله:
١- فاستخدمت مبدأ "النقيض Der Widerspruch: Principium Contradiction" ضد العقل والوحي معا، ذلك المبدأ الذي قامت عليه فلسفة "فيشته" لتأييد العقل، وقامت عليه فلسفة "هيجل" لتأييد العقل والوحي على السواء، واستخدمت هذا المبدأ في "الأشياء"، وجعلت "القيم" و"الجماعة" من بين الأشياء.
- وطبقا لاستخدامه في دائرة القيم: أصبحت القيم في نظرها تتغير، وأصبح الاعتقاد بثباتها وهما.
- وطبقا لاستخدامه في دائرة الجماعة: أصبحت الجماعة غير مستقرة، وينتظر فيها التحول حتما، ثم الانقلاب من وقت لآخر.
стр. 270
- وإذ تدعو إلى تغير القيم: تكافح المثالية، والتقاليد، والمعاني الأخلاقية في نفوس الأفراد والجماعة.
- وإذ تدعو أيضا إلى تغيير الجماعة وتحولها إلى جماعة ذات طبقة واحدة عمالية: تكافح أصحاب العمل الذهني، وأصحاب رءوس الأموال، وأصحاب المزارع الواسعة، والأرستقراطية المالية أو الوراثية على السواء.
- وأصبح لديها الشيء الطبيعي يتغير إلى مقابله، والقيمة الخلقية تتغير إلى نقيضها، والجماعة تتحول على ضد نظامها، كما أصبح هذا التحول منتظرا وضروريا وما يتحول إليه الأمر هو "الأفضل" فالحال الجديدة للشيء والقيمة والجماعة، أفضل من الحال السابقة.
٢- واستخدمت مبدأ: "تبعية العقل في وجوده لوجود المادة" الذي أسس عليه "كومت" فلسفته "الوضعية" وبناء على ذلك هي:
لا ترى استقلالا للعقل، فضلا عن سيادته على غيره، وأصبح العقل في نظرها انعكاسا للمادة، أي: مظهرا لها، وعلى عكس ما ذكر "هيجل" من أن العالم المادي مظهر لعمل العقل الداخلي، وأصبحت الحياة المادية هي التي تكون العقل النظري للإنسان -وهو الفكر، والعقل العملي له- وهو المبادئ الخلقية في السلوك الإنساني، وأصبح الجانب الاقتصادي من الحياة المادية صاحب الأثر البالغ أو صاحب الأثر الأول في هذا التكوين العقلي النظري والخلقي معا، كما أصبح هو المقصود من الحياة المادية.
ولأن وجود العقل غير مستقل عن المادة، وإنما وجوده كظاهرة لها فقط أصبح الله غير موجود إطلاقا في نظرها؛ لأنه معنى أو عقل، أو روح بدون مادة. هو ليس مشخصا؛ بل مجرد عن التشخيص الحسي. ومجرد عن التحديد الواقعي في هذه الطبيعة، ولذا فهو غير موجود عندها؛ لأن الموجود مادي فقط، أو ظاهرة للمادة، والمادة هي الموجودة وحدها وجودا أوليا أصيلا، وظاهرة المادة تابعة في الوجود لها.
وعن تبعية العقل للمادة: أحلت "الجبر" محل "الاختيار" في توجيه الفرد وأصبح الفرد لذلك مجبورا لا اختيار له: مجبورا ببيئته، وبوراثته، وبحياته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية على الخصوص، وهنا يبقى شعار الماركسية، "التطور الحر لكل فرد، الذي هو "أي: الفرد" التطور الحر للجميع" غير مفهوم!!
стр. 271
٣- واستخدمت مبدأ "التعويض" في الدين، الذي اتجه إليه "فيرباخ" في فلسفته الإنسانية الطبيعية، وعلى نحو ما دعا "فيرباخ" إلى جعل "علم الإنسان" بدل الدين، وإلى جعل "الإنسانية" معبود الإنسان وإلهه الأكبر جعلت الماركسية "الجماعة" و"الدولة" "معبود" الإنسان، وجعلت "العلم المادي" مصدر التوجيه له في حياته، بدلا من الوحي, أو بدلا من العقل كمصدر للمعرفة وإذ تجعل الدولة "معبود" الإنسان، فالآخرة ليست وراء هذه الحياة التي نعيش فيها، والجزاء ليس في دار أخرى، بل هو في هذه الدار وحدها. و"القربى" التي كان يتقرب بها عابد الله إليه هي هنا في إنكار "الفردية"، وفي العمل من أجل الدولة.
٤- وإذ تختار الماركسية التفسير المادي التاريخي في التدليل على صحة مبدأ "النقيض" -كمبدأ ضروري- في تحول الجماعة وانقلابها إلى دولة ذات طبقة واحدة عمالية، لا توافق "فيشته" على أن التاريخ يكونه عظماء الفكر والسياسية ... وإنما تقر عكس ذلك: تقر قوة واحدة مادية فيه كقوة مكونة له وموجهة لسيره، هي القوة الاقتصادية: فهي القوة الخالقة المحددة للمجتمع ولعظماء الفكر والسياسة.
٥- واستخدمت فكرة "العقل المجرد"، التي عرفت لـ "هيجل" على نحو "نفسي" لا فكري، وذلك كي تشرح نمو الإنسان وتطوره وتفكيره، واتجاهه في حياته، متأثرة في ذلك بتصوير "اشتين تال"، وهو ترتب على ذلك وجوب العناية بكل ما هو "شعبي": من لغة عامية، وفن، وعادات، وتبالغ في تقديرها وتفضيلها.
هذه هي الأسس الفكرية العامة للماركسية -كمذهب فلسفي- قبل أن يكون في صحبتها عمل "الدعاية" الشيوعية، وهي فلسفة أرادت أن تحل مشكلة "عدم التوازن" بين طبقات المجتمع الألماني، وبالأحرى تزيل التنافر هناك بين أصحاب الصناعات من جانب، وعمال المصانع من جانب آخر، ومن أجل ذلك أخذت الطابع الاقتصادي. هي علاج لحال قائمة إذ ذاك، أو هي "تبرير" لرغبة في وضع معين يسود علاقة خاصة في جو الحياة الأوروبية، والأسس الفكرية التي استعارتها من المدارس الفلسفية السابقة عليها، لم تعد لها -على نحو ما رأينا- لأنها في ذاتها تحتاج إلى تعديل من الوجهة الفكرية، وإنما لكي تتلاءم مع "الرغبة" المطلوبة، وتكون لها
صفة "التبرير" لشيء، تكون قبلا في نفس المؤسس الأول لها.
стр. 272
ملاحظات على الفلسفة الماركسية:
١- تصف الماركسية الدين بأنه "مخدر" لأنه يدعو إلى تأليه غير المحدود في الوجود، وهي تقف عند المحدود الذي هو الحس، وبأنه يدعو إلى تقديس علة عامة للوجود وراء الحس والشاهد وهي تنكر وجود ما عدا الحس والشاهد، وبأنه يدعو إلى "القيم" الأخلاقية و"المثل العليا" الثابتة، وهي لا ترى ثباتا لشيء على الإطلاق! كما لا ترى قيما ولا مثلا فيما عدا ما يوحي به الحس وما يقدمه للإنسان من متع حسية، وما يسد به حاجة بدنه فقط، إذ المتع العقلية عندها ظواهر، أو صدى للمتع الحسية، ولعلاقات الإنسان الطبيعية التي يعيش فيها.
تصف الدين عامة بأنه مخدر؛ لأنه يقف في طرف مقابل لما تؤمن هي به.
وتصف المسيحية الأرثوذكسية على الخصوص بأنها "سلطة" تعوق "الانتقال" أو "التقدم" في سير العالم، كلازمة لمبدأ "النقيض" في الوجود؛ لأن لهذه الكنيسة نفوذا سياسيا وروحيا استخدمته في تأييد الوضع السابق على الثورة الحمراء ضد القيصرية، فكانت تؤيد "الرجعية" ولا تؤيد "التقدم" الذي يدعو إليه "التطور" بوجه خاص.
وهي لا تعيب الدين عامة؛ لأنه يدعو إلى الاعتقاد والإيمان، ويحمل أتباعه على تقديس ما يراه أهلا للتقديس من الموجودات, لا تعيب الدين بذلك؛، لأنه نفسها تدعو إلى "الاعتقاد" و"الإيمان"، وتحمل في عنف وإصرار- لا عن اقتناع- على "تقديس" ما تراه أهلا "للتقديس" و"العبادة". هي نفسها تدعو إلى عبادة "الدولة" وتدعو إلى الصلاة في محراب "العلم" وتأخذ على الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية نظام "الكهنة"، و"المجمع المقدس" وعقيدة "عصمة" البابا، وهي ذاتها تضفي على "الحزب" الشيوعي، و"رياسة" هذا الحزب لونا سميكا من "القداسة" و"الاعتبار" لا يتردد في قيمته فضلا عن أن يناقش فيه!! هي تدعو إلى "عبادة" و"معبودها" هو الدولة، وتدعو لذلك عن طريق الفلسفة، فهي "وثنية" باسم الفكر!! ثم إذا هي تنكر إله الكنيسة؛ لأنه فيما وراء الطبيعية لا يحس، تدعو في الوقت نفسه إلى عبادة ما لا يحس ولا يشاهد، وهو الدولة، أو المجتمع. وإلا فإين مكان الدولة ومكان المجتمع فيما وراء التصور الذهني؟!
стр. 273
٢- وتعيب "ثبات" القيم الأخلاقية، وأن يكون هناك اعتبار عام للمقاييس الأخلاقية؛ لا لأن القيم الأخلاقية في نفسها ليست ثابتة وليس لها اعتبار عام؛ بل لأنها طبقت "مبدأ النقيض" في القيم، قياسا على تطبيقه في الأشياء المحسة، حتى تحفظ للأوضاع التي تطلبها في الجماعة -في دائرة الأسرة، وفي علاقة أحد الجنسين بالآخر، وفي علاقة الفرد بالدولة- والقيمة الخلقية، و"هيبة" المبدأ السلوكي. فتقاليد الأسرة في نظرها، وفضائل الجنس، وحرية الفرد -كما تريد أن تنظر إليها- ليس لها اعتبار ثابت قيمتها اليوم تتغير عن ذي قبل، ويجب أن تتغير، ويجب أن يكون الجديد أفضل من القديم في الوقت نفسه!! والدعوة إلى "الحيوانية" في علاقة الجنسين بعضهما ببعض، قد تكوم مبدأ أخلاقيا!! ونظام تبني الدولة للأولاد الشرعيين وغير الشرعيين على السواء، قد يكون نظاما أخلاقيا، بعد أن يعتبر نظاما اجتماعيا!! و"رق" الفرد قد يكون مبدأ أخلاقيا كذلك!! فإذا تم ووقع في المجتمع أحد هذه الأمور، فهو "أفضل" لأن الحال الجديدة التي ينتقل إليها الشيء -تحكم مبدأ النقيض- أدخل في القيمة والأفضلية!!
و"التقدمية" التي تطلبها الماركسية دائما هي: الحال التي تلي الحال القائم لشيء ما، وهي التي تنطوي على اعتبار الأكثر والقيمة الفضلى!!
أما ثبات القيم الأخلاقية -وبالتالي اعتبارها العام- فيتضح من تحديد القيم نفسها: فقيم السلوك في حياة الإنسان هي "النهايات العليا" في السلوك البشري، هي "آخر" ما يصل إليه تطور الإنسان في هذا الجانب، والإنسان في تطوره يبتدئ من نقطة الغريزة والأنانية -كالحيوان- ويغلب على تصرفه وسلوكه في طفولته مظهر الغريزة والأنانية، ثم يتدرج، فيدخل في سلوكه اعتبار "المشاركة الجماعية" وكلما تقدم الوعي الاجتماعي في تصرفه وسلوكه، كلما اقترب من مرحلة الرشد الإنساني، ومرحلة الرشد الإنساني تتميز بأن سلوك الإنسان فيها يقوم على يقظة قوية بالاعتراف بالغير ومشاركته في سرائه وضرائه، وليست القيم الإنسانية في السلوك إلا مظاهر هذا الرشد، وأخص هذه القيم: العدل والتعاون والمحبة، والإخاء.
٣- تستخدم مبدأ النقيض -Der Widerspruch- في أوسع دائرة، ويكاد يكون هذ المبدأ هو الأساس الأول في فلسفتها "التبريرية" أو الجدلية المنطقية، واللازمة الواضحة لهذا المبدأ: استمرار التغير والانتقال من حال إلى حال آخر مقابل له تماما، وتطبيقه في دائرة "الجماعة" يستلزم ترقب
стр. 274
ضياع "القوميات" وذهاب استقلال الشعوب فيما هو أعم منها؛ لأن انطواء الشيء على نقيضه، أو -بتعبير الماركسية- الصراع بين الشيء، ومقابله سينتهي بالجماعات الصغيرة، والدويلات، والشعوب، والدول، إلى الانصهار في العالمية، كجامع للدعوى ومقابل الدعوى Syu-thesis وتشجيع الشيوعية لاستقلال الشعوب، هو تمهيد لفصل هذه الشعوب وعزلها ثم الانقضاض عليها في صور شتى من صور الانقضاض، وهو -في الوقت نفسه- عمل دعاية أكثر منه نتيجة للفلسفة الماركسية، والإيمان بـ"الثورة والانقلاب".
كما أن الصراع بين الرأسمالية والعمل، أو بين أصحاب رءوس الأموال والعمال -بناء على تطبيق مبدأ النقيض- سينتهي بالطرفين إلى تمليك الدولة؛ لأنها عندئذ الجامع بين الدعوى ومقابل الدعوى!! ولكن الدولة١ لا يمثلها ولا يباشر تنفيذ قوانينها إلا بعض من أفراد المجتمع، وهم "القادة" وقد اختارتهم "الطبيعة" -تطبيقا لمبدأ داروين- لأن يكونوا قادة! وشأن بقية أفراد المجتمع بعد ذلك مع هؤلاء القادة، شأن المساهمين في الشركات المساهمة مع مجلس الإدارة المنتدب، الذي تكون بحكم الكثرة العددية في حيازة الأسهم لدى أعضائه، فالشركات المساهمة وإن استوعبت جميع المساهمين، لكن مجلس الإدارة وحده هو الذي يمثلها ويدير شئونها، وموافقة الجمعية العمومية -التي تنعقد من المساهمين عامة على تصرفات مجلس الإدارة- موافقة شكلية.
وبمقتضى مبدأ "النقيض" أيضا، سينتهي الصراع بين الطبقات في الجماعة وينحل في حكومة الدولة، أي: سينتهي إلى حفنة من "المحتكرين" ولكن في صورة مغايرة لحفنة الرأسمالية، وإذا كانت الرأسمالية تمثل "عصابة" في نظر الماركسية، فإن الدولة الشيوعية في حقيقة أمرها أيضا "عصابة" بمقتضى منطقها هي نفسها.
فهل الفكر الفلسفي للماركسية هنا نوع من الخداع، قصد به إبعاد طرفي "الكفاح" -وهما أصحاب العمل والعمال معا- عن موضوع النزاع،
стр. 275
كي تتمكن فئة قليلة من هذا الموضوع "وهو المال أو الملك"؟؟ هل منطق الماركسية يمكن أن يصفها هي نفسها بأنها "مخدر"، كما وصفت هي الدين بأنه "مخدر" قبل ذلك؟؟
إن الماركسية تصر -في تطبيق مبدأ النقيض- على أن كل شيء ينتقل إلى مقابله، ثم ينتقل المقابل إلى جامع بين الشيء ومقابله: فرأس المال سينتقل من الرأسماليين إلى مقابلهم وهم العمال، ثم ينتقل إلى "الدولة" التي تجمع الطرفين معا. ثم إن الصراع بين الدول الصغيرة سينتقل بها إلى دولة كبرى، والدول الكبرى بمقتضى الصراع بينها ستتحول إلى "العالم الواحد"!! ترى هل سيقف مبدأ النقيض هنا عندما تتحقق وحدة العالم؟ أم أن هذه الوحدة العالمية ستتفتت من جديد "تبعا؛ لأن الشيء -وهو هنا وحدة العالم- ينطوي على نقيضه" إلى دويلات، وهكذا؟ إن الماركسية كما تؤمن بمبدأ "النقيض" وتلزم الناس بقبول نتائجه، تؤمن أيضا بالتخلف عن كثير من نتائجه، تؤمن بالوقوف به في سيره عند الوصول إلى الدولة ذات الطبقة الواحدة، وهي الدولة الشيوعية! وهذا مما يجعل الفلسفة الماركسية فلسفة "تبرير"، أكثر منها فلسفة تخدم الحقيقة بالكشف عنها ويجعلها فلسفة هوى ورغبة أكثر منها فلسفة فكرة لها اعتبار عام!
٤- وأخيرا لم تكتف الماركسية في استخدام مبدأ النقيض في "الشيء" و"القيمة" و"الجماعة"، وفي أن تتوسع في هذا الاستخدام، حتى تصل إلى أن وقوع "الشيوعية" الدولية في الجماعة الإنسانية وفي مستقبل البشرية ليس حادثا مترقبا فحسب، بل هو ضروري الوقوع، وتصل كذلك إلى أن "الدولة الشيوعية" أفضل أنواع الدول السابقة عليها ... لم تكتف بأن تتوسع في استخدام هذا المبدأ لتبلغ هذه الغاية, وإنما هي تتدخل في سير "الانتقال" و"تحول" الشيء إلى نقيضه، فتعلن أن الانتقال يسير بالتدريج من الشيء إلى مقابله, حتى إذا وصل إلى درجة معينة وقع "انقلاب" وحصلت "ثورة" فجائية تعجل بإتمام الانتقال إلى الضد! وتمثل لذلك بتحول الماء وانتقاله إلى بخار عن طريق الحرارة! وتنادي من أجل هذا بـ"الانقلاب" وبـ"الثورة الحمراء" في الجماعات غير الشيوعية، لتستعجل الوصول بهذه الجماعات إلى جماعات شيوعية، فيكف هي بعد ذلك تدعو إلى "السلام" مع أنها تؤمن بالانقلاب؟؟ !! ثم هل "السلام" الذي تدعو إليه يتضمن في نفسه العنصر المقابل له وهو "الحرب"، ككل
стр. 276
شيء -تطبيقا لمبدأ النقيض- يكمن فيه المقابل ونقيضه؟ حقيقة إن "السلام" معنى وليس "شيئا Ding"، ولكن الفكر الماركسي لا يفرق بين المادي والمعنوي في خضوعه لمبدأ النقيض، وفي الانطواء على المقابل والمضاد له.
إن الفلسفة الماركسية -فوق أنها جملة من المتناقضات- دعوى إلى انتكاس البشرية، وليس إلى "تقدم" الإنسانية: هي عود بالإنسان إلى الرق، وعود بالفكر والإيمان إلى "الجبر" وعود بالإنسانية إلى "الوثنية" وبالأخلاق والقيم إلى الانطلاق في "الحيوانية"!!
و"البطن" هي الهدف والوسيلة معا في حياة الإنسان، غاية الإنسان في حياته أن يعمل حتى يستطيع أن يأكل، والحرمان من الأكل هو الوسيلة إلى إخضاع الإنسان، وإلى اندماجه في الحلقة المفرغة التي أسمتها" العمل والإنتاج" من العمل إلى العمل ليأكل، لا ليعيش.
والذي يجب أن يعيش وحده هو "الدولة" أية دولة؟! هي: "رابطة فيها التطور الحر لكل فرد، الذي هو التطور الحر للجميع"! كما يقول "إنجلز" والتطور الحر للجميع معناه تخليص الجماعة من الرأسمالية، والوصول بالجماعة إلى طبقة واحدة عمالية! لكن أي تطور حر لكل فرد؟! أفي تجنيده لتخليص الجماعة من الرأسمالية؟! أية حرية للفرد في تطوره؟ أفي حمله على الإيمان بأن "معدته" مصدر تفكيره؟! أفي حمله على الاعتقاد بأن جسمه عامل حريته، وقد جعل الإغريق فيما مضى الجسم سجن هذه الحرية؟! متى كان خلاء المعدة، أو متى كان الجوع مصدر خرق في تصرف الإنسان؟! ومتى كان امتلاء المعدة عاملا من عوامل حرية الرأي وسلامة التفكير؟!
يتحدث عن "المعدة" عند الحيوان، ذلك الكائن الذي يساق ويدفع ليعمل ومن ثم ليأكل، ولكن الحديث عن الإنسان هو الحديث عن القوة "الخالقة" فيه، والقوة الخالقة فيه ليست شيئا آخر وراء "الحرية"! وحريته هي اختياره وموزانته، وتأمله، وترجيحه!! وليست حرية الإنسان هي "الانطلاق" ولا هي "الفوضى" ... حرية الإنسان مصدر بنائه للحضارة.
стр. 277
ومن أجل أن الفلسفة الماركسية فيها من هنات التفكير، ومن تحكم "الرغبة" والانحراف عن الطبيعة الإنسانية -بما يصدم المفكر فيها- كانت الجولة الرابعة من جولات التفكير الأوروبي: هي جولة "الخصومة العنيفة للفكر الماركسي"، قبيل بداية القرن العشرين ومنذ بدايته حتى الآن، وخصوم هذا الفكر ما بين مؤيد للعقل وقيمته، أو مؤكد لصحة الوحي وحاجة الإنسانية إلى الإيمان بالله، وليس إلى دين أي يدين! إذ الماركسية تمثل فكرة وعقيدة معا، تمثل فلسفة ودينا، ولكن فلسفتها تبرير، ودينها وثنية وإيمانها وهم.
ومن الذين يشار إليهم في هذا الصراع الفكري ضد الماركسية: الفيلسوف الدانيماركي المعاصر لماركس "كير كجارد" Kier Kegaard ١ صاحب فلسفة "الصلة بين العلم والإيمان" والفيلسوف الفرنسي "برجسون" Henri Bergson٢ زعيم المذهب الروحي في الفلسفة المعاصرة، والفيلسوف الألماني "هيدجر" Martin Heidegger٣ صاحب فلسفة "الوجود الزماني".
أما "شيلر" Max Scheler٤ الفيلسوف الألماني في القرن العشرين، فيعتبر في قمة هؤلاء الفلاسفة الذين كشفوا عن تهافت الماركسية خاصة، والاتجاه الواقعي الوضعي في التفلسف على العموم، وفلسفته تقوم على الصلة بين الفكر الديني والميتافيزيقي والعلمي، وبين الحياة الاجتماعية والعلمية والسياسية والاقتصادية كما تقوم على توضيح أن "القيم الأخلاقية" هي حقائق ثابتة.
وإذ نحن هنا في هذا الفصل، بصدد بيان أن "التجديد في الفكر الإسلامي الحديث" أثر للفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر -وهو الفكر
стр. 278
الوضعي، والماركسي معا- فإننا لم نشأ أن نتعرض الآن في هذا الكتاب للمرحلة الفكرية الرابعة والأخيرة في تاريخ الفكر العربي، وهي فلسفة القرن العشرين.
الماركسية والدعاية الشيوعية:
لو أن الثورة الروسية لم تقم في أعقاب الحرب الأولى، في سنة ١٩١٧، لما حفل الفكر المعاصر في القرن العشرين بالماركسية، ولطغت عليها اتجاهات المثالية، والأخلاق الدينية في هذا الفكر، ولكن حسن حظ الماركسية، أنها وجدت في الانقلاب الروسي قوة سياسية تؤازرها، وتجند لنشرها أقوى وأحدث أساليب النشر والدعاية.
وجاءت الحرب العالمية الثانية، وحصل الاتحاد السوفييتي فيها على نصر عسكري وسياسي أضاف قوة جديدة إلى القوة السابقة التي آزرت الماركسية، ثم جاء ما وقعت فيه الدبلوماسية الغربية من مساندة الروس في هذه الحرب للقضاء على ما يسمى وقتذاك بـ"الدكتاتورية العسكرية" في برلين وروما، وذلك تحت ضغط اليهودية العالمية والكنيسة الكاثوليكية" فضاعف كذلك من قوة المؤازرة للماركسية في تثبيت دعائمها ونشرها.
ومنذ نهاية هذه الحرب الآخيرة، وجهاز الدعاية الشيوعية الماركسية يزداد في تأثيره، وفي توسيع دائرة الفكر الماركسي بين الجماهير والشباب في مختلف الشعوب والقوميات.
والدعاية الشيوعية لا يتضاعف أثرها بالاستناد إلى قيمة الماركسية كمذهب فلسفي، بل تستند -في أكثر ما تستند- إلى أخطاء الغرب في حل المشاكل التي تخلفت عن هذه الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمة هذه المشاكل: مشاكل البطالة، وتزايد السكان. مع عدم مواجهة زيادتهم المضطردة بالزيادة المناسبة في مصادر التغذية وكذا أثر الاستعمار الغربي في تخلف الشعوب المستعمرة والحيلولة بينها وبين حق تقرير المصير ... إلخ.
وللشيوعية تفكير فلسفي، ودعاية في الرأي العام العالمي ... هي مذهب فكري، ودعاية شعبية معا.
стр. 279
أما مذهبها الفكري -كما قدمنا- فيعتمد على المبادئ الآتية:
- على "التغيير" وأن كل شيء يتغير، حتى القيم والمعاني؛ فالخير والجمال والحق وبالتالي الأخلاق والدين تتغير. فليست هناك قيم ثابتة، ولا معان عامة لها اعتبارها الدائم في كل وقت. و"الله" لذلك، ليس له معنى ثابت!!
والشيوعية قامت في تلك المعاني والمقيم على الأشياء المحسوسة في الطبيعة، وآمنت بالطبيعة وبالقياس "الاختبار" و"التجربة" فيها لتعرف حقائق مظاهرها، واتخذته نفسه -دون أي مقياس آخر- مقياسا للمعرفة، وبذلك أنكرت "استقلال القيم والمعاني"، كـ"الروح" و"العقل" عن المادة، بعد أن أنكرت "ثباتها"وعدم تغيرها.
وهذا "التغير" ينتقل من حال إلى حال بالتدريج حتى يصل إلى مرحلة معينة، تتدخل عندها "الثورة" و"الانقلاب"!! ولذلك كانت الدعوة إلى "الانقلاب" في الصراع بين طبقات الجماعة -كأمر يخضع للتغيير- نتيجة لازمة لمبدأ التغير وخطوات سيره.
وكنتيجة لمبدأ التغير في الجماعة، والصراع بين طبقاتها، تنتقل الملكية للدولة دون الأفراد من الملوك، ثم من أصحاب المزارع، ثم من أصحاب رأس المال, ثم من عامة الرعايا، ويصبح المجتمع عندئذ جماعة من طبقة واحدة عمالية! وتسوق الشيوعية للتدليل على صحة هذه المبادئ ما تسميه بالتفكير المادي الاقتصادي للتاريخ، وما تحاول أن تفعله من قياس القيم الخلقية، والروحية والعقلية على الأشياء الحسية الطبيعية.
وأما الدعاية الشيوعية فتسلك -هنا في هذا القطاع- طريق الاستخفاف والتحقير لما يقف أمام أفكار الفلسفة الماركسية من مبادئ وتعاليم وتقاليد، كانت في المجتمع السابق عليها:
- فمبدأ كون القيم ثابتة -وهو ذلك المبدأ الذي يمثله الدين، وتمثله الفلسفة المثالية- عدو للشيوعية؛ لأنه يضاد عندها مبدأ التغير في كل شيء، في الشيء الطبيعي، والمجتمع الإنساني، والقيم الأخلاقية!! والأخلاق القائمة على المعاني والمثل الخالدة -التي لا تتغير في نظر علماء الأخلاق، وهي الفضائل والرذائل- يجب أن تحاربها الدعاية الشيوعية بأسلوب التهكم والاستهتار!! والدين -لأنه ينادي بالقيمة الثابتة لله،
стр. 280
كما جاءت في صفاته- يجب أيضا أن يحارب من الشيوعية, ولكن يجب أن تكون الحرب ضد الدين أعنف وأقسى، وأن يكون أسلوب الدعاية إزاءه أشد في البذاءة والسخرية؛ لأنه يسود عقلية الجماهير في أية جماعة لها دين، بعكس الأخلاق ومناهجها الفلسفية فهي قاصرة على خاصة الناس! وعندما تنزل الدعاية الشيوعية مجال المبادئ الدينية تستهتر بها استهتارا شنيعا، وعندما تنزل مجال رجال الدين تزدري بهم، وتسف في وصف رسالتهم!! وهي في مجال الدين عامة، لا تفرق بين الدين كمبادئ وبين أفهام التابعين له في الأجيال التي مرت عليه. ثم هي لا تفرق مع ذلك بين الأفهام المنحرفة في الدين على أنها الدين في واقع الأمر!! وهي لا تخلط في ذلك عن عدم فهم، وإنما تقصد إلى هذا الخلط قصدا, لتصل إلى الاستخفاف والازدراء بالدين وبرجاله معا!
- ووضعية المرأة في الأسرة، وفي المجتمع القائم على القيم الثابتة في الأخلاق والدين أو على التقاليد المعروفة فيه -تنال نصيبا كبيرا من عناية الدعاية الشيوعية ضدها، وتهدف هذه الدعاية في محيط المرأة إلى "تحريرها"- أي: إلى "عزلها" عن كل "القيود" الماضية!! والقيود الماضية في نظرها هي: أوضاع المرأة في علاقتها بالرجل في الأسرة وفي مكانها فيها كأم، وفي مكانها في المجتمع الذي تعيش فيه كعضو من أعضائه، حسب القيم الأخلاقية والدينية والتقاليد المتبعة!!
ثم تقصد بعد هذا التحرر إلى أن تضعها من جديد في مجتمع له نظرة إلى الحياة الجنسية، وإلى حياة الأسرة، وإلى القيم الاجتماعية!! وهذه النظرة أن تروض المرأة على أن تؤدي ما يطلب منها كامرأة في مقابل الرجل، وكعضو في المجتمع، دون قيد خاص، إلا قيد "الإنتاج" بما تستطيع من إنتاج كامرأة، وكعضو في المجتمع!! وهي كامرأة موضع لقاح الرجل، وعليها بعد أن يستوي هذا اللقاح عندها أن تقدمه وتقذف به للدولة بدون عنوان خاص يحمله!! وهي كعضو في المجتمع عليها أن تنتج ما يحدد لها إنتاجه من الدولة!!
- والاستخفاف بالطبقة المفكرة، وأصحاب المزارع، وبأصحاب رءوس الأموال في الصناعة -من جانب، وتمجيد عمل "اليد" أو الأيدي والسواعد العاملة، أو تمجيد العمل البدني والجسمي من جانب آخر- مظهر آخر من مظاهر الدعاية الشيوعية؛ لأن أصحاب العمل البدني في كل جماعة إنسانية هم الكثرة، أو هم الجماهير بالقياس إلى من عداهم. والدعاية الشيوعية تعتمد على هذه الكثرة؛ لأنها كثرة في ذاتها، ثم
стр. 281
لأنها لا تستطيع بعقليتها العامة المناقشة فيما توجه إليه من هدف وغاية!! وفي كل ذلك تسلك هذه الدعاية نفس المسلك الذي يسلكه الفكر الماركسي من قبل، وهو مسلك التدليل على ترويج هذه الدعاية بما يسمى بـ"التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ" وبقياس القيم المعنوية: الروحية، والعقلية، والخلقية، على الأشياء المحسة الطبيعية!!
وإلى هنا تجد أن لكل من الفكر الماركسي، والدعاية الشيوعية، معالم ومظاهر خاصة بهما، ونجد أن كليهما يبتغي نفس الغاية، ولكن الفرق بينهما هو: الفرق بين التحديد والدقة من جانب، والتهويل والتفخيم والجرأة المكشوفة من جانب آخر!!
وإلى هنا أيضا، لنا أن نتساءل:
هل لهذا الجدل الفكري في الغرب، وما نشأ عنه من مذاهب فلسفية، اعتبار عام في كل المجتمعات الإنسانية الأخرى، بحيث تصلح مذاهبه أو يصل بعض منها على الأقل، لأن يردد في بيئة أخرى وفي جماعة أخرى، تختلف كثيرا عن البيئة والجماعة التي ولد ونما فيها؟؟
- كان الدين في أوروبا محورا للجدل الفكري طوال هذه القرون الخمسة -من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر- ولم يزل حتى الآن في مركز هذا الجدل ... وما قام من مذاهب فكرية لتأييد اعتبار هذا الدين، حاول تبرير بعض معتقدات خاصة بدين معين هو المسيحية، وبفهم معين هو فهم الكثلكة المسيحية، وكانت هذه المعتقدات كعقيدة التثليث وعقيدة "النموذج الإلهي" على الأرض، وهو عيسى الإله الابن مثار النقد السلبي لقيمة المسيحية كدين موحى به من الله.
ثم ما قام من مذاهب فلسفية لمناوأة الدين، وإبعاده عن التوجيه، قام ليوضح ضعف بعض العقائد، وبعض "الطقوس" في العبادة، وفي السلوك الديني, في دين معين -هو المسيحية أيضا- وبفهم خاص هو فهم الكثلكة في المسيحية كذلك، وهذه هي العقائد السابقة من التثليث، والطبيعة الإلهية الإنسانية لعيسى والوساطة الروحية في صلة الإنسان بالله، وأما الطقوس فمنها "رسوم" صكوك الغفران والمنح الأخروية، والاعتراف، والتعميد..
стр. 282
فهل نقل هذه المذاهب الفلسفية، المؤيدة أو المعارضة للدين على السواء، إلى بيئة أخرى -كالبيئة الإسلامية مثلًا- غير أوروبية في الطابع، والاتجاه، والتقاليد يعتبر ذا جدوى من الوجهة الفكرية؟!
وهل القارئ المسلم يستطيع عندئذ أن يسير بتفكيره، ويتابع خطوات النقاش مع المؤيدين أو المعارضين، فيما ساقوه من آراء لترجيح كفة "الدين" أو ضد "الدين"؟!
وهل ستوجد هناك "انفصالية" ذهنية بين المنقول من هذا الجدل الفكري الأوروبي، وبين واقع الحياة التي نقل إليها، وهي الحياة الإسلامية؟
وهل المؤيد للدين هناك باسم هذه المذاهب المؤيدة، وكذا المعارض له هناك أيضا باسم المذاهب المعارضة منها، يكون هنا في المجتمع الشرقي الإسلامي أكثر من "حاك" و"مردد" لشيء يبعد كثيرًا عن واقع الحياة التي يردد فيها ما ينقل ويحكى؟؟ ١.
- وكانت السياسة في أوروبا عاملا أيضا من عوامل الجدل الفكري ... وكانت "الكنيسة"، وكانت "البابوية" تلعب دورا في الحياة السياسية، وكان لها أنصار ومؤيدون يبررون دورها في الحياة السياسية، وكان لها معارضون يشنون عليها حملة من الهجوم، وعلى ما تنتسب إليه وتستمد منه قيمتها وهو الدين.
- وكانت الثقافة في أوروبا من عوامل الجدل الفكري ... وكانت الكنيسة ترسم دور الثقافة، وتحدد نطاقها، وموادها، وغاية التثقيف الإنساني، وكان لدور الكنيسة هذا في الثقافة الإنسانية معارضون، ومؤيدون.
وجاءت "المثالية" الغربية لبعث قيمة العقل الإنساني، الذي قدره الإغريق في فلسفتهم، وجاء عصر "التنوير" في النصف الثاني من القرن
стр. 283
الثامن عشر مختتمًا بـ"كانت" ليعارض تحكم الدين أي: الكثلكة، ويعارض استقلال الوحي المسيحي بالتوجيه، وتحديده "المعرفة" في دائرة الإنسان.
وقامت الفلسفة "الوضعية" الغربية، وشد أزرها "أوجست كومت"، لتعارض دين الكنيسة، ولتضع بدلا منه دين "الطبيعة" قامت هذه الوضعية لتحرم "عبادة"، كي تحل محلها "عبادة" أخرى: آمنت بـ"الطبيعة"على أنها الله، وكفرت بـ"الكنيسة" على أنها تمثل الله!!
فهل "مثالية" الغرب و"وضعيته" معا، تتفاعلان في البيئة الإسلامية؟ وهل يكونان هنا في المجتمع الشرقي الإسلامي ذا موضوع مع الإسلام؟؟
إن الماركسية -وهي مذهب وضعي- تصارع الدين، وتصارعها الكنيسة الكاثوليكية١ في المجال الدولي، وفي البلاد الأوروبية الغربية، وفي أمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وقد قضت الثورة الشيوعية في بلاد الاتحاد السوفييتي، وفي بلاد شرق أوروبا الخاضعة للنظام الشيوعي، على اعتبار المسيحية وهيبة الكنيسة الكاثوليكية، بالدعاية ضد رجال الدين، وبإهمال شأن المؤسسات والقيم الدينية، وبالتراخي من الوجهة الرسمية في وقف الهجوم على الدين من الكتاب في الصحف والكتب، والمعلقين في الإذاعة, ذلك الهجوم الذي تثيره، بل تشجعه في الخفاء!!
فهل للماركسية مكان في الصراع مع الإسلام؟؟
هل الإسلام -من تعاليمه- يعطي فرصة لقبول الماركسية، كعلاج لأزمة فكرية، أو أزمة ثقافية، أو أزمة علمية؟؟ أم أن نقل الفكر الماركسي إلى البيئة الإسلامية يعبر إما عن: "الاحتراف" من الناقل له، أو عن "سطحية" لفهم الماركسية نفسها، أو يعبر من جانب آخر عن سوء فهم للإسلام، بقياسه على المسيحية أو على الكثلكة بوجه خاص منه؟!
стр. 284
إن الماركسية نشأت وتطورت في ظل التطور الصناعي في ألمانيا البروسية، ومن ثم كان لها رأي في الاقتصاد القومي، وفي توجيه الجماعة وقيادتها هناك.
فهل للبلاد الإسلامية الآن جو الصناعة البروسية، وعلاقة أرباب المصانع بالعمال، على نحو ما كان الأمر وقت "كارل ماركس" في ألمانيا مما يدعو لتطبيق الماركسية، كحل لإعادة التوازن بين الرأسمالية والعمال؟!
هل هناك صراع بين طبقات الجماعة الإسلامية -سببه الإسلام- يدعو إلى "الانقلاب" في القيم الأخلاقية، وفي النظر إلى الحياة، حتى يتم تحول الأمر إلى ضده، تطبيقا لمبدأ النقيض؟! أم أن النداء الماركسي في الشرق الإسلامي مهنة وحرفة، أو تقليد، أو سوء فهم للإسلام؟!
إن الماركسية في الشرق الإسلامي.. ليس لها موضوع فيه ...
الماركسية في التجديد في الفكر الإسلامي:
ولكن رغم المفارقات في كل ظروف الحياة بين الشرق الإسلامي وبروسيا الألمانية، وأوروبا بوجه عام في القرن التاسع عشر الذي قامت فيه الماركسية في البيئة الأوروبية الألمانية، ورغم أن الفكر الماركسي بني تعبيرًا عن الجو الخاص الذي ولد ونما فيه، سواء في منطقه وجدله، أو في أسلوبه في التبرير، أو في إلحاده، أو في ميله إلى الانطلاق الحيواني. ورغم هذا كله، فالأدب العربي المعاصر بوجه خاص يحمل عناصر الفكر الماركسي والدعاية الشيوعية، كظاهرة "تجديد" في الفكر الإسلامي الحديث، والمبادئ التي تقوم عليها فلسفة "ماركس": يعبر عنها الأدب العربي المعاصر، ولكن في غير وعي تام بها، ويمسها مسا ينم عن عدم عمق في فهمها، أما عناصر الدعاية الشيوعية: فيعكسها الأدب العربي المعاصر في جرأة أشد، وفي تهويل وتجسيم أكثر، أو في إغراء لامع!!
وسنعرض هنا للدعاية الشيوعية، بقدر ما يوضح للقارئ مدى إفساح الأدب العربي -وهو نوع من الأدب الإسلامي- مكانا فيه لهذه النزعة الفكرية الماركسية، باسم التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، وعلى وجه أخص: أدب "ما بعد الحرب العالمية الثانية".
стр. 285
سنعرض للدعاية الشيوعية؛ لأن ظهور الفكر الماركسي في الأدب العربي، وفي الفكر الإسلامي -بوجه عام- لا بد أن يظهر في صورة الدعاية الشيوعية قبل أن يعلن عن نفسه في فلسفة المذهب نفسه، وقد فرقنا بين النوعين من قبل: بأن أحدهما -وهو الفلسفة- يسير في دقة المصطلحات الفنية، وثانيهما -وهو الدعاية- يتحرك في أسلوب "التهويل" أو"الاستخفاف"!! لا بد أن يظهر الفكر الماركسي في الشرق الإسلامي في صورة الدعاية الشيوعية؛ لأن هذه الصورة أقرب إلى عقلية الجماهير من ذلك التحديد الفني الفلسفي الدقيق الجاف، الذي يتوقف فهمه من الوجهة الفكرية على ثقافة خاصة.
والدعاية الشيوعية عامة كما سبق تركز قوتها في ثلاث نقاط:
- معارضة ثبات القيم الروحية، والأخلاقية، والعقلية.
- معارضة وضعية المرأة في المجتمع غير الشيوعي.
- الاستخفاف بأصحاب المزارع، وأصحاب رءوس الأموال، وتمجيد أصحاب العمل البدني بعد ذلك كله.
ونجد هنا في الشرق الإسلامي أن توهين أمر الدين، ورجال الدين، هو الهدف الأول للدعاية الشيوعية؛ لأن الإسلام في هذا الشرق يعتبر مصدر أنواع القيم الثلاث الثابتة: الروحية، والعقلية، والدينية، ثم هو مع ذلك مصدر تحديد وضعية المرأة في المجتمع الإسلامي كذلك، وأخيرًا هو مصدر حق "الملكية الفردية" سواء للأراضي الزراعية، أو للصناعات.
يضاف إلى ذلك، أنه ليس في الشرق "رأسمالية" بالمعنى المفهوم في الفلسفة الماركسية، التي قامت هي لمقاومة نفوذها هناك في أوروبا، وتقاومها الدعاية الشيوعية اليوم في أوروبا وأمريكا، والخصومة بين الماركسية، ورأس المال هي التي طبعت الفكر الماركسي بالطابع الاقتصادي كما ذكرنا قبلا، وطالما لم تقم هنا في هذا الشرق الإسلامي صناعات كبيرة، وعديدة أيضا, وطالما يقترب عدد عمال المصانع من عدد عمال المزارع أو يزيد، فالحديث عندئذ عن الرأسمالية، في مهاجمتها، أو تأييدها، حديث سابق لأوانه، وتقليد هنا في غير ذي موضوع، كما أشرنا من قبل.
ويلي أمر الدين ورجال الدين -في الدعاية الشيوعية- السخرية والاستخاف بأصحاب المزارع الكبيرة، ووضعهم في الرتبة الثانية بعد رجال