← Общие книги

Общие книги · id 11756

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي

محمد البهي

Полный текст (485 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات: مقدمة الطبعة الثامنة: - "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي": هو مواجهة مباشرة لتيارات فكرية مستترة وراء عناوين خادعة، وهي في جوهرها محاولات عنيفة لفصل المسلمين عن دينهم، ووضعهم في مجالات التبعية لغيرهم، هم وما تحت أيديهم من ثروات طبيعية، وما لهم من طاقات بشرية. ويواجه تيار الماركسية الإلحادية، المتخفي وراء اسم: العدالة الاجتماعية. وما في العالم المادي اليوم من مجتمعات يقع في حماية هذا الاتجاه، أو ذاك، والمجتمعات البشرية على تعددها تنتمي إذن إلى واحد منهما. وإذ يحسن كل يتار منهما اتجاهه الخاص به في نظر الشباب المسلم، يحاول في الوقت ذاته أن يشوه رسالة الإسلام، ويصفها على الأقل: بأن دورها للبشرية قد انتهى ولم تعد صالحة اليوم لحل مشاكل المجتمعات الإنسانية. والمهمة الأولى لهذا الكتاب: أن يكشف عن قيم الإسلام وعن صلاحية هذه القيم وحدها لتلافي مشاكل المادية في المجتمعات المعاصرة وهي تلك المشاكل التي واجهها على عهد الرسالة باسم الجاهلية، فجاهلية الأمس هي مادية اليوم. - وبهذا الكشف دخل الكتاب في صراع لا يهدأ مع الدافعين لهذا التيار أو ذاك، خارج المجتمعات الإسلامية أو داخلها، والمعانون لهذا التيار أو ذاك, هم في واقع الأمر أصحاب سلطة في هذه المجتمعات، وأصحاب عضلات قوية فيها. ولهذا كان هذا الكتاب: "الفكر الإسلامي الحديث.. وصلته بالاستعمار الغربي". عرضة لأن يصادر ويمنع تداوله من أصحاب السلطة؛ لأنه يقل أن يكون هناك صاحب سلطة في هذه المجتمعات يود أن تكون مسئوليته فيها أمام مبادئ الإسلام وقيمه.

стр. 2

وقد صودر الكتاب، ومنع ويصادر ويمنع معه كل كتاب آخر بقلم مؤلفه، عندما يظهر التحول إلى الماركسية الإلحادية في أي مجتمع إسلامي. والمؤلف لا يحزن على المصادرة والمنع؛ لأنه يوم ألفه لم يستهدف بتأليفه سوى وجه الله وحده لم يستهدف دنيا، ولم يستهدف إرضا نظام حكم، أو حاكم. - واليوم يعود هذا الكتاب فيطبع وينشر في القاهرة، بعد عشر سنوات من مصادرته فيها، لا لأن رأي المؤلف في الكتاب قد تغير، ولكن لأن الخداع في أي تيار من التيارين المشار إليهما قد زال أو كاد، واتضح ما وراءه من استعمار صليبي، أو آخر ماركسي إلحادي، وهو ذلك الأمر الذي تحدث عنه الكتاب في غير مواربة، محذرا المسلمين من خداع الصليبية الدولية، والإلحاد العلمي للشيوعية العالمية. ولعل تلك اليقظة التي ظهرت اليوم بين شباب المسلمين -بعد أن انكشف الخداع الاستعماري الفكري والأيديولوجي- تستمر حتى تدفع إلى الكشف عن قيم الإسلام كمنهج سليم للحياة الإنسانية في مجتمعات السلمين. وبذلك يقبل الشباب على فكر أصيل في تاريخهم، يساعدهم على بقائهم مستقلين عن هذه الكتلة أو تلك. ويجعلهم أصحاب إرادة حرة في توجيه طاقاتهم البشرية، واستخدام ثرواتهم المتكاملة في حفظ قوتهم، واستقلال إرادتهم، أولًا. - وأنت يا مولاي: لك الشكر أولا، وآخرا: فقد أعنتني على ما كتبت، ووفقتني فيما رأيت وأعنت المسلمين اليوم على البدء في كشف خداع أعدائهم، وعلى الرجوع إلى أنفسهم وما حولهم، وما بين أيديهم. ﴿رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ مصر الجديدة: ١٦ من رجب ١٣٩٥هـ. ٢٥ من يوليه ١٩٧٥م دكتور محمد البهي

стр. 3

تقديم الطبعة الرابعة: فيما كتبت في هذا الكتاب عن صلة الاستعمار الغربي بالفكر الإسلامي الحديث، ومدى تأثير هذا الاستعمار على اتجاهات الفكر الإسلامي -في عصرنا الحاضر- لم أكتب ظنا ولا تخمينا، ولا متجاوزا معمما أو مقللا منتقصا وإنما وقائع سجلتها، وهي من عناصر التاريخ الحديث، ومن فعل المستعمرين أو ردا لفعلهم. ولكن رغما عن ذلك، فإن بعض الكتاب والمفكرين في مجتمعنا الشرقي الحاضر -لأنه لم يزل متأثرا بالغرب وحضارته وبفكره واتجاهاته، إذ قد عاش فيها وبها في هذا المجتمع- لم يستطع أن يتصور أن "علماء الغرب" من الذين تصدوا للدراسات الشرقية الدينية واللغوية -على الأخص- سلكوا في طريق البحث ومنهج عرض التعاليم الإسلامية مسلك المعين على بقاء الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية، التي أحتلها بصفة عامة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مسلك الذي ترجم فكر المستعمر بقلم محترفي البحث ومرتدي ثوب العلم! وقد حدث -بعد أن ظهر هذا الكتاب في طبعاته السابقة- أن صدرت بحوث تتعلق بالمستشرقين بينت في غير لبس مدى تحدي هؤلاء باسم البحث العلمي، ومدى جرأتهم في توجيه نداءاتهم المتعددة للمسلمين في الوقت الحاضر في وجوب إقدامهم على تعديل إسلامهم، حتى يلائم الحضارة الإنسانية القائمة أو مواجهة الركود فالفناء المحقق!!! كما أبانت مدى خطر هؤلاء على الإسلام والمسلمين، وأن دعوتهم هذه لا تقل -في هذا الخطر والضرر- عن تلك الدعوة الأخرى التي يوجهها إلحاد العلم الماركسي في الوقت الراهن في أفريقا وآسيا! وآثرت -من أجل إزالة أي أثر للشك- أن أضيف هذه البحوث التي نشرت أخيرًا لهذا الكتاب كملاحق تلحق به.. وهي بحوث ثلاثة: - أحدها للمؤلف، نشر في مجلة الأزهر. - وثانيها: للدكتور حسين مؤنس، نشر في أهرام الجمعة.

стр. 4

- وثالثها: للأستاذ الطباوي، نشر باللغة الإنجليزية في مجلة "العالم الإسلامي". وبذلك يكون قد توفر لكتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" في طبعته الرابعة مزيد من الأدلة على قيمة ما عرض فيه من آراء واتجاهات. وإلى الله وحده نتوجه في أن يوفقنا فيما نعمل ويجزينا خير الجزاء على ما نقصد لديننا وأمتنا. والله من وراء القصد. ١٠ صفر الخير ١٣٨٤هـ. ٢٠ يونيه سنة ١٩٦٤م محمد البهي.

стр. 5

تقديم الطبعة الثالثة ... تقديم الطعبة الثالثة: ليس لي من كلمة أقدمها بين يدي الطبعة الثلاثة لهذا الكتاب، إلا أن أعبر عن شكري لله على نعمة التوفيق فيه. فليس لكاتب أو مفكر أن ينتظر في وصف توفيق الله على نعمة أنعم بها عليه، وراء قبول قرائه لما كتب ولما فكر، ولاستجابتهم لما أبدى من رأي وشرح من فكر، بما يعبرون عنه من تقدير في صور مختلفة. فبالرغم من أن لي كتبا وكتابات غير كتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي". فقد كنت أعرف وأعرف به في رحلاتي المختلفة في المشرق والمغرب، التي قمت بها منذ منتصف عام ١٩٦٠ إلى آخر عام ١٩٦١ سواء في الباكستان، أو في الملايو، أو في أندونسيا، أو في الفلبين، أو في شمال أفريقيا في ليبيا وفي المغرب، أو في غرب أفريقيا في نيجيريا. فما ذكرت في مرة من المرات أثناء هذه الرحلات، وما عرفت عند إلقاء محاضرة أو حديث، إلا بأني مؤلف: "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي". وقد شاء الله أن تكون هذه الطبعة الثالثة بالعربية لهذا الكتاب، مقرونة في الوجود بالترجمة الأولى إلى اللغة الإندونيسية، والتركية، والإنجليزية، والأردية. وذلك فضل الله أعتز به، وأشكره عليه بالتوفر على تأليف جزء ثان لهذا الكتاب بإذن الله، سيكون مجاله "الفكر الإسلامي في بلاد المغرب وفي الجزء الغربي من أفريقيا".

стр. 6

والله جلت قدرته أستلهمه السداد فيما أكتب، وحسن القصد فيما أخطو إليه. وكما أملت في يقظة الوعي الإسلامي عن طريق هذا الكتاب عند صدوره في الطبعتين الأولى والثانية، يزداد أملي في قوة هذه اليقظة عند صدور هذه الطبعة. والله ولي الأمر وحده ... وإليه المآب. القاهرة: مارس ١٩٦١ الدكتور محمد البهي مدير جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية

стр. 7

تقديم الطبعة الثانية: ظهرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في أكتوبر سنة ١٩٥٧م، وما كادت تنتهي سنة على ظهوره حتى نفدت هذه الطبعة، رغم أن الإعلان عنه من المؤسسة التي تعهدت بتوزيعه كان محدودًا، ورغم أن الثمن الذي قدر للورق الجيد منه كان فوق مستوى الثمن للكتاب العربي في جملته. ولم أحاول أن أتصل بناقد من نقاد الكتب، يعرض له بالمديح والثناء عليه في صحيفة يومية أو أسبوعية، ولم أقم بإهداء نسخ منه إلا لعدد قليل. لا شحا وبخلا به، ولكن خشية من أن يساء فهمه وفهم مؤلفه لو توسعت في إهدائه واقتحمت به بريد الكثيرين من الكتاب والمفكرين: خشيت أن تلصق به رغبة الترويج، وتلصق بمؤلفه رغبة الدفع لما فيه من آراء، وخاصة أنا أعلم أن ما فيه من آراء -تتصل بقيم المستشرقين والاستشراق، وبقيم الماركسية والوضعية المادية -سيغضب الكثيرين ممن يوالون هذا الاتجاه أو ذاك، ويعيشون في حايتنا اليوم على ترديد ما لواحد منهما أو لآخر ... وعددهم بين الكتاب والمؤلفين المعاصرين ليس بقليل. تركت الكتاب إذن يعيش بنفسه وبقيمته، بين الكتب التي تخرجها المطابع العربية في القاهرة، وبيروت، وبغداد، ودمشق، والرباط، ومن فضل الله عليه وعلى مؤلفه، أن لقي من التقدير ما يسر له من نقاد طبعته الأولى في زمن قصير، رغم كل الظروف التي أشرت إليها، والتي من شأنها أن تمهله أو تبطئ به في السير نحو الرواج والنفاد. وقد توج هذا التقدير للكتاب، ما تفضل به السيد الوزير "كمال الدين حسين" وزير التربية والتعليم المركزي مشكورًا، من نصح الشباب بقراءته، وذلك في حديث لسيادته في صحيفة "الأهرام" وفي حديث آخر في إذاعة الجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة. وما أن نفدت الطبعة الأولى، حتى دفعت بالكتاب للطبعة الثانية التي أقدمها اليوم، والتي استغرقت من الوقت قرابة عام، نظرًا لكثرة الأعباء التي أضيفت إلي في الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر، بجانب التدريس في كلية اللغة العربية.

стр. 8

وما في هذه الطبعة من موضوعات وآراء ومنهج للبحث، لا يختلف عما جاء في الطبعة الأولى ... لا تخلصا من أعباء امتحان ما في الكتاب من آراء -على الأقل- مرة ثانية في ضوء ما حدث من كتب للمعرفة علها صدرت، وتصل بموضوعات الكتاب، أو في ضوء مراجعة أخرى لبعض المصادر التي اعتمدت عليها من قبل؛ ولكن لأن نتيجة الاختبار الدقيق من جديد لما في الكتاب كله، قد أكدت نفس الآراء، كما أكدت سلامة منهج البحث فيه. وكل ما تتميز به هذه الطبعة الثانية: هو البسط في عرض بعض الفكر مرة، والعدول عن بعض الألفاظ والتراكيب التي استعملت سابقا إلى غيرها مما هي أكثر دقة في تأدية المعنى المطلوب، أو أكثر وضوحا في التمييز عنه مرة أخرى. والأمل الذي عبرت عنه عند تقديم الطبعة الأولى من هذا الكتاب -وهو إيقاظ الوعي بتفكير توجيهي محايد، وبـ"أيديولوجية" لا هي بالشرقية الإلحادية ولا هي بالغربية الصليبية، تقوم بين المسلمين على أساس من الإسلام الأصيل نفسه -لم يزل هو الأمل نفسه، يتجدد مرة أخرى؛ لأن فكرة "الحياد الإيجابي" في سياسة الشعوب الإفريقية والأسيوية بدت الآن أوضح عن ذي قبل, يوم أن صدر هذا الكتاب لأول مرة. وكلما مال الأمر في سياسة هذه الشعوب إلى "الإيمان" بالحياد الإيجابي، كلما نشط الوعي بينها في دائرة التوجيه إلى الرجوع إلى القيم الأصيلة في تراثها الثقافي والروحي، والاستناد إليها في النظرة إلى الحياة، وفي السلوك الإنساني، وفي الترابط بين الأفراد. ثم إن تطور وضع هذه الشعوب وتحررها تباعا من الاستعمار لا يقوي فيها دافع الحرص على استقلالها فحسب، وإنما ينمي مع ذلك فيها "ذاتيتها" و"شخصيتها" وتنمية الذات أو الشخصية يستتبع حتما التفتيش عن مصادر الأصالة في تكوينها وقيامها، أو هو لا يقوم نفسه على أساس من "اعتبار" هذه الأصالة، و"إعادة" تقديرها من جديد. والقيم الإسلامية الخالدة، هي الأمر الأصيل الذي ارتبطت به شخصية الشعوب الإسلامية في وجودها واستمرارها.

стр. 9

ومن هنا، اقترب "الأمل" إلى "ثقة" ... سيصبح حتما بعدها حقيقة واقعة. ولكن متى تقع هذه الحقيقة؟ هنا يعود الأمل من جديد في أن يكون قريبا، وهنا تشتد بنا الحاجة -كي يكون ذلك قريبا- إلى أن نتجه إلى الله جلت قدرته، في أن يهب هذه الشعوب الطاقة المادية والمعنوية على التحرر من هذا الاستعمار البغيض في صورتيه معا. إذ في زواله وبعد شبحه يتحقق الحياد الإيجابي كاتجاه سياسي وتظهر "الأيديولوجية" الإسلامية كمذهب رئيسي في التوجيه بين الشعوب الإسلامية. والله الموفق والمعين. القاهرة في ١٩ من جمادى الآخرة سنة ١٣٧٩هـ دكتور محمد البهي

стр. 10

تقديم الطبعة الأولى: اتصل الغرب المسيحي بالشرق الإسلامي اتصال اعتداء مسلح طوال قرنين كاملين من الزمن، من نهاية القرن الحادي عشر إلى آخر القرن الثالث عشر الميلادي، وهو اعتداء الحروب الصليبية، واختبر في هذا الاحتكاك عقيدة الإسلام في قوتها، وضعف المسلمين في مجتمعهم، وسعة ما يملكون من ثروة في بلادهم، فتأثر بالإسلام، وما جاء فيه من توحيد الله وبشرية الرسول: "لوثر"١ "Luther", "كالفن"٢ "Calvin"، فيما قاما به من الإصلاح الديني في النصف الأول من القرن السادس عشر، وظهر أثر الإسلام واضحا في رفض البروتستنتينية: "التثليث"، و"عصمة" البابا، وكونه صاحب السلطة الأخيرة التي لا يجوز التعقيب عليها في تحديد رأي المسيحية، وغير ذلك من الرسوم والعقائد التي تعتبرها الكنيسة الرومانية -وهي الكنيسة الكاثوليكية- جزءا من الإيمان المسيحي. ويعتبر الغاء عصمة البابا في الإصلاح الديني المسيحي ذا أثر قوي في توجيه الإنسان الغربي نحو الاستقلال في التفكير، وفي رد اعتبار قيمته في الوجود. كما يعتبر رفض سلطة الباب في تفسير المسيحية، على أنها السلطة الأخيرة التي لا تعقيب عليها: سببا مباشرا في نشاط الفكر الأوربي في المعرفة. وفي إفساح مجال للعلم والقوة على الملاحظة والتجربة، وفي وضع معايير جديدة للحياة الإنسانية، ولقيم المجتمع البشري، لا تتعارض مع "الكتاب المقدس"، وقد سلك "لوثر" نفسه -وكذا من عاونه في إصلاحه الديني- طريق الملائمة مع نصوص "الكتاب المقدس" في رفض ما رفضه وقبول ما قبله من عقائد ورسوم للعبادة، دون اعتبار آخر لسلطة بشرية أخرى تعقب على تفسيره وفهمه. كما أفاد الغرب من هذا الاحتكاك -مرة ثانية- في إعداد نفسه ورسم خططه، انتهازا لزيادة ضعف المجتمع الإسلامي وتفككه، كي يحصل على ما لدى المسلمين من ثروة، تعد في تنوع مصادرها ومقدار كميتها أضخم ما عرف من ثروة في أي مكان آخر من العالم القديم.

стр. 11

وكما كان القرن السادس عشر هو مصدر الإصلاح الديني في الغرب، كانت نهايته بداية اتصال الغرب المسيحي بالشرق الإسلامي اتصالا اقتصاديا, سواء في كشف موارد الثروة فيه، أو استغلالها ونقلها إلى الغرب في صورة تبادل تجاري، أو في أية صورة أخرى. واستتبع الاتصال الاقتصادي -بعد تقدم صنع السفينة في الغرب- اتصالا آخر؛ هو نفوذ الغرب المسيحي على التوجيه السياسي للشرق الإسلامي. وازداد هذا النفوذ بالتدريج، حتى وصل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين منتهى ما يصل إليه نفوذ قوي على ضعيف. ولم يقف استخدام هذا النفوذ السياسي القوي عند حد الاستغلال الاقتصادي لأجل رفع مستوى الغرب وتقدم صناعته من جانب وإضعاف مستوى الشرق والحرص على تخلفه من جانب آخر، بل استخدم أيضا للتنفيس عن الهزيمة الصليبية في الحروب الماضية، وعن الحقد الصليبي على بقاء بيت المقدس في ظل السيادة الإسلامية!! - فكيف يستمر للغرب نفوذه السياسي على الشرق الإسلامي؟ - وكيف يبقى تخلف المسلمين؟ - وكيف تنفس النفس الصليبية عن حقدها؟ هذه الأسئلة الثلاثة ... يرتبط بعضها ببعض في تصور الغرب المسيحي المستعمر، ويحرص على أن تبقى متصلة بعضها ببعض في مباشرة سلطته هنا في الشرق، على أن وجود أي واحد من هذه الأمور الثلاثة وتمتعه بالبقاء كفيل بتمكين الوجود للأمرين الآخرين. لهذا ... ما أن باشر النفوذ الغربي سلطته في رقعة الشرق الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر, حتى ابتدأ يعمل على تخلف المسلمين، وعلى تنفيس الحقد الصليبي. وليس له هنا طريق آخر لتحقيق هذه الغاية، سوى تناول "مادة التوجيه" المحلية، وجعلها غير صالحة.. ولم يكن هناك في توجيه

стр. 12

الشرق الإسلامي سوى الإسلام، والتراث الإسلامي الذي خلفه المسلمون في شرح إسلامهم. - فإفساد الإسلام والتراث الإسلام إذن، غرض أول للمستعمر الغربي. - واختار وسيلته لذلك فيما أبرزه من المفارقة بين الغرب والشرق، من تقدم الأول وتأخر الثاني. - وابتدأ "العلم" وابتدأت "الدراسة" هناك تبحث عن أسباب هذه المفارقة، وتركزت الاسباب أخيرًا في المقابلة بين المسيحية والإسلام ... المسيحية دين المتقدمين، والإسلام دين المتخلفين!! وهناك قام بعض المسلمين ينادي باتباع الغرب فيما وصل إليه من حضارة صناعية وفكر طبيعي ... ولكن لا يكون هذا الاتباع مثمرا للشرق الإسلامي إلا إذا اتخذ موقفا من الإسلام يقربه من المسيحية!! وعلى أساس هذا التقريب قامت حركة السيد "أحمد خان" في الهند التي سماها "تجديدا" وقامت حركة أخرى بعدها، هي حركة "ميرزا غلام أحمد" أخذت طابع الدين والعقيدة ... وقصدت هاتان الحركتان إلى "تأويل" ما في الإسلام مما يخالف المسيحية، وعلى الأخص ما يدعو إلى الاحتفاظ بـ"الشخصية الإسلامية" وباستقلال الجماعة الإسلامية، وعاون المستعمر الغربي هاتين الحركتين بوسائل مختلفة؛ لأن في نجاحهما بين المسلمين ما يحقق له تحويل مادة "التوجيه" في العالم الإسلامي إلى مادة غير صالحة. لكن الإسلام بعد قيام هاتين الحركتين لم يقض عليه، وأيضا لم يزل بين المسلمين من يفهم الإسلام على الوجه الصحيح، ويؤمن به إيمانًا قويا ... فقام جمال الدين الأفغاني، ومن بعده الشيخ محمد عبده، ليدفعا حملة التشويه عن الإسلام، وليواجها المستعمر وجها لوجه. ومن هنا كانت مقاومة الاستعمار مرتبطة ارتباطا وثيقا برد التحريف الذي قصد توجيهه للإسلام من المستعمرين وأعوانهم في البلاد الإسلامية.

стр. 13

وبهذا نشأ في التفكير الإسلامي -منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر-اتجاهان: - أحدهما: لممالأة الاستعمار الغربي في "تقريب الإسلام من المسيحية" أو في تبديله إلى توجيه ديني يرضى عنه المستعمر. - والثاني: لمقاومة هذا التقريب أو هذا التبديل، مع الدعوة إلى احتفاظ المسلمين بإسلامهم كما يصوره القرآن والسنة, وإلى إعادة تماسك الجماعة الإسلامية، والسعي إلى استقلالها، وعدم انصهار المسلمين في غيرهم. وبانتهاء القرن التاسع عشر تم تبلور هذين الاتجاهين، وعرفت أسسهما في العالم الإسلامي، وأصبح لكل منهما أتباع وأنصار. جاء القرن العشرون، واستمرت أيضا الثنائية في اتجاه التفكير الإسلامي، ولكن أحد الاتجاهين عرف باسم "التجديد" بينما عرف الاتجاه الآخر باسم "الاتجاه الإصلاحي" أو اتجاه تجديد المفاهيم الدينية. - فاتجاه التجديد: سار في طريق خدمة الاستعمار الغربي -ولكن من غير قصد مباشر- على نحو ما سار الاتجاه المعاون له في النصف الأخير من القرن الماضي، فحركة "التجديد" في الفكر الإسلامي التي ظهرت في الشرق الإسلامي منذ بداية القرن العشرين، تعتبر "تقليدا" للدراسات الإسلامية في تفكير المستشرقين الغربيين، ثم أضيف إلى هذا التقليد فيما بعد -منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بعد أن تهيأ الجو في الشرق الإسلامي للحديث عن الإلحاد في مواجهة الإسلام والمسلمين- ترديد للفكر الإلحادي المادي الغربي، وهو التفكير الوضعي والماركسي. ودراسة المستشرقين للإسلام قامت أولا بوحي من الكنيسة الكاثوليكية خاصة، للانتقاص من تعاليم الإسلام وإهدار قيم تعاليمه، حرصا على مذهب "الكثلكة" من جانب، وتعويضا عن الهزائم الصليبية في "تحرير" بيت المقدس من جانب آخر! ثم تبني الاستعمار الغربي هذه الدراسة في الجامعات الغربية نفسها، حتى يقوى القائمون بأمرها على تصديرها إلى الشرق

стр. 14

الإسلامي في صورة كتب تؤلف وترسل إلى طلاب الثقافة، أو في صورة طلاب من الشرق الإسلامي يدعون أو يعانون على الدراسة هناك، ثم يمنحون من الألقاب العلمية ما يتمكنون بها من الظفر بوظيفة التوجيه في الكليات النظرية بالجامعات الحديثة في الشرق الإسلامي. أما محاولة تجديد المفاهيم الدينية منذ بداية القرن العشرين، فقد باشرها في مصر تلاميذ الشيخ "محمد عبده" كما قام بها في الهند فيلسوف الباكستان" محمد إقبال". وهكذا نجد أن الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الآن ... سواء في خلق، أو معاونة ما يسند من اتجاه. أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر. والفكر الإسلامي نفسه في هذه الفترة- التي تبلغ الآن قرنا كاملا- هو مرآة لهذين الاتجاهين؛ لذلك كان عنوان الكتاب الذي نقدم له: "الفكر الإسلامي، وصلته بالاستعمار الغربي". وسيعرض الكتاب من أجل ذلك: لحركة السيد "أحمد خان" وحركة "ميرزا غلام أحمد" في القرن التاسع عشر كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، كما يعرض لحركة "جمال الدين الأفغاني" وحركة "محمد عبده" في القرن التاسع عشر نفسه كحركتين مقاومتين للاستعمار. ثم يعرض فكر "التجديد" منذ بداية القرن العشرين: كفكرة "بشرية القرآن" وفكرة "الإسلام دين لا دولة" من اتجاه الاستشراق، وفكرة "الدين خرافة"، وفكرة "الدين مخدر" من الاتجاه الإلحادي المادي. كما يعرض لحركة تحديد المفاهيم الإسلامية التي قام بها في الهند "محمد إقبال".

стр. 15

وقد قصدت بهذا الكتاب بيان السبيل، لمن يحرص في الشرق الإسلامي على الاستقلال في التفكير وفي السياسة، من مفكري الإسلام وزعماء السياسة بينهم، وهذا السبيل ليس هو سبيل الغرب الذي يدعونا إليه؛ لأن في سبيل الغرب قبول الاستعمار والمذلة، والدعوة إلى التخلف، وإنما هو سبيل الشرق الذي يريد أن يتحرر من استعمار الغرب وإذلاله وحرصه على أن يبقى متخلفا. لم أعرض استنتاجا، وإنما عرضت حركات قامت ... وعرضت أحداثا وقعت، والأحداث أقوى في التوجيه؛ لأنها من التاريخ، والتاريخ هو حياة الأشخاص والأمم، ومعبد الطريق أمام الإنسان وجماعته، عند السير على المستقبل. القاهرة في ٥من ذي الحجة سنة ١٣٧٦هـ. ٣ من يولية سنة ١٩٥٧م. دكتور محمد البهي

стр. 16

فاتحة: الاستعمار الغربي يتسلل إلى العالم الإسلامي: في بداية منتصف القرن التاسع عشر, وعلى التحديد في سنة ١٨٥٧م. - تم للإنجليز الاستيلاء على الهند سياسيا، وانتقلت سلطة الحكم رسميا من شركة الهند الشرقية "التي تأسست في ٣١ ديسمبر سنة ١٦٠٠م، والتي انضمت إلى شركة أخرى جديدة في سنة ١٦٨٩م" إلى التاج البريطاني، وزالت بذلك إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن السادس عشر الميلادي، وهي دولة المغول في الهند أو الدولة التيمورية "نسبة إلى تيمورلنك مؤسس هذه الإمبراطورية" الإسلامية في آسيا الوسطى، أما الدولتان الأخريان إذ ذاك، فهما: الدولة الصفوية في إيران، ودولة الأتراك العثمانيين في آسيا الصغرى وشرقي أوربا. - كما تم في السنة نفسها -وهي سنة ١٨٥٧ - استيلاء الفرنسيين على الجزائر كلها إلى الصحراء، بعد أن ابتدءوا غزوها سنة ١٨٣٠م. - ومن قبل هاتين الدولتين الاستعماريتين -إنجلترا وفرنسا- احتلت هولندا في بداية القرن السابع عشر جزر الهند الشرقية "أندونسيا" عن طريق شركة الهند الهولندية التي تأسست في سنة ١٦٠٢. وذلك بعد ما ضاع استقلال البرتغال بإعلان ملك أسبانيا ضمها إلى بلاده ١٨٥٠م، تلك الدولة التي عبدت طريق الاستعمار الغربي المسيحي في وسط آسيا وشرقيها في الهند وفي أندونسيا سنة ١٥١١م، والتي حصل ملكها من الباب إسكندر على صك رسمي بأن البرتغال "سيدة بحار العرب والعجم والهند والحبشة"!! فبعد قرنين ونصف، أي: منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تمكن الاستعمار الغربي المسيحي من السيطرة سيطرة تامة على المسلمين في وسط آسيا وشرقيها، واتخذ له نقطة ارتكاز رئيسية في إفريقيا، كما تمكن من مد نفوذه إلى قلب العالم الإسلامي ومركزه الرسمي في منطقة الشرق الأدنى، وبذلك طوق العالم الإسلامي من الشرق والغرب، وسلط ألاعيبه ودسائسه على بقية التجمعات الإسلامية الأخرى بين هذين الطرفين، فوهنت هذه التجمعات، وانحل عقدها، وسقط بعضا إثر بعض تحت نفوذ المستعمر الغربي، وما جاءت الحرب العالمية الأولى وانقضى أجلها، حتى أصبح العالم الإسلامي كله تحت نفوذ هذا المستعمر.

стр. 17

العالم الإسلامي في نظر الغرب المستعمر ... العالم الإسلام في نظر الغرب المستعمر: نشرت جريدة "المؤيد" في تمام القرن التاسع عشر "١٣١٧هـ" ترجمة لمقال كتبه "هانوتو" المستشرق الفرنسي ومستشار وزارة الاستعمار الفرنسية, يصف فيه المسلمين وعقيدتهم، ويضح المقترحات الضرورية في نظره لتوجيه سياسة فرنسا في مستعمراتها الإفريقية الإسلامية تحت العنوان التالي: "قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية". وكان مما جاء في هذا المقال: "اخترق المسلمون أبناء آسياء شمال القارة الإفريقية بسرعة لا تجارى، حاملين في حقائبهم بعض بقايا تمدن البيزنطيين "يونان الشرق" تم تراموا بها على أوروبا، ولكنهم وجدوا في نهاية انبعاثهم هذا مدينة يرجع أصلها إلى آسياء بل أقرب في الوصلة إلى المدنية البيزنطية مما حملوه معهم، ألا وهي المدنية الآرية المسيحية، ولذلك اضطروا إلى الوقوف عند الحد الذي إليه وصلوا، وأكرهوا على الرجوع إلى أفريقية حيث ثبتت أقدامهم أحقابا متعاقبة، ولكن لا يزال الهلال ينتهي طرفاه: من جهة بمدينة القسطنطينة، ومن أخرى ببلدة فاس في المغرب الأقصى، معانقا بذلك الغرب كله. " ... في تلك البقعة الإفريقية التي أصبحت مقر ملك الإسلام، جاءت الدولة الفرنسية لمباغتته، جاء القديس لويس -الذي ينتمي إلى إسبانيا بوالدته- ليضرم نيران القتال في مصر وتونس، وتلاه لويس الرابع عشر في تهديده الإمارت الإفريقية الإسلامية، وعاود هذا الخاطر نابليون الأول، فلم يوفق إلى تحقيقه الفرنسيون إلا في القرن التاسع عشر، حيث أخذوا على دولة الإسلام التي كانت لا تني في متابعة الغارات على القارة الأوربية، فأصبحت الجزائر في أيديهم منذ سبعين عاما، وكذلك القطر التونسي منذ عشرين عام.

стр. 18

" ... إذن فقد صارت فرنسا بكل مكان في صلة مع الإسلام، بل صارت في صدر الإسلام وكبده، حيث فتحت أراضيه وأخضعت لسطواتها شعوبه، وقامت تجاهه مقام رؤسائه الأولين! وهي تدير اليوم شئونه وتجبي ضرائبه، وتحشد شبابه لخدمة الجندية، وتتخذ منهم عساكر يذبون عنها في مواقف الطعان ومواطن القتال". "إن شعبا جمهوري المبادئ "شعب فرنسا" يبلغ عدد نفوسه أربعين مليونًا لا مرشد له إلا نفسه: لا عائلات ملوكية فيه يتنازعن الحكم، ولا رؤساء يتناولون الرياسة بطريق الوراثة, هو الذي تقلد زمام إدارة شعب آخر لا يلبث أن ينمو حتى يساويه في العدد، وهو ذلك الشعب المنتشر في الأرجاء الفسيحة والأصقاع المجهولة، والمتبع لتقاليد وعادات غير التي نحنوا لها ونحترمها.. هو الشعب الإسلامي السامي الأصل، الذي يحمل إليه الشعب الآري المسيحي الجمهوري الآن ملح المدنية وروحها"!!. "ليس الإسلام في داخلنا فقط، بل هو خارج عنا أيضا ... قريب منا في "مراكش" تلك البلاد الخفية الأسرار, التي يشبه وجودها الحاضر مقدور الأبد في الغموض والاشتباه، قريب منا في "طرابلس الغرب" التي تتم بها المواصلات الأخيرة بين مركز الإسلام في البحر الأبيض المتوسط وبين الطوائف في باطن القارة الإفريقية، قريب منا في "مصر" حيث تصادمت معنا الدولة البريطانية فصادمنا إياها في الأقطار الهندية، وهو موجود وشائع في آسيا حيث لا يزال قائما في بيت المقدس وناشرا أعلامه على "مهد الإنسانية مقر المسيح"، ويحسب أنصاره وأشياعه في قارات الأرض القديمة بالملايين، وقد انبعثت منه شعبة في بلاد الصين فانتشر فيها انتشارًا هائلا، حتى ذهب البعض إلى القول بأن العشرين مليونا من المسلمين الموجودين في الصين لا يلبثون أن يصيروا مائة مليون، فيقوم الدعاء لله مقام الدعاء "لساكياموني" وليس هذا بالأمر الغريب، فإنه لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرًا في الآفاق. "فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرا وأفواجا، وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه، ففي البقاع الإفريقية نرى المرابطين وقد أفرغوا على أبدانهم الحلل البيضاء، يحملون إلى الوثنيين من العبيد العارية أجسامهم من كل شعار قواعد الحياة ومبادئ السلوك في هذه الدنيا، كما أن أمثالهم في القارة الأسيوية ينشرون بين الشعوب الصفر الألوان قواعد الدين الإسلامي، ثم

стр. 19

هو -أي: هذا الدين- قائم الدعائم ثابت الأركان في أوربا عينها، أعني في الآستانة العلية، حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية ويفصل الدول الغربية، بعضها عن بعض شطرين. "وخلاصة القول: إن جميع المسلمين على سطح المعمورة تجمعهم رابطة واحدة. بها يديرون أعمالهم ويوجهون أفكارهم إلى الوجهة التي يبتغونها، وهذه الرابطة تشبه السبب المتين الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته وتسكن بسكونه، ومتى اقتربوا من الكعبة: من البيت الحرام، من زمزم الذي ينبع منه الماء المقدس، من الحجر الأسود المحاط بإطار من فضة، من الركن الذي يقولون عنه إنه سرة العالم، وحققوا بأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتهم على مبارحة بلادهم في أقصى مدى من العالم للفوز بجوار الخالق في بيته الحرام اشتعلت جذوة الحمية الدينية في أفئدتهم، فتهافتوا على أداء الصلاة صفوفا.. وتقدمهم الإمام مستفتحا العبادة بقوله: "بسم الله" فيعم السكوت والسكون وينشران أجنحتهما على عشرات الألوف من المصلين في تلك الصفوف. ويملأ الخشوع قلوبهم ثم يقولون بصوت واحد: "الله أكبر"، ثم تعنوا جباههم بعد ذلك قائلين "الله أكبر" بصوت خاشع يمثل معنى العبادة. "لا تظنوا أن هذا الإسلام الخارجي الذي تجمعه جامعة فكر واحد، غريب عن إسلامنا "في تونس والجزائر" ولا علاقة له به؛ لأنه وإن كانت البلاد "الإسلامية" التي تحكمها شعوب مسيحية ليست في الحقيقة بـ"دار إسلام" وإنما هي "دار حرب"، فإنها لا تزال عزيزة وموقرة في قلب كل مسلم صحيح الإيمان! والغضب لا يزال يحوم حول قلوبهم كما تحوم الأُسد حول قفص جلست فيه صغارها، ربما كانت قضبان هذا القفص ليست متقاربة ولا بدرجة من المتانة تمنعها عن الدخول إليهم من بينها. "لا يؤخذ مما تقدم أن جراثيم الخطر لا تزال موجودة في ثنيات الفتوح وعلى أفكار المقهورين الذي أتعبتهم النكبات التي حاقت بهم، ولكن لم يثبط هممهم. نعم ليس لمقاومتهم رؤساء يشدون هذه المقاومة. ولكن رابطة الإخاء الجامعة لأفراد العالم الإسلامي بأسره كافلة بالرياسة.. ففي مسألة علاقتنا مع الإسلام تجد المسألة الإسلامية والمسألة الدينية والمسائل

стр. 20

الداخلية والخارجية شديدة الاتصال بعضها ببعض، وهذا ما يجعل حلها صعبا ومتعذرًا -كما سنبينه"١!! فـ"هانوتو" يعرض -في هذه المقدمة لمقاله الطويل -لثلاث عناصر رئيسية: أولا: أن ما لدى المسلمين من معرفة وثقافة هي بعض بقايا تمدن البيزنطيين "يونان المشرق" ... وليست ثقافة أصيلة ابتدعوها! ثانيا: أن رسالة فرنسا بين المسلمين الذين خضعوا لسطوتها هي: "ملح المدنية وروحها"، التي يحملها شعب آري مسيحي جمهوري إلى شعب إسلامي سامي الأصل ... له تقاليد وعادات تغاير عادات وتقاليد المسيحيين الآريين! ثالثا: أن المسلمين الذين وقعوا تحت سيطرة النفوذ الفرنسي ليسوا منقطعي الصلة عن بقية المسلمين في الخارج، بل تربط بعضهم بعضا رابطة قوية، وديار المسلمين التي تحتلها فرنسا يعتبرها المسلمون القاطنون فيها والخارجون عنها "دار حرب"، وليست "دار إسلام" ... ولذا فالخطر موجود في الداخل والخارج. هذه الروح التي تجلت عند هذا المستشرق الفرنسي، هي نفس الروح التي يصفها المستعمر الفرنسي والإنجليزي والهولندي في نظرته إلى المسلمين في آسيا وإفريقيا، وفي توجيهه إياهم، وفي سلوكه معهم ... وهي ليست للمسلمين أصالة في الثقافة، فليست لهم قيمة ذاتية! ولذا يجب على المسلمين أن ينتقلوا إلى الحضارة الأوروبية الآرية المسيحية!! ويجب على شعوب أوروبا المسيحية الآرية أن تتعاون فيما بينها على دفع الخطر الإسلامي الكامن ضمن الوحدة الإسلامية: الفكرية، والروحية، والغائية! ولا يغفل "هانوتو" هنا أن يذكر -أو يتذكر- بواعث الحروب الصليبية في القرن: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فيقول:

стр. 21

"وهو -الإسلام- موجود وشائع في آسيا، حيث لا يزال قائما في بيت المقدس وناشرا أعلامه على "مهد الإنسانية ومقر المسيح""! فأهداف الحروب الصليبية قديما تركزت في استرداد بيت المقدس من المسلمين البرابرة "! " ولا يزال مما يزعج الغرب الآري المسيحي الآن بقاء لواء الإسلام منتشرا على "مهد الإنسانية"!! وهذا لا يقل خطرا على الغرب عن اجتماع المسلمين ونطقهم جميعا في لحظة واحدة قائلين: "الله أكبر"، إذا ما اتجهوا لعبادة الله !!. وبهذا تتضح سياسية الاستعمار في الشرق الإسلامي. إنها سياسة تقوم على إضعاف المسلمين ... في إسلامهم أولا وبالذات!! وسائل الاستعمار لإضعاف المسلمين في إسلامهم: ووسائله لذلك تنحصر في توجيه الفكر الإسلامي نحو تحقيق هذه الغاية، وقد برز هذا التوجيه في صورتين تنم كلتاهما عن هذه الغاية: - الصورة الأولى: قيام بعض مفكري المسلمين بحركة تقدمية في الإسلام: تبغي تقرير سلطة المستعمر وتثبيت ولايته على المسلمين من الوجهة الإسلامية، أو بعبارة أخرى تبغي عدم تحديه ومعارضته, سواء في مباشرة سلطته على المسلمين، أو في إدخاله ما يسميه بنظم الإصلاح الحديثة بينهم! - الصورة الثانية: قيام بعض الغربيين الآرييين المسيحيين بإبراز الخلافات المذهبية، وتأكيد الفجوات والثغرات. بين طوائف المسلمين وشعوبهم، من الوجهة الشعوبية، أو الجغرافية، أو نظام الحكم ... مع شرح كثير من مبادئ الإسلام شرحا يشوهها وينحرف بها عن أهدافها الأصلية! وذلك كله بالإضافة إلى تمجيد القيم المسيحية، والحضارة الغربية؛ والنظام السياسي، والسلوك الفردي للشعوب الغربية! - وفي مقابل هاتين الصورتين برز اتجاه إسلامي فكري آخر وهو حركة المقاومة للاستعمار الغربي: سواء في مظهره السياسي أو فيما يستبطنه ويخفيه من الهجوم على الإسلام وإضعاف المسلمين. وهذا اتجاه يعتبر كرد

стр. 22

فعل مباشر لتوجيه الاستعمار الغربي للتفكير الإسلامي في صورتيه السابقتين. ويدخل في هذا الاتجاه الأخير: تلك المحاولة الفكرية لتجديد المفاهيم الإسلامية، بغية الملاءمة بينها وبين تطور الحياة وأحداثها المتلاحقة، حتى تطبع سلوك هذه الشعوب أفرادا وجماعات بطابع إسلامي.. كتلك المحاولة التي قام بها الشيخ محمد عبده في مصر، ومحمد إقبال في الهند. وبذلك يكون الاستعمار الغربي للشعوب الإسلامية قد خلق اتجاهين فكريين متقابلين: - اتجاها لحمايته. - واتجاها آخر لمقاومته.

стр. 23

الباب الأول: اتجاه حماية الاستعمار، أو الاتجاه الفكرى الممالئ مفكرون من المسلمين مع الاستعمار مدخل ... الباب الأول: اتجاه حماية الاستعمار، أو الاتجاه الفكرى الممالئ مفكرون من المسلمين مع الاستعمار: ذكرنا أن الاتجاه الفكري الممالئ للاستعمار اتخذ صورتين: - صورة محلية: نشأت وتبلورت داخل الشعوب الإسلامية ... أنشأها ونماها مفكرون من المسلمين أنفسهم. - وصورة أخرى تكونت في الخارج: قام بها القساوسة الغربيون، وأصحاب الدراسات السامية اللغوية والدينية التي عنيت بدراسة العهدين: القديم والجديد "التوراة والإنجيل" وما يتصل بهما من فروع علمية في الجامعات الغربية. وهاتان الصورتان ليستا منفصلتين إلا في ظاهر الأمر فقط.. وواقع الحال أن الصلة بينهما وثيقة، وان إحداهما تعتبر مرآة للأخرى، أو أن إحداهما تعتبر عاملا محركا والأخرى نتيجة لها. ومن المفكرين المسلمين الذي يمثلون الصورة الأولى من هاتين الصورتين: الزعيم الإسلامي في الهند، السير "سيد أحمد خان" كما يمثلها من العقائد الإسلامية التي جدت -كأثر لتوجيه الاستعمار الغربي- مذهبا القاديانية والأحمدية في الهند أيضًا. والدعوى التي ادعاها السيد أحمد خان باسم الإصلاح والتقدمية تعتبر مقدمة وتمهيدا لنشأة القاديانية، تلك العقيدة التي تفرع عنها فيما بعد، ذلك المذهب الذي يعرف بالأحمدية.

стр. 24

حركة أحمد خان: تذكر مجلة "العروة الوثقى" -للسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وقد صدر العدد الأول منها في ١١ مارس سنة ١٨٨٤ وصدر العدد الأخير "وهو الثامن عشر" في ١٧ أكتوبر سنة ١٨٨٤- في أحد أعدادها وصفا لهدف الحركة التقدمية التي قام بها السيد أحمد خان١ في الهند فتقول: " ... لما استقرت أقدامهم -الإنجليز- في الهند وألقوا به عصاهم، ومحيت آثار السلطنة التيمورية "نسبة إلى تيمورلنك مؤسس دولة المغول في القرن السادس عشر الميلادي"، نظروا إلى البلاد نظرة ثانية فوجدوا فيها خمسين مليونا من المسلمين، كل واحد منهم مجروح الفؤاد بزوال ملكهم العظيم، وهم يتصلون بملايين كثيرة من المسلمين شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وأحسوا أن المسلمين ما داموا على دينهم، وما دام القرآن يتلى بينهم، فمحال أن يخلصوا في الخضوع لسلطة أجنبي عنهم، خصوصا إن كان ذلك الأجنبي خطف الملك منهم بالخديعة أو المكر تحت ستار المحبة والصداقة، فطفقوا -الإنجليز- يفتشون بكل وسيلة لتوهين الاعتقاد الإسلامي، وحملوا القسس والرؤساء الروحانيين على كتابة الكتب ونشر الرسائل، محشوة بالطعن في الديانة الإسلامية، مفعمة بالشتائم والسباب لصاحب الشريعة -برأه الله مما قالوا- فأتوا من هذا العمل الشنيع ما تنفر منه الطباع، ولا يمكن معه لذي غيرة أن يقيم على أرض تنتشر فيها تلك الكتب، وأن يسكن تحت سماء تشرق شمسها على مرتكبي ذلك الإفك العظيم!! "وما قصدهم بذلك إلا توهين عقائد المسلمين: وحملهم على التدين بمذهب الإنكليز! هذا من جهة، ومن جهة أخرى أخذوا في تضييق سبل المعيشة على المسلمين وتشديد الوطأة عليهم والإضرار بهم من كل وجه فضربوا على أيديهم في الأعمال العامة، وسلبوا أوقاف المساجد والمدارس، ونفوا علماءهم وعظمائهم إلى جزيرة "أندومان" رجاء أن تفيدهم هذه الوسيلة -إن لم تفدهم الأولى- في رد المسلمين عن دينهم بإسقاطهم في أغوار الجهل بعقائدهم حتى يذهلوا عما فرضه الله عليهم! "فلما خاب أمل أولائك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى، وطال عليهم الأمد في الاستفادة من الثانية، نزعوا إلى تدبير آخر في إزالة الدين الإسلامي من أرض الهند أو إضعافه؛ لأنهم لا يخافون إلا من المسلمين

стр. 25

أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب! فاتفق أن رجلا اسمه "أحمد خان بهادور" -لقب تعظيم في الهند -كان حوم حول الإنكليز لينال فائدة من لديهم، فعرض نفسه عليهم وخطا بعض خطوات لخلع دينه، والتدين بالمذهب الإنجليزي، وبدأ الأمر بكتابة كتاب١ يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لينال بذلك الزلفى عندهم! ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول: إني نصراني، وأن هذا العمل الحقير لا يؤتى عليه أجرا جزيلا، خصوصا وقد أتى بمثل كتابه ألوف من القسس والبطارقة, وما أمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين أشخاصًا معدودة! فأخذ طريقا آخر في خدمة حكامه الإنجليز، بتفريق كلمة المسلمين وتبديد شملهم، فظهر بمظهر الطبيعيين الدهريين ونادى بأن لا وجود إلا للطبيعة العمياء، وليس لهذا الكون إله حكيم "إن هذا إلا الضلال المبين! " وأن جميع الأنبياء كانوا طبيعيين لا يعتقدون بالإله الذي جاءت به الشرائع. "نعوذ الله! " ولقب نفسه بالطبيعي، وأخذ يغري أبناء الأغنياء من الشبان الطائشين، فمال إليه أشخاص منهم، تملصا من الشرع الشريف وسعيا خلف الشهوات! فراق الحكام الإنجليز مشربه، ورأوا فيه خير وسيلة لإفساد قلوب المسلمين، فأخذوا في تعزيزه وتكريمه وساعدوه على بناء مدرسة في "عليكره" وسموها مدرسة "المحمديين" لتكون فخا يصيدون به أبناء المؤمنين ليربوهم على أفكار هذا الرجل "أحمد خان بهادور". وكتب أحمد خان" تفسيرا٢ على القرآن الكريم، فحرف الكلم عن مواضعه وبدل ما أنزل الله! "وأنشأ جريدة باسم "تهذيب الأخلاق" لا ينشر فيها إلا ما يضلل عقول المسلمين ويوقع الشقاق بينهم، ويلقي العداوة بين مسلمي الهند وغيرهم -خصوصا بينهم وبين العثمانيين- وجهر بالدعوة لخلع الأديان كافة، لكن لا يدعو إلا المسلمين!! ونادى: الطبيعة الطبيعة، ليوسوس للناس بأن أوروبا ما تقدمت في المدنية وما ارتفعت في العلم والصنعة

стр. 26

وما فاقت في القوة والاقتدار، إلا برفض الأديان، والرجوع إلى الغرض المقصود من كل دين -على زعمه- وهو: بيان مسالك الطبيعة ... قد افترى على الله كذبًا! "ولما كنا بحيال الدين في الهند -في سنة ١٨٧٩- أحسسنا من بعض ضعاف العقول اغترار بترهات الرجل وتلامذته، فكتبنا رسالة في بيان مذهبهم الفاسد وما ينشأ عنه من المفاسد, وأثبتنا أن الدين أساس المدنية وقوام العمران، وطبعت رسالتنا في اللغتين الهندية والفارسية "اسمها: الرد على الدهريين". "هؤلاء الدهريين ليسوا كالدهريين في أوربا، فإن من ترك الدين في البلاد الغربية تبقى عنده محبة أوطانه، ولا تنقص حميته لحفظ بلاده من عاديات الأجانب، ويفدي مصلحتها بروحه. أما أحمد خان وأصحابه، فإنهم كما يدعون الناس لنبذ الدين، يهونون عليهم مصالح أوطانهم ويسهلون على النفوس تحكم الأجنبي فيها، ويجتهدون في محو آثار الغيرة الدينية والجنسية ... لا لأجر جزيل ولا شرف رفيع، ولكن لعيش دنيء ونفع زهيد، وهكذا يمتاز دهري الشرق عن دهري الغرب: بالخسة والدناءة، بعد الكفر والزندقة!! "١. ويقول السيد جمال الدين الأفغاني في عدد آخر من أعداد هذه المجلة٢: " ... من هذا -من أسباب السياسة الأوروبية -لما سلك الإنجليز في الهند لما أحسوا بخيال السلطنة يطوف على أفكار المسلمين منهم، لقرب عهدها بهم، وفي دينهم ما يبعثهم على الحركة إلى استرداد ما سلب منهم، وأرشدهم البحث في طبائع الملل إلى أن حياة المسلمين قائمة على الوصلة الدينية، وما دام الاعتقاد المحمدي والعصبية الملية سائدة فيهم فلا تؤمن بعثتهم إلى طلب حقوقهم، فاستهووا طائفة ممن يتسمون بسمة الإسلام ويلبسون لباس المسلمين؛ وفي صدورهم غل ونفاق وفي قلوبهم زيغ وزندقة، وهم المعرفون في البلاد الهندية "بالدهريين والطبيعيين"! فاتخذهم الإنجليز أعوانا لهم

стр. 27

على إفساد عقائد المسلمين، وتوهين علائق التعصب الديني ليطفئوا بذلك نار حميتهم، ويبددوا جمعهم ويمزقوا شملهم، وساعدوا تلك الطائفة على إنشاء مدرسة عليكرة، ونشر جريدة لبث هذه الأباطيل بين الهنديين، حتى يعم الضعف في العقائد، وتهن الصلات بين المسلمين فيستريح الإنجليز في التسلط عليهم ... ". فحركة السيد أحمد خان، كانت تقوم على الافتنان بالعلم الطبيعي والحضارة الغربية المادية، كما يفتتن في عصرنا الحاضر بعض المفكرين بما يمسى "العلم" Science" وبالمركبات الحضارية التي قامت عليه. والافتتان بالعلم الطبيعي أو بالطبيعة كما يقال يؤدي إلى خفة وزن القيم الروحية والمثالية، وهي القيم التي تقوم عليها رسالة الأديان السماوية التي يمثلها الإسلام أوضح تمثيل، وقد يصير الافتتان بهذا العلم الطبيعي إلى إنكار كل قيمة أخرى مما لا يشاهد في الطبيعة ويدرك بالحس الإنساني. ومن هنا ربط السيد جمال الدين الأفغاني بين إلحاد السيد أحمد خان ومذهبه الدهري أو الطبيعي, مع بقاء انتسابه إلى الإسلام، ونعته بالإلحاد ... رغم ما كان يكرره "السيد أحمد خان" من القول بأنه يدافع عن الإسلام، وأنه يبغي أن يوجد طريقا للمسلم المعاصر، يوفق فيه بين إسلامه وتقبله الحياة العصرية التي قامت إثر نهضة العلم الطبيعي!! وقد نهج السيد أحمد خان في تفسيره القرآن الكريم، على تطبيق آياته على أساس طبيعي، مما يناقض تماما القول بالمعجزات وخوارق العادات، ولهذا جعل "النبوة" غاية تحصل وتكتسب عن طريق الرياضة النفسية، فهي غاية إنسانية طبيعية، وطريقها طريق إنساني غير خارق للعادة! ولكنه مع ذلك يقر ختم الرسالة الإلهية ببعثة المصطفى ﵊. وفي شرحه لآيات القتال، أضعف من فرضية "الجهاد" في الوقت الحاضر. كما أنه في الآيات الأخرى الخاصة بـ"أهل الكتاب" عبر في غير لبس عن توهين الفجوة بين أهل الكتاب من جانب والمسلمين من جانب آخر!! وطلب التعاون بين المسلمين والغربيين، ودعا إلى ما أسماه "إنسانية الأديان" أي: المعنى الإنساني العام الذي تدعو الأديان السماوية إلى اعتباره وحفظه! وهو ما يشبه اليوم فكرة "العالمية" التي تتبناها اليهودية الرأسمالية والشيوعية الدولية؛ وقد كانت من قبل تلقب بالفكرة "الماسونية"! وفي هذه الفكرة تنمحي كل الفوارق بين الأوطان والقوميات والأديان والمذاهب!!

стр. 28

ولم يكن السيد أحمد خان داعية فقط لهذا التجديد، أو لهذه التقدمية في الإسلام، وإنما كان كذلك صحفيا ومؤلفا، ومدرسا ومشرفا على كلية علمية١ دينية "الكلية الإنجليزية الشرقية المحمدية" خرجت الكثير من شباب الهند التقدميين، وتحولت الآن إلى "الجامعة الإسلامية" في الهند بعد تقسيم سنة ١٩٤٨م، وفيها تدرس المسيحية بالعناية التي يدرس بها الإسلام، مع أخذ حظ وافر من العلوم الحديثة والنظم الجامعية الغربية "الإنجليزية". ولهذا كان للسيد أحمد خان نفوذ سياسي تربوي، يقترن بنزعته التجديدية الدينية، أثرت بدورها فيما بعد في خلق المذهب "القادياني".

стр. 29

- المذهب القادياني: بقيت تعاليم السيد أحمد خان وآراؤه ذات طابع إصلاحي، ولم تصطبغ بصبغة العقيدة والمذهب الروحي، فهمها بلغت من التأثير فسيبقى معها مجال للروح الإسلامية الصحيحة، حيث تظهر وتعمل عملها في تحديد العلاقة بين المسلمين وبين المستعمرين الصليبيين الغربيين الذي يطالبونهم بالولاء!! أدرك الإنجليز ذلك، وأحسوا مع نشاط السيد أحمد خان وأثر تعاليمه في خلق جماعة بين المسلمين تتشكك في القيم الإسلامية، وتنازل مواطنيها ومن هم على عقيدتها من المسلمين منازل الخصومة الفكرية، فتفرق الكلمة وتبعد مشكلة الاستعمار الأجنبي عن أن تكون موضوعا من موضوعات هذه الخصومة ولو إلى حين. أدركوا وأحسوا أنهم بحاجة إلى تعديل في الروح الأصيلة وفي موقفها من غير المسلمين، على أن يكون هذا التعديل -أو يصبح- مذهبا وعقيدة له سمة الإيمان والاعتقاد، بدلا من سمة الفكر والمنطق، بذلك تصبح الفجوة بين المسلمين أعمق وأطول مدى!! فإذا كان هذا التعديل لصالح الاستعمار فسيجد أعوانا من المسلمين أنفسهم على المسلمين، وتلك حالة مرغوب فيها لاطمئنان الاستعمار على مصالحه حينئذ فترة طويلة، إلى أن يجد عامل آخر أقوى من الدين نفسه يجمع الكلمة المفرقة، وينسى الخصومة في المذهب, والاتجاه الفكري، فقامت القاديانية١، وسجل

стр. 30

هذا المذهب رسيما في سنة ١٩٠٠م، وله أتباع في البنجاب وأفغانستان وإيران، ولسان حال هذ العقيدة "مجلة الأديان" The Review of Religins" بالإنجليزية، التي تصدر كل شهر مرة في قاديان منذ ١٩٠٢م. وصاحب هذا المذهب -وهو ميرزا غلام أحمد - ألف كتابا سماه "براهين الأحمدية" وخرج الجزء الأول منه سنة ١٨٨٠م.. وفي هذا الجزء ادعى المؤلف أنه "المهدي". ويختلف هذا المذهب مع الإسلام الأصيل في جملة مسائل: - منها أن يقول: إن عيسى هاجر بعد أن بعث من موته الظاهري، إلى كشمير في الهند لينشر تعاليم الإنجيل في البلاد، وأنه توفي بعد أن بلغ من العمر ١٢٠ سنة، وأن قبره لم يزل موجودا هناك! ويدعي ميرزا غلام أحمد أنه "المهدي" ويذكر أنه حل فيه عيسى ومحمد على السواء، فهو نبي!. - ومن المسائل أيضا التي يفترق فيها الإسلام الصحيح عن القاديانية، مسألة "الجهاد في سبيل الله": فليس الجهاد في نظرها هو اللجوء إلى العنف باستخدام أدوات الحرب ضد غير المؤمنين، وإنما هو وسيلة سلمية للإقناع، وهكذا عملت القاديانية في هاتين المشكلتين على هذا النحو على تقريب شقة الخلاف بين المسيحية والإسلام أو على إدماج إحداهما في الآخر، ثم من جهة أخرى، أعلنوا إبطال الجهاد المعروف على عهد الرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين!! وتبعا لرأيهم السابق أوقفوا العمل بمدلول هذه الآيات الكريمة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.

стр. 31

ويقول "أبو الحسن الندوي" من كبار علماء الهند في كتيب له عنوانه: "القاديانية ثورة على النبوة المحمدية والإسلام". " ... قد تحقق علميا وتاريخيا أن القاديانية وليدة السياسة الإنجليزية, فقد أهَمَّ بريطانيا وأقلقها حركة المجاهد الشهير السيد الإمام "أحمد بن عوفان الشهيد" "١٨٤٢م" وكيف ألهب شعلة الجهاد والفداء، وبث روح النخوة الإسلامية والحماسة الدينية في صدور المسلمين في الربع الأول من القرن التاسع عشر المسيحي وكيف التف حوله وحول دعاته آلاف المسلمين، عانت منهم الحكومة الإنجليزية في الهند مصاعب عظيمة، وكانوا موضع اهتمامها. ثم رأت دعوة السيد "جمال الدين الأفغاني" تنتشر في العالم الإسلامي، كل ذلك رأته الحكومة الإنجليزية ودرسته، وعرفت أن طبيعة المسلمين طبيعة دينية، فالدين هو الذي يثيرها، وأن المسلمين لا يؤتون إلا من العقيدة والإقناع الديني، وما يكون له طابع ديني، واقتنعت أخيرا بأنه لا يؤثر في المسلمين وفي اتجاههم مثل ما يؤثر قيام رجل منهم باسم منصب ديني رفيع ويجمع حوله المسلمين ويخدم سياسة الإنجليز، ويؤمنهم من جهة المسلمين وعائلتهم، وفي شخص "ميرزا غلام أحمد القادياني" الذي كان مضطرب الأفكار والعقيدة وكان طموحا إلى أن يؤسس ديانة جديدة ويكون له أتباع مؤمنون ويكون له مسجد واسم في التاريخ مثل ما كان للنبي ﷺ وجد الإنجليز وكيلا لهم يعمل بين المسلمين لمصلحتهم. ولم يزل يتدرج في التجديد إلى المهدوية.. ومن المهدوية إلى المسيحية، ومن المسيحية إلى النبوة.. حتى أتم ما أراد الإنجليز، وقام القادياني بدوره وبما كلف به خير قيام، وحماه الإنجليز ومكنوه من نشر دعوته. وحفظ القادياني هذه اليد، وعرف الفضل للإنجليز في ظهوره، وقد صرح في بعض كتاباته بأنه غرسٌ غرسته الحكومة الإنجليزية، كتب ذلك في التماسه الذي قدمه إلى حاكم مقاطعة البنجاب الإنجليزي في ١٤ فبراير سنة ١٨٩٨م، وجاء نصه في كتاب: "تبليغ رسالته" من المجلد السابع لمير قاسم علي القادياني، وقد ذكر في مؤلفاته بكل صراحة -بل بكل وقاحة- ما يدين به للحكومة الإنجليزية من الولاء والوفاء، وما قدم لها من خدمة مشكورة، وإليك ترجمته: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر

стр. 32

الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية، ومصر والشام وكابل"١. ويقول "أبو الحسن الندوي" في موضع آخر: "وبقيت الجماعة القاديانية في عهد مؤسسها وبعده معتزلة عن جميع الحركات الوطنية وحركة التحرير والجلاء في الهند، صامتة -بل شامتة- لما دهم العالم الإسلامي من رزايا ونكبات على يد المستعمرين الأوروبيين وعلى رأسهم الإنجليز مقتصرة على إثارة المناقشات الدينية، والمباحثات حول موت المسيح وحياته ونزوله، ونبوة ميرزا غلام أحمد، مما لا اتصال له بالحياة العامة، والمسائل الإسلامية، والحركات التي كانت مظهرا للغيرة الإسلامية والشعور السياسي في هذه البلاد". ويقول أيضا: "إن القاديانية تنشر في العالم الإسلامي الفوضى الفكرية, وعدم الثقة بمصادر الإسلام الصميمة ومراجعه وسلفه، وتقطع صلة هذه الأمة عن ماضيها وعن خير أيامها وأفضل رجالها، وتفتح باب الأدعياء والمتطفلين على مصراعيه وتسيء الظن بقوة الإسلام وحيويته وإنتاجه وتيئس المسلمين من مستقبلهم".

стр. 33

الأحمدية: وانشقت القاديانية -بعد نشأتها بقليل- إلى شقين، وتفرع عنها ما يعرف باسم "الأحمدية"، أو "جماعة لاهور"، وزعيما هذا الفرع: "خواجة كمال الدين" و"مولاي محمد علي" ولهذا الفرع نشاط كبير في الخارج، في آسيا وأوروبا، وقد انتهى مولاي محمد علي من ترجمة القرآن الكريم إلى الإنجليزية في سنة ١٩٢٠م، وألف كتابه "الإسلام" في ١٩٣٦م، ويبلغ عدد الأحمدية نحو نصف مليون، منهم ستون ألفا في الهند. والفرق بين "القاديانية" الأصلية وبين هذه الشعبة التي تعرف باسم "الأحمدية" أو باسم "جماعة لاهور": أن هذه الشعبة تنظر إلى "ميرزا غلام أحمد" مؤسس المذهب على أنه مصلح ديني فقط, بينما تنظر إليه القاديانية على أنه نبي مرسل. ففي كتاب "حقيقة النبوة" لميرزا يشير أحمد الخليفة الثاني: أن "غلام" أفضل من بعض أولي العزم من الرسل "ص٢٥٧"، وفي صحيفة الفضل "المجلد الرابع عشر ٢٩ أبريل سنة ١٩٢٧م": أنه كان أفضل بكثير من الأنبياء، ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء، وفي صحيفة الفضل "المجلد الخامس": "لم يكن فرق بين أصحاب النبي ﷺ وتلاميذ ميرزا غلام أحمد إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى وهؤلاء رجال البعثة الثانية" وفي عدد ٩٢ بتاريخ ٢٨ مايو سنة ١٩١٨م من الفضل "المجلد الثالث": "ميرزا هو محمد ﷺ ، وهو مصدق القرآن الكريم: اسمه أحمد". وبمساعدة الأخير للحركة التقدمية التي قام على الدعوة إليها سير "أحمد خان"، وكذا للمذهب القادياني الذي أسسه "ميرزا غلام أحمد" شهدت الهند الإسلامية -أو شهد العالم الإسلامي كله- فرقة أخرى في التوجيه والعقيدة بين المسلمين، كما شهد مظهرا فكريا إسلاميا تبناه الإنجليز لمصلحة الاستعمار الغربي إذ لا شك أنه عمل عقلي إنساني انطوى على محاولة جديدة طويلة المدى، صعبة المركب، لتغيير اتجاه الجماعة الإسلامية إلى ما لم تألفه، وإلى غير ما درج عليه اعتقادها.

стр. 34

المستشرقون ... والاستعمار مدخل ... المستشرقون ... والاستعمار: الصورة الثانية من صورتي اتجاه حماية الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية: يحكمها عمل المستشرقين، وتصوراتهم للإسلام وشرحهم لمبادئه، وبعثهم لخلافات المسلمين الماضية، وخلقهم خلافات أخرى لا يلتفت إليها المسلم، بعد ما صهر الإسلام علاقته بأخيه المسلم، وكون منها وحدة عديدة الحلقات والروابط. وينطوي عمل الدارسين للإسلام من المستشرقين على نزعتين رئيسيتين: - النزعة الأولى: تمكين الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية، وتمهيد النفوس بين سكان هذه البلاد لقبول النفوذ الأوربي والرضاء بولايته. - النزعة الثانية: الروح الصليبية في دراسة الإسلام، تلك النزعة التي لبست ثوب البحث العلمي، وطلاها خدمة الغاية الإنسانية المشتركة.

стр. 35

النزعة الأول: أما مظهر النزعة الأولى فيتجلى: أولا: في إضعاف القيم الإسلامية. ثانيا: في تمجيد القيم الغربية المسيحية. - وإضعاف القيم الإسلامية: عن طريق شرح تعاليم الإسلام ومبادئه شرحا يضعف في المسلم تمسكه بالإسلام، ويقوي في نفسه الشك فيه كدين، أو على الأقل كمنهج سلوكي يتفق وطبيعة الحياة القائمة. فهذا "رينان" الفرنسي ... يصور عقيدة التوحيد في الإسلام بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم، كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك، على

стр. 36

حين أن عقيدة التوحيد مزية الإسلام، وآية على أنه الرسالة الكاملة الواضحة لخالق الكون في كونه، كما أنها الطريق السليم والوحيد إلى رفع شأن الإنسان وتكريمه؛ لأن صاحب هذه العقيدة لا يخضع في حياته لغير الله، ولا يتوجه في طلب العون إلى غير الله . ولكن رينان يقول، متحدثا عن عقيدتي القدر والاختيار: المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقدر، والمغفرة والحساب وهي كلمات ثلاثة مصبوغة بصبغة دينية تلقي في النفس الاعتقاد بوعورة المسلك في تفهمها. مع أنها من الأمور التي ينبغي الوقوف عليها والعلم بها مهما صعب منالها وتعذر مرامها. إن الدين هو الوسيلة التي تمهد للإنسان طريق الوصول إلى الحضرة الإلهية، أو بعبارة أخرى الواسطة في وقوف المخلوق بين يدي الخالق". "إذا تقرر ذلك، فهل الخالق بقدرته المطلقة يودع في نفس المخلوق استعدادا للعمل بمقتضى إرادته السرمدية، بحيث لا يحيد عما تأمره به هذه الإرادة؟ أم للإنسان متى تم خلقه إرادة خاصة يعمل بحسبها، واختيار مستقل لا يستمد من اختيار أسمى منه؟ وهل للإنسان الذي خلقه الله وسواه إرادة مطلقة من نفسه وتصرفه مطلق في ذاته؟ أم تجرع جميع أعماله من خير وشر إلى القدرة الربانية القابضة على زمام الكون، والمسببة لوجوده فيه؟ ". وفي دائرة هذا البحث، تنحصر الخلافات الدينية والفلسفية التي لم يوفق دين من الأديان ولا مذهب فلسفي إلى حسمها بكيفية يقتنع بها الإدراك ويرضاها العقل، ومع أن البحث فيها لإصابة هذا الغرض السامي لم يكن بالأمر الحديث، إذ طالما بحث فيها فلاسفة الأقدمين فلم يجدوا لها حلا، وكان حظهم منها كحظ فلاسفة المتأخرين وعلمائهم. "وغاية ما عرف منذ الأعصر السابقة إلى الآن أنه وجد مذهبان تشاطرا فيما بينهما العقائد البشرية من تلك الوجهة المهمة: فالأول منهما يقول بتناهي الربوبية في العظمة والعلو وجعل الإنسان في حضيض الضعف ودرك الوهن، ويذهب الثاني إلى رفع مرتبة الإنسان وتخويله حق القربى من الذات الإلهية بما فطر عليه من إيمان وإرادة وبما أتاه من أعمال صالحات وحسنات.

стр. 37

"والنتيجة الطبيعية للاعتقاد بمذهب الفريق الأول هي: تحريض الإنسان على إغفال شئون نفسه وبث القنوط في فؤاده وتثبيط همته وإيهان عزيمته، بينما تسوقه نتيجة الاعتقاد بمذهب الفريق الثاني إلى ميدان الجلاد والعمل وتلقي به في غمرات التنافس الحيوي، ومن الأمثلة على الفريقين: البوذيون الذين يتدينون بدين يقضي عليهم بالتجرد. إذ من قواعده أن الإنسان والكون يفنيان في الذات الإلهية ... وقدماء اليونان الذي يدينون بدين من قواعده تشبيه الإله بالإنسان في أوصافه المادية، ويقضي عليهم هذا الدين بالعمل والحياة لاعتقادهم بأن الإنسان أو "البطل" يمكنه أن يصير في عداد الآلهة بحسناته وخيراته. "وقد ظهرت على أطلال العالم القديم بعد خمسمائة عام من انقضائه ديانتان: إحداهما ربانية، والثانية بشرية، تمثلان ذينك المذهبين المتناقضين، ولكن بتلطيف في التناقض. أما الأولى "الديانة الربانية": في الديانة المسيحية الوارثة بلا وساطة آثار الآريين١ والمقطوعة الصلات بالمرة مع مذهب السامية وإن كانت مشتقة منه وغصنا من دوحته، ومن خصائص هذه الديانة "المسيحية" ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية، على حين أن الديانة الثانية "البشرية" وهي الإسلام، المشوبة بتأثير مذهب السامية، تنحط بالإنسان إلى أسفل الدرك وترفع الإله عنه في علاء لا نهاية له. "هذان الميلان المختلفان يظهران ظهورا واضحا في الاعتقاد الأساسي لكلتا الديانتين: وهو أصل الألوهية، أما المسيحي: فيذهب في الأصل إلى الثالوث أي: إن الإله الأب أوجد الإله الابن واتصل الاثنان بصلة هي روح القدس، وعليه فكون يسوع المسيح إلها وبشرًا..هذا الثالوث السري، المشتقة أصوله من ضرورة إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري ويفديه من الخطيئة التي اقترفها: يرفضه المسلم الذي يعتقد بوحدانية الرب، ويتمسك بهذا الاعتقاد تمسكا شديدًا حيث يقول: لا إله إلا الله!! "غير أن إدراك المسيحيين من هذا القبيل هو أخف وأعلى وأجلب للثقة، إذ هو يحملهم على إتيان الأعمال التي تقربهم إلى الله حيث الوسائط بينهم وبين ذاته العلية موصولة، في حين أن المسلمين تجعلهم ديانتهم كمن

стр. 38

يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحول ولا يتبدل ولا حيلة فيه سوى متابعة الصلوات والدعوات والاستغاثة بالله الأحد الذي هو مستودع الآمال! ولفظة الإسلام معناها: "الاستسلام المطلق لإرادة الله". "ترى الديانتين، أو بعبارة أخرى المدنيتين: المسيحية والإسلامية، إحداهما بإزاء الأخرى، وتتصل الاثنتان بعضهما ببعض من حيث المنشأ العام لهما إذ هما مشتقتان من الأصول اليونانية والسامية، ومنهما استمدتا جانبا من العقائد والمذاهب والآداب, فهما إذن متداخلتان من وجوه عدة، ولكن مسافة الخلف بينها شاسعة في الحقيقة: من حيث البحث في القدرة الإلهية والحرية البشرية"١. كتب هذا رينان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان يظن أن العقلية العلمية أو الطريق العلمي -الذي تدعي العقلية الغربية المعاصرة أنه من مفاخر القرن العشرين؛ لأنها تزعم أنها لا تخضع في بحث المسائل, وإصدار الأحكام لأثر حزبي أو مذهبي أو عاطفي، أو نحو ذلك مما يتأثر بها الإنسان العادي أو البدائي في أحكامه- كان يظن أن هذا القرن العشرين لا يصدر فيه تصوير مثل تصوير رينان للتثليث المسيحي مرة، وللتوحيد الإسلامي مرة آخرى! ولكن مجلة "The Muslim World"٢ تردد هذا المعنى في شرح آية ﴿إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فتقول ما ترجمته: "إن إله الإسلام متكبر جبار مرتفع عن البشرية يطلب أن يسير العابد نحوه بينما إله المسيحية عطوف متواضع يتودد للناس، فظهر في صورة بشر -وذلك هو الإله الابن- فعقيدة التثليث في المسيحية قربت الإنسان من الإله: وأعطته نموذجا رفيعا واقعيا في حايته يسعى ليقترب منه ... أما عقيدة التوحيد فباعدت بين الإنسان والإله، وجعلت الإنسان متشائما من شدة الخوف منه، ومن جبروته وكبريائه ... "!

стр. 39

وهذا مبدأ "الزكاة".. يفسره مستشرق على النحو الآتي: "إن الأموال المادية - في نظر الإسلام- هي من أصل شيطاني نجس ويحل لمسلم أن يتمتع بهذه الأموال شريطة أن يطهرها، وذلك بإرجاع هذه الأموال إلى الله"١. ويظهر أن الشارح أخذ من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ٢ أي: إن الأموال نجسة في أصلها، وإذن فالزكاة وسيلة تطهيرها وبذلك فهم التطهير فهما حرفيا أو حسيا! وهذا الفهم الذي ذكره صاحب هذا الكتاب لمعنى الزكاة هنا، وبالتالي لموقف الإسلام من المال على أنه رجس، يردده غيره من المسيحيين القائمين على الدراسات الإسلامية في الوقت الحاضر، ففي العدد رقم ٨٠ للسنة الثامنة والثمانين لصحيفة "The Montreal Star" بتاريخ ٥ إبرايل سنة ١٩٥٦م، تحدث أب دومنيكاني يقيم في مصر -وكان يقوم بإلقاء محاضرات عن علم الكلام الإسلامي بجامعة منتريال- عن النظرة الإسلامية في الحياة فقال: "إن المسلمين يتجنبون الناس الذي يشتغلون بالمال، ويعتبرونهم أقرب للكلاب منهم للبشر". ومثل هذا التصوير لموقف الإسلام من المال، في شعب كالشعب الأميريكي مادي النزعة، يسيء للإسلام والمسلمين أيما إساءة. ويشرح الاستشراق المبدأ الإسلامي عن الزوجية -وهو مبدأ "قوامة الرجل على المرأة"- بفكرة التفوق "Superiority" ويجعل منه أمارة على نظرة الإسلام إلى وضع كل من الرجل والمرأة في الحياة، فهو يسمو بالرجل إلى ذروة الرفعة بينما يهبط بالمرأة إلى هاوية الضعة!! أما "طاعة" المرأة للرجل فتعرض على أنها نوع من الإزلال، وسبب لغرض الرق والعبودية على نصف البشرية ... إلى غير ذلك مما يترتب على هذا الشرح المغرض.

стр. 40

ويفترض اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة": أن الرجل المسلم يتمسك بالإسلام أشد من تمسك المرأة المسلمة بالإسلام! ويعلل هذا الافتراض -على أنه ظاهرة في الحياة الإسلامية- بأنه يرجع إلى اختلاف وضعية كل من الرجل والمرأة في الإسلام، على النحو المشار إليه من قبل. ويشرح المستشرقون مبدأ الإسلام في "عدم قبول المسلم لولاية الأجنبي" بفكرة عدم التعاون مع الشعوب الأخرى، أو بفكرة النفرة من رياسة غير المسلم ولو كان ذا كفاية أو أهلية للرياسة والتوجيه أكثر من المسلمين أنفسهم! أما "الجهاد": فهو عند هؤلاء فكرة الاعتداء نفسها، أعطاها الإسلام صبغة شرعية ودينية، كي يدفع بها السلم لمهاجمة غير المسلم في وقت أمن فيه على نفسه وعرضه وماله! إنها فكرة الغدر أو تشجيع العدوان، ولهذا الشرح أثر سيئ إلى أقصى حد في علاقة الشعوب الغربية بالمسلمين، وفي تصورهم لحياة المسلم وأهدافه في الحياة. وهكذا يرى القوم في مبدأ "عدم زواج المسلمة بغير المسلم" فكرة العنصرية القائمة على تمييز الشعوب بعضها على بعض، بدافع العصبية الكريهة أو بدافع الغرور، دون أن يكون هناك مبرر واقعي أو منطقي لهذا التمييز! وفكرة "العودة إلى القرآن الكريم".. التي نادى بها ابن تيمية، وتابعه فيها غيره من المصلحين بعده ... لدفع ما ساد من عصبية جاهلية للمذاهب الكلامية والفقهية، وما ترتب على ذلك من انقسام المسلمين إلى طوائف انقساما واضحًا! نادى ابن تيمية بها تطبيقا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١. وهذه الفكرة ترمي في نظره أولا إلى عدم تحكم الخلافات المذهبية والشروح العديدة المختلفة لتعاليم الإسلام من ظاهرية وباطنية وصوفية وفقهيه إلى غير ذلك في توجيه المسلمين، وترمي ثانيا إلى العودة إلى صفاء التعاليم الإسلامية وبساطتها قبل تعقيدها بالشروح المغرضة أو القائمة على تعسف وعدم استقامة في تخريجها ... وبهذا وذلك
следующие страницы →