حين أن عقيدة التوحيد مزية الإسلام، وآية على أنه الرسالة الكاملة الواضحة لخالق الكون في كونه، كما أنها الطريق السليم والوحيد إلى رفع شأن الإنسان وتكريمه؛ لأن صاحب هذه العقيدة لا يخضع في حياته لغير الله، ولا يتوجه في طلب العون إلى غير الله .
ولكن رينان يقول، متحدثا عن عقيدتي القدر والاختيار: المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقدر، والمغفرة والحساب وهي كلمات ثلاثة مصبوغة بصبغة دينية تلقي في النفس الاعتقاد بوعورة المسلك في تفهمها. مع أنها من الأمور التي ينبغي الوقوف عليها والعلم بها مهما صعب منالها وتعذر مرامها. إن الدين هو الوسيلة التي تمهد للإنسان طريق الوصول إلى الحضرة الإلهية، أو بعبارة أخرى الواسطة في وقوف المخلوق بين يدي الخالق".
"إذا تقرر ذلك، فهل الخالق بقدرته المطلقة يودع في نفس المخلوق استعدادا للعمل بمقتضى إرادته السرمدية، بحيث لا يحيد عما تأمره به هذه الإرادة؟ أم للإنسان متى تم خلقه إرادة خاصة يعمل بحسبها، واختيار مستقل لا يستمد من اختيار أسمى منه؟ وهل للإنسان الذي خلقه الله وسواه إرادة مطلقة من نفسه وتصرفه مطلق في ذاته؟ أم تجرع جميع أعماله من خير وشر إلى القدرة الربانية القابضة على زمام الكون، والمسببة لوجوده فيه؟ ".
وفي دائرة هذا البحث، تنحصر الخلافات الدينية والفلسفية التي لم يوفق دين من الأديان ولا مذهب فلسفي إلى حسمها بكيفية يقتنع بها الإدراك ويرضاها العقل، ومع أن البحث فيها لإصابة هذا الغرض السامي لم يكن بالأمر الحديث، إذ طالما بحث فيها فلاسفة الأقدمين فلم يجدوا لها حلا، وكان حظهم منها كحظ فلاسفة المتأخرين وعلمائهم.
"وغاية ما عرف منذ الأعصر السابقة إلى الآن أنه وجد مذهبان تشاطرا فيما بينهما العقائد البشرية من تلك الوجهة المهمة: فالأول منهما يقول بتناهي الربوبية في العظمة والعلو وجعل الإنسان في حضيض الضعف ودرك الوهن، ويذهب الثاني إلى رفع مرتبة الإنسان وتخويله حق القربى من الذات الإلهية بما فطر عليه من إيمان وإرادة وبما أتاه من أعمال صالحات وحسنات.
стр. 37
"والنتيجة الطبيعية للاعتقاد بمذهب الفريق الأول هي: تحريض الإنسان على إغفال شئون نفسه وبث القنوط في فؤاده وتثبيط همته وإيهان عزيمته، بينما تسوقه نتيجة الاعتقاد بمذهب الفريق الثاني إلى ميدان الجلاد والعمل وتلقي به في غمرات التنافس الحيوي، ومن الأمثلة على الفريقين: البوذيون الذين يتدينون بدين يقضي عليهم بالتجرد. إذ من قواعده أن الإنسان والكون يفنيان في الذات الإلهية ... وقدماء اليونان الذي يدينون بدين من قواعده تشبيه الإله بالإنسان في أوصافه المادية، ويقضي عليهم هذا الدين بالعمل والحياة لاعتقادهم بأن الإنسان أو "البطل" يمكنه أن يصير في عداد الآلهة بحسناته وخيراته.
"وقد ظهرت على أطلال العالم القديم بعد خمسمائة عام من انقضائه ديانتان: إحداهما ربانية، والثانية بشرية، تمثلان ذينك المذهبين المتناقضين، ولكن بتلطيف في التناقض. أما الأولى "الديانة الربانية": في الديانة المسيحية الوارثة بلا وساطة آثار الآريين١ والمقطوعة الصلات بالمرة مع مذهب السامية وإن كانت مشتقة منه وغصنا من دوحته، ومن خصائص هذه الديانة "المسيحية" ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية، على حين أن الديانة الثانية "البشرية" وهي الإسلام، المشوبة بتأثير مذهب السامية، تنحط بالإنسان إلى أسفل الدرك وترفع الإله عنه في علاء لا نهاية له.
"هذان الميلان المختلفان يظهران ظهورا واضحا في الاعتقاد الأساسي لكلتا الديانتين: وهو أصل الألوهية، أما المسيحي: فيذهب في الأصل إلى الثالوث أي: إن الإله الأب أوجد الإله الابن واتصل الاثنان بصلة هي روح القدس، وعليه فكون يسوع المسيح إلها وبشرًا..هذا الثالوث السري، المشتقة أصوله من ضرورة إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري ويفديه من الخطيئة التي اقترفها: يرفضه المسلم الذي يعتقد بوحدانية الرب، ويتمسك بهذا الاعتقاد تمسكا شديدًا حيث يقول: لا إله إلا الله!!
"غير أن إدراك المسيحيين من هذا القبيل هو أخف وأعلى وأجلب للثقة، إذ هو يحملهم على إتيان الأعمال التي تقربهم إلى الله حيث الوسائط بينهم وبين ذاته العلية موصولة، في حين أن المسلمين تجعلهم ديانتهم كمن
стр. 38
يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحول ولا يتبدل ولا حيلة فيه سوى متابعة الصلوات والدعوات والاستغاثة بالله الأحد الذي هو مستودع الآمال! ولفظة الإسلام معناها: "الاستسلام المطلق لإرادة الله".
"ترى الديانتين، أو بعبارة أخرى المدنيتين: المسيحية والإسلامية، إحداهما بإزاء الأخرى، وتتصل الاثنتان بعضهما ببعض من حيث المنشأ العام لهما إذ هما مشتقتان من الأصول اليونانية والسامية، ومنهما استمدتا جانبا من العقائد والمذاهب والآداب, فهما إذن متداخلتان من وجوه عدة، ولكن مسافة الخلف بينها شاسعة في الحقيقة: من حيث البحث في القدرة الإلهية والحرية البشرية"١.
كتب هذا رينان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان يظن أن العقلية العلمية أو الطريق العلمي -الذي تدعي العقلية الغربية المعاصرة أنه من مفاخر القرن العشرين؛ لأنها تزعم أنها لا تخضع في بحث المسائل, وإصدار الأحكام لأثر حزبي أو مذهبي أو عاطفي، أو نحو ذلك مما يتأثر بها الإنسان العادي أو البدائي في أحكامه- كان يظن أن هذا القرن العشرين لا يصدر فيه تصوير مثل تصوير رينان للتثليث المسيحي مرة، وللتوحيد الإسلامي مرة آخرى!
ولكن مجلة "The Muslim World"٢ تردد هذا المعنى في شرح آية ﴿إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فتقول ما ترجمته:
"إن إله الإسلام متكبر جبار مرتفع عن البشرية يطلب أن يسير العابد نحوه بينما إله المسيحية عطوف متواضع يتودد للناس، فظهر في صورة بشر -وذلك هو الإله الابن- فعقيدة التثليث في المسيحية قربت الإنسان من الإله: وأعطته نموذجا رفيعا واقعيا في حايته يسعى ليقترب منه ... أما عقيدة التوحيد فباعدت بين الإنسان والإله، وجعلت الإنسان متشائما من شدة الخوف منه، ومن جبروته وكبريائه ... "!
стр. 39
وهذا مبدأ "الزكاة".. يفسره مستشرق على النحو الآتي:
"إن الأموال المادية - في نظر الإسلام- هي من أصل شيطاني نجس ويحل لمسلم أن يتمتع بهذه الأموال شريطة أن يطهرها، وذلك بإرجاع هذه الأموال إلى الله"١.
ويظهر أن الشارح أخذ من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ٢ أي: إن الأموال نجسة في أصلها، وإذن فالزكاة وسيلة تطهيرها وبذلك فهم التطهير فهما حرفيا أو حسيا!
وهذا الفهم الذي ذكره صاحب هذا الكتاب لمعنى الزكاة هنا، وبالتالي لموقف الإسلام من المال على أنه رجس، يردده غيره من المسيحيين القائمين على الدراسات الإسلامية في الوقت الحاضر، ففي العدد رقم ٨٠ للسنة الثامنة والثمانين لصحيفة "The Montreal Star" بتاريخ ٥ إبرايل سنة ١٩٥٦م، تحدث أب دومنيكاني يقيم في مصر -وكان يقوم بإلقاء محاضرات عن علم الكلام الإسلامي بجامعة منتريال- عن النظرة الإسلامية في الحياة فقال: "إن المسلمين يتجنبون الناس الذي يشتغلون بالمال، ويعتبرونهم أقرب للكلاب منهم للبشر".
ومثل هذا التصوير لموقف الإسلام من المال، في شعب كالشعب الأميريكي مادي النزعة، يسيء للإسلام والمسلمين أيما إساءة.
ويشرح الاستشراق المبدأ الإسلامي عن الزوجية -وهو مبدأ "قوامة الرجل على المرأة"- بفكرة التفوق "Superiority" ويجعل منه أمارة على نظرة الإسلام إلى وضع كل من الرجل والمرأة في الحياة، فهو يسمو بالرجل إلى ذروة الرفعة بينما يهبط بالمرأة إلى هاوية الضعة!! أما "طاعة" المرأة للرجل فتعرض على أنها نوع من الإزلال، وسبب لغرض الرق والعبودية على نصف البشرية ... إلى غير ذلك مما يترتب على هذا الشرح المغرض.
стр. 40
ويفترض اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة": أن الرجل المسلم يتمسك بالإسلام أشد من تمسك المرأة المسلمة بالإسلام! ويعلل هذا الافتراض -على أنه ظاهرة في الحياة الإسلامية- بأنه يرجع إلى اختلاف وضعية كل من الرجل والمرأة في الإسلام، على النحو المشار إليه من قبل.
ويشرح المستشرقون مبدأ الإسلام في "عدم قبول المسلم لولاية الأجنبي" بفكرة عدم التعاون مع الشعوب الأخرى، أو بفكرة النفرة من رياسة غير المسلم ولو كان ذا كفاية أو أهلية للرياسة والتوجيه أكثر من المسلمين أنفسهم!
أما "الجهاد": فهو عند هؤلاء فكرة الاعتداء نفسها، أعطاها الإسلام صبغة شرعية ودينية، كي يدفع بها السلم لمهاجمة غير المسلم في وقت أمن فيه على نفسه وعرضه وماله! إنها فكرة الغدر أو تشجيع العدوان، ولهذا الشرح أثر سيئ إلى أقصى حد في علاقة الشعوب الغربية بالمسلمين، وفي تصورهم لحياة المسلم وأهدافه في الحياة.
وهكذا يرى القوم في مبدأ "عدم زواج المسلمة بغير المسلم" فكرة العنصرية القائمة على تمييز الشعوب بعضها على بعض، بدافع العصبية الكريهة أو بدافع الغرور، دون أن يكون هناك مبرر واقعي أو منطقي لهذا التمييز!
وفكرة "العودة إلى القرآن الكريم".. التي نادى بها ابن تيمية، وتابعه فيها غيره من المصلحين بعده ... لدفع ما ساد من عصبية جاهلية للمذاهب الكلامية والفقهية، وما ترتب على ذلك من انقسام المسلمين إلى طوائف انقساما واضحًا! نادى ابن تيمية بها تطبيقا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١. وهذه الفكرة ترمي في نظره أولا إلى عدم تحكم الخلافات المذهبية والشروح العديدة المختلفة لتعاليم الإسلام من ظاهرية وباطنية وصوفية وفقهيه إلى غير ذلك في توجيه المسلمين، وترمي ثانيا إلى العودة إلى صفاء التعاليم الإسلامية وبساطتها قبل تعقيدها بالشروح المغرضة أو القائمة على تعسف وعدم استقامة في تخريجها ... وبهذا وذلك
стр. 41
يمكن للجماعة الإسلامية أن تعود إلى الوحدة أو على الأقل إلى التماسك أو عدم التضارب في الآراء والسياسة.
ولكن المستشرقين عندما وقفوا على هذه الفكرة ورأوا أثرها الإيجابي في حياة الجماعة الإسلامية المقبلة لو سارت في طريقها الصحيح المرسوم لها، مالوا بها عن هذا الطريق، وشرحوها بأن معنى العودة إلى القرآن وإلى عصر الصحابة الأول -رضوان الله عليهم- هو الرجوع إلى الحياة البدائية التي كانت للجماعة الإسلامية الأولى: فهي عندهم ليست سوى جماعة بدائية! ثم تراهم ينكرون على من يقول بهذه الفكرة أن يدعو إلى الإصلاح، إذ الإصلاح في نظرهم هو التطور، هو الأخذ بأساليب المدنية الحديثة والقوانين المعاصرة وأسلوب الحكم الحديث، فإذا طلب إنسان العودة إلى العهد البدائي والأساليب البدائية باسم الإصلاح، فهو إما مدع للإصلاح، أو غير فاهم لمعنى الإصلاح!
وإذا ترك أصحاب الدراسات الإسلامية من المستشرقين دائرة شرح المبادئ الإسلامية بما يحرفها ويشوه هدفها على هذا النحو، فإنهم يتركونها إلى جانب آخر رئيسي في الحياة الإسلامية وفي صلات المسلمين بعضهم ببعض.. إنهم يتركون هذه الدائرة لينتقلوا إلى مجال العلاقات بين الشعوب الإسلامية، ليذكوا الفرقة القائمة، وليثيروا أسباب أخرى للقطيعة وعدم الاتصال. فيتحدثون عن الكرد والعرب في العراق، وعما بين الجنسين من فوارق في تصور الحياة وفهم العقيدة والأماني القومية. وعلى هذا النحو يتحدثون عن المفارقات بين العرب والبربر في شمالي إفريقيا، وبين سكان الشمال وسكان الجنون في السودان، وبين السنة والشيعة في بغداد أو في إيران والبلاد الإسلامية الأخرى، وعلى الأخص يتحدثون عن العداء بين شعب الجزيرة العربية, وما يسود فيها من مذهب محمد بن عبد الوهاب من جانب، وشعبي العراق وإيران وما يسود فيهما من اتجاه شيعي من جانب آخر.. يتحدثون عن الفجوة بين الحكومات والسياسات في الدول الإسلامية ... إلخ إلخ.
وإذا أكدوا ذلك باسم علم الأجناس، أو باسم طبيعة الشعوب، فإنهم يخلقون هوة أخرى في الإسلام باسم تباين البيئة الجغرافية والعوامل الثقافية القديمة للشعوب الإسلامية، فالإسلام في نظرهم ليس واحدا وإنما هو متعدد،
стр. 42
كان واحدا أيام الفترة البدائية -هكذا يقولون- التي نزل فيها الوحي وتوقف فيها المسلمون عن الشرح وسلموا أمرهم لمبدأ "التفويض" وركزوا جهودهم للإيمان والطاعة، ولكن بعد أن تدخل المسلمون بالشرح، وأدخلوا ثقافتهم القديمة ونزعاتهم الموروثة في شرح القرآن وتعاليم الإسلام، لم يعد الإسلام دينا واحد١. بل هو ديانات إسلامية متعددة، وكلها ديانات ليس لها الطابع الإسلامي بل ليس لها الاعتبار الديني الإسلامي كذلك فهناك إسلام الهند، وإسلام تركيا، وإسلام البربر في شمالي إفريقيا، وإسلام مصر، وإسلام الملايو، وإسلام أندونيسيا وإسلام الصحراء الكبرى وإفريقيا السوداء.. وكل إسلام يختلف عن الآخر، ولكل اعتباره، والجميع مسلمون، وأفهامهم في الإسلام أفهام صحيحة، إذ كلهم أخذ بالمصادر الإسلامية وآمن بالرسالة المحمدية..هكذا يستطرد منطقهم.
وفي هذا الشرح يدخل -بجانب إيجاد ثغرات وفجوات بين المسلمين بعضهم البعض- عامل آخر: وهو عامل التأثر بالمسيحية وبالاتجاه المسيحي. فكثير من العلماء المسيحيين يرون أن المسيحية دين فردي، أو دين شخصي، أو أنه يتكيف حسب الفرد ويتأثر بشخصه، أي: ليست المسيحية دينا يتكون من مبادئ، وإنما هي شعور فردي، وإحساس شخصي بالأصول المقدسة. إن الوحي المسيحي ليس كتابا يتلى ويشرح، بل هو "عيسى" نفسه تستحضر صفاته ويقتدى به في نفس المؤمنين حسب اختلافهم في إدراك هذه الصفات، وحسب اختلافهم في تحديدها، فالمسيحية -لأنها إحساس وشعور فردي- ليست واحدة في التصور والتبعية، ومع ذلك فالمؤمنون بعيسى جميعا مسيحيون مهما اختلفوا فيما بينهم.
وبهذا التصور للمسيحية تأثر هؤلاء في الحكم على الإسلام، بالإضافة إلى الرغبة في إضعاف القيم الإسلامية وتفريق المسلمين، ولذلك لم يروا أن تاريخ الجماعة الإسلامية هو تاريخ لعلاقة المسلمين في أزمنتهم المختلفة بالإسلام الذي تحددت أصوله واستقرت مبادئه بانتهاء الوحي المحمدي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ ولم يفهموا أن الزمن الذي يمر بالمسلمين هو زمن يمر على علاقتهم بالإسلام
стр. 43
وليس على الإسلام كدين وكرسالة من رسالات السماء.. بل جعلوا الإسلام نفسه يتطور، ويضيف جديدا إلى مبادئه بمرور الزمن، تحت تأثير الأحداث المحلية والعالمية، ومن هنا ينصحون المسلمين بعد التمسك بالماضي البعيد أو القريب في تاريخ الإسلام، وإنما عليهم أن يصوغوا الإسلام صياغة جديدة، ويبلوره في صورة تلائم المدنية الإنسانية القائمة، إذ ما صلح للماضي لا يصلح للحاضر؛ لأن صلاحيته كانت مؤقتة ومقيدة بظروف العهد الذي ولى!! والمدنية الإسلامية في تطورها هي التي تملي على المسلمين تكييف الإسلام. ومعنى ذلك أن الإسلام الأول -ومنه فهم المسلمين الأول للقرآن- قد انتهى اعتباره، والزمن وحده هو العامل الأساسي في صياغة الإسلام صياغة جديدة، وفي جعل المسلمين يسايرون المدنية الحديثة، بما فيها من قانون، ومثل عليا للحياة، ونظم للحكم، وأسس لبناء الجماعة وعلاقة الشعوب بعضها ببعض، والإسلام كدين ليس مبادئ إذن، بل هو مجرد نزعة إلى تحسين الإنسان والعمل على صفاء نفسه.
وكما أن الإسلام ليس واحدا، إنما هو متعدد حسب تعدد شعوبه وحسب اختلاف العوامل الثقافية التي تأثر بها مسلمو هذه الشعوب في فهم القرآن. كذلك هو متعدد حسب طوائف المسلمين, فهناك إسلام المتصوفة وإسلام الفقهاء، ومتعدد حسب مصادره, فهناك إسلام القرآن الذي يختلف عن إسلام الحديث والسنة، ويجب أن يمنح الاعتبار للجميع، مع ما قد يكون -وكثيرا ما يكون- بين بعضها بعضا من اختلاف يصل إلى درجة التناقض، إذ إن جميع هذه الأنواع من الإسلام حقائق تاريخية سجلها التاريخ للمسلمين في صلتهم بدينهم وهو الإسلام.
وهاتان الفكرتان: وهما فكرة تجدد الإسلام تبعا لأحداث الزمن وتوقيت بعض أحكامه ومبادئه، وفكرة تعدده كديانات حسب الشعوب المؤمنة به أو حسب طوائفه ومصادره, فكرتان لهما كثير من السيادة والسلطان على اتجاه كثير من المسلمين اليوم في مصر وخارج مصر في البلاد الإسلامية، وبلغ من تأثيرهما على متعلمي الشرق الإسلامي أن وجدنا عددا من المشتغلين بعرض الثقافة الإسلامية يروج لهما، ويدعو إليهما بطرق متعددة.
وتكييف المستشرقين الإسلام على أنه نزعة روحية إلى تحسين الإنسان والعمل على صفاء نفسه، يستتبع أيضا إبعاد الإسلام عن مجال علاقات الأفراد بعضها ببعض في نظام عام، يعبر عنه بالدولة أو الأمة
стр. 44
أو الحكومة، ولو وجد اليوم بين الكتاب المسلمين من يقرر أن الإسلام بعيد عن أن توجد فيه هيئة للإرشاد الديني توفرت على دراسة الإسلام؛ لأنه دين شخصي لا هيمنة فيه لشخص على آخر, لو وجد في هذا النوع من الكتاب لم يكن إلا مرددا لفكرة دعا إليها الاستعمار وتسربت من الفهم المسيحي بوساطة بعض الدارسين للإسلام من المستشرقين.
- أن فكرة إبعاد الإسلام عن مجال العلاقات بين الأفراد ... من وحي الاستعمار.
- وأن فكرة توقيت الجهاد بعهد الرسول ﷺ وعهد صحابته، أو فكرة إلغائه اليوم ... فكرة استعمارية.
- وأن فكرة أن الظروف الدولية تدعو المسلم إلى الولاء لغير المسلم، وإلى رضائه بحكومته فكرة استعمارية.
- وأن فكرة أن الإسلام نفسه يتجدد ويخضع لعامل الزمن في تطوره ... فكرة استعمارية.
وتستتبع هذه الفكرة عدم التقيد بتعاليم الماضي جملة في تكييف الحاضر.
- وأن فكرة أن الإسلام -كدين- يتعدد بتعدد شعوبه وأجناسه.. بتعدد مصادره ... فكرة استعمارية.
- وأن فكرة أن الإسلام دين فردي شخصي لا يصح أن يتدخل في علاقات الأفراد بعضهم ببعض.. فكرة مسيحية استعمارية.
وهي تستتبع ما يقال من وجوب الفصل بين ما يسمى دينا وبين ما يسمى دولة.
- وأن تأسيس مبدأ الإسلام في عدم زواج المسلمة بغير المسلم على فكرة العنصرية.. ومبدأ الجهاد في سبيل الله على نزعة الميل إلى الاعتداء والغزو.. ومبدأ قوامة الرجل على المرأة في الأسرة على فكرة التفوق الجنسي.. وأمثال ذلك من صنع الاستعمار، وأثر من آثار التمهيد
стр. 45
الرضاء بحكمه، بعد ضياع الشخصية الإسلامية، وصهر مجموعة الشعوب الإسلامية فيما يسمى "بالعالمية" أو الإنسانية الدولية.
هذا بعض ما كان من شأن إضعاف القيم الإسلامية والتيئيس من التضامن والتكتل الإسلامي، كمظهر من مظهري النزعة الأولى في الفكر الإسلامي في صلته بالاستعمار الغربي، وهي نزعة تمكن للاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية.
أما المظهر الآخر لهذه النزعة، وهو مظهر تمجيد القيم الغربية المسيحية في الفكر الإسلامي الحديث نتيجة لصلته بالاستعمار الغربي. فالسبيل إلى الوقوف عليه ما تراه من إبراز التفوق الغربي في الصناعة، وزيادة الدخل الخاص والعام الناشئ عن هذا التفوق ... تلك الزيادة التي ترتب عليها رفع مستوى المعيشة وتيسير أمر الحياة الإنسانية لدى الغربيين.
هذا التقدم الصناعي هو المنفذ، أو النقطة التي يبتدئ منها الغربيون في التدلل على رجاحة التوجيه الغربي، وعلى سمو مقاييس الحياة الغربية في السلوك الفردي والعادات الاجتماعية، وعلى أصالة القيم المسيحية، وقوة صلتها بتحرير الإنسان من الجهل والفقر والمرض، وقوة صلتها كذلك بانطلاق الإنسان في الحياة من غير خوف أو وجل!
والحضارة المادية الصناعية ... هي إذن عنوان هذه القيم!!
ومنطق ذلك: أن تخلف المسلمين في مجال هذه الحضارة دليل على تخلف الإسلام في قيمه ومبادئه، وعلى إذلاله الإنسان، وتقييده في السير في هذه الحياة، طبقا لعقيدة الجبر فيه!
ما هي القيم المسيحية ذات الأثر الإيجابي في هذه الحضارة الصناعية؟ أين هذه المبادئ والقيم المسيحية في عرف كثير من هؤلاء العلماء الدارسين للثقافة الإسلامية؟
ليست إلا "شخص عيسى" يستوحي منه السلوك الخلقي في هذه الحياة.
стр. 46
فليست هناك صلة بين المسيحية كدين وبين هذه الحضارة الصناعية الغربية المادية، إلا أن المباشر لهذه الحضارة يعتنق المسيحية وينتسب إلى الشعوب المسيحية، وليست المسيحية دينا للحضارة الإنسانية، وإنما هي دين للسلوك الفردي في الحياة الإنسانية.
ولكن تمجيد القيم الغربية المسيحية على هذا النحو، وبهذا الربط من علماء المسيحية الدارسين للإسلام، والعارضين لمبادئه في الصور السابقة -أوجد صدى في حياة المسلمين وفي نفوس بعض الكتاب والمفكرين من المسلمين، فالحديث عن العلم Science وعن الطريقة العلمية، والدعوة إلى مسايرة خطواته مقترنة بالتقليل من قيمة التراث الماضي -وهو التراث الإسلامي- ينبئ عن هذا الأثر. العلم يدعو إليه الإسلام وتدعو إليه الحياة نفسها، ولكن اقتران الدعوة إلى العلم بالغض من قيمة الإسلام آية على أن منطق ربط الحضارة الصناعية الغربية بالقيم المسيحية أخذ طريقه في الحياة الإسلامية، وعلى أن المقابل لهذا الربط: وهو أن تخلف المسلمين إنما هو لتخلف مبادئ الإسلام وبدائيتها, له وزنه وأثره في توجيه الفكر الإسلامي الصادر من المسلمين.
стр. 47
النزعة الثانية:
أما النزعة الثانية في دراسة الغربيين للإسلام والثقافة الإسلامية, وهي تأكيد الروح الصليبية فتتضح أيما وضوح في كتابة المستشرقين الفرنسيين! فكتاباتهم لا تنبئ فحسب عن ميل لإضعاف المسلمين، بل تنم عن حقد على المسلمين، وعن سخرية وتهكم برسول الله ﷺ ، وررسالته الإلهية.
نعم ... قام أساس الاستشراق على أن الإسلام من صنع محمد، فالإسلام دين بشري، وعلى أن الرسول لفق فيه من المسيحية واليهودية، وأنه حرف في نقله تعاليم هاتين الديانتين؛ إما لأنه لم يستطع فهمها كما يذكرون؛ وإما لأن نفسه لم ترتفع إلى مستوى عيسى حتى يستصوره على حقيقته، ولذلك أنكر محمد على عيسى أنه ابن الإله، وبالتالي أنكر التثليث، وتشبث بالتوحيد وببشرية الرسول. نعم: قام الاستشراق على مثل هذا الأساس، ولكن المستشرقين يختلفون فيما بينهم في تصوير آرائهم، وفي تقرير شروحهم لمبادئ الإسلام، وأشدهم حدة وعاطفة وهوى جامحا، وحيدة عن أدب الكتابة، فضلا عن البعد عن الأسلوب العلمي في الدراسة
стр. 48
والحكمة، مستشرقو فرنسا، ومستشرقو الكثلكة على العموم في أوروبا وأمريكا.
ولو فتشنا عن السبب لوجدناه في احتضان فرنسا للكثلكة، وفي زعماتها للحملات الصليبية الماضية لاسترداد بيت المقدس من البرابرة "المسلمين".
فروح الصليبية لم تزل حية في نفوس الفرنسيين، ولم يزالوا يصدرون عنها في أحكامهم عن الإسلام والمسلمين، وفي معاملاتهم للمسلمين كذلك. الخاضعين لاستعمارهم أو لسيطرتهم بوجه ما، وفي توجيه سياستهم نحو المسلمين الخارجين عن نفوذهم!
لم أر في دراستي للاستشراق حتى الآن مسيحيا بروتستنتيا عالج التراث الإسلامي بأسلوب الكاثوليكي، ولا بروحه الحاقدة الجامحة!
يقول "كيمون" المستشرق الفرنسي في كتابه "باثولوجيا الإسلام": "إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا، بل هي مرض مريع، وشلل عام، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء، ويدمن على معاقرة الخمور ويجمح في القبائح، وما قبر محمد إلا عمود كهربائي يبعث الجنون في رءوس المسلمين، ويلجئهم إلى الإتيان بمظاهر الصرع العامة والذهول العقلي، وتكرار لفظة "الله" إلى ما لا نهاية، والتعود على عادات تنقلب إلى الطباع أصيلة: ككراهة لحم الخنزير والنبيذ، والموسيقى، وترتيب ما يستنبط من أفكار القسوة والفجور في الذات ... "١.
هذا الاتجاه من اتجاهي الفكر الإسلامي الحديث في صلته بالاستعمار الغربي: هو الاتجاه الممالئ للاستعمار والممهد لحكمه والرضاء به، سواء أكان من المسلمين أنفسهم أو من غيرهم؛ لأن تفكير غير المسلمين في هذا الاتجاه لم يبق منفصلا ولا بعيدا عن العقلية الإسلامية داخل البلاد الإسلامية. بل كان أهم رافد لتبلور هذا الاتجاه نفسه بين المسلمين، وأن الحديث عن
стр. 49
الاستشراق إذن هنا حديث عن خطر نفذ إلى المسلمين، ووجد أعوانا له من أرباب الفكر والقلم والعلم والسياسة في الشعوب الإسلامية ... ويكاد يكون هو العامل الموجه لما نسميه بـ"الفكر الإسلامي الممالئ للاستعمار الغربي".
هناك مصدر آخر لم أشأ الحديث عنه الآن.
أنه كتب الرحلات التي كتبها الرحالون المسيحيون المتجولون في الديار الإسلامية، فهذه الكتب كتبت بأسلوب تهكمي، وروح قصصية اختراعية، تغذي خيال الشعوب المسيحية الغربية والأمريكية، ولها أثرها السلبي في تصوير الإسلام والمسلمين -وهو أثر قوي- على هذه الشعوب!
ولم أشأ الحديث عن هذه الكتب؛ لأن صلتها- كمظهر داخل البلاد الإسلامية- بالفكر الإسلامي واهية؛ ولأن أغلبها غير معروف للمسلمين حتى الآن.
стр. 50
الباب الثاني: اتجاه مقاومة الاستعمار الغربي
مقاومة مزدوجة
...
مقاومة مزدوجة:
لم يستطيع الاستعمار الغربي أن ينفرد بالتوجيه داخل الشعوب الإسلامية, رغم ما بذله في سبيل تفرده بذلك من مال وسلطة ودهاء في السياسة، وتبشير بالفكر الأوروبي وبالمسيحية، وتيئيس للمسلمين في صور شتى: في مستقبلهم، وفي علاقتهم بإسلامهم.. بل وجد مقاومة له ومعارضة لذلك الاتجاه الفكري الذي خلقه أو أوصى به.
أخذت المقاومة للاستعمار الغربي طابعا سياسيا، ولكن قامت على توجيه إسلامي وعلى فكر إسلامية أصيلة. وتكون من هذا التوجيه، وهذه الفكر الإسلامية الأصيلة معا، ما نسميه: "بالاتجاه الفكري الإسلامي المقاوم للاستعمار الغربي".
ولكان لا بد لهذا الاتجاه أن ينقد الاتجاه الآخر المقابل له، وينقد عناصره الفكرية: سواء من الوجهة المنطقية الإنسانية، أم من الوجهة الإسلامية، وفي الوقت الذي يقوم فيه بالنقد كان لزاما عليه كذلك أن يعرض خطة عملية لمقاومته، ومقاومة الداعين له والمساعدين على الدعوة إليه.
ولذلك نرى هذا الازدواج في الدعوة إلى مقاومته: نرى نقدا نظريا، ومنهجا عمليا.. وبعبارة أخرى نرى: سياسة، ودينا.
أما النقد النظري: فيعرض لمثالب العناصر الفكرية أو المذهبية التي تعين الاستعمار في استعماره ... فنرى: نقدا لحركة السيد أحمد خان، ونقدا آخر للقاديانية، ونقدا ثالثا للاستشراق الغربي الذي ألبس ثوب العلم. ونرى الناقدين لهذه العناصر يضعون منهجا فكريا آخر لتقوية المسلمين في معارضتهم للاستعمار، وفي صلتهم بالإسلام وفهمهم لمبادئه، فهما يمكنهم من السير في الحياة القائمة.
- نرى "جمال الدين الأفغاني": يحمل على السيد أحمد خان، وينقد اتجاهه الطبيعي نقدا مرا في كتاب سماه: "الرد على الدهريين". وفي الوقت نفسه يدعو المسلمين جميعا إلى العودة إلى القرآن الكريم، ونبذ الخصومة المذهبية، والرجوع إلى حال المسلمين الأول، قبل انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع العباسيون باسم
стр. 51
الخلافة، دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه، كما كان الراشدون رضي الله عنهم١.
- ونرى "محمد إقبال" يهاجم القاديانية هجوما عنيفا من الوجهة الإسلامية والوطنية، وفي الوقت نفسه يكتب كتابه: "تجديد الفكر الديني في الإسلام" Re-construction of Religious Thought in Islam ويوضح فيه محاولته لتقرير "علم الكلام" الإسلامي في صورة حديثة، كما يوضح مزايا التعاليم الإسلامية في خلق جماعة حية قوية، ويطلب إلى المسلمين أن يفهموا الإسلام في ضوء الحياة المعاصرة، وأن يسعوا في تكييفها وطبعها بطابع إسلامي بدلا من وقوفهم عن حد مفاهيم عصر الركود للمبادئ الإسلامية، تلك المفاهيم التي لم يعد التمسك بها الآن ذا أثر إيجابي في حياة المسلم الحاضرة.
ونرى "الشيخ محمد عبده" يهاجم الاستشراق، ثم يضطره هذا الهجوم إلى الكتابة عن مزايا الإسلام بالنسبة للمسيحية، وفي ذات الوقت يضع منهجه التربوي لفهم إسلام القرآن والسنة الصحيحة بدلا من إسلام المتكلمين، وإسلام أرباب الكتب المتأخرة التي كانت تعيش في عزلة عن الحياة العامة. وهذه الحياة العامة نفسها، كان طابعها هو الانقسام إلى شيع، والتعصب والتقليد الضار، والضعف السياسي والاقتصادي ... ويسنعكس هذا كله على كتابات العصر لو عشات فيه. ويضع محمد عبده منهجه لإصلاح الأزهر على أمل أن يدرك أهله ورواده -وهم أصحاب الثقافة الإسلامية، والثقافة القومية الوطنية: الثقافة الأصلية في هذا الشرق الإسلامي- رسالة الإسلام: في نفسها كمبادئ وتعاليم، وكذا بين المسلمين كجماعة لها شخصيتها ولها هدفها في الحياة.
نرى الشيخ محمد محمد عبده يدعو إلى القرآن والرجوع إلى عهد صدر الإسلام في طريق فهمه، والوحدة حوله. وفي الوقت نفسه يفسر القرآن بما يعيد على أسماع المسلم صلة الإسلام بالحياة، وانتزاع التوجيه فيها من مبادئه ومن خطة الرسول ﷺ ، وصحابته رضوان الله عليهم.
كان ثلاثتهم من المفكرين.
وكان ثلاثتهم من السياسيين أصحاب التوجيه ضد الاستعمار الغربي ... وليسوا من أصحاب السياسة الحزبية.
стр. 52
محمد جمال الدين الأفغاني ١٨٣٩-١٨٩٧ كأول مكافح للاستعمار الغربي:
"جمال الدين الأفغاني".. زعيم من زعماء الحركات الإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يختلف بعض الاختلاف عن زعيمين آخرين سابقين عليه هما:
- "محمد بن عبد الوهاب" ... في القرن الثامن عشر.
- و"محمد بن علي السنوسي الكبير" ... في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
كل من هذين.. عاش في الصحراء، وإن ارتحل عنها فإلى داخل البلاد الإسلامية، وبعض هذه البلاد شبيه ببعض: في سيادة البدعة فيها، واختلاف المسلمين إلى شيع وأحزاب، وفي ضعف الأفراد، واستبداد الحكومات أو الولايات، والرضا من الحياة بـ"الوسيلة والشفاعة" والاكتفاء بالقعود عن السعي الجدي في طلب الرزق أو تنميته أو المحافظة على كرامة الجماعة أو مجدها.
كل من هذين ... لم ير في مجال نشاطه إلا "العيوب" الداخلية، فأخذ يكافحها باسم الإسلام، وعلى أساس من الإسلام، والإسلام الذي رآه كلاهما أساسا للدعوة الإصلاحية، هو إسلام الصدر الأول: في فهمه، والتمسك بمبادئه، وفي موقفهم في الحياة من أجله.
لم يعرف كل منهما نظم الغرب في حياة الأوروبيين بعد نهضته ... لم يعرف كل منهما معرفة مباشرة حياة عملية أخرى ... مستقيمة نوعا ما عن حياة المسلم في ذاك الوقت، تسير في مكان آخر وراء رقعة العالم الإسلامي، ويسودها صالح الأمة لا صالح الحاكم، ويسيطر عليها صالح الأفراد جميعا لا صالح الراعي وحده!
стр. 53
أما "جمال الدين" ... فبجانب وقوفه على عيوب الحياة الإسلامية، رأى رؤية مباشرة لونا إيجابيا من الحياة، خاليا من كثير من هذه العيوب والنقائض.
ارتحل أولا في بلاد الهند، ومصر، والحجاز، وإيران، والعراق، واستانبول من بلاد الشرق، وارتحل ثانيا إلى لندن، وباريس، وميونيخ في ألمانيا، وبطرسبرج في روسيا من بلاد الغرب.
ورحلته هنا وهناك، كشفت له: عن ضعف في جانب، وقوة في جانب آخر، واستكانة في جانب وتحفز في جانب آخر! وكشفت له عن أن هذا التحفز من الجانب الآخر، إنما هو ليلتهم هذا الجانب المستكين وليذله، وليبدل وضعه في التاريخ!
ومعرفة جمال الدين بالإسلام, ثم وقوفه على المسيحية, أراه أن الإسلام في نفسه أداة قوة ومنعة وعزة وسطوة, بينما مسيحية الغربيين وسيلة للضعف والاستكانة!!
ولذا يقول:
" ... وبعد، فموضوع بحثنا الآن: الملة المسيحية الإسلامية، وهو بحث طويل الذيل، وإنما نأتي فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل ...
"إن الديانة المسيحية بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء، وجاءت برفع القصاص وإطراح الملك والسلطة، ونبذ الدنيا وبهرجها، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدينين بها، وترك أموال السلاطين للسلاطين، والابتعاد عن المنازعات الشخصية والجنسية، بل والدينية! ومن وصايا الإنجيل من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر, ومن أخباره: أن الملوك إنما ولايتهم على الأجساد وهي فانية، والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح هي لله وحده!
"والديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة، والافتتاح والعزة، ورفض كل قانون يخالف شريعتها، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها، فالناظر في أصول هذه الديانة، ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل يحكم حكما لا ريب فيه بأن المعتقدين بها لا بد أن يكونوا أول ملة حربية في العالم، وأن يسبقوا جميع
стр. 54
الملل إلى اختراع الآلات القاتلة، وإتقان العلوم العسكرية، والتبحر فيما يلزمها من الفنون، كالطبيعة والكيمياء وجر الأثقال والهندسة وغيرها! ومن تأمل في آية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ١ أيقن أن من صبغ بهذا الدين فقد صبغ بحب الغلبة، وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل سبيلها، والسعي إليها بقدر الطاقة البشرية، فضلا عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من تغلب غيره عليه! ومن لاحظ أن الشرع الإسلامي حرم المراهنة إلا في السباق والرماية، انكشف له مقدار رغبة الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرين عليها ... "٢.
ونتيجة هذا التنقل بين البلدان في نفس "جمال الدين" مع المفارقات التي رآها في حياة المسلمين وحياة الغربيين: هي أن تكون دعوته إلى التعجيل بحياة إيجابية متكاملة داخل البلاد الإسلامية أقوى, أو على الأقل تسير جنبا إلى جنب مع الدعوة إلى مكافحة العيوب الجزئية الداخلية، وهي عيوب نشأت عن إهمال الإسلام بسبب ما تراكم عليه من غبار!!
كان جمال الدين الأفغاني -لهذا الاتصال المباشر بالغربيين- يضع أمام سامعيه "مثلا منظورا" من الحياة يريد أن يصل إليه المسلمون، ولكن عن طريق التمسك بإسلامهم الذي أودع في كتاب الله ... وليس عن طريق ذاك الذي شوهته العقول المغرضة وحرفته الألسنة الملتوية!!
بينما كان المثل الذي كان ينشده بن عبد الوهاب يعيش في تاريخ الماضي وهو حال المسلمين الأول، وهو كذلك "أمل وغاية" يقدم عليه التابعون للدعوة بدافع محض الاعتقاد والتصور المثالي، أكثر من دافع الحقيقة المشاهدة!
وعلى هذا النحو كان موقف الفريقين، جمال الدين من جانب، ومحمد بن عبد الوهاب والسنوسي الكبير من جانب آخر، في الدعوة إلى مقاومة النفوذ الخارجي اللاإسلامي.
- محمد بن عبد الوهاب، وعلى سنته محمد بن علي السنوسي الكبير، كلاهما يقف في تكتيل المسلمين ضد النفوذ الخارجي عن طريق استعراض أوصاف الكفر والإيمان في ذهن المسلم، وما يجب على المسلم اتباعه
стр. 55
في شأن الولاية العامة قبل غير المسلم من الحكام والولاة، إذا قيض لهؤلاء أن يديروا أمر المسلمين!
- ولكن جمال الدين الأفغاني كان -إلى جانب ذلك- ينتزع الأمثلة من تاريخ الشعوب، ومن تاريخ الأمة الإسلامية نفسها، كما ينتزع الشواهد المحسوسة التي تفزع المسلمين من السياسة الاستعمارية في البلاد الإسلامية "في الهند ومصر على الخصوص".. هذه الأمثلة التي كان ينتزعها من شواهد الحياة الإسلامية ومظاهرها في وقته، مع بيان مدى ألاعيب السلطات الأجنبية ودسائسها، وهدفها الذي نهايته بسط النفوذ الأوروبي لصالح الجماعة الأوروبية وحدها على رقعة العالم الإسلامي.
هذا الاحتكاك المباشر نفسه هو الذي أظهر حركة جمال الدين في صورة حركة سياسية.. وهو نفسه السبب في أن يلقي جمال الدين بمركز الثقل في نشاطه على "الحرية السياسية" في الشرق الإسلامي "للمواطنين جميعا: مسلمين ومسيحيين".
- بدأ في نشاطه الحديث عن "الأمة" أكثر من الحديث عن المسلم، والحديث عما يجب أن يكون من صلة بين الحاكم والأمة من تبادل المشورة بينهما لا على نحو أن يكون أولهما سيدا والطرف الآخر مسودًا ومستعبدًا.
- كما بدأ الحديث عن مقاومة الاستعمار الغربي في صورة سافرة.
- بعد ذلك كله ... أكثر من الحديث عن مقاومة البدع، أو محاربة فرقة معينة من الفرق الإسلامية!
تلون نشاطه بهذا اللون السياسي العام، ولكن عماد هذا النشاط وأساسه الذي يقوم عليه ومصدره الذي يجب أن يخرج منه: بقي "القرآن" والقرآن وحده يقول: "لا ألتمس بقولي هذا -في الدعوة إلى الوحدة- أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما كان عسيرًا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن, ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه"١.
стр. 56
إن حركة جمال الدين الأفغاني هي في واقع الأمر امتداد للكفاح الإسلامي في تاريخ الجماعة الإسلامية، وليست حركة منعزلة عن غيرها ... إن أساسها كأساس أية حركة كفاحية إسلامية ماضية، وغايتها ذات الغاية لهذه الحركات جميعها.
لقد ركز الإسلام جهده في أول أمره وفي جماعته الأولى: لنشر دعوته.
ثم بعدما انتشرت هذه الدعوة، تحولت جهوده -في آخر عصر الأمويين لمكافحة "الزندقة" الشرقية التي هي من مخلفات العقائد السابقة في الشرق، والتي نفذت إلى الجماع الإسلامية في صورة أو أخرى. فنشأت مدرسة "الاعتزال" الكلامية، ثم نشأت على أثرها مدارس أخرى تعارضها، أو تحاول أو توفق بينها وبين اتجاه آخر في الجماعة الإسلامية.
وهنا ابتدأ الإسلام يكافح من أجل بقائه والحرص على سلامته، وليس من أجل انتشار دعوته، كما كان الحال في الجماعة الأولى وعلى عهد الرعيل الأول.
- ثم انتقل ثقل النشاط في عصر العباسيين لمعانقة الفكر الإغريقي أو مهاجمته؛ وهو دخيل على الجماعة الإسلامية. وبذلك استمر الوضع السابق في الكفاح، وهو الكفاح من أجل البقاء والسلامة الذاتية.
- ثم تحول هذا النشاط قبيل سقوط بغداد، وبعد سقوطها على يد التتار "٦٥٦هـ"، إلى مقاومة الاعتداء الخارجي المسلح -وليس الاعتداء الفكري- ممثلا في غارة الصليبيين من جانب، والتتار من جانب آخر. وفي الوقت نفسه اتجه جزء من هذا النشاط إلى مقاومة الضعف الداخلي الذي تمثل في أثر "الباطنية" وتعاليمها، وفي غلو "التصوف" في تصور صلة الله بالإنسان على نحو حلولي، كما يتضح عند ابن عربي والحلاج، وكان زعيم هذه المقاومة الخارجية والداخلية ابن تيمية، في القرن الرابع عشر الميلادي.. وكان الكفاح الإسلامي كذلك من أجل البقاء والسلامة الذاتية.
- إلى أن جاءت الحركة الوهابية فوضعت ثقل الكفاح على مقاومة الضعف الداخلي، وهو ضعف يستند إلى تعاليم الباطنية، وانحراف فريق من المتصوفة، ومع ذلك لم تغفل هذه الحركة مقاومة الهجوم الخارجي الذي بدت طلائعه في ضعف الخلافة العثمانية، تحت الضغط السياسي: الروسي القيصري المسيحي، والإنجليزي، والأوروبي بوجه عام.
стр. 57
- حتى جاء جمال الدين الأفغاني فأعاد ميزان الكفاح مرة ثانية نحو مقاومة الاعتداء الخارجي، وهو اعتداء ظهر في ثوب سياسي، فبدت لذلك حركة جمال الدين سياسية أكثر منها دينية، مع أنها قامت على الإسلام، واستندت إليه في خطواتها، وفي تحديد غايتها.
وهكذا كان لموضوع الكفاح أثر في تلوين الكفاح نفسه.
- على أيام المعتزلة كان الكفاح الإسلامي كفاحا دينيا، أو "كلاميا".
- وعلى أيام الفلسفة الإغريقية كان كفاحا فكريا، أو فلسفيا.
- وعلى أيام ابن تيمية كان كفاحًا ضد الصليبيين أو التتار.
- وعلى أيام ابن عبد الوهاب كان كفاحا ضد البدعة والخرافة.
- وعلى عهد جمال الدين الأفغاني كان كفاحا سياسيا ضد الاستعمار الغربي.
وفي كل حركة من هذه الحركات كان الدين أساسا أوليا، وفي الوقت نفسه كان هدفا أخيرا وغاية مطلوبة.
حركة "جمال الدين الأفغاني" في مظهرها حركة سياسية، وفي جوهرها حركة إسلامية.
- كان جمال الدين يتحدث عن "وحدة المسلمين" مرة، وعن "حكومات إسلامية مستقلة يرتبط بعضها ببعض في "شبه اتحاد" مرة آخرى.
ومع ذلك فالشيء الذي لم يتغير عنده هو الدعوة إلى الأخذ بتعاليم الإسلام، سواء في قيام الحكومة الواحدة أو في ارتباط الحكومات المختلفة.
- يتحدث عن أخذ ما عند الغرب من حضارة ومدنية وعلم.. ولكن على أساس أن يكون ذلك في تلاؤم مع الإسلام؛ أو لأن الإسلام يدعو إليه.
- ويتحدث عن مقاومة الاستعمار الغربي وبالأخص عن مقاومة الاستعمار الإنجليزي، ولكنه في حديثه عن ذلك يتكئ على الإسلام، ويطلب تحقيق تعاليمه.
- ينقد سلطان الآستانة وشاه إيران وخديوي مصر؛ لأن كل واحد من هؤلاء لا يرغب في إعطاء الشعب حريته في الرأي والقول والمشورة،
стр. 58
ولا يرغب في اعطاء الشعب دستورًا يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكومين، يأتي نقده لمصلحة الشعب، فتبدو عليه مسحة العمل السياسي ... ولكن هذا النقد أسس على الإسلام وعلى مبادئه التي تصون هذه المقدسات: حرية الشعب، وسيادته، ووضع الحاكم منه وضع المنفذ لمشيئته، لا وضع السيد صاحب السيادة المطلقة عليه.
- يدعو إلى الترابط الوثيق بين المسلمين وغير المسلمين في الأوطان الإسلامية وإلى عدم التمييز بين مسلم وغير مسلم، فتبدو دعوته هذه في مظهر "الشرقية" أو "الوطنية" تبدو سياسية، ولذلك يميل بعض المؤرخين لجمال الدين إلى أن يسمي حركته هذه بـ"الحركة الشرقية". ولكن هو في دعوته هذه مسلم، وعمله عمل إسلامي؛ لأنه يستند إلى الإسلام في تاريخ الفتوح، وفي تعاليمه في الصلة بين المسلم وغيره، سواء في مكان واحد، أو مكانين مختلفين.
- يدعو إلى نبذ الخصومة بين الشيعة والسنة، ليؤلف بين سلطتين قويتين في رقعة العالم الإسلامي إذ ذاك: بين سلطة إيران وسلطة القسطنطينية، بعد ذهاب دولة الهند الإسلامية، فيبدو لذلك سياسيا أو وسيطا في مجال السياسة، ولكنه هو يدعو بدعوة الإسلام في ذلك.
- يحارب المذهب الطبيعي -الدهري- الذي انتشر في الهند ١٨٩٧م، والذي قال فيه: أنه سيفرق المسلمين هناك إلى طائفتين: طائفة القديم وطائفة الجديد، طائفة أصحاب الطاعة والولاء للحاكم المستعمر، والطائفة الأخرى المناوئة المقاومة لنفوذه وولايته، كما سيفرق بين مسلمي الهند من جانب والخلافة العثمانية من جانب آخر، فيظهر مرة أخرى في دعوته هذه بمظهر الرجل الذي يريد أن يحافظ على وحدة الإمبراطورية الإسلامية الجغرافية، ولكنه في هذا الرد يقاوم الإلحاد الديني بصفة عامة، ويوضح ضرورة الدين للمجتمع الإنساني، أي دين. ثم يذكر مزايا الإسلام، التي تكفل للإنسان متعة في هذه الحياة أرفع بكثير من تلك المتعة التي يهيؤها له اعتناق المذهب الطبيعي "المادي أو الدهري". فهو في هذا مسلم، وعمله عمل إسلامي كذلك١.
ويعنينا الآن بالذات مقاومته للفكر الإسلامي الذي قام لخدمة الاستعمار.
стр. 59
مقاومة جمال الدين للاستعمار الغربي وللفكر الإسلامي المعاون له:
- الرد على الدهريين في الهند:
"جمال الدين" يرى أسلوب الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية يتخذ صورا مختلفة للقضاء على الشخصية الإسلامية التي مصدرها القرآن، والتي تجمع بين المسلمين في رباط واحد، وأخطر صورة يراها من بين الصور، تلك الصورة، التي تسعى لإفساد عقيدة المسلم: إما بتشكيكه فيها أو بمحاولة صرفه عنها. وعنى بذلك المذهب الطبيعي، وهو ما سماه بمذهب الدهريين في الهند، فهو سلاح خطر ضد المسلمين: ضد قوتهم في وحدتهم. وضد مصدر هذه القوة: الذي هو الإسلام. وخطورة هذا المذهب على الإسلام في نظر جمال الدين -وإن كان تحديا للدين من حيث هو دين- أن الذين يدعون إليه في الهند "لبسوا ثوب المسلم" وقصدوا إلى إضعاف المسلم بالذات في عقيدته كما نقلنا عنه فيما مضى١.
ومع أنه صريح فيما نقل عنه سابقا بتحديد من سماهم جماعة الدهريين في الهند ونياتهم من نشر هذا المذهب بين المسلمين، ذكر في موضع آخر بأنه لا يقصد توجيه الرد إلى هذه الجماعة، ولا إلى التشنيع عليهم، وإنما قصده إحقاق الحق في ذاته فقط ... يقول٢:
"ولا يظنن ظان أنا نقصد من مقالنا هذا تشنيعا بهؤلاء الطبيعيين في الهند.. كلا! إن هؤلاء لا نصيب لهم من العلم ولا من الإنسانية، فهم بعيدون من مواقع الخطاب، ساقطون عن منزلة اللوم والاعتراض.. وإنما غرضنا الأصلي إعلان الحق وإظهار الواقع"!!.
стр. 60
ويتضمن رده على الدهريين ثلاثة أمور:
- بيان ضرورة الدين للجتمع.
- وبيان خطر انتشار المذهب الطبيعي على المجتمع.
- ثم مزية الإسلام كعقيدة ودين على الأديان الأخرى.
الدين ضرورة للمجتمع:
يرى جمال الدين أن العقيدة الدينية كعقيدة، تكفل للمجتمع الإنساني ثلاثة عناصر رئيسية:
- الحياء.
- والأمانة.
- والصدق.
ويفيض في شرح هذه العناصر، وضرورتها للسلوك المستقيم في المجتمع ... مرة عن قيمتها في نفسها، وأخرى عن بيان أن المذهب الطبيعي لا يجتمع معها، فضلا عن أن يكفلها ... وفي بيانه هذا، يسلك طريق "السبر والتقسيم". يقول١:
"إن وهم الدهري لا يجتمع مع فضيلة الأمانة، والصدق، وشرف المهمة، وكمال الرجولة؛ وذلك لأن الإنسان له شهوات لا تحد.
وإن الطبيعة لم تحدد طريقا معينا لتحصيل هذه الشهوات، فطريقها:
- إما بالسيف والقوة: وهذا يفضي إلى سفك الدماء والتخريب.
- وإما شرف النفس. وشرف النفس محدود بالعرف والعادة، وليس له مقياس عام.
- وإما الحكومة: وهي لا تعرف إلا الاعتداءات الواضحة، أما المفاسد المموهة فلا تعرفها.. على أن رجالها قد يكونون أيضا من المفسدين.
стр. 61
- وأما الاعتقاد بمدبر الكون، وبأنه مالك الجزاء في الحياة الأبدية، وذلك هو المتعين.
ويعقب بعد ذلك بقوله:
"فتبين مما قررنا أن الدين وإن انحطت درجته بين الأديان وهي أساسه فهو أفضل من طريق الدهريين، وأحسن بالمدنية ونظام الجماعة الإنسانية، وأجمل أثرا في عقد روابط المعاملات، بل في كل شأن يفيد المجتمع الإنساني، وكل ترق بشري إلى أية درجة من درجات السعادة في هذه الحياة الأولى، فلم تبق ريبة في أن الدين هو السبب الفردي لسعادة الإنسان، فلو قام الدين على قواعد الأمر الإلهي الحق، ولم يخالطه أباطيل من يزعمونه، ولا يعرفونه، فلا بد أن يكون سببا في السعادة التامة والنعيم الكامل"١.
أضرار المذهب الطبيعي المادي على المجتمع:
أما أضرار المذهب الطبيعي المادي على المجتمع، فجمال الدين الأفغاني يوضحها بذكر أمثلة من تاريخ الجماعات المختلفة، التي سيطر عليها هذا المذهب في فترة من تاريخ حياتها قديما وحديثا، ويرى أن المذهب الطبيعي قد برز في صور متعددة على هذا النحو:
- مذهب "أبيقور": في الشعب الإغريقي٢.
- مذهب "مزدك": في الشعب الفارسي٣.
- مذهب "الباطنية": في الجماعة الإسلامية٤.
- مذهب "فولتير، وروسو": في الشعب الفرنسي٥.
- مذهب "العصر الجديد": في تركيا٦.
стр. 62
- مذاهب "الاشتراكية، الاجتماعية": في أوروبا، وبخاصة في الشعب الروسي١.
- مذهب "المورمان" في أمريكا٢.
ويقول جمال الدين شارحًا لذلك:
"إن حياة الشعب الإغريقي فسدت بإباحية المذهب "الأبيقوري"، وكذلك فسدت الحياة في الشعب الفارسي عندما تأثرت "بمزدك".
والمسلمون عندما دخلت عليهم الباطنية٣ "بمذهبهم في القرن الرابع الهجري" بمصر، أفسدت حياتهم!! وهو يرى أن ضعف المسلمين ابتدأ حقيقة منذ ظهور "الباطنية"، والعقائد الطبيعية أو الدهرية، وليست الحروب الصليبية هي بداية هذا الضعف وأمارته، بل كانت إحدى نتائج هذا الضعف، وهذه العقائد هي إذن التي مهدت لهذه الحروب الصليبية، وكذا لحرب التتار٤.
وينسب إلى الباطنية أنهم يقولون: "إن الله منزه عن مشابهة المخلوقات ... ولو كان موجودا لأشبه الموجودات، ولو كان معدوما لأشبه المعدومات، فهو لا موجود ولا معدوم"٥.
стр. 63
ثم يقول: "الفرنسيون حتى القرن الثامن عشر كانت لهم أخلاق فاضلة: قوامها الترابط وعدم الانحلال، حتى ظهر فولتير وروسو، وسخرا من الدين والإله، فبدأ التحلل على أشده, وآراؤهما هي التي أضرمت نار الثورة الفرنسية وأفسدت أخلاق الكثير من أبنائها، فاختلفت بها المشارب وتتابعت المذاهب، وقام على مذهب فولتير وروسو مذهب الـ"كومن"Common "الاشتراكية" ولو تدارك الأمر أرباب العقائد النافعة لنسفت الاشتراكية على أديم فرنسا١، وما صنعه نابليون الأول في إعادة المسيحية لم يجد كثيرا ... كما لم يجد انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في إعادة الإسلام إلى مجده الأول في الجماعة الإسلامية الأولى.
والأمة العثمانية إنما رقت حالها في الأزمنة الأخيرة بما دب في نفوس بعض عظمائها وأمرائها من وساوس الدهريين، فإن القواد الذين اجترحوا أثم الخيانة في الحرب الأخيرة بينها وبين روسيا -الحرب الروسية التركية ١٨٧٧-١٨٧٨م في البلقان- لزحزحة الأتراك كمسلمين عن شبه جزيرة البلقان وبلاد اليونان، كانوا يذهبون مذهب الطبيعيين، وبذلك كانوا يعدون أنفسهم من أبناء الأفكار الجديدة "أبنا العصر"، وربما كانت هذه الأفكار غاية "جمعية الإصلاح والترقي" التي نشأت بعد ذلك، لذلك خان أولئك الأمراء ملتهم مع ما كان لهم من الرتب الجليلة، ورضوا بالدنية، واستناموا إلى الخسة، ونسفوا بيت الشرف العثماني، وجلبوا المذلة على شعوبهم بعرض من الحطام قليل"٢.
والسوشيالست "الاجتماعيون أو الاشتراكيون" والنيلست٣، "العدميون"؛ والكوميونست "الشيوعيون" غايتهم جميعا رفع الامتيازات الإنسانية كافة, وإباحة الكل للكل، واشتراك الكل في الكل.. وجميعهم
стр. 64
على اتفاق في أن جمع المشتهيات الموجودة على سطح الأرض منحة من الطبيعة "والإخاء للتمتع بها سواء" والدين والملك عقبتان عظيمتان، وسدان منيعان يعترضان بين أبناء الطبيعة ونشر شريعتها المقدسة "الإباحة والاشتراك". فإن من الواجب على طلاب الحق الطبيعي أن ينقضوا هذين الأساسين، يبيدوا الملوك ورؤساء الأديان، ثم يعمدوا إلى الملاك وأهل السعة في الرزق, فإن دانوا لشرع الطبيعة فخرجوا على الاختصاص فتلك، إلا أخذ بأعناقهم قتلا، حتى يعتبر بهم من يكون من أمثالهم فلا يلوون رءوسهم كبرا على الشريعة المقدسة شريعة الطبيعة١.
"وكثرت أحزابهم، ونمت شيعتهم في أقطار الممالك الأوروبية، خصوصا مملكة الروسيا، ولا جرم أن هذه الطوائف إذا استفحل أمرها وقوي ساعدها على المجاهرة بأعمال لها، قد تكون سببا في انقراض النوع البشري كما تقدم ذكره"٢.
الدين الإسلامي:
ثم يتحدث عن الدين الإسلامي فيقول:
"إنه في مقدمة الأديان من حيث حاجة البشرية إليه؛ لأن له مزايا ليست متوافرة في دين آخر.
- أولا: صقل العقول بصقال "التوحيد" وتطهيرها من لوث الأوهام، وذلك يحول دون اعتقاد أن كائنا من الكائنات له تأثير نفع أو ضر، كما يحول دون اعتقاد أن الله يظهر بلباس البشر أو حيوان آخر، أو أن تلك الذات المقدسة نالت شديد الألم لمصلحة أحد من الخلق.... كما توجد تلك الأوهام: في ديانات براهما في الهند، وبوذا في الصين، وزرادشت في بقايا الفارسيين٣.
- ثانيا: محق امتياز الأجناس وتفاضل الأصناف وقرر المزايا البشرية على قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير، فالناس إنما يتفاضلون بالعقل
стр. 65
والفضيلة، وقد لا نجد في الأديان ما يجمع أطراف هذه القاعدة, فالبراهمية قسمت الناس إلى طبقات، واليهودية فضلت شعب إسرائيل على بقية الشعوب.
- ثالثا: جعل العقيدة قائمة على الإقناع، لا على التقليد واتباع ما كان عليه الآباء، والدين الإسلامي كلما خاطب خاطب العقل، ويكاد يكون منفردا بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون.
- رابعا: نصب المعلم ليؤدي عمل التعليم، وأقام المؤدب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢.
"فإن قال قائل: إن كانت الديانة الإسلامية على ما بينت، فما بال المسلمين على ما نرى من الحال السيئة والشأن المحزن؟
"فجوابه: أن المسلمين كانوا كما كانوا، وبلغوا بدينهم ما بلغوا، والعالم يشهد: وأكتفي الآن من القول بهذا النص الشريف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣.
- محاربة الاستعمار البريطاني:
أما الشق الثاني في مقاومة الاستعمار الغربي في كفاح "جمال الدين" فيوجهه إلى الاستعمار البريطاني بخصوصه ... ولعل ذلك كان نتيجة احتكاكه المباشر به في مصر والهند.
ففي مصر في المدة الواقعة بين مارس سنة ١٨٧١ و٢٤ أغسطس سنة ١٨٧٩م، عاصر جمال الدين بعثة Cave سنة ١٨٧٥ التي وفدت إلى مصر لفحص ماليتها، وإنشاء مصلحة للرقابة المالية يخضع الخديوي لمباشرتها، وهي تلك الرقابة التي تمثلت في "صندوق الدين" الذي أنشئ
стр. 66
في سنة ١٨٧٦م، كما قامت بإنشاء نظام الرقابة الثنائية لمراقبة مصروفات الحكومة من اثنين: أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي, وبإنشاء لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية، ثم تطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف وزارة مختلطة برئاسة نوبار باشا -المنحدر من أصل أرمني، يدخلها وزير إنجليزي لوزارة المالية وآخر فرنسي لوزارة الأشغال، نعم كان الاحتلال البريطاني الرسمي في سنة ١٨٨٢م، أي: بعد ما أبعد جمال الدين عن مصر في سنة ١٨٧٩م، ولكن إذا عرف إن إبعاده عن مصر قبل الاحتلال البريطاني بثلاث سنوات كان بمشورة القنصل الإنجليزي "المستر فيفان" على الخديوي توفيق -إذا عرف هذا- ربما يتضح مقدار النفوذ الأوروبي، الممثل في النفوذ البريطاني بمصر، على عهد إقامة جمال الدين بالقاهرة، والتهمة التي وجهت إلى جمال الدين لإبعاده عن مصر، كانت هي: أنه يرأس "جمعية من الشبان ذوي الطيش تجتمع على فساد الدين والدنيا".
أما احتكاك جمال الدين المباشر بالسلطة البريطانية في الهند: فيتضح من زياراته الثلاث لهذه البلاد.
وقبل هذا وذاك، كان احتكاكه بهذه السلطة على عهد تنازع الأسرة المالكة في أفغانستان على الحكم والملك، بتشجيع الدسائس الإنجليزية، وقد اضطر هو إلى الرحيل من أفغانستان إلى الهند تحت ضغط هذه الدسائس.
- ففي المقال الافتتاحي، لأول عدد من جريدة "العروة الوثقى"، يصور جمال الدين حادث الاحتلال البريطاني لمصر على أنه كارثة على العالم الإسلامي، وقد أهاب بالمسلمين -بباعث من دينهم- أن يتكاتفوا لدفع بلاء هذا الاحتلال.
يقول١:
"إن الخطر الذي ألم بمصر نفرت له أحشاء المسلمين، وانكلمت به قلوبهم، ولا تزال آلامة تستفزهم ما دام الجرح نقارا، وما هذا بغريب على المسلمين، فإن رابطتهم الملية أقوى من رابطة الجنس واللغة، وما دام القرآن يتلى بينهم، وفي آياته ما لا يذهب على أفهام قارئه فلن يستطيع الدهر أن
стр. 67
يذلهم. إن الفجيعة في مصر حركت أشجانا كانت كامنة، وجددت أحزانا لم تكن في الحسبان، وسرى الألم في أرواح المسلمين سريان الاعتقاد في مداركهم، وهم من تذكار الماضي ومراقبة الحاضر يتنفسون الصعداء، ولا نأمن أن يصير التنفس زفيرا، بل نفيرا عاما، تكون صاخة تمزق من اسمه الطمع".
ويقول في موضع آخر١:
"نرى أهل هذ الدين -الإسلام- في هذه الأيام، بعضهم في غفلة عما يلم بالبعض الآخر، ولا يألمون لما يألم له بعضهم".
"فأهل بلوخستان كانو يرون حركات الإنجليز في أفغانستان على مواقع أنظارهم، ولا يجيش لهم جأش، ولم تكن لهم نعرة على إخوانهم".
"والأفغانيون كانوا يشهدون تدخل الإنجليز في بلاد فارس، ولا يضجرون ولا يتملمون".
"وإن جنون الإنجليز تضرب في الأرض المصرية ذهابا وإيابا، تقتل وتفتك ولا نرى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري دمائهم، بل السامعين لخريرها من "حلاقيمهم" الذين احمرت أحداقهم من مشاهدتها بين أيديهم وأرجلهم وأيمانهم وشمائلهم!! أما وقد مضى الزمن الكافي لظهور غدرهم وسوء نيتهم، فلا يوجد من الأهالي المصريين من يميل إليهم، بل لا يوجد إلا من يبغضهم, ويود لو يعمل عملا لهلاكهم، ولكن الوهم هو الذي يجسم المخافة ويكبح العزيمة"٢.
"فيأيها المصريون: هذه دياركم وأعراضكم وعقائد دينكم، وأخلاقكم وشريعتكم، قبض العدو على زمام التصرف فيها غيلة واختلاصا. فقد رأيتم أنه أفسد شئونكم، وأقلق راحتكم، ووهب من بلادكم لأعدائكم، وأضر بمنافعكم العامة، وقصد إلى التدخل فيما يختص بأموركم، كالأوقاف"٣.
стр. 68
واستمر جمال الدين -بهذا الأسلوب- يوقظ المسلمين بوحي من دينهم، كي يتعاونوا على مقاومة من يذلهم ويستعبدهم, ويكرر الأسلوب في عدة مقالات وفي عدة مناسبات.
ومن بين المقالات التي كتبها في مجلة "العروة الوثقى" سبع عشر مقالة, من بين مجموعها وهو خمس وعشرون، هي شروح للآيات القرآنية الآتية:
- ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
- ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢.
- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٣.
- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤.
- ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥.
- ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٦.
- ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ٧.
- ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٨.
- ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ٩.
- ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١٠.
- ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ١١.
стр. 69
- ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١.
- ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ٢.
- ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
- ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٤.
- ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٥.
- ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ٦.
أما بقية مقالات هذه المجلة: وهي مقالاته السياسية ضد الاستعمار الغربي, فقد قامت على شروح لبعض الأحاديث الصحيحة.
وبهذا يتضح في غير لبس: كيف أقام جمال الدين كفاحه السياسي على أسس إسلامية، لا خلاف فيها.
- أما بخصوص الاستعمار البريطاني في الهند فإن السيد جمال الدين فوق أنه رد على الاتجاه الطبيعي، أوالاتجاه العلمي التقدمي الذي حاول به السيد أحمد خان أن يجعل الولاء للسلطة البريطانية مشتقا من تعاليم الإسلام، وينشيء جيلا من شباب الهند يعاون الاستعمار باسم التقدمية في الإسلام. فوق أنه رد على هذا المذهب، فإنه نفر من زعيم هذا المذهب بالكشف عن صلته بالبريطانيين في الهند وبيان رزايا الاستعمار في جانب العقيدة، والوطنية، والاقتصاد، والاجتماع.
وهكذا لم يفتأ يصور الإنجليز في صورة المنتهك للحرمة والغاصب
стр. 70
والمستعبد, كما لم يفتأ يوجه نظر المسلمين إلى أن دينهم يحتم عليهم إجلاءهم عن ديارهم. يقول١.
"مع أن دينهم -دين المسلمين- يرسم عليهم أن لا يدينوا لسلطة من يخالفهم، بل الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم وكشفها عن ديارهم بل منازعة كل ذي شوكة في شوكته! هل نسوا وعد الله بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون؟ هل غفلوا عن تكفل الله لهم بإظهار شأنهم على سائر الشعوب ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٢؟ هل سهوا عن أن الله اشترى منهم لإعلاء كلمته: أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ لا لا، إن العقائد الإسلامية مالكة لقلوب المسلمين، حاكمة في إرادتهم، وسواء في العقائد الدينية والفضائل الشرعية عامتهم وخاصتهم".
وبهذا نرى أن ولاية الأجنبي على المسلمين كانت محور الخصومة في الفكر الإسلامي في ظل الاستعمار الغربي، بين محاول لقبولها وبين رافض إياها، كما نرى أن محاولة قبولها توصف بالتقدمية أو التسامح في العقيدة، بينما يوصف الجانب الآخر بالرجعية والتزمت.
هذا ما كان من كفاح السيد جمال الدين للاستعمار الغربي كمسلم ناقد, أو كداعية سياسي، التزم في دعوته السياسية مبادئ القرآن والسنة الصحيحة.
أما منهجه الذي اقترحه ليجعل من المسلمين قوة متماسكة، سائرة في الحياة، حريصة على أن تكون سيدة نفسها، فيتلخص في هذه الجملة:
"أرجو أن يكون سلطان جميعهم -جميع المسلمين- القرآن ووجهة وحدتهم الدين".
ويقول شارحًا ذلك٣:
"أما المسلمون، فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا، وأخذوا من
стр. 71
كل كمال حربي حظا، وضربوا في كل فخار عسكري بسهم، بل تقدموا سائر الملل في فنون المقارعة وعلوم النزال والمكافحة، ظهر فيهم.
- أقوام بلباس الدين.. أبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت قواعد الجبر وضربت في الأذهان حتى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها من الأعمال!
- هذا إلى ما أدخله الزنادقة.. فيما بين القرن الثالث والرابع الهجري.
- وما أحدثه السوفسطائيون الذي أنكروا مظاهر الوجود، وعدوها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها الحقائق.
- وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث.. ينسبونها إلى صاحب الشرع ﷺ ، ويثبتونها في الكتب وفيها السم القاتل لروح الغيرة، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم.
وتحقيق أهل الحق، وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامة، خصوصا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في إرشاد الكافة إلى أصول دينهم الحقة، ومبادئه الثابتة التي دعا إليها النبي ﷺ وأصحابه، فلم تكن دراسة الدين على طريقها القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة ضعيفة".
"ولعل هذا -يقول الأفغاني- هو العلة في وقوفهم، بل الموجب لتقهقرهم، وهو الذي نعاني من عنائه اليوم ما نسأل الله السلامة منه!! وما دام القرآن يتلى بين المسلمين، وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق وهو القائم عليهم، يتلى بين المسلمين، وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق وهو القائم عليهم، يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنفعة من كل سبيل، لا يقنن لها وجها ولا يخصص لها طريقا. فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل نشأتهم، ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم في فنون الملاحة والمنازلة والمصاولة، حفظا لحقوقهم، وضنا بأنفسهم عن الذل، وملتهم عن الضياع, وإلى الله تصير الأمور".
ويقول:
"هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف
стр. 72
على لذة الحياة، وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية"١.
"إن القرآن حي لا يموت، ومن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب من مقته فهو ممقوت، كتاب الله لم ينسخ، فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم، وما الله بغافل عم تعملون"٢.
"وفي الظن، أن العلماء لو قاموا بهذه الفريضة -فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- زمنا قليلا، ووعظوا الكافة بتبيين معاني القرآن الشريف وإحيائها في نفوس المؤمنين، لرأينا لذلك أثر في هذه الملة يبقى ذكره أبد الدهر، وشهدنا لها يوما يسترجع فيه مجدها في هذه الدنيا، وهو مجد الله الأكبر"٣.
"إن حركتنا الدينية "بالدعوة إلى القرآن" كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل: حملهم نصوص "القضاء والقدر" على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل".
"ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه، فهما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح، مما لا عهد للسلف الصالح به".
"فلا بد إذن من بعث القرآن, وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور" وشرحها على وجهها الثابت، من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى.
"ولا بد من تهذيب علومنا، وتلقيح مكتبتنا، ووضع مصنفات فيها قريبة سهلة الفهم، فنستعين بتلك الكتب والعلوم التي تضمنتها على الوصول إلى الرقي والنجاح"٤.
стр. 73
ويستطرد الشيخ المغربي -أحد أبناء مدرسة الأفغاني- في شأن الرجوع إلى القرآن وتحديد مفهومه، نقلا عن الحديث الشفوي بينه وبين أستاذه في تركيا.. فيذكر:
"القرآن وحده هو سبب الهداية، والعمدة في الدعاية، وما تراكم عليه، وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطاتهم ونظرياتهم، فينبغي أن لا نعول عليه كوحي، وإنما نستأنس به كرأي.. ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه، وإرشاد الأمم إلى تعاليمه وتفسيره وإضاعة الوقت في عرضه"١.
بهذا يكون هناك في تاريخ الجماعة الإسلامية، وفيما أثر عنها فيما يتصل بإسلامها، نوعان من المصادر:
"مصدر مؤكد هو القرآن، وما في منزلته من السنة المتواترة: فالتواتر، والإجماع، وأعمال النبي المتواترة إلى اليوم، هي السنة الصحيحة التي تدخل في مفهوم القرآن والدعوة إلى القرآن وحده"٢.
"ومصدر غير مؤكد: يصح أن يستأنس به، ولكن يجب أن لا يؤخذ به كما هو، وهو ما تجمع حول القرآن من آراء المسلمين، وشروحهم للإسلام".
وعلى هذا النحو يكون تحديد الرجوع إلى المصادر الأولى للإسلام، وفي الوقت نفسه يكون تقويم المدارس الإسلامية المختلفة عند جمال الدين مماثلا لما وجد عند ابن تيمية، وابن عبد الوهاب بعده، ومحمد بن علي السنوسي الكبير أخيرًا.
ولكن الإجماع الذي حدده الشيخ المغربي -نقلا عن حديث الشيخ جمال الدين- ربما يختلف عن ذاك الذي ينسب إلى جمال الدين في مجلة "العروة الوثقى"٣ ونصه:
"وقد بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة الإسلامية أسمى درجة في الرعاية الدينية، حتى جعل إجماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشفا عن حكم
стр. 74
الله وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعد جحوده مروقا من الدين، وانسلاخا عن الإيمان".
فهذا النص في "العروة الوثقى" يفيد أن "الإجماع".
- أولا: هو إجماع الأمة.
- وثانيا: أن حجيته هي في كل وقت، وليست قاصرة على وقت معين، وجيل معين من المسلمين.
بينما الذي يفيده تحديد الشيخ المغربي -نقلا عن حديث جمال الدين في إجابته عن أسئلة وجهها إليه: أن الإجماع هو إجماع الصحابة "رضوان الله عليهم" على عمل أو أمر وقع في عهد الرسول ﷺ وهو بهذا التحديد له حجيته في الجماعة الإسلامية كلها، وله منزلة تقرب من منزلة القرآن.
ونص الشيخ عبد القادر المغربي في هذا، كما يلي:
"وكذا إجماع المسلمين في الصدر الأول، على حكم من الأحكام العملية الماضية من الزمن: هو ما يتمشى مع القرآن. ولا سيما أعمال النبي ﷺ في حياته هي: تفسير القرآن، وعمل بالقرآن"١.
والفرق بين النقلين في معنى الإجماع: أن أي إجماع بعد إجماع الصحابة، وقع في عهد لاحق لعهد الصحابة، له حجيته في نقل "العروة الوثقى" وليست له حجية في نقل "الشيخ المغربي"!
هل نقل الشيخ المغربي" يعتبر تخصيصا للعموم في معنى الإجماع الذي ورد في "العروة الوثقى"؟.
стр. 75
ربما ... ولكن الذي يفهم من روح مقال "العروة الوثقى" أن جمال الدين قصد هذا العموم؛ لأنه في سبيل بيان قيمة التكتل والوحدة والاتفاق.. وهنا يبدو جمال الدين زعيما شعبيا، أكثر منه مفكرا مجتهدا!
بهذا شرح السيد جمال الدين رأيه في الرجوع إلى القرآن وإلى تعاليمه الصافية، بعد أن آلت شروحه السابقة وتخريجه المتنوع إلى مذاهب، وآل أمر هذه المذاهب إلى تفريق الأمة إلى طوائف، وآل أمر الطوائف إلى العصبية والتنابذ في الخصومة، وصار ذلك كله بالأمة إلى الضعف، ثم إلى الانهيار.
يقول في بعض كتاباته متعجبا من أمر الفرقة بين المسلمين، مع وحدة المصدر في التوجيه، وعدم الاختلاف في المصالح العامة:
"أي فرق بين الأفغانيين وإخوانهم الإيرانيين؟ كل يؤمن بالله وبما جاء به محمد ﷺ فعلى الأفغانيين أن يرفعوا أبصارهم ويستقبلوا حظهم بفكر سديد وعقل رشيد، ويتقدموا للاتفاق مع إخوانهم الإيرانيين، فيس بينهم وبينهم: ما يصح عليه الاختلاف في المصالح العمومية.. فالجميع من أصل واحد, وتجمعهم رابطة واحدة وهي أشرف الروابط: رابطة الدين الإسلامي"١!
يريد إضعاف الفوارق بين المسلمين، لتقوى سيادة المسلمين على أنفسهم وأمام غيرهم!! وإذا اهتم جمال الدين بالإسلام كله بوجه عام في كفاحه ضد الاستعمار الغربي، فإنه يهتم على وجه الخصوص بذلك الجانب من الإسلام الذي يدعو المسلمين إلى العزة والمحافظة على استقلالهم في شخصيتهم بعدم انصهارهم في غيرهم، فضلا عن الخضوع والاستسلام للأجنبي المتحامل عليهم.
بيد أن جمال الدين لم يحاول تلك المحاولة التي حاولها فيما بعد "محمد إقبال" في الهند والشيخ "محمد عبده" في مصر، من شرح المنهج الذي يحول دون الاستمرار في ضعف الأمة الإسلامية، والذي يخلق نشئا