← Тараджим

Тараджим · id 11758

تاريخ بيهق/تعريب

البيهقي، ظهير الدين

Полный текст (657 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ظهير الدين البيهقي ظهير الدين، أبو الحسن علي بن زيد بن محمد بن الحسين بن فندق المعروف بفريد خراسان، عالم، مؤرخ، أديب، منجّم، متكلم، فقيه وشاعر. ولد على ما يحتمل في حوالي سنة ٤٩٠ هـ. وهو من أسرة عربية مقيمة في خراسان وما وراء النهر، ينتهي نسبه إلى الصحابي خزيمة بن ثابت الأنصاري المعروف بذي الشهادتين. كان أسلافه الذين عرفوا بالحاكميين والفندقييين- نسبة إلى الحاكم فندق بن أيوب-، مقيمين في قصبة سيوار من نواحي بالشتان من توابع بست وهي بلدة من بلاد كابل بين هراة وغزنة (في أفغانستان الحالية) . وكانت لهم في عهد الغزنويين والسلاجقة مناصب مختلفة دينية وديوانية. رحل البيهقي من حين صباه برفقه والده من سبزوار إلى قرية ششتمذ وبدأ فيها بتعلم العلوم الأدبية. وأما في نيشابور فقد أخذ العلم عن عدد من الأساتذة منهم أحمد بن محمد الميداني وأبي جعفر المقرئ ومحمد الفزاري وحسن بن يعقوب بن أحمد القارئ. وتلقى في مرو العلوم الفقهية وأقام مجالس الوعظ والإرشاد ثم عاد إلى نيشابور ومنها إلى مسقط رأسه. وفي سنة ٥٢٦ هـ عُيّن قاضياً ببيهق وفي نفس السنة هاجر إلى الري ومال إلى الحساب والجبر والمقابلة. كما واشتهر في صناعة علم النجوم. وفي سنة ٥٢٩ هـ عاد إلى بيهق ثم هاجر عام ٥٣٠ هـ إلى سرخس وأخذ الحكمة على قطب الدين محمد المروزي، ثم عاد إلى نيشابور ومنها إلى بيهق. توفي البيهقي في سنة ٥٦٥ هـ. وأما مذهبه فقد ذهب بعض العلماء أنه من الإمامية والبعض الآخر أنه من الشافعية. آثاره له مؤلفات عديدة في التاريخ والفقه والكلام والفلسفة والرياضيات والنجوم والأنساب باللغتين العربية والفارسية منها: مشارب التجارب وغوارب الغرائب، تاريخ بيهق، جوامع أحكام النجوم، تتمة صوان الحكمة أو تاريخ حكماء الإسلام، لباب الأنساب، معارج نهج البلاغة، غرر الأمثال ودرر الأقوال وغيرها.

стр. 2

مقدمة مترجم الكتاب ومحقّقه بسم الله الرحمن الرحيم بدأت صلتي بهذا الكتاب عندما شرعت بتعلم اللغة الفارسية التي لا غنىّ عنها هي والتركية لأي باحث في شؤون التاريخ والتراث الإسلامي بصورة عامّة لما فيهما من فوائد جمّة خاصة ما يتصل بكتب التاريخ والأدب والتراجم التي فقدت لدينا بفعل شتى العوامل وحفظت علينا هاتان اللغتان نصوصا منها، وهو ما يتجلى بوضوح في هذا الكتاب الذي أحببت أن أترجمه إلى لغة الضاد لما فيه من فوائد لتراثنا العربي لغة وأدبا وتاريخا. وأضرب لذلك مثلا: خلال ترجمة أبي الطيب طاهر بن أحمد البيهقي من كتاب تاريخ الإسلام للذهبي، ذكر محققه الفاضل الدكتور عمر عبد السلام تدمري بهامشه الملاحظة التالية: «لم أجد له مصدرا، ولعله من تاريخ بيهق أو تاريخ نيسابور اللذين لم يصلانا» (ص ٢٨٠، حوادث ٣٣١- ٣٥٠ هـ) . والحقيقة هي أن الرجل قد ترجم له في هذين الكتابين اللذين قد وصلانا. والذي أضاع خبرهما على هذا المحقق الفاضل هو كونهما باللغة الفارسية. ويمكن أن ندعو الكتب التي هي على شاكلة هذين التاريخين، التواريخ النائية التي نأت عنا لسببين: الأول كونها باللغة الفارسية أو التركية ونحن لا نعرف هاتين اللغتين، والثاني أنها حين تطبع تظل حبيسة حدود جغرافية معينة. بل إن بعض من كنت أحدثه عن ترجمتي لكتاب تاريخ بيهق كان يقول لي: لكن هذا الكتاب قد ترجم إلى العربية. فأقول له إنك تعني تاريخ البيهقي المخصص للحكام الغزنويين وهو لأبي الفضل البيهقي المتوفى سنة ٤٧٠ هـ أي قبل عشرين سنة من ولادة مؤلفنا أبي الحسن البيهقي. ومؤلف كتاب تاريخ بيهق من أسرة عربية يرجع نسبها إلى الصحابي خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وكتب مؤلفاته التي تربو على الثمانين بالعربية سوى ستة منها

стр. 3

كتبها بالفارسية ومنها تاريخ بيهق. يشترك تاريخ بيهق في السمات العامة مع مثيلاته من التواريخ المخصصة لمدن بعينها مثل تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، والتدوين في ذكر أهل العلم بقزوين للرافعي القزويني، والقند في ذكر علماء سمرقند للنسفي، وتاريخ جرجان للسهمي، وتاريخ نيسابور للحاكم «١» ، وتاريخ طبرستان لمحمد بن الحسن بن إسفنديار (ألف سنة ٦١٣ هـ) وغيرها. حيث تبدأ بذكر مناقب المدينة وما ورد فيها من أحاديث نبوية شريفة- وبعضها مختلق- ثم كيفية بنائها مع ذكر خططها والقرى التابعة لها بتفاصيل لا توجد حتى في الموسوعات الجغرافية. ينتقل الحديث بعدها إلى العلماء والشعراء والأدباء وكبار الشخصيات ممن ولدوا فيها أو زاروها، والحديث عمن توفي منهم فيها وبشكل خاص صحابة رسول الله ﷺ تشرفا بهم وتبركا استنادا إلى حديث أورده مؤلفنا هو: «ما أحد من أصحابي يموت ببلدة إلا كان قائدا ونورا لهم يوم القيامة» . لقد حفظ علينا هذا التاريخ نصوصا ومقتبسات من مصادر كانت بين يديه من مكتبات عامة أحرقت خلال الحروب والغزوات- فضلا عن المكتبات الخاصة- ومنها: ١. خزانة كتب بلاد الري التي قال عنها وهو يعلق على قول الصاحب بن عباد عن مكتبته الخاصة: «عندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربع مئة جمل أو أكثر» ، وقال: «وأنا أقول: بيت الكتب الذي بالري على ذلك دليل بعد ما أحرقه السلطان محمود بين سبكتكين. فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات «٢» » . ٢. مكتبة الخاتون مهد العراق، وهي أميرة سلجوقية أسمها جوهر خاتون

стр. 4

وكانت شقيقة السلطان سنجر، تزوجها مسعود بن إبراهيم الغزنوي عقب توليه الحكم سنة ٤٩٢ هـ، ويستفاد من حديث البيهقي عن مكتبتها أنها كانت عامة وأنها بنيسابور. ٣. مكتبة مسجد عقيل أحد مساجد نيسابور الشهيرة وكانت تعقد فيه مجالس الإملاء والوعظ ودروس الفقه «١» . وقد احترقت المكتبتان خلال اجتياح الغزّ المدمر لإقليم خراسان الذي بدأ سنة ٥٤٨ هـ، وأحرقت فيه المكتبات والجوامع والأسواق والدور، وقتل فيه الآلاف من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال بلا رحمة، كما قتل جمع غفير من علماء هذا الإقليم وأدبائه وشعرائه، فقد قتلوا مثلا «سكان مدينة طوس بأسرهم وعند عودتهم منها ارتكبوا مجزرة بنيسابور بحيث أحصي من قتلوه في محلتين فقط من محالها من الرجال والنساء والأطفال فكان خمسة عشر ألف إنسان «٢» » . يقول السمعاني عن المحدثة عائشة النيسابورية: «فقدت في أيام الفترة وإغارة الغز منتصف شوال سنة ٥٤٩ هـ، ولا يدرى أأحرقت أو قتلت في العقوبة وأكلتها الكلاب «٣» » . ومن المصادر التي أعتمدها البيهقي في تأليف كتبه مؤلفات عين الزمان الحسن بن علي القطان المروزي التي عثر على بعضها عقب تلك الغارة أو «الفتنة العمياء التي لم يبق فيها بنيسابور بيوت كتب ولا واحد «٤» » . ولقد مات القطان هذا ميتة مأساوية خلال ذلك الهجوم، يقول ياقوت: «مات مقتولا، قتله الغز لما وردوا خراسان وتغلبوا على مرو فقبضوا عليه في من قبضوا، فجعل يشتمهم وجعلوا يحثون التراب في فمه حتى

стр. 5

مات سنة ٥٤٨ هـ «١» » . ومن المصادر الرئيسة التي اعتمدها في تأليفه تاريخ بيهق ومنها ما هو مفقود: تاريخ نيسابور لأبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي البلخي المتوفى سنة ٣١٩ هـ، قال البيهقي إنه احترق وإن أصله في مكتبة مسجد عقيل. كما أكثر في النقل من كتاب الكعبي الآخر مفاخر خراسان. تاريخ نيسابور للحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري الضبي (٣٢١- ٤٠٥ هـ) الذي قال إنه في ١٢ مجلدا. تتمة تاريخ نيسابور وهو سياق التاريخ لأبي الحسن عبد الغافر الفارسي (٤٥١- ٥٢٩ هـ) ويوجد له اليوم منتخب طبع في قم بتحقيق محمد كاظم المحمودي،

стр. 6

ومختصر سيصدر بتحقيق نفس المحقق. تاريخ نيسابور، بالفارسية من تأليف أحمد الغازي وهو في مجلدين «١» . تاريخ بيهق، بالعربية من تأليف علي بن أبي صالح بن علي الصالحي الخواري البيهقي (كان حيا في ٥٢٦ هـ) «٢» ، وهو في عدة أجزاء. هذا فضلا عن مصادر فرعية ذكرها في ثنايا كتابه، والمصادر الأدبية وأغلبها مفقود اليوم ومنها: جونة الند ولباب الألباب وهما ليعقوب بن أحمد الأديب الكردي، وقلائد الشرف لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني، ولا أثر لهذه الكتب اليوم. وفيه من الوقائع الأدبية ما لا نجده في المجاميع الأدبية الضخمة، مثل واقعة لقاء الشاعر أحمد بن إبراهيم الأعسري الذي وفد على الصاحب بن عباد ومدحه بقصيده وصف الناقة في أوائل أبياتها بقوله: عرمس عيسرانة عنتريس ... علطميس عيرانة خنشليل فقال له الصاحب: لو أن هذه الألفاظ وضعت على ظهر الناقة لناءت بحملها، فمدحه بقصيدة أخرى مطلعها: خيال سرى من أم عمران طارق ... إلى هاجع بالقفر والليل غاسق كما أورد له بيتين في وصف الفالوذج، وغير ذلك من عشرات الوقائع والأشعار التي لا نجدها في أي مصدر آخر. وحتى في التراجم التي أشترك فيها مع غيره، فإن في تاريخ بيهق من الإضافات والمعلومات الفريدة ما يجعله متقدما على غيره، فإذا أخذنا مثلا ترجمة حياة المتكلم

стр. 7

والمفسر والأصولي مسعود بن علي الصوابي، نجد ياقوتا الحموي وقد كتب له أوسع ترجمة، اكتفى ببضعة أسطر مع ذكر عناوين مؤلفاته وبيتين من الشعر نقلها من كتاب البيهقي الآخر وشاح دمية القصر «١» ، بينما استغرقت ترجمته صفحة ونصفا من تاريخ بيهق، وفيها من المعلومات ما لا يوجد في أي مصدر آخر- بما في ذلك معجم الأدباء- حيث ذكر أسماء أساتذته ممن كانت له بهم علاقة حميمة كالمؤلف نفسه وكحجة الإسلام الغزالي وكذلك المتكلم المعروف المحسن بن كرامة الجشمي. ونقرأ في هذا التاريخ مثلا أوسع ترجمة لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي مؤلف مجمع البيان في تفسير القرآن وغيره من المؤلفات، المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، حيث قدم عنه وعن مؤلفاته وعلاقاته الأسرية ما لا نجده في أي مصدر. كما كتب الترجمة الفريدة لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المغيثي الذي دخل في معارك هجائية مع البحتري وابن الرومي، وحيث قال البيهقي في آخر ترجمته التي استغرقت ثلاث صفحات ونصفا مع مقطعات من شعره: «وقد أطنب الكعبي البلخي في كتابه مفاخر خراسان في حكايات وأشعار إبراهيم المغيثي البيهقي» . وكتاب الكعبي مفقود. وفي الكتاب عشرات التراجم لعلماء وأدباء وشعراء ومحدثين ووعاظ لم نجد أيا منهم في المظان المتوفرة من عربية وفارسية، فضلا عمن وجدناهم، مع تقديمه أنموذجات من آثارهم مما انفرد به. الاسم والأسرة هو حجة الدين، ظهير الدين، فريد خراسان أبو الحسن علي بن زيد بن محمد بن الحسين بن فندق، من أسرة عربية مقيمة في خراسان وما وراء النهر، ينتهي نسبه إلى الصحابي خزيمة بن ثابت المعروف بذي الشهادتين. ويبدو أن ما قيل من أنه عرف بابن

стр. 8

فندق نسبة إلى أحد أجداده «١» يستند فقط إلى قول السبكي الذي عرف به بقوله إنه: «أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي المعروف بفندق، وفندق في أسماء جدوده» «٢» ، وهو الكلام الذي نقله حاجي خليفة منه فيما بعد «٣» ، وليس بين أيدينا ما يدلّ على أنه عرّف نفسه بهذا اللقب أو عرف به بين معاصريه أو من ترجموا له كياقوت الحموي وفصيح الخوافي «٤» اللذين ترجما له بشكل واف. أما لقبه «ظهير الدين» فقد ذكره هو في أول كتابه تتمة صوان الحكمة «٥» . وأما ما ورد لدى الجويني من أنه «فريد الدين» «٦» فهو مما انفرد به ولم نجده لدى غيره. الخلط بينه وبين شرف الدين البيهقي تم الخلط أحيانا بينه وبين سميه أبي الحسن علي بن الحسن البيهقي السياسي الأديب الشاعر، وحدث ذلك في وقت مبكر، فهذا العماد الأصفهاني عندما ترجم لشرف الدين علي بن الحسن قال إنه صنف وشاح دمية القصر ونقل منه على أنه لشرف الدين «٧» . كما غمض الأمر على ياقوت الذي ترجم لحجة الدين علي بن زيد البيهقي استنادا إلى سيرته التي كتبها بقلمه، وبعد أن انتهى من ذلك نقل كلام صاحب خريدة القصر مكملا به ترجمة مؤلفنا. ولما رأى تناقضا بين كلام مؤلفنا عن نفسه

стр. 9

وبين كلام صاحب خريدة القصر، علق قائلا: «هكذا ذكر العماد في كتابه، وإذا عارضت قوله بما ذكره البيهقي عن نفسه في كتابه الذي نقلت لفظه منه من خطه، وجدت فيه اختلافا في التاريخ وغيره والله أعلم «١» » . ووقع في هذا الخلط الذهبي أيضا عندما صدر ترجمة علي بن زيد البيهقي بقوله: «الوزير العلامة ذو التصانيف شرف الدين ... «٢» » وكذلك ابن الفوطي عندما سماه «شرف الدين أبا الحسن الأنصاري الخزيمي «٣» » . ووقع في الوهم نفسه بعض معاصرينا في تحقيقهم آثار المتقدمين، فهذان الأستاذان محمد بهجة الأثري والدكتور جميل سعيد يعلقان على قصيدة مدح لحيص بيص في شرف الدين البيهقي وفيها يقول: وخراسان فصونا ضافيا ... إنها أرض علي بن الحسن فيقولان في الهامش: «هو علي بن زيد البيهقي، والحسن من أجداده» ، ويقولان في هامش آخر إنه «شرف الدين أبو الحسن علي بن زيد البيهقي من ذرية خزيمة ذي الشهادتين «٤» » ، وكذلك محقق كتاب طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح الذي دعاه في المقدمة التي صدر بها تحقيقه لهذا الكتاب (١/١٧) ب «الوزير القاضي المحدث ... شرف الدين حجة الدين أبو الحسن ... » ، بينما الحقيقة هي أن الوزير هو شرف الدين، أما مؤلفنا فهو حجة الدين. وللتفريق بين الاثنين نقول: ١. والي الري والشخصية السياسية- وهو أديب وشاعر أيضا- هو شرف الدين ظهير الملك أبو الحسن علي بن الحسن البيهقي الذي استشهد مع نجله في حرب قطوان سنة ٥٣٦ هـ، ويقال له الوزير أحيانا. وهو المترجم في خريدة القصر وتاريخ بيهق

стр. 10

وفيهما أوسع ترجمة لحياته مع مقطعات من شعره «١» . ٢. مؤلف تاريخ بيهق وغيره من المؤلفات وحفيد الصحابي خزيمة ذي الشهادتين هو حجة الدين فريد خراسان أبو الحسن علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة ٥٦٥ هـ «٢» . تحديد السنة التي ولد فيها استنادا إلى ترجمة حياته التي كتبها بقلمه في كتابه مشارب التجارب ونقلها ياقوت في معجمه، يقول البيهقي: «ومولدي يوم السبت سابع عشرين شعبان سنة تسع وتسعين وأربع مئة ... «٣» » . ولكن هذا لا يتفق وقوله الذي ذكره في تاريخ بيهق عند ذكره حادثة مقتل الوزير فخر الملك بن نظام الملك: «كان مقتل فخر الملك في عاشوراء سنة خمس مئة، وأنا أتذكر ذلك، فقد كنت في عهد الصبا في الكتّاب بنيسابور» «٤» .

стр. 11

كان أول من حاول إيجاد مخرج من هذا التناقض هو السيد محمد مشكاة الأستاذ بجامعة طهران «١» حيث قدر أن يكون عمر البيهقي وهو طالب في عهد الصبا، يتراوح بين ١٢- ١٣ سنة، واحتمل أن تكون ولادته قد حدثت خلال السنوات من ٤٨٧ إلى سنة ٥٠٠ هـ، ثم أتخذ من قول البيهقي المذكور لدى ياقوت من أنه ولد في «يوم السبت ٢٧ شعبان» منطلقا ليبحث في جداول فرديناند وستفلد التاريخية عن هذا التاريخ الذي يكون فيه يوم السبت مصادفا للسابع والعشرين من شعبان خلال السنوات من ٤٨٧ حتى ٥٠٠ هـ، فوجده ينطبق على يومين: السبت ٢٧ شعبان سنة ٤٨٨. السبت ٢٧ شعبان سنة ٤٩٣. ولما وجد السيد مشكاة نفسه أمام هذين الرقمين (٤٨٨ و ٤٩٣) ، ورأى أن الرقم ٤٩٣ منها شبيه بالرقمين ٤٩٠ و ٤٩٩، اختار منهما الرقم ٤٩٣ وقال إن الظن القوي يتجه إلى أن تكون ولادته قد حدثت في يوم السبت السابع والعشرين من شعبان سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وان عمره يوم قتل فخر الملك (العاشر من المحرم سنة ٥٠٠) كان ست سنوات وأربعة أشهر وثلاثة عشر يوما. انتهى كلامه. ومنذ ذلك الحين اتخذ تاريخ ولادته الذي استنبطه السيد مشكاة، مسلّمة لا نقاش فيها لدى الباحثين في حياة البيهقي «٢» غير عابئين بما ذكره فصيح الخوافي من أن البيهقي

стр. 12

عند إكماله تاريخ بيهق سنة ٥٤٤ هـ «كان له من العمر أربع وخمسون سنة» ، وهذا يجعل ولادته قد حدثت سنة ٤٩٠ هـ، ويبدو أن السبب في عزوف السيد مشكاة عن هذه السنة هو عدم وجود يوم سبت فيها يقع في السابع والعشرين من شعبان. ولكن أليس ممكنا أن يكون التصحيف قد نال أيضا من «سابع عشرين شعبان» الواردة لدى ياقوت؟ نرجح بما يقرب من اليقين- إن لم يكن هو اليقين عينه- أن صواب العبارة هو: «ومولدي يوم السبت تاسع عشر من شعبان سنة تسعين وأربع مئة» ، وان ناسخ المخطوطة قد أخطأ في كتابة «تاسع عشر من» فكتبها «سابع عشرين» وهي قريبة منها في الرسم، هذا أولا، وثانيا أخطأ في السنة فكتب «تسع» ثم استدرك فكتب «تسعين» ولكنه نسي أن يشطب الكلمة الأولى «تسع» فظلت الكلمتان متجاورتين مما حدا بناسخ آخر إلى أن يضع بينهما واوا حيث أصبحتا «تسع وتسعين» وهو رقم مغلوط بكل تأكيد. فكما مر بنا، لا يعقل أن يكون عمره سنة واحدة عند ما كان تلميذا في الكتّاب يوم قتل فخر الملك سنة ٥٠٠ هـ. وندعم ما نذهب إليه بما يلي: ١. قال فصيح الخوافي ضمن ذكره حوادث سنة ٥٤٤ هـ: «إتمام تاريخ البيهق (كذا) الذي كتبه أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي.. في محرم السنة المذكورة وهو ابن أربع وخمسين سنة» «١» . وذلك يعني أن فصيحا المؤرخ قد عدّ ولادته في ٤٩٠ هـ. وسنؤجل الآن بحث التاريخ الذي انتهى فيه من تأليف تاريخ بيهق، وإن هذه المعلومات الدقيقة من ذكر الشهر والسنة ومقدار سني عمره، كلها دالة على أن هذا المؤرخ كان ينقل من مصدر موجود لديه عند تدوينه تاريخه. ٢. جرت العادة لدى نساخ المخطوطات أن تلتبس لديهم كلمة «تسع» و «تسعة» ب «سبع» و «سبعة» والعكس صحيح أيضا. وان تلتبس «تسع وتسعون» ب «سبع

стр. 13

وسبعون» والعكس صحيح، وما شابه ذلك. ومن العسير جدا- إن لم نقل من المستحيل- أن يسهو قلم الناسخ فيكتب سنة «تسع وتسعون» بدلا من «ثلاثة وتسعون» ليقال بعدها إن الرجل ولد سنة ٤٩٣ هـ كما ارتأى ذلك السيد محمد مشكاة ومن تابعه، فلا وجه لشبه إطلاقا في رسم الخط بين «تسع» و «ثلاث» . ٣. استنادا إلى الجداول التاريخية «١» فإنه حدث أن صادف يوم السبت، يوم التاسع عشر من شعبان وذلك في سنة ٤٩٠ هـ، وهي السنة التي تتفق وكلام فصيح الخوافي الذي نقلناه آنفا من أن البيهقي كان له من العمر أربعة وخمسون عاما في سنة ٥٤٤ هـ. متى انتهى البيهقي من تأليف كتابه ؟ نقرأ في ختام مخطوطات تاريخ بيهق قول مؤلفه: «وفرغ المصنف ﵀ من نسخ هذا الكتاب في الرابع من شوال سنة ثلاث وستين وخمس مئة بقرية ششتمد» . ولكن لدينا تواريخ أخرى دالة على أن الكتاب ألف في فترة متقدمة على هذا التاريخ، وكان المؤلف يضيف إلى مخطوطته وقائع تاريخية مستجدة وتواريخ وفيات بعض معاصريه. ففضلا عن قول المؤرخ فصيح في مجمله والذي ذكرناه فيما مضى من أن البيهقي أتم تاريخ بيهق في محرم سنة ٥٤٤ عند ما كان له من العمر أربعة وخمسون عاما، نجد المؤلف نفسه يقول في أول الكتاب (ص ٢١) : «من عجائب بغداد أنه لم يمت فيها خليفة إلا المقتفي الذي توفي في هذه الأيام» . والمعلوم أن وفاة المقتفي لأمر الله حدثت في ٢ ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ «٢» . بل إنه يتحدث بلغة الماضي عن خلافة المقتفي عند ما يذكر موفق الدين البيهقي فيقول إنه كان عميد بغداد خلال خلافة المقتفي لأمر

стр. 14

الله «١» ونقرأ تواريخ وفيات بعض معاصريه خلال السنوات ٥٥٦ و ٥٥٧ هـ، ثم نجد إشارته إلى كتابه لباب الأنساب «٢» ، ومعلوم أنه انتهى من تأليف كتابه هذا سنة ٥٥٨ هـ «٣» . وهذا دال على أنه كان في سنة ٥٥٨ هـ أو ٥٥٩ هـ كما ذكر في موضع آخر من نفس كتابه هذا- قد كتب مؤلفه تاريخ بيهق وأنه ظل يضيف إليه حتى سنة ٥٦٣ هـ. ولعل أفضل مثال لهذه الإضافات التي ظل المؤلف يثري بها كتابه، الواقعتان التاليتان اللتان تداخلت عباراتهما وإحداهما حدثت سنة ٥٣٦ هـ، والأخرى في ٥٦٠ هـ: «أعجوبة: بدأ هطول المطر من السادس من حزيران سنة ست وثلاثين وخمس مئة حتى الثامن من غير انقطاع. وكانت الشمس في الدرجة الثالثة من الجوزاء. فحدث من الخراب في المدينة ما يعجز البيان عن وصفه، وكانت الشمس في آخر الحوت. ونزل الثلج ليومين وليلتين، وتواصل انجماد الصقيع مدة أسبوع. وكان ذلك من عجائب الدنيا. وقد بلغ البرد حدا دمر معه كثير من النبات والأشجار في هذه الناحية وذلك سنة ستين وخمس مئة «٤» » . وأما الفصل التاريخي الخاص بوقائع مجيء إيل أرسلان بن خوارزم شاه آتسز إلى سبزوار سنة ٥٦١ هـ ثم الخطبة له بنيسابور سنة ٥٦٢ هـ، فواضح أنه قد كتب على عهد هذا الأمير الذي امتد حكمه حتى سنة ٥٦٧ هـ «٥» ، وذلك أنه جاء بعد اختتام فصل الوقائع التاريخية بفاصلة طويلة والدخول في عناوين مثل الأشياء التي تنفرد بها بيهق

стр. 15

عن سائر البقاع وأعجوبة هطول الأمطار. وبهذا يمكن القول إن تأليف الكتاب انتهى بنسخته الأولى في المحرم من سنة ٥٤٤ هـ وهي النسخة التي رآها المؤرخ فصيح الخوافي، ونسخت آخر مسودة له في ٤ شوال سنة ٥٦٣ هـ. الأسرة والبدايات الدراسية كان أسلافه الذين عرفوا بالحاكميين والفندقييين- نسبة إلى الحاكم فندق بن أيوب- والذين ينتهي نسبهم إلى الصحابي خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين (رض) ، مقيمين في قصبة سيوار من نواحي بالشتان من توابع بست وهي «بلدة من بلاد كابل بين هراة وغزنة «١» » (في أفغانستان الحالية) ، ثم إن جدّ جده وهو الحاكم فندق بين أيوب المتوفى سنة ٤١٩ هـ «٢» هاجر من تلك البلاد إلى نيسابور وعين قاضيا مفتيا بأمر من السلطان محمود ورعاية وزيره أحمد بن الحسن الميمندي (تولى الوزارة سنة ٤٠٠ وظل فيها حتى سنة ٤١٦ هـ) ، ولا نعلم الفترة التي مكث فيها بهذا المنصب لكنه طلب إعفاءه من هذا العمل واشترى بناحية بيهق ضياعا في قرية سرمستانه من حدود الناحية وأقام فيها منيبا عنه من يدعى العزيزي في منصب قضاء بيهق، وأوكل قضاء مدينتي بسطام ودامغان لنجليه الحسن وأحمد. وكل ذلك دال على ما كان يحظى به من هيمنة سياسية ودينية. وقد تولى أولاده وأحفاده- ومنهم مؤلفنا علي بن زيد- منصب القضاء بمدينة بيهق. أما والده شمس الإسلام زيد (٤٤٧- ٥١٧ هـ) ، فقد أقام في بخارى عشرين عاما ونيفا لا ندري العمل التي كان يمارسه، لكنه- كما يقول نجله- اختلف إلى علماء تلك البلاد ممن ذكر المؤلف بعضهم في تاريخ بيهق وصاحب بعض مشاهير تلك البلاد من

стр. 16

أهل العلم ممن درسوا معه، ويذكر مؤلفنا وجوده ببغداد دون أن يحدد السنة التي كان فيها هناك. وفي السادسة والخمسين من عمره (سنة ٥٠٣ هـ) أصيب بالعمى عقب علاج خاطئ قامت به عجوز كحالة لم تكن أتقنت مبادئ مهنتها، هربت بعد فعلتها تلك. وكان والده عالما شاعرا أديبا ذا علاقات مع جمع من مشاهير زمنه ومنهم الشاعر وعالم الرياضيات عمر الخيام الذي قال البيهقي إنه زاره مع أبيه سنة ٥٠٧ هـ وإن الخيام امتحنه في بيت من أشعار ديوان الحماسة. ولما أجابه مؤلفنا بكفاءة عما سأله عنه، عقب الخيام بقوله: «شنشنة أعرفها من أخزم» . وفي ذلك مدح لوالد البيهقي وأسلافه بالعلم «١» ، فضلا عما في الكلام من ثناء على البيهقي نفسه. في ترجمته لحياته التي كتبها هو يقول البيهقي: «ومولدي «٢» يوم السبت ١٧ من شعبان سنة ٤٩٠ هـ في قصبة السابزوار من ناحية بيهق ... فأسلمني بها أبي إلى الكتاب. ثم رحلنا إلى ناحية ششتمذ من قرى الناحية- ولوالدي بها ضياع- فحفظت في عهد الصبا كتاب الهادي للشادي تصنيف الميداني، وكتاب السامي في الأسامي له «٣» ، وكتاب المصادر للقاضي الزوزني «٤» ، وكتاب غريب القرآن للعزيري «٥» ، وكتاب

стр. 17

إصلاح المنطق «١» ، وكتاب المنتحل للميكالي «٢» ، وأشعار المتنبي، والحماسة، والسبعيات «٣» ، وكتاب التلخيص في النحو «٤» ، ثم بعد ذلك حفظت كتاب المجمل في اللغة «٥» . ١. وحضرت في شهور سنة أربع عشرة وخمس مئة كتّاب أبي جعفر المقرئ «٦» إمام الجامع القديم بنيسابور مصنف كتاب ينابيع اللغة وغير ذلك، وحفظت في كتابه كتاب تاج المصادر من تصنيفه، وقرأت عليه نحو ابن فضال «٧» وفصولا من كتاب المقتصد «٨» ، والأمثال لأبي عبيد «٩» ، والأمثال للأمير أبي الفضل الميكالى. ٢. ثم حضرت درس الإمام صدر الأفاضل أحمد بن محمد الميداني في محرم سنة ست عشرة وخمس مئة، وصححت عليه كتاب السامي في الأسامي من تصنيفه، وكتاب المصادر للقاضي [الزوزني] ، وكتاب المنتحل وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد، وكتاب إصلاح المنطق، ومجمع الأمثال من تصنيفه، وكتاب صحاح اللغة

стр. 18

للجوهري. وفي أثناء ذلك كنت أختلف إلى الإمام إبراهيم الخزاز المتكلم وأقتبس منه أنوار علوم الكلام «١» » . وننتقل هنا للتعريف بأساتذته الذين عرف بهم فيما بقي من مؤلفاته، وعلى رأسهم والده، حيث ذكره مع أساتذته في علم الكلام بقوله: «ولقد لقيت في زماني من المتكلمين من له الشأن الأضخم والمقام الأكرم، يتصرف في الأدلة والحجج تصرف الرياح في اللجج ... منهم: ٣. والدي الإمام أبو القاسم، ومن تأمل في تصنيفه المعنون ب لباب الألباب وحدائق الحقائق ومفتاح باب الأصول، عرف أنه في هذا الفن سباق غايات وصاحب آيات «٢» » . ٤. ومن أساتذته في علم الكلام إبراهيم بن محمد الخزّاز الذي وصفه بقوله «الزاهد الذي قرع باب العفاف وقنع من دنياه بالكفاف، وكان سريع الإجابة، بديع الإصابة «٣» » . وقد درس عليه في نفس الفترة التي كان يدرس فيها لدى الميداني أي سنة ٥١٦ هـ «٤» . ٥. ومنهم علي بن الهيصم النيسابوري، وصفه بقوله: «العالم الإمام، وهو

стр. 19

إمام لسانه فصيح، بيانه صريح، وبرهانه صحيح، لفظة لؤلؤ منثور ... «١» » وهو علي ابن عبد الله بن الهيصم، أبو الحسن الأشناني «٢» ، ذكره في لباب الأنساب في سند هذا نصه: «أخبرني الإمام علي بن عبد الله بن محمد بن الهيصم النيسابوري قال: أخبرني والدي أبو بكر عبد الله قال: أخبرني أحمد بن محمد بن علي بن أحمد العاصمي مؤلف زين الفتى ... «٣» » وقد ترجم له البيهقي في كتابه وشاح دمية القصر بشكل مطول ولقبه بصدر الإسلام الهروي وأثنى عليه كثيرا لعلمه وزهده، وقال: «اختلفت مدة مديدة إليه، وقرأت ما شئت من دقائق العلوم عليه، ووجدته حالا عقود المشكلات، فاتقا رتوق المعضلات، ولعمري إنه ﵀ كشف عن العلوم نقابها، ورفع عن الحقائق حجابها، فلم يكن في عصره فاضل إلا وقد أغترف من بحاره، وأقتبس من أنواره ... » ثم ذكر أسماء تصانيفه وهي دالة على تنوع معارفه، وأردف ذلك بأنموذجات من شعره «٤» . وختم البيهقي هذه القائمة بقوله: «فهؤلاء المتكلمون الذين اختلفت إليهم وجثوث استفادة بين أيديهم» «٥» . ثم ينتقل إلى طبقة أخرى ممن وضعهم تحت هذا العنوان: «وأما الذين عاشرتهم فهم: ٦. الفقيه إسماعيل المقيم بمرو. وجدته وقد أناف على السبعين، وهو شرح

стр. 20

كتاب المستوعب بلا نظر في أصل كتاب أو طريان شك وارتياب» «١» . ولم نهتد إليه ولا إلى كتابه. ٧. «ومنهم الإمام رشيد الدين عبد الجليل الرازي الذي هو متكلم بيانه سحر حلال، وطبعه ماء زلال، أبو الكلام وابن بجدته ... ومن أراد أن يعرف كماله في صناعته، تأمل تصانيفه ... » «٢» . قلت: هو المترجم لدى منتجب الدين بقوله: «الشيخ المحقق رشيد الدين أبو سعيد عبد الجليل بن أبي الفتح مسعود بن عيسى المتكلم الرازي، أستاذ علماء العراق في الأصوليين. مناظر ماهر حاذق، له تصانيف منها ... جوابات الشيخ مسعود الصوابي» «٣» . ثم أضاف أن الذي أشاع آراءه وخلد اسمه هو تلميذه سديد الدين محمود، فقال: ٨. «وقد أحيا رسمه، وخلد اسمه الإمام الكامل سديد الدين محمود بن ميرك الرازي، وكان في ابتداء أمره، وعنفوان عمره، اختلف إلى الرشيد، فقد جمع بين الميرة والنشيد ... وبيني وبينه إخاء، نسيمه رخاء، حرس الله قدره، وشرح صدره» «٤» . وقد ذكر المؤلف سديد الدين هذا فوصفه بالمتكلم «٥» وهي نفس الصفة التي ذكره بها منتجب الدين في فهرسته بقوله «الشيخ سديد الدين محمود بن أبي المحاسن أميرك، عالم فاضل» «٦» ، ونعتقد أنه هو نفسه المذكور في نفس الصفحة باسم «الشيخ نصرة

стр. 21

الدين محمود بن أميرك الرازي، متكلم» «١» . ووجود لقبين «سديد الدين» و «نصرة الدين» لشخص واحد، أمر شائع آنذاك. ٩. «ومنهم الإمام محمود الخوارزميّ «وله خاطر يلفظ المشكلات، كما يلفظ السمع حروف الكلمات» «٢» . وقد ترجم له في تتمة صوان الحكمة بقوله: «الفيلسوف محمود الخوارزميّ، كان والده وزير آتسز وهو تركي استولى على خوارزم، وكان محمود أديبا فاضلا كاملا استفاد من الحكيم أبي البركات. ورأيته بمرو في شهور سنة تسع عشرة وخمس مئة. وقد استولى عليه نوع من السوداء فذبح في ليلة من ليالي الشتاء شخصه بسكين القلم» «٣» . الآن وقد انتهت قائمة الذين تلقى العلم منهم ممن «عاشرهم» ننتقل إلى بقية أساتذته الذين استفاد منهم في مراحل شتى من حياته: ١٠. أحمد بن حامد النيسابوري، قال عنه: «ممن رسا طوده في الرياضيات، وقد رأيته في آخر عمره واستفدت منه» «٤» . ١١. إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي (٤٣٥- ٥٠٧ هـ) ، شيخ القضاة نجل شيخ السنة. قال عنه «كان قاضي خوارزم، وقد رأيته وسمعت منه الحديث حين عاد إلى بيهق في شهور سنة ست وخمس مئة» . وحدد مكان استماعه الحديث منه بقرية

стр. 22

أباري من توابع بيهق. ووصفه بأنه أكبر رواة الحديث في عصره «١» . ١٢. أبو بكر الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد بن أحمد النيسابوري المتوفى في المحرم سنة ٥١٩ هـ. قال عنه «٢» : «قرأت كتاب نهج البلاغة على الإمام الزاهد الحسن بن يعقوب بن أحمد القارئ، وهو وأبوه في فلك الأدب قمران، وفي حدائق الورع ثمران، في شهور سنة ست عشرة وخمس مئة، وخطه شاهد لي بذلك، والكتاب سماع له عن الشيخ جعفر الدوريستي المحدث الفقيه» «٣» . ١٣. حمزة بن هبة الله بن محمد، أبو الغنائم كمال الدين الحسيني المتوفى سنة ٥٢٣ هـ. قال البيهقي: «ولي منه سماع الأحاديث الكثيرة منها: كتاب الصحيحين ومسند أبي عوانة ومسند الجوزقي، ولي منه إجازة بجميع مسموعاته بخطه» «٤» . ١٤. عثمان بن جادوكار. درس عليه عقب عودته من الري في ٥٢٧ هـ. قال البيهقي: «وكنت في تلك المدة انظر في الحساب والجبر والمقابلة وطرفا من الأحكام. فلما رجعت إلى خراسان أتممت تلك الصناعة على الحكيم أستاذ خراسان عثمان بن

стр. 23

جادوكار، وحصلت كتبا من الأحكام، وصرت في تلك الصناعة مشارا إلي» «١» . ١٥. علي بن محمد الونكي، خلال حديثه عن علم النسب ذكره فقال: «علي بن محمد بن نصر بن مهدي، أبو القاسم الحسيني الونكيّ، وقد رأيته وكان جاري في الري واستفدت منه هذا العلم» «٢» . ١٦. علي بن محمود النصر آبادي. نقل عنه روايات بقوله: «وحدثني الإمام علي ... » «٣» . وقد ترجم له السمعاني فقال: «أبو الحسن علي بن محمود النصر آبادي المعروف بذؤابة. من أهل نيسابور. كان شيخا متفننا متقنا، أنفق ماله وعمره وما ورثه على العلم والتحصيل والنسخ، وجمع الأصول. قرأ الأدب والعربية على أبي الحسن [علي بن أحمد] الواحدي واشتغل بالوعظ والتذكير مدة ثم تركه ونظر في الطب وحصله. ورد مرو وأقام بها ... توفي يوم الثلاثاء النصف من شعبان سنة تسع عشرة وخمس مئة بنيسابور» «٤» . ١٧. عمر بن سهلان الساوي، ذكره في تتمة صوان الحكمة فقال: «القاضي الإمام الفيلسوف زين الدين [لسان الحق] عمر بن سهلان الساوي، سرد الشريعة والحكمة في نظام، وكان من ساوة فارتحل إلى نيسابور وتوطن بها وتعلم وكان يأكل من كسب سده ويرتفق بالنسخ ويبيع نسخة من كتاب الشفاء بخطه بمائة دينار. كنت أختلف إليه فأراه بحرا مواجا من العلوم» «٥» . وقد سها قلما الفاضلين الزركلي

стр. 24

وكحالة «١» عند ما ذكرا وفاته في حولي ٤٥٠ هـ، فهو أستاذ البيهقي، وفضلا عن ذلك فقد ألف كتابه البصائر النصيرية للوزير نصير الدين أبي القاسم محمود بن المظفر بن عبد الملك بن أبي توبة المروزي الذي مات أو خنق كما يقول السمعاني «٢» في شهر رمضان سنة ٥٣٠ هـ واستوزر خلال السنوات من ٥٢١ حتى ٥٢٦ هـ «٣» . وقد ذكر البيهقي في غرر الأمثال بعض أبيات قصيدة بعث بها إلى القاضي الساوي هذا وإجابته عليها بقصيدة «٤» . ١٨. محمد بن الفضل بن أحمد، أبو عبد الله الصاعدي الفراوي (حوالي ٤٤١- ٥٣٠ هـ) عالم الحديث والفقيه الشافعي صاحب التصانيف. اختلف البيهقي إليه خلال سنة ٥١٦ هـ وسمع منه غريب الحديث للخطابي «٥» . ١٩. الفيلسوف قطب الدين وقطب الزمان محمد بن أبي طاهر النصيري الطبسي المروزي المتوفى بسرخس في شوال ٥٣٩ هـ. يقول البيهقي: «انتقلت إلى نيسابور في غرة ربيع الآخر سنة ٥٢٩، وكان علم الحكمة عندي غير نضج، وعدت إلى بيهق وفي العين قذى من نقصان الصناعة، فرأيت في المنام سنة ثلاثين قائلا يقول: عليك بقطب الدين محمد المروزي الملقب بالطبسي والنصيري. فمضيت إلى سرخس وأقمت عنده وأنفقت ما عندي من الدنانير والدراهم، وعالجت جروح الحرص بتلك المراهم،

стр. 25

وعدت إلى نيسابور في السابع والعشرين من شوال سنة اثنتين وثلاثين [وخمس مئة] . وأقمت معه بنيسابور حتى أصابه الفلج وذلك في رجب سنة ست وثلاثين (وخمس مئة) «١» . وقد ترجم له في تتمة صوان الحكمة فقال: «هو من تلامذة الأديب أبي العباس «٢» . وأبوه من حكام قرى مرو، وأمه خوارزمية. وكان حكيما كاملا في أجزاء علوم الحكمة، صاحب خاطر وقاد، ارتبطه الوزير نصير الدين محمود بن المظفر بن العزيز (كذا) بن أبي توبة. ثم صار محروما محتاجا ... ومات بسرخس في شوال سنة ٥٣٩ هـ بعد ما أصابه الفلج» «٣» . ٢٠. عماد الدين أبو محمد يحيى بن أحمد بن زبارة المتوفى سنة ٥٣٢ هـ. ذكره في لباب الأنساب (٢/٥٢٢) فقال: «قرأت عليه رسائله التي وسمها بالإلهيات جملة لو عاش لسجد لها أبو حيان» ، ويعني بذلك أبا حيان التوحيدي وكتابه الإشارات الإلهية. ٢١. تاج القضاة أبو سعد يحيى بن عبد الملك بن عبيد الله بن صاعد. يقول البيهقي إنه انتقل إلى مرو في ذي الحجة سنة ٥١٨ هـ فقرأ عليه. ووصفه فقال: «كان ملكا في صورة إنسان. وعلقت من لفظه كتاب الزكاة والمسائل الخلافية ثم سائر المسائل على غير الترتيب، وخضت في المناظرة والمجادلة سنة جرداء حتى رضيت عن نفسي ورضي عني أستاذي. وكنت أعقد مجلس الوعظ في تلك المدرسة وفي الجامع، ثم انصرفت عن مرو في ربيع الأول سنة ٥٢١ هـ واشتغلت بمرو بتزويج صدني عن التحصيل صدا وعدت إلى نيسابور» «٤» .

стр. 26

نصل أخيرا إلى مجموعة من معاصريه ممن التقى بهم أو حضر مجالسهم أو ضمه وإياهم مجلس نقاش علمي أو راسلهم أو تبادل معهم القصائد والمقطعات أو سمع منهم حديثا وبعض هؤلاء لم نعثر عليه في شتى المظان التي نقبنا فيها: القاضي الفيلسوف مجد الأفاضل عبد الرزاق التركي «١» ترجم له في تتمة صوان الحكمة بقوله: «كان من تلامذة الأديب أبي العباس (اللوكري) وكان ماهرا في صناعة الهندسة عالما بالمعقولات، ولم يكن له خاطر وقاد. وكان لا يعدل عن ظواهر الكتب وقد جرت بينه وبين الأمير السيد شرف الزمان محمد ابن الأديب الإيلاقي مناظرات لم يتعرض فيها القاضي عبد الرزاق إلا لظواهر الكتب وكان حافظا لأكثر كتب أبي علي (ابن سينا) عالما بمطالب مصنفاته، ولكن لم يتعمق في المعقولات مثل ما تعمق فيها علماء دهره. وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في كتاب عرائس النفائس من تصنيفي» «٢» . محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. ترجم له في تتمة صوان الحكمة ودعاه: «الإمام الأجل تاج الدين محمد بن عبد الكريم الشارستاني» «٣» (٤٧٩- ٥٤٨ هـ) . وهو العلامة الذائع الصيت مؤلف الملل والنحل وغيره من التصانيف. يقول البيهقي:

стр. 27

«جمعني وإياه الإمام أبو الحسن ابن حمويه في مجلس، وحضر المجلس الإمام أبو منصور العبادي وموفق (الدين) أحمد الليثي وشهاب الدين الواعظ الشفورقاني «١» وغيرهم من الأفاضل» والذي جمعهم في مجلسه هو أبو الحسن علي بن محمد بن حمويه الجويني الذي قال السمعاني إنه «من أهل بحيراباد إحدى قرى جوين من نواحي نيسابور. وكان حسن الأخلاق مليح المعاشرة وداره كانت مجمع الأئمة والفضلاء ... وكان يدخل نيسابور في بعض الأوقات ويقيم بها أشهرا ويرجع إلى وطنه ... ووفاته بنيسابور لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمس مئة» «٢» . أما العبادي فهو الواعظ الشهير أبو منصور مظفر بن أردشير (٤٩١- ٥٤٦ هـ) ، الذي عرف بكونه سفيرا بين الخلفاء والسلاطين وواعظا حظي بالقبول لدى العامة فكانوا «يتركون أشغالهم لحضور مجلسه والمسابقة إليه» «٣» . ولم نهتد إلى معرفة الاثنين الآخرين: الليثي والشفورقاني. حسن بن أبي المعالي محمد بن أبي القاسم حمزة الخراساني الطوسي. قال البيهقي إنه حضر مجلسه بنوقان طوس سنة ٥٢٢ هـ «٤» . الصاحب بن محمد البخاري، هكذا دعاه في تتمة صوان الحكمة وصدر اسمه ب «الإمام» ، وقال: «فاضل اشتدت في علوم الإسلام عراه، وتأكدت في دقائق الحكمة قواه ... وقلت فيه من قصيدة فيها:

стр. 28

لقد صحب العلم الرصين وأهله ... لذلك سميناه في الناس صاحبا وقد ذكرت كمال فضائله في مسألة الوجود الذي فيه في كتابي المعنون بعرائس النفائس، وله إلي رسائل وفوائد منها استفدت، كأني عاينت فيها عين الحياة ووردت» «١» . ذكره فصيح ضمن حوادث سنة ٥٥١ هـ فقال إن فيها توفي «الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري في رمضان بإسفرايين، وكان عالما بعلوم الحكماء الأوائل» «٢» . ظهير الدين علي بن شاهك القصاري الضرير. لقبه ب «الإمام الفيلسوف» في تتمة صوان الحكمة وقال إنه أصيب بالجدري وهو ابن تسع سنين فعمي وبالغ في تحصيل العلوم كعلوم القرآن واللغة والفلسفة والفلك والرياضيات وقد ترجم له في تاريخ بيهق، وفي كلا المصدرين أثنى عليه وعلى علمه. وقال في تتمة صوان الحكمة: «وبيني وبين ظهير الدين مباحثات مذكورة في كتاب عرائس النفائس من تصنيفي. والآن في هذه الأيام سألني عن الكلام المفصل في الكبيسة، فأنشأت رسالة إليه في الكبيسة» «٣» . ولا ندري السبب الذي دعاه إلى أن يغير رأيه فيذكره في غرر الأمثال بقوله: «وببيهق أكمه يقال له العقبة علي القصاري يدعي الحكمة وأقسامها ويختار الطوالع، ولا يقدر على رفع الأصطرلاب والعمل به فيحاذي الشمس ويحسب من خروج ريحه من منخريه ... وقد اختار لخروج أخيه محمد بن شاهك القصار من بيهق إلى نيسابور طالعا، وخرج ذلك المسكين، فهبت ريح عاصف أسقطته من الجمل وشجت هامته ووقع عليه اللص وأخذ ماله..» . وأشار إلى ادعائه المعرفة بالطب وسخر منه وبالغ في الحط من قدره بكلمات قاسية «٤» .

стр. 29

زين الدين إسماعيل بن الحسن بن محمد بن أحمد الحسيني الجرجانيّ (٤٣٤- ٥٣١ هـ) . ذكره فقال: «الأمير السيد الإمام زين الدين إسماعيل بن الحسن الجرجاني الطبيب، أحيا الطب وسائر العلوم بتصانيفه اللطيفة، ورأيته بسرخس في شهور سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة وقد بلغ من العمر أطوريه. وقد ارتبطه الملك العالم العادل خوارزم شاه آتسز بن محمد بخوارزم مدة، فصنف بخوارزم الخفي العلائي و ... » «١» . جمال الدين أبو الفتوح بن أبي جعفر أحمد بن علي المقرئ. ضمن حديثه عن المثل القائل «الفحل يحمي شوله معقولا» ، قال: «حللت هذا المثل في رسالة كتبتها إلى الإمام جمال الدين أبي الفتوح بن أبي جعفر المقرئ (أدام الله جماله) » «٢» . أما أبوه فهو عالم اللغة المعروف ب «بو جعفرك» المتوفى سنة ٥٤٤ هـ المترجم في تاريخ بيهق وغيره. ولا نعلم اسم نجله أبي الفتوح، بل إن أباه نفسه ذكره بهذا الشكل في إجازة كتبها بخطه على كتابه ينابيع اللغة عند ما قال: «قرأ عليّ هذا المجلد الشيخ الإمام فخر الدين أبو بكر الفضل المعروف بعروة، ويسمع بقراءتنا القاضي الإمام الزاهد برهان الدين حجة الإسلام أبو القاسم منصور بن محمد بن صاعد نصره الله، وولدي أبو الفتوح فتح الله عليه وعليهما أبواب العلم والعمل به ... » «٣» . أبو الفتح (أبو حفص) غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوري الشاعر وعالم الرياضيات الذائع الصيت المتوفى بين ٥١٥- ٥١٧ هـ «٤» . وصفه في تتمة صوان

стр. 30

الحكمة بقوله: «الدستور الفيلسوف حجة الحق عمر بن إبراهيم الخيام» . قال إنه التقى به عند ما زاره مع أبيه سنة ٥٠٧ هـ، وقد سأله الخيام سؤالين أحدهما عن معنى بيت من أبيات الحماسة، والثاني في الهندسة، فلما أجاب عنهما البيهقي بشكل متقن، علق الخيام قائلا: شنشنة أعرفها من أخزم «١» . وهو كلام فيه مديح له ولأسرته بالعلم. نسابة الري مجد الدين أبو هاشم المجتبى بن حمزة بن زيد بن مهدي الحسيني الرازي. ذكره في لباب الأنساب فقال: «رأيته بالري وحضرت مجلسه وكان يدخل علي وتجري بيننا مذاكرة في علم الأنساب في شهور سنة ٥٢٦ هـ» «٢» . الإمام محمد بن الحارثان السرخسي، ذكره بهذا الاسم في تتمة صوان الحكمة فقال: «طاف وساح ومسح أكثر الأقاليم بأقدامه طلبا للحكمة البالغة، وكان في الأدب تلو الجوهري وابن فارس. وقد جرى بيني وبينه كلام في أنه يجب أن يتقدم على التصديق تصوران أو ثلاثة تصورات. وقد ذكرت ذلك في كتاب شرح النجاة من تصنيفي» «٣» . وهو أبو علي محمد بن علي بن أحمد بن الحارثان السرخسي، قال عنه السمعاني: «من أهل سرخس، كان فاضلا عالما باللغة والأدب والنحو. وسمعت أنه كان يرى رأي الأوائل ويقرأ الفلسفة والعلوم المهجورة، ولكنه كان ساكنا وقورا معرضا عن الناس، لقيته أولا بسرخس وكتبت عنه إقطاعا من الشعر له ولغيره. ثم لقيته بمرو. وتوفي بسرخس في أحد الربيعين سنة خمس وأربعين وخمس مئة» «٤» .

стр. 31

وذكره البيهقي مرة أخرى لمناسبة ذكره كتابا لأبي بكر البرقي الخوارزمي فقال: «رأيته عند الإمام محمد الحارثان السرخسي ﵀ بخط رديء مقرمط في سنة أربع وأربعين وخمس مئة» «١» . يمين الدين أبو الحسن الفندورجي. قال إنه كتب إليه قصيدة، ثم ذكر ثمانية أبيات منها يقول واحد منها «٢» : إلّا كرام أطلعوا شمس العلا ... من أوجها وهم بنو الفندورجي وهو أبو الحسن علي بن نصر بن محمد بن عبد الصمد الفندروجي الإسفراييني الذي ترجم له السمعاني وقال إن فندور هي قرية بنواحي نيسابور وأضاف أنه «كان يرجع إلى فضل وافر ومعرفة تامة باللغة والأدب وخط وبلاغة، وله شعر مليح رائق. وقد اختص بالوزير طاهر بن فخر الملك وصار كاتبا في ديوان السلطان ويكتب الكتب باللسانين ... » . ثم ذكر أن ولادته كانت ٤٨٩ هـ، ووفاته في حدود ٥٥٠ هـ. وأنه لقيه بإسفرايين وكتب عنه شيئا كثيرا من الطرف والملح وله ولغير «٣» . غير أن ابن الأثير «٤» ذكر أن أبا الحسن الفندروجي كان ممن قتل في أسفرايين خلال غارة الغز عليها سنة ٥٤٨ هـ. وفي مجلس شرف الدين علي بن الحسن البيهقي كان يتجاذب أطراف الحديث مع الشيخ أبي الحسن ابن طلحة الإسفراييني والأفضل أميرك الرماني والبديع الطوسي «٥» .

стр. 32

كما حضر مجلس عقد قران ذكر فيه أحد الحاضرين فقال: «وكان الأمين نصير الدين محمد بن الحسين الروباكاهي (؟) مد الله في عمره حاضرا» «١» . ويذكر قصيدة قالها في «معين الدين عبد الصمد بن حمزة بن علي نائب ديوان الوزارة بخراسان في شهور سنة ثلاثين وخمس مئة» «٢» . وقال في وشاح دمية القصر: «دخلت على الأمير يعقوب بن إسحاق (بن فخر الملك) المظفر بن نظام الملك فأكرمني وقابلني بالتعظيم والتفخيم، فقلت بديهة ... فأشار إلي وقال: هل لك أن تنسج على منوالي في ما قلت، فأنشدني لنفسه ... وقلت في الحال في مقام الارتحال، وكتبت بقلم الارتجال على قرطاس الاستعجال ... ثم قال (البيهقي) : شرفني بعد ذلك بقصيدة أولها ... فأجبت وقلت بعد الجواب علاوة للتصديع والإبرام، على طريق أداء شكر النعم، اللائق بأحوال الخدم ... » «٣» . وفي الخبر ما يدل على متانة العلاقة بينه وبين هذا الأمير. ويذكر في وشاح الدمية أيضا قصيدة قالها في «عزيز الدين أبي الفتوح علي ابن فضل الله المستوفي الطغرائي» «٤» . وفي شرحه لأحد الأمثال قال: «وقد ذكرت هذا المثل في قصيدة قلتها في منتجب الملك ﵀ ، منها ... » «٥» . ويبدو أنه الذي ذكره وأباه في وشاح دمية القصر فقال: «أكتب الكتاب محمد بن سعد الرازي وابنه منتجب الملك أبو البدر إبراهيم ...

стр. 33

اجتمعت بهما في شهور سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة» «١» . وهناك المتكلم البارز مسعود بن علي الصوابي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ الذي كتب إليه في مرض موته رسالة ختمها ببيت بالفارسية، قام البيهقي بترجمته إلى العربية شعرا «٢» . وقد روى حديثا عن القاضي علي بن أحمد بن أبي سهل الزاميني «٣» . وفي مقدمته لكتابه معارج نهج البلاغة ذكر واحدا ممن دعوه لشرح هذا الكتاب فقال: «ومن قبل التمس مني الإمام السعيد جمال المحققين أبو القاسم علي بن الحسن الجوبقي «٤» النيسابوري ﵀ أن أشرح كتاب نهج البلاغة ... » . وهناك مخلص الدين أبو الفضل محمد بن عاصم كاتب الإنشاء في ديوان السلطان سنجر وهو ابن أخت أبي إسماعيل الطغرائي الذي مدحه البيهقي بقصيدة ذكرها في كتابه وشاح دمية القصر «٦» ، وهو المترجم لدى السمعاني بقوله: «أبو الفضل محمد ابن عاصم المنشئ الهروي، من أهل هراة، كان أحد كتاب خراسان والمعروف بالفضل وحسن الكتابة بالعربية والعجمية وكان خيرا راعيا لحقوق الأصدقاء، ترك ديوان الإنشاء ورجع إلى وطنه وانزوى ولزم بيته بهراة واشتغل بكتابة المصاحف وقضاء

стр. 34

الصلوات والاعتذار عما سبق. لقيته بهراة في وقت العزلة، وكتبت عنه شيئا من شعره وأعطاني أجزاء بخطه. وكانت ولادته في حدود سنة ٤٧٠ هـ، وتو في بهراة في السادس والعشرين من صفر سنة ٥٤٣ هـ» «١» . سنكمل هذه القائمة- تجنبا لتكرار بعض أسمائها- في القسم المخصص لمؤلفاته حيث نجد أسماء كبار الشخصيات ممن كلفوه تأليف كتاب أو أهدى إليهم مؤلفاته. تلاميذه مع كل ما خلفه فريد خراسان من تراث ضخم متنوع في شتى العلوم، يتوقع المرء أن يجد له في بطون المؤلفات- في شتى العلوم أيضا- أسماء حشود من تلاميذه أو الرواة عنه، ونحن نعلم أيضا أنه تولى التدريس وإلقاء المحاضرات والوعظ في بعض المدارس والمساجد مما نجده في سيرته، كما ذكر هو مرة في تاريخ بيهق كيف أن حشدا من العلماء كانوا ذاهبين لأداء فريضة الحج قادمين من حدود يوزكند سنة ٥٥٥ هـ قد طلبوا إليه أن يكتب لهم إجازات في رواية الحديث كما قرأوا عليه شيئا من تفاسير القرآن «٢» . لكننا نفاجأ- في تراثه المعثور عليه- بأسماء ثلاثة فقط ممن درس عليه أو عد نفسه تلميذا له أو تناول منه كتابا. ولعل الكشف عما خفي من تراثه- إن بقي منه شيء في زوايا المكتبات- سينير شيئا من حياته ومعرفة شيوخه وتلامذته. ولكن علينا أن نشير إلى أهم سبب في ضياع جزء خطير من تراث خراسان وما وراء النهر وفقدان علمائها، ذلكم هو اجتياح قبائل الغزّ لهذه البلاد منذ سنة ٥٤٨ هـ وما تلاها، وما اتسم به هذا الاجتياح من قسوة لا تبلغ مداها سوى قسوة المغول الذين اجتاحوا هذه المناطق وسواها فيما بعد. يقول ابن خلدون مجملا بعض وقائع ذلك الاجتياح (سنة ٥٤٩ هـ)

стр. 35

وما فعلوه بحواضر العلم والأدب وأهلها وعلمائها: «ومروا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد وخربوا حتى المساجد، ثم ساروا إلى نيسابور في شوال ٥٤٩ ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملأوا البلاد من القتلى. وتحصن طائفة بالجامع الأعظم من العلماء والصالحين، فقتلوهم عن آخرهم، وأحرقوا خزائن الكتب وفعلوا مثل ذلك في جوين وأسفرايين، فحاصروهما واقتحموهما وفعلوا ما فعلوا في البلاد الأخرى» «١» . ولقد أشرنا فيما فيما مضى من هذه المقدمة إلى بعض ما ارتكبه هؤلاء بحق العلماء والمكتبات التي كان كثير منها ملحقا بالجوامع، وحدث أحيانا أن أحرق العلماء داخل الجوامع التي كانوا يلجأون إليها، ففي ترجمة أبي نصير عبد الرحمن الخطيبي الفقيه المذكور في معجم البلدان نجد: «لما وردت الغز (إلى مرو) صعد في جماعة إلى المنارة، فأضرم الغز فيها النار فأحترق أبو نصير وابنه» «٢» . كما كانوا يضعون بعض العلماء أهدافا لسهامهم فيرشقونهم حتى الموت كما فعلوا بأبي حفص عمر بن محمد الصكاك الطوسي «٣» . وقد ذكرنا فيما مضى عقوبتهم بحثو التراب في أفواه العلماء حتى الموت. وعلى حد تعبير ياقوت: «قدموا نيسابور وقتلوا كل من وجدوا واستصفوا أموالهم، حتى لم يبق فيها من يعرف وخربوها وأحرقوها» «٤» . وبهذا قتل على أيدي «الظلمة الغز» «٥» . هذا الحشد الهائل من العلماء والأدباء الذين كان من بينهم بلا شك بعض أساتذة أو تلامذة البيهقي، وضاعت أخبارهم- فضلا عن آثارهم- والسبب في هذا الوهم على ما يبدوا هو اختفاء البيهقي من نيسابور خلال تلك الحوادث. ذلك أننا نعرف أنه كتب في سيرته الذاتية يقول: «فعدت إلى بيهق في

стр. 36

شعبانها (سنة ٥٣٦ هـ) فأزعجني عنها حسد الأقارب فخرجت منها خائفا أترقب في رمضان سنة سبع وثلاثين (وخمس مئة) إلى نيسابور، فأكرمني أكابرها، فكنت أعقد المجلس في يوم الجمعة بجامع نيسابور القديم، ويوم الأربعاء في مسجد المربع، ويوم الاثنين في مسجد الحاج، وتفد عليّ وفود إكرام الوزير ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك وإكرام أكابر الحضرة. فألقيت العصا بنيسابور وأقمت بها إلى غرة رجب سنة تسع وأربعين وخمس مئة، ثم ارتحلت عنها لزيارة والدتي» «١» ، أي إلى بيهق، فمن غير المعقول أن يكون قد مكث بنيسابور لو كان الغز دخلوها في ٥٤٨ هـ، وإن اعتماد ابن الأثير على كتاب مشارب التجارب للبيهقي في تدوين وقائع اجتياح الغز لخراسان يجعلنا نعتمد بدورنا عليه في تسلسل هذه الوقائع التي كان السبب فيها أن الغز قتلوا ولدا لقماج أحد قادة سنجر، وقد التزموا بدفع الدية بمبالغ مضاعفة وتسليم القاتل إليه، لكنّ هذا أصر على حربهم، فحاربوه وهزموه، فشكا ذلك إلى سنجر، فبادر الغز إلى التضرع والخضوع وتعهدوا بمضاعفة الدية وأموال الخراج وتسليم القاتل، فرفض سنجر ذلك العرض مندفعا بعناده وتحريض قائده قماج. فلما رأى الغز ذلك استبسلوا للدفاع عن أنفسهم وقرروا خوض حرب مصيرية، فألحقوا الهزيمة النكراء بسنجر وأسروه، ثم اندفعوا يدمرون كل شيء «٢» . يقول ابن الأثير في حوادث ٥٤٨ هـ: في المحرم انهزم السلطان من الأتراك الغ، ثم دخلوا بلخ حيث «أكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال وعملوا كل عظيمة وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس ... ودخلوا مرو (في رجب ٥٤٨ هـ) «٣» . ثم ولّوا على نيسابور واليا فقسط على الناس كثيرا وعسفهم وضربهم،

стр. 37

وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وقال: أريد ملء هذه ذهبا. فثار عليه العامة فقتلوه ومن معه، فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها نهبا مجحفا، وجعلوها قاعا صفصفا، وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوا وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها، فممن قتل ... «١» ، ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت» «٢» . ثم يتحدث عن اجتياحهم نيسابور ليقول إنه تم في شوال ٥٤٩ هـ، فيقول: «فقصدوا نيسابور فمروا بطوس وهي معدن العلماء والزهاد، فنهبوها وسبوا نساءها وقتلوا رجالها وخربوا مساجدها ومساكن أهلها. ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضا ومواضع أخرى يسيرة لها أسوار ... وساروا إلى نيسابور فوصلوا إليها في شوال ٥٤٩ ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا فنهبوها نهبا ذريعا وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا أنهم لم يبقوا بها أحدا، حتى إنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان، وسبوا نساءها وأطفالها وأخذوا أموالها وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض، واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي تحصنوا به، فحصرهم الغز، فعجز أهل نيسابور من منعهم، فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم. وكانوا يطلبون من الرجال المال فإذا أعطاهم أحد قتلوه. وقتلوا كثيرا من أئمة العلماء والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي [يقول الآقسرائي: إنه مات تحت التعذيب] «٣» ... ورثاه جماعة من العلماء

стр. 38

منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي. ومنهم (ثم ذكر قائمة بأسماء بعض العلماء القتلى) . وأحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها» . ويواصل حديثه عن اجتياحهم لمدينة أسفرايين وغيرها ثم يقول: «لما فرغ الغز من جوين وأسفرايين عادوا إلى نيسابور فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول، وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها فحصرهم الغز واستولوا عليها ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور وهتكوا الحرم والأطفال، وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين، وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم. ثم إن السلطان سليمان شاه (حاكم خراسان المعيّن من قبل السلطان سنجر) ضعف وكان قبيح السيرة سيئ التدبير، وإن وزيره طاهر بن فخر الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين (وخمس مئة) فضعف أمره وأستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظام الملك أبا علي الحسن بن طاهر، وانحل أمر دولته بالكلية ففارق خراسان في صفر وعاد إلى جرجان» «١» ، وعن مجزرة الجامع المنيعي يقول الراوندي: «إن الغز قتلوا جميع من لجأوا إلى الجامع بحيث كانت الجثث غارقة في برك الدماء ثم قدموا إلى مسجد المطرز وهو كبير يسع ألفي مصل وله قبة عالية منقوشة بالخشب المدهون، فأحرقوه فارتفعت ألسن اللهب بحيث أضاءت المدينة» «٢» . والفقيه محمد بن يحيى هو أبو سعد الجنزي الذي قال عنه السمعاني: «قتل بنيسابور في جامعها الجديد في الحادي عشر من شوال سنة تسع وأربعين وخمس مئة. ورزق سعادة الشهادة. قتله الغز في وقت الإغارة على نيسابور» «٣» . وقد اتخذ مسار

стр. 39

الحوادث التسلسل التالي: محرم ٥٤٨ هـ ألحق الغز الهزيمة بالسلطان سنجر واجتاحوا مدينة بلخ. رجب ٥٤٨ هـ اجتاحوا مرو. شوال ٥٤٨ هـ توفي الوزير أبو الفتح ناصر الدين طاهر بن فخر الملك المظفر ابن نظام الملك الذي أستوزره السلطان سنجر منذ سنة ٥٢٨ هـ. وهو الذي كان يرعى البيهقي بالإكرام ويوفر له الدعم والحماية. وقد استمر الغز يعيثون فسادا في بلاد خراسان لثلاثة أو أربعة أشهر أخرى. صفر ٥٤٩ هـ غادر السلطان سليمان بلاد خراسان. ١ رجب ٥٤٩ هـ غادر البيهقي نيسابور عائدا إلى بيهق. الأيام الأولى من شوال ٥٤٩ هـ اجتاح الغز نيسابور. وللتأكيد على مدى الدمار والقتل الذي مارسه هؤلاء بنيسابور نشير إلى اجتياحهم هذه المدينة مرتين بعد ذلك. ففضلا عن اجتياحهم لها سنة ٥٤٩ هـ، اقتحموها في ٥٥٠ وفي ٥٥٤ هـ «١» . سيشير البيهقي إلى واقعة خروجه من نيسابور هذه في حديثه عن تأليف كتابه لباب الأنساب بإيعاز من نقيب السادة العلوية في بيهق عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى الحسيني من آل زبارة، فيقول: «ولما أزعجتني الفتنة العمياء الصماء بنيسابور عن مغانيّ، أقمت عشر سنين في ظلال لطائف المجلس العالي النبوي العمادي الجلالي المكي، في بلاد بها نيطت علي تمائمي، وهي أول أرض مس جلدي ترابها، اشتغلت بابتداء هذا الكتاب يوم السبت في أواخر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين

стр. 40

وخمس مئة» . ثم ذكر بعد ذلك أنه انتهى من تأليف مجلده الأول في شهر رمضان ٥٥٨ هـ «١» . فيكون بذلك قد أكمل منذ خروجه من نيسابور إلى حين إتمامه لباب الأنساب، تسع سنوات وسبعة أشهر، أي ما يقرب من عشر سنوات. ذكر هو واحدا من تلامذته فقال: «الحكيم ناصر الهرمزدي الماسورآبادي «٢» : كان سليل الأكاسرة، عالما بأجزاء علوم الحكمة جليلها ودقيقها مع طبع وقاد في الشعر العربي والفارسي، وذكرت طرفا من أشعاره في كتابي المعنون بوشاح دمية القصر. وقد اختلف مدة إلي ثم إلى قطب الزمان «٣» . مات حتف أنفه بنيسابور. وقد دعاه ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك إلى مرو للارتباط بالحضرة» «٤» . والآخر هو سيد علوي من آل زبارة قرظ كتابه معارج نهج البلاغة شعرا، ذكره البيهقي فقال: «وقال السيد الإمام كمال الدين أوحد العترة أبو الحسن علي بن محمد العلوي الزبارة في هذا الكتاب والمصنف ... » . وعند نتهائه من قصيدته ذيلها بقوله: «منشئ هذه الأبيات تلميذه أبو الحسن ... » «٥» .
следующие страницы →