فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" (١).
ثانيًا: وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، قال: فاضربوا له مثلان، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصي الله، ومحمد فرَّق بين الناس" (٢).
ثالثًا: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعهن (٣) ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" (٤).
стр. 177
فهذه ثلاثة أحاديث اشتمل كل حديث منها على مثل معين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع ليكون أسهل في فهم المعنى وأبلغ في ترسخه في ذهنه.
ففي المثل الذي جاء في الحديث الأول ضرب النبي ﷺ لنفسه مثلًا بالنذير الذي جاء لقومه يحذرهم من أن أعداءهم في طريقهم إليهم بعد أن رأى جيشهم على مقربة منهم وطلب منهم أن ينجوا بأنفسهم قبل أن يهلكهم عدوهم ويفنيهم.
وضرب لأمته مثلًا بقوم ذلك الرجل الذين انقسموا إلى قسمين فكان منهم من صدقه وأطاعه فساروا من الليل فنجوا بأنفسهم من فتك عدوهم، وكان منهم من لم يصدقه فبقوا في منازلهم فصبحهم عدوهم فقضى عليهم. فالنبي ﷺ هو النذير لهذه الأمة كما قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين﴾ [الحج]، فقد أرسله الله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرا] [الفرقان]، لينذرهم عذاب ربهم الذي توعد به المخالفين منهم، وبين لهم شرع ربهم وما أمرهم به من قواعد وأحكام.
فمن أطاعه واتبع النور الذي جاء به والتزم شريعته فقد نجا من عذاب الله. ومن عصاه وخالفه ولم يتبع ما جاء به فقد استحق بذلك عذاب الله فله جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا.
وهذا المثل يمثل جانب الإنذار والوعيد وهو جانب من جوانب الرسالة، وأما الجانب الثاني وهو جانب البشارة؛ إذ أن الرسول ﷺ أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ [سيا: ٢٨]
وأما جانب ما تحدث عنه الحديث الثاني وهو حديث
стр. 178
جابر بن عبد الله عنهما، فالمثل يتحدث عن ثلاثة أمور: دار، ومأدبة، وداعي. وقد جاء تأويل هذا المثل في الحديث نفسه، فالداعي هو النبي ﷺ ، والدار هي الجنة، فمن أطاعه ﷺ واتبع ما جاء به فقد أجاب الدعوة واستحق دخول الجنة والتمتع في نعيمها. وأما من عصى النبي ﷺ وخالفه ولم يستجب لما جاء به، فذلك الذي لم يستجب لدعوته فحرم من الدخول في الدار التي هي الجنة، وحرم من الأكل من المأدبة التي هي النعيم الدائم في الجنة.
وأما الحديث الثالث: فالمثل المضروب فيه يصور مدى حرصه ﷺ على حماية الأمة من الوقوع فيما يسخط الرب ﵎ ويوجب عقابه وأليم عذابه، فهو ﷺ الموصوف بقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة].
والشاهد من الحديث قوله: "أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها"، ومما لا شك فيه أن اقتحام الناس للنار ناتج عن مخالفتهم لأوامر النبي ﷺ ووقوعهم فيما نهى وحذر منه، فبهذا يكون هلاكهم وعذابهم.
والمتأمل لهذه الأحاديث الثلاثة وما ضرب فيها من أمثال يدرك - إن كان له قلب وسمع سليمان - ما في هذه الأحاديث من الحث على طاعة النبي ﷺ واتباعه والأجر العظيم المترتب على ذلك، كما يدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته وعدم الانقياد له.
والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا هو التالي:
هل أنت ممن أطاع البشير النذير ﷺ ؟
وهل أنت ممن أجاب الداعي؟
وهل أنت ممن استجاب لتحذيره ﷺ فحمي نفسه من نار جهنم؟.
стр. 179
وقبل أن تعجل بالإجابة، انظر إلى أعمالك وأقوالك هل هي وفق شريعته وما جاء به ﷺ أم لا؟ فههنا يكمن الجواب.
فيا سعادة من أطاعه واتبعه، صلوات الله وسلامه عليه.
ويا خزي وندامة من خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ [الأحزاب].
ج - حثه ﷺ لأمته على التمسك بسنته وتحذيره من مخالفتها:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"" (١).
وحديث أنس هذا يعد قاعدة جليلة من قواعد التأسي والاتباع، وذلك لما حواه من توجيهات هامة جدًّا في هذا الشأن منها:
١ - أن الابتداع في الدين أمر مردود وغير مقبول، بل يعد من
стр. 180
الرغبة عن سنة المصطفى ﷺ والخروج عن شريعته، ومن أجل ذلك فليس لأحد كائنًا من كان سوى النبي ﷺ حتى وإن كان أصحابه: أن يشرع في هذا الدين أو يدخل فيه أمرًا حتى وإن كان ذلك بدافع التقرب إلى الله، فأولئك النفر من الصحابة رضوان الله عليهم دفعهم حب التقرب إلى الله إلى أن قالوا ما قالوه من الأمور التي تعد من الرهبانية، ولما كان قولهم ذلك بعد مخالفة لما كان عليه النبي ﷺ من الحنيفية السمحة، وجههم النبي ﷺ إلى الصواب وحذرهم من أن يحيدوا عن شئته ويرغبوا عنها بقوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمراد أن من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري فليس مني.
ومن هذا الحديث يعلم أن كل أمر ليس من سنته ﷺ والشرع الذي جاء به فهو أمر مبتدع مردود على صاحبه، إضافة إلى اعتبار فاعله راغبًا عن سنة المصطفى ﷺ .
٢ - حثه ﷺ على التمسك بما هو عليه وهي الحنيفية السمحة، فهذا ما دل عليه قوله: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء".
فالإسلام دين الفطرة، ونبينا ﷺ حرص بقوله هذا على سد باب التشديد المتمثل في الرهبانية، فلا رهبانية في الإسلام، وفي هذا يقول: "إن الرهبانية لم تكتب علينا" (١)، فعلى هذا فهي أمر مخالف لسنته وهديه.
وعن العرباض بن سارية (٢) ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله
стр. 181
كأنها موعظة مودِّع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (١).
فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك، وأن يحذروا الابتداع في الدين، وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.
وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
* الاتباع.
* ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ ، بل عملوا بها ونقلوها للامة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ ، وكذلك فقد كانوا أشد الناس
стр. 182
تمسُّكًا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع في الدين، وقد كان في صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
ومن المؤسف أن كثيرًا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرًا مستغربًا مستنكرًا لجهلهم بها وبعدهم عنها، واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلًا والباطل حقًّا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.
فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا؟
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وهذا التوجيه النبوي الكريم مماثل لما سبق في الأحاديث السابقة من الحث على لزوم السنة والتأكيد على اتباعها والأخذ بها، إلا أنه يضيف أمرًا هامًا وهو أن الطاعة في جانب المأمورات تجب في حدود الاستطاعة والطاقة، وهذا من اليسر الذي امتازت به الرسالة المحمدية،
стр. 183
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ففي جانب الأوامر علينا السمع والطاعة في حدود ما نطيق ونستطيع، أما في جانب النواهي فيجب التسليم المطلق دون قيد أو شرط.
فبهذه الإضافة يتحدد مَعْلَم من معالم الطاعة يجب على المسلم أن يدركه ويعي مضمونه.
د - بيانه لمواقف الناس من الأخذ بدعوته واتباع سنته ﷺ -:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله منها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (١).
وفي هذا الحديث قسم النبي ﷺ الناس - فيما يتصل بدعوته - إلى ثلاثة أقسام. وشبه ﷺ العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.
وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
وكما أن الأراضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:
* إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت، ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج.
стр. 184
فذلك مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.
* والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه، فهذه تنفع الناس لورودها والسقي منها والازدراع.
وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، فلا تصرف فيه، ولا استنبط، بل للحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذي قال فيه النبي ﷺ : "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه" (١).
فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بماله ما شاء.
والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب، ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف والتقلب فيه.
• والأرض الثالثة: أرض قاع، وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يمسك ماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية، وإنما هو بمنزلة الأرض البور التي لا تنبت ولا تحفظ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالًا.
стр. 185
فالأول: عالم معلم، وداع إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.
والثاني: حافظ مؤد لما سمعه، فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.
والثالث: لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا، فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم.
منها قسمان: قسم سعيد، وقسم شقي" (١).
* * *
стр. 186
المطلب الثالث دليل الإجماع على وجوب طاعته
الإجماع من الأمة منعقد على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في جميع ما جاء به من ربه ، وذلك لثبوت الأمر بهذا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل إن الأمر بوجوب طاعته ﷺ يعد من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر إنسان بجهلها.
وقد حكى الشافعي رحمه الله تعالى إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على أن من استبانت له سنة رسوله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
ولم يسترب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي، فإن الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (١).
وقد تمثَّل إجماع الأمة على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في اعتبار السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وذلك بعد المصدر الأول الذي هو القرآن الكريم (٢).
والمقصود بالسنة هنا ما صح عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته، فالصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سار على نهجهم يؤمنون بهذا الأصل الذي هو سنة المصطفى ﷺ ويوجبون العمل والاحتجاج
стр. 187
بها، ويعتبرونها مصدرًا مستقلًا في التشريع، فلا يجب عرض ما جاء عنه ﷺ على القرآن، بل يجب اتباعه وطاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن.
ولقد كان من مظاهر ذلك الإجماع الاعتناء بسنته وحفظها ونقلها، وتعليمها في كل عصر من العصور.
فلقد اعتني بالسنة فنقلها الخلف عن السلف، وحافظوا عليها، ووضعوا لها القواعد التي اعتنت بسلامتها سندًا ومتنًا.
والنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم في وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به وتعظيمهم لسنته والعمل بها كثيرة جدًّا، ومن تلك النقول ما يلي:
أ - الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
- أبو بكر الصديق ﵁:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فقال له عمر ﵁: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها؟، والله لو منعوني عناقًا (١) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" (٢).
стр. 188
فهذه الحادثة تمثل مدى تمسك خليفة رسول الله ﷺ بما كان عليه الرسول ﷺ ، وحرصه على تطبيق شرعه في وقت ارتد فيه أكثر العرب في جزيرة العرب، ولم يبق على الإسلام سوى أهل المدينة ومكة والطائف، ولقد تابع الصحابة أبا بكر في موقفه ذلك فقاتلوا أهل الردة بما فيهم مانعي الزكاة، فكان موقفهم ذلك أوضح دليل على تعظيم السنة ووجوب العمل بها.
وقد جاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء وسأسأل الناس. ثم سأل ﵁ من الصحابة فشهد عنده بعضهم بأن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك (١).
وفي هذا دليل على: تمسك الصديق بسنة المصطفى والعمل بها، وقال ﵁: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ" (٢).
وعن ابن سيرين (٣) قال: "لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي
стр. 189
بكر ﵁، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر ﵁ وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله" (١).
- عمر بن الخطاب ﵁ -:
ورد عنه أنه كان يقول: "إن أصدق القيل قيل الله، ألا وإن أحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة … " (٢).
وكان عمر ﵁ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله، فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ .
فعن الشعبي (٣) عن شريح (٤) أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ ، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد من قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر
стр. 190
فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك" (١).
وروى البخاري بسنده عن أبي وائل (٢) قال: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرءان يقتدى بهما" (٣)
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "قيل لعمر: ألا تستخلف؟، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ ، فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب (٤) وددت أني نجوت منها كفافًا لا لي ولا علي، لا أتحملها حيًا وميتا" (٥).
стр. 191
وجاء في رواية لمسلم قال عبد الله: "فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا وأنه غير مستخلف" (١).
فعمر بن الخطاب ﵁، تمسك بسنة رسول الله ﷺ وقدمها على سنة أبي بكر مع أن العمل بها جائز عنده.
ولما قبل ﵁ الحجر الأسود قال: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك" (٢).
- عثمان بن عفان (٣) ﵁ -:
عن زينب بنت كعب بن عجرة (٤) أن الفريعة بنت مالك بن سنان (٥) وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبرتها: "أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه
стр. 192
ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة (أو في المسجد) ناداني رسول الله ﷺ ، أو أمر لي فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ "، قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته وقضى به" (١).
والشاهد من هذا الحديث أن عثمان لما أشكل عليه حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، أرسل إلى الفريعة بنت مالك يسألها فأخبرته أن النبي ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله. فقضى عثمان ﵁ بسنة المصطفى ﷺ .
- علي بن أبي طالب ﵁ -:
لما بلغه أن عثمان ﵁ ينهى عن متعة الحج، أهلَّ علي ﵁ بالعمرة والحج جميعًا وقال: "ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد" (٢). وعنه ﵁ أنه قال: "ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة محمد ﷺ ما استطعت" (٣).
стр. 193
- أبي بن كعب ﵁ (١):
روي عنه أنه قال: "عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله أبدًا، وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة، فتحات عنها ورقها، إلا حط الله خطاياه كما تحات من الشجرة ورقها، فإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة وموافقة بدعة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا واقتصادًا أن يكون على منهج الأنبياء وسنتهم" (٢).
- عبد الله بن عباس ﵄:
روي عنه أنه قال: "من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله " (٣).
وعنه ﵁ قال: "عليك بتقوى الله والاستقامة واتبع ولا تبتدع" (٤).
стр. 194
- عبد الله بن مسعود ﵁:
روي عنه ﵁ أنه قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (١)، وعنه أنه قال: "إنا نقتدي ولا نبتدئ، ونتبع ولا نبتدع، ولن نصل ما تمسكنا بالأثر" (٢). وعنه ﵁ أنه قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" (٣).
- عبد الله بن عمر ﵄:
فعن سالم بن عبد الله (٤) أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها". فقال بلال بن عبد الله (٥) والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن" (٦).
стр. 195
- حذيفة بن اليمان ﵁:
قال ﵁: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (١).
قال ابن حجر: "فقوله: "يا معشر القراء" المراد بالقرآن والسنة العباد، وقوله: "استقيموا"؛ أي: اسلكوا طريق الاستقامة وهي كناية عن التمسك بأمر الله فعلًا وتركًا. وقوله: "سبقتم" بفتح أوله كما جزم به ابن التين وحكى غيره ضمه والأول المعتمد، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير، لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسًا وحكمًا. وقوله: "فإن أخذتم يمينًا وشمالًا"؛ أي: خالفتم الأمر المذكور، وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٢).
ب - من أقوال التابعين ومن بعدهم:
* عمر بن عبد العزيز (٣) رحمه الله تعالى:
فمما نقل عنه أنه كتب عامل له يسأله عن الأهواء؟، فكتب إليه: "أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنته وسنة رسوله ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما جرت به سنته وكفوا
стр. 196
مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة … " (١)
وروي عنه أنه قال: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (٢)
* محمد بن مسلم الزهري (٣):
روي عنه أنه قال: "كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله" (٤).
* مجاهد بن جبر (٥):
روي عنه أنه قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (النساء: ٥٩]، قال: "الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول: الرد إلى السنة" (٦).
стр. 197
* أبو العالية (١):
روي عنه أنه قال: "تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تعرفوا الصراط يمينًا أو شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم، وما كان عليه أصحابه" (٢).
* أيوب السختياني (٣):
روي عنه أنه قال: "إذا حدث الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال" (٤).
ج - الأئمة الأربعة:
• أبو حنيفة النعمان (٥):
روي عنه قوله ﵀: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء من أصحاب رسول الله ﷺ نختار من قولهم، وإذا جاء عن
стр. 198
التابعين زاحمناهم" (١).
وروي عنه قوله: "آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم .... " (٢).
* مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):
قال رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا" (٣).
وكان ﵀ كثيرًا ما يقول:
وخير أمور الدين ما كان سنّة … وشر الأمور المحدثات البدائع (٤)
ومن قوله كذلك: "قُبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي" (٥).
وجاء رجل إلى مالك فسأله مسألة فقال له: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيت، فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور] (٦).
* محمد بن إدريس الشافعي:
ورد عنه أنه قال: "الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة" (٧)، وقال: "ليس في سنة رسول الله ﷺ إلا اتباعها" (٨).
стр. 199
وروى ﵀ يومًا حديثًا فقال له رجل: "أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟، فقال: متى ما رويت عن رسول الله حديثًا صحيحًا فلم أخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب" (١).
وروي عنه أنه قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت" (٢).
وروي عنه أنه قال: "آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله" (٣).
* أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة):
ورد عنه قوله: "أصول السُّنَّة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى" (٤).
وقال أيضًا: "الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير" (٥).
стр. 200
وما أوردته من آثار وأقوال عن السلف ههنا إنما هو عبارة عن نماذج لما ورد عنهم في هذا الشأن (١).
ويتضح من خلال تلك النصوص إجماع سلف الأمة وأئمتها على وجوب الأخذ بسنة المصطفى ﷺ والتمسك بها في كل الجوانب واتباع ما جاء به ﷺ اعتقادًا وقولًا وعملًا، والتحذير من مخالفة السنة والابتداع فيها وتقديم الهوى والرأي عليها.
* * *
стр. 201
المبحث الثاني
منهج السلف في اتباعه وطاعته ﷺ -
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: منهجهم في الاتباع.
المطلب الثاني: محاربة السلف لما يناقض الاتباع.
стр. 202
المطلب الأول منهجهم في الاتباع
بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها في لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.
ولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:
• القرآن الكريم.
• السنة النبوية.
فالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
والسنة المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه، موضحة لإبهامه، هي ومخصصة لعمومه، ومقيدة لإطلاقه، وشارحة لأحكامه وأهدافه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (النحل).
فالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم، كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.
стр. 203
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم). وقال ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (١)، وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها، وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيًا من عند الله ، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادًا وقولًا وعملًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم، فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما، واتخذوا منهما منهجًا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالًا لنداء الله حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء].
قال ابن القيم: "إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته" (٢).
ومن هذين الأصلين - الكتاب والسنة - استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ ، وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:
стр. 204
أولًا: اتباع القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيًا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
كما جعله نظامًا ومنهجًا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة].
ولقد اعتنى السلف بكتاب الله فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلًا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.
كما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.
وهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرًا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ ، كما يعد تطبيقًا عمليًا لما أوصى به ﵊ أمته حيث قال: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله" (١).
ثانيًا: اتباع سُنَّته ﷺ والعمل بها:
فلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك (٢).
ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسُنَّة نبيهم ﷺ
стр. 205
وعملوا بها أمرًا ونهيًا وخبرًا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله الله الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضًا البتة بين الأصلين.
كما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:
١ - أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها، وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.
٢ - أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودًا.
٣ - أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرِّمة لما سكت عن تحريمه؛ كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة وغير ذلك.
فالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها
стр. 206
على جهة الاستقلال، فقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (المائدة: ٩٢)، وقال تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) (النساء: ١٨٠)، فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به ﷺ (١)، ويجب علينا العمل بها.
فالسلف يؤمنون "بأن الله سبحانه نصب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
فعلى سبيل المثال، فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر، كان تفصيلًا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما، والبيان من النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في قوله (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الأنعام: ٨٢) هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض الليل وسواد النهار.
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل
стр. 207
القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر المخلوق.
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
الثامن: بيان جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب على رسوله في بيانها كقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) [النساء: ٢٤] فالحل موقوف على شروط النكاح وانتقاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل" (١).
ومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية السنة ومكانتها ودورها في التشريع انطلقت أفعال السلف مترجمة لهذا التصور، فكان من تلك الأفعال أن اعتنى السلف بالسنة فتضافرت جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين على حفظ السنة والعناية بها وصيانتها، فحظيت منذ ذلك الحين
стр. 208
بسياج من الحماية منقطع النظير، وقد اتبع الصحابة في ذلك كل سبيلي حفظ للسنة نورها وصفاءها، وكان من ذلك التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفًا من أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف، بل إن بعضهم فضل الإقلال من الرواية.
قال ابن قتيبة (١): "كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا من الرواية يريد بذلك أن لا يتسمع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ ؛ كأبي بكر والزبير (٢) وأبي عبيدة (٣) والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (٤) وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة" (٥).
ولقد تبعهم من بعدهم من التابعين ومن بعدهم على ذلك.
стр. 209
وكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبتوا كذلك في قبول الأخبار من رسول الله ﷺ ، قال الذهبي: "كان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب (١) أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس فقام المغيرة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال: هل معك غيرك؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁".
واستشار عمر بن الخطاب له الناس في إملاص المرأة (٢)، فقال المغيرة بن شعبة (٣) شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة (٤).
وحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم هم أبي بن كعب وأبو موسى. وفي رواية: قال عمر لأبي موسى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ " (٥).
وعن علي ﷺ قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا
стр. 210
نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته … ) (١).
وهذا التثبت من الصحابة رضوان الله عليهم كان الحامل لهم عليه هو ألا يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تحر وتثبت كاف فيقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا، ويدلك على ذلك قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ .
وهذه الشواهد عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تترجم حرصهم وجهودهم في المحافظة على السنة بأن لا يشوبها ما ليس منها.
وقد تتابعت الجهود من الصحابة ومن جاء بعدهم على حفظ السنة وحمايتها إلى أن قعدت القواعد ووضعت الضوابط التي يعرف بها قوة الحديث أو وهنه، وكان من تلك الضوابط علم إسناد الحديث فقد اعتني بهذا الجانب منذ وقت مبكر، واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين، قال عبد الله بن المبارك (٢): "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقال: "بيننا وبين القوم قوائم"؛ يعني: الإسناد (٣).
ولقد اشتغل علماء الحديث بنقد الرواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخًا ومعتقدًا وسلوكًا، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، وقد قيل ليحيى بن سعيد القطان (٤): "أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك
стр. 211
عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: "لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب من حديثي" (١).
وهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها لتبق منهلًا صافيًا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ما جاء به ﷺ .
ثالثًا: ثم يلي الكتاب والسُّنَّة:
فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع، والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النفس الشرعي. قال الشافعي: "الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة".
وقال أيضًا: "والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة الثابتة، ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سُنَّة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس" (٢).
* * *
стр. 212
المطلب الثاني محاربة السلف لما يناقض الاتباع
من الأمور التي سار عليها السلف في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ ، وجعلوها منهجًا لهم في الاتباع محاربتهم لذلك الثالوث الخطير المتمثل في: البدعة، والتقليد، والرأي.
فالسلف يعدون ذلك الثالوث مرضًا خطيرًا متى استشرى وانتشر في الأمة فإنه يفتك بعقيدتها وما هي عليه من الاتباع والسنة.
قال ابن عباس ﵄: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (١).
وعن جابر بن زيد (٢) أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تُفْتِ إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت" (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" (٤).
وهذه النصوص الثلاثة المنقولة عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 213
تصور عظم خطر تلك الأمور على الأمة، كما تصور حرصهم على تحذير الأمة من خطرها وشرها الذي يهدد عقيدتهم وما هم عليه من الاتباع والسنة.
أ - محاربتهم للبدعة:
فأول تلك الأمور وأشدها خطرًا على الأمة "البدعة"، فالابتداع في الدين قد حذر منه النبي ﷺ بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وقال: "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١).
كما بين حكم البدعة بقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢).
ومع وقفة تأمل لما ورد في هذه الأحاديث نلمس الأمور التالية:
ففي الحديث الأول والثاني وصف ﷺ البدعة بكونها سلالة وانحرافًا من الطريق والصراط المستقيم الذي رسمه ﷺ لهذه الأمة والذي أوجب الله علينا اتباعه فيه.
стр. 214
فالبدعة في الدين طريق غواية وضلال يجب الحذر منه والبعد عنه، وهي إضافة إلى ذلك فإنها مخالفة لسنة المصطفى ﷺ ومحاربة لما جاء به من الهدى والنور، إذ الوقوع في هذا المزلق الخطر الذي هو "البدعة" يترتب عليه أمور خطيرة منها الطعن في الدين؛ لأن لسان حال المبتدع يقول: إن الشريعة لم تتم وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها.
وإضافة إلى ذلك فإن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، فالمبتدع بحاله تلك يزعم أن ثم طرفًا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع، وأحاط بما لم يحط به، وهذا هو بعينه الضلال المبين الذي وصف النبي ﷺ البدعة به حين قال: "وكل بدعة ضلالة" (١).
ومع هذا وذاك فقد تجعل البدعة مع مرور الزمن ونتيجة لانتشارها بين الناس من الدين، فتصبح سنة يستون بها وبخاصة العوام منهم الذين اعتادوا على التقليد والأخذ بكل ما هو منتشر بين الناس. بينما في الوقت نفسه تصبح السنن لغرابتها والجهل بها بدعًا، وهذا هو الحال في كل زمان ومكان انتشرت وعشت فيه البدع، وقل فيه العلماء بأمور السنة.
وأما الحديث الثالث وهو قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فهو حكم صريح على كل أمر محدث مبتدع في الدين وليس له أصل في الشرع بالرد وعدم القبول، ولا شك أن هذا الحكم بتر
стр. 215
لكل ما هو مبتدع في دين الله وشرعه، وإسقاط له، إضافة إلى كونه حماية لشرع الله من كل ما يخل به.
ولقد اتخذ السلف من أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن قواعد ساروا عليها في سبيل محافظتهم على السنة وصيانتها من شوائب البدع وشرورها. وإن المتأمل للنصوص الواردة عنهم في هذا الخصوص يلمس مدى حرصهم وتطبيقهم للتوجيهات النبوية التي تلقوها عن رسول الهدى ﷺ .
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (١).
وعنه أنه رأى أناسًا يسبِّحون بالحصا فقال: "على الله تحصون، لقد سبقتم أصحاب محمد علمًا أو لقد أحدثتم بدعة ظلمًا" (٢).
وعنه أنه قال: "الاقتصاد في السنة غير من الاجتهاد في البدعة".
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون".
قال سفيان: هو صاحب البدعة (٣).
وكان حذيفة ﵁ يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول: "يا معشر القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني، فقيل: كيف؟، فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي، فإذا