عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: "لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب من حديثي" (١).
وهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها لتبق منهلًا صافيًا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ما جاء به ﷺ .
ثالثًا: ثم يلي الكتاب والسُّنَّة:
فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع، والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النفس الشرعي. قال الشافعي: "الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة".
وقال أيضًا: "والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة الثابتة، ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سُنَّة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس" (٢).
* * *
стр. 212
المطلب الثاني محاربة السلف لما يناقض الاتباع
من الأمور التي سار عليها السلف في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ ، وجعلوها منهجًا لهم في الاتباع محاربتهم لذلك الثالوث الخطير المتمثل في: البدعة، والتقليد، والرأي.
فالسلف يعدون ذلك الثالوث مرضًا خطيرًا متى استشرى وانتشر في الأمة فإنه يفتك بعقيدتها وما هي عليه من الاتباع والسنة.
قال ابن عباس ﵄: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (١).
وعن جابر بن زيد (٢) أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تُفْتِ إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت" (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" (٤).
وهذه النصوص الثلاثة المنقولة عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 213
تصور عظم خطر تلك الأمور على الأمة، كما تصور حرصهم على تحذير الأمة من خطرها وشرها الذي يهدد عقيدتهم وما هم عليه من الاتباع والسنة.
أ - محاربتهم للبدعة:
فأول تلك الأمور وأشدها خطرًا على الأمة "البدعة"، فالابتداع في الدين قد حذر منه النبي ﷺ بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وقال: "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١).
كما بين حكم البدعة بقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢).
ومع وقفة تأمل لما ورد في هذه الأحاديث نلمس الأمور التالية:
ففي الحديث الأول والثاني وصف ﷺ البدعة بكونها سلالة وانحرافًا من الطريق والصراط المستقيم الذي رسمه ﷺ لهذه الأمة والذي أوجب الله علينا اتباعه فيه.
стр. 214
فالبدعة في الدين طريق غواية وضلال يجب الحذر منه والبعد عنه، وهي إضافة إلى ذلك فإنها مخالفة لسنة المصطفى ﷺ ومحاربة لما جاء به من الهدى والنور، إذ الوقوع في هذا المزلق الخطر الذي هو "البدعة" يترتب عليه أمور خطيرة منها الطعن في الدين؛ لأن لسان حال المبتدع يقول: إن الشريعة لم تتم وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها.
وإضافة إلى ذلك فإن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، فالمبتدع بحاله تلك يزعم أن ثم طرفًا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع، وأحاط بما لم يحط به، وهذا هو بعينه الضلال المبين الذي وصف النبي ﷺ البدعة به حين قال: "وكل بدعة ضلالة" (١).
ومع هذا وذاك فقد تجعل البدعة مع مرور الزمن ونتيجة لانتشارها بين الناس من الدين، فتصبح سنة يستون بها وبخاصة العوام منهم الذين اعتادوا على التقليد والأخذ بكل ما هو منتشر بين الناس. بينما في الوقت نفسه تصبح السنن لغرابتها والجهل بها بدعًا، وهذا هو الحال في كل زمان ومكان انتشرت وعشت فيه البدع، وقل فيه العلماء بأمور السنة.
وأما الحديث الثالث وهو قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فهو حكم صريح على كل أمر محدث مبتدع في الدين وليس له أصل في الشرع بالرد وعدم القبول، ولا شك أن هذا الحكم بتر
стр. 215
لكل ما هو مبتدع في دين الله وشرعه، وإسقاط له، إضافة إلى كونه حماية لشرع الله من كل ما يخل به.
ولقد اتخذ السلف من أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن قواعد ساروا عليها في سبيل محافظتهم على السنة وصيانتها من شوائب البدع وشرورها. وإن المتأمل للنصوص الواردة عنهم في هذا الخصوص يلمس مدى حرصهم وتطبيقهم للتوجيهات النبوية التي تلقوها عن رسول الهدى ﷺ .
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (١).
وعنه أنه رأى أناسًا يسبِّحون بالحصا فقال: "على الله تحصون، لقد سبقتم أصحاب محمد علمًا أو لقد أحدثتم بدعة ظلمًا" (٢).
وعنه أنه قال: "الاقتصاد في السنة غير من الاجتهاد في البدعة".
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون".
قال سفيان: هو صاحب البدعة (٣).
وكان حذيفة ﵁ يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول: "يا معشر القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني، فقيل: كيف؟، فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي، فإذا
стр. 216
انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه" (١).
وعنه ﵁ أنه قال: "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع" (٢).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أوشك قائل من الناس يقول: قد قرأت القرآن ولا أرى الناس يتبعوني، ما هم متبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل ما ابتدع ضلالة" (٣).
وعنه أنه قال: "أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع والتبدع والتنطع، وعليكم بأمركم العتيق" (٤).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (٥). وعن الحسن البصري (٦) قال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا صيامًا وصلاة إلا ازداد من الله بعدا" (٧).
وعنه قال: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك" (٨).
وعن أيوب السختياني أنه كان يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا" (٩).
стр. 217
وعن سفيان الثوري قال: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره. وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله في النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه" (١).
وقال: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها" (٢).
وعن أبي قلابة (٣) أنه قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون" (٤).
وبعد: فما نقلته ههنا يعد جزءًا يسيرًا جدًّا مما ورد عن السلف من نصوص في الحث على ترك الابتداع في الدين والتحذير من مخاطره ومغبة الإقدام عليه وموقفهم من أهله، فلقد اشتد نكير السلف على البدعة وأصحابها، والمجال هنا لا يتسع للاستفاضة في هذا الموضوع، وبما ذكر يحصل المقصود.
ب - محاربتهم للتقليد:
وأما الأمر الثاني من الأمور التي تشكل خطورة على الاتباع والسنة في رأي السلف فهو "التقليد". والفرق بينه وبين الاتباع أن التقليد: هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه.
وأما الاتباع: فهو ما ثبت عليه الحجة.
стр. 218
فكل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قَبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه.
والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع (١).
والتقليد الممنوع على ثلاثة أشكال:
أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء أو المشايخ.
الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
ولقد حارب السلف هذا النوع من التقليد وذمّوه واعتبروه مزلقًا خطيرًا يحرِّف المسلم وينحيه عن المنبع الذي يستمد منه دينه، ويجعله عرضة لكل بدعة، ومنقادًا لكل شبهة، وتبعًا لكل ناعق، وإضافة إلى ذلك فإن التقليد له صلة وثيقة بالبدعة، فالبدعة تؤخذ في غالب الأمر تقليدًا لشيخ يعظم أو والد يحترم أو مجتمع تقدس فيه عاداته، ولذلك كان التقليد والابتداع سببين رئيسيين في ضلال الأمم وانحرافها عن منهج أنبيائهم.
وقد حكى الله في كتابه العزيز عن بني إسرائيل أنهم سألوا موسى أن يجعل لهم إلها من الأصنام مقلدين في ذلك من مروا عليهم من عباد الأصنام، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف]، كما ذكر سبحانه أن ما وقع فيه اليهود
стр. 219
والنصارى من الكفر بقول اليهود: عُزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله إنما هو نتيجة التقليد لمن قبلهم من الوثنيين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة].
كما ذمَّ سبحانه صنيع اليهود والنصارى مع علمائهم حيث قلدوهم في جميع ما يقولون، فأحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
كما ذم ﷺ من امتنع عن قبول الحق تقليدًا للآباء فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلًا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه" (١).
وقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة"، قالوا: وما هي يا رسول الله؟، قال: "أخاف عليهم: زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع" (٢)، ومن المعلوم أن الخوف من
стр. 220
زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لما يخف من زلة العالم على غيره.
قال ابن القيم: "والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وقتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولا بد" (١).
قال الشعبي: قال عمر بن الخطاب ﵁: "يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة عالم" (٢)، وعن ابن عباس ﵄ قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم"، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟، قال: "يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدع ما كان عليه"، وفي لفظ: "فيلقى من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم" (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمنأمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" (٤).
قال ابن القيم: "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم ﷺ وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تُقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنًا من كان. بل تنظر في صحة الحديث أولًا، فإذا
стр. 221
صح لك نظرت في معناه ثانيًا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضًا فهلا وافقته إن كنت صادقًا؟.
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقًّا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، لخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة يفهمه والاستضاءة بنور علمه.
فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلد به، ولذلك سمي تقليدًا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل استغني بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.
قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة
стр. 222
الرسول ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" (١).
ج - محاربتهم للرأي الباطل:
وأما الأمر الثالث من الأمور التي يرى السلف أنها تناقض الاتباع وتضاده فهو "الرأي".
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون" (٢)، والمقصود به هو الرأي الباطل الذي ليس من الدين؛ لأن الرأي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - رأي باطل بلا ريب.
٢ - رأي صحيح.
٣ - رأي هو موضع الاشتباه.
والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به. وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.
والقسم الثالث: سوَّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفته مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه (٣).
стр. 223
والحديث ههنا يتناول الرأي الباطل فقط، وهو على أنواع:
أحدها: الرأي المخالف لله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والفن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين الحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المدعوم الباطل.
النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية (١) ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأجلها الفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه وعلوه على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عبادة من الملائكة
стр. 224
والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زبالة الأذهان ونخالة الأفكار، وعفارة (١) الآراء ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا.
وكل من له مُسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل للإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك].
النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن وعم به البلاء، وتولى عليه الصغير، وهرم فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه لإخراجه من الدين (٢).
ومما ورد عن السلف في ذم الرأي الذي من هذا القبيل ما يلي:
عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "أيُّ أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم" (٣).
стр. 225
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "اتقوا الرأي في دينكم" (١).
وروي عنه كذلك قوله: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم" (٢).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته" (٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لا يأتي عليكم عام إلا هو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم" (٥).
ومما ورد كذلك من الآثار عن التابعين ما يلي:
قول الشعبي: "ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ فخذوه، وما كان رأيهم فاطرحوه في الحش" (٦).
стр. 226
وعن ابن شهاب الزهري قال: "دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي" (١).
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: "أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ " (٢).
فهذه الأقوال عن أولئك الأئمة من الصحابة والتابعين أجمعت على إخراج الرأي عن العلم وذمه والتحذير منه والنهي عن الفتيا به، فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم من نصيحتهم خيرًا، ولقد سلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم.
* * *
стр. 227
المبحث الثالث التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
وفيه تمهيد ومطلبان:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
стр. 228
تمهيد
" من المعلوم لكل من عنده مسكة من عقل أن الله لم يخلق هذا الخلق عبثًا كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون] وكما قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة]؛ أي: مهملًا هملًا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب.
والغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس هي التي أخبر الحق ﵎ عنها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا، والثواب أو العقاب في الآخرة.
وإذا تمهد هذا فإنه يعلم مدى حاجتهم وضرورتهم إلى الشريعة وأحكامها، إذ بواسطتها يتعرف على مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية.
والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، إذ ليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة" (١). ولذلك فرض الله على الإنس والجن طاعة من أرسل من الرسل
стр. 229
وفي هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]؛ فالطاعة بذلك متحتمة على من شملتهم دعوة الرسل.
وقد بعث الله نبيه ورسوله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وبذلك عمَّت دعوته كل الأمم سواء كانوا في زمانه أو في الأزمان التالية من بعده وذلك على اختلاف تلك الأمم في ألوانها وأجناسها ولغاتها وشرائعها بما فيهم أهل الكتاب - اليهود والنصارى .. فترتب على عموم الرسالة أن نسخت الشرائع السابقة لشريعته ﷺ فلم يبق من طريق يوصل إلى عبادة الله ورضوانه سوى طريق خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم فلا حجة لأحد دون حجته ولا يستقيم لعاقل سبيل سوى واضح محجته.
وقد جمعت سُنَّته ﷺ تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلق، ومن تبع سنته فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، والمائل عن شرعه، واقع في ظلمته، مرتبك في حيرته، ومرتكس في ضلاله وشقاوته.
ولذلك كان لزامًا على الجن والإنس أن يستجيبوا له ﷺ ويتبعوا شريعته ظاهرًا وباطنًا.
وقد وعد الله المستجيب منهم أن يدخله جنته ويسبغ عليه رضاه ومحبته. وتوعد المخالف بأن يذيقه أليم عقابه ويلقيه في جهنم ليعلم بذلك كيف يكون مصيره وعاقبته.
وإن آيات القرآن ونصوص السُّنَّة في هذا الشأن كثيرة جدًّا، وقد تقدم إيراد الأدلة الواردة في وجوب طاعته واتباعه.
وفي هذا المبحث سأتناول بإذن الله الأدلة الواردة في حكم
стр. 230
مخالفته ﷺ والبعد عن سُنَّته والعقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على تلك المخالفات على تنوع صورها وأشكالها سواء كانت إعراضًا وكفرًا، أو بدعة، أو معصية، أو غير ذلك.
وعسى أن يكون فيما سيعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تذكرة وعظة، وخاصة أننا نعيش في زمان نحتاج فيه إلى التمعن في هذه النصوص وتدبرها لكثرة ما يقع من الإعراض والمخالفة لشرع النبي ﷺ ونهجه عند كثير من الناس.
* * *
стр. 231
المطلب الأول الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
ورد التحذير من معصية الرسول ﷺ في مواطن عدة من القرآن الكريم، وقد جاء التحذير مصحوبًا بالوعيد الشديد لذلك المخالف العاصي، ومن تلك المواطن: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة].
стр. 232
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ [المجادلة].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة].
وإن المتأمل في هذه الآيات يرى ما تضمنته من الوعيد الشديد والعقاب الأليم لمن خالف منهج الرسول وطريقته وشرعه وحاد عن كل ما جاء به، فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور]، تحمل هذه الآية الوعيد الشديد لمن خالف أمر رسول الله ﷺ وشريعته، ومعناها: "أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنًا وظاهرًا"، ﴿أن تصيبهم فتنة﴾، أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أو يصيبهم عذاب أليم﴾ في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك (١).
هذا من جهة العقوبة الدنيوية كما فسر ابن كثير الآية بذلك.
أما على صعيد العقوبة الأخروية، فاقرأ الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء]، وعلى هذا فإن المخالف متوعد بالعقوبتين الدنيوية والأخروية، إضافة إلى وصفه بالضلال البين الواضح بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب]، وفي هذا الوصف والجزاء للمخالف حكم بخروجه عن دائرة الإيمان.
كما أن كل من أعرض عن حكم الرسول ولم ينقد له ولم يرض به إلا إذا كان موافقًا لهواه فهو محكوم عليه بالنفاق بنص القرآن الكريم.
стр. 233
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور].
وهذه الآيات بيَّنت موقف كلا الطرفين - الطرف الأول أهل الإيمان الحقيقي والطرف الثاني أهل النفاق المظهرون للإسلام المخفون للكفر - من التحاكم لما جاء به الرسول ﷺ ، فمن سمة المنافقين أنهم لا يتحاكمون لشرع الله إلا إذا كان الحق في صفهم وحكم الشرع لصالحهم، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فلا ترى منهم سوى الإعراض عن شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
أما أهل الإيمان الذين ترسخ في قلوبهم الإيمان بشرع الله اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، فإن من صفاتهم وعلاماتهم تحاكمهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع أحوالهم وشؤونهم مع الرضا والتسليم لذلك الحكم، سواء كان لهم أم عليهم.
ولذلك فقد جاء وصف أهل الإيمان بالفلاح، فقال تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾، بينما وصف أهل النفاق بالظلم حيث قال تعالى: ﴿بل أولئك هم الظالمون﴾.
فيجب على المسلم أن يحذر من الوقوع في هذا العمل الخطير الذي من شأنه أن يوقع صاحبه في مثل هذه الصفات، ويعرضه لتلك العقوبات التي تحدثت بها آيات القرآن الواردة في هذا الشأن.
стр. 234
وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]: "قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح، وقوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك .....
ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجًا له كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام].
وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكنله طريق إلا إلى النار يوم القيامة (١).
ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز عددًا من قضايا المخالفة وعلى رأسها التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فهذا الداء من أعظم المخاطر وبخاصة في زماننا هذا الذي طرح فيه كثير ممن ينتمون إلى الإسلام كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم، واعتاضوا عنهما بقوانين الكفار وآراء ابتدعوها تقوُّلًا على الشريعة حتى جعلوا لتلك القوانين
стр. 235
محاكم تحمى بقوة السلطان وأجبروا الناس على التحاكم إليها.
والحكم بغير ما أنزل الله هو من أعظم أسباب المقت والحرمان وأكبر موجبات العقوبة والخذلان، كيف لا وهو شرع دين لم يأذن به الله واتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة ومحادة ومحاربة وخيانة الله ولرسوله ﷺ واتخاذ لدين الله هزوا ولهوا ولعبًا وتبديلًا لنعمة الله إلى غير ذلك من المفاسد والمحاذير التي لا تدخل تحت حساب. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم].
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء].
قال ابن القيم: "قال أهل التحقيق من أهل التفسير: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
стр. 236
فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انحرف عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، ومن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا، ولو لم يكن في القرآن المجيد من الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب، فكيف والقرآن الكريم كله يدعو إلى تحكيم ما أنزل الله، وعدم تحكيم ما عداه (١).
وبما تقدم من آيات يعلم المسلم خطورة مخالفة الرسول ﷺ والإعراض عن سنته ومنهجه والشرع الذي جاء به من عند ربه.
فالآيات السابقة وما كان على منوالها فيها خطاب لكل معرض عن سنة النبي ﷺ ومنهجه وشرعه الذي جاء به، وهي بما تضمنته من الوعيد الشديد بمثابة الإنذار لكل من كان على هذه الحال لكي يكون على بينة من أمره فيعلم على أي ذنب قد أقدم ولأي جرم قد ارتكب ﴿ليهلك من هلك عن بينة﴾ [الأنفال: ١٢] وذلك قبل أن يكون من أولئك الذين يتحسرون ويعضون أيديهم ندمًا في يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان].
ومعلوم أن كل من ترك ما جاء به الرسول ﷺ فإنه قائل لهذه المقالة لا محالة. فنعوذ بالله ممن هذه حاله ويوم القيامة تكون نار جهنم مآله وقراره.
* * *
стр. 237
المطلب الثاني الأدلة من السنة على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
جاءت السنة بمثل ما جاء به القرآن الكريم، فالأحاديث متوافرة، ومتعددة في هذا الشأن، فقد حذر النبي ﷺ من الإعراض عن سُنَّته والبعد عنها أو الانتقاص من قدرها ومكانتها أو مخالفتها.
وهذا التحذير منه ﷺ والوارد في عبارات متنوعة وأساليب متعددة - كما سيمر عليك - يصور مدى حرصه ﷺ على حماية أمته وصيانتهم من الوقوع في هذا المزلق الخطير، ولا غرابة في ذلك فهو الموصوف بقوله تعالى: ﴿﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة].
ومما ورد في تصوير مدى حرصه ﷺ على أمته وتحذيره لهم من الوقوع في مخالفته قوله ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة: مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال - فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
وهذا الحديث إضافة إلى كونه يصور مدى حرصه ﷺ على أمته فهو بين كذلك أن سبيل النجاة والفلاح إنما هو باتباع، سنة النبي ﷺ والأخذ بها، وأن كل مخالف ومجانب لهذه السنة فهو ينفي بنفسه إلى التهلكة وذلك بسبب بعده ومخالفته لشرع المصطفى ونهجه الذي جاء به.
стр. 238
ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد بين لأمته سبيل النجاة والفلاح وحثهم على سلوكه والسير عليه، كما حذرهم من سبل الهلاك والضلال وبين لهم ماضيها من الخسران والتعاسة الدنيوية والأخروية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام]، وهذه الوصية عامة لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقد ختم الله الآية بقوله﴾ ولعلكم تتقون﴾، والتقوى حقيقتها: "العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فالمتقي يفعل ما أمره الله به إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده".
وقال طلق بن حبيب (١): "التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله". وطاعة الله تتحقق بطاعة رسوله والسير على نهجه وسلوك سبيله، قال تعالى: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ١٨٠].
وفي الحديث: "فمن أطاع محمد ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصامحمد ﷺ فقد عصى الله".
ولذلك فإنه لم يبق للإنسان إلا أن يختار أي الطريقين يسلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وليتحمل بعد ذلك مسؤولية ما قدم من عمل كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم].
وإن المسلم الواعي العارف لأمور دينه يعلم أن الخير كل الخير في
стр. 239
اتباع النبي ﷺ والتمسك بسنته والسير على هديه، وأن الشر كل الشر في البعد عن سنته ومخالفته. ولذا تراه حريصًا على سنة المصطفى متمسكًا بها في كل أحواله، وفي الوقت نفسه يحذر أشد الحذر من مخالفة الرسول ﷺ والبعد عن سبيله ومنهجه، ومثل هذا الاعتقاد يجب على كل مسلم أن يعتقده ويطبقه في أقواله وأعماله ليسعد وينجو في دنياه وآخرته.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من المسلمين لا يولي هذا الجانب اهتمامه وعنايته بل تراه على النقيض من ذلك حتى إن بعضهم ليس له من الإسلام إلا اسمه فقط، ذلك لأن أقواله وأفعاله مناقضة للشرع ولا تمت إليه بصلة، وتراه كذلك راغبًا عن سنة المصطفى متحاكمًا في أكثر شؤونه وأحواله إلى غير الكتاب والسنة. ومن كانت هذه صفاته فالإسلام منه براء وهو بريء من الإسلام، فقد قال: "من رغب عن سنتي فليس مني".
ولقد ذم النبي ﷺ هذا الصنف من الناس وحذر منهم، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ من الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: "نعم وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟، قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر … الحديث.
فالشاهد من الحديث قوله ﷺ : "قوم يهدون بغير هديي"، فالنبي ﷺ ذم من جعل للدين أصلًا خلاف الكتاب والسنة، أو جعلهما فرعًا لذلك الأصل الذي ابتدعه وأمثال هؤلاء كثيرون، فكم من شخص ينتمي للإسلام جعل من الفلاسفة حكمًا على كل شيء حتى على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وكم من شخص نبذ شرع الله وراء ظهره وتحاكم إلى القوانين الوضعية المستوردة من بلاد الكفر والإلحاد. وكم من شخص
стр. 240
جعل الهوى وشهوات النفس دينًا يدين به، فإذا جاءه أمر الشارع أخذ منه ما وافق هواه ورأيه وأعرض عما عداه، وكم من فئة وطائفة في زماننا الحاضر ينطبق عليها قول النبي ﷺ هذا، والذي ينبغي على كل أحد أن يعلمه هو أنه بمقدار اتباع المرء لسنة المصطفى ﷺ ، يكون فلاحه ونجاته، فالأقوال والأعمال يتوقف قبولها أو ردها على حسب موافقتها لما جاء به النبي ﷺ ، فما وافق سنة النبي ﷺ قبل، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، وفي ذلك يقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وإن المعرض عن سنة المصطفى ﷺ والمخالف لها معرض للعقوبة في الدنيا والآخرة، وذلك بحسب ما يقع منه من إعراض.
فعن سلمة بن الأكوع (١) ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك"، قال: لا استطيع، قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه" (٢)، فهذه عقوبة دنيوية لهذا الشخص الذي عصى أمر النبي ﷺ .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ "النجم" فسجد، فما بقي أحد إلا سجد، إلا رجل رأيته أخذ كفًا من حصى فرفعه فسجد عليه وقال: هذا يكفيني، فلقد رأيته بعد قتل كافرًا بالله" (٣)، وهذا الرجل
стр. 241
هو أمية بن خلف (١) وقد قتل ببدر كافرًا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٢).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ : "وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري"، وعنه ﵁ قال: "أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" (٣). فهذا بعض ما ورد في السنة في العقوبات الدنيوية.
أما على صعيد العقوبات الأخروية فالأمر أشد وأعظم، فالآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
стр. 242
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. فقالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم (١) على الحوض، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟، فقال: أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر (٢) محجلة (٣) بين ظهري خيل دهم بهم (٤) خيله؟، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقًا سحقًا" (٥).
فتلك عقوبة من حاد عن شرع المصطفى ﷺ ومال عنه واستبدل به غيره وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (٦).
قال النووي: "أي: المتعمِّقون القالون المجاوزون الحدود في
стр. 243
أقوالهم وأفعالهم" (١)، فالنبي ﷺ أخبر بهلاك كل من بالغ في التعمق في أمور الشرع وغلا فيها، وتكلف في أمور لم ترد عن الشارع الكريم ولم تكن من مقصودة.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ".
والشواهد من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح في هذا الشأن كثيرة ولا تكاد تحصى.
والقصد هنا بيان أن التولي عما جاء به النبي ﷺ من أمور الشرع من أكبر الذنوب، وهو سبب لانصباب المصائب وتتابع النوائب، فإن الجزاء من جنس العمل ومن تولى عن حكم الله وحكم رسوله تولى الله ورسوله عنه، ومن تولى الله ورسوله عنه فهيهات أن يفلح ويعز بل يتركه الله أذل وأحقر ما يكون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة].
وليحذر المسلم من مخالفة الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من عند ربه، فإن في المخالفة عين الهلاك والخسران كما قال تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾.
* * *