Полный текст (617 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وأمره أن يجعل مجلسه عند تحاكم «١٣» الناس اليه، في مسجد الجماعة، من البلد الذي يحله اذ كان اولى المجالس بالمعدلة، لانه مبذول للضعيف ذي الخلة «١٤» والقريب والبعيد النازح المحلة، وأن يخرج اليه اذا خرج بوقار وتؤدة وهدي وسكينة، والا يتعرض للحكم وهو على حال رفض، ولا غرض يحفزانه عن انفاذ ما يبته ويمضيه، ويحولان بينه وبين البت فيما يقطع به ويرتئيه، بل يتقمن «١٥» أعدل حالاته وأرشدها، وأفضل أوقاته وأحمدها، والا ينهض من مجلسه حتى يقضي «١٦» بحق الله عليه في الصبر والمبالغة، واستقصاء ما بين الخصوم من المنازعة، وان يحسن لهم الاصاخة، ويجمل لهم المخاطبة.
وأمره أن لا يحابي شريفا لشرفه، اذا كان الحق عليه، ولا يزري بوضيع لضعفه اذا كان الحق معه، وان تكون محاورته لمن علت طبقته، واتضعت منزلته واحدة، حتى لا يبأس «١٧» الضعيف من النصفة، ولا يطمع القوي الظالم في الظفر بالغلبة.
وأمره أن ينظر فيما يرد عليه، فما وجده في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه) أمضاه، وقضى به، وما خالفهما طرحه ولم يعبأ بشيء منه، فان الله تعالى «١٨» يقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
عظة من الله للحكام وتحذيرا لهم وتغليظا عليهم، وحق لامر به يسفك الدم ويستحل الفرج، ويوكل المال ان يقع فيه التغليظ والتشديد، ويقرن به التخويف والتحذير.
стр. 37
وأمره ان يتثبت في شهادة الشهود ويثبتها قبلة، ثم يبالغ في المسألة عنهم، والبحث عن حالاتهم، والفحص عن وجوه عدالاتهم، ويجعل رجوعه في ذلك الى أهل الثقة، والامانة ومن ليس بينة «١٩» وبين الذي قيل «٢٠» عنه هوادة، ولا عداوة ولا وصلة يجتز بها منه مبرة، ويستدفع «٢١» معها من جهته مضرة.
وأمره اذا صح أمر الشهود عنده في ثقتهم، وعدالتهم، واستبان وجه القضاء، ان يعجل انفاذه فأن تأخير الحقوق بعد ظهورها، إماتة لها وتغرير بها.
وأمره ان هو أشكل عليه شيء من وجوه «٢٢» الحكم، ان يرجع فيه الى مشاورة أهل الرأي والبصر بالقضاء، ومباحثتهم في ذلك، حتى تصح له قضيته أو يستعجم عليه فيكتب الى أمير المؤمنين فيه، ويفسره «٢٣» له على حقه وصدقه، وقيام من قام من البينة عليه بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ليصدر اليه في الجواب ما يكون عمله بحبسه.
وأمره ان يتوقف عن الحكم بإراقة الدماء على جهة القود أو غيره، حتى يكتب الى أمير المؤمنين بصورة الامر، ووجه ما أوجب عنده الحكم، ويستطلع في ذلك رأيه، فان للدم منزلة عند الله، ليست لغيره مما يحكم الناس فيه.
стр. 38
وأمره أن لا يقبل شهادة فاسق، ولا متهم ولا مريب، ولا ظنين ولا جاز «٢٤» الى نفسه بشهادته، حظا من حظوظ الدنيا، ولا مجلود حدا في الاسلام، الا من عرف الله منه توبة، فأن الله يقبل التوبة عن عباده.
وأمره أن ينفذ ما يرد عليه من كتب القضاة، وشهادة الشهود ويقف عليها وعلى خواتيمها، ويفحص عنها فحصا يأمن معه أن يكون محتالا فيها، فاذا وقف على صحتها أنفذها على حقها وعدلها، الا ان ترى في شيء من ذلك، جورا فاحشا وقضاء مخالفا لمذهب من مذاهب أئمة الفقهاء المشاهير، فيكتب بذلك الى أمير المؤمنين ولا يعتمد بما يفعله منه أبطال حق أو تأخيره، فأنه سيان عند أمير المؤمنين منع ذي حق حقه واعطاء المبطل ما ليس له.
وأمره أن لا يرد قضاء قاض من قضاة المسلمين ولا كتابه، ولا يبطل ذلك ولا يدفعه.
وأمره أن يقبض ما في يد القاضي قبلة من الحجج والكتب، ويعمل عليها من غير رجوع فيها أو تعقيب لها، وان يتسلم منه الاموال التي قبله، والمواريث والودائع التي كانت عنده، ويعمل فيها بحق الله وحكمه.
وأمره أن لا يورث أهل ملتين، وأن يقبل من شهادة «٢٥» بعض أهل الملل على بعض، ولا يقبل شهادتهم على أهل الاسلام، وأن يقبل شهادة المسلمين على جميعهم، لما فضلهم الله به من معرفته، وأصفاهم به من دينه.
وان يحكم بين أهل الملل فيما يتنازعون فيه اليه بحكم الاسلام، فأن حكمه لازم لهم بالذلة والصغار. وان يفحص عن أهل شهادات الزور التي جرت «٢٦»
стр. 39
لهم بها العادة، وقد جعلوا ذلك شعارا وطمعة، فان ظفر بأحد منهم جاءه شاهدا «٢٧» عذبه وعاقبه، وشهره وعاقب المشهود له. فتوخ طاعة الله وتقواه، والعمل بما وافق الحق وضاهاه، فان الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، ومع من اطاعه وعمل بمرضاته، وعلى من عصاه وأتبع ما نهى عنه.
وأمير المؤمنين يسأل الله، ان يحسن علي العدل عونك، وفي الحكم به توفيقك، وأن يقضي بالصدق على لسانك، ويجعل على الحق ضمير قلبك ومحصول فعلك.
وعهد لرجل من بني هاشم بتقليده الصلاة «٢٨»
هذا ما عهد به عبد الله أمير المؤمنين الى فلان بن فلان حين ولاه الصلاة بناحية كذا وكذا. أمره «٢٩» بتقوى الله وخشيته في سرائره «٣٠» وعلانيته، وصيانة عرضه ومذهبه، وتطهير خلقه وسيرته، اذ كانت الصلاة من أعمدة الدين التي لا يجوز أن يتولاها غير الطاهرين المهذبين.
وأمره أن يقيم الصلاة لاوقاتها، ولا يؤخرها اذا حضر حينها، وان لا يخدجها ولا ينقصها اذا كان به يأتم من يصلى خلفه. وصلاة جميعهم في عنقه، وأن يكون دخوله فيها بأخبات ودعة وهدي واستكانه.
وأمره أن يرتل قراءته اذا قرأ، وان يسمع من خطبه اذا خطب، وان يضع كل كلام في موضعه، وكل قول في المحل اللائق به.
стр. 40
وأمره اذا أحكم ذلك من نفسه حتى يستمر عليه في قوله وفعله، أن يختار من يخلفه وينوب منابه جاريا فيه مجراه، ومتبعا فيه جميع حدوده، وما مثله أمير المؤمنين منه، وان يكون أما من أقرباء أمير المؤمنين، أو من أفاضل المسلمين.
هذا عهد أمير المؤمنين اليك. فاعتمد مرضاته باتباعه، وتوخ موافقته بالوقوف عندما أمر به وحده، ومستشعرا في جميع ذلك خشية الله، ومراقبته وفي كل ما يأمر به تقى الله وطاعته. وأمير المؤمنين يسأل الله أن يحسن توفيقك، وتسديدك وارشادك، لما فيه جمال أمرك وصواب فعلك.
نسخة عهد بولاية المعونة والحرب
هذا ما عهد به أمير المؤمنين الى فلان بن فلان حين ولاه الحرب والاحداث بناحية كذا [وكذا] «٣١» . أمره بتقوى الله، وخشيته في سر أمره وعلانيته، والاعتصام به والعمل بطاعته، والاصلاح ما بينه، وبينه بالعمل الزكي والخلق الرضي.
وأمره أن يتعهد نفسه في تطهير مذهبه، والمحافظة على دينه، وأمانته والعلم بأنه لا حول ولا قوة الا بالله، في جميع تصرفه وسائر تقلبه. وان أمير المؤمنين لم يوله ما ولاه، الا رجاء أن يكون عنده من الضبط والكفاية، والذب والسياسة ما يرأب به أهل العبث والفساد، وتصلح معه الرعية والبلاد.
وأمره أن يتجنب مساخط الله ومحارمه، ويتعدى مناهيه ومأثمه، وكف من معه من الجند والحاشية، عن التخطي الى ظلم أحد من الرعية، ومساواتهم بأذية وبحضهم على لزوم الاستقامة، وسلوك نهج الطاعة، ومقارعة أعداء الله في البلاد، والتصنع لهم بأفضل العدة والعتاد.
стр. 41
وأمره أن يحسن صحبة من تبعه من الجنود، بتعهدهم في البعوث، وان يكثر عرضهم ويتفقد دوابهم، وأسلحتهم وأخذهم باستجادتها والثقة فيها، فان ذلك مما يزيد الله أهل السلامة «٣٢» تمسكا بها، وأهل الدعارة تنائيا عنها.
وأمره أن يعرف لقواد أمير المؤمنين وشيعته حقوقهم، وينزلهم منازلهم، ويزيد في اكرامهم ورفع مقاديرهم، فان ذلك مما يشحذ نياتهم، ويزيد في بصائرهم.
وأمره بأن لا يأخذ أحدا بقرف أو تهمة دون أن يكون من أهل الريب والظنة. وان لا يعاقبه بشبهة دون أن تظهر له الدلائل البينة، والعلامات الواضحة. وأن لا يأخذ أهل التصون والسلامة، بجرائم الدعار، وذوي المفسدة
وأمره أن يبسط الامان لمن أتاه سلما، ولا يجعل ذلك الى الغدر بهم سلما، ويحذر أن يسمع عنه من استعمال الحيل والمواربة، ما يقابل عليه بالرواغ من واجب المطالبة.
وأمره أن يتعهد ثغوره وفروجه، وأطرافه ومصالحه، ويحترس من اختلال يقع فيها، ويوليها من له الحنكة والتجربة بمثلها.
وأمره أن يكثر مطالعة أعماله بنفسه، وثقات من تبعه، وان يتيقظ في ذلك تيقظا يزيد الريبة ويمنع الغفلة ويصد عن الغرة.
وأمره أن لا يمضي حدا، أو ينفذ حكما في قود ولا قاص، الا ما استطلع فيه رأي أمير المؤمنين، وانتظر من الاجابة ما يكون عليه عمله وعنده وقوفه.
стр. 42
وأمره أن يمنع الجند من التنزيل على أحد من الرعية في منزله، وان يشاركوه فيه «٣٣» مع أهله الا أن يكون ذلك بأذنه وطيب نفسه، وان يتخطوا الزروع أن يطأها أحد منهم بدابته، ويجعلها طريقه في مقصده، والا يأخذوا الاتبان من أهلها الا بأثمان ورضى أصحابها.
وأمره أن يتعهد من في حبوسه «٣٤» ويعرضهم، ويفحص عن جرائرهم التي من أجلها وقع حبسهم، بمشهد من قاضي البلد، ونفر من أهل الثقة والنظر. فمن كان بريئا، أو جرمه لا يوجب اطالة حبسه أطلقه، ومن كان من حقه ان بالحبس عن الناس أذاه وشره تعمد في السجن مصلحته، ومن أشكل عليه أمره، أنهى خبره الى أمير المؤمنين ليصدر اليه من الراي ما يكون عمله بحسبه.
وأمره، أن ينظر فيما لم يكن عهد فيه اليه شيئا مما قبله، فليجاره، ويستطلع في ذلك من الراي، ما يأتيه الجواب عنه بما يمتثله.
وأمره أن يقرأ عهده هذا «٣٥» على من قبله، ويعلمهم حسن رأي أمير المؤمنين فيهم، وتوخيه صلاحهم وايثاره الاحسان اليهم والعدل عليهم، ورفع الضيم عنهم، والمجاهدة لعدوهم والمرماة دونهم: هذا عهد أمير المؤمنين اليك وأمره إياك فافهمه (وقف) «٣٦» عنده، وأتبع مواقع الارشاد منه، وكن عند ظن أمير المؤمنين بك، وتقديره فيك، وما رجاه عندك من النصيحة، وتأدية الامانة ومقابلة الصنيعة. وأمير المؤمنين يسأل
стр. 43
الله توفيقك، وإرشادك واحسان معونتك في جميع ما أسنده اليك من أمر حربه، وعمله قبلك «٣٧» ، وكتب فلان بن فلان باسم الوزير، وأسم أبيه في وقت كذا.
نسخة عهد في ولاية ثغر البحر
هذا ما عهد أمير المؤمنين، الى فلان حين ولاه الثغر الفلاني وبحره ومراكبه، أمره بتقوى الله وطاعته، والحذر من عقابه، واتباع مرضاته، وايثار الحق في جميع أفعاله فان الحق أحرز عصمة ووزر، وأحصل موئل وعصر.
وأمره بتعهده نفسه حتى يقيم أودها ينفى بذكر الله الهوى، وزيع الشيطان عنها، وان يزكي «٣٨» سجيته ويطهرها، ويهذب سيرته «٣٩» ويثقفها ويكون لمن معه من الجند وسائر الاولياء في الخير «٤٠» أماما ومعلما، وعلى سلوك أفضل المناهج حاضا ومقوما.
وأمره أن يلين لاهل الطاعة ويشتد على ذوي المعصية، ويعطي على كل حال قسطها من النصفة والمعدلة.
وأمره أن يكون الاذن عليه لمن معه من الجند مبذولا، والوصول اليه من ذوى الحاجات والظلمات سهلا يسيرا.
وأمره أن يستعمل على شرطته من يرضي عقله وعفافه، ويثق بجزالته وصرامته وشدته على أهل الريب والدعارة.
стр. 44
وأمره، أن يديم عرض جنده حتى يعلم علمهم ويطلع على حقيقة أمرهم، ويلزمهم مراكبهم.
وأمره أن يشرف على مراقبه ومحارسه، حتى يحكم أمر المرتبين فيها ويدر عليهم أرزاقهم، ولا يتأخر «٤١» عنهم بشيء منها.
وأمره أن يتفقد أمر المراكب المنشأة حتى يحكمها ويجود آلاتها، ويتخير الصناع لها، ويشرف على ما كان منها في الموانيء، ويرفعها من البحر الى الشاطئ في المشاتي، وهيج الرياح المانعة من الركوب فيها.
وأمره، أن تكون فواثيره «٤٢» وعيونه الذين يبعث بهم، ليعرف أخبار عدوه من ذوي الصدق «٤٣» ، والنصيحة، والدين، والامانة والخبرة، بالبحر وموانيه، ودخلاته ومخابئه، حتى لا يأتوا الا بالصدق من الخبر، والصحيح من الاثر، وان رهقتم من مراكب العدو ومما لا قوام لكم به، فانحازوا الى المواضع التي يعرفونها، ويعلمون النجاة بالانحياز اليها.
وأمره أن لا يدخل في النفاطين، والنواتية والقذافين، ولا في غيرهم، من ذوي الصناعات والمهن في المراكب، الا من كان طبا ماهرا، حاذقا صبورا معالجا، وأن يكون من يحمله معه في المراكب، أفاضل الجند وخيار الاولياء، أصدق نية واحتسابا وجرأة، على العدو وارتكابا.
стр. 45
وأمره، أن ينظر في صناعة المراكب، نظرا يستكشف به آلاتها من الخشب، والحديد والمشاقة «٤٤» والزفت وغيره. حتى يحكمها ويجيد بناء المراكب وتأليفها، وقلفطتها وتركيبها، ويستجيد المقاذيف ويجيرها، وينتقي الصواري والقلوع، وينتخبها ويميز النواتية، ويعتمد من له الحذق والدربة منهم، والحنكة والتجربة من جميعهم، حتى لا يدخل فيهم من لا يصلح دخوله، ولا يخلط بهم من يكون غيره أحق بالعمل منه.
وأمره أن يحترس، من ان تنفذ «٤٥» للعدو حيلة، في اجتناب الاسلحة أو شيء من أدوات الحرب، والمكيدة من أرض الاسلام، أو ان يطلق لاحد من التجار حمل شيء اليهم، أو أقامة الطريق الى بلدهم، ومن وجدة قد أقدم على هذا، وما جانسه من الناس جميعا، عاقبة عقوبة موجعة، وجعله نكالا وعظة.
وأمره أن يضم المراكب في الموانيء التي ترسو فيها، ويولي مراعاتها من يثق بنصيحته وشهامته، حتى لا يخرج منها مركب الا بعلمه، ولا يدخل فيها غيرها الا بأذنه.
وأمره أن يحصى ما في الخزائن من الاسلحة، ويشرف عليها في كثير من الاوقات حتى تكون على هيئتها مجلوة، مسنونة، مقومة، موصوفة، متعاهدة مصونة الى وقت الحاجة اليها، والعمل بها، ويشرف على ما فيها من النفط، والبلسان والحبال وغيرها، من سائر الآلات والادوات، حتى يحتاط في ظروفها وأوعيتها. ويأمن الفساد والتغيير عليها.
стр. 46
وأمره بشدة الحذر، من جواسيس العدو وعيونه، وان يوكل «٤٦» بكل مدينة من يعلم حالها ولا يطلق لاحد من البوابين، والحرس أن يدخلها الا من يعلمون حاله، وسبيل مدخله وصورته ومغزاه وارادته.
هذا عهد أمير المؤمنين اليك، وأمره إياك فأفهم، واعلم عمل بما حده، ورسمه وكن عند أحسن ظنه بك في جميعه، وهو يسأل توفيقك وارشادك الى ما فيه الخير في جميع ما أسنده اليك، واعتمد فيه عليك، وكتب فلان بن فلان.
عهد ولاية البريد
هذا ما عهد عبد الله، فلان أمير المؤمنين، الى فلان بن فلان حين ولاه أعمال البريد بناحية كذا. أمره بتقوى الله وطاعته، واستشعار خوفه ومراقبته، في سر أمره وعلانيته، وان يجرى أمره فيما أستكفاه أمير المؤمنين أياه، بحسب ما بدأ به من الاصطناع، وقدره عنده من الكفاية والاطلاع.
وأمره أن يؤثر الصدق فيما ينهيه، والحق فيما يعيده ويبديه، وان يختار من يستعين به في عمله، ويشركه في أمانته من يثق بصناعته، ونزاهته وطيب طعمته، وتحريه الصدق فيما يصدر عن يده ولهجته، وأن يكون من يستعمله [من] «٤٧» أهل الكفاية والغناء دون من يستعمل منهم على العناية «٤٨» والهوى.
وأمره، أن يعرف حال عمال الخراج والضياع فيما يجري عليه أمرهم، ويتتبع ذلك تتبعا شافيا، ويستشفه استشفافا بليغا، وينهيه على حقه وصدقه ويشرح ما يكتب به منه.
стр. 47
وأمره أن يتعرف «٤٩» حال عمارة البلاد وما هي عليه من الكمال والاختلال، ويجري في أمور الرعية فيما يعاملون به من الانصاف، والجور والرفق والتعسف، فيكتب به مشروحا ملخصا مبينا مفصلا.
وأمره أن يتعرف ما عليه أحوال الحكام في أحكامهم، وسيرتهم «٥٠» وسائر مذاهبهم، وطرائقهم ولا يكتب من ذلك، الا بما يصح عنده ولا يرتاب به.
وأمره أن يتعرف «٥١» حال دار الضرب، وما يجري عليه مما يضرب فيها من العين والورق، وما يلزمه الموردون من الكلف، والمؤن ويكتب بذلك على حقه وصدقه.
وأمره أن يوكل بمجلس عرض الاولياء واعطياتهم، من يراعيه ويطالع ما يجري فيه، ويكتب بما يقف «٥٢» عليه من الحال في وقته.
وأمره «٥٣» أن يكون ما ينهيه من الاخبار شيئا يثق بصحته، ولا يدخل شبهة في شيء منه، ويوعز «٥٤» الى خلفائه وأصحابه أن لا ينهوا اليه الا ما يثبتونه، وكانوا على الثقة منه، وأن يحتاطوا في ذلك بما يحتاط به في مثله من شهادة، فيما يمكن الشهادة فيه وأخذ الخطوط بما يتهيأ «٥٥» أخذها به، واقامة الشواهد والدلائل، بما يمكن اقامتها عليه، وان لا يرووا عن شيء لا يعلمونه، ولا يحابوا أحدا بستره وان يكتموا أخبارهم ولا يذيعوها ولا يخلدوا الى كشفها وافشائها، فان في ذلك اذا جرى وهنا ولمن أراد الحيلة متطرفا.
стр. 48
وأمره أن يمتنع وجميع أصحابه في النواحي وخلفائه عليها من أن يكونوا سببا في محاباة أحد بالشفاعة له أو التوصل الى دفع حق يجب عليه.
وأمره أن يعرض المرتبين لحمل الخرائط «٥٦» في عمله ويكتب بعدتهم، وأسمائهم، ومبالغ أرزاقهم، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها ويوعز الى هؤلاء المرتبين، بتعجيل الخرائط المنفذة على أيديهم. وفي الموقعين في اثبات المواقيت، وضبطها حتى لا يتأخر أحد منهم عن الاوقات، التي سبيله ان يرد السكة فيها. وان يفرد لكل ما يكتب فيه من أصناف الاخبار كتبا بأعيانها، فيفرد أخبار القضاة، وعمال المعادن والاحداث، وما يجرى مجرى ذلك كتبا، وبأخبار الخراج، والضياع، وأرزاق الاولياء، وما يجرى من دور الضرب والاسعار وما يقع فيه الحل والعقد والاعطاء، والاخذ كتبا ليجرى كل كتاب في موضعه ويكتب في بابه «٥٧» فيحصل العمل ويملك نظامه. هذا عهد أمير المؤمنين اليك، فكن به متمسكا ولما مثله لك ذاكرا، وبه أخذا، وعليه عاملا، والله يوفقك «٥٨» لما يحمده أمير المؤمنين فيك ويرضاه من فعلك، ويعلم به صواب اختياره إياك.
ولو ذهبت الى أن اتي، في كل وجه من وجوه المكاتبات بمثال، لطال الكتاب ولم نأت على آخر الابواب، ولكنا نقتصر «٥٩» على ما مر فأن فيه كفاية ومجزا، ولما يأتي مما لم نذكره مثالا ومحتدا ان شاء الله وبه القوة والحول.
стр. 49
الباب الخامس في ديوان التوقيع والدار
قال أبو الفرج: اذا أنهى الى الخليفة حال من قدم، من النواحي عليه يسأل شيئا، عن حاجاته عنده، كان «١» ذلك من مؤامرة «٢» من الوزير اليه منشؤها ديوان الدار، باقتصاص المسألة والوقيعة، وشرح حالها وما لعله يكون جرى فيها وأخرج من الدواوين فيما سأل «٣» ، والتمس واستطلاع رأيه في ذلك، فاذا خرجت هذه المؤامرة موقعا فيها بخط الخليفة بأمضاء ما التمسه الملتمس انشئت والتوقيع فيها في ديوان التوقيع، وأنشئ من ديوان التوقيع كتاب الى صاحب ديوان الدار بنسختها، واقتصاص ما تضمنت، وأنشئ من ديوان الدار الى صاحب الديوان الذي تجرى المسألة فيه، أما أن كان ايغارا «٤» ، أو حطيطة أو تسويغا «٥» ، أو تركة فصاحب الخراج،
стр. 50
وان كانت أقطاعا أو طعمة «٦» فصاحب ديوان الضياع. أو كانت صلة أو حبوة فصاحب بيت المال. أو جاريا في الحشم ومن يجري مجراهم، أو اقامة نزل فصاحب ديوان النفقات، أو رزقا في الاولياء فصاحب ديوان الجيش كتاب يقال فيه:
أما بعد، فأنه ورد ديوان الدار كتاب منشؤه من ديوان التوقيع بنسخة مؤامرة في كذا، ويقتص ما أقتص في ديوان التوقيع من حال المؤامرة وما تضمنت وما خرج به الامر، وما يؤمر صاحب الديوان الذي يكون العمل فيه، بامتثال ما حد ورسم في الكتاب، وكتب منشورا ينفذ بعمارة الضياع المقطعة، والموغرة «٧» وضرب المنار «٨» على حدودها حتى لا يدخل فيها غيرها. ولا يضاف اليها شيء مما يجاورها، والذي يحتاج اليه في هذين «٩» الديوانين من الاعمال، والكتّاب انما هو من ينشئ ويحرر وينسخ، وقد تقدم ذكر الحال في [هذه] «١٠» الاعمال ما يستغنى عن اعادته في هذا الموضوع.
стр. 51
الباب السادس في ديوان الخاتم
قال [أبو الفرج] : هذا الديوان، انما جعل استظهارا لتكون الكتب التي يحتاج الى ختمها بخاتم أمير المؤمنين تمر به، ويثبت فيه ولان لخاتم الخليفة من الموقع ما ليس لغيره، وهو رسم كانت الفرس تجرى أمرها عليه، لان الملك منهم اذا أمر بأمر وقعة صاحب التوقيع بين يديه، واثبت في تذكرة عنده.
ثم ينفذ التوقيع الى صاحب الزمام واليه الختم، فينفذه الى صاحب العمل، فيكتب فيه كتابا يبتدأ اثباته في ديوان الاصل. ثم ينفد الى صاحب «١» الزمام، ليعرضه على الملك، ويقابل به ما في التذكرة ويختم بحضرة الملك، أو بحضرة أوثق الناس عنده. وأول من استأنف هذا الديوان ورسم هذا الرسم في الاسلام، زياد بن أبيه، ثم استمر الامر الى هذا الوقت. فأما الخاتم نفسه فكان نقش خاتم النبي (صلى الله عليه) «٢» محمد رسول الله. وكان أبو بكر،
стр. 52
وعمر، وعثمان، يختمون به فبينما هو في يد عثمان اذ سقط في البئر، فنزفت البئر فلم يقدر عليه، وذلك في النصف من مدة خلافته، فاتخذ خاتما ونقش عليه محمد رسول الله في ثلاثة «٣» أسطر، قال قتادة: ثم ختم به والامر جاء على ذلك الى هذا الوقت. ويروى ان النبي صلى الله عليه «٤» قال: (صنعت خاتما ولا ينقش أحد على نقشه) «٥» . وكان رجل يقال له معن بن زائدة، نقش في خلافة عمر، على خاتم الخلافة فأصاب به مالا من خراج الكوفة، فبلغ ذلك عمر فكتب الى المغيرة بن شعبة، وانفذ رسولا اليه، وأمره أن يطيع في الرجل رسوله فلما صلى المغيرة العصر، خرج الى الناس، فاشرأبوا ينظرون اليه، حتى وقف على معن بن زائدة، ثم قال للرسول: ان أمير المؤمنين، أمرني أن أطيع أمرك فيه، فأمر «٦» بما شئت، قال له الرسول: أدع لي بجامعة «٧» ، فلما أتى بها جعلها في عنق معن، ثم جذبها جذبا شديدا. ثم قال للمغيرة: أحبسه حتى يأتيك أمر أمير المؤمنين فيه، ففعل، وكان السجن يومئذ من قصب فخرج معن من محبسه، وشخص
стр. 53
الى عمر كاتما «٨» نهاره سائرا ليله حتى كف الطلب عنه، فلما وصل اليه دنا منه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال عمر: وعليك من أنت، قال: أنا معن بن زائدة، جئتك تائبا، قال: فلا نجاك الله فلما صلى الصبح، قال للناس: مكانكم هذا معن بن زائدة أنقش على خاتم الخلافة، فأصاب به مالا من خراج الكوفة فما تقولون «٩» . فقال قائل:
اقطع يده، وقال آخر: أصلبه وعلي (صلوات الله عليه) ساكت فقال له عمر: فما تقول «١٠» يا أبا الحسن، قال: هذا رجل كذب كذبة عقوبته في بدنه، فضربه عمر ضربا مبرحا وحبسه فمكث في الحبس زمانا. ثم انه أرسل الى صديق له من قريش فكلم عمر فيه، فقال عمر: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا، ثم قال: عليّ بمعن، فلما أتى به ضربه، ثم بعث به الى السجن، فارسل معن الى كل صديق له يسألهم الا يذكروا به عمر، فلم يزل محبوسا مدة اخرى. ثم ان عمر ابتدأ يذكره من نفسه، فدعا به فقاسمه وخلى سبيله.
стр. 54
الباب السابع في ديوان الفض «١»
قال أبو الفرج: منزلة هذا الديوان من الخليفة، منزلة مجلس الاسكدار «٢» في ديوان الخراج، من المتولى له، لان سبيل الكتب الواردة من العمال في النواحي الى أمير المؤمنين، أن يكون ابتداؤها به وخروجها الى الدواوين منه بعد فضها وأخذ جوامعها، ليقرأها الخليفة ويوقع فيها تحت التوقيع فيه بما يراه، وهذا رسم كان الامر جاريا عليه، في الاوقات التي كانت الخلفاء فيها تتولى النظر في الكتب بأنفسها. فأما الان، فالمتولي لفض الكتب وأخراجها الى دواوين الوزير، وقد انتقل عمل هذا الديوان الى حضرته، وصار المتولى له كاتبا برسمه «٣» بذلك في داره، والذي يحتاج اليه في هذا الديوان من الكتاب كاتب يكون ما يعمله، مثل الذي بينا.
ان صاحب مجلس الاسكدار في ديوان الخراج، ما يعمله من انفاذ سراحات بما يرد عليه من الكتب، الى صاحب الديوان على حسب قسمة الدواوين والاعمال، وكاتب يعمل جوامع الكتب التي يحتاج الى عرضها وناسخ ينسخ ما يعمل به من ذلك في هذا الديوان.
стр. 55
الباب الثامن في النقود، والعيار، والاوزان، وديوان دار الضرب
قال [أبو الفرج] : لما أخذ أمر الفرس يضمحل، ودولتهم تضعف، وسلطانهم يهن، وتدابيرهم تفسد «١» ، وسياستهم تضطرب «٢» ، فسدت نقودهم، فقام الاسلام ونقودهم من العين والورق، غير خالصة فما زال الامر على ذلك الى أن اتخذ الحجاج دار الضرب، وجمع فيها الطباعين، فكان المال يضرب للسلطان مما يجتمع له من التبر، وخلاطة الزيوف «٣» ، والبهرجة «٤» . ثم أذن للتجار في أن تضرب لهم الاوراق، واشغل الدار من فضول ما كان يؤخذ من الاجور، وختم على أيدي الصناع والطباعين وذلك في سنة خمس وسبعين. ثم نقش على الدراهم (الله أحد الله الصمد) ، فسميت المكروهة لان الفقهاء كرهوها «٥» . ثم لما «٦» ولى عمر بن هبيرة «٧» العراق، ليزيد
стр. 56
بن عبد الملك، خلص الفضة أبلغ تخليص، وجود الدراهم وأشتد في العيار.
ثم لما ولى خالد بن عبد الله القسري العراق «٨» ، لهشام بن عبد الملك، اشتد في النقود أكثر من اشتداد ابن هبيرة، حتى أحكم أمرها أبلغ من أحكامه على الطباعين وأصحاب العيار، وقطع الايدي، وضرب الابشار «٩» ، فكانت الهبيرية، والخالدية، واليوسفية «١٠» ، أجود نقود بني أمية. ولم يكن يقبل المنصور من نقودهم في الخراج غيرها. فسميت الدراهم الاولى المكروهة. ثم جود العيار في أيام الرشيد، وأيام المأمون، وأيام الواثق، حتى كانت الائمة المعمول عليها في دور الضرب ما جمع عياره، من ثلاثة دنانير مضروبة في تلك الاول الثلاث وهي على هذا الى الان.
فأما الورق، فان الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان، درهم منها على وزن المثقال، وهو عشرون قيراطا «١١» ، ودرهم
стр. 57
وزنه اثنا عشر قيراطا «١٢» ، ودرهم وزنه عشرة قراريط «١٣» . فلما احتيج في الاسلام الى الزكاة، أخذ الوسط من مجموع ذلك، وهو اثنان وأربعون «١٤» قيراطا. فكانت أربعة عشر قيراطا من قراريط الدينار، وكانت الدراهم في أيام الفرس، يسمى منها البعض مما وزن الدرهم فيه مساو لوزن الدينار، العشرة. وزن عشرة، ومما الدرهم منه اثنا عشر قيراطا، العشرة وزن ستة ومما الدرهم منه عشرة قراريط، العشرة وزن خمسة. فلما ضربت الدراهم الاسلامية على الوسط من هذه الثلاثة الاوزان قيل في عشرتها وزن سبعة لانها كذلك «١٥» .
فلهذه العلة يفيد ذكر الاوزان في الصكاك، بأن يقال وزن سبعة، جريا على المذهب الاول، الذي كان يحتاط فيه لوجود الأوزان الثلاثة في الدراهم في ذلك الوقت، والان فما أرى يوجد من الاوزان الاول شيء.
فأما ديوان دور الضرب، فأمر العمل فيه جار، على نحو مما شرحناه، من أمر الدواوين المتقدم ذكرها في نصب الدفاتر، ووضع الحسبانات، ولكل ناحية من النواحي في أجرة الدار. والنقد رسم يجري «١٦» الامر عليه، ومسلك للامر في استيفائه «١٧» بحقه.
стр. 58
فأما ديوان الجهبذة «١٨» ، فأعماله أيضا، نحو أعمال سائر الدواوين المذكورة أحوالها، والذي تجري فيه من الاموال، هو مال الكسور والكفاية والوقاية والرواج، وما يجرى مجرى ذلك من توابع، أصول الاموال.
ثم ما ستزيده شرارة الجهابذة، من الفضول على هذه التوابع، بسبب اعنات «١٩» من عليه مال من أهل الخراج، ومن يجري مجراهم في النقود، والصروف وما يرتفقون به من التأخيرات والتقديم عن من يتعذر عليه اداء، في وقت المطالبة ويخرجونه في وجوه النفقات، فان بعضهم لما وجد ذلك في بعض لنواحي، زاد في ضمان الجهبذة بتلك الناحية على من هو ضامن لها، ووقع التزايد في هذه الوجوه بالظلم، والعدوان على الرعية وسائر من يقام لهم الجاري، وتطلق لهم النفقة حتى تراقى مال الجهبذة الى جمل وافرة المبلغ، أصل أكثرها عدوان ثم قد زال أكثر ذلك في هذا الوقت لطول الاصول فضلا عن التوابع.
стр. 59
الباب التاسع في ديوان المظالم
[قال قدامة] هذا الديوان: سبيله أن يتقلده رجل له دين وأمانة، وفي خليقته عدل ورأفة ليكون ذلك منه نافعا للمتظلمين، وان يعمل [بجميع القصص] «١» جامعا يعرض على الخليفة في كل جمعة. فاذا قعد للناس، [وكان ممن له] «٢» صبر على تأمل القصة والتوقيع عليها، فعل ذلك. والا علق صاحب الديوان عليها رقعة فيها، مجموعها لينظر «٣» في المجموع، ويوقع على القصة بما يوجبه الحكم، حتى اذا انقض المجلس الذي يجلسه الخليفة، أو من يقوم مقامه. أخذ جميع القصص مجموعاتها، وأثبت المجموعات في الديوان، وذكر أسماء الرافعين، وأثبت التوقيعات على قصصهم. ثم دفعت القصص بعد ذلك اليهم، لئلا يجرى في الرقائع «٤» حيلة أو تزوير، فان عاود المتظلم مرة أو مرتين أو ثلاثا فصاعدا، أثبت جميع أمره في موضع واحد حتى اذا طولب باخراج حالة من ديوان المظالم، وجد أمره كله منسوقا مجموعا في موضع واحد، وأخرجها صاحب الديوان من غير كلفة، ويكون في هذا
стр. 60
الديوان من يثبت «٥» ذلك في شبيه بالمعاملة، وناسخ ينسخ مجموعات القصص، أو القصص بأعيانها حرفا حرفا، ومنشئ يأخذ جوامع القصص عند الحاجة الى العرض، ومحرر يحرر ذلك، ويحرر أيضا ما يحتاج الى الكتاب فيه الى كل واحد من أصحاب «٦» الدواوين، أو أصحاب المعونة، أو القاضي أو من جرى مجراهم.
стр. 61
الباب العاشر في كتابة الشرطة «١» والاحداث
قال أبو الفرج: ليس يسع لكاتب «٢» ان يتعرض للكتابة «٣» في شيء من ذلك، دون أن يكون قد جمع الى بعض ما قدمناه من فنون الكتابة، الاضطلاع من الحكم الذي يحتاج الى أن يمر به في الشرطة «٤» على ما اذا مر به، لم يكن غريبا فيه، وذلك ان أكثر عمله مجازاة الجناة على جناياتهم، فمنها وهو ما للسلطان أقامته على الجناة في الحياة الدنيا، دون مجازاة الله في الاخرة. وهو القود «٥» ، والقصاص «٦» ، والحدود «٧» ، في القتل وسائر الجنايات، أو المطالبة بالدية والارش «٨» ممن يقبل ذلك منه، ان لم يقع العفو من المجنى «٩» عليه وأوليائه أو الصلح.
стр. 62
فلنبدأ بأول الجنايات وأغلظها وهو القتل، فنقول: ان القتل على ثلاثة أوجه «٩» : يكون أحدها، العمد، والثاني: الشبيه بالعمد، والثالث:
الخطأ. فأما العمد: فهو ما تعمد «١٠» به المقتول من الضرب بالحديد، أو السلاح، أو غير ذلك، مما فيه دليل على اعتماد النفس.
وأما شبيه العمد، فهو ما تعمد المقتول به من عصا أو سوط، أو حجر أو غير ذلك، مما أشبهه.
وأما الخطأ: فهو ما أصاب المقتول، مما تعمد به غيره، وليس [القود] «١١» في جميع ذلك، الا في العمد وحده. وجاء عن النبي صلى الله عليه «١٢» ، قال «١٣» : (لا قود الا بالسيف، فأما شبه العمد، ففيه الدية على عاقله القاتل، وعلى القاتل الكفارة) . وهو ما قاله الله تعالى: فتحرير رقبة [فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وكذلك في الخطأ، أيضا. ولو ان جماعة] ١»
اشتركوا في قتل رجل تعمدا لكان على جميعهم القود «١٥» .
واذا قتل الحر المملوك، فان عليه القصاص لقول الله تعالى «١٦» ، (النَّفْسَ
стр. 63
بِالنَّفْسِ)
. وكذلك المرأة اذا قتلت الرجل عمدا، والرجل يقتل المرأة عمدا «١٧» .
وان اشترك الرجال والنساء في قتل عبد، أو صبي، أو امرأة عمدا فان عليهم جميعا القصاص. واذا قتل الرجل المسلم رجلا، من أهل الذمة عمدا، فان عليه القصاص «١٨» فيه أيضا. وقد أقاد «١٩» رسول الله صلى الله عليه «٢٠» ، رجلا مسلما برجل من أهل الذمة، وقال «٢١» : (أنا أحق من وفى بذمته) .
واذا اجتمع نفر من المسلمين على قتل رجل من أهل الذمة، فان على جميعهم فيه القصاص، ولا قصاص بين الصبيان بعضهم في بعض. واذا جنى الصبي على رجل في النفس، أو في ما دونها فلا قود ولا قصاص عليه، لان عمد الصبي خطأ. وكذلك المجنون اذا أصاب في حال جنونه «٢٢» .
فأما في حال صحته فهو والصحيح سواء. وجميع جنايات الصبيان، والمجانين في حال جنونهم، يعقله العاقلة، ولا يقتص الرجل من أبيه، ولا من أمه، ولا من جده، ولا من جدته في العمد ولا في الخطأ. وانما يلزم كل واحد منهم، أرش الجناية في ماله.
стр. 64
فأما ما دون النفس من الجنايات، فالقصاص فيها اذا كانت عمدا على المماثلة، الشيء بمثله، الا أن يكون ذلك في عظم يخاف فيه من القصاص التلف «٢٣» ، فان السنة جاءت بأن لا قصاص في عظم، ما خلا السن، وجميع الشجاج «٢٤» فيها قصاص الا الهاشمة، والمنقلة، والامة لقلة بلوغ هذه الشجاج «٢٥» الى العظم، ولا قصاص بين العبيد والاحرار، ولا بين العبيد بعضهم، ولا بين النساء فيما دون النفس. ولو اجتمع جماعة على جناية فيما دون النفس، من رجل لم يكن على واحد منهم مثل، الذي على الاخر من القصاص، كما كان ذلك في النفس بلى، عليهم الارش في أموالهم.
واذا قطع الرجل يدا لرجل من نصف الساعد، أو رجله من نصف الساق، فلا قصاص في ذلك لانه من غير مفصل، وعليه فيه الدّيه، وحكومة عدل فيما قطعه من المفصل على المفصل. [واذا] «٢٦» اقتص لرجل من آخر في يد، أو عين، أو شجة، فمات المقتص منه، فان ديته على عاقلة المقتص له.
وان قطع الرجل الواحد يد رجلين اليمنى والشمال، فعليه أن تقطع يداه كلتاهما. فان قال: اني قطعت اليمنى من كل واحد فعليه أن تقطع يمينه لهما جميعا، وتكون دية اليد الاخرى في ماله لهما جميعا نصفين بينهما.
стр. 65
واذا حضر أحدهما قبل الاخر، فأراد أن يقتص له، فعل ذلك ولم ينتظر الذي لم يحضر، لانه ليس في هذا شركة، فاذا حضر المتأخر بعد ذلك، كانت له الدية في مال القاطع الاول. واذا أغرق الرجل رجلا، فلا قصاص عليه، وعلى عاقلته الدية، من قبل انه كان يجوز أن يفلت من الماء، ولا يجر مجرى العمد. ولو أن رجلا خنق رجلا حتى مات، أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من أعلى جبل، أو سطح فمات، لم يكن عليه القصاص، وكانت الدية على عاقلته «٢٧» . فان كان خناقا معروفا، فعليه القصاص. وكذلك لو سقى رجل رجلا سما فقتله، لم يكن عليه فيه قصاص، وكانت الدية على عاقلته. ولو أنه أعطاه أياه فشربه هو، لم يكن عليه في ذلك، ولا على عاقلته شيء من قبل انه لم يكرهه على شربه.
وأما الديات، ففي النفس الدية موفرة. وكذلك في المازن، وهو كلما دون قصبة الانف، وفي اللسان كله، وفي بعضه أيضا. اذا منع الكلام الدية، وفي الذكر الدية كاملة. وكذلك في الحشفة، وفي الصلب اذا منع الجماع، أو جدب فأن عاد الى حاله فلم ينقصه ذلك شيئا، ففيه حكم عدل.
وفي الرجل اذا ضرب على رأسه فذهب عقله، الدية كاملة. وفي احدى العينين أو الاذنين، أو الشفتين، أو الحاجبين، اذا لم ينبتا، أو اليدين، أو الرجلين، أو الاثنتين، وغير ذلك مما في الانسان منه اثنان، نصف الدية، وفي الاثنتين الدية كاملة، وفي كل اصبع من الاصابع عشر الدية، وفي كل مفصل من الاصابع نصف دية الاصبع، وفي كل سن نصف عشر الدية «٢٨» .
стр. 66
والشجاج «٢٩» مختلفة «٣٠» فيها الدامية «٣١» ، وهي التي تدمي الرأس، وفيها حكم عدل. الباضعة، وهي التي تبضع اللحم، ومنزلتها فوق منزلة الدامية، وفيها حكم عدل بأكثر من ذلك. والسمحاق، وهي التي فوق هاتين، انما بينها وبين العظم جلدة فيها حكم عدل، بأكثر من حكم الاوليتين. وفي الموضحة، وهي التي توضح العظم نصف عشر الدية. وفي الهاشمة، وهي التي تهشم العظم عشر الدية. وفي المنقلة وهي التي تخرج منها العظام، عشر ونصف عشر الدية. والآمة، وهي التي تصل الى الجوف، تسمى أيضا الجائفة، فيها ثلث الدية، فان نفذت ففيها ثلثا الدية. ودية المرأة في النفس، وفيما دون ذلك نصف دية الرجل. واذا ضرب الرجل بطن امرأة، فألقت جنينا ميتا غلاما، أو جارية، فعليه غرة عبد أو امة، أو عدل خمسمائة «٣٢» درهم «٣٣» . وفي ثدي المرأة، اذا قطعا الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف الدية، وكذلك في الحلمتين. وذكر الخصي، وذكر العنين، ولسان الاخرس، واليد الشلاء، والرجل العرجاء، والعين العوراء، حكم
стр. 67
عدل. كذلك في الضلع، والترقوة، اذا كسرا وما جرى مجراهما حكم عدل «٣٤» .
واذا أصاب الرجل ابنه عمدا أو خطأ، فلا قصاص عليه في ذلك، فان كان عمدا ففي ماله الدية، وان كان خطأ فعلى العاقلة، وعليه الكفارة. وكذلك فيما دون النفس فان عليه فيه الارش. واذا سقط انسان على آخر من فوق فقتله فهذا خطأ والدية على عاقلته «٣٥» . والديات فمبالغها كاملة. أما في العين فألف دينار، وفي الورق عشرة آلاف درهم، وفي الابل مائة، وفي الغنم ألف، وفي البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الحجاز مائتا حلة، وانما يؤخذ اليوم من ذلك أجمع بالذهب، والفضة، والابل.
فأما «٣٦» سوى ذلك فلا، ولا تعقل العاقلة الا في خمسمائة فما فوق.
والدية اذا لم يكن صلحا تؤدي في ثلاث سنين، والعاقلة عشيرة الرجل الجاني فمن له ديوان النساء، والذرية، ولا يلزم الواحد من العاقلة الا ثلاثة دراهم الى الاربعة، فان زاد قسط الرجل على ذلك، أدخل معهم أقرب القبائل اليهم. فأما الشهادات، فانه لا يجوز شهادة الاعمى على عمد ولا خطأ، ولا شهادة النساء كان معهن رجل أو لم يكن في العمد، ولا فيما يوجب القصاص، ولا يجوز قبول شهادة على اخرى، وكتاب من قاض، وذلك كله في النفس وفيما دونهما سواء. واذا شهد شاهدان على رجل بالعمد، حبس حتى يزكيا، فاذا زكيا بالعمد قتل، وان كانا انما شهدا بالخطإ قضى عليه عاقلته بالدية،
стр. 68
ويحبس القاتل بعد ان يقرر أو يعاقب، حتى يجد توبة ويحدث خيرا. وكذلك الجراحات، وكلما دون النفس بمنزلة ما في جميع ما ذكرنا. واذا وجد القتيل في محلة قوم، فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا، ممن يختار أولياء القتيل من صالحي العشيرة، أنهم ما قتلوا ولا علموا «٣٧» قاتلا، ثم يغرمون الدية تغرمة العاقلة، وهم أهل الديوان في ثلاث سنين، فان لم يكمل العدد خمسين رجلا، كرر عليهم الايمان حتى يكمل خمسين [يمينا] «٣٨» ، واذا وجد القتيل بين القريتين، أو السكتين، فانه يقاس الى أيهما كان أقرب، فان عليهم القسامة «٣٩» والدية. واذا وجد القتيل في سوق المسلمين، أو في مسجد جماعتهم، فهو على بيت المال وليس فيه قسامة. وان كانت مدينة لا قبائل فيها معروفة، ووجد في بعضها قتيل، كان على أهل المحلة، الذي يوجد ذلك القتيل بين أظهرها، القسامة والدية. فان أبوا أن يقسموا حبسوا «٤٠» ، حتى يقسموا خمسين يمينا بالله ما قتلوا، ولا علموا قاتلا، ثم يغرمون الدية. فأما حدود السراق وقطاع الطريق فأن السارق الذي يجب عليه القطع «٤١» ، هو الذي يأخذ ما يسرقه من حرز، وعليه القطع اذا أقر، فقوم قالوا: مرة، وقوم قالوا: مرتين فيما قيمة ربع دينار فصاعدا، تقطع «٤٢»
стр. 69
يده اليمنى من الزند. وقال: قوم من أصول الاصابع، فان عاد ثانيا، قطعت رجله اليسرى. فان عاد ثالثة، استودع الحبس، ولم يقطع شيء من أداته، لان ذلك غاية النكال، ولم يعطل له شق بأسره. وكذلك ان سرق وكانت يده اليسرى شلا، لم تقطع اليمنى وحبس حتى يظهر توبته، واذا ظفر بالسارق ومعه سرقته أخذت منه، وقطع. فان كان قد استهلكها أو هلكت منه، قطع ولم يضمن لانه لا يجتمع حد وضمان، وان عفا عنه المسروق منه قبل أن يرفعه، أو وهب له ما سرقه هبة صحيحة، بطل القطع.
وان كان ذلك بعد ارتفاعه الى السلطان لم يقبل لان النبي صلى الله عليه، قال «٤٣» : (تعافوا عن الحدود ما لم ترفع) . فان كان مع ما فعل قتل، فان الامام في ذلك بالخيار، أن شاء قطع يده ورجله من خلاف. وان أدخل السارق يده في بيت المال، فأخذ مما فيه شيئا قطع «٤٤» . وان أدخل يده في كم انسان، أو في صندوق ظاهر، فأخذ منه شيئا قطع. وان أخذ السارق جمارا من نخلة، أو ثمرة منها، فانه لا يقطع. للحديث المروى عن النبي صلى الله عليه انه، قال «٤٥» : (لا قطع في ثمر ولا كثر) . والكثر الجمار.
ومن سرق من أبيه، أو من رحم، يجب عليه نفقته، أو من سارق فان ذلك لا يجب فيه القطع.
стр. 70
وأما من أخاف السبيل فان في ذلك أحكاما، منها: انه أخاف السبيل ولم يأخذ مالا، ولم يقتل فانه أن ظفر حبس لقول الله تعالى (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
«٤٦» . فان أخذ مع ذلك مالا تبلغ قيمته عشرة دراهم فصاعدا، فانه تقطع يده ورجله، من خلاف «٤٧» ... وصلبه وقتله على الخشبة، وان شاء ان يقتله من غير قطع أو صلب فعل. وقطع الطريق، انما يكون بحيث لا يجاب فيه الصريخ. فأما في الامصار «٤٨» ، أو ما يقرب «٤٩» منها، فليس ذلك عندهم بقطع للطريق. الا أن يكون ما يفعل منه ليلا. وان تاب قطاع الطريق من قبل أن يقدر عليهم السلطان، فلا «٥٠» حكم عليهم من جهته «٥١» .
فأما من قتل وجنى عليه فلهم أن يفعلوا في ذلك ما شاءوا.
стр. 71
وأما حد الزنا، فعلى البكر بالبكر جلد مائة لكل واحد منهما «٥٢» وعلى المحصن بالمحصن الرجم «٥٣» . والاحصان هو أن يتزوج الرجل المسلم البالغ الحر حرة مسلمة، ويدخل بها بعد البلوغ. ولا تقام الحدود عليها في الزنا، الا بعد ان يقر بالزنا، أربع مرات في أربعة أوقات، وبعد أن يسأل عن الزنا، ما هو فاذا أثبته، وعرفه ولم يكن به لوثة في عقله، أقيم حينئذ الحد عليه. فان رجع تحت الحجارة، أو هرب ترك لقول النبي صلى الله عليه «٥٤» ، في ما عز بن مالك «٥٥» (الا تركتموه) «٥٦» فاذا أنكر من أول وهلة وجحد، لم يجب عليه شيء الا ان يقوم عليه بينة، وهو أربعة نفر من العدول يشهدون عليه في وجهه، ويصرحون بأنهم رأوه ويصفون الزنا ويثبتونه، فاذا فعلوا ذلك، بدأ الشهود بالرجم، ثم الامام، ثم سائر الناس، وان رجع الشهود بعد ما قتل المرجوم، وجبت عليهم ديته وان رجعوا قبل اقامة الحد عليه «٥٧» ، جلدوا لانهم قذفوه، ويدرأ عنه الحد.
وعلى العبد والامة في الزنا جلد خمسين لكل واحد منهما. ومن زنا بامرأة
стр. 72
على سبيل الاستكراه وجب عليه الحد دونها، واذا زنا الرجل بامرأة فانزل دون الفرج فعليه التعزير، ومبلغ التعزير، على ما فيه الاختلاف «٥٨» تسعة وسبعون سوطا، وايما شهود شهدوا على حد تقادم، فليسوا بشهود، ولا تقبل «٥٩» شهادتهم لانهم يشهدون بضعن. ومن فعل فعل قوم لوط، وهو إتيان الذكور في أدبارهم، فعليه القتل والرجم.
وروي عن ابن عباس انه قال: يرمى به «٦٠» من أعلى بيت في القرية، ثم يتبع الرجم. وروى عن أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه، انه هدم حائطا عليه. ومن وجد يأتي بهيمته فعليه التعزيز والسنة، ان تذبح «٦١» البهيمة. فأما حد المفتري، وهو قذف المسلم بالغاية، فأنه يجلده ثمانين اذا طلب المقذوف ذلك، وقامت له البينة «٦٢» . ومن قال، لرجل يا فاسق أو يا فاجر، أو يا خبيث أو ما أشبه ذلك، فأنه يعزر. ومن قال: لمسلم يا يهودي، أو يا نصراني، وما جرى هذا المجرى «٦٣» ، فليس في ذلك حد ولكنه يؤدب. فهذه جملة مقنعة للكاتب أن يعلمها، اذا كان لا يسعه أن يجهل هذا المقدار. فأما ان أتي بشيء من تصاريف هذه الاحوال، وهي كثيرة فيحتاج في ذلك الى الفقهاء.
стр. 73
الباب الحادي عشر في ديوان البريد والسكك والطرق الى نواحي المشرق والمغرب
قال أبو الفرج: يحتاج في البريد «١» الى ديوان يكون مفردا به، وتكون الكتب المنفذة من جميع النواحي، مقصودا بها صاحبه ليكون هو المنفذ لكل شيء منها الى الموضع المرسوم بالنفوذ اليه، ويتولى عرض كتب، أصحاب البريد والاخبار في جميع النواحي. على الخليفة، أو عمل جوامع لها، ويكون اليه النظر في أمر الفروانقيّين «٢» ، والموقعين «٣» ، والمرتبين، في السكك «٤» ، وتنجز أرزاقهم، وتقليد أصحاب الخرائط، في سائر الامصار، والذي يحتاج اليه في هذا الديوان، هو أن يكون ثقة، أما في نفسه أو عند الخليفة القائم بالامر في وقته، لان هذا الديوان ليس فيه من العمل ما يحتاج معه الى الكافي المتصفح، وانما يحتاج الى الثقة المتحفظ والرسوم التي يحتاج اليها من أمر الديوان، هو ما يقارب الرسوم التي بيناها في غيره، مما يضبط به أعماله وأحواله. فأما غير ذلك من أمر
стр. 74
الطرق ومواضع السكك والمسالك، الى جميع النواحي، فانا لم نذكره ولا غنى بصاحب هذا الديوان، أن يكون معه منه ما لا يحتاج في الرجوع فيه الى غيره، وما أن سأله عنه الخليفة في وقت الحاجة الى شخوصه وانفاذ جيش يهمه أمره، وغير ذلك مما تدعو الضرورة الى علم الطرق بسببه، وجد عتيدا عنده ومضبوطا قبله، ولم يحتج الى تكلف عمله، والمسألة عنه. فينبغي أن تكون الان نأخذ في ذكر ذلك وتعديده بأسماء المواضع وذكر المنازل، وعدد الاميال، والفراسخ وغيره من وصف حال المنزل في مائه، وخشونته، وسهولته، أو عمارته «٥» أو ما سوى ذلك من حاله.
ونبدأ بالطريق المأخوذ فيه من مدينة السلام، الى مكة. وهو المنسك الاعظم، وبيت الله الاقدم، ونأخذ بعد البلوغ اليه بذكر ما بعده من الطريق الى اليمن، ثم في سائر الجهات المقاربة له وتسميته ان شاء الله.
فمن «٦» مدينة السلام، الى جسر كوثي على نهر الملك، سبعة فراسخ.
ومن جسر كوثي الى قصر ابن هبيرة خمسة فراسخ. ومن قصر ابن هبيرة الى سوق أسد سبعة فراسخ. ومن سوق أسد الى شاهي «٧» خمسة فراسخ.
ومن شاهي الى مدينة الكوفة خمسة فراسخ. ومن الكوفة الى القاسية خمسة عشر ميلا. ومن القادسية الى العذيب ستة أميال، العذيب كانت مسلحة بين «٨» العرب وفارس في حد البرية، وبها حائطان متصلان من القادسية الى العذيب، ومن الجانبين كليهما نخل، واذا خرج منه الخارج، دخل المفازة، ومن العذيب الى المغيثة، وفيها برك، أربعة عشر ميلا. ومن المغيثة الى القرعاء، وهي منزل وفيه آبار، اثنان وثلاثون ميلا. ومن القرعاء الى
стр. 75
واقصة وفيها برك وآبار، أربعة وعشرون ميلا. ومن واقصة الى العقبة «٩» وفيها آبار ومنزل، تسعة وعشرون ميلا. ومن العقبة الى القاع، أربعة وعشرون ميلا. ومن القاع الى زبالة، وهي عامرة كثيرة الاهل، أربعة وعشرون ميلا، ومن زبالة الى الشّقوق، وفيها برك، ثمانية عشر ميلا. ومن الشقوق الى قبر العبادي «١٠» ، وفيها برك، تسعة وعشرون ميلا. ومن قبر العبادي الى الثعلبيّة تسعة وعشرون ميلا. ومن الثعلبية الى الخزيميّه، وبها ضيق في الماء، ثلاثة وثلاثون ميلا. والخزيمية١»
مدينة عليها سور، وبها منبر وحمام، وبرك وسميت الخزيمية لان خزيمة «١٢» حير فيها سواني «١٣» ، وكانت تسمى زرود ورملها أحمر. ومن الخزيمية الى الاجفر «١٤» أربعة وعشرون ميلا. ومن الأجفر الى فيد، وهي منزل العامل «١٥» وفيها قناة وزروع ومنبر، ستة وثلاثون ميلا. ومن فيد الى ثوز «١٦» وفيها برك وآبار، وحصن بناه أبو دلف، ثلاثة وثلاثون ميلا. ومن ثوز الى سميراء وفيها برك، ستة عشر ميلا. ومن سميراء الى الحاجز «١٧» وفيها برك وآبار، ثلاثة وعشرون
следующие страницы →