Полный текст (170 стр.). Показаны 141–170 · переход к 146.
стр. 141
الطلاق) كما أسلفت القول هدية واجبة أوجبها الله في آيتين من كتابه قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾ .
وفي هذه الآية يبيح الله لنا الطلاق من الزوجات ولو قبل الدخول بهن وكذلك ولو لم يكن قد سمينا مهراً معيناً، ويوجب علينا لهن متعة مناسبة جبراً لخاطرهن. وقد يقول قائل إن هذه المتعة ليست مطلقة وإنما هي للمطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر فتكون المتعة المناسبة هذه في مقابل نصف المهر المسمى الذي تستحقه المرأة، لأن الله فرض للمطلقة التي لم يدخل بها وقد سمى (عين) الرجل لها مهراً معيناً. أقول فرض الله لمثل هذه المرأة نصف المهر وجوباً كما قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ أي فلهن نصف ما فرضتم، أي ما اتفقتم عليه من مهر أقول قد يقول قائل إن متعة الطلاق المذكور في الآية السالفة هي في مقابل نصف المهر للمطلقة التي قد سمى لها مهر معين. والجواب على هذا الاعتراض من وجوه كثيرة لا يتسع لها المقام هنا، والصحيح إن شاء الله
стр. 142
أن هذه المطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها مهر أن لها نصف مهر مثيلاتها ولها كذلك المتعة، وكذلك التي سمى لها مهر فلها نصف المهر وجوباً، وكل المهر المسمى استحباباً ثم لها المتعة أيضاً جمعاً بين الآيات. وعلى كل حال لو خالف في هذه الآيات مخالف فإن هناك نصاً عاماً آخر يشمل كل مطلقة سواء قبل الدخول أو بعده، سمى المهر أو لم يسم وهو قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾ .
وهذا يشمل كل مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذا إلا بمخصص وليس هناك فيما أعلم مخصصاً في القرآن أو السنة يخصصه.
والشاهد من كل هذا الاستطراد هو أن نعلم علماً يقيناً أن متعة الطلاق (الهدية المناسبة) واجب وفرض فرضه الله تعالى بآية محكمة لكل مطلقة، وقد عرفنا الحكمة والغرض من هذه المتعة ولا يخفى ما فيها من ظلال نفسية وروحية جميلة تبلل الطلاق الذي هو مثار للفتنة، والخلاف والشقاق، وأقول الآن كم من المسلمين في زماننا امتثل هذا الأدب القرآني الواجب؟ بل كم من الجهلة والفسقة من يعمد إلى الزوجة المطلقة فيجردها مما أعطاها، ويهين كرامتها ويخرجها من بيته مهينة مكسورة
стр. 143
الجناح ثم يتبجح بعد ذلك بأنه رجل وأن الله قال: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ فيجعل معنى الآية (الرجال ظالمون للنساء) وهذا تلاعب بكلام الله ووضع له في غير مواضعه!!.
ثالثاً: إيفاد الحقوق:
من الحقوق المقررة في الشريعة أيضاً إعطاء المطلقة جميع حقوقها المالية المعلقة في ذمة الرجل سواء كانت مهراً لم يدفعه. أو وعوداً مالية لم يف لها أو هدايا أعطاها إياها وقت الزواج، ولا يجوز للزوج أن يسترد من زوجته المطلقة شيئاً من هذا أصلاً، ولا أن يجحد شيئاً مما وعد به أو التزم وهذا وإن كان من الأمور الفطرية التي جبل الله النفوس الطيبة عليها إلا أنه قد جاء في الشريعة أيضاً ما يوجب ذلك ليكون دليل القرآن مؤيداً لدليل الفطرة قال تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ وفي هذه الآية من المعاني والأحكام والإيحاءات علوم كثيرة لا يتسع لها المقام والمهم الآن أن لا يجوز أن يأخذ الرجل من مطلقته شيئاً مما
стр. 144
أعطاها (سواء كان مهراً أو غيره فاللفظ عام) ولو كان قنطاراً من ذهب ولو لم يمكث معها غير ساعة واحدة.
أقول إن هذا الآن من اللي واللف والدوران وحجب الحقوق والجري في المحاكم واللهث وراء المحامين طلباً من الرجل في منع حقوق مطلقته ولهثاً من المرأة وراء حقها الضائع أو ما ليس بحق لها.
ولا يعني كل ما أسلفت أن الرجل هو الذي يتأتى منه الظلم مطلقاً وأن المرأة لا مجال عندها للظلم والابتزاز، وكذلك لا يعني أن يكون الرجل وحده هو الكريم المعطاء وأن المرأة لا مجال عندها لتكون عزيزة النفس كريمة.
لمن الحضانة:
قدمنا أنه يترتب على عقد الطلاق آثار أهمها (متعة الطلاق) والنفقة والسكنى مدة العدة، وإنفاذ الحقوق المعلقة للزوجة تأتي إلى الأثر الرابع والأخير للطلاق وهو حضانة ال أولا د.. مَنْ مِنَ الزوجين أحق بحضانة أولاده؟ وضمهم إليه، الرجل أو المرأة. ولبيان هذا الموضوع إليك الخطوات الآتية:
أولاً: إذا كانت المرأة حاملاً وقت الطلاق وجب
стр. 145
على الرجل الإنفاق عليها حتى تضع. فإذا وضعت كانت المرأة بالخيار بين حضانة ولدها أو دفعه إلى أبيه. وإذا تولت المرأة حضانة ولدها وجب على الرجل أن يكفلها وولدها وأن ينفق عليها النفقة المناسبة لحاله.
والرضاع الكامل يستغرق عامين. وقد نص الله على ذلك بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حملين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف -لا تكلف نفس إلا وسعها- لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ .
وفي هذه الآية أوجب الله النفقة على الرجل لأنه هو المولود له، وأوجب نفقة زوجته المرضع على الوارثين إذا مات الرجل وزوجته حامل أو مرضع. وأباح الله للرجل والمرأة أن ينفقا على إرضاع المولود من غير أمه إذا كان هذا برضاها.. وليس للرجل أن يجبر مطلقته على إرضاع ولده ولكن الله نهى المرأة أن تضار زوجها بذلك وخاصة إذا لم يجد مرضعة وحاضنة لابنه مثلاً، أو إذا كان
стр. 146
الولد لا يهدأ ولا يسكن إلا لأمه التي ولدته، ونهى الله الرجل أيضاً أن يضار زوجته بوليدها فيعتمد على حنانها الفطري ورحمتها بولدها فيمنعها حقها من النفقة أو ينزع الولد منها - وليس له ذلك بالطبع وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده﴾ .
ثانياً: إذا أتم الطفل عامين وانفصل عن أمه.. فهنا يأتي دور الحضانة والكفالة وقد شرع لنا الإسلام في ذلك أكمل الطرق وأكثرها تحقيقاً للعدل والرحمة والإحسان فجعل المرأة أحق بكفالة أولادها وضمهم إليها ما لم تتزوج بعد الطلاق، يدل على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عمرو بن العاص) أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أن ينزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : [أنت أحق به ما لم تنكحي] (رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه) .
ثالثاً: ولكن الأولاد إذا كانوا مميزين يستطيعون التفريق بين أهمية البقاء في كنف الأب أو الأم فإنه يجوز تخييرهم في ذلك فإذا أحبوا البقاء مع الأم بقوا وإن استحبوا العيش في كنف أبيه كان لهم ذلك. وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي
стр. 147
وصححه أن رسول الله ﷺ خير غلاماً بين أبيه وأمه.
وفي رواية: أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة (أي صار كبيراً ويافعاً يأتيهما بالماء من مكان بعيد) وقد نفعني فقال رسول الله ﷺ : [استهما عليه] (أي اجعلا قرعة) فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟! فقال النبي ﷺ : [هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيدك أيهما شئت] فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
وهذا الحديث والذي قبله هما العماد في هذا الباب وخلاصتهما أن الأم أحق بولدها ما لم تتزوج وأحق برضاعته أيضاً، وأنه يجب التخيير إذا وصل الأولاد حد التمييز سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً وبهذا يراعي الإسلام مصلحة الأم أولاً لأنها أشد عناية ورحمة بولدها فطرة وخلقاً، ثم يراعي مصلحة الولد بعد التمييز لأنه يدرك بفطرته أيضاً وبإحساسه المكان الملائم لنشأته في كنف الأم أو كنف الأب. وهذه نهاية العدل والمرحمة وذلك بدلاً من التقسيم التعسفي الذي لا يراعي الفطرة ولا الأولويات.
رابعاً: هذا وثمة أقوال كثيرة واختلافات للفقهاء في هذه المسألة أعرضنا عنها لمخالفتها أولاً الأدلة الصحيحة
стр. 148
التي قدمناها ولأنها تنبني على الظن والاجتهاد وعدم الاعتماد على نص في المسألة وإنما عموميات فقط كالقول أن التخيير لا يجوز، أو الأم أحق بالأنثى من أولادها حتى تبلغ سن الزواج وتتزوج، وأن الذكر حتى يصل إلى البلوغ ويستغني بنفسه.
стр. 149
موقف المرأة من الطلاق
قدمنا تفصيلاً كاملاً - بحول الله عن المنهج الشرعي حسب الكتاب والسنة للطلاق، وحيث إن الطلاق يكون من جهة الرجل فقد بينا الموقف الحق للرجل منذ أول خطوة فيه إلى آخر خطوة.
والآن ما موقف المرأة؟.. هل أعطت الشريعة المرأة مجالاً للإحسان عندما يقع عليها الطلاق؟.. وهل يتأتى من المرأة إضرار الزوج والتضييق عليه مع أن الطلاق بيده؟.
والحق أن الشريعة لم تهب للمرأة فقط أن تكون في جانب العدل بل ندبتها أن تكون أيضاً في مجال الإحسان، وكذلك حذر الله المرأة أن تضار زوجها المطلق وهي تستطيع هذا في بعض المواقف. ولنبدأ بجوانب الإحسان:
стр. 150
أولاً: المطلقة قبل الدخول بها فرض الله لها نصف المهر الذي سماه (عينه) زوجها لها، وجعله الله جبراً لخاطرها، وتعويضاً لها عن فقدها للزوج الذي أراد الارتباط بها وحالت الحوائل دون ذلك، ونصف المهر هذا هو العدل وهو الوسط الذي ليس بظلم للرجل ولا بظلم للمرأة ولكن الله دعا المرأة للإحسان إن شاءت وهي تتنازل عن نصف المهر هذا قائلة: رجل لم يتزوجني ولم يعش معي كيف أستحل جزءاً من ماله؟ ودعا الله الرجل أيضاً في هذا المقام إلى الإحسان وذلك بأن يتنازل للمرأة التي طلقها قبل الدخول عن النصف الآخر من المهر جبراناً لخاطرها، وحمداً لله أن جعل عقدة النكاح بيده وجعل فعل الرجل هذا هو الأقرب للتقوى، قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ . ومثل هذا التشريع على هذا النحو لا يقدر عليه إلا علام الغيوب .
ثانياً: فرض الله المهر حقاً للزوجة على زوجها ولم يحدد الله حداً لأقله أو أكثره
стр. 151
وجعل ذلك شرطاً في صحة عقد النكاح (وقد مر بنا هذا) ولكنه مع ذلك جعل للمرأة التنازل عن بعض المهر أو كله لزوجها كما قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ ، وهذا جانب من الإحسان ومعلوم أن تنازل المرأة لزوجها عن بعض المهر أو عن كله قد يكون لاستمرار حياتهما. وتوثيق صلاتهما ولكن ليس هناك ما يمنع أيضاً أن يكون التنازل مع الطلاق، مع العلم أن الرجل مفروض عليه أن لا يأخذ مما أعطى زوجته شيئاً إذا أراد طلاقها كما قال تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ . ومع ذلك فليس هناك ما يمنع أن يتسامح المرء في بعض حقه للآخر، ولا سيما إذا كان في أخذ هذا الحق ضرر بالغ بالطرف الآخر.
وأما الأحوال والمواقف التي من الممكن أن تكون بها المرأة ظالمة فكثيرة منها:
أولاً: أن تخرج من بيت زوجها بمجرد سماعها لفظ الطلاق منه أو عزمه على ذلك (وقد فصلنا هذا فيما مضى) .
стр. 152
ثانياً: أن تطالب بالنفقة اللازمة لها في العدة أو عند القيام بالحضانة بأكثر مما يحتمله الرجل كما قال تعالى: ﴿فلينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ .
ثالثاً: أن تمتنع عن إرضاع طفلها وحضانته رغبة في الزواج بعد الطلاق وإعناناً للرجل، وإرهاقاً له، ولربما لم يقبل الطفل الرضاع إلا من ثدي أمه، فيتعذب الرجل بابنه، وقد تطغى شهوة الانتقام عند المرأة على عاطفة الأمومة فتفعل ذلك أو يدفعها أهلها إلى ذلك وهذا من الإضرار كما قال تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده﴾ .
رابعاً: أن تمنع المطلقة زوجها السابق وأبا أولادها من رؤيتهم إذا آل إليها أمر الأولاد وحضانتهم وفي هذا مضارة وإضرار بالأب، وكم من امرأة طلقت فعلت ذلك. حجبت الأولاد عن أبيهم بل غرست كرهه في نفوسهم انتقاماً لنفسها، وليس بخاف أن بعض الرجال يفعل ذلك أيضاً وكل هذا من الأضرار التي جاءت الشريعة بالتحذير والتنفير منه.
خامساً: أن تمتنع المرأة من العودة إلى زوجها الذي
стр. 153
طلقها وتركها حتى انقضت عدتها وقد يعود إلى رشده بعد ذلك فيتقدم لخطبتها فتمتنع، وتأبى بعد ذلك إن ملكت نفسها، وهذا إضرار أيضاً وذلك أن عودة المطلقة إلى زوجها الذي عرفته وعرفها خير لها من الزواج برجل آخر. ولذلك حث الله أولياء المرأة على ردها لزوجها الذي طلقها إذا أراد العودة إليها ثانية بعد نفاذ الطلاق كما قال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ .
وبعد فلا نعلم شريعة في شأن الطلاق أرقى ولا أطهر ولا أنظف ولا أعدل من ذلك.
ثالثاً: الفراق أو الخلع:
عرضنا في الصفحات السابقة، صورتين من صور الفرقة بين الزوجين وهما الوفاة، والطلاق. وقد فصلنا قضية الطلاق بحمد الله تفصيلاً كاملاً من حيث الحكمة والمشروعية، والخطوات الشرعية والآثار المترتبة على الطلاق، والحقوق والواجبات على كلا الزوجين بعد
стр. 154
الطلاق. وقد علمنا أن الطلاق إرادة وتوجه من قبل الرجل نحو إنهاء عقد الزواج. وأن آثار هذه الفرقة تتقبلها المرأة وتلزم بها سواء كانت موافقة لرغبة الرجل في ذلك أو مخالفة له. والآن يسأل سائل: ألم يجعل الإسلام أيضاً للمرأة حقاً في ترك زوجها إن هي أرادت ذلك أو كرهت الحياة معه؟ أم أنه مكتوب على المرأة ومفروض عليها أن تعيش مع زوجها مكرهة ولو كرهته وسئمت الحياة معه؟ والجواب أن الإسلام قد أعطى المرأة هذا الحق ولكن ذلك بأصول وضوابط وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: ثبوت مشروعية ذلك: يثبت ذلك ما رواه البخاري، والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال ﷺ : [أتردين عليه حديقته] ، قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : [اقبل الحديقة وطلقها تطليقة] . وهذا دليل أنه يجوز للمرأة أن تطلب إنهاء عقد الزواج مع زوجها الذي لا بأس بخلقه ولا دينه ولا حرمان لها معه من حق شرعي كالسكن والنفقة والاستمتاع ولكنها أبغضته لسبب ما.
стр. 155
ثانياً: يجوز للرجل في هذه الحالة أن يسترد من المرأة ما أعطاها من صداق وذلك لقوله ﷺ للمرأة التي ذكرت في الحديث الآنف وهي جميلة بنت سلول: [أتردين عليه حديقته] وكانت هذه الحديقة هي الصداق الذي أصدقها إياه قيس بن شماس.. ولقوله تعالى أيضاً: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ .
فقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ أي لا جناح على المرأة أن تدفع لزوجها فداء لنفسها ولا جناح على الرجل أن يقبل ذلك ما دام أنها لن تقيم حدود الله معه وذلك بطاعتها لزوجها وعيشها معه وقيامها بحقه. فكان إخلالها بمستلزمات عقد النكاح أصبح مبرراً لوجوب تنازلها عن واجبات الرجل نحوها فيكون عليها مثل مالها.
ثالثاً: ما تدفعه المرأة لزوجها لتفتدي به فيطلق سراحها يجب أن يكون هو المهر لا زيادة، وذلك ثابت بقوله ﷺ في الحديث الذي يرويه الدارقطني بإسناد
стр. 156
صحيح عن أبي الزبير أن رسول الله ﷺ قال لامرأة قيس: [أتردين عليه حديقته التي أعطاك] . قالت: نعم. وزيادة، فقال النبي ﷺ : [أما الزيادة فلا ولكن حديقته؟] قالت: نعم. وقد ذهب بعض الصحابة وكثير من الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ منها أكثر من ذلك وأنه لا حد لهذه الكثرة واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ . و ﴿ما﴾ هنا علامة لأنها اسم موصول بمعنى الذي، ومعلوم أن أسماء الموصول من صيغ العموم فتعم المهر وغيره. وهذا الفهم غير صحيح لأمرين:
أولاً: تخصيص هذا العموم بحديث النبي ﷺ ، [أما الزيادة فلا] . وثانياً: أن هذا حكم ظالم فالمرأة التي اختارت الزواج بالرجل ثم تبين لها أنها لا تستطيع العيش معه فالعدل أن تعطيه ما أصدقها، وبذلك تبرأ ذمتها، والظلم أن يطالبها بأكثر من ذلك وكأنها قد فعلت جريمة.
رابعاً: هل يجبر الرجل على فراق زوجته؟.
والصحيح أيضاً أن المرأة إذا لم تستطع العيش مع زجها، وأن كراهتها له مانعة لها من القيام بحقه فإن الرجل يجبر على فراقها ولو كان محباً لها شغوفاً بها فضلاً عن أن يكون مريداً للإضرار بها، أو ممسكاً لها إذلالاً
стр. 157
وغضلاً والدليل على ذلك أمر الرسول لقيس بن شماس بفراق زوجته وحكمته بذلك فحتى قبل أن يراه ويسمع منه.. فقول الرسول له: [خذ الحديقة وطلقها تطليقة] دليل على الإلزام بذلك وأمر الرسول يقتضي الوجوب ومن هذا نعلم أن ما ذهب إليه عامة الفقهاء من وجوب إجبار المرأة على العيش مع زوجها الذي تبغضه باطل لا أساس له وأن نظرة هؤلاء الفقهاء إلى الحياة الزوجية على أنها سكن ونفقة وزوج قادر على الباءة نظرة غير صحيحة وأن هناك ما هو أهم من ذلك وهو التوافق النفسي والروحي. وكذلك الصورة الجميلة التي من الممكن أن تكون المرأة قد وافقت على الزواج ولما تتبين الرجل كما ينبغي وهذه العلة نفسها العلة التي من أجلها فارقت جميلة بنت سلول زوجها فقد نظرت يوماً فوجدت زوجها راجعاً مع جماعة من أصدقائه وهو أقصرهم وأدمهم (أقبحهم) خلقاً فكرهته لذلك. ومع ذلك فرق الرسول بينهما.
باختصار أقول ما ذهب إليه كثير من الفقهاء بعدم اعتبار تلك الأمور الآنفة مبرراً للفراق واعتبار السكن والنفقة والباءة فقط ليس بصحيح بل هو مخالف للفطرة والعقل والواقع.
أيضاً فكم من امرأة كرهت زوجها بعد الزواج
стр. 158
وإجبارها على العيش معه هو من الإفساد في الأرض لأن الحياة الزوجية لا تقوم إلا على التوافق والرضا، ولا تقوم مطلقاً على الإجبار والقصر والرجل الذي يحتاج إلى الشرطة لنقل زوجته بالقوة لتعيش معه -في نظري- ليس إنساناً، وكذلك القول بإجبار المرأة على الحياة مع زوجها الذي تمقته وتكرهه ليس قولاً جديراً بالقبول والتقدير. بل هو قول خارج عن دائرة الشرع وإن قال به بعض الفقهاء فإنما هو للتأثر بالبيئة المحيطة ولم يستنبط أحد منهم من كتاب أو سنة.
وإذا كان الله قد أعطى الرجل حق تقويم المرأة الناشز بالموعظة الحسنة والهجران في المضاجع والضرب فإن كل هذا يأتي في مقام التقويم فقط.
والإجبار، والقهر ليس تقويماً وإنما هو انتقام وفرق هائل بين التقويم والانتقام.
وهذا الذي ذهبنا إليه هو رأي المحققين من العلماء كما قال الشوكاني بعد سياق لأحاديث الخلع (وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع) وقال الشوكاني أيضاً رداً على ابن حجر العسقلاني الذي قال قوله: (اقبل الحديقة هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب) قال الشوكاني تعقيباً على ذلك: (ولم
стр. 159
يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته) أي عن الوجوب وقال أيضاً رداً على الذين لم يميزوا الخلع إلا بأن يقع الشقاق من جانب الرجل أيضاً، ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج: (أنه ﷺ لم يستفسر ثابتاً عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له) أ. هـ.
ولا شك أن الذي ذهب إليه الشوكاني هذا هو مقتضى العدل الذي ذكره الله في حقوق كل من الزوجة حيث قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ فكما كان للرجل الحق أن يطلق زوجته فإن للمرأة أن تفتدي من زوجها إذا لم تستطع أن تقيم حدود الله معه. وقال ابن القيم أيضاً هذا المعنى بعد أن ساق الآية الآنفة: (ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت النص والإجماع وفي الآية دليل مطلق على جوازه بإذن السلطان وغيره ومنعه طائفة بدون إذنه من الأئمة الأربعة والجمهور على خلافه) أ. هـ (زاد المعاد) .
خامساً: إذا تمت المخالعة أو المفارقة أو المفاداة وكل هذه أسماء لشيء واحد وهو إنهاء عقد الزواج من قبل المرأة على النحو السالف فإن هذا يكون طلاقاً بائناً وليس للرجل الحق في أن يعيد زوجته إلى عصمته في عدتها مرة ثانية. ولكن له أن يعود إليها بعقد زواج جديد ومهر
стр. 160
جديد - إن هي أرادت ذلك.
سادساً: عقد المختلعة (المفارقة) هذه حيضة واحدة فقط وليس ثلاث حيضات كعدة الطلاق وهذا ثابت في حديث الربيع بنت معوذ: "أن رسول الله ﷺ أمر امرأة اختلعت من زوجها أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها" رواه النسائي.
стр. 161
فسخ عقد النكاح وبطلانه
قدمنا طريقين لإنهاء عقد الزواج: الطريق الأول هو الطلاق، وهو إنهاء عقد الزواج من قبل الرجل والطريق الثاني هو الفراق (الخلع) وهو طلب إنهاء المرأة. الآن نأتي إلى طريق ثالث لإنهاء عقد الزواج وهو الفسخ أو البطلان. وهذا الطريق ليس من قبل الرجل أو المرأة ولكنه يحصل لوجود فساد في عقد النكاح وهذا الفساد إما أن يكون موجوداً من الأصل ولم يتفطن إله وإما أن يطرأ الفساد على العقد. وكذلك يتأتى فساد العقد وبطلانه أيضاً باكتشاف عيوب في أي من الزوجين تفسد أو تلغي آثار الزواج.
وإليك تفصيل هذا الإجمال:
أولاً:
(أ) اكتشاف الزوجين في أحدهما كان محرماً للآخر كأن يكونا قد اجتمعا في الرضاعة على ثدي واحد (أمها أو أمه، أو امرأة أخرى) فإذا اكتشف الزوجان ذلك كان
стр. 162
باطلاً لأن العقد على المحارم باطل، وهما معذوران عند الله فيما سلف لجهلهما ولا يعذران بعد ذلك بالاستمرار وبالطبع يترتب على ذلك أن لا يسترد الزوج شيئاً من محرمته التي انفصل عنها كزوج، وأولاده ينسبون إليه.
(ب) أن يكتشف الزوجان أن نكاحهما كان نكاحاً باطلاً لنهي الشرع عنه كأن يكون نكاح تحليل أو نكاح متعة وقد قدمنا أدلة فساد هذه الأنكحة سابقاً. فإذا اكتشف الزوجان ذلك كان لهما الاستمرار بعقد جديد في نكاح المتعة والتحليل وأما نكاح الشغار ففيه للعلماء خلاف معروف.
(ج) أن تكون الزوجة قد زوجها وليها (أبوها أو غيره ممن تصح منه الولاية) وهي صغيرة لم تبلغ ومثل هذه لا يعتد بموافقتها في عقد النكاح وحيث أن التراضي من شروط العقد كما مر بك فإن لهذه الزوجة إذا بلغت أن تطلب فسخ عقد النكاح لأنها وقت العقد كانت صغيرة وقد زوجت بغير إرادتها أو أن إرادتها في ذلك الوقت لا يعتد بها. ويلحق في هذا الشأن ما لو كانت الفتاة قد أجبرت على الزواج بغير رضاها فإن لها فسخ عقد النكاح، ولها أن توافق على دوامه إن شاءت.
стр. 163
وهذه الأمور التي قدمناها آنفاً كلها من باب واحد لأن العقد فيها جميعاً باطلاً أو فاسداً من أساسه ولكنه لما وقع بجهل كان هذا عذراً فإذا ارتفعت الجهالة وجب فسخ عقد النكاح والتفريق بين الزوجين إلا فيما يمكن استئنافه كما قدمنا.
ثانياً: القسم الثاني مما يوجب الفسخ هو اكتشاف عيب مخفي جحده أحد الزوجين أو أولياؤهما عند العقد.. وقد اختلف فقهاء الإسلام في العيوب الشرعية التي توجب الفسخ في الزوجين وما يجب أن يصار إليه ولا يختلف فيه هو الجنون والمرض (الساري) وكون الرجل ليس ذكراً بمفهوم الذكورة أي عنّيناً، وكون الأنثى ليس أنثى بمفهوم الأنوثة أي فيها ما يمنع الاجتماع، وثمة عيوب أخرى فيها مجال للاختلاف كنتن الفم والمخارج. والحق أن مثل هذا فيه نظر في فسخ عقد النكاح به.
ثالثاً: طروء ما يوجب الفسخ:
القسم الثالث مما يوجب الفسخ هو طروء أمر من شأنه أن يبطل عقد الزواج ونستطيع أن نحصر هذه الأمور فيما يلي:
(أ) الردة: كأن يكفر رجل وتحته امرأة مسلمة وفي
стр. 164
هذه الحالة لا بد من فسخ النكاح. أو أن تكفر المرأة وهي تحت زوج مسلم وذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ ومعلوم أن المسلم لا يكفر إلا بأمور محددة شرعاً وتفصيل ذلك في غير هذا الموضع وقد شرحناه بحمد الله في كتاب (الحد الفاصل بين الإيمان والكفر) .
(ب) الإعسار بالنفقة: وهو أن يصبح الرجل غير قادر على كفالة زوجته والقيام بالإنفاق عليها ومعلوم أيضاً أن المرأة يحسن بها أن تصبر على عجز الرجل وإعساره في الإنفاق وأنها يحسن بها أيضاً أن تساعده في ذلك إن استطاعت كما أن على الرجل أن يساعد المرأة ويصبر معها وعليها فيما تعجز عنه من حقوقه عليها كالاستمتاع والخدمة لمرضها وكبرها مثلاً فإن الزواج الأصل فيه التراحم والوفاء والمشاركة وليس هو تجارة وبيعاً من كل صوره ونواحيه.. ولكننا نقول هنا إن الإعسار من موجبات الفسخ لأن المرأة قد تصر على هذا وتطالب به وتقول: رجل لا يستطيع إعاشتي والإنفاق علي لا أريده زوجاً وإجبارها في مثل هذه الحالة ظلم لها ولو صبرت وأعانت كان ذلك إحساناً منها ومعلوم أن الإجبار على الإحسان والفضل ظلم. لأن الإحسان والفضل الأمثل فيه الاختيار والأريحية والدافع الذاتي.
стр. 165
(ج) الأمر الثالث الذي يوجب الفسخ هو اتهام الرجل زوجته بالزنا إن هذا الأمر له تفصيلاته ومشكلاته فنرجؤه إلى الفصل الآتي.
стр. 166
اللعان
اتهام الرجل زوجته بالزنا
الصورة الثانية لإنهاء عقد الزواج بسبب طروء ما يفسد عقد النكاح هو اتهام الرجل زوجته بالزنا فكيف يتم ذلك؟ وما الخطوات الشرعية التي يجب اتباعها إذا حدث مثل هذا ونستطيع بحول الله بيان هذا الأمر في النقاط التالية:
أولاً: عفة الزوجة وحصانتها وكونها خالصة للرجل حق شرعي يوجبه عقد الزواج فضلاً على أنه واجب شرعي على كل مكلف في الشريعة الإسلامية سواء كان ذكراً أم أنثى وهو حق للزوج على زوجته لأنها فراشه ومن تلدهم على فراشه ينسب إليه ويشاركونه طعامه وشرابه وحياته، وإدخال الزوجة غريباً من حملها على فراش زوجها من أعظم الإثم ثم هو من أعظم هدم المجتمعات وإيجاد الفرقة والبغضاء. إذ كيف نحافظ على شعور الأب نحو
стр. 167
أولاده والأخ نحو إخوته والأبناء نحو آبائهم دون نظافة النسل وطهارته؟ ولذلك كان من حق الزوج إلزام زوجته بالعفة وقصرها عليه فقط، وإعلان فسقها وفجورها إن كان متحققاً من ذلك.
ثانياً: من الأمور المشدد عليها في الشريعة الإسلامية اتهام شخص ما بالزنا وقد رتب الله على من فعل ذلك، إما أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون بذلك وإلا جلد ثمانين جلدة وأسقطت شهادته أبداً، ووصم بالفسق كما قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وألئك هم الفاسقون﴾ .
ولكن لما كان هذا متعذراً أحياناً بالنسبة لزوج يرى زوجته على فجور، ثم هو لا يستطيع أن يصبر على ذلك لأن الأمر يعنيه من ناحية شخصية كما أسلفنا. ولذلك أباح الله للرجل أن يعلن فجور زوجته إذا تحقق من ذلك وأن لا يترتب عليه عقوبة حد القذف إذا لم يستطع إثبات ذلك بشهود أربعة وهذا ما نحن بصدده وهو ما يسمى في الشريعة "بـ اللعان".
ثالثاً: إذا اتهم الرجل زوجته بالزنا ولم يستطع إثبات
стр. 168
ذلك بالشهود فإن المرأة تستدعي وتذكر بالله فإما أن تقر بما ادعاه الزوج وفي هذه الحالة ينفذ عليها حكم الله في الزاني الثيب وهو الرجم، وإما أن ترفض ما ادعاه الرجل من اتهامها.
رابعاً: إذا لم يكن مع الرجل شهود يثبتون اتهامه فإن دعواه على زوجته لا تقبل إلا إذا حلف بالله أربع مرات أنه صادق فيما رمى به زوجته من الزنا، ويحلف بالله يميناً خامساً أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً في دعواه. وأما المرأة فإما أن تقر كما أسلفنا فينفذ فيها الحد وإما أن ترفض الدعوى وفي هذه الحالة لا يخلي سبيلها إلا بأن تقسم أربعة أقسام بالله أنه كاذب فيما رماها به من الزنا، وتحلف يميناً خامساً أن غضب الله عليها إن كان صادقاً فيما قال، وقد اشتملت الآية التالية على هذه الأحكام حيث يقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ .
стр. 169
خامساً: لا شك إذا انتهى الأمر على هذا النحو أن أحد الزوجين كاذب فإما أن يكون الرجل مدعياً كاذباً أو أن تكون المرأة جاحدة كاذبة ومع ذلك فإن الحكم في الإسلام يمضي بمقتضى الظاهر ولم يؤمر الحاكم في الإسلام أن يفتش البيوت ويشق الصدور ويعمد إلى وسائل الاعتراف لتقرير أحد الزوجين إذ كل ذلك من الفساد في الأرض، ولكن إذا وقع اللعان هذا وأكذب كل زوج صاحبه وأصر على موقفه فإن الحياة بينهما تصبح مستحيلة ولذلك يفرق بينهما فرقة أبدية لا رجعة فيها ولا بعقد جديد أو مهر جديد فإن كان الرجل كاذباً على هذا النحو فليس جديراً بأن تعيش معه، وإن كانت المرأة كاذبة فليست جديرة بأن يضمها بيت هذا الزوج ثانية.
سادساً: لا يحل ولا يجوز أن يسترد الرجل شيئاً مما أعطاه لزوجته لا مهراً ولا غيره لأنه إن كان كاذباً فلا يحل له، وإن كان صادقاً فقد استمتع من الزوجة واستحل منها سابقاً ما هو جزاء المهر، وما أعطاه.
والدليل على ذلك حديث ابن عمر في البخاري ومسلم قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: [حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها] ، قال (أي الزوج) : يا
стр. 170
رسول الله مالي؟ قال: [لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها] .
سابعاً: ليس للمرأة التي يلاعنها زوجها نفقة ولا سكنى وإذا وضعت حملها -إن كانت حاملاً- فالولد لها ولا ينسب للزوج الملاعن ويدل لذلك حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وامرأته وفرق بينهما وقضى أن لا يدعي ولدها لأب ولا يرمي ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.
وفي هذه الطائفة التي ذكرناها آنفاً من أحكام اللعان تتبدى عظمة تشريع الإسلام ونظافته وقيامه على حفظ الحقوق، وعدم تفتيش السرائر، وتوزيع الحقوق والواجبات بالعدل. والمحافظات على نظم الاجتماع ومكارم الأخلاق. وما ضلت البشرية إلا بالخروج على هذه القيم والتعاليم.
***