← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11768

الزواج في ظل الإسلام

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأسري وبالتالي الهدم للسعادة والاستقرار. ثانياً: الحكمان عند الخلاف: الزوج والزوجة قد يختلفان ويصل الخلاف إلى نقطة لا يستطيعان علاجها بمفردهما. وهنا أمر الله برد هذا الخلاف إلى حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة. قال تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريداً إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً﴾ . وذلك أن الفرد قد يملك القدرة أحياناً على حل مشاكل الآخرين ولكنه يعمى عن مشكلة نفسه. فمهما كان الرجل حكيماً عالماً فإنه في مشاكله الخاصة يكون أقل قدرة على الحل ولذلك نجد أن كثيراً من النساء ينجحون كثيراً في الصلح والتوفيق بين الناس، ولكنهم قد يفشلون أحياناً في حل مشاكلهم أنفسهم، ولذلك كان واجب الاستعانة بالآخرين وخاصة المرأة يساعدها كثيراً أن ينوب عنها في حل بعض مشاكلها المعقدة مع زوجها أن تلجأ إلى أب أو عم أو أخ يملك القدرة على فهم أمورها والوصول إلى حلول لمشاكلها مع زوجها. فإذا عجز الزوج أن يصل مع زوجته إلى حل لمشكلة ما. فإن الواجب أن

стр. 107

يرد هذه المشكلة إلى حكم من أهله وحكم من أهلها. والحكمة في اختياره من الأهل ألا تنتشر أسرار البيوت، وأن لا يعير الأبناء بما كان من أخلاق في الآباء، فاللجوء إلى المحاكم والقضاة في كل مشاكل الزواج أمر في غاية الخطورة لأن علاقة الزوج بزوجته علاقة خاصة جداً، وتنشأ المشاكل كثيراً في هذه العلاقات الخاصة. ونشر هذه العيوب في المحاكم وأمام القضاة والشهود إنما هو فضح للأسرار، وكسر للقلوب فحتى لو تم الصلح أمام القاضي فإن المشكلة ستبقى لأنه ولا بد أن يخرج إلى الناس أسراراً كان يحب كل من الزوج والزوجة أن تظلا مخفية ولذلك كان من رحمته وإرشاده أمرنا بدعوة الحكمين عند الخلاف المستعصي والأمر في بعث الحكمين قال بعض العلماء هو خطاب للزوجين، وقال آخرون بل خطاب لولي الأمر، قول ثالث إنه خطاب للمؤمنين الذي يطلعون على ما حدث بين الزوجين من خلاف والصحيح أنه خطاب عام وذلك أن استقرار الزواج لا يهم الزوجين فقط وإنما يهم ولي الأمر، لأن هذا من شئون الرعية التي استرعاه الله إياها، ويهم كل مسلم لأن المؤمنين كالجسد الواحد ولا بد أن تفزع إذا اشتكى عضو، وشقاق الأزواج من أعظم الآلام والمشاكل

стр. 108

ولذلك كان لا بد من الاهتمام به ولا شك أن مشاكل الزوجين تهمهما أولاً ولذلك وجب عليهما في المقام الأول أن يلجأ إلى الحكمين إذا تعذر عليهما الحل وبهذه الضمانة تبقى الأسرة الإسلامية في إطارها الصحيح من الاستقرار والثبوت ونستطيع أن نلخص هذه القواعد فيما يأتي: (أ) أن يؤدى عقد الزواج بشروطه كما أمر الله من رضا وشهود، وولي، ومهر، وكفاءة وغير ذلك من شروط. (ب) أن نمتنع عن كل ما يبطل هذا العقد كفقد شرط من الشروط السابقة أو نلجأ إلى نكاح محرم كنكاح الشغار والتحليل والنكاح المؤقت. (ج) أن نحذر من أن نضع في عقد النكاح شرطاً ليس في كتاب الله كاشتراط العصمة وغير ذلك من الشروط الفاسدة التي تفسد العقد أو تمنع نفاذه وأن نوفي بالشروط التي التزمنا بها كما قال ﷺ : [إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم من الفروج] . (د) أن يقوم كل من الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات التي كلفهم الله بها وأن يعلم كل منهما أن تعديه على حق الآخر إنما هدم لنظام رباني وهو تماماً كهدم

стр. 109

الفطرة والخلق لأن الحكم من عند الله والخلق من عنده فكما خلق فهو يحكم سبحانه تعالى كما قال جل وعلا: ﴿له الخلق والأمر﴾ ، فكما أن الخلق له فالأمر له ، وكل من عارض الخلق شقى وكذلك كل من عارض أمره شقى ولا بد. (هـ) أن يعلم كل من الرجل والمرأة الفطرة التي فطرها الله عليهما، فإذا عرف المرء نفسه عرف كيف يعالجها ويقومها وإذا جهلها جهل سبل التقويم والعلاج بل والصلاح أيضاً، فكيف يسعد نفسه من يجهلها؟ وكذلك أن يعرف الرجل شيئاً عن طبيعة المرأة ونفسيتها، وأن تعرف المرأة شيئاً عن طبيعة الرجل الخاصة ونفسيته وكيف يحب وكيف يكره وهذا العلم ضروري لإحسان التعامل بين كل من المرأة والرجل. (و) أن يلجأ الزوج والزوجة إذا استشرى بينهما خلاف إلى أقرب حكم ناصح من أهله ليساعدها على الخروج من خلافهما وبذلك يضمنان سعادة وحلاوة لزواج إسلامي نظيف طاهر.

стр. 110

الخلاف بين الزوجين وطرق علاجه يندر في الواقع أن يعيش زوجان دهراً من عمرهما دون أن تطرأ في حياتهما مشكلات وخلافات. ولذلك فعلينا أن نتقبل الخلافات الزوجية على أنه أمر لا مفر منه أو هو شر لا بد منه ولا يعني ذلك أن نستسلم للخلاف وألا نأبه له عند حدوثه فالخلاف شر وهو يعكر النفوس ويقتل بهجة الحياة الزوجية وعلينا أن نفر منه بكل سبيل ولكن ينبغي أيضاً أن لا نظن أن الكارثة قد وقعت عند أي خلاف مهما كان ويجب أن نعلم أيضاً أن لكل جرح دواء وعلينا أن نحاول دائماً ولا نيأس من علاج مطلقاً وفوق هذه القاعدة نستطيع أن نؤسس حياة زوجية سعيدة. وهذه مجموعة من قواعد وإرشادات ونصائح أرجو إن اتبعها الزوجان أن يسعدا ويقضيا على كل خلاف ينشأ بينهما:

стр. 111

أولاً: إذا أردت أن تحكم حكماً صحيحاً في أي خلاف فضع نفسك موضع الآخر، وقدر ظروفه وإمكانياته تماماً ثم احكم عليه وبهذا تعلم موقفك أنت ممن يخالفك في شيء ما. ثانياً: على الرجال أن يعلموا تماماً أن في المرأة، جنس المرأة عوجاً بوجه من الوجوه وهذا ليس فيه تعصب وإنما هو طبيعة الخلق والفطرة التي فطر الله المرأة عليها، ولا يمكن أن تكتمل المرأة من كل وجه خلقاً وطباعاً ولو أنها كانت كاملة لعبدها الرجال من دون الله وهذا معنى حديث النبي ﷺ : [إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه وإن جئت تقيمه كسرته، وإن استمتعتم بهن استمتعم بهن وفيهن عوج] . وأخذ هذا الأمر على علاته يفيد الرجال كثيراً فافتراض الكمال في المرأة ومحاسبتها على هذا النحو يعني التغاضي عن كثير من النقص ضار بالمرأة والرجل كذلك. وهذا الذي لا بد وأن يعتور الحياة الزوجية ومطالبة المرأة بإكمال هذا النقص مطالبتها بالمستحيل. ثالثاً: كم من الرجال من يرزقون زوجات هن أرجح منهم عقولاً وأكثر منهم صبراً وحكمة وأكثر منهم

стр. 112

سداد رأي ولا يخرق هذا القاعدة العامة في الرجال والنساء ولا يعني هذا أيضاً أن تأخذ المرأة صلاحيات الرجل وأن يقف الرجل من عقد الزواج مكان المرأة لأن هذا يعني إفساداً للفطرة، وهدماً للسعادة الزوجية وأسلوب إصلاح المرأة لزوجها عند نشوزه وإعراضه هو النصح والاستعانة عليه بالأقربين كما قال تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ ، وأما أن تقوم المرأة بتقويم عوج زوجها ونشوزه وإعراضه بتعاليها عليه، وهجرها لفراشه أو بضربه وتأديبه فذلك هو غاية الفساد والإفساد. رابعاً: الرجل الذي أعطى حق القوامة عليه الواجب الأول في أن يكون راعي وقواماً ولا يكون راعياً وقواماً إلا بأن يكون قدوة في نفسه، قادراً على تقويم غيره. والقوامة لا تعني البطش والتعالي وإنما تعني الرعاية والحفظ والتربية والرأفة والرحمة ووضع كل أمر في موضعه شدة وليناً. ولا شك أن سوء استخدام الرجل لصلاحياته المعطاة له يؤدي إلى النقيض. خامساً: الوسائل التي أعطاها الله وأرشد إليها

стр. 113

الرجال لتقويم نشوز زوجاتهم يتلخص في الأمور الأربعة الآتية: (أ) الوعظ: وهو كلام رقيق يصيب القلب والوعظ نافع للزوجة إذا جاء في الوقت المناسب بالقدر المناسب، وأما أن يجعل الرجل من نفسه خطيباً بالليل والنهار فذاك فساد وإفساد فالوعظ في التربية كالسم في الدواء قليله يفيد وكثيره يقتل الشعور والإحساس. (ب) الهجران في المضاجع: وهو ترك فراش الزوجة وقت النوم فقط وهو نافع إذا لم تفلح الوسيلة السابقة. (ج) الضرب: والمقصود به إيقاظ شعور امرأة بليدة الطبع لم تستفد شيئاً بالوسيلتين الآنفتين وهي وسيلة لا يلجأ إليها الأخيار عادة كما قال النبي ﷺ عندما اشتكى إليه بعض النساء من ضرب أزواجهم لهم وعظ الرجال وقال: [إنه قد طاف بآل محمد نساء يشتكين أزواجهن..] ثم قال: [وليس أولئك بخياركم] أي من يضرب زوجته. وبالطبع فالمقصود بالضرب هو غير المبرح الذي يتقي صاحبه به الوجه وفي تحريم ضرب الوجه أحاديث كثيرة مشهورة. (د) الاستعانة بالمصلحين من أقارب الزوج والزوجة .

стр. 114

وهذا آخر المطاف إذا عجز الرجل عن التقويم فعليه أن يستعين بحكم من أهله وحكم من أهل زوجته فيكونا أقدر على تفهم مشاكلهما لأن صاحب المشكلة كثيراً ما يعمى عن حلها. وفي هذه الأمور الأربعة الآنفة جاء قول الله ﵎: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً﴾ .

стр. 115

كيف ينتهي عقد الزواج ينفصل الأزواج بعضهم عن بعض بواحد من الأمور والحالات السبعة الآتية: الوفاة - والطلاق - والفراق - واللعان - والظهار - والفسخ - والردة.. وفي كل حالة من هذه الحالات هناك قواعد وحدود وآداب شرعية يجب أن يحسن التزامها وسنبين كل ذلك تفصيلياً بحول الله وقوته. أولاً: الوفاة: الموت سنة من سنن الحياة التي لا تتخلف ولا يمكن الفرار منها وهو يصيب الأزواج كما يصيب الأطفال ويدهم الناس على اختلاف أعمارهم وأحوالهم. والوفاة تفرق الأزواج بعضهم عن بعض ولكنها لا تهدم عقد الزواج الشرعي نهائياً بل الأزواج المسلمون أزواج في الآخرة إن ماتت على الصلاح والتقوى وكان هو كذلك،

стр. 116

كما قال تعالى حاكياً دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ ، وقال تعالى أيضاً: ﴿الذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين﴾ . ومن هنا أخذ عقد الزواج قدسيته ومكانته. آثار الوفاة على الأزواج: نستطيع إجمال الآثار والآداب والحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين بما يلي: (أ) الميراث: توجب الشريعة الإسلامية حقاً ثابتاً للرجل في مال زوجته المتوفاة وللمرأة في مال زوجها المتوفى.. فللرجل النصف من مال زوجته إذا توفيت ولم تترك أولاداً منه أو من غيره، وأما المرأة فلها ربع مال زوجها المتوفى إن مات ولم يترك أولاداً منها أو من غيرها ولها الثمن إن ترك أولاداً. (ب) العدة (عدة الوفاة) : توجب الشريعة على

стр. 117

المرأة أن تمكث في بيت زوجها بعد وفاته أربعة أشهر وعشرة أيام لا تتزوج ولا تخطب خطبة صريحة، ولا تتزين، ولا تخرج في غير حاجة وهذه العدة ثابتة في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير﴾ . والحكمة في هذه العدة أنها استبراء كامل للرحم، ووفاء واجب مفروض من المرأة وزوجها. وأما الرجل فليس عليه عدة بعد وفاة زوجته لذكراها مسألة اعتبارية شخصية لم يفرض عليه الدين فيها وقتاً محدوداً ولا شكلاً معيناً. وله أن يتزوج بعد وفاة زوجته بأي مدة غير أن مراعاة شعور الآخرين وخاصة أهل الزوجة المتوفاة مما أمر به الدين أمراً عاماً ومما يتناسب أيضاً مع العرف الصالح والأخلاق والآداب الإسلامية. (ج) حفظ الجميل والعهد: يتطلع الرجل والمرأة في خلال حياتهما الزوجية على أدق وأخص أسرار بعضهما البعض، ولا يعني الافتراق بالموت نشر هذه الأسرار وهتك العهود السابقة بل الالتزام بالعهود وكتمان الأسرار فريضة إسلامية على كل من الرجال والنساء.. ولا يكفي

стр. 118

هذا فقط بل الرجل الصالح هو الذي يحافظ على ود زوجته بعد وفاتها كما كان يفعل في حياتها والمرأة كذلك. وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في ذلك فتقول السيدة عائشة ﵂: "ما غرت على امرأة لرسول الله ﷺ ، كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها وثنائه عليها".. وقد كان رسول الله ﷺ يذبح الشاة فيقول أعطوا صديقات خديجة أولاً. وكانت تدخل عليه امرأة في المدينة فيكرمها لأنها من صديقات زوجته. وهذا من عظم وفاء النبي ﷺ لتلك الزوجة الصالحة. وفي هذا قدوة وأسوة لمن أراد مكارم الأخلاق؟.. ثانياً: الطلاق حكمته ومشروعيته: مما لا شك فيه أن الطلاق عملية هدم لبناء أسرة وقد يأتي هذا الهدم عند بداية الطريق وعند وضع أول اللبنات في الأساس وقد يأتي متأخراً بعد أن يكون البناء قد فرغ وتعددت الحجرات ووضع السقف أعني بعد النسل وكثرة الأولاد. والذين ظنوا أن الإسلام أباح الطلاق مطلقاً بلا ضوابط، وفتح للناس الأبواب على مصراعيها في أن يتزوجوا كما يشاءون ويطلقوا وقتما يشاءون

стр. 119

فقد أخطأوا وتجنوا على هذا الدين، وكذلك الذين يريدون حجر الطلاق ومنعه وتقييده بغير الطرق الشرعية ظناً منهم أن ذلك عمل إنساني وأنه في صالح المرأة فهم أيضاً جاهلون مغرون، وسنبين إن شاء الله تعالى بالدليل والبرهان فساد الطريقين وأن العدل هو ما جاء به الدين الصحيح بلا إفراط ولا تفريط. ومع إقرارنا بأن الطلاق عملية هدم إلا أنه في الإسلام هدم منظم يحافظ على اللبنة فينقلها من مكان إلى مكان آخر أكثر تلاؤماً دون كسرها أو إهمالها. إن الزواج عملية إنسانية وهو عمل اختياري والإنسان رجلاً كان أو امرأة صندوق مقفل والمظهر الخارجي لا يدل على الداخل مطلقاً بل كثيراً ما يخالف الباطن الظاهر فقد يكون الظاهر جميلاً حسناً والباطل بضد ذلك. والذين يتزوجون لا يتزوجون الأجسام فقط وإنما أيضاً الروح والنفس والطوية والأخلاق وكل هذه أشياء لا تظهر إلا بعد العلاج والصحبة الطويلة واحتكاك المرأة بالرجل والرجل بالمرأة يتدخل في كل شيء في الأجسام والنفوس والأسرار والغايات والأهداف والمستقبل والحياة. إنه امتزاج كامل لكل عناصر الروح والدم وكلما

стр. 120

كان التوافق كاملاً كانت السعادة تامة كاملة وكلما اختلف الزوجان في ناحية من هذه النواحي كلما تباعد الزوجان خطوة عن بعضهما البعض. وما إيماننا أن التوافق لا يكون بين زوجين من كل وجه إلا نادراً فإن الدين قد أمر بإبقاء العلاقة الزوجية وحث على ذلك حتى مع تحقيق أقل عناصرها كما قال ﷺ : [لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر] . (والفرك) بفتح الفاء والراء هو الكراهية والإبعاد. بل قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ . ومع هذا الحرص من الدين والتشديد ببقاء العلاقة الزوجية إلا أن الأمر يصل أحياناً مع الاختلاف وعدم إمكان الإصلاح إلى القطيعة والشر ثم الكراهية والعناد وقد يصل ذلك إلى المضارة والإفساد وعدم قيام كل منها بما يجب عليه نحو الآخر وبذلك يتحول الزواج بعد ما كان طريقاً إلى مرضاة الله والسعادة في الدنيا ليكون طريقاً إلى سخط الله والشقاوة فيها. فالله لا يرضى عن زوجة فقط تهجر فراش زوجها ليلة واحدة معاندة له كما قال ﷺ : [ما من زوجة يبيت زوجها عليها غضبان إلا ما كان الذي في السماء ساخطاً عليها] ، وقال: [أيما امرأة دعاها

стр. 121

زوجها إلى فراشه فأبت عليه إلا لعنتها الملائكة حتى تصبح] ، وكذلك لا يرضى الله عن رجل يظلم امرأته أو يضيع من يعول. وأظن أنه لا يقول عاقل بتاتاً بأن كل زوجين تزوجاً قد توافقا طباعاً وحباً وأهدافاً في الحياة نفساً وروحاً وإلا فهذه مكابرة ممقوتة.. ولذلك شقى النصارى بذلك ثم للحس الواقع والفطرة ولا يصنع هذا إلا جاهل أو مبطل أو مغرور، ولذلك شقى النصارى بذلك من ثم كسروا أبواب المنع ولم يفتحوها فقط فهدموا العلاقات الزوجية إلى الأبد في أوساطهم. نخلص من ذلك أن الطلاق ضرورة إنسانية تحتمها الفطرة البشرية ويقتضيها الإصلاح الاجتماعي وذلك لزوجين ظنا أن يعيشا في سعادة فأقدما على الزواج اختياراً ثم اكتشفا أنهما كانا مخطئين، وأنه يستحيل بقاؤهما إلى الأبد زوجين. فكيف يكون الانفصال الشرعي وهل للرجل وحده أن يقرر الانفصال؟ أم يجوز للمرأة أيضاً أن تقرر الانفصال عن زوجها وقتما تشاء؟. متى يجوز لك طلاق زوجتك ؟ الصورة السيئة التي تعلو أذهان كثير من النساء عن

стр. 122

الطلاق لا تمت بصلة إلى الإسلام، وقد تكونت هذه الصورة من المعلومات المشوهة التي فهمها سطحيون تافهون عن رسالة الإسلام أو من ممارسات خاطئة لكثير من الجهلة الظالمين الذين يحملون اسم الإسلام بلا مضمون، وعندما نستعرض خطوات الطلاق الشرعي كما شرعه الله سبحانه وكذلك آدابه وقواعده سنرى البون الشاسع بين هذا وتلك الممارسات والأفكار الظالمة. وإليك بعضاً من هذه القواعد والآداب: ١- متى يجب إيقاع الطلاق ؟ قد يظن بعض الناس أن الرجل يستطيع أن يوقع الطلاق على زوجته في كل وقت وإن هذا خطأ فاحش بل لا يجوز لرجل يؤمن بكلام الله وكلام رسوله أن يوقع الطلاق على زوجته إلا إذا كانت طاهراً وأن لا يكون قد مسها في هذا الطهر. أو تكون حاملاً حملاً قد استبان وعلم. فمن طلق امرأته وهي حائض فطلاقه باطل وهو غير واقع لأنه جاء في غير الوقت الذي حدده الله ، ومما يدل على ذلك حديث ابن عمر الذي رواه الجماعة.. أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: [ليرجعها

стр. 123

ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر. فإن بدا له أن يطلقها فيطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء..] وهذا الحديث نص في عدم جواز الطلاق وقت الحيض ووجوب رد هذا الطلاق. وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أنه لا يحتسب أيضاً، ومن هؤلاء المحققين ابن تيمية وابن القيم وابن حزم وغيرهم ويدل على ذلك القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ . وكذلك قال تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ، والتسريح هو الطلاق ولا يكون بإحسان إلا إذا كان كما أمر الله. ٢- أين تمكث المطلقة وقت العدة ؟ يظن كثير من الناس أيضاً جهلاً وظلماً أن المرأة يجب أو يجوز أن تخرج من بيت زوجها إذا أوقع الطلاق وأن يمضي وقت العدة في بيت غير بيت زوجها وهذا خطأ فاحش وجهل بالدين. وكذلك تظن كثير من النساء أنه يجوز لهن الخروج من بيت الزوجية عند سماع كلمة الطلاق أو يجب عليهن الخروج وهذا أيضاً خطأ فاحش ومخالفة صريحة لأمر الله .. بل لا يجوز

стр. 124

لرجل أن يخرج امرأته من بيتها بعد أن يعلمها بالطلاق إلا إذا انتهت عدتها (وسيأتي تفصيل لمعنى العدة) وكذلك لا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تفارق بيت زوجها عندما تسمع منه كلمة الطلاق إلا إذا انتهت عدتها. وذلك كله تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ ، فقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ دليل على عدم جواز إخراج المرأة من بيت الزوجية إلا إذا أكملت العدة بدليل قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ ، والأجل في هذه الآية هو نهاية العدة، وكذلك لا يجوز للمرأة أن تخرج بنفسها مغاضبة لزوجها نافرة منه إذا طلقها وذلك لقوله تعالى: ﴿ولا يخرجن﴾ أي بأنفسهن دون طرد ونحو ذلك فالمرأة عند سماع الطلاق ما زالت ملزمة بعقد النكاح الشرعي وذلك حتى تنتهي عدتها وإرجاعها إلى الزوج ما زال ممكناً ومحتملاً. هاتان خطوتان أساسيتان في سبيل إنهاء عقد الزواج

стр. 125

الشرعي وهما أولاً: يجب أن يقع الطلاق في طهر لم يمس الرجل زوجته أو حال حمل ظاهر، وثانياً: لا يجوز للرجل أن يطرد زوجته من بيتها إلا بعد كمال عدتها ولا يجوز للمرأة أيضاً أن تخرج مغاضبة لزوجها قبل استكمال عدتها في بيته. لا يطلق ثلاثاً في مرة واحدة إلا جاهل: لا يجوز للمسلم أن يطلق زوجته ثلاثاً في مرة واحدة، والدليل على ما نحن بصدده ما يأتي: أولاً: قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ولا يكون الطلاق مرتين إلا إذا كان مرة بعد مرة وفي كل مرة تكون هناك رجعة جائزة، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ وهذه هي الطلقة الثالثة التي إذا وقعت فلا يحل للزوج أن يعيد زوجته إلى عصمته إلا بعد أن تتزوج بزوج آخر ثم إن طلقها جاز لها أن ترد إلى الزوج الأول. فالآية دليل على أن مع كل طلاق (من هذين الطلاقين الأولين) رجعة جائزة بدليل ما سبق وبدليل قوله

стр. 126

تعالى أيضاً: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ أي أن مع كل طلاق إمساك بمعروف وذلك لمن أراد أن يعاود زوجته قبل انقضاء عدتها، أو تسريح بإحسان وذلك لمن أراد أن يستمر في إنفاذ طلاقه لامرأته حتى تخلص منه بانقضاء عدتها وقوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ دليل على أن الطلاق يكون هكذا أي: هذا هو الوجه الشرعي لتنفيذ الطلاق وإنفاذه وهذا البيان من الله واجب والمصير إليه فرض لازم، بدليل قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ . وقوله أيضاً في سورة الطلاق: ﴿وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ . ومعنى هذا أن الذي يجمع التطليقات الثلاث في كلمة واحدة أو مجلس واحد فقد هدم الحدود والقواعد والآداب الشرعية التي فرضها الله وبينها وأرشد إليها. وهذا الهدم ليس حقاً خاصاً من حقوق الرجال في هذا العقد الشرعي يستعملونه كيف شاءوا. بل هذا هدم للقواعد والحدود الشرعية في هذا الأمر. ثم إن الطلاق يتعلق أيضاً من حقها أيضاً أن لا ينتهي هذا العقد إلا

стр. 127

وفق الضوابط الشرعية التي حدها الله لذلك وقبلت على أساسه الزواج. ثانياً: من المعلوم أن المرأة تطلق من زوجها بقوله مرة واحدة (أنت طالق) أو بعبارة أخرى مقصودة من الرجل تفهم هذا المراد (الطلاق) كقوله: (أنت مسرحة) أو (أنت خلية) ونحو ذلك. ومعلوم أيضاً أنها تبين منه وتصبح مالكة لأمرها إذا مضى على هذه الكلمة فترة العدة الشرعية ولم يردها فيها. ومعنى هذا أننا لا نحتاج في الطلاق إلى الفلسفة الزائدة من الرجل والتطاول السيئ بأن يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، وأنت طالق ألفاً، أو عدد نجوم السماء أو أنت حرام عليّ مطلقاً فكل هذه الأقوال تعد ظلماً وجهلاً وإساءة بالغة وجحوداً للعشرة والمفروض أن يعزر فاعل ذلك بالضرب والإهانة والسجن ونحو ذلك. فالالتجاء إلى جمع التطليقات الثلاث في مرة واحدة جهل وغباء إذ الواحدة تكفي ثم هو إساءة وظلم يجب أن تسن القوانين لتعزيز فاعله، وحتى تصان العشرة وإذا كان لا بد من الفرقة بين الزوجين فلتكن الفرقة بإحسان كما قال تعالى: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ ولا يمكن أن يكون من

стр. 128

طلق زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، وجرحها برفض العيش مطلقاً معها محسناً في ذلك بل هو جاهل سيئ يستحق التأديب والتعزيز. ثالثاً: ينبني على الطلاق الرجعي حقوق الزوجة وهي السكنى والنفقة وأما الطلاق البائن فلا نفقة فيه للمرأة ولا سكنى بل يجب على المرأة فيه أن تعتد خارج منزل الزوجية ولا نفقة لها. والذي يطلق الثلاث دفعة واحدة يهدم حقوق المرأة الشرعية في جواز الرجعة وفي النفقة والسكنى إلى جانب الإهانة المعنوية البليغة التي يقذف بها الرجل على ذلك النحو في وجه امرأته، وبذلك يجمع الرجل المطلق ثلاثاً في دفعة واحدة بين الإهانة المعنوية وهدم الحقوق الشرعية المادية لزوجته وبذلك يرتكب مجموعة من الإساءات في وقت واحد وهي على وجه الإجمال: ١- هدم الحدود والقواعد والخطوات الشرعية لهذا العقد، والتلاعب بكتاب الله وسنة رسوله. ٢- الإهانة البالغة للزوجة المطلقة على هذا النحو لأنه رفض سيئ للعشرة وجحود ونكران لحق المعاشرة. ٣- هدم الحقوق المادية للزوجة (وإن كان الزوج

стр. 129

يلزم بهذا الآن قضاء) وهذا الهدم تعد وظلم. ٤- الجهل والتطاول فعقد الزواج ينتهي بكلمة واحدة من الرجل للمرأة. أنت طالق، فلماذا التطاول والقول ثلاثاً ومائة وألف إلا أن يكون هذا سفاهة وجهلاً. الطلاق الشرعي: ذكرنا أنه لا يجوز لمسلم أن يطلق امرأته ثلاثاً في مرة واحدة سواء قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، أو قال لها: أنت طالق طالق، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو زاد على ذلك إلى مائة أو ألف وأن كل ذلك سفاهة يستحق قائلها العقوبة والتعزيز، وأن الطلاق الذي شرعه الله هو الطلاق مرة واحدة في بدء طهر المرأة إذا كانت ممن تحيض ثم الانتظار مدة العدة فإما أن يرجعها إلى عصمته في أثنائها وإما أن ينتظر حتى نهاية العدة فيقع الطلاق وتملك المرأة شأن نفسها، وللرجل أن يكرر هذا العمل مرتين يحق له فيهما الرجعة فإذا أوقع الطلاق الثالث فلا يجوز له بعد ارتجاعها حتى تنكح زوجاً غيره بنكاح صحيح وليس بنكاح تحليل. ولكن ماذا لو ركب جاهل رأسه وطلق امرأته علي هذا النحو الفاسد ثلاثاً في مرة واحدة هل يقع الطلاق

стр. 130

ثلاثاً ويلزم بذلك. أم يقع طلقة واحدة فقط ليكون موافقاً للطلاق الشرعي الصحيح أم لا يقع له طلاق أصلاً. وهذا القول الثالث والأخير قول مخالف لأقوال أهل السنة والجماعة ولذلك فليس موضوعاً لبحثنا وإنما النظر والبحث في القولين الأولين. القول الأول: طلاق الثلاث يقع ثلاثاً: الذي أفتى به الأئمة الأربعة واختاره كثير من الصحابة والتابعين وكثير من السلف أن طلاق الثلاث وإن كان بدعياً ومحرماً إلا أنه يلزم الرجل به وتطلق به المرأة من زوجها طلاقاً بائناً لا رجعة فيه إلا أن تنكح زوجاً غيره. وقد استدلوا لذلك بأن عمر بن الخطاب ﵁ أمضى طلاق الثلاث ثلاثاً كما روي عنه أنه قال: أرى أن الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه فسحة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وفرق ﵁ بين كل رجل طلق امرأته ثلاثاً في مرة واحدة وبين امرأته. القول الثاني: طلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة: وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف

стр. 131

من أصحاب النبي ﷺ مثل الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وقول كثير من التابعين ومن بعدهم كطاووس ومحمد بن إسحاق - وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام ﵀ ونصره في فتاويه وهو الموافق للكتاب والسنة كما أسلفنا. يقول ابن تيمية في فتاويه: (لم يشرع الله لأحد أن يطلق الثلاث جميعاً، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقاً بائناً) . ويقول أيضاً: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله في المدخول بها طلاق بائن يحسب من الثلاث) . ويقول أيضاً: (ولا نعرف أن أحداً طلق على عهد النبي ﷺ وآله وسلم امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة فألزمه النبي ﷺ بالثلاث، ولا روي في ذلك شيئاً بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث بل موضوعة، بل الذي في صحيح مسلم وغيره من السنن والمسانيد عن طاووس عن ابن عباس أنه قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم". وفي رواية لمسلم وغيره عن طاووس أن أبا الصهباء

стр. 132

قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر فقال ابن عباس: نعم وفي رواية أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلما كان في زمن عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم) . وتابع الإمام ابن تيمية إيضاحه لهذه المسألة قائلاً: (وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال طلق ركانة بن عبد زيد أخو بني عبد المطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول الله ﷺ كيف [طلقتها؟] قال: طلقتها ثلاثاً. فقال: [في مجلس واحد] قال: نعم. قال: [فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت] قال: فرجعها) . انتهى. ولهذا ذهب الإمام ابن تيمية بعد أن ساق هذه الأدلة إلى أن طلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة وقال: (ليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلتزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله، وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر

стр. 133

أصول الشرع) أ. هـ. وقد اعتذر الإمام ابن تيمية ﵀ عن الأئمة المجتهدين في افتياتهم ذلك بأن ما رآه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب كان داخلاً في باب العقوبة حتى لا يفعل الناس ذلك كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق الرأس، وينفي. وقد ذهب إلى مثل ذلك أيضاً في متعة الحج. ولكن لا شك في أن الأولى والأحرى هو الرجوع إلى ما مضت به السنة وخاصة وأن الناس لم ترتجع بتلك العقوبة بل حدث من جراء ذلك فساد كبير في اللجوء إلى التحليل وهو عقد فاسد وغير شرعي. وهذا الذي نرجحه هنا أخذاً بالكتاب والسنة واتباعاً لمن قال بذلك من السلف والخلف هو الذي عليه العمل الآن في معظم أمصار المسلمين ومن أفاضل مجتهديهم وأهل النظر منهم في الكتاب والسنة. والعجب أن الإمام ابن تيمية قد كفره الناس لفتواه هذه وزعموا أنه بذلك قد خالف إجماع المسلمين لزعمهم أن قول الأئمة الأربعة إجماع وهذا غاية في الفساد والجهل لأن اتفاق الأئمة الأربعة على قول واحد لا يعد إجماعاً في الشرع ولا الإصطلاح.

стр. 134

وأظن بعد هذا البيان والإيضاح يتضح أن الحق إن شاء الله فيمن طلق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد أن هذا يقع طلاقاً واحداً ويلزم بذلك. متى يحل للرجل إرجاع زوجته وكيف تعتد المطلقة: قدمنا أن الطلاق يقع صحيحاً إذا أعلنه الرجل لامرأته في بدء طهر لم يمسها فيه أو كانت حاملاً (ويكره الطلاق وقت الحمل) وأنه لا يجوز لرجل أن يطلق امرأته ثلاثاً في وقت واحد وأنه إن فعل ذلك كان آثماً ولزمته طلقة واحدة، والآن نأتي إلى تقرير كيفية إعادة الرجل زوجته إلى عصمته؟ وكذلك كيفية اعتداد المطلقة. أولاً: يجوز للرجل أن يطلق زوجته بعد عقد النكاح وإن لم يدخل بها وإذا حدث ذلك فلا عدة على المرأة ويصح لها أن تتزوج زوجاً غيره متى تشاء، وإذا أراد الرجل العودة إلى زوجته هذه التي طلقها قبل الدخول فلا بد من عقد جديد ومهر جديد ولكنها تعود إليه وليس له عندها إلا طلاقين اثنين فقط، لأنه بالطلاق الأول يكون قد استنفذ واحدة من رصيده. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن

стр. 135

تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً﴾ . ثانياً: المطلقة بعد الدخول بها يجب أن تعتد في بيت زوجها ولا يجوز لها الخروج منه بنفسها ولا يجوز للرجل إخراجها (وقد قدمنا أدلة ذلك) وتظل زوجة حتى انتهاء عدتها. وللرجل الحق في إرجاعها إلى عصمته طالما كانت في العدة. ثالثاً: عدة المطلقة تحتسب على النحو التالي: (أ) المرأة التي تحيض فإن عدتها تحتسب من الطهر الذي أعلن فيه الرجل لها الطلاق وتنتهي العدة بانتهاء ثلاثة أطهار وبذلك ستكون العدة على النحو التالي: طهر ثم حيض، ثم طهر ثم حيض، ثم طهر فإذا انتهى هذا الطهر الثالث وشرعت المرأة في الحيض فقد وقع الطلاق وتم، وأصبحت المرأة بذلك مالكة لشأن نفسها.

стр. 136

(ب) وأما إن كانت المرأة قد بلغت سن اليأس وأصبحت ممن لا يحيض أو كانت صغيرة لم تحض بعد أن كانت لا تحيض لعذر ما غير الحمل فإن عدتها ثلاثة أشهر قمرية. (ج) وأما إن كانت المرأة حاملاً فعدتها وضع الحمل سواء قل عن ثلاثة أشهر أو زاد. وقد جاء هذا في كتاب الله. قال تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن، وأولات الأحمال أجلهن أن

стр. 137

يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ (الطلاق: ٤) . رابعاً: يجب على الرجل عند طلاق زوجته أن يشهد رجلين عدلين، وكذلك يجب عليه الإشهاد أيضاً عند إرجاعها إلى عصمته عملاً بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ والوجوب الذي نقول به هنا هو الأولى والأحرى وذلك لضبط هذه الأمور وحسم الخلاف فيها. ولا يشترط هذا الإشهاد البدء بالطلاق أو الرجعة بل يجوز حصوله بعد ذلك. خامساً: تحصل الرجعة بأي قول أو فعل من الرجل يدل على ذلك فقوله: ارجعتك أو راجعتك أو نحو ذلك كل هذا تقع به الرجوع عن الطلاق وكذلك الجماع وهو أعظم الأدلة في هذا الباب، بل واللمس لشهوة والنظر بشهوة، ومعلوم أن المرأة في وقت العدة تكون في بيت الزوج. سادساً: لا يملك الرجل زوجته إلى عصمته بعد طلاقه لها إلا مرتين فقط فإذا أوقع عليها طلاقاً ثالثاً فعند

стр. 138

ذلك تكون قد بانت منه نهائياً، وأصبحت أجنبية عنه ولكنها لا تتزوج رجلاً غيره إلا إذا انتهت عدتها (كما مر في تفصيل العدة) وفي هذه العدة لا تمكث المرأة المطلقة في بيت زوجها ولا نفقة ولا سكنى لها.

стр. 139

آثار عدة الطلاق قدمنا أن عقد الطلاق لا يقع صحيحاً إلا إذا وقع من الرجل في بدء طهر زوجته، أو في وقت حمل (مع كراهية ذلك) وأنه يجب على المرأة البقاء في منزل الزوجية مدة العدة، وقدمنا تفصيل العدة للحائض والحامل واليائسة، بقي أن نعرف أنه إذا انقضى وقت العدة وبقي الرجل على موقفه من العزم على الطلاق فإن الطلاق يعتبر نافذاً بانقضاء العدة وتصبح المرأة بعد ذلك حكمها حكم الأجنبية بالنسبة للرجل. ولكن ثم أمور معلقة وحقوق رتبها الشارع الحكيم على عقد الطلاق وهذه الحقوق تختلف باختلاف حال المرأة وإليك تفصيل ذلك: أولاً: النفقة والسكنى مدة العدة: وهذا في الحقيقة حق المرأة على زوجها لأنها ما زالت في عصمته، بل ما زالت زوجة له، ويجوز له أن يراجعها

стр. 140

في أي وقت شاء، ثم هي ما زالت في بيته لا يجوز له إخراجها. ولذلك فالإنفاق على زوجته وأن يسكنها مدة العدة سواء كانت ثلاثة قروء (كما أسلفنا) أو ثلاثة أشهر أو مدة الحمل التي قد تطول أكثر من ذلك. فإذا انتهت العدة انتهى وجوب النفقة والسكنى. ثانياً: متعة الطلاق: فرض الله على الرجال هدية مناسبة لحالتهم المالية يجب على كل منهم أن يعطيها لزوجته إذا أمضى عقد طلاقه من زوجته. ولا تخفى الحكمة من إيجاب هذه الهدية وهو جبر خاطر الزوجة المطلقة، ورأب الصدع الحاصل بالطلاق، وإعطاء هذه الهدية دليل على أن الطلاق كان ضرورة وحلاً وحيداً.. بين رجل وامرأة أرادا أن يعيشا فما استطاعا لسبب ما، وليس نزوة عارضة. أقول هدية الطلاق التي أوجبها الله على الرجال عند الطلاق جبراناً لخاطر زوجاتهم، ووصلاً نفسياً بعد أن انقطع حبل الحياة المشتركة تشريع إلهي يرشدنا الله تعالى إليه ليعلمنا كيف نتراحم ونتعاطف ونجتمع إذا اجتمعنا في ظل التراحم والتآلف والعدل والإحسان ونفترق إذا افترقنا في ظل العدل والإحسان كذلك. وهذه المتعة (متعة

стр. 141

الطلاق) كما أسلفت القول هدية واجبة أوجبها الله في آيتين من كتابه قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾ . وفي هذه الآية يبيح الله لنا الطلاق من الزوجات ولو قبل الدخول بهن وكذلك ولو لم يكن قد سمينا مهراً معيناً، ويوجب علينا لهن متعة مناسبة جبراً لخاطرهن. وقد يقول قائل إن هذه المتعة ليست مطلقة وإنما هي للمطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر فتكون المتعة المناسبة هذه في مقابل نصف المهر المسمى الذي تستحقه المرأة، لأن الله فرض للمطلقة التي لم يدخل بها وقد سمى (عين) الرجل لها مهراً معيناً. أقول فرض الله لمثل هذه المرأة نصف المهر وجوباً كما قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ أي فلهن نصف ما فرضتم، أي ما اتفقتم عليه من مهر أقول قد يقول قائل إن متعة الطلاق المذكور في الآية السالفة هي في مقابل نصف المهر للمطلقة التي قد سمى لها مهر معين. والجواب على هذا الاعتراض من وجوه كثيرة لا يتسع لها المقام هنا، والصحيح إن شاء الله

стр. 142

أن هذه المطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها مهر أن لها نصف مهر مثيلاتها ولها كذلك المتعة، وكذلك التي سمى لها مهر فلها نصف المهر وجوباً، وكل المهر المسمى استحباباً ثم لها المتعة أيضاً جمعاً بين الآيات. وعلى كل حال لو خالف في هذه الآيات مخالف فإن هناك نصاً عاماً آخر يشمل كل مطلقة سواء قبل الدخول أو بعده، سمى المهر أو لم يسم وهو قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾ . وهذا يشمل كل مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذا إلا بمخصص وليس هناك فيما أعلم مخصصاً في القرآن أو السنة يخصصه. والشاهد من كل هذا الاستطراد هو أن نعلم علماً يقيناً أن متعة الطلاق (الهدية المناسبة) واجب وفرض فرضه الله تعالى بآية محكمة لكل مطلقة، وقد عرفنا الحكمة والغرض من هذه المتعة ولا يخفى ما فيها من ظلال نفسية وروحية جميلة تبلل الطلاق الذي هو مثار للفتنة، والخلاف والشقاق، وأقول الآن كم من المسلمين في زماننا امتثل هذا الأدب القرآني الواجب؟ بل كم من الجهلة والفسقة من يعمد إلى الزوجة المطلقة فيجردها مما أعطاها، ويهين كرامتها ويخرجها من بيته مهينة مكسورة

стр. 143

الجناح ثم يتبجح بعد ذلك بأنه رجل وأن الله قال: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ فيجعل معنى الآية (الرجال ظالمون للنساء) وهذا تلاعب بكلام الله ووضع له في غير مواضعه!!. ثالثاً: إيفاد الحقوق: من الحقوق المقررة في الشريعة أيضاً إعطاء المطلقة جميع حقوقها المالية المعلقة في ذمة الرجل سواء كانت مهراً لم يدفعه. أو وعوداً مالية لم يف لها أو هدايا أعطاها إياها وقت الزواج، ولا يجوز للزوج أن يسترد من زوجته المطلقة شيئاً من هذا أصلاً، ولا أن يجحد شيئاً مما وعد به أو التزم وهذا وإن كان من الأمور الفطرية التي جبل الله النفوس الطيبة عليها إلا أنه قد جاء في الشريعة أيضاً ما يوجب ذلك ليكون دليل القرآن مؤيداً لدليل الفطرة قال تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ وفي هذه الآية من المعاني والأحكام والإيحاءات علوم كثيرة لا يتسع لها المقام والمهم الآن أن لا يجوز أن يأخذ الرجل من مطلقته شيئاً مما

стр. 144

أعطاها (سواء كان مهراً أو غيره فاللفظ عام) ولو كان قنطاراً من ذهب ولو لم يمكث معها غير ساعة واحدة. أقول إن هذا الآن من اللي واللف والدوران وحجب الحقوق والجري في المحاكم واللهث وراء المحامين طلباً من الرجل في منع حقوق مطلقته ولهثاً من المرأة وراء حقها الضائع أو ما ليس بحق لها. ولا يعني كل ما أسلفت أن الرجل هو الذي يتأتى منه الظلم مطلقاً وأن المرأة لا مجال عندها للظلم والابتزاز، وكذلك لا يعني أن يكون الرجل وحده هو الكريم المعطاء وأن المرأة لا مجال عندها لتكون عزيزة النفس كريمة. لمن الحضانة: قدمنا أنه يترتب على عقد الطلاق آثار أهمها (متعة الطلاق) والنفقة والسكنى مدة العدة، وإنفاذ الحقوق المعلقة للزوجة تأتي إلى الأثر الرابع والأخير للطلاق وهو حضانة ال أولا د.. مَنْ مِنَ الزوجين أحق بحضانة أولاده؟ وضمهم إليه، الرجل أو المرأة. ولبيان هذا الموضوع إليك الخطوات الآتية: أولاً: إذا كانت المرأة حاملاً وقت الطلاق وجب

стр. 145

على الرجل الإنفاق عليها حتى تضع. فإذا وضعت كانت المرأة بالخيار بين حضانة ولدها أو دفعه إلى أبيه. وإذا تولت المرأة حضانة ولدها وجب على الرجل أن يكفلها وولدها وأن ينفق عليها النفقة المناسبة لحاله. والرضاع الكامل يستغرق عامين. وقد نص الله على ذلك بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حملين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف -لا تكلف نفس إلا وسعها- لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ . وفي هذه الآية أوجب الله النفقة على الرجل لأنه هو المولود له، وأوجب نفقة زوجته المرضع على الوارثين إذا مات الرجل وزوجته حامل أو مرضع. وأباح الله للرجل والمرأة أن ينفقا على إرضاع المولود من غير أمه إذا كان هذا برضاها.. وليس للرجل أن يجبر مطلقته على إرضاع ولده ولكن الله نهى المرأة أن تضار زوجها بذلك وخاصة إذا لم يجد مرضعة وحاضنة لابنه مثلاً، أو إذا كان
следующие страницы →