Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مشكلات الزواج إن شاء الله تعالى) والمهم هنا بيان أن المهر شرط في صحة عقدة النكاح وأنه حق المرأة الخالص ولا يجوز لأبيها أن يأخذ منه إلا بإذن ابنته وكذلك لا يجوز للزوج أن يسترد شيئاً من المهر إلا بسماح زوجته، وأن المهر هدية ومنحة وليس ثمناً وعوضاً كما ذكر بعض الفقهاء ذلك وأن خير المهر ما كان أيسره وفي حدود الطوق والوسع.
خامساً: الإحصان:
اشترط الله على المسلم أن لا ينكح (يتزوج) إلا العفيفة المسلمة، والعفيفة الكتابية كما قال تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ والنكاح هنا بمعنى الزواج بدليل الحديث الآتي:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرتد بن أبي مرتد الغنوي كان يحمل الآساري بمكة (أي يفر بهم إلى المدينة) وكان بمكة بغي يقال لها عتاق، وكانت صديقته (أي في الجاهلية) قال: فجئت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أنكح عتاقاً؟ قال: فسكت عني فنزلت ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ فدعاني فقرأها
стр. 72
علي وقال: [لا تنكحها] . رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه.
وكذلك الأمر في الكتابية (اليهودية والنصرانية) كما قال الله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ .. الآية. وهذا نص في أنه لا يجوز إلا المحصنة المؤمنة والمحصنة الكتابية، والمحصنة هنا يعني العفيفة سميت بالمحصنة كأن بينها وبين الفاحشة حصناً يمنعها عنها.
وهذا يعني أن المرأة المشهورة باقتراف الفاحشة أو الدعوة إليها لا يجوز لمسلم الزواج بها حتى على أمل أن تهتدي أو تتحصن بالزواج وكذلك الأمر بالنسبة للرجل الزاني المشهور بالفاحشة لا يجوز لمسلمة أن ترضى به زوجاً أو تسعى للزواج به.
سادساً: الكفاءة:
الكفاءة بين الزوجين شرط لصحة الزواج ومن الكفاءة أمور اعتمدها الشارع وجعلها أساساً، وأمور أخرى أهدرها الشارع، وأمور حسنها وأرشد إليها.
стр. 73
فمن الأمور التي جعلها الشارع شرطاً في الكفاءة اتفاق الدين بين الرجل والمرأة وذلك أن الدين هو المعيار الأساسي الذي يقدم به البشر في ميزان الله ولذلك كان النظر الأول في الكفاءة إليه وكان الشرك مانعاً إذا وجد في أحد الزوجين كما قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ .. الآية.
إلا أن الله استثنى من هذا الحكم جواز نكاح الرجل المسلم بالكتابية يهودية كانت أو نصرانية كما قال تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ فعلم بهذا النص المتأخر عن آية البقرة السابقة أن الكتابية مستثناة من جملة المشركين شريطة أن تكون عفيفة (محصنة) كما قدمنا والحكمة من هذا هو استمالة أهل الديانتين للدخول في الإسلام، وقد كان لها أكبر الأثر في دخول شعوب الشام ومصر في الإسلام وذلك بزواج العرب المسلمين من
стр. 74
نسائهم ونشأة أولادهم على الإسلام.. وليس هذا مجال تفصيل هذا الحكم وآثاره. والمهم أنه حكم ثابت بالكتاب والسنة وباق إلى يوم القيامة مع وجوب معرفة محاذيره، وهي أن لا يتحول الأبناء إلى دين الأم بسبب ضعف شخصية الزوج أو سكنه في غير بلاد المسلمين وقد أصيب المسلمون من جراء هذا بشر مستطير، ومن الأمور التي اعتبرها الشارع أيضاً في الكفاءة الحرية.
فالعبد لا يتزوج إلا أمة مثله، وكذلك الحر لا يتزوج إلا حرة. ولكن الله استثنى من هذا أيضاً زواج الأمة المسلمة وهذا شرط بالحر المسلم إذا خشي العنت على نفسه ولم يستطع الزواج بمسلمة حرة. قال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ ثم قال تعالى في آخر هذه الآية: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ فعلم من هذه الآية جواز زواج الحر المسلم بالأمة المسلمة فقط في حالة الإعسار ولا يخفى أن علة هذا الحكم هو رفع الحرج عن بعض الذين ما كانوا يجدون ما يتزوجون به الحرائر
стр. 75
وكذلك كره الله هذا الأمر لما فيه من اشتغال الزوجة بسيادة مالكها، واسترقاق أولادها أيضاً لأن الأولاد تبع للأم (وليس هذا مجال تفصيل هذا الحكم) .
وأما الأمة الكتابية والمجوسية فلا يجوز الزواج بها قطعاً ولذلك لما قيل للإمام أحمد إن أبا ثور يجيز ذلك قال: (هو كاسمه) أي ثور.
وأما الأمور التي أهدرها الشارع في الكفاءة فهي المال واللون والجنس والقبيلة والمنزلة الاجتماعية فكل هذه الاعتبارات مهدرة، ولا تخدش عقد الزواج.
وقد ناقشنا سابقاً في الصفات المثالية كيف يختار الرجل زوجته المناسبة وكيف تختار المرأة زوجها المناسب وقد اعتمدنا في هذا على ما حسنه الشارع أو أثبتته التجارب الصحيحة السليمة. وبهذا يتضح ماذا نعني باشتراط الكفاءة في عقد النكاح.
سابعاً: الصيغة:
اشترط بعض العلماء وجود صيغة دالة على الإيجاب والقبول في عقد النكاح ومعنى الإيجاب: طلب الزوج من المرأة أو وكيلها الزواج ومعنى القبول: رضا الزوجة بصفة
стр. 76
تدل على ذلك أو العكس كأن تقول المرأة أو وكيلها أرضي بك زوجاً فيقول الرجل وأنا قبلت. وشط بعض العلماء فجعل العربية شرط في الصيغة وأن الزواج لا يعقد إلا باللغة العربية. وشبهتهم في هذا أنه عبادة فاشترط ما ليس في كتاب الله فالزواج معاملة فيجوز عقده بالعربية وغيرها. وكذلك هو عقد اختياري فيجوز بكل ما تتم به العقود وما يدل على الرضا بالزواج وكل لفظ يدل على الزواج الشرعي ويحصل به إيجاب وقبول بين طرفي العقد فإنه يعتبر صيغة صحيحة لأن يعقد العقد بها.
وبهذا نكون قد أنهينا الشروط اللازمة لصيغة عقد النكاح.
стр. 77
موانع صحة عقد النكاح
تكلمنا عن الشروط التي يجب توفرها عند عقد العقد، ونبدأ بحول الله في بيان موانع الصحة، وقبل الشروع في ذلك لا بد من معرفة الفرق بين الشرط والمانع. فالشرط أمر وجودي لا بد من توفره ليكون العقد صحيحاً، ويعني عدمه عدم العقد. وأما المانع فيجب أن يكون أمراً عدمياً بمعنى أن وجوده مبطل للعقد أو مفسد له وعدمه من أسباب صحة العقد.. والآن ما الموانع التي يجب الحذر من وجودها قبل عقد النكاح أو دخولها فيه.
وهذه الموانع بالجملة هي العقد على المحارم أو ذوات الأزواج (المحصنات) والشغار -والتحليل- والتأجيل- والزيادة على أربع، والجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها والعقد في وقت الإحرام بالحج أو العمرة وكذلك في العدة. هذه هي جملة الأمور التي يجب الحذر منها عند عقد النكاح في الشريعة الإسلامية وإليك
стр. 78
تفصيل ذلك.
أولاً: العقد على المحارم:
حرم الله سبحانه على الرجال مجموعة من النساء يسمي العلماء هذه المجموعة بالمحارم وهي بأسباب ثلاثة: النسب والمصاهرة والرضاع. فبالنسب تحرم الأم والأخت والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، وبالمصاهرة تحرم أم الزوجة إذا عقد العقد على ابنتها، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها فقط أما بعد العقد فيجوز طلاقها وزواج ابنتها وكذلك زوجة الابن وزوجة الأب فهذه أربع محارم من المصاهرة ومثيلها سبعة من النسب وأما السبب الثالث فهو الرضاع فكل الذين تجمعوا على ثدي واحد فيحرم بعضهم على بعض وكذلك يحرم أنسباؤهم عليهم كما قال ﷺ : [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] فمن رضع من امرأة مثلاً لا يتزوج أختها ولا أمها لأنهما تكونان بمنزلة خالته وجدته هذا فضلاً عن بناتها لأنهن يكن إخواته من الرضاع.
حكمة التحريم:
والحكمة البليغة جداً في هذا التشريع الإلهي وذلك
стр. 79
أن عقد الزواج يفرض واجبات وحقوقاً خاصة وهذه الحقوق والواجبات تتعارض وتختلف مع حقوق الأمومة والأخوة والبنوة ولذلك فلا يجوز الجمع بينهما فمن تزوج أمه مثلاً فكيف يلزمها بعقد الزواج وبطاعته مع العلم أن المفروض أن يطيعها هو لأنها صاحبة حق عليه بالأمومة، وكذلك من تزوج أخته كيف يؤدي حقوق إخوتها وهو يطالبها بحقوق تتنافى مع حق الأخوة. ثم لابد وأن يكون هناك من مجموع النساء ما ينظر إليه الرجل نظرة احترام وتقدير خالية من الاشتهاء لا يتحقق ذلك إلا في إطار المحارم. ثم لا بد وأن يسود الأسرة علاقات فاضلة تقوم على الحب والنصرة والحنان الذي لا يصاحبه اختلاف المصالح كما يحدث في الزوج أو اختلاف الطباع فماذا يحدث لو تزوج الأخ أخته ثم لم يتوافقا فطلقها وحصل بعد الطلاق ما يحدث عادة من الخصام والقطيعة فهل يقاطع الرجل أخته وبذلك يقطع أرحامه وتتمزق الأسرة فالمجتمع.
وإذا كان ظاهراً في النسب فهو أيضاً موجود في المصاهرة والرضاع فأم الزوجة وبنتها، وزوجة الأب وزوجة الابن أدخلن في دائرة المحارم للمعاني السابقة ففيها حفاظ على حق الأب وحق الابن وكذلك حفاظ
стр. 80
على حق الزوجة التي لا يجوز طلاقها بعد الدخول بها للزواج من ابنتها أو طلاق ابنتها ولو بعد العقد للزواج بأمها وكذلك الرضاع وفيه هذه العلة الخفية في التحاق الشخص فيمن رضع منهم كأنه فرد من العائلة. وهذه الدائرة العجيبة من المحارم تورث المجتمع الاتزان والعفة والجو الطيب الذي ينشأ فيه النشء وتتربى عنده عواطف كريمة وما زالت هي أسمى شيء في الوجود الدنيوي إنها عواطف الأبوة والبنوة، والأخوة والرحم، هذه العواطف الكريمة التي داستها المدنية الغربية الزائفة وهي تلهث خلف اللذة والمتعة في عالم موحش مجنون.
ثانياً: الشغار:
الشغار هو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته. وهو المعروف بالبدل وقد جاء في تحريم ذلك أحاديث صحيحة كثيرة منها حديث ابن عمر في صحيح مسلم [لا شغار في الإسلام] وحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم [نهى رسول الله ﷺ عن الشغار] والشغار أن يقول الرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي.
وهذا الزواج باطل يجب فسخه سواء كان بصداق
стр. 81
أو بغير صداق فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكيم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته وقد كانا جعلاه صداقاً فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهما وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ .
وأما حديث ابن عمر الذي رواه الجماعة أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار وفي هذا الحديث زيادة على قول نافع أن الشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق فهذه الزيادة رأي تابعي وهي لا تخصص الحديث العام (لا شغار في الإسلام) ، ومعلوم أن الحكمة من تحريم نكاح الشغار (البدل) هو أن حياة المرأة تبقى معلقة بحياة الأخرى فهي تتعرض للإهانة إذا تعرضت بديلتها وقد تتعرض للطلاق إذا طلقت بديلتها، وفي هذا ظلم، ولا شك أنه دون صداق أشد ظلماً وهضماً لحقوق المرأة.
والزواج يريد من عقد الزواج أن يكون عقداً مقدساً بعيداً عن القلاقل والمساومات والظلم الذي ينغص على الزوجين حياتهما وقد يهدد مستقبل الأبناء.
стр. 82
ثالثاً: نكاح التحليل:
ونكاح التحليل هو ما كان يصنعه وما زال بعض الجهلة والأغنياء والفساق الذي يوقعون ثلاث تطليقات بزوجاتهم ثم يستفتون أشباه العلماء فيفتونهم بأن نساءهم قد حرمت عليهم إلا أن تنكح زوجاً آخر ثم تطلق منه فيعمدون عند ذلك إلى عقد نكاح مفتعل يتزوج بموجبه رجل آخر المرأة المطلقة ثم يفارقها بعد ليلة واحدة ليتزوجها الرجل الآخر، وهذا من أعظم الزنا والفجور، وقد لعن رسول الله ﷺ فاعل ذلك كما هو مروي في حديث ابن مسعود الذي رواه أحمد والترمذي وصححه قال: [لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له] .
واللعن في لغة الرسول لا يكون إلا على كبيرة يستحق صاحبها الطرد من رحمة الله . والمطلقة ثلاثاً التي بانت من زوجها لا تحل أن ترجع لزوجها الأول كما قال : ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ .. الآية. ثم قال تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ -أي الزوج الأول الطلقة الثالثة- ﴿فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله، وتلك
стр. 83
حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾ .
وسيأتي لهذا الأمر مزيد تفصيل إن شاء الله عند بيان (عقد الطلاق) والمهم هنا أن نكاح التحليل يصنعه الجهلة والفساق نكاح باطل، وليس من الدين في شيء. بل ويتنافى مع أقل قواعد الشرف والمروءة ولذلك كان حرياً بالرسول ﷺ أن يلعن فاعله.
رابعاً: نكاح المتعة (التأجيل) :
المانع الرابع الذي يبطل عقد النكاح هو ضرب الأجل لانتهائه وهو ما يسمى بنكاح المتعة. فالأصل في الزواج هو التأييد إذ هو عقد دائم لا يقع الفصل فيه بين الزوجين إلا بأمور أربع هي الطلاق والخلع والظهار واللعان، وسيأتي هذا بالتفصيل إن شاء الله تعالى، وأما الاتفاق بين الزوجين عند عقد العقد على إنهائه في وقت معين فهو مبطل للعقد باتفاق فقهاء الإسلام، وهو ما يسمى بنكاح المتعة إلا من شذ منهم.
وقد كان هذا النوع من النكاح معمولاً به في الجاهلية، وأباحه الرسول ﷺ في بعض أسفاره ولكنه نهى عنه ﷺ في غزوة خيبر وكانت سنة سبع من الهجرة ثم
стр. 84
أباحه أياماً في فتح مكة ولم يخرج المسلمون من مكة حتى حرمه تحريماً أبدياً إلى يوم القيامة وندلل على ما قدمناه بالأحاديث الصحيحة الآتية:
١- أولاً حديث ابن مسعود في الصحيحين قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ومعنى أن ننكح المرأة بالثوب أي أن يكون الثوب ثمناً لهذا الاستمتاع المؤقت..
٢- ثانياً حديث علي بن أبي طالب ﵁ في الصحيحين أيضاً أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، وفي رواية: نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية، وهذا دليل صريح على النهي عن هذا النكاح في غزوة خيبر وكانت في السنة السابعة كما قدمنا.
٣- وأما الحديث الثالث فهو حديث سبرة بن معبد الجهني الذي رواه أحمد ومسلم أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة، قال: (أي سبرة) فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا في متعة النساء - وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ . وفي رواية أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 85
فقال: [يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء فليخل سبيله، ﴿ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً﴾ ] . وهذا الحديث حجة واضحة على أن هذا النكاح حرام إلى يوم القيامة.
ولكن بعض الصحابة غاب عنهم هذا التحريم المؤبد فوقع من بعضهم حوادث فردية في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ولذلك قام فخطب في الناس فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. (رواه ابن ماجة بإسناد صحيح) . وروى ابن جرير بإسناده أن عمر بن الخطاب لما ولي أمر الناس خطب فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد أن حرمها، ولا أجد رجلاً من المسلمين متمتعاً إلا جلدته مائة جلدة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد أن حرمها.
وهذا القول من عمر بمحضر من الصحابة جميعاً وعدم وجود منكر عليه دليل على ثبوت التحريم، وأن الذي أفتى بغير ذلك إنما كان متأولاً غير عالم بنص
стр. 86
التحريم.
حكمة التحريم:
ولا يخفى أن تحريم هذا النكاح فيه من المصالح العظيمة ما فيه لأن هذا النكاح إهدار لكرامة المرأة والرجل أيضاً، وإقامة للعلاقة بينهما على مجرد الاستمتاع دون إرادة الولد والاستقرار والسكن وأما الحكمة في إباحته أول الإسلام فهو للحال الشديد الذي كان فيه المسلمين ولقلة ذات اليد. فكان كالميتة للمضطر ثم أغنى الله المسلمين عن ذلك بما أغدق عليهم من نعمه وبما نقلهم به من عبث الجاهلية إلى نور الإسلام، ولعل إباحته أول الإسلام ثم تحريمه بعد ذلك كان كشأن الخمر التي سمح بها أولاً ثم تدرج التشريع في تحريمها حتى حرمها حرمة قاطعة. وبهذا وصلت الشريعة غاية الكمال في كل النواحي. وخاصة علاقة الرجل بالمرأة حيث شرعت الزواج المؤبد الذي يقوم على الحقوق والواجبات ويحقق غاية الوجود في الأرض.
стр. 87
آثار عقد النكاح
الآثار المترتبة على عقد النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول هو الحقوق والواجبات المشتركة.
القسم الثاني حقوق وواجبات تخص الرجل.
القسم الثالث حقوق وواجبات تخص المرأة.
وسنناقش كل قسم من هذه الأقسام على حده.
أولاً: الآثار المشتركة
حل المعاشرة والاستمتاع:
الأثر الأول من آثار عقد النكاح الصحيح هو حل المعاشرة والاستمتاع، ونعني بالمعاشرة الخلطة والسكنى تحت سقف واحد والحياة معاً، ونعني بالاستمتاع التلذذ البدني والنفسي لكل من الزوجين بالآخر. وهذا حق مشترك للزوجين بالآخر، وواجب أيضاً على كل طرف نحو
стр. 88
الآخر.
وقد جاء الإسلام بما يكفل سعادة الزوجين وإحسان معاشرة كل منهما للآخر، واستمتاعه به على أكمل وجه وأحسن صورة. فقد جاءت الآيات الكثيرة التي تأمر الرجال بإحسان معاشرة النساء، وإمساك المرأة التي يرى الرجل فيها ما يكرهه رجاء أن يبارك الله له فيها كقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ .. وحث النبي على حسن معاشرة النساء وأوصى بهن كثيراً كما قال ﷺ : [خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي] .. وقوله: [استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج. وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، وإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء] . متفق عليه، وفي حديث آخر: [لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر] . (رواه أحمد ومسلم) ، والفرك هو الكراهية.. وقد كان رسول الله ﷺ خير مثال على حسن المعاشرة وطيب الخلق. وجاءت الأوامر الكثيرة في القرآن والسنة أيضاً للمرأة كقوله تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ . والقنوت هنا فسره العلماء بطاعة الزوج.
стр. 89
هذا في المعاشرة والطاعة والعطف والحنان والحب وأما في الاستمتاع البدني فهدى الإسلام في هذا أحسن هدى، فقد جاء في الأمر العام بالاستمتاع بالنساء على أي كيفية كما قال تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين﴾ . غير أن الله نهى عن إتيان النساء وقت الحيض لما في هذا من الأذى والضرر على الزوجين كليهما وليس هذا مجال تفصيل ذلك كما قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ . ولقد جاءت السنة الصحيحة بجواز الاستمتاع بالحائض في غير مكان الحيض، وجاءت السنة والآثار الصحيحة أيضاً بحرمة إتيان النساء في أدبارهن. وهذا من كمال الإسلام وطهارته.
كما جاءت السنة أيضاً بآداب تجعل المباضعة عبادة يتقرب بها إلى الله كما قال الرسول ﷺ : [وفي بضع أحدكم صدقة] .. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: [أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجر] . ولذلك قال ﷺ معلماً ومؤدباً: [لو أن
стр. 90
أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإن قدر بينهما في ذلك ولد لن يضر ذلك الولد الشيطان أبداً] (رواه الجماعة إلا النسائي) .
هذا وقد نهى الرسول ﷺ عن إفشاء أسرار الجماع ونشر أخباره وهذا من كمال الأدب والأخلاق كما قال ﷺ : [إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه: ثم ينشر سرها] . (رواه أحمد ومسلم) ، وأخبر ﷺ في حديث آخر إن مثل هذا كمثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما بالسكة (الطريق) فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه، وهذا معناه أن الخبر في أمر النكاح كالعيان.
وبهذه الأخلاق والآداب يرسي الإسلام قواعده النظيفة الكاملة، في أول أثر من عقد النكاح وهو المعاشرة وحل الاستمتاع.
وهذا مما تجدر الإشارة إليه أنه لم يصح شيء عن تحريم نظر الرجل إلى أي جزء في امرأته ولا المرأة كذلك، هذا ولم يصح أيضاً شيء في نهي عن تجرد المرأة والرجل. وبهذا نجد أن الإسلام لم ينه في هذا إلا بما يعيب على
стр. 91
الحقيقة وأباح ما سوى ذلك مما يعد سعادة واستمتاعاً، وأحاط كل ذلك بحسن المعاشرة وطيبها.
ومن الآثار المشتركة التي تترتب على عقد النكاح: الاستمتاع والمعاشرة، وقد فصلنا ذلك سابقاً ثم التوارث، وثبوت نسب الأولاد هذا مقام تفصيله بحمد الله وتوفيقه.
٢- التوارث:
إذا تم عقد النكاح صحيحاً ومات أحد طرفي العقد (الرجل أو المرأة) ثبت الميراث في مال الميت للحي وقد جعل الله في هذا فريضة محكمة في كتابه فجعل للزوج نصف مال زوجته المتوفاة إذا لم يكن لها ولد منه أو من غيره، وجعل له الربع من مالها إذا كان لها ولد منه أو من غيره.
وأما الزوجة فقد فرض الله لها ربع تركة زوجها إذا لم يكن له ولد منها أو من غيرها ولها الثمن إذا كان له ولد منها أو من غيرها، غير أنها تشترك مع ضرائرها في هذا الثمن إن كان لزوجها المتوفى زوجات غيرها لم يفارقهن. وهذا مفصل في قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين،
стр. 92
ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ .
وهذا الميراث حق في مال الزوجة والزوج بمجرد العقد وحتى لو لم يحصل دخول (ولهذه المسألة مزيد تفصيل مستقبلاً إن شاء الله) .
٣- ثبوت النسب:
عقد النكاح وثيقة تثبت صحة نسب المولود لرجل معين ولكن ذلك لا يتم إلا بشرطين.
أولاً: أن يكون هذا المولود قد ولد بعد مدة كافية لتخلقه جنيناً في بطن أمه وولادته حياً. وجمهور علماء المسلمين أن أقل مدة يثبت فيها صحة النسب هي ستة أشهر، وقد فهموا هذا من الجمع بين النصوص الشرعية، واستقراء الحالات التي كانت في أزمانهم فقد جاء في الحديث الصحيح: [إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح..] الحديث. وهذا يدل على أن حياة الجنين
стр. 93
الإنسانية (الروح) لا تكون إلا بعد مائة وعشرين يوماً أي أربعة أشهر، وأما الحياة الحيوانية فالجنين حي منذ كان حيواناً منوياً وكذلك بعد إخصابه للبويضة وانفصال خلاياه لصناعة الجسم. ولكن الحياة الإنسانية أي الروح لا تكون إلا بعد أربعة أشهر، ويبدو أن حالات الولادة قبل الشهور الستة لا يكتب لها الحياة، وعلى كل حال فعلوم الطب تستطيع الآن الحكم على عمر الجنين وبذلك يعلم صحة النسب بكونه قبل العقد أو بعده.
ثانياً: وأما الشرط الثاني لثبوت النسب فهو الدخول بالمرأة، وهذا الشرط اشترطه جمهور العلماء إلا الإمام أبو حنيفة ﵀ الذي لم يعد هذا شرطاً ولذلك فصحيح في مذهبه أن يعقد رجل قرانه وهو في المشرق بامرأة في المغرب ولم يلتقيا مطلقاً بعد عقد النكاح ثم جاءت بولد أن ينسب هذا الولد له شاء أم أبى ولا يخفى شذوذ هذا القول ومجانبته للصواب وإن كان قائله قد راعى مصلحة الولد في هذا الأمر ولكن لا يجوز لكي نراعي مصلحة الولد والأم أن نهدر مصلحة الأب الذي يجبر على أن ينسب له غير ولده الذي يعلم قطعاً أنه ليس ولده، وكذلك مصلحة المجتمع المسلم الذي يجب التمييز فيه بين أولاد النكاح وأولاد السفاح.
стр. 94
والذين اشترطوا الخلوة من العلماء اكتفوا بأن يثبت خلو الرجل بزوجته أي وقت بعد العقد، وعلى كل حال هذه مسألة اعتبارية خاضعة للعرف والظروف، والمهم في هذا الصدد أن عقد النكاح ضمان للمرأة أن ينسب مولودها إلى نكاح صحيح لا إلى سفاح، وإلزام للرجل أن ينسب له من ولد على فراشه من زوجته التي دخل بها.
وبهذا نرى أن عقد النكاح يترتب عليه من الأمور المشتركة ما لا يترتب على أي عقد في الدنيا فإنه يترتب عليه المخالطة والاستمتاع والتوارث وثبوت النسب وكلها أمور في غاية الأهمية والحساسية، ولذلك كان الاحتياط في هذا العقد والميثاق الغليظ كما سماه الله واجباً وكان إيقاعه كما أمر الله بشروطه وانتفاء موانعه في غاية الأهمية، ولهذا نقول أيضاً إن هدم القواعد التي يبني عليها عقد النكاح معناه هدم للحضارة الإنسانية الأخلاقية وإرجاع للإنسان إلى مرتبة الحيوان الذي يكتفي بالتناسل فقط دون هوية واسم ودون شخصية مستقلة.
ثانياً: آثار عقد الزواج على الرجل خاصة
قدمنا أن عقد الزواج من أعجب العقود في الأرض وذلك للعلاقات الخاصة والمتشابكة والآثار العظيمة التي
стр. 95
يخلفها عقد الزواج فهذا العقد يترتب عليه مسائل مالية وعاطفية وخلقية ونفسية وأمور أخرى في غاية الحساسية والتعقيد ولا نستطيع أن نأتي بمسطرة وقلم ونخط خطاً ونقول هنا يقع حق الزوج وواجباته وها هي حقوق الزوجة وواجباتها، ومن ظن أنه يستطيع أن يفعل ذلك فهو واهم تماماً ولا يدرك على الحقيقة ماهية هذا العقد العجيبة وآثاره في النفس والحياة. وحتى في الأمور الظاهرية الحسية فإن تحديد مقدار الحق والواجب في غاية الصعوبة والحرج فمن يستطيع أن يقدر مقدار النفقة الواجبة للزوجة على زوجها تحديداً فاصلاً أيضاً وإذا كان هذا هو الشأن في هذه الأمور الظاهرة الحسية المادية فكيف في الأمور المعنوية وكيف أيضاً في الأمور السرية والخاصة بين الزوجين؟ ولذلك فنحن عندما نقول الحق والواجب في عقد الزواج فإنما نعني الخطوط العريضة فقط والعموميات فقط لعلاقات من أدق علاقات الأرض ولا نعني المدلول لهاتين الكلمتين (الحق والواجب) .
ولذلك نجد أن الإسلام في توجيهه لهذا العقد قد أرشد إلى الإحسان والبر وهي منزلة متقدمة فوق الحقوق والواجبات ومعنى هذا أن الرجل والمرأة كليهما يجب أن ينظرا ويجتهدا نحو تحقيق الإحسان والفضل وأنهما لا ينبغي
стр. 96
لهما أن يقفا فقط عند الحق والواجب، وباب الإحسان والفضل والبذل والتضحية والوفاء باب واسع جداً لا تحده الحدود ولا تقف أمامه السدود فكلما كان الرجل معطاء كريماً شجاعاً متسامحاً كان أحظى عند الزوجة وأعظم مكانة وأكثر استفادة بزواجه وكلما كانت المرأة وفية مخلصة متفانية في خدمة زوجها ملغية ذاتها في ذاته كانت سعيدة محبوبة مبجلة، وإذا وجد العكس وهو الشح ومطالبة كل منهما بما له أولاً عند الطرف الآخر وتأخير سداد ما عليه نحو الآخر كلما كان الزواج فاشلاً والحياة صعبة ثقيلة متكلفة.
وعلى ضوء من هذين الأمرين نناقش قضية الحق والواجب في عقد الزواج وهما:
أولاً: نحن لا نملك حداً فاصلاً بين ما للزوج وما عليه نحو زوجته وما للزوجة وما عليها نحو زوجها ولكننا نملك خطوطاً عريضة فقط.
ثانياً: لا يجوز بتاتاً أن يقام عقد الزواج على ما الذي لي وما الذي لك ولكن يجب أن يقوم على: ما المقدار الذي أستطيع أن أبذله لك وما المدى الذي يستطيع الطرف الآخر أن يقدمه لي وهذا هو باب
стр. 97
الإحسان والفضل والحب والرحمة والوداد ومن هذا المنطق نستطيع تحديد واجبات الرجل نحو زوجته بما يلي:
١- النفقة:
وهذا يعني أن يقوم الزوج بالإنفاق على زوجته منذ عقد العقد وحتى الانفصال عنها بأي صورة (كما سيأتي هذا مفصلا إن شاء الله) وهذه النفقة تشمل كل لوازم الزوجة من طعام ومسكن وكسوة ونحو ذلك وأن لا يلزم المرأة شيئاً من هذا أصلاً سواء كانت مالكة وغنية أم لا. وأن العمل بقصد الكسب ليس واجباً على المرأة بحال وعلى ضوء القواعد السابقة فلا تحديد لحجم النفقة وكيفيتها وفي هذا يقول تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها﴾ .
٢- إحسان المعاشرة:
وهذه أيضاً قضية عامة لا نستطيع تحديدها في قوالب قانونية لأن قضية المعاشرة أمر أخلاقي والأخلاق كثيرة منها ما لا يستطيع أن يضبطه القانون فهل تطالب المرأة زوجها مثلاً أن يبتسم إذا رآها وأن يهش للقائها؟..
стр. 98
وهذا لا نشك أنه من حسن المعاشرة ولكن لا نستطيع أن نسن ذلك بقانون ولا أن يجبر إنسان على فعله. ولذلك فأمر إحسان المعاشرة أمر واسع خلاصته وجوب اتباع مكارم الأخلاق في المعاشرة وهذا يعني أن لا تقبيح للزوجة، ولا سباب ولا لعن، وإنما لين جانب، وبذل معروف.
٣- القوامة:
ونعني بالقوامة كون الرجل مسؤولاً عن تقويم زوجته وأن له الكلمة الأخيرة في شئون الحياة الزوجية، وهذا الأمر قد ينظر أناس إليه أنه حق للرجل ولكن يحسن بنا أن نجعله واجباً لا حقاً، فالرجل مسئول عن زوجته لأنها رعية استرعاها الله إياها كما قال ﷺ : [والرجل في بيته راع وهو مسئول عن رعيته] .
والقوامة لا تعني التسلط والقهر ولا إنفاذ رأي الرجل صواباً كان أو خطأ وإنما تعني حسن السياسة وإدارة دفة الحياة الزوجية على وجه الشورى والإحسان والحرص الدائم على بذل النصح والخير، والوقوف الحازم أمام الانحراف والنشوز.
هذه هي أهم واجبات الرجل نحو زوجته ولا شك
стр. 99
أن رجلاً يستطيع أن يقوم بهذه الواجبات على الوجه الأكمل إلا أن يكون زوجاً صالحاً.
ثالثاً: آثار عقد الزواج على المرأة خاصة
يفرض عقد النكاح حقوقاً للرجل نحو زوجته أو واجبات على الزوجة نحو زوجها، ونستطيع إيجاز هذه الواجبات في الأمور الثلاثة الآتية:
١- الطاعة:
بما أن القوامة على الأسرة واجب من الله يسأل عنه الرجل يوم القيامة ويسأل عنه الرجل في الدنيا أيضاً أمام المجتمع وولي الأمر فإن من مستلزمات القوامة للرجل أن يطاع من قبل من جعلهم الله في كفالته ورعايته، ولا نتصور أن يكون الرجل قواماً في بيته متكفلاً بشئون أسرته (زوجته وأولاده) ولا يكون مطاعاً من زوجته وأولاده، ولذلك فطاعة المرأة لزوجها حق يفرضه الله أولاً وتقتضيه مصالح الأسرة ونظامها ثانياً، وتفرضه الضرورة والواجب ثالثاً. ونعني بالضرورة الخلقة والجبلة والفطرة وهذا لا يماري فيه إلا مكابر، ونعني بالواجب الالتزام
стр. 100
الأدبي والخلقي الذي يفرضه إنفاق الرجل على زوجته وكفالته لها فلا أقل من الطاعة والإذعان لأمره.
والطاعة بالضرورة لا تعني الاستعباد والتسلط والقهر وتبرير الخطأ لأنه صدر من الرجل. لا وإنما تعني الطاعة في نظام الإسلام الطاعة في المعروف إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والالتزام حيث يحسن الالتزام ولا نعني مطلقاً السير في الخطأ والاستبداد بالرأي، والإكراه، وميادين الطاعة الواجبة لا تحصرها غير أنها مقيدة كما قلنا بالمعروف والاستطاعة ومن ميادين الطاعة الواجبة الخدمة (وسنفرد لها فصلاً مستقلاً وإن كانت هي بذاتها فرداً من أفراد الطاعة) وكذلك الطاعة في الفراش وقد جاءت أحاديث بخصوص الطاعة في هذا الأمر كقوله ﷺ : [إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح] . (متفق عليه) ، وهذا زجر شديد من الرسول ﷺ أن تمتنع المرأة عن فراش زوجها علواً أو نشوزاً ونفوراً. واللعن هذا لا يكون إلا في فعل حرام أو ترك واجب.
٢- الخدمة:
الخدمة المنزلية من ميادين الطاعة وقد سبق أن هذا
стр. 101
حق من حقوق الرجل، وواجب على المرأة، وليس هناك تحديد شرعي أيضاً لمواصفات الخدمة والذي يحدد هذا أيضاً هو العرف والمعروف، وقد أبعد جداً من ظن أن الخدمة المنزلية ليست واجباً على المرأة نحو زوجها إلا طاعة الفراش فقط، وهذا الفهم إساءة بالغة لمعنى عقد النكاح في الإسلام، وقد كانت الصحابيات بما فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ يخدمن أزواجهن، ويلقين العنت والتعب في هذه الخدمة ولم يقل رسول الله ﷺ يوماً أن لا يجب على امرأة أن تخدم زوجها بل على العكس من ذلك أمر رسول الله ﷺ النساء بطاعة أزواجهن كما أمر الأزواج بالإحسان إلى النساء. والخدمة أيضاً قضية فطرية جبلية من المرأة نحو زوجها وموافقة الفطرة هي السعادة الحقيقة ولا شك أن أسعد النساء حظاً في الحياة الزوجية أكملهن طاعة وخدمة لأزواجهن وأشقاهن في حياتهن الزوجية من يتخلين عن هذه المهمة الفطرية التي جاء عقد الزواج ليوجبها ويحقها.
ومن فضلة القول أن هذه الخدمة واجبة على المرأة نحو زوجها فقط وليست واجبة نحو أهل الزوج إلا أن يكون هذا تطوعاً منها وإحساناً وإرضاءً للزوج وتحبباً إليه.
стр. 102
٣- القنوت:
والقنوت يطلق في اللغة إطلاقات كثيرة ونعني به هنا حبس المرأة نفسها على زوجها فقط حيث لا يكون في قلبها ووقتها شغل بغيره.
فعقد الزواج ينقل طاعة المرأة من والديها إلى الزوج رأساً ليكون هو الولي المباشر وليكون برها وطاعتها بوالديها من بعد طاعتها لزوجها. وهكذا أيضاً في الآخرين فلا يجوز لامرأة أن تجعل من نفسها نصيباً في خدمة أو تطلع لغير زوجها إلا بإذنه. فالمرأة أسيرة عند الرجل محبوسة عليه وحده ولاءً وطاعة وخدمة، وهذا هو الموقف الشرعي والموقف الفطري والأخلاقي الكامل. ومن هذا الباب كان الرجل مطالباً في الإسلام برعاية زوجته رعاية كاملة لهذا كما قال النبي ﷺ : [اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم] والعاني هو الأسير أي أسيرات.
فيجب أن تعلم المرأة المسلمة أن عقد الزواج يفرض عليها هذا الأسر الاختياري وهو أسر محبب ولا شك عند المرأة. والزوجة التي تستطيع أن تراعي حقوق وواجبات هذا الأسر هي المرأة المثالية ولا شك أن الرجل والمرأة إذا بذل كل منهما ما أسند إليه من مهمات وتفاني
стр. 103
كل منهما في إسعاد الآخر وإدخال السرور على نفسه فإنهما سيحققان السلام الحق والسعادة المنزلية الكاملة.
стр. 104
ضمانات لاستقرار الأسرة
أولاً: موافقة الفطرة:
كان من رحمة الله أن جعل السعادة في الأسرة والاستقرار لها منوط بالقيام بالوظائف والتكاليف التي وزعها على أفرادها. فإذا كان الرجل رجلاً وفي مكانه الصحيح قائماً بما عليه من واجبات والمرأة امرأة وفي مكانها السليم من حيث الخلق والتشريع وقائمة بما أوجب الله عليها، وكذلك الأبناء أبناء حقيقيون قائمون بما أوجب الله عليهم من طاعة لوالديهم وحب وتقدير لهم. أقول إذا كان كل واحد من هؤلاء في مكانه الصحيح استقامت أحوال الأسرة فإذا اختل شيء منها اختل الآخر. فلو تأبت المرأة مثلاً أن تنجب أولاداً بدعوى أن في هذا تعطيلاً لملاذها وشهوتها فإنها أول من تشقى بذلك نفسياً وروحياً. وإذا قامت الزوجة بهذا الذي خلقها الله سبحانه من أجله فإنها مع شقائها وتعبها ووهنها تسعد أيما سعادة، وليس
стр. 105
هناك سعادة عند المرأة تعادل إحساسها بتحرك الجنين في أحشائها، وبصراخ الطفل نحوها، وبسهرها ليلة في جوار سريره. مع تعبها العظيم من كل ذلك. ولكن الرب الرحيم جعل في هذه المشقات التي كتبها عليها كتابة كونية قدرية سعادة نفسية هائلة وهذا الأمر نفسه متحقق في طاعة الزوجة للواجبات الشرعية التي كلفها الله بها. فسعادة المرأة في طاعة زوجها، وترك رأيها لرأيه وإذعانها أحياناً لرغباته وإرضائها له فليس هناك أسعد من زوجة وفية مخلصة في كنف زوج بار مخلص عفيف - واليوم الذي تظن فيه المرأة أنها أصبحت نداً للرجل وأن رأيها يجب أن يكون قبل رأيه، وأن رأسها يجب أن تكون معادلة لرأسه أقول هذا الوقت تبدأ شقاوتها وتعاستها.
نخرج من كل هذا بفائدة هامة وهي أن نعلم جميعاً أن سعادتنا رجالاً ونساءً منوطة بأن نكون عند الأوامر الشرعية التي وزعها الله علينا فالرجل السعيد في حياته الزوجية هو الرجل القائم بالواجبات التي كلفه الله بها والمطالب بالحقوق التي أعطاها الله له، والمرأة السعيدة هي المرأة القائمة بالواجبات التي كلفها الله بها والمطالبة بالحقوق التي منحها الرب إياها. وأي إخلال أو اختلال بهذه الحقوق والواجبات الشرعية معناه الهدم للنظام
стр. 106
الأسري وبالتالي الهدم للسعادة والاستقرار.
ثانياً: الحكمان عند الخلاف:
الزوج والزوجة قد يختلفان ويصل الخلاف إلى نقطة لا يستطيعان علاجها بمفردهما. وهنا أمر الله برد هذا الخلاف إلى حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة. قال تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريداً إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً﴾ .
وذلك أن الفرد قد يملك القدرة أحياناً على حل مشاكل الآخرين ولكنه يعمى عن مشكلة نفسه. فمهما كان الرجل حكيماً عالماً فإنه في مشاكله الخاصة يكون أقل قدرة على الحل ولذلك نجد أن كثيراً من النساء ينجحون كثيراً في الصلح والتوفيق بين الناس، ولكنهم قد يفشلون أحياناً في حل مشاكلهم أنفسهم، ولذلك كان واجب الاستعانة بالآخرين وخاصة المرأة يساعدها كثيراً أن ينوب عنها في حل بعض مشاكلها المعقدة مع زوجها أن تلجأ إلى أب أو عم أو أخ يملك القدرة على فهم أمورها والوصول إلى حلول لمشاكلها مع زوجها. فإذا عجز الزوج أن يصل مع زوجته إلى حل لمشكلة ما. فإن الواجب أن
стр. 107
يرد هذه المشكلة إلى حكم من أهله وحكم من أهلها.
والحكمة في اختياره من الأهل ألا تنتشر أسرار البيوت، وأن لا يعير الأبناء بما كان من أخلاق في الآباء، فاللجوء إلى المحاكم والقضاة في كل مشاكل الزواج أمر في غاية الخطورة لأن علاقة الزوج بزوجته علاقة خاصة جداً، وتنشأ المشاكل كثيراً في هذه العلاقات الخاصة. ونشر هذه العيوب في المحاكم وأمام القضاة والشهود إنما هو فضح للأسرار، وكسر للقلوب فحتى لو تم الصلح أمام القاضي فإن المشكلة ستبقى لأنه ولا بد أن يخرج إلى الناس أسراراً كان يحب كل من الزوج والزوجة أن تظلا مخفية ولذلك كان من رحمته وإرشاده أمرنا بدعوة الحكمين عند الخلاف المستعصي والأمر في بعث الحكمين قال بعض العلماء هو خطاب للزوجين، وقال آخرون بل خطاب لولي الأمر، قول ثالث إنه خطاب للمؤمنين الذي يطلعون على ما حدث بين الزوجين من خلاف والصحيح أنه خطاب عام وذلك أن استقرار الزواج لا يهم الزوجين فقط وإنما يهم ولي الأمر، لأن هذا من شئون الرعية التي استرعاه الله إياها، ويهم كل مسلم لأن المؤمنين كالجسد الواحد ولا بد أن تفزع إذا اشتكى عضو، وشقاق الأزواج من أعظم الآلام والمشاكل
стр. 108
ولذلك كان لا بد من الاهتمام به ولا شك أن مشاكل الزوجين تهمهما أولاً ولذلك وجب عليهما في المقام الأول أن يلجأ إلى الحكمين إذا تعذر عليهما الحل وبهذه الضمانة تبقى الأسرة الإسلامية في إطارها الصحيح من الاستقرار والثبوت ونستطيع أن نلخص هذه القواعد فيما يأتي:
(أ) أن يؤدى عقد الزواج بشروطه كما أمر الله من رضا وشهود، وولي، ومهر، وكفاءة وغير ذلك من شروط.
(ب) أن نمتنع عن كل ما يبطل هذا العقد كفقد شرط من الشروط السابقة أو نلجأ إلى نكاح محرم كنكاح الشغار والتحليل والنكاح المؤقت.
(ج) أن نحذر من أن نضع في عقد النكاح شرطاً ليس في كتاب الله كاشتراط العصمة وغير ذلك من الشروط الفاسدة التي تفسد العقد أو تمنع نفاذه وأن نوفي بالشروط التي التزمنا بها كما قال ﷺ : [إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم من الفروج] .
(د) أن يقوم كل من الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات التي كلفهم الله بها وأن يعلم كل منهما أن تعديه على حق الآخر إنما هدم لنظام رباني وهو تماماً كهدم
стр. 109
الفطرة والخلق لأن الحكم من عند الله والخلق من عنده فكما خلق فهو يحكم سبحانه تعالى كما قال جل وعلا: ﴿له الخلق والأمر﴾ ، فكما أن الخلق له فالأمر له ، وكل من عارض الخلق شقى وكذلك كل من عارض أمره شقى ولا بد.
(هـ) أن يعلم كل من الرجل والمرأة الفطرة التي فطرها الله عليهما، فإذا عرف المرء نفسه عرف كيف يعالجها ويقومها وإذا جهلها جهل سبل التقويم والعلاج بل والصلاح أيضاً، فكيف يسعد نفسه من يجهلها؟ وكذلك أن يعرف الرجل شيئاً عن طبيعة المرأة ونفسيتها، وأن تعرف المرأة شيئاً عن طبيعة الرجل الخاصة ونفسيته وكيف يحب وكيف يكره وهذا العلم ضروري لإحسان التعامل بين كل من المرأة والرجل.
(و) أن يلجأ الزوج والزوجة إذا استشرى بينهما خلاف إلى أقرب حكم ناصح من أهله ليساعدها على الخروج من خلافهما وبذلك يضمنان سعادة وحلاوة لزواج إسلامي نظيف طاهر.
стр. 110
الخلاف بين الزوجين وطرق علاجه
يندر في الواقع أن يعيش زوجان دهراً من عمرهما دون أن تطرأ في حياتهما مشكلات وخلافات.
ولذلك فعلينا أن نتقبل الخلافات الزوجية على أنه أمر لا مفر منه أو هو شر لا بد منه ولا يعني ذلك أن نستسلم للخلاف وألا نأبه له عند حدوثه فالخلاف شر وهو يعكر النفوس ويقتل بهجة الحياة الزوجية وعلينا أن نفر منه بكل سبيل ولكن ينبغي أيضاً أن لا نظن أن الكارثة قد وقعت عند أي خلاف مهما كان ويجب أن نعلم أيضاً أن لكل جرح دواء وعلينا أن نحاول دائماً ولا نيأس من علاج مطلقاً وفوق هذه القاعدة نستطيع أن نؤسس حياة زوجية سعيدة.
وهذه مجموعة من قواعد وإرشادات ونصائح أرجو إن اتبعها الزوجان أن يسعدا ويقضيا على كل خلاف ينشأ بينهما:
следующие страницы →