← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عادوا إلى القصر ثمّ رجعوا إلى الوزير ثمّ عادوا إلى القصر ونحن وقوف ثمّ أمرنا بالجلوس في سقيف هنالك، ثمّ أتوا بالطعام واتو بقلال من الذهب يسمّونها السّين، بضمّ السين والياء آخر الحروف، وهي مثل القدور، ولها مرافع من الذهب تجلس عليها، يسمّونها السّبك، بضمّ السين وبضم الباء الموحدة، وأتوا بأقداح وطسوت وأباريق كلّها ذهب، وجعلوا الطعام سماطين، وعلى كلّ سماط صفّان، ويكون في رأس الصفّ كبير القوم الواردين. ولمّا تقدّمنا للطعام خدم الحجّاب والنقباء، وخدمنا لخدمتهم، ثمّ أتوا بالشربة فشربنا، وقال الحجّاب: بسم الله، ثمّ أكلنا واتوا بالفقّاع ثمّ بالتنبول، ثمّ قال الحجّاب: بسم الله، فخدمنا جميعا، ثمّ دعينا إلى موضع هنالك فخلع علينا خلع الحرير المذهّبة، ثمّ أتوا بنا إلى باب القصر فخدمنا عنده، وقال الحجّاب: بسم الله، ووقف الوزير ووقفنا معه، ثمّ أخرج من داخل القصر تخت ثياب غير مخيطة من حرير وكتّان وقطن، فأعطى كلّ واحد منّا نصيبه منها، ثمّ أتوا بطيفور ذهب فيه الفاكهة اليابسة، وبطيفور مثله فيه الجلّاب وطيفور ثالث فيه التنبول. ومن عادتهم انّ الذي يخرج له ذلك يأخذ الطيفور بيده ويجعله على كاهله ثمّ يخدم بيده الأخرى إلى الأرض، فأخذ الوزير الطيفور بيده قصد أن يعلمني كيف أفعل إيناسا منه وتواضعا ومبرّة، جزاه الله خيرا، ففعلت كفعله، ثمّ انصرفنا إلى الدار المعدّة لنزولنا بمدينة دهلي، وبمقربة من دروازة بالم منها «٨١» ، وبعثت لنا الضيافة. ذكر الضيافة ولمّا وصلت إلى الدار التي أعدّت لنزولي وجدت فيها ما يحتلج إليه من فرش وبسط وحصر واوان وسرير الرّقاد، وأسرّتهم بالهند خفيفة الحمل، يحمل السرير منها الرجل الواحد، ولا بدّ لكلّ احد أن يستصحب السرير في السفر يحمله غلامه على رأسه وهو أربع قوائم مخروطة، يعرض عليها أربعة أعواد، وتنسج عليها ضفائر من الحرير أو القطن، فإذا نام الانسان عليه لم يحتج إلى ما يرطّبه به لأنّه يعطي الرطوبة من ذاته. وجاءوا مع السرير بمضرّبتين ومخدّتين ولحاف، كلّ ذلك من الحرير وعادتهم أن يجعلوا للمضرّبات واللّحوف وجوها تغشيها من كتّان أو قطن بيضا، فمتى توسّخت غسلوا الوجوه المذكورة وبقى ما في داخلها مصونا.

стр. 807

وأتوا تلك الليلة برجلين أحدهما الطاحوني وسمونه الخرّاص والآخر الجزّار ويسمّونه القصّاب، فقالوا لنا: خذوا من هذا كذا وكذا من الدقيق، ومن هذا كذا وكذا من اللحم، لأوزان لا أذكرها الآن. وعادتهم أن يكون اللحم الذي يعطون بقدر وزن الدقيق، وهذا الذي ذكرناه ضيافة أمّ السلطان، وبعد ذلك وصلتنا ضيافة السلطان، وسنذكرها، ولمّا كان من غد ذلك اليوم ركبنا إلى دار السلطان وسلّمنا على الوزير فأعطاني بدرتين: كلّ بدرة من ألف دينار دراهم، وقال لي هذه سرششتي «٨٢» ومعناه لغسل رأسك وأعطاني خلعة من المرعزّ، وكتب جميع أصحابي وخدّامي وغلماني فجعلوا أربعة أصناف، فالصنف الأول منها أعطى كلّ واحد منهم مائتي دينار، والصنف الثاني أعطى كلّ واحد منهم مائة وخمسين دينارا، والصنف الثالث اعطى كلّ واحد مائة دينار، والصنف الرابع اعطى كلّ واحد خمسة وسبعين دينارا، وكانوا نحو أربعين، وكان جملة ما أعطوه اربعة آلاف دينار ونيفا. وبعد ذلك عيّنت ضيافة السلطان، وهي ألف رطل هنديّة من الدقيق، ثلثها من الميرا، وهو الدّرمك، وثلثاها من الخشكار وهو المدهون، وألف رطل من اللحم، ومن السكّر والسمن والسليف «٨٣» والفوفل أرطال كثيرة لا أذكر عددها، والألف من ورق التنبول، والرطل الهنديّ عشرون رطلا من أرطال المغرب، وخمسة وعشرون من أرطال مصر، وكانت ضيافة خذا وندزادة أربعة آلاف رطل من الدقيق ومثلها من اللحم مع ما يناسبها مما ذكرناه. ذكر وفاة بنتي وما فعلوا في ذلك . ولمّا كان بعد شهر ونصف من مقدمنا توفّيت بنت لي سنّها دون السنة «٨٤» ، فاتّصل خبر وفاتها بالوزير فأمر أن تدفن في زاوية بناها خارج دروازة بالم بقرب مقبرة هنالك لشيخنا ابراهيم القونويّ، فدفنّاها بها، وكتب بخبرها إلى السلطان فأتاه الجواب في عشّى اليوم الثاني، وكان بين متصيّد السلطان وبين الحضرة مسيرة عشرة ايّام. وعادتهم أن يخرجوا إلى قبر الميت صبيحة الثالث من دفنه ويفرشون جوانب القبر بالبسط وثياب الحرير ويجعلون على القبر الأزاهير، وهي لا تنقطع هنالك في فصل من

стр. 808

الفصول كالياسمين وقل شبه «٨٥» ، وهي زهر أصفر، وريبول وهو ابيض، والنسرين وهو على صنفين أبيض واصفر، ويجعلون أغصان النارنج والليمون بثمارها، وان لم يكن فيها ثمار علّقوا منها حبّات بالخيوط، ويصبّون على القبر الفواكه اليابسة، وجوز النارجيل، ويجتمع الناس ويؤتى بالمصاحف فيقرءون القرآن فإذا ختموه أتوا بماء الجلّاب فسقوه الناس، ثمّ يصبّ عليهم ماء الورد صبّا ويعطون التنبول وينصرفون. ولمّا كان صبيحة الثالث من دفن البنت خرجت عند الصبح على العادة وأعددت ما تيسّر من ذلك كلّه، فوجدت الوزير قد أمر بترتيب ذلك، وأمر بسراجة فضربت على القبر، وجاء الحاجب شمس الدين الفوشنجيّ الذي تلقّانا بالسند، والقاضي نظام الدين الكرواني، وجملة من كبار اهل المدينة ولم آت إلّا والقوم المذكورون قد اخذوا مجالسهم والحاجب بين أيديهم وهم يقرءون القرآن، فقعدت مع أصحابي بمقربة من القبر فلمّا فرغوا من القراءة، قرأ القراء بأصوات حسان ثمّ قام القاضي فقرأ رثاء في البنت المتوفّاة وثناء على السلطان، وعند ذكر اسمه قام الناس جميعا قياما فخدموا ثمّ جلسوا ودعا القاضي دعاء حسنا. ثمّ اخذ الحاجب واصحابه براميل ماء الورد فصبّوه على الناس ثمّ داروا عليهم بأقداح شربة النّبات ثمّ فرقوا عليهم التنبول، ثمّ أتي بإحدى عشرة خلعة لي ولأصحابي، ثمّ ركب الحاجب وركبنا معه إلى دار السلطان فخدمنا للسّرير على العادة وانصرفت إلى منزلي، فما وصلت الّا وقد جاء الطعام من دار المخدومة جهان ما ملأ الدار ودور أصحابي وأكلوا جميعا وأكل المساكين وفضلت الأقراص والحلواء والنبات فأقامت بقاياها إيّاما، وكان فعل ذلك كلّه بامر السلطان. وبعد ايّام جاء الفتيان من دار المخدومة جهان بالدولة «٨٦» وهي المحفّة التي يحمل فيها النساء ويركبها الرجال أيضا وهي شبه السرير سطحها من ضفائر الحرير أو القطن وعليها عود شبه الذي على البوجات عندنا معوّج من القصب الهندي المغلوق، ويحملها ثمانية رجال في نوبتين: يستريح أربعة ويحمل أربعة، وهذه الدّول بالهند كالحمير بديار مصر، عليها يتصرّف أكثر الناس، فمن كان له عبيد حملوه ومن لم يكن له عبيد اكترى رجالا يحملونه، وبالبلد منهم جماعة يسيرة يقفون في الأسواق، وعند باب السلطان وعند ابواب الناس للكراء وتكون دول النساء مغشاة بغشاء حرير، وكذلك كانت هذه الدولة التي اتى الفتيان بها من دار امّ السلطان فحملوا فيها جاريتي التي هي امّ البنت المتوفّاة، وبعثت أنا معها عن هديّة جارية تركيّة، فأقامت الجارية امّ البنت عندهم ليلة وجاءت في اليوم الثاني وقد

стр. 809

اعطوها الف دينار دراهم وأساور ذهب مرصّعة وتهليلا «٨٧» من الذهب مرصّعا أيضا وقميص كتّان مزركشا بالذهب وخلعة حرير مذهّبة وتختا بأثواب، ولمّا جاءت بذلك كلّه أعطيته لأصحابي، وللتجار الذين لهم عليّ الدّين محافظة على نفسي وصونا لعرضي لأنّ المخبرين يكتبون إلى السلطان بجميع أحوالي. ذكر إحسان السلطان والوزير إلىّ في ايّام غيبة السلطان عن الحضرة وفي أثناء مقامي أمر السلطان أن يعيّن لي من القرى ما يكون فائدة خمسة آلاف دينار في السنة، فعيّنها لي الوزير وأهل الديوان وخرجت إليها فمنها قرية تسمّى بدلي، بفتح الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسر اللام، وقرية تسمّى بسهي، بفتح الباء الموحدة والسين المهمل وكسر الهاء، ونصف قرية تسمّى بلرة «٨٨» ، بفتح الباء الموحدة واللام والراء، وهذه القرى على مسافة ستّة عشر كروها وهو الميل بصدي، يعرف بصدي هندبت، والصّدي عندهم مجموع مائة قرية، وأحواز المدينة مقسومة أصداء، كلّ صدي له جوطري «٨٩» وهو شيخ من كفار تلك البلاد، ومتصرف، وهو الذي يضمّ مجابيها. وكان قد وصل في ذلك الوقت سبى من الكفار فبعث الوزير اليّ عشر جوار منه فأعطيت للذي جاء بهنّ واحدة منهنّ، فما رضي بذلك! وأخذ أصحابي ثلاثا صغارا منهن، وباقيهنّ لا أعرف ما اتّفق لهنّ، والسبى هنالك رخيص الثمن لانّهن قذرات لا يعرفن مصالح الحضر والمعلّمات رخيصات الأثمان، فلا يفتقر أحد إلى شراء السبى. والكفار ببلاد الهند في برّ متّصل وبلاد متّصلة مع المسلمين، والمسلمون غالبون عليهم، وانّما يمتنع الكفار بالجبال والأوعار، ولهم غيضات من القصب، وقصبهم غير مجوف، ويعظم، والتفّ بعضه على بعضه على بعض ولا تؤثر فيه النّار، وله قوّة عظيمة فيسكنون تلك الغياض، وهي لهم مثل السور وبداخلها تكون مواشيهم وزروعهم، ولهم فيها المياه مما يجتمع من ماء المطر فلا يقدر عليهم إلّا بالعساكر القوية من الرجال الذين يدخلون تلك الغياض ويقطعون تلك القصب بالات معدّة لذلك.

стр. 810

ذكر العيد الذي شهدته أيام غيبة السلطان وأظلّ عيد الفطر «٩٠» والسلطان لم يعد بعد إلى الحضرة فلمّا كان يوم العيد ركب الخطيب على الفيل وقد مهّد له على ظهره شبه السرير وركزت أربعة أعلام في أركانه الأربعة ولبس الخطيب ثياب السّواد وركب المؤذنون على الفيلة يكبّرون أمامه وركب فقهاء المدينة وقضاتها وكلّ واحد منهم يستصحب صدقة يتصدّق بها حين الخروج إلى المصلّى، ونصب على المصلّى صيوان قطن وفرش ببسط، واجتمع الناس ذاكرين لله، تعالى، ثمّ صلّى بهم الخطيب وخطب وانصرف الناس إلى منازلهم وانصرفنا إلى دار السلطان، وجعل الطعام، فحضره الملوك والأمراء والأعزّة وهم الغرباء وأكلوا وانصرفوا. ذكر قدوم السلطان ولقائنا له ولما كان في رابع شوّال نزل السلطان «٩١» بقصر يسمّى تلبت «٩٢» ، بكسر التاء المعلوّة الأولى وسكون اللام وفتح الباء الموحدة ثمّ تاء كالأولى، وهي على مسافة سبعة أميال من الحضرة، فأمرنا الوزير بالخروج إليه فخرجنا، ومع كلّ إنسان هديّة من الخيل والجمال والفواكه الخراسانيّة والسيوف المصريّة والمماليك، والغنم المجلوبة من بلاد الأتراك، فوصلنا إلى باب القصر وقد اجتمع جميع القادمين فكانوا يدخلون إلى السلطان على قدر مراتبهم ويخلع عليهم ثياب الكتّان المزركشة بالذهب. ولمّا وصلت النوبة إليّ دخلت فوجدت السلطان قاعدا على كرسيّ فظننته أحد الحجّاب حتّى رأيت معه ملك النّدماء ناصر الدين الكافيّ الهرويّ، وكنت عرفته ايّام غيبة السلطان، فخدم الحاجب فخدمت، واستقبلني أمير حاجب وهو ابن عمّ السلطان المسمّى بفيروز، وخدمت ثانية لخدمته، ثمّ قال لي ملك النّدماء: بسم الله، مولانا بدر الدين، وكانوا يدعونني بأرض الهند بدر الدين وكلّ من كان من أهل الطلب إنّما يقال له مولانا، فقربت من السلطان حتّى أخذ بيدي وصافحني وامسك يدي وجعل يخاطبني بأحسن خطاب، ويقول لي باللسان

стр. 811

الفارسيّ: حلّت البركة، قدومك مبارك أجمع خاطرك، أعمل معك من المراحم وأعطيك من الإنعام ما يسمع به أهل بلادك فياتون إليك. ثم سألني عن بلادي فقلت له: بلاد المغرب، فقال لي: بلاد عبد المؤمن «٩٣» ؟ فقلت له: نعم. وكان كلّما قال لي كلاما جيّدا قبّلت يده حتّى قبّلتها سبع مرّات، وخلع عليّ وانصرفت. واجتمع الواردون فمدّ لهم سماط ووقف على رؤوسهم قاضي القضاة صدر الجهان ناصر الدين الخوارزميّ، وكان من كبار الفقهاء، وقاضي قضاة المماليك صدر الجهان كمال الدين الغزنويّ، وعماد الملك عرض المماليك، والملك جلال الدين الكيجيّ «٩٤» ، وجماعة من الحجّاب والأمراء، وحضر لذلك خذاوند زادة غياث الدين ابن عمّ خذاوندزادة قوام الدين قاضي التّرمذ الذي قدم معنا، وكان السلطان يعظّمه ويخاطبه بالأخ وتردّد إليه مرارا من بلاده. والواردون الذين خلع عليهم في ذلك هم خذا وندزادة قوام الدين وإخوته ضياء الدّين، وعماد الدين، وبرهان الدين وابن اخته أمير بخت ابن السيّد تاج الدين، وكان جدّه وجيه الدين وزير خرسان، وكان خاله علاء الدين أمير الهند ووزيرا أيضا، والأمير هبة الله بن الفلكيّ التبريزيّ، وكان ابوه نائب الوزير بالعراق، وهو الذي بنى المدرسة الفلكيّة بتبريز «٩٥» ، وملك كراي من أولاد بهرام جور «٩٦» صاحب كسرى، وهو من أهل جبل بذخشان «٩٧» الذي منه يجلب الياقوت البلخش واللازورد، والأمير مبارك شاه السّمرقندي وأرون بغا البخاريّ وملك زادة الترمذيّ وشهاب الدين الكازروني «٩٨» التاجر الذي قدم من تبريز بالهديّة إلى السلطان فسلب في طريقه.

стр. 812

ذكر دخول السلطان إلى حضرته وما أمر لنا به من المراكب وفي الغد من يوم خروجنا إلى السلطان أعطى كلّ واحد منّا فرسا من مراكب السلطان عليه سرج ولجام محلّيان، وركب السلطان لدخول حضرته وركبنا في مقدّمته مع صدر الجهان وزيّنت الفيلة أمام السلطان وجعلت عليها الأعلام ورفعت عليها ستّة عشر شطرا، منها مزركشة ومنها مرصّعة ورفع فوق رأس السلطان شطر منها وحملت أمامه الغاشية، وهي ستارة مرصّعة، وجعل على بعض الفيلة رعّادات صغار، فلمّا وصل السلطان إلى قرب المدينة رمى في تلك الرّعادات بالدّنانير والدراهم مختلطة، والمشاة بين يدي السلطان وسواهم ممّن حضر يلتقطون ذلك، ولم يزالوا ينثرونها إلى أن وصلوا إلى القصر «٩٩» وكان بين يديه آلاف من المشاة على الأقدام وصنعت قباب الخشب المكسوّة بثياب الحرير وفيها المغنّيات حسبما ذكرنا ذلك. ذكر دخولنا إليه وما أنعم به من الإحسان والولاية ولمّا كان يوم الجمعة ثاني يوم دخول السلطان أتينا باب المشور فجلسنا في سقائف الباب الثالث، ولم يكن الإذن حصل لنا بالدخول وخرج الحاجب شمس الدين الفوشنجيّ فأمر الكتّاب أن يكتبوا اسماءنا وأذن لهم في دخولنا ودخول بعض أصحابنا وعيّن للدخول معي ثمانية، فدخلنا ودخلوا معنا ثمّ جاءوا بالبدر والقبّان، وهو الميزان، وقعد قاضي القضاة والكتّاب ودعوا من بالباب من الأعزّة، وهم الغرباء، فعيّنوا لكلّ إنسان نصيبه من تلك البدر فحصل لي منها خمسة آلاف دينار، وكان مبلغ المال مائة ألف دينار تصدّقت به امّ السلطان لمّا قدم ابنها، وانصرفنا ذلك اليوم. وكان السلطان بعد ذلك يستدعينا للطّعام بين يديه ويسأل عن أحوالنا ويخاطبنا بأجمل كلام، ولقد قال لنا في بعض الأيام: انتم شرّفتمونا بقدومكم فما نقدر على مكافأتكم، فالكبير منكم مقام والدي والكهل مقام أخي والصغير مقام ولدي، وما في ملكي أعظم من مدينتي هذه أعطيكم إيّاها! فشكرناه، ودعونا له، ثمّ بعد ذلك أمر لنا بالمرتّبات فعيّن لي اثنى عشر ألف دينار في السنة وزادني قريتين على الثلاث التي أمر لي بها قبل، إحداهما قرية جوزة والثانية قرية ملك بور. وفي بعض الأيّام بعث لنا خذاوندزاده غياث الدين وقطب الملك صاحب السند فقالا لنا: إن خوند عالم يقول لكم: من كان منكم يصلح للوزارة أو الكتابة أو الامارة أو القضاء

стр. 813

أو التدريس أو المشيخة أعطيته ذلك! فسكت الجميع لأنّهم كانوا يريدون تحصيل الأموال والانصراف إلى بلادهم! وتكلّم أمير بخت ابن السيّد تاج الدين الذي تقدّم ذكره، فقال: أمّا الوزارة فميراثي، وأمّا الكتابة فشغلي، وغير ذلك لا أعرفه، وتكلّم هبة الله ابن الفلكيّ فقال مثل ذلك، وقال لي خذاوندزادة بالعربيّ: ما تقول أنت يا سيّدي؟ وأهل تلك البلاد لا يدعون العربيّ الّا بالتّسويد، وبذلك يخاطبه السلطان تعظيما للعرب، فقلت له: أمّا الوزارة والكتابة فليست شغلي، وأمّا القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي، وامّا الامارة فتعلمون أن الأعاجم ما أسلمت إلّا بأسياف العرب! فلما بلغ ذلك إلى السلطان أعجبه كلامي. وكان السلطان بهزار أسطون يأكل الطعام فبعث عنّا فأكلنا بين يديه وهو يأكل، ثم انصرفنا إلى خارج هزار اسطون وقعد أصحابي، وانصرفت بسبب دمّل كان يمنعني الجلوس فاستدعانا السلطان ثانية فحضر أصحابي واعتذروا عنّي، وجئت بعد صلاة العصر فصلّيت بالمشور المغرب والعشاء الآخرة. ثمّ خرج الحاجب فاستدعانا فدخل خذاوند زادة ضياء الدين، وهو أكبر الإخوة المذكورين فجعله السلطان أمير داد «١٠٠» ، وهو من الأمراء الكبار فجلس بمجلس القاضي، فمن كان له حق على أمير أو كبير أحضره بين يديه، وجعل مرتّبه على هذه الخطّة خمسين ألف دينار في السنة، عيّن له مجاشر «١٠١» فائدها ذلك المقدار، فأمر له بخمسين ألفا عن يد، وخلع عليه خلعة حرير مزركشة تسمّى صورة الشير، ومعناه صورة السبع لأنّه يكون في صدرها وظهرها صورة سبع، وقد خيط في باطن الخلعة بطاقة بمقدار مازركش فيها من الذّهب، وأمر له بفرس من الجنس الأوّل، والخيل عندهم أربعة اجناس، وسروجهم كسروج أهل مصر، ويكسون أعظمها بالفضّة المذهّبة. ثمّ دخل أمير بخت فأمره أن يجلس مع الوزير في مسنده، ويقف على محاسبات الدّواوين، وعيّن له مرتّبا أربعين الف دينار في السنة، أعطى مجاشر فائدها بمقدار ذلك، وأعطى أربعين ألفا عن يد، وأعطى فرسا مجهّزا، وخلع عليه كخلعة الذي قبله، ولقّب شرف الملك. ثمّ دخل هبة الله ابن الفلكي فجعله رسول دار «١٠٢» ، ومعناه حاجب الأرسال وعيّن له مرتبا أربعة وعشرين الف دينار في السنة، أعطي مجاشر يكون فائدها بمقدار ذلك، وأعطى

стр. 814

اربعة وعشرين الفا عن يد، وأعطى فرسا مجهّزا، وخلعة، وجعل لقبه بهاء الملك، ثمّ دخلت فوجدت السلطان على سطح القصر مستندا إلى السرير والوزير خواجة جهان بين يديه والملك الكبير قبولة واقف بين يديه فلمّا سلّمت عليه، قال لي الملك الكبير: اخدم، فقد جعلك خوند عالم قاضي دار الملك: دهلي، وجعل مرتّبك اثنى عشر الف دينار في السنة، وعيّن لك مجاشر بمقدارها وامر لك باثنى عشر الفا نقدا تاخذها من الخزانة غدا إن شاء الله واعطاك فرسا بسرجه ولجامه، وأمر لك بخلعة محاريبيّ وهي التي يكون في صدرها وظهرها شكل محراب، فخدمت وأخذ بيدي فتقدّم بي إلى السلطان فقال لي السلطان لا تحسب قضاء دهلي من أصغر الأشغال، وهو اكبر الأشغال عندنا، وكنت أفهم قوله ولا أحسن الجواب عنه وكان السلطان يفهم العربي ولا يحسن الجواب عنه، فقلت له: يا مولانا على مذهب مالك وهؤلاء حنفيّة، وأنا لا أعرف اللّسان، فقال لي: قد عيّنت بهاء الدين الملتانيّ وكمال الدين البجنوريّ ينوبان عنك ويشاورانك وتكون أنت تسجّل على العقود، وأنت عندنا بمقام الولد، فقلت له: بل عبدكم وخديمكم، فقال لي باللسان العربيّ: بل أنت سيّدنا ومخدومنا، تواضعا منه وفضلا وإيناسا، ثمّ قال لشرف الملك أمير بخت، وإن كان الذي رتّبت له لا يكفيه لانّه كثير الانفاق فأنا أعطيه زاوية إن قدر على اقامة حال الفقراء وقال: قل له هذا بالعربيّ، وكان يظنّ أنّه يحسن العربيّ، ولم يكن كذلك، وفهم السلطان ذلك، فقال له بروويكجا بخصبي وآن حكايه بر او بگوي وتفهيم كني تا فردا إن شاء الله بيش من بيايي جواب أو بگوي «١٠٣» ، معناه امشوا الليلة فارقدوا في موضع واحد، وفهّمه هذه الحكاية فإذا كان بالغد إن شاء الله تجيء اليّ وتعلّمني بكلامه. فانصرفنا وذلك في ثلث الليل، وقد ضربت النوبة، والعادة عندهم إذا ضربت لا يخرج أحد فانتظرنا الوزير حتّى خرج وخرجنا معه، ووجدنا أبواب دهلي مسدودة فبتنا عند السيّد أبى الحسن العبّادي العراقي بزقاق يعرف سرابور خان، وكان هذا الشيخ يتّجر بمال السلطان ويشتري له الأسلحة والأمتعة بالعراق وخراسان. ولمّا كان بالغد بعث عنّا فقبضنا الأموال والخيل والخلع وأخذ كلّ واحد منّا البدرة بالمال فجعلها على كاهله، ودخلنا كذلك على السّلطان فخدمنا، وأتينا بالأفراس فقبّلنا حوافرها بعد أن جعلت عليها الخرق، وقدناها بأنفسنا إلى باب دار السلطان فركبناها، وذلك كلّه عادة عندهم ثمّ انصرفنا وأمر السلطان لأصحابي بألفي دينار وعشر خلع ولم يعط

стр. 815

لأصحاب أحد سواي شيئا، وكان أصحابي لهم رواء ومنظر فأعجبوا السلطان وخدموا بين يديه وشكرهم. ذكر عطاء ثان أمر لي به وتوقّفه مدّة وكنت يوما بالمشور بعد أيّام من توليتي القضاء والاحسان اليّ وأنا قاعد تحت شجرة هنالك، وإلى جانبي مولانا ناصر الدين الترمذيّ «١٠٤» العالم الواعظ فأتى بعض الحجّاب فدعا مولانا ناصر الدين فدخل إلى السلطان فخلع عليه وأعطاه مصحفا مكلّلا بالجوهر. ثم أتاني بعض الحجّاب فقال: أعطني شيئا وآخذ خطّ خرد باثنى عشر الفا أمر لك بها خوند عالم، فلم أصدقه وظننته يريد الحيلة عليّ، وهو مجدّ في كلامه، فقال بعض الأصحاب أنا أعطيه، فأعطاه دينارين أو ثلاثة وجاء بخطّ خرد، ومعناه الخط الأصغر مكتوبا بتعريف الحاجب، ومعناه: أمر خوند عالم أن يعطى من الخزانة الموفورة كذا لفلان بتبليغ فلان أي بتعريفه، ويكتب المبلّغ اسمه ثمّ يكتب على تلك البراءة ثلاثة من الأمراء وهم الخان الأعظم قطلوخان معلّم السلطان، والخريطة دار، وهو صاحب خريطة الكاغد والاقلام، والأمير نكبية الدّوادار صاحب الدّواة، فإذا كتب كلّ واحد منهم خطّه يذهب بالبراءة إلى ديوان الوزارة فينسخها كتّاب الديوان عندهم ثمّ تثبت في ديوان الأشراف، ثمّ تثبت في ديوان النظر ثمّ تكتب البروانة، وهي الحكم من الوزير للخازن بالعطاء، ثمّ يثبتها الخازن في ديوانه، ويكتب تلخيصا في كلّ يوم بمبلغ ما أمر به السلطان ذلك اليوم من المال ويعرضه عليه، فمن أراد التعجيل بعطائه أمر بتعجيله ومن أراد التوقيف وقّف له، ولاكن لا بدّ من عطاء ذلك، ولو طالت المدّة فقد توقّفت هذه الاثنا عشر ألفا ستّة أشهر، ثمّ أخذتها مع غيرها حسبما يأتي. وعادتهم إذا أمر السلطان باحسان لحد يحطّ منه العشر، فمن أمر له مثلا بمائة ألف أعطى تسعين ألفا أو بعشرة آلاف أعطى تسعة آلاف! ذكر طلب الغرماء مالهم قبلي ومدحي للسلطان وأمره بخلاص ديني وتوقّف ذلك مدّة . وكنت حسبما ذكرته، قد استدنت من التّجار مالا انفقته في طريقي وما صنعت به الهدية للسلطان، وما انفقته في إقامتي فلمّا أرادوا السفر إلى بلادهم ألحّوا عليّ في طلب ديونهم فمدحت السلطان بقصيدة طويلة أولها:

стр. 816

إليك أمير المؤمنين المبجّلا ... أتينا نجدّ السير نحوك في الفلا فجئت محلا من علائك زائرا ... ومغناك كهف للزيارة أهّلا فلو انّ فوق الشّمس للمجد رتبة ... لكنت لأعلاها إماما مؤهّلا فانت الإمام الماجد الا وحد الذي ... سجاياه حتما أن يقول ويفعلا! ولي حاجة من فيض جودك أرتجي ... قضاها، وقصدي عند مجدك سهّلا أأذكرها أم قد كفاني حياؤكم ... فانّ حياكم ذكره كان أجملا! فعجّل لمن وافى محلّك زائرا ... قضا دينه، إنّ الغريم تعجّلا!! فقدّمتها بين يديه، وهو قاعد على كرسيّ، فجعلها على ركبته، وأمسك طرفها بيده وطرفها الثاني بيدي وكنت إذا أكملت بيتا منها أقول لقاضي القضاة كمال الدين الغزنويّ: بيّن معناه لخوند عالم! فيبيّنه ويعجب السلطان، وهم يحبّون الشعر العربيّ، فلمّا بلغت إلى قولي: فعجّل لمن وافى، البيت قال: مرحمة، ومعناه ترحّمت عليك، فأخذ الحجّاب حينئذ بيدي ليذهبوا بي إلى موقفهم، وأخدم على العادة، فقال السلطان: اتركوه حتّى يكملها، فاكملتها وخدمت وهنّأني الناس بذلك واقمت مدّة وكتبت رفعا، وهم يسمونه عرض داشت، فدفعته إلى قطب الملك صاحب السّند، فدفعه للسلطان، فقال له: امض إلى خواجة جهان، فقل له يعطي دينه، فمضى إليه وأعلمه، فقال: نعم، وأبطأ ذلك أيّاما، وأمره السلطان في خلالها بالسفر إلى دولة آباد، وفي أثناء ذلك خرج السلطان إلى الصيد وسافر الوزير فلم آخذ شيئا منها الّا بعد مدة، والسبب الذي توقّف به عطاؤها أذكره مستوفى وهو انّه لمّا عزم الذين كان لهم عليّ الدين على السفر، قلت لهم: إذا أنا أتيت دار السلطان فدرهوني على العادة في تلك البلاد، لعلمي أن السلطان متى يعلم بذلك خلّصهم، وعادتهم أنّه متى كان لأحد دين على رجل من ذوي العناية وأعوزه خلاصه وقف له بباب دار السلطان، فإذا أراد الدّخول قال له: دروهي السلطان «١٠٥» ، وحقّ رأس السلطان، ما تدخل حتّى تخلّصني، فلا يمكنه أن يبرح من مكانه حتّى يخلّصه أو يرغب إليه في تأخيره! فاتّفق يوما أن خرج السلطان إلى زيارة قبر أبيه ونزل بقصر هنالك، فقلت لهم: هذا وقتكم، فلمّا اردت الدخول وقفوا لي بباب القصر، فقالوا لي: دروهي السلطان، ما تدخل حتّى تخلّصنا! وكتب كتّاب الباب بذلك إلى السلطان فخرج حاجب قصّة، شمس الدين وكان من كبار الفقهاء فسألهم: لأي شيء درهتموه؟ فقالوا: لنا عليه الدين، فرجع إلى السلطان فأعلمه بذلك، فقال له: اسألهم كم مبلغ الدين؟ فسألهم، فقالوا له خمسة وخمسون ألف

стр. 817

دينار، فعاد إليه فأعلمه فامره أن يعود إليهم، ويقول لهم: إن خوند عالم يقول لكم: المال عندي وأنا أنصفكم منه فلا تطلبوه به! وأمر عماد الدين السمنانيّ وخذاوند زادة غياث الدين أن يقعدوا بهزار أسطون، ويأتي أهل الدّين بعقودهم وينظروا إليها ويتحقّقوها، ففعلا ذلك، وأتى الغرماء بعقودهم، فدخلا إلى السلطان وأعلماه بثبوت العقود فضحك، وقال ممازحا: أنا أعلم أنّه قاض جهّز شغله فيها! ثم أمر خذاوند زادة أن يعطيني ذلك من الخزانة فطمع في الرشوة على ذلك وامتنع أن يكتب خطّ خرد، فبعثت إليه مائتي تنكة، فردّها ولم يأخذها، وقال لي عنه بعض خدّامه: إنه طلب خمسمائة تنكة فامتنعت من ذلك، وأعلمت عميد الملك بن عماد الدين السمنانيّ بذلك، فأعلم به أباه وعلمه الوزير وكانت بينه وبين خذاوند زادة عداوة، فأعلم السلطان بذلك وذكر له كثيرا من أفعال خذاوند زادة فغيّر خاطر السلطان عليه، فأمر بحبسه في المدينة وقال: لأي شيء أعطاه فلان ما أعطاه، ووقّفوا ذلك حتّى يعلم هل يعطي خذاوند زادة شيئا اذا منعته أو يمنعه إذا أعطيته؟! فبهذا السبب توقّف عطاء ديني. ذكر خروج السلطان إلى الصيد وخروجي معه وما صنعت في ذلك ولمّا خرج السلطان إلى الصيد خرجت معه من غير تربّص وكنت قد أعددت ما يحتاج إليه وعملت ترتيب أهل الهند فاشتريت سراجة وهي أفراج، وضربها هنالك مباح ولا بدّ منها لكبار الناس وتمتاز سراجة السلطان بكونها حمراء وسواها بيضا، منقوشة بالأزرق، واشتريت الصيوان، وهو الذي يظلّل به داخل السراجة، ويرفع على عمودين كبيرين ويحمل ذلك الرجال على أعناقهم، ويقال لهم: الكيوانيّة. والعادة هنالك أن يكتري المسافر الكيوانيّة، وقد ذكرناهم، ويكتري من يسوق له العشب لعلف الدوابّ لأنّهم لا يطعمونها التّبن، ويكتري الكهارين «١٠٦» وهم الذين يحملون أواني المطبخ، ويكتري من يحمله في الدولة، وقد ذكرناها، ويحملها فارغة، ويكتري الفرّاشين وهم الذين يضربون السراجة ويفرشونها ويرفعون الأحمال على الجمال، ويكتري الدّوادويّة وهم الذين يمشون بين يديه ويحملون المشاعل بالليل فاكتريت أنا جميع من احتجت له منهم، واظهرت القوّة والهمّة! وخرجت يوم خروج السلطان، وغيري أقام بعده اليومين والثلاثة. فلمّا كان بعد العصر من يوم خروجه ركب الفيل، وقصده أن يتطلّع على أحوال الناس

стр. 818

ويعرف من تسارع إلى الخروج ومن أبطأ! وجلس خارج السراجة على كرسيّ فجئت وسلّمت ووقفت في موقفي بالميمنة، فبعث إليّ الملك الكبير قبولة سرجامدار١٠» وهو الذي يشرّد الذباب عنه، فأمرني بالجلوس عناية بي ولم يجلس في ذلك اليوم سواي ثمّ أتي بالفيل وألصق به سلّم، فركب ورفع الشطر فوق رأسه، وركب معه الخواصّ وجال ساعة ثمّ عاد إلى السّراجة. وعادته إذا ركب أن يركب الأمراء أفواجا، كلّ أمير بفوجه وعلاماته وطبوله وأنفاره وصرّنا ياته، ويسمّون ذلك المراتب، ولا يركب أمام السلطان إلّا الحجّاب وأهل الطرب والطبّالة الذين يتقلّدون الأطبال الصغار والذين يضربون الصّرنايات، ويكون عن يمين السلطان نحو خمسة عشر رجلا، وعن يساره مثل ذلك، منهم قضاة القضاة والوزير وبعض الأمراء الكبار وبعض الأعزّة، وكنت أنا من أهل ميمنته، ويكون بين يديه المشّاؤون والأدلّاء، ويكون خلفه علاماته وهي من الحرير المذهّب، والأطبال على الجمال، وخلف ذلك مماليكه وأهل دخلته، وخلفهم الأمراء وجميع الناس، ولا يعلم أحد أين يكون النزول، فإذا مرّ السلطان بمكان يعجبه النزول به أمر بالنزول، ولا تضرب سراجة أحد حتّى تضرب سراجته، ثمّ ياتي الموكّلون بالنزول فينزّلون كلّ أحد في منزله! وفي خلال ذلك ينزل السلطان على نهر أو بين أشجار، وتقدّم بين يديه لحوم الأغنام والدجاج المسمّنة والكراكيّ وغيرها من أنواع الصيد، ويحضر أبناء الملوك، وفي يد كلّ واحد منهم سفّود، ويوقدون النار ويشتوون ذلك، ويوتي بسراجة صغيرة فتضرب للسلطان ويجلس من معه من الخواصّ خارجها، ويؤتى بالطعام ويستدعى من شاء فيأكل معه. وكان في بعض تلك الأيّام، وهو بداخل السراجة، يسأل عمّن بخارجها، فقال له السيّد ناصر الدين مطهّر الأوهرّي، أحد ندمائه: ثمّ فلان المغربي، وهو متغيّر! فقال: لماذا؟ فقال: بسبب الدّين الذي عليه وغرماؤه يحلّون في الطلب، وكان خوند عالم قد أمر الوزير باعطائه فسافر قبل ذلك، فإن أمر مولانا أن يصبّر أهل الدّين حتّى يقدم الوزير أوامر بإنصافهم؟ وحضر لهذا الملك دولة شاه، وكان السلطان يخاطبه بالعمّ، فقال: ياخوند عالم! كلّ يوم هو يكلّمني بالعربية ولا أدري ما يقول. يا سيدي ناصر الدين: ماذا؟ وقصد أن يكرّر ذلك الكلام، فقال: يتكلّم لأجل الدّين الذي عليه، فقال السلطان: إذا دخلنا دار الملك فامض أنت يا أومار، ومعناه: يا عمّ إلى الخزانة فأعطه ذلك المال، وكان خذاوند زادة حاضرا فقال: ياخوند عالم، إنه كثير الإنفاق وقد رأيته ببلادنا عند السلطان طرمشيرين.

стр. 819

وبعد هذا الكلام استحضرني السلطان للطعام ولا علم عندي بما جرى، فلمّا خرجت قال لي السيّد ناصر الدين: اشكر للملك دولة شاه، وقال لي الملك دولة شاه: أشكر لخذاوند زادة! وفي بعض تلك الأيّام، ونحن مع السلطان في الصيد ركب في المحلّة وكان طريقه على منزلي وأنا معه في الميمنة وأصحابي في الساقة، وكان لي خباء عند السرّاجة فوقف أصحابي عندها وسلّموا على السلطان، فبعث عماد الملك وملك دولة شاه ليسألا: لمن تلك الأخبية والسراجة؟ فقيل لهما: لفلان، فأخبراه بذلك، فتبسّم، فلما كان الغد نفذ الأمر أنّ أعود أنا وناصر الدين مطهّر الأوهري «١٠٨» وابن قاضي مصر وملك صبيح إلى البلد فخلع علينا وعدنا إلى الحضرة. ذكر الجمل الذي أهديته للسلطان وكان السلطان في تلك الأيّام سألني عن الملك الناصر، هل يركب الجمل فقلت له: نعم يركب المهاري في أيّام الحجّ، فيسير إلى مكة من مصر في عشرة أيّام، ولكن تلك الجمال ليست كجمال هذه البلاد، وأخبرته أن عندي جملا منها فلمّا عدت إلى الحضرة بعثت عن بعض عرب مصر، فصوّر لي صورة الكور الذي تركب المهاري به، من القير، وأريتها بعض النجّارين، فعمل الكور واتقنه وكسوته بالملفّ، وصنعت له ركبا وجعلت على الجمل عباة حسنة وجعلت له خطام حرير. وكان عندي رجل من أهل اليمن يحسن عمل الحلواء فصنع منها ما يشبه التمر وغيره، وبعثت الجمل والحلواء إلى السلطان وأمرت الذي حملها أن يدفعها على يد ملك دولة شاه، وبعثت له بفرس وجملين، فلمّا وصله ذلك دخل على السلطان، وقال: ياخوند عالم، رأيت العجب قال: وما ذلك؟ قال: فلان بعث جملا عليه سرج! فقال: ائتوا به! فأدخل الجمل داخل السراجة، وأعجب به السلطان، وقال لراجلي: اركبه، فركبه ومشّاه بين يديه، وأمر له بمائتي دينار دراهم وخلعة، وعاد الرجل إليّ فأعلمني فسرّني ذلك، وأهديت له جملين بعد عودته إلى الحضرة.

стр. 820

ذكر الجملين الّذين أهديتهما إليه والحلواء، وأمره بخلاص ديني وما تعلّق بذلك . ولمّا عاد إليّ راجلي الذي بعثته بالجمل فأخبرني بما كان من شأنه صنعت كورين اثنين وجعلت مقدم كلّ واحد ومؤخّره مكسوا بصفائح الفضّة المذهّبة وكسوتهما بالملفّ، وصنعت رسنا مصفّحا بصفائح الفضّة، وجعلت لهما جلّين من زرد خانة مبطّنين بالكمخا، وجعلت للجملين الخلاخيل من الفضّة، وصنع ٥ ت أحد عشر طيفورا وملأتها بالحلواء، وغطيت كلّ طيفور بمنديل حرير، فلمّا قدم السلطان من الصيد وقعد ثاني يوم قدومه بموضع جلوسه العامّ، غدوت عليه بالجمال فأمر بها فحرّكت بين يديه وهرولت، فطار خلخال أحدها فقال لبهاء الدين بن الفلكيّ: بّايل ورداري، معنى ذلك ارفع الخلخال، فرفعه، ثمّ نظر إلى الطيافير، فقال: جدّاري دران طبقها حلوا است، معنى ذلك: ما معك في تلك الأطباق؟ حلواء هي؟ فقلت له: نعم فقال للفقيه ناصر الدين الترمذيّ الواعظ: ما أكلت قط ولا رأيت مثل الحلواء التي بعثها إلينا ونحن بالمعسكر. ثمّ أمر بتلك الطّيافير أن ترفع لموضع جلوسه الخاصّ، فرفعت وقام إلى مجلسه واستدعاني، وأمر بالطّعام، فأكلت، ثمّ سألني عن نوع من الحلواء الذي بعثت له قبل، فقلت له يا خوند عالم، تلك الحلواء أنواعها كثيرة ولا أدري عن أيّ نوع تسألون منها؟ فقال: ائتو بتلك الأطباق، وهم يسمّون الطيفور طبقا، فأتوا بها وقدّموها بين يديه وكشفوا عنها فقال عن هذا سألتك، وأخذ الصحن الذي هي فيه فقلت له: هذه يقال لها: المقرضة «١٠٩» ، ثمّ اخذ نوعا آخر فقال: وما اسم هذه فقلت له: هي لقيمات القاضي، وكان بين يديه تاجر من شيوخ بغداد يعرف بالسّامريّ، وينتسب إلى آل العبّاس رضي الله تعالى عنه، وهو كثير المال ويقول له السلطان: والدي، فحسدني وأراد أن يخجلني، فقال: ليست هذه لقيمات القاضي بل هي هذه، وأخذ قطعة من التي تسمّى جلد الفرس «١١٠» ، وكان بازائه ملك الندماء ناصر الدين الكافيّ الهرويّ، وكان كثيرا ما يمازح هذا الشيخ بين يدى السلطان، فقال له: يا خواجة أنت تكذب، والقاضي يقول الحقّ فقال له السلطان: وكيف ذلك؟ فقال: ياخوند عالم! هو القاضي وهي لقيماته فانّه أتى بها، فضحك السلطان، وقال: صدقت!

стр. 821

فلمّا فرغنا من الطعام أكل الحلواء، ثمّ شرب الفقّاع بعد ذلك، وأخذنا التنبول وانصرفنا، فلم يكن غير هنيهة وأتانى الخازن، فقال: ابعث أصحابك يقبضون المال فبعثتهم وعدت إلى داري بعد المغرب، فوجدت المال بها وهو ثلاث بدر فيها ستّة آلاف ومائتان وثلاث وثلاثون تنكة، وذلك صرف الخمسة والخمسين الفا التي هي دين عليّ، وصرف الاثنى عشر الفا التي أمر لي بها فيما تقدّم بعد حط العشر على عادتهم، وصرف التّكنة ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب. ذكر خروج السلطان وأمره لي بالإقامة بالحضرة وفي تاسع جمادى الأولى خرج السلطان برسم قصد بلاد المعبر «١١١» ، وقتال القائم بها وكنت قد خلّصت أصحاب الدّين وعزمت على السفر وأعطيت مرتّب تسعة اشهر للكهارين والفرّاشين والكيوانية والدوادويّة، وقد تقدّم ذكرهم، فخرج الأمر بإقامتي في جملة ناس وأخذ الحاجب خطوطنا بذلك لتكون حجّة له، وتلك عادتهم خوفا من أن ينكر المبلّغ، وأمر لي بستّة آلاف دينار دراهم، وأمر لابن قاضي مصر بعشرة آلاف، وكذلك كلّ من أقام من الأعزّة «١١٢» ، وامّا البلديّون فلم يعطوا شيئا وأمرني السلطان أن اتولى النظر في مقبرة السلطان قطب الدّين الذي تقدّم ذكره «١١٣» وكان السلطان يعظّم تربته تعظيما شديدا لانّه كان خديما له، ولقد رأيته إذا أتى قبره يأخذ نعله فيقبّله ويجعله فوق رأسه. وعادتهم أن يجعلوا نعل الميت عند قبره فوق متّكأة، وكان اذا وصل القبر خدم له كما كان يخدم أيّام حياته، وكان يعظّم زوجته ويدعوها بالأخت وجعلها مع حرمه، وزوّجها بعد ذلك لابن قاضي مصر، واعتنى به من أجلها وكان يمضي لزيارتها في كلّ جمعة. ولمّا خرج السلطان بعث عنّا للوداع فقام ابن قاضي مصر فقال: أنا لا أوادع ولا أفارق خوند عالم، فكان له في ذلك الخير فقال له السلطان: امض فتجهّز للسّفر! وقدمت بعده للوداع وكنت احبّ الإقامة ولم تكن عاقبتها محمودة! فقال: مالك من حاجة؟ فاخرجت بطاقة فيها ستّ مسائل، فقال لي: تكلّم بلسانك! فقلت له: إن خوند عالم أمر لي بالقضاء وما قعدت لذلك بعد، وليس مرادي من القضاء الّا حرمته، فأمرني بالقعود للقضاء وقعود النّائبين معي، ثمّ قال لي: إيه، فقلت: وروضة السلطان قطب الدين ماذا أفعل فيها؟ فإني رتّبت فيها أربع مائة وستّين شخصا، ومحصول أوقافها لا يفي بمرتّباتهم وطعامهم؟

стр. 822

فقال للوزير: بّنجاه هزار، ومعناه خمسون ألفا، ثمّ قال: لا بدّ لك من غلّة بدية، يعني: أعطه مائة ألف منّ من المغلّة، وهي القمح والأرز ينفقها في هذه السنة حتّى تأتي غلّة الروضة، والمنّ عشرون رطلا مغربية، ثمّ قال لي: وماذا أيضا؟ فقلت: إن أصحابي سجنوا بسبب القرى التي أعطيتموني، فإني عوّضتها بغيرها، فطلب أهل الديوان ما وصلني منها أو الاستظهار بأمر خوند عالم أن يرفع عنّي ذلك، فقال: كم وصلك منها؟ فقلت: خمسة آلاف دينار، فقال: هي إنعام عليك، فقلت له: وداري التي أمرتم لي بها مفتقرة إلى البناء، فقال للوزير عمارة كنيد، أي معناه عمّروها، ثمّ قال لي: ديكر نماند، فقلت له «١١٤» : لا، معناه هلّ بقي لك كلام؟ فقال لي: وصيّة دكر هست معناه أوصيّك أن لا تاخذ الدّين لئلّا تطلب فلا تجد من يبلّغ خبرك إليّ، أنفق على قدر ما أعطيتك، قال الله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط «١١٥» ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا «١١٦» ، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما «١١٧» . فأردت أن أقبّل قدمه فمنعني، وأمسك رأسي بيده فقبّلتها وانصرفت. وعدت إلى الحضرة فاشتغلت بعمارة داري وانفقت فيها اربعة آلاف دينار، أعطيت منها من الديوان ستّماية دينار، وزدت عليها الباقي وبنيت بازائها مسجدا، واشتغلت بترتيب مقبرة السلطان قطب الذين وكان السلطان قد أمر أن تبنى عليه قبّة يكون ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بزيادة عشرين ذراعا على اتفاع القبّة المبنيّة على قازان ملك العراق «١١٨» ، وأمر أن تشتري ثلاثون قرية تكون وقفا عليها وجعلها بيدي على أن يكون لي العشر من فائدها على العادة. ذكر ما فعلته في ترتيب المقبرة وعادة أهل الهند أن يرتّبوا لأمواتهم ترتيبا كترتيبهم بقيد الحياة، ويوتي بالفيلة والخيل فتربط عند باب التربة وهي مزيّنة، فرتّبت أنا في هذه التربة بحسب ذلك ورتّبت من قرّاء القرآن مائة وخمسين، وهم يسمّونهم الختميّين، ورتّبت من الطلبة ثمانين، ورتّبت الإمام

стр. 823

والمؤذّنين والقرّاء بالأصوات الحسان، والمدّاحين وكتّاب الغيبة والمعرّفين، وجميع هؤلاء يعرفون عندهم بالأرباب ورتّبت صنفا آخر يعرفون بالحاشية وهو الفرّاشون والطبّاخون والدوادويّة والآبداريّة، وهم السقّاءون والشربداريّة الذين يسقون الشّربة، والتنبول داريّة الذين يعطون التنبول والسلحداريّة والنيزداريّة والشطرداريّة والطشت داريّة والحجّاب والنقباء، فكان جميعهم أربعمائة وستّين. وكان السلطان أمر أن يكون الطعام بها، كلّ يوم اثنى عشر منّا من الدقيق، ومثلها من اللحم فرأيت أن ذلك قليل، والزرع الذي أمر به كثيرا، فكنت أنفق كلّ يوم خمسة وثلاثين منّا من الدقيق، ومثلها من اللحم مع ما يتبع ذلك من السكّر والنبات والسّمن والتنبول وكنت أطعم المرتّبين وغيرهم من صادر ووارد، وكان الغلاء «١١٩» شديدا فارتفق الناس بهذا الطعام وشاع خيره. وسافر الملك صبيح إلى السلطان بدولة آباد فسأله عن حال الناس، فقال له: لو كان بدهلي اثنان مثل فلان لما شكا الجهد! فأعجب ذلك السلطان، وبعث اليّ بخلعة من ثيابه، وكنت أصنع في المواسم، وهي العيدان والمولد الكريم «١٢٠» ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان، ويوم وفاة السلطان قطب الدين مائة منّ من الدقيق ومثلها لحما، فيأكل منها الفقراء والمساكين، وأمّا أهل الوظيفة فيجعل امام كلّ انسان مهم ما يخصّه، ولنذكر عادتهم في ذلك. ذكر عادتهم في اطعام الناس في الولائم . وعادتهم ببلاد الهند وببلاد السّرا «١٢١» أنّه إذا فرغ من أكل الطعام في الوليمة جعل أمام كلّ إنسان من الشرفاء والفقهاء والمشايخ والقضاة وعاء شبه المهد له أربع قوائم منسوج سطحه من الخوض وجعل عليه الرقاق ورأس غنم مشويّ وأربعة أقراص معجونة بالسمن مملوّة بالحلواء الصابونية «١٢٢» مغطاة بأربع قطع من الحلواء كأنها الآجر، وطبقا صغيرا مصنوعا من الجلد فيه الحلواء والسموسك ويغطّى ذلك الوعاء بثوب قطن جديد، ومن كان

стр. 824

دون من ذكرناه جعل أمامه نصف رأس غنم ويسمّونه الزلّة «١٢٣» ومقدار النصف ممّا ذكرناه، ومن كان دون هؤلاء أيضا جعل أمامه مثل الربع من ذلك، ويرفع رجال كلّ أحد ما جعل أمامه. وأوّل ما رأيتهم يصنعون هذا بمدينة السرا حضرة السلطان أوزبك، فامتنعت أن يرفع رجالي ذلك إذ لم يكن لي به عهد،! وكذلك يبعثون أيضا لدار كبراء الناس من طعام الولائم. ذكر خروجي إلى هزار أمروها وكان الوزير قد اعطاني من الغلة المأمور بها للزاوية عشرة الاف منّ، ونفّذ لي الباقي في هزار «١٢٤» أمروها، وكان والي الخراج بها عزيز الخمّار «١٢٥» ، وأميرها شمس الدين البذخشانيّ فبعثت رجالي فاخذوا بعض الإحالة، وتشكّوا من تعسّف عزيز الخمّار فخرجت بنفسي لاستخلص ذلك، وبين دهلي وهذه العمالة ثلاثة أيّام، وكان ذلك أوان نزول المطر «١٢٦» فخرجت في نحو ثلاثين من أصحابي واستصحبت معي اخوين من المغنّيين المحسنين يغنيان لي في الطريق! فوصلنا الى بلدة بجنور «١٢٧» وضبط اسمها بكسر الباء الموحدة وسكون الجيم وفتح النون وآخره راء، فوجدت بها أيضا ثلاثة اخوة من المغنّيين فاستصحبتهم فكانوا يغنّون لي نوبة والآخران نوبة! ثم وصلنا إلى أمروها، وهي بلدة صغيرة حسنة، فخرج عمالها للقائي وجاء قاضيها الشريف أمير عليّ وشيخ زاويتها وأضافاني معا ضيافة حسنة، وكان عزيز الخمّار بموضع يقال له أفغان بّور على نهر السّرو «١٢٨» ، وبيننا وبينه النهر، ولا معدية فيه، فأخذنا الاثقال في معدية صنعناها من الخشب والنّبات وجزنا في اليوم الثاني وجاء نجيب أخو عزيز في جماعة من أصحابه وضرب لنا سراجة، ثمّ جاء أخوه إليّ الوالي، وكان معروفا بالظلم، وكانت القرى التي في عمالته ألفا وخمسمائة قرية، ومجباها ستّون لكّا في السنة، له فيها نصف العشر، ومن عجائب النهر الذي نزلنا عليه انّه لا يشرب منه أحد في أيام نزول المطر

стр. 825

ولا تسقى منه دابّة، ولقد أقمنا عليه ثلاثا فما غرف منه أحد غرفة ولا كدنا نقرب منه لأنّه ينزل من جبل قراجيل «١٢٩» التي بها معادن الذهب، ويمرّ على الخشاش المسمومة فمن شرب منه مات (١٢٩) . وهذا الجبل متّصل مسيرة ثلاثة اشهر، وينزل منه إلى بلاد تبّت حيث غزلان المسك، وقد ذكرنا ما اتّفق على جيش المسلمين بهذا الجبل، وبهذا الموضع جاء إليّ جماعة من الفقراء الحيدريّة وعملوا السّماع واوقدوا النيران فدخلوها ولم تضرّهم، وقد ذكرنا ذلك «١٣٠» . وكانت قد نشأت بين أمير هذه البلاد شمس الدين البذخشانيّ وبين واليها عزيز الخمّار منازعة وجاء شمس الدين لقتاله، فامتنع منه بداره وبلغت شكاية أحدهما الوزير بدهلي، فبعث إليّ الوزير وإلى الملك شاه أمير المماليك بأمروها، وهم أربعة آلاف مملوك للسلطان، وإلى شهاب الدين الروميّ أن ننظر في قضيّتهما، فمن كان على الباطل بعثناه مثقفا إلى الحضرة، فاجتمعوا جميعا بمنزلي وادّعى عزيز على شمس الدين دعاوي منها أنّ خديما له يعرف بالرّضى الملتانيّ نزل بدار خازن عزيز المذكور، فشرب بها الخمر وسرق خمسة آلاف دينار من المال الذي عند الخازن، فاستفهمت الرّضى عن ذلك، فقال لي: ما شربت الخمر منذ خروجي من ملتان، وذلك ثمانية اعوام، فقلت له: أو شربتها بملتان؟ قال نعم! فأمرت بجلده ثمانين وسجنته بسبب الدعوى للوث ظهر عليه. وانصرفت عن أمروها فكانت غيبتي نحو شهرين، وكنت في كلّ يوم اذبح لأصحابي بقرة وتركت أصحابي ليأتوا بالزرع المنفّذ على عزيز، وحمله عليه، فوزّع على أهل القرى التي لنظره ثلاثين ألف منّ يحملونها على ثلاثة آلاف بقرة، وأهل الهند لا يحملون الّا على البقرة وعليه يرفعون أثقالهم في الأسفار، وركوب الحمير عندهم عيب كبير وحميرهم صغار الأجرام يسمّونها اللاشة «١٣١» ، واذا أرادوا إشهار أحد بعد ضربه أركبوه الحمار! ذكر مكرمة لبعض الأصحاب وكان السيّد ناصر الدين الا وهريّ قد ترك عندي لمّا سافر ألفا وستّين تنكة فتصرّفت فيها، فلمّا عدت إلى دهلي وجدته قد أحال في ذلك المال خذاوند زادة قوام الدين، وكان قدم نائبا عن الوزير، فاستقبحت أن أقول له: تصرّفت في المال، فأعطيته نحو ثلثه، وأقمت بداري أياما.

стр. 826

وشاع عني أني مرضت، فأتى ناصر الدين الخوارزميّ صدر الجهان لزيارتي فلمّا رءاني قال: ما أرى بك مرضا، فقلت: إني مريض القلب! فقال لي: عرفني بذلك! فقلت له: ابعث إليّ نائبك شيخ الاسلام اعرّفه به، فبعثه إليّ فاعلمته، فعاد إليه فأعلمه، فبعث إليّ بألف دينار دراهم، وكان له عندي قبل ذلك ألف ثان ثمّ طلب منّي بقيّة المال، فقلت في نفسي: ما يخلّصني منه الّا صدر الجهان المذكور لأنه كثير المال، فبعثت اليه بفرس مسرج قيمة سرجه ألف وستّماية دينار، وبفرس ثان قيمته وقيمة سرجه ثمانمائة دينار وببلغتين قيمتهما ألف ومائتا دينار، وبتركش فضّة وبسيفين غمدهما مغشّيان بالفضّة، وقلت له: انظر قيمة الجميع وابعث إليّ ذلك، فأخذ ذلك وعمل لجميعه قيمة ثلاثة آلاف دينار، فبعث إليّ الفا واقتطع الالفين، فتغيّر خاطري، ومرضت بالحمّى، وقلت في نفسي: إن شكوت به إلى الوزير افتضحت، فأخذت خمسة أفراس وجاريتين ومملوكين، وبعثت الجميع للملك مغيث الدين محمّد بن ملك الملوك عماد الدين السّمنانيّ، وهو فتيّ السنّ، فردّ عليّ ذلك وبعث إليّ مايتي تنكة واعتذر وخلّصت من ذلك المال، فشتّان بين فعل محمّد ومحمّد! ذكر خروجي إلى محلّة السلطان . وكان السلطان لمّا توجّه إلى بلاد المعبر وصل إلى التّلنك ووقع الوباء بعسكره فعاد إلى دولة آباد، ثمّ وصل إلى نهر الكنك فنزل عليه، وأمر الناس بالبناء، وخرجت في تلك الأيّام إلى محلّته واتّفق ما سردناه من مخالفة عين «١٣٢» الملك، ولازمت السلطان في تلك الأيّام وأعطاني من عتاق الخيل لمّا قسّمها على خواصّه، وجعلني فيهم وحضرت معه الوقيعة على عين الملك والقبض عليه وجزت معه نهر الكنك ونهر السّرو لزيارة قبر الصالح سالار عود، وقد استوفيت ذلك كلّه، وعدت معه إلى حضرة دهلي لمّا عاد اليها. ذكر ما همّ به السلطان من عقابي وما تداركني من لطف الله تعالى ! وكان سبب ذلك أنّي ذهبت يوما لزيارة الشيخ شهاب الدين بن الشيخ الجام بالغار الذي احتفره خارج دهلي «١٣٣» . وكان قصدي رؤية ذلك الغار، فلمّا أخذه السلطان سأل أولاده عمّن كان يزوره فذكروا ناسا أنا من جملتهم، فأمر السلطان أربعة من عبيده بملازمتي بالمشور.

стр. 827

وعادته أنّه متى فعل ذلك مع أحد قلّما يتخلّص، فكان أوّل يوم من ملازمتهم لي يوم الجمعة فألهمني الله تعالى إلى تلاوة قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل ١٣» ، فقرأتها ذلك اليوم ثلاثة وثلاثين ألف مرّة، وبتّ بالمشور وواصلت إلى خمسة أيّام، في كلّ يوم منها اختم القرآن وافطر على الماء خاصّة، ثمّ افطرت بعد خمس وواصلت أربعا وتخلّصت بعد قتل الشيخ والحمد لله تعالى! ذكر انقباضي عن الخدمة وخروجي عن الدنيا . ولمّا كان بعد مدّة انقبضت عن الخدمة ولازمت الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد الخاشع الورع فريد الدهر ووحيد العصر كمال الدين عبد الله الغاريّ وكان من الأولياء، وله كرامات قد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه «١٣٥» ، وانقطعت إلى خدمة هذا الشيخ ووهبت ما عندي للفقراء والمساكين! وكان الشيخ يواصل عشرة أيّام وربّما واصل عشرين، فكنت أحبّ أن أواصل فكان ينهاني ويأمرني بالرفق على نفسي في العبادة ويقول لي: إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، (١٣٥) وظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقى معي، فخرجت عن جميع ما عندي من قليل وكثير وأعطيت ثياب ظهري لفقير ولبست ثيابه، ولزمت هذا الشيخ خمسة أشهر والسلطان اذ ذاك غائب ببلاد السند. ذكر بعث السلطان عنّي وإبايتي عن الرجوع إلى الخدمة واجتهادي في العبادة . ولمّا بلغ السلطان خبر خروجي عن الدنيا استدعاني، وهو يومئذ بسيوستان «١٣٦» ، فدخلت عليه في زيّ الفقراء، فكلّمني أحسن كلام وألطفه، وأراد منّي الرجوع إلى الخدمة فأبيت وطلبت منه الإذن في السفر إلى الحجاز، فأذن لي فيه وانصرفت عنه، ونزلت بزاوية

стр. 828

تعرف بالنسبة إلى الملك بشير، وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ثنتين وأربعين «١٣٧» ، فاعتكفت بها شهر رجب وعشرا من شعبان، وانتهيت إلى مواصلة خمسة أيّام وافطرت بعدها على قليل أرز دون إدام، وكنت أقرأ القرآن كلّ يوم واتهجّد بما شاء الله، وكنت إذا أكلت الطعام أذاني، فإذا طرحته وجدت الراحة، وأقمت كذلك أربعين يوما ثمّ بعث عنّي ثانية. ذكر ما أمرني به من التوجّه إلى الصين في الرسالة ولمّا كملت لي اربعون يوما بعث إليّ السلطان خيلا مسرجة وجواري وغلمانا وثيابا ونفقة فلبست ثيابه وقصدته، وكانت لي جبّة قطن زرقاء مبطّنة لبستها أيّام اعتكافي فلمّا جرّدتها ولبست ثياب السلطان أنكرت نفسي! وكنت متى نظرت إلى تلك الجبّة أجد نورا في باطني، ولم تزل عندي إلى أن سلبني الكفّار في البحر. ولمّا وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده، وقال لي: إنّما بعثت إليك لتتوجّه عنّي رسولا إلى ملك الصين فإنّي أعلم حبك في الأسفار والجولان، فجهّزني بما احتاج له وعيّن للسفر معي من يذكر بعد «١٣٨» .

стр. 829

[المجلد الرابع] الفصل الرابع عشر الجنوب الهندي- جزر مالديف- سيلان- البنغال من دهلي إلى كول وأسر ابن بطوطة بها من كول إلى دولةآباد من دولةأباد إلى بلاد المليبار: بلاد الأبزار! الذهاب إلى مدينة قالقوط محاولة الذّهاب إلى الصين وفشلها ... جزائر ذيبة المهل (المالديف) ابن بطوطة بجزر مالديف ووقوفه بها على النقش التاريخي جزيرة سيلان ... عند ما هاجمه ١٢ مركبا وسلبوه!

стр. 830

الجنوب الهندي

стр. 831

ذكر سبب بعث الهدية للصين وذكر من بعث معي وذكر الهدية . وكان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك وجارية وخمسمائة ثوب من الكمخا منها مائة من التي تصنع بمدينة الزّيتون، ومائة من التي تصنع بمدينة الخنسا، وخمسة أمنان من المسك، وخمسة أثواب مرصعة بالجوهر، وخمسة من التراكش مزركشة، وخمسة سيوف، وطلب من السلطان أن يأذن له في بناء بيت الأصنام الذي بناحية جبل قراجيل «١» المتقدم ذكره، ويعرف الموضع الذي هو به بسمهل، بفتح السين المهمل وسكون الميم وفتح الهاء، وإليه يحج أهل الصين، وتغلّب عليه جيش الإسلام بالهند فخرّبوه وسلبوه. فلما «٢» وصلت هذه الهدية إلى السلطان كتب إليه بأن هذا المطلب لا يجوز في ملّة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلّا لمن يعطي الجزية، فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، والسلام على من اتبع الهدى. وكافأه «٣» عن هديته بخير منها، وذلك مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة، ومائة مملوك ومائة جارية، من كفار الهند مغنّيات ورواقص، ومائة ثوب بيرميّة، وهي من القطن ولا نظير لها في الحسن، قيمة الثوب منها مائة دينار «٤» ، ومائة شقة من ثياب الحرير المعروفة بالجزّ «٥» ، بضم الجيم وزاي، وهي التي يكون حرير إحداها مصبوغا بخمسة ألوان وأربعة، ومائة ثوب من الثياب المعروفة بالصّلاحية، ومائة ثوب

стр. 832

احتفال بأمير مغولي في البلاط- تصوير جداري رسم يمثل الاحتفال بأحد السفراء- تصوير جداري بقاعة الأعمدة الأربعين

стр. 833

من الشّيرين باف «٦» ، ومائة ثوب من الشان باف «٧» ، وخمسمائة ثوب من المرعز، مائة منها سود، ومائة بيض، ومائة حمر، ومائة خضر، ومائة زرق، ومائة شقّة من الكتان الرّومي، ومائة فضلة من الملف، وسرّاجة «٨» وستّ من القباب، وأربع حسك من ذهب، وست حسك من فضة منيّلة، وأربعة طسوت من الذّهب ذات أباريق كمثلها، وستة طسوت من الفضة، وعشر خلع من ثياب السلطان مزركشة، وعشر شواش من لباسه، إحداها مرصعة بالجوهر وعشرة تراكش مزركشة، وأحدها مرصّع بالجوهر، وعشرة من السيوف، أحدها مرصع الغمد بالجوهر، ودشت بان «٩» وهو قفّاز مرصع بالجوهر، وخمسة عشر من الفتيان. وعيّن السلطان للسّفر معي بهذه الهدية الأمير ظهير الدين الزّنجاني «١٠» ، وهو من فضلاء أهل العلم، والفتى كافور الشّربدار، وإليه سلمت الهدية، وبعث معنا الأمير محمد الهروي «١١» في ألف فارس ليوصلنا إلى الموضع الذي نركب منه البحر، وتوجه صحبتنا أرسال ملك الصين، وهم خمسة عشر رجلا يسمى كبيرهم ترسي وخدامهم نحو مائة رجل وانفصلنا في جمع كبير ومحلة عظيمة، وأمر لنا السلطان بالضيافة مدة سفرنا ببلاده. وكان سفرنا في السابع عشر لشهر صفر سنة ثلاث وأربعين «١٢» وهو اليوم الذي اختاروه للسفر لأنهم يختارون للسفر من أيام الشهر ثانيه أو سابعه أو الثاني عشر أو السابع عشر أو الثاني والعشرين أو السابع والعشرين! فكان نزولنا في أول مرحلة بمنزل تلبت «١٣» ، على مسافة فرسخين وثلث من حضرة دهلي، ورحلنا منه إلى منزل أو، ورحلنا منه

стр. 834

إلى منزل هيلو «١٤» ، ورحلنا منه إلى مدينة بيانة «١٥» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف مع تخفيفها وفتح النون، مدينة كبيرة حسنة البناء مليحة الأسواق. ومسجدها الجامع من أبدع المساجد وحيطانه وسقفه حجارة، والأمير بها مظفر ابن الداية، وأمه هي داية السلطان، وكان بها قبله الملك مجير بن أبي الرجاء أحد كبار الملوك، وقد تقدم ذكره «١٦» ، وهو ينتسب في قريش وفيه تجبّر، وله ظلم كثير قتل من اهل هذه المدينة جملة، ومثّل بكثير منهم، ولقد رأيت من أهلها رجلا حسن الهيئة قاعدا في أسطوان منزله وهو مقطوع اليدين والرجلين. وقدم السلطان مرة على هذه المدينة فتشكى الناس من الملك مجير المذكور فأمر السلطان بالقبض عليه وجعلت في عنقه الجامعة، وكان يقعد بالدّيوان بين يدي الوزير، وأهل البلد يكتبون عليه المظالم، فأمره السلطان بإرضائهم فأرضاهم بالأموال ثم قتله بعد ذلك. ومن كبار أهل هذه المدينة الامام العالم عزّ الدين الزبيري من ذرية الزبير بن العوام ﵁، أحد كبار الفقهاء الصلحاء، لقيته بكاليور عند الملك عز الدين البنتاني «١٧» المعروف بأعظم ملك. ثم رحلنا من بيانة فوصلنا إلى مدينة «١٨» كول، وضبط اسمها بضم الكاف، مدينة حسنة ذات بساتين وأكثر أشجارها العنبا، ونزلنا بخارجها في بسيط أفيح، ولقينا بها الشيخ الصالح العابد شمس الدين المعروف بابن تاج العارفين، وهو مكفوف البصر معمّر، وبعد ذلك سجنه السلطان ومات في سجنه، وقد ذكرنا حديثه «١٩» .

стр. 835

ذكر غزوة شهدناها بكول ولما بلغنا إلى مدينة كول بلغنا أن بعض كفار الهنود حاصروا بلدة الجلالي «٢٠» وأحاطوا بها وهي على مسافة سبعة أميال من كول فقصدناها، والكفار يقاتلون أهلها، وقد أشرفوا على التّلف، ولم يعلم الكفار بنا حتى صدقنا الحملة عليهم، وهم في نحو ألف فارس وثلاثة آلاف راجل، فقتلناهم عن آخرهم واحتوينا على خيلهم وأسلحتهم، واستشهد من أصحابنا ثلاثة وعشرون فارسا وخمسة وخمسون راجلا، واستشهد الفتى كافور الساقي الذي كانت الهدية مسلمة بيده، فكتبنا إلى السلطان بخبره، وأقمنا في انتظار الجواب. وكان الكفار في أثناء ذلك ينزلون من جبل هنالك منيع فيغيرون على نواحي بلدة الجلالي، وكان أصحابنا يركبون كلّ يوم مع أمير تلك الناحية ليعينوه على مدافعتهم. ذكر محنتي بالأسر وخلاصي منه، وخلاصي من شدة بعده، على يد وليّ من أولياء الله تعالى وفي بعض تلك الأيام ركبت في جماعة من أصحابي ودخلنا بستانا نقيل فيه وذلك فصل القيظ، فسمعنا الصياح، فركبنا ولحقنا كفارا أغاروا على قرية من قرى الجلالي، فاتبعناهم فتفرقوا وتفرق أصحابنا في طلبهم، وانفردت في خمسة من أصحابي، فخرج علينا جملة من الفرسان والرجال من غيضة هنالك ففررنا منهم لكثرتهم واتبعني نحو عشرة منهم، ثم انقطعوا عني إلا ثلاثة منهم ولا طريق بين يدي، وتلك الأرض كثيرة الحجارة فنشبت يدا فرسي بين الحجارة، فنزلت عنه واقتلعت يده وعدت إلى ركوبه. والعادة بالهند أن يكون مع الانسان سيفان: أحدهما معلق بالسّرج، ويسمى الرّكابي، والآخر في التركش، فسقط سيفي الركابي من غمده وكانت حليته ذهبا فنزلت فأخذته وتقلدته وركبت وهم في أثري، ثم وصلت إلى خندق عظيم فنزلت ودخلت في جوفه فكان آخر عهدي بهم. ثم خرجت إلى واد في وسط شعراء ملتفة في وسطها طريق فمشيت عليه ولا أعرف منتهاه فبينا أنا في ذلك خرج عليّ نحو أربعين رجلا من الكفار بأيديهم القسّي فأحدقوا بي وخفت أن يرموني رمية رجل واحد إن فررت منهم، وكنت غير متدرع، فألقيت بنفسي إلى الأرض واستأسرت، وهم لا يقتلون من فعل ذلك، فأخذوني وسلبوني جميع ما عليّ، غير جبة وقميص وسروال ودخلوا بي إلى تلك الغابة فانتهوا بي إلى موضع جلوسهم منها على حوض ماء بين تلك الاشجار وأتوني بخبز ماش، وهو الجلبّان، فأكلت منه وشربت من الماء.

стр. 836

وكان معهم مسلمان كلّماني بالفارسية، وسألاني عن شأني، فأخيرتهما ببعضه وكتمتهما أني من جهة السلطان، فقالا لي: لا بد أن يقتلك هؤلاء أو غيرهم، ولكن هذا مقدّمهم وأشارا إلى رجل منهم، فكلّمته بترجمة المسلمين وتلطفت له، فوكل بي ثلاثة منهم: أحدهم شيخ ومعه ابنه، والآخر أسود خبيث، وكلّمني أولئك الثلاثة، ففهمت منهم أنهم أمروا بقتلي، فاحتملوني عشيّ النهار إلى كهف، وسلط الله على الأسود منهم حمّى مرعدة، فوضع رجليه عليّ ونام الشيخ وابنه! فلما أصبح تكلموا فيما بينهم وأشاروا إليّ بالنزول معهم إلى الحوض وفهمت أنهم يريدون قتلي فكلمت الشيخ وتلطفت إليه فرقّ لي، وقطعت كمّي قميصي وأعطيته أياهما لكي لا يأخذه أصحابه فيّ إن فررت. ولما كان عند الظهر سمعنا كلاما عند الحوض فظنوا أنهم أصحابهم، فأشاروا إليّ بالنّزول معهم، فنزلنا ووجدنا قوما آخرين فأشاروا عليهم أن يذهبوا في صحبتهم فأبوا، وجلس ثلاثتهم أمامي وأنا مواجه لهم ووضعوا حبل قنّب كان معهم بالأرض، وأنا أنظر إليهم، وأقول في نفسي: بهذا الحبل يربطونني عند القتل، وأقمت كذلك ساعة ثم جاء ثلاثة من أصحابهم الذين أخذوني فتكلموا معهم، وفهمت أنهم قالوا لهم: لأي شيء ما قتلتموه؟ فأشار الشيخ إلى الأسود كأنّه اعتذر بمرضه! وكان أحد هؤلاء الثلاثة شابا حسن الوجه، فقال لي: أتريد أن أسرحك؟ فقلت: نعم، فقال: اذهب. فأخذت الجبّة التي كانت علي فأعطيته إياها وأعطاني مقيّرة بالية عنده، وأراني الطريق فذهبت وخفت أن يبدو لهم فيدركونني، فدخلت غيضة قصب واختفيت فيها، إلى أن غابت الشمس، ثم خرجت وسلكت الطريق التي أرانيها الشاب، فأفضت بي إلى ماء فشربت منه، وسرت إلى ثلث الليل فوصلت إلى جبل فنمت تحته فلما أصبحت سلكت الطريق فوصلت ضحى إلى جبل من الصخر عال فيه شجر أمّ غيلان والسدر، فكنت أجني النبق فأكله حتى أثّر الشوك في ذراعي أثارا هي باقية به حتى الآن! ثم نزلت من ذلك الجبل إلى أرض مزدرعة قطنا وبها أشجار الخروع، وهنالك باين، والبائن عندهم: بئر متسعة جدا مطوية بالحجارة، لها درج ينزل عليها إلى ورد الماء، وبعضها يكون في وسطه وجوانبه القباب مر، الحجر والسقايف والمجالس، ويتفاخر ملوك البلاد وأمراؤها بعمارتها في الطرقات التي لا ماء بها، وسنذكر بعض ما رأيناه منها فيما بعد «٢١» ، ولما وصلت إلى البائن شربت منه ووجدت عليه شيئا من عساليج الخردل قد سقطت

стр. 837

لمن غسلها فأكلت منها وادّخرت عليه شيئا من عساليج الخردل قد سقطت لمن غسلها فأكلت منها وادّخرت باقيها، ونمت تحت شجرة خروع. فبينما أنا كذلك إذ ورد البائن نحو أربعين فارسا مدرعين، فدخل بعضهم إلى المزرعة، ثم ذهبوا، وطمس الله أبصارهم دوني، ثم جاء بعدهم نحو خمسين في السّلاح ونزلوا إلى البائن، وأتى أحدهم إلى شجرة إزاء الشجرة التي كنت تحتها، فلم يشعر بي. ودخلت إذ ذاك في مزرعة القطن وأقمت بها بقية نهاري، وأقاموا على البائن يغسلون ثيابهم ويلعبون، فلما كان الليل هدأت أصواتهم، فعلمت أنهم قد مرّوا أو ناموا فخرجت حينئذ واتبعت أثر الخيل، والليل مقمر، وسرت حتى انتهيت إلى باين آخر، عليه قبة فنزلت إليه وشربت من مائه وأكلت من عساليج الخردل التي كانت عندي، ودخلت القبة فوجدتها مملوءة بالعشب مما يجمعه الطير فنمت بها، وكنت أحس حركة حيوان في تلك العشب أظنه حيّة فلا أبالي بها لما بي من الجهد، فلما أصبحت سلكت طريقا واسعة تفضي إلى قرية خربة وسلكت سواها فكانت كمثلها وأقمت كذلك أياما، وفي بعضها وصلت إلى أشجار ملتفة بينها حوض ماء وداخلها شبه بيت وعلى جوانب الحوض نبات الأرض كالنّجيل. وغيره فأردت أن أقعد هنالك حتى يبعث الله من يوصلني إلى العمارة. ثم إني وجدت يسير قوة فنهضت على طريق وجدت بها أثر البقر ووجدت ثورا عليه بردعة ومنجل، فإذا تلك الطريق تفضي إلى قرى الكفار فاتبعت طريقا أخرى فأفضت بي إلى قرية خربة ورأيت بها أسودين عريانين فخفتهما وأقمت تحت أشجار هنالك فلما كان الليل دخلت القرية ووجدت دارا في بيت من بيوتها شبه خابية كبيرة يصنعونها لاختزان الزّرع، وفي أسفلها نقب يسع منه الرجل فدخلتها ووجدت داخلها مفروشا بالتبن وفيه حجر جعلت رأسي عليه ونمت. وكان فوقها طائر يرفرف بجناحيه أكثر الليل، وأظنه كان يخاف فاجتمعنا خائفين وأقمت على تلك الحال سبعة أيام من يوم أسرت، وهو يوم السبت وفي السابع منها وصلت إلى قرية للكفار عامرة، وفيها حوض ماء ومنابت خضر، فسألتهم الطعام، فأبوا أن يعطوني، فوجدت حول بئر بها أوراق فجل، فأكلته، وجئت القرية فوجدت جماعة كفار لهم طليعة، فدعاني طليعتهم فلم أجبه، وقعدت إلى الأرض، فأتى أحدهم بسيف مسلول ورفعه ليضربني به، فلم التفت إليه لعظم ما بي من الجهد، ففتشني فلم يجد عندي شيئا فأخذ القميص الذي كنت أعطيت كمّية للشيخ الموكل بي.

стр. 838

ولما كان في اليوم الثامن اشتدّ بي العطش، وعدمت الماء ووصلت إلى قرية خراب فلم أجد بها حوضا، وعادتهم بتلك القرى أن يصنعوا أحواضا يجتمع بها ماء المطر فيشربون منه جميع السنة، فاتبعت طريقا فأفضت بي الى بئر غير مطوية، عليها حبل مصنوع من نبات الأرض، وليس فيه آنية يستقى بها فربطت خرقة كانت على رأسي في الحبل، وامتصصت ما تعلق بها من الماء، فلم يروني، فربطت خفي واستقيت به، فلم يفروني فاستقيت به ثانيا فانقطع الحبل، ووقع الخف في البئر فربطت الخف الآخر وشربت حتى رويت، ثم قطعته فربطت أعلاه على رجلي بحبل البئر، وبخرق وجدتها هنالك فبينما أنا أربطها وأفكر في حالي إذ لاح لي شخص فنظرت إليه فإذا رجل أسود اللّون بيده إبريق وعكّاز، وعلى كاهله جراب، فقال لي: سلام عليكم فقلت له: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال لي بالفارسية: جيكس معناه: من أنت؟ فقلت له: أنا تائه! فقال لي: وأنا كذلك، ثم ربط إبريقه بحبل كان معه واستقى ماء فأردت أن أشرب، فقال لي: اصبر! ثم فتح جرابه فأخرج منه غرفة حمّص أسود مقلو مع قليل أرز، فأكلت منه وشربت، وتوضأ وصلّى ركعتين وتوضأت أنا وصليت، وسألني عن اسمي فقلت: محمد، وسألته عن اسمه فقال لي: القلب الفارح فتفاءلت بذلك وسررت به، ثم قال لي: بسم الله! ترافقني؟ فقلت: نعم، فمشيت معه قليلا، ثم وجدت فتورا في أعضاءي، ولم أستطع النهوض، فقعدت، فقال لي: ما شأنك؟ فقلت له: كنت قادرا على المشي قبل أن ألقاك فلما لقيتك عجزت، فقال: سبحان الله اركب عنقي! فقلت له: إنك ضعيف ولا تستطيع ذلك، فقال: يقوّيني الله، لا بد لك من ذلك، فركبت على عنقه، وقال لي: أكثر من قراءة: حسبنا الله ونعم الوكيل، فاكثرت من ذلك. وغلبتني عيني فلم أفق إلا لسقوطي على الأرض فاستيقظت ولم أر للرجل أثرا، وإذا أنا في قرية عامرة فدخلتها فوجدتها لرعية الهنود، وحاكمها من المسلمين، فأعلموه بي فجاء إليّ فقلت له: ما اسم هذه القرية؟ فقال لي: تاج بوره «٢٢» ، وبينها وبين مدينة كول حيث أصحابنا فرسخان، وحملني ذلك الحاكم إلى بيته فأطعمني طعاما سخنا واغتسلت وقال لي: عندي ثوب وعمامة أودعهما عندي رجل عربي مصري من أهل المحلّة التي بكول، فقلت له: هاتهما ألبسهما إلى أن أصل إلى المحلة، فأتى بهما فوجدتهما من ثيابي كنت قد وهبتهما لذلك العربي لما قدمنا كول فطال تعجبي من ذلك!

стр. 839

وفكرت في الرجل الذي حملني على عنقه، فتذكرت ما أخبرني به ولي الله تعالى أبو عبد الله المرشدي حسبما ذكرناه في السفر الأول «٢٣» ، إذ قال لي: ستدخل أرض الهند وتلقى بها أخي دلشاد، ويخلصك من شدة تقع فيها، وتذكرت قوله لما سألته عن اسمه فقال: القلب الفارح وتفسيره بالفارسية دلشاد، فعلمت أنه هو الذي أخبرني بلقائه وأنه من الأولياء ولم يحصل لي من صحبته إلا المقدار الذي ذكرته. وكتبت تلك الليلة إلى أصحابي بكول معلما لهم بسلامتي فجاءوا إلي بفرس وثياب، واستبشروا بي ووجدت جواب السلطان قد وصلهم، وبعث بفتى يسمى بسنبل الجامدار عوضا من كافور المستشهد، وأمرنا أن نتمادى على سفرنا، ووجدتهم أيضا قد كتبوا للسلطان بما كان من أمري وتشاءموا بهذه السفرة لما جرى فيها عليّ وعلى كافور، وهم يريدون أن يرجعوا، فلما رأيت تأكيد السلطان في السّفر، أكدت عليهم وقوى عزمي، فقالوا ألا ترى ما اتفق في بداية هذه السفرة والسلطان يعذرك، فلنرجع إليه أو نقيم حتى يصل جوابه، فقلت لهم: لا يمكن المقام وحيث ما كنا أدركنا الجواب. فرحلنا عن كول ونزلنا بورج بوره «٢٤» وبه زاوية حسنة فيها شيخ حسن الصورة والسيرة يسمى بمحمد العريان لانه لا يلبس عليه إلا ثوبا من سرته إلى أسفل وباقي جسده مكشوف وهو تلميذ الصّالح الولي محمد العريان القاطن بقرافة مصر، نفع الله به. حكاية هذا الشيخ وكان من أولياء الله تعالى قائما على قدم التجرد يلبس تنّورة، وهو ثوب يستر من سرته إلى أسفل، ويذكر أنه كان إذا صلّى العشاء الآخرة أخرج كل ما بقى بالزاوية من طعام وادام وماء وفرق ذلك على المساكين ورمى بفتيلة السراج، وأصبح على غير معلوم. وكانت عادته أن يطعم أصحابه عند الصباح خبزا وفولا فكان الخبازون والفوّالون يستبقون إلى زاويته فيأخذ منهم مقدار ما يكفي الفقراء، ويقول لمن أخذ منه ذلك: أقعد حتى يأخذ أول ما يفتح به عليه في ذلك اليوم قليلا كثيرا. ومن حكايته أنه لما وصل قازان ملك التتر إلى الشام بعساكره وملك دمشق ما عدا قلعتهما، وخرج الملك الناصر إلى مدافعته ووقع اللقاء على مسيرة يومين من دمشق بموضع

стр. 840

يقال له: قشحب، والملك الناصر إذ ذاك حديث السن لم يعهد الوقائع، وكان الشيخ العريان في صحبته فنزل، وأخذ قيدا فقيد به فرس الملك الناصر لئيلا يتزحزح عند اللقاء لحداثة سنة، فيكون ذلك سبب هزيمة المسلمين، فثبت الملك الناصر وهزم التتر هزيمة شنعاء قتل منهم فيها كثير وغرق كثير بما أرسل عليهم من المياه، ولم يعد التتر إلى قصد بلاد الاسلام بعدها «٢٥» ، وأخبرني الشيخ محمد العريان المذكور تلميذ هذا الشيخ أنه حضر هذه الوقيعة وهو حديث السن. ورحلنا من برج بوره ونزلنا على الماء المعروف باب سياه «٢٦» ، ثم رحلنا إلى مدينة قنوج «٢٧» ، وضبط اسمها بكسر القاف وفتح النون وواو ساكن وجيم، مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة الأسعار كثيرة السكّر، ومنها يحمل إلى دهلي، وعليها سور عظيم، وقد تقدم ذكرها، وكان بها الشيخ معين الدين الباخرزي أضافنا بها، وأميرها فيروز البدخشاني من ذرية بهرام جور «٢٨» صاحب كسرى، ويسكن بها جماعة من الصلحاء الفضلاء المعروفين بمكارم الأخلاق يعرفون بأولاد شرف جهان، وكان جدهم قاضي القضاة بدولة أباد وهو من المحسنين المتصدقين وانتهت الرئاسة ببلاد الهند إليه. حكاية قاضي القضاة يذكر أنه عزل مرة عن القضاء وكان له أعداء فادعى أحدهم عند القاضي الذي ولي بعده، أنّ له عشرة آلاف دينار قبله ولم تكن له بيّنة وكان قصده أن يحلّفه فبعث القاضي عنه، فقال لرسوله: بما ادعى عليّ؟ فقال: بعشرة آلاف دينار، فبعث إلى مجلس القاضي عشرة آلاف، وسلّمت للمدّعي.

стр. 841

وبلغ خبره السلطان علاء الدين وصح عنده بطلان تلك الدعوى، فأعاده إلى القضاء وأعطاه عشرة آلاف. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثا، ووصلنا فيها جواب السلطان في شأني بأنه إن لم يظهر لفلان أثر فيتوجّه وجيه الملك قاضي دولة آباد عوضا منه! ثم رحلنا من هذه المدينة فنزلنا بمنزل هنول، ثم بمنزل وزير بور ثم بمنزل البجالصة «٢٩» ثم وصلنا إلى مدينة موري «٣٠» ، وضبط اسمها بفتح ميم وواو وراء وهي صغيرة ولها أسواق حسنة، ولقيت بها الشيخ الصالح المعمر قطب الدين المسمى بحيدر الفرغاني، وكان بحال مرض فدعا لي وزوّدني رغيف شعير، وأخبرني أن عمره ينيف على مائة وخمسين، وذكر لي أصحابه أنه يصوم الدّهر ويواصل كثيرا ويكثر الاعتكاف، وربما أقام في خلوته أربعين يوما يقتات فيها بأربعين تمرة في كلّ يوم واحدة. وقد رأيت بدهلي الشيخ المسمى برجب البرقعي دخل الخلوة بأربعين تمرة فأقام بها أربعين ثم خرج وفضل معه منها ثلاث عشرة تمرة! ثم رحلنا ووصلنا إلى مدينة مره «٣١» ، وضبط اسمها بفتح الميم وسكون الراء وهاء، وهي مدينة كبيرة أكثر سكانها كفار تحت الذّمة، وهي حصينة وبها القمح الطيب الذي ليس مثله بسواها، ومنها يحمل إلى دهلي، وحبوبه طوال شديدة الصفرة ضخمة، ولم أر قمحا مثله إلا بأرض الصين! وتنسب هذه المدينة إلى المالوة «٣٢» بفتح اللام، وهي قبيلة من قبائل الهنود ضخام الأجسام عظام الخلق حسان الصور، لنسائهم الجمال الفائق، وهن مشهورات بطيب الخلوة ووفور الحظ من اللّذة، وكذلك نساء المرهتة «٣٣» ونساء جزيرة ذيبة المهل «٣٤» !

стр. 842

ثم سافرنا إلى مدينة علابور «٣٥» ، وضبط اسمها بفتح العين ولام والف وباء موحدة مضمومة وواو وراء، مدينة صغيرة أكثر سكانها الكفار تحت الذمة، وعلى مسيرة يوم منها سلطان كافر اسمه قتم بفتح القاف والتاء المعلوة، وهو سلطان جنبيل بفتح الجيم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وباء مد ولام، الذي حاصر مدينة كيالير، وقتل بعد ذلك «٣٦» . حكاية الأمير قتم كان هذا السلطان الكافر قد حاصر مدينة رابري «٣٧» ، وهي على نهر الجون، كثيرة القرى والمزارع، وكان أميرها خطّاب الأفغاني، وهو أحد الشجعان، واستعان السلطان الكافر بسلطان كافر مثله يسمى رجو، بفتح الراء وضم الجيم، وبلده يسمى سلطان بور «٣٨» ، وحاصرا مدينة ربري فبعث خطّاب إلى السلطان يطلب منه الإغاثة فأبطأ عليه المدد وهو على مسيرة أربعين من الحضرة، فخاف أن يتغلب الكفار عليه فجمع من قبيلة الأفغان نحو ثلاثمائة، ومثلهم من المماليك ونحو أربع مائة من سائر الناس، وجعلوا العمائم في أعناق خيلهم! وهي عادة أهل الهند إذا أرادوا الموت وباعوا نفوسهم من الله تعالى، وتقدّم خطّاب وقبيلته وأتبعهم سائر الناس، وفتحوا الباب عند الصبح وحملوا على الكفار حملة واحدة وكانوا نحو خمسة عشر ألفا فهزموهم، باذن الله، وقتلوا سلطانيهم قتم ورجو، وبعثوا برأسيهما إلى السلطان ولم ينج من الكفار إلا الشّريد. ذكر أمير علابور واستشهاده وكان أمير علابور بدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذين تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزال يغير على الكفار منفردا بنفسه فيقتل ويسبى حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار، وكان طويلا ضخما ياكل الشاة عن آخرها في أكلة! وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصف من السمن بعد غذائه على عادة الحبشة

стр. 843

ببلادهم! وكان له ابن يدانيه في الشجاعة، فاتفق أن غار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار فوقع به الفرس في مطمورة واجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقتّارة، والقتّارة بقاف معقود وتاء معلوة، حديدة شبه سكة للحرث يدخل الرجل يده فيها فتكسو ذراعه ويفضل منها مقدار ذراعين، وضربتها لا تبقي، فقتله بتلك الضربة وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية، وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وما فيها وأخرجوا الفرس من المطمورة سالما فأتوا به ولده فكان من الاتفاق الغريب أنه ركب الفرس وتوجّه إلى دهلي فخرج عليه الكفار فقاتلهم حتى قتل وعاد الفرس إلى أصحابه فدفعوه إلى أهله فركبه صهر له فقتله الكفار عليه أيضا! ثم سافرنا إلى مدينة كاليور، وضبط اسمها بفتح الكاف المعقود وكسر اللّام وضم الياء آخر الحروف وواو وراء، ويقال فيها أيضا كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع منقطع في رأس شاهق على بابه صورة فيل، وفيال من الحجارة وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين «٣٩» ، وأمير هذه المدينة أحمد بن سيرخان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذه السفرة. ودخلت عليه يوما وهو يريد توسيط رجل من الكفار فقلت له: بالله لا تفعل ذلك، فاني ما رأيت أحدا قط يقتل بمحضري! فأمر بسجنه وكان ذلك سبب خلاصه. ثم رحلنا من مدينة كاليور إلى مدينة برون «٤٠» ، وضبط اسمها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخره نون، مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار، أميرها محمد بن بيرم التركي الأصل، والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليها ليلا وأبوابها مغلقة فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيرا وكانوا يعجبون في شأن دخوله. وأخبرني محمد التّوفيري من أهلها، وكان جارا لي بها أنه دخل داره ليلا وافترس صبيا من فوق السرير، وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس فخرج أحدهم لحاجة فافترسه فخرج أصحابه في طلبه فوجدوه مطروحا بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه. وذكروا أنه كذلك فعله بالناس.

стр. 844

ومن العجب أن بعض الناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع وإنما هو أدمي من السّحرة المعروفين بالجوكية يتصور في صورة سبع، ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به جماعة ولنذكر بعضا من أخبار هؤلاء السحرة. ذكر السّحرة الجوكية «٤١» وهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب، منها أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب، وكثير منهم تحفر لهم حفر تحت الأرض وتبنى عليه، فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء، ويقيم بها الشهور، وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة! ورأيت بمدينة منجرو رجلا من المسلمين ممن يتعلّم منهم قد رفعت له طبلة وأقام بأعلاها لا يأكل ولا يشرب مدة من خمسة وعشرين يوما وتركته كذلك، فلا أدري كم أقام بعدي. والناس يذكرون أنهم يركّبون حبوبا يأكلون الحبة منها لأيام معلومة أو أشهر فلا يحتاج في تلك المدة إلى طعام ولا شراب ويخبرون بأمور مغيبة والسلطان يعظمهم ويجالسهم، ومنهم من يقتصر في أكله على البقل ومنهم من لا يأكل اللحم وهم الاكثرون، والظاهر من حالهم أنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لهم في الدنيا وزينتها، ومنهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتا من نظرته، وتقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميت وجد دون قلب! ويقولون: أكل قلبه، وأكثر ما يكون هذا في النّساء، والمرأة التي تفعل ذلك تسمى كفتار! حكاية [امرأة كفتار] لما وقعت المجاعة العظمى ببلاد الهند بسبب القحط والسلطان ببلاد التّلنك «٤٢» نفّذ أمره أن يعطى لأهل دهلي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم، فجمعهم الوزير، ووزع المساكين منهم على الأمراء والقضاة ليتولّوا إطعامهم فكان عندي منهم

стр. 845

خمسمائة نفس فعمّرت لهم سقائف في دارين وأسكنتهم بها، وكنت أعطيتهم نفقة خمسة أيام في خمسة أيام، فلما كان في بعض الأيام أتوني بمرأة منهم، وقالوا: إنها كفتار وقد أكلت قلب صبيّ كان إلى جانبها، وأتوا بالصبي ميّتا، فأمرتهم أن يذهبوا بها إلى نائب السلطان فأمر باختبارها وذلك بأن ملأوا أربع جرات بالماء وربطوها بيدها ورجليها وطرحوها في نهر الجون فلم تغرق، فعلم أنها كفتار! ولو لم تطف على الماء لم تكن بكفتار، فأمر بإحراقها بالنّار وأتى أهل البلد رجالا ونساء فأخذوا رمادها وزعموا أنه من تبخر به أمن في تلك السنة من سحر كفتار! حكاية [سحر الجوكية] بعث إلي السلطان يوما وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من هؤلاء الجوكية وهم يلتحفون بالملاحف ويغطّون رؤوسهم لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتف الناس أباطهم. فأمرني بالجلوس فجلست، وقال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياه ما لم يره! فقالا: نعم، فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربعا، فعجبت منه، وأدركني الوهم فسقطت إلى الأرض! فأمر السلطان أن أسقي دواء عنده فأفقت وقعدت وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلا من شكارة كانت معه فضرب بها الأرض كالمغتاظ فصعدت إلى أن علت فوق عنق المتربّع وجعلت تضرب في عنقه وهو ينزل قليلا حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النّعل، ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن ياتوا بأعظم مما رأيت! فانصرفت عنه وأصابني الخفقان ومرضت حتى أمر لي بشربة أذهبن ذلك عني. ولنعد لما كنا بسبيله، فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أمواري، ثم إلى منزل كجرّا «٤٣» وبه حوض عظيم طوله نحو ميل وعليه الكنائس فيها الأصنام، قد مثّل بها المسلمون، وفي وسطه ثلاث قباب من الحجارة الحمر على ثلاث طباق وعلى أركانه الأربعة أربع قباب، ويسكن هنالك جماعة من الجوكية وقد لبّدوا شعورهم وطالت، حتى صارت في طولهم وغلبت عليهم صفرة الألوان من الرياضة، وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم، ويذكرون أن من كانت به عاهة من برص أو جذام يأوي إليهم مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى.
следующие страницы →